آخر تحديث للموقع :

الجمعة 5 رجب 1444هـ الموافق:27 يناير 2023م 10:01:46 بتوقيت مكة

جديد الموقع

محمد الوهيبي ..
الكاتب : محمد الوهيبي ..

اعتقاد أهل السنة في الصحابة
محمد الوهيبي


المقدمة:

 إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإن اعتقاد أهل السنة في الصحابة يمثل الركيزة الرئيسة لدراسة تاريخهم رضي الله عنهم، ولابد أن يحصل الانحراف والتشويه لتاريخهم إذا دُرس بمعزل عن العقيدة.
ولأهمية هذا الموضوع نجد عامة كتب الاعتقاد عند أهل السنة تبينه بشكل جلي، ولا يمكن أن نجد كتاباً من كتب أهل السنة التي تبحث جوانب العقيدة المختلفة إلا ونجد هذا المبحث، ككتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، والسنة لـابن أبي عاصم، والسنة لـعبد الله بن أحمد بن حنبل، والإبانة لـابن بطة، وعقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني.. وغيرها، بل كل إمام من أئمة السنة حينما يذكر عقيدته ولو في ورقة واحدة أو أقل، لابد وأن يشير إلى موضوع الصحابة إما من جهة فضلهم، أو فضل الخلفاء الراشدين، أو من جهة عدالتهم والنهي عن سبهم والطعن فيهم، أو الإشارة إلى الكف والإمساك عما شجر بينهم.. إلخ.([1]).
من أجل ذلك أردت في بحثي هذا أن أبرز أهمية هذا الاعتقاد بجوانبه المختلفة، ومدى الخطورة المترتبة على تركه حين بحث تاريخ الصحابة.
فالبحث إذن يركز على الناحية العقائدية، وقد يبحث بعض الجوانب الأخرى إجمالاً؛ لاقتضاء ضرورة البحث ذلك، مثل الإشارة إلى أحكام سب الصحابة، والإشارة إلى ضرورة تحقيق الروايات حول تاريخ الصحابة.
فهذا البحث يمكن أن أعتبره مدخلاً ضرورياً للنظر في أحوال الصحابة، يحتاجه المؤرخ والباحث في مجال الفرق وأقوالهم، وكذلك لمن يريد دراسة سيرة أحد من الصحابة.. وغير ذلك.
وقد قسمته إلى عدة مباحث كما يلي:
أولاً: أدلة عدالتهم من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة، فاخترت ما يدل على ذلك دلالة ظاهرة من الآيات والأحاديث الصحيحة، مع تعليقات بعض الأئمة.
 ثانياً: منزلة الصحبة لا يعدلها شيء، بحثت فيه فضلهم على من بعدهم.
ثالثاً: أنواع سبهم وحكم كل نوع، وضحت فيه الفرق بين السب الذي يطعن في عدالتهم وما دون ذلك، وكذلك من سب ما تواترت النصوص بفضله وما دون ذلك، ومن سبهم جملة، أو سب بعضهم، وأشرت في آخر هذا المبحث إلى حكم من سب أم المؤمنين عائشة بما برأها الله منه، ومن ثم أحكام بقية أمهات المؤمنين.
رابعاً: وأتبعت ذلك ببحث للآثار المترتبة على السب ولوازم السب.
خامساً: الموقف فيما شجر بينهم، وضحت فيه بعض الأسس والجوانب التي ينبغي أن ينظر إليها الباحث حين بحثه لما شجر بينهم؛ لكيلا يقع في سبهم.
 وبعد، أخي القارئ! لا أزعم أني سآتي بجديد، وإنما جمعت أقوالاً مختارة للأئمة، ورتبتها ترتيباً معيناً لهدف محدد، وهو إبراز أهمية اعتقاد أهل السنة في هذا الجانب، والتحذير من كل ما ينافي ذلك بأي نوع من أنواع التنقيص، فهو جهد يضم إلى كل الجهود التي سطرها المنتسبون إلى مذهب السلف في هذا المجال، سواء في مجال العقيدة، أو الفرق، أو التاريخ، أو الحديث، أو غيره.
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا حب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يحشرنا في زمرتهم.
ونسأل الله التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على رسوله محمد وآله وصحبه.
محمد بن عبد الله الوهيبي
الرياض ص. ب: 85542.

أدلة عدالتهم من الكتاب والسنة: [أدلة عدالة الصحابة من الكتاب والسنة]:
عدالة الصحابة عند أهل السنة من مسائل العقيدة القطعية، أو مما هو معلوم من الدين بالضرورة، ويستدلون لذلك بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة.
 أولاً: من الكتاب: 
الآية الأولى: يقول الله عز وجل: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].
قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (كنا ألفاً وأربعمائة)([2]).
 فهذه الآية ظاهرة الدلالة على تزكية الله لهم تزكية لا يخبر بها ولا يقدر عليها إلا الله، وهي تزكية بواطنهم وما في قلوبهم، ومن هنا رضي عنهم، (ومن رضي عنه تعالى لا يمكن موته على الكفر؛ لأن العبرة بالوفاة على الإسلام، فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام).([3])ومما يؤكد هذا ما ثبت في صحيح مسلم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها»([4]).
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (والرضا من الله صفة قديمة، فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضا، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبداً، فكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة، وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح؛ فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له، فلو علم أنه يتعقب ذلك بما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك).([5]).
وقال ابن حزم: (فمن أخبرنا الله عز وجل أنه علم ما في قلوبهم، ورضي عنهم، وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم أو الشك فيهم البتة).([6]).
الآية الثانية: قوله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29].
قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضي الله عنهم الذين فتحوا الشام، يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا، وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نوه الله تبارك وتعالى بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة، ولهذا قال سبحانه وتعالى هنا: ((ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ)) ثم قال: ((وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ)) أي: فراخه، ((فَآزَرَهُ)) أي: شده، ((فَاسْتَغْلَظَ)) أي: شب وطال، ((فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ)) أي: فكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه، فهو معهم كالشطء مع الزراع ليغيظ بهم الكفار).([7]).
وقال ابن الجوزي: (وهذا الوصف لجميع الصحابة عند الجمهور).([8]).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ)) [الحشر:8] إلى قوله تعالى:
((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].
يبين الله عز وجل في هذه الآيات أحوال وصفات المستحقين للفيء، وهم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)).
والقسم الثاني: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)).
والقسم الثالث: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)).
وما أحسن ما استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية الكريمة، أن الذي يسب الصحابة ليس له من مال الفيء نصيب؛ لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء -القسم الثالث- في قولهم: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10]([9])الآية.
قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان، وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. قال: ثم قرأ: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) إلى قوله: ((رِضْوَاناً)) فهؤلاء المهاجرون، وهذه منزلة قد مضت ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) إلى قوله: ((وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) قال: هؤلاء الأنصار، وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) إلى قوله: ((رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) قد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، يقول: أن تستغفروا لهم)([10]).
وقالت عائشة رضي الله عنها: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبوهم) رواه مسلم.([11]).
 قال أبو نعيم: (فمن أسوأ حالاً ممن خالف الله ورسوله وآب بالعصيان لهما والمخالفة عليهما، ألا ترى أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يعفو عن أصحابه ويستغفر لهم ويخفض لهم الجناح، قال تعالى:
((وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) [آل عمران:159] وقال: ((وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)) [الشعراء:215].
فمن سبهم وأبغضهم وحمل ما كان من تأويلهم وحروبهم على غير الجميل الحسن؛ فهو العادل عن أمر الله تعالى وتأديبه ووصيته فيهم. لا يبسط لسانه فيهم إلا من سوء طويته في النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والإسلام والمسلمين).([12]).
 وعن مجاهد، عن ابن عباس قال: (لا تسبوا أصحاب محمد؛ فإن الله قد أمر بالاستغفار لهم، وقد علم أنهم سيقتتلون)([13]).
الآية الرابعة: قوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].
والدلالة في هذه الآية ظاهرة، قال ابن تيمية: (فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان، ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان).([14])ومن اتباعهم بإحسان الترضي عنهم والاستغفار لهم.
الآية الخامسة: قوله تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10].
والحسنى: الجنة، قال ذلك مجاهد وقتادة.([15]).
واستدل ابن حزم من هذه الآية بالقطع بأن الصحابة جميعاً من أهل الجنة لقوله عز وجل: ((وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)).([16]).
 الآية السادسة: قوله تعالى: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:117].
وقد حضر غزوة تبوك جميع من كان موجوداً من الصحابة، إلا من عذر الله من النساء والعجزة، أما الثلاثة الذين خلفوا فقد نزلت توبتهم بعد ذلك.
 ثانياً: من السنة: 
الحديث الأول: عن أبي سعيد، قال: «كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أحداً من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»([17]) رواه البخاري ومسلم.
 قال ابن تيمية في الصارم المسلول، وكذلك قال الإمام أحمد وغيره: (كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم سنة أو شهراً أو يوماً أو رآه مؤمناً به، فهو من أصحابه، له من الصحبة بقدر ذلك).
فإن قيل: فلم نهى خالداً عن أن يسب أصحابه إذا كان من أصحابه أيضاً، وقال: «لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» قلنا: لأن عبد الرحمن بن عوف ونظراءه من السابقين الأولين الذين صحبوه في وقت كان خالد وأمثاله يعادونه فيه، وأنفقوا أموالهم قبل الفتح وقاتلوا، وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، وكلاً وعد الله الحسنى، فقد انفردوا من الصحبة بما لم يشركهم فيه خالد ونظراؤه، ممن أسلم بعد الفتح الذي هو صلح الحديبية وقاتل، فنهى أن يسب أولئك الذين صحبوه قبله، ومن لم يصحبه قط نسبته إلى من صحبه، كنسبة خالد إلى السابقين، وأبعد.([18]).
الحديث الثاني: قال صلى الله عليه وسلم لـعمر: «وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» رواه البخاري ومسلم.([19]).
قيل: الأمر في قوله: (اعملوا) للتكريم، وأن المراد أن كل عمل عمله البدري لا يؤاخذ به لهذا الوعد الصادق. وقيل: المعنى إن أعمالهم السيئة تقع مغفورة، فكأنها لم تقع.([20]).
 وقال النووي: (قال العلماء: معناه الغفران لهم في الآخرة، وإلا فإن توجب على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا. ونقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد، وأقامه عمر على بعضهم قدامة بن مظعون قال: (وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مسطحاً الحد، وكان بدرياً)([21]).
وقال ابن القيم: (والله أعلم، إن هذا خطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا يفارقون دينهم، بل يموتون على الإسلام، وأنهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب، ولكن لا يتركهـم سبحانه مصرين عليها، بل يوفقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات تمحو أثر ذلك، ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم؛ لأنه قد تحقق ذلك فيهم، وأنهم مغفور لهم، ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم، كما لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض وثوقاً بالمغفرة، فلو كانت قد حصلت بدون الاستمرار على القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذلك إلى صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد، وهذا محال).([22]).
الحديث الثالث: عن عمران بن الحصين رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم قال عمران: فلا أدري، أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً» متفق عليه.([23]).
الحديث الرابع: عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» رواه مسلم.([24]).
الحديث الخامس: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أكرموا أصحابي، فإنهم خياركم»([25]) وفي رواية أخرى: «احفظوني في أصحابي»([26]).
الحديث السادس: عن واثلة يرفعه: «لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصحبني، والله لا تزالون بخير مادام فيكم من رأى من رآني وصاحبني»([27]).
الحديث السابع: عن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»([28]) وقال في الأنصار كذلك: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق»([29]).
وهناك أحاديث أخرى ظاهرة الدلالة على فضلهم بالجملة، أما فضائلهم على التفصيل فكثيرة جداً، وقد جمع الإمام أحمد رحمه الله في كتابه فضائل الصحابة مجلدين، قريباً من ألفي حديث وأثر، وهو أجمع كتاب في بابه.([30]).
 خلاصة ما سبق: [مناقب الصحابة]:
نستنتج من العرض السابق للآيات والأحاديث في مناقب الصحابة ما يلي:
أولاً: إن الله عز وجل زكى ظاهرهم وباطنهم، فمن تزكية ظواهرهم وصفهم بأعظم الأخلاق الحميدة، ومنها: ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح:29].. ((وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ * وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:8-9].
أما بواطنهم، فأمر اختص به الله عز وجل، وهو وحده العليم بذات الصدور، فقد أخبرنا عز وجل بصدق بواطنهم وصلاح نياتهم، فقال على سبيل المثال: ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ)) [الفتح:18].. ((يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)) [الحشر:9].. ((يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) [الفتح:29].. ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)) [التوبة:117] فقد تاب عليهم سبحانه وتعالى، لما علم صدق نياتهم وصدق توبتهم، والتوبة عمل قلبي محض كما هو معلوم.. وهكذا.
ثانياً: بسبب توفيق الله عز وجل لهم لأعظم خلال الخير ظاهراً وباطناً أخبرنا أنه رضي عنهم وتاب عليهم، ووعدهم الحسنى.
 ثالثاً: وبسبب كل ما سبق أمرنا بالاستغفار لهم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإكرامهم، وحفظ حقوقهم ومحبتهم، ونهينا عن سبهم وبغضهم، بل جعل حبهم من علامات الإيمان، وبغضهم من علامات النفاق.
رابعاً: ومن الطبيعي بعد ذلك كله أن يكونوا خير القرون، وأماناً لهذه الأمة، ومن ثم يكون اقتداء الأمة بهم واجباً، بل هو الطريق الوحيد إلى الجنة: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»([31]).

منزلة الصحبة لا يعدلها شيء:
تعظيم الصحابة ومعرفة أقدارهم أمر مقرر عند كبارهم، ولو كان اجتماع الرجل به صلى الله عليه وسلم قليلاً، رضي الله عنهم.
قال الحافظ ابن حجر ذاكراً ما يدل على ذلك: (فمن ذلك ما قرأت في كتاب أخبار الخوارج تأليف محمد بن قدامة المروزي -ثم ذكر سنده- إلى أن قال: عن نبيج العنزي عن أبي سعيد الخدري، قال: (كنا عنده وهو متكئ، فذكرنا علياً ومعاوية، فتناول رجل معاوية، فاستوى أبو سعيد الخدري جالساً فذكر قصته حينما كان في رفقة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أبو بكر ورجل من الأعراب -إلى أن قال أبو سعيد -: ثم رأيت ذلك البدوي أتي به عمر بن الخطاب وقد هجا الأنصار، فقال لهم عمر: لولا أن له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أدري ما نال فيها لكفيتكموه)([32])قال الحافظ: ورجال هذا الحديث ثقات.
فقد توقف عمر رضي الله عنه عن معاتبته فضلاً عن معاقبته؛ لكونه علم أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدلها شيء.
حدثنا وكيع، قال: (سمعت سفيان يقول في قوله تعالى: ((قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)) [النمل:59] قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم)([33])انتهى من الإصابة.([34]).
 فهذا الاصطفاء والاختيار أمر لا يتصور، ولا يدرك، ولا يقاس بعقل؛ ومن ثم لا مجال لمفاضلتهم مع غيرهم مهما بلغت أعمالهم.
قال ابن عمر: (لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم أربعين سنة)([35]). وفي رواية وكيع: (خير من عبادة أحدكم عمره).
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم أما من اتفق له الذب عنه، والسبق إليه بالهجرة، أو النصرة، أو ضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده، فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده؛ لأنه ما من خصلة إلا وللذي سبق بها مثل أجر من عمل بها من بعده، فظهر فضلهم.([36]).
قال الإمام أحمد في عقيدته: (فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال).([37]).
وقال النووي: (وفضيلة الصحبة ولو لحظة، لا يوازيها عمل، ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بالقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).([38]).
أيضاً التزكية الداخلية لهم من الله عز وجل، العليم بذات الصدور، مثل قوله تعالى: ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) [الفتح:18] وقبول توبتهم ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:117] ورضاه عنهم
 ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) [الفتح:18]... إلخ. كل ذلك اختصوا به، فأنى لمن بعدهم مثل هذه التزكيات؟
لكن قد يقول قائل([39]): لقد وردت بعض الروايات الدالة على خلاف ما ذكرت، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ثعلبة: «تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين، قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟! قال: بل منكم»([40]).
وكذلك ما روى أبو جمعة رضي الله عنه، قال: «قال أبو عبيدة: يا رسول الله! أحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك؟ قال: قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني»([41]).
وقد جمع العلماء بين هذه الأحاديث والأحاديث السابقة من عدة وجوه، أهمها:
الوجه الأول: حديث: «للعامل فيهن أجر خمسين» لا يدل على الأفضلية؛ لأن مجرد زيادة الأجر على بعض الأعمال لا يستلزم ثبوت الأفضلية مطلقاً.
الوجه الثاني: أن المفضول قد توجد فيه مزايا وفضائل ليست عند الفاضل، ولكن من حيث مجموع الخصال لا يساوي الفاضل.
الوجه الثالث: يقال كذلك: إن الأفضلية بينهما إنما هي باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه، وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين، فلا يبعد حينئذ تفضيل بعض من يأتي على بعض الصحابة في ذلك، أما ما اختص به الصحابة رضوان الله عليهم وفازوا به؛ من مشاهدة طلعته صلى الله عليه وسلم، ورؤية ذاته المشرفة المكرمة، فأمر من وراء العقل، إذ لا يسع أحداً أن يأتي من الأعمال -وإن جلت- بما يقارب ذلك فضلاً عن أن يماثله.([42]).
الوجه الرابع: أن الرواة لم يتفقوا على لفظ حديث أبي جمعة، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية كما تقدم، ورواه بعضهم بلفظ: «قلنا: يا رسول الله! هل من قوم أعظم منا أجراً؟» أخرجه الطبراني.([43]).
قال الحافظ في الفتح: (وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وهي توافق حديث أبي ثعلبة، وقد تقدم الجواب عنه. والله أعلم).
 وأخيراً: ينبغي التنبيه في آخر هذه الفقرة إلى أن الخلاف بين الجمهور وغيرهم في ذلك لا يشمل كبار الصحابة من الخلفاء، وبقية العشرة، ومن ورد فيهم فضل مخصوص؛ كأهل العقبة وبدر وتبوك.. إلخ. وإنما يحصل النزاع فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة، ولذلك استثنى الإمام ابن عبد البر أهل بدر والحديبية.([44]).

سب الصحابة وحكمه:
ينقسم سب الصحابة إلى أنواع، ولكل نوع من السب حكم خاص به.
والسب هو: الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يفهم من السب بعقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم، كاللعن والتقبيح، ونحوهما.([45]).
وسب الصحابة رضوان الله عليهم دركات بعضها شر من بعض، فمن سب بالكفر أو الفسق، ومن سب بأمور دنيوية كالبخل وضعف الرأي، وهذا السب إما أن يكون لجميعهم أو أكثرهم، أو يكون لبعضهم، أو لفرد منهم، وهذا الفرد إما أن يكون ممن تواترت النصوص بفضله أو دون ذلك.
وإليك تفصيل وبيان أحكام كل قسم:
 أولاً: من سب الصحابة بالكفر والردة أو الفسق، جميعهم أو معظمهم: 
فلا شك في كفر من قال بذلك لأمور من أهمها:
- أن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق، وبذلك يقع الشك في القرآن والأحاديث؛ لأن الطعن في النقلة طعن في المنقول.
- أن في هذا تكذيباً لما نص عليه القرآن من الرضا عنهم والثناء عليهم (فالعلم الحاصل من نصوص القرآن والأحاديث الدالة على فضلهم قطعي)([46])ومن أنكر ما هو قطعي فقد كفر.
- أن في ذلك إيذاءً له صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أصحابه وخاصته، فسب المرء خاصته، والطعن فيهم يؤذيه ولا شك. وأذى الرسول صلى الله عليه وسلم كفر كما هو مقرر.
 قال شيخ الإسلام ابن تيمية مبيناً حكم هذا القسم: (وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضاً في كفره؛ لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضا عنهم، والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين.. -إلى أن قال-: وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام).([47]).
وقال الهيتمي رحمه الله: (ثم الكلام -أي الخلاف- إنما هو في سب بعضهم، أما سب جميعهم فلا شك في أنه كفر).([48]).
ومع وضوح الأدلة الكلية السابقة، ذكر بعض العلماء أدلة أخرى تفصيلية، منها:
أولاً: ما مر معنا من تفسير العلماء للآية الأخيرة من سورة الفتح؛ من قوله: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ)) [الفتح:29] إلى قوله: ((لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)) [الفتح:29] استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية كفر من يبغضون الصحابة؛ لأن الصحابة يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر، ووافقه الشافعي وغيره.([49]).
ثانياً: ما سبق من حديث أنس عند الشيخين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» وفي رواية: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق»([50]).
 ولـمسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يبغض الأنصار رجل آمن بالله واليوم الآخر»([51]) فمن سبهم فقد زاد على بغضهم، فيجب أن يكون منافقاً لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر.([52]).
ثالثاً: ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه ضرب بالدرة من فضله على أبي بكر، ثم قال عمر: (أبو بكر كان خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كذا وكذا) ثم قال عمر: (من قال غير هذا أقمنا عليه ما نقيم على المفتري)([53]).
وكذلك قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: (لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري)([54]).
فإذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعلي رضي الله عنهما يجلدان حد المفتري من يفضل علياً على أبي بكر وعمر، أو من يفضل عمر على أبي بكر، مع أن مجرد التفضيل ليس فيه سب ولا عيب، علم أن عقوبة السب عندهما فوق هذا بكثير.([55]).
 ثانياً: من سب بعضهم سباً يطعن في دينهم: 
كأن يتهمهم بالكفر أو الفسق، وكان ممن تواترت([56]) النصوص بفضله كالخلفاء:
فذلك كفر على الصحيح؛ لأن في هذا تكذيباً لأمر متواتر.
روى أبو محمد بن أبي زيد عن سحنون، قال: (من قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي: إنهم كانوا على ضلال وكفر، قتل، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل ذلك نكل النكال الشديد).([57]).
 وقال هشام بن عمار: سمعت مالكاً يقول: (من سب أبا بكر وعمر قتل، ومن سب عائشة رضي الله عنها قتل؛ لأن الله تعالى يقول فيها: ((يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) [النور:17] فمن رماها فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قتل).([58]).
أما قول مالك رحمه الله في الرواية الأخرى: (من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل، قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن) فالظاهر والله أعلم أن مقصود مالك رحمه الله هنا في سب أبي بكر رضي الله عنه فيما دون الكفر، يوضحه بقية كلامه عن عائشة رضي الله عنها، حيث قال: (من رماها فقد خالف القرآن) فهذا سب مخصوص يكفر صاحبه ولا يشمل كل سب؛ وذلك لأنه ورد عن مالك القول بالقتل فيمن كفر من هو دون أبي بكر.([59]).
 قال الهيتمي، مشيراً إلى ما يقارب ذلك عند كلامه عن حكم سب أبي بكر: (فيتلخص أن سب أبي بكر كفر عند الحنفية، وعلى أحد الوجهين عند الشافعية، ومشهور مذهب مالك أنه يجب به الجلد، فليس بكفر، نعم. قد يخرج عنه ما مر عنه في الخوارج أنه كفر، فتكون المسألة عنده على حالين: إن اقتصر على السب من غير تكفيرلم يكفره وإلا كفر).([60]).
وقال أيضاً: (وأما تكفير أبي بكر ونظرائه ممن شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة فلم يتكلم فيها أصحاب الشافعي. والذي أراه الكفر فيها قطعاً).([61]).
وقال الخرشي: (من رمى عائشة بما برأها الله منه، أو أنكر صحبة أبي بكر، أو إسلام العشرة، أو إسلام جميع الصحابة، أو كفر الأربعة، أو واحداً منهم؛ كفر).([62]).
وقال البغدادي: (وقالوا بتكفير كل من أكفر واحداً من العشرة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وقالوا بموالاة جميع أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكفروا من أكفرهن، أو أكفر بعضهن),.([63]).
والمسألة فيها خلاف مشهور، ولعل الراجح ما تقدم، وأما القائلون بعدم كفر من هذه حاله، فقد أجمعوا على أنه فاسق؛ لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب، يستحق التعزير والتأديب على حسب منزلة الصحابي، ونوعية السب.
وإليك بيان ذلك:
قال الهيتمي: (أجمع القائلون بعدم تكفير من سب الصحابة على أنهم فساق).([64]).
وقال ابن تيمية: (قال إبراهيم النخعي: كان يقال: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر، وكذلك قال أبو إسحاق السبيعي: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر التي قال الله تعالى فيها: ((إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ)) [النساء:31].
وإذا كان شتمهم بهذه المثابة فأقل ما فيه التعزير؛ لأنه مشروع في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة.. وهذا مما لا نعلم فيه خلافاً بين أهل الفقه والعلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعين لهم بإحسان، وسائر أهل السنة والجماعة، فإنهم مجمعون على أن الواجب الثناء عليهم، والاستغفار لهم، والترحم عليهم.. وعقوبة من أساء فيهم القول).([65]).
 وقال القاضي عياض: (وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل).([66]).
وقال عبد الملك بن حبيب: (من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدباً شديداً، وإن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر، فالعقوبة عليه أشد، ويكرر ضربه، ويطال سجنه حتى يموت).([67]).
فلا يقتصر في سب أبي بكر رضي الله عنه على الجلد الذي يقتصر عليه في جلد غيره؛ لأن ذلك الجلد لمجرد حق الصحبة، فإذا انضاف إلى الصحبة غيرها مما يقتضي الاحترام، لنصرة الدين وجماعة المسلمين، وما حصل على يده من الفتوح، وخلافة النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، كان كل واحد من هذه الأمور يقتضي مزيد حق موجب لزيادة العقوبة عند الاجتراء عليه.([68]).
وعقوبة التعزير المشار إليها لا خيار للإمام فيها، بل يجب عليه فعل ذلك.
قال الإمام أحمد رحمه الله: (لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب قبل منه، وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة وخلده الحبس حتى يموت أو يراجع).([69]).
فانظر أخي المسلم إلى قول إمام أهل السنة فيمن يعيب أو يطعن بواحد منهم، ووجوب عقوبته وتأديبه، ولما كان سبهم المذكور من كبائر الذنوب عند بعض العلماء، فحكم فاعله حكم أهل الكبائر من جهة كفر مستحلها.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، مبيناً حكم استحلال سب الصحابة: (ومن خص بعضهم بالسب، فإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله كالخلفاء، فإن اعتقد حقية سبه أو إباحته فقد كفر؛ لتكذيبه ما ثبت قطعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكذبه كافر، وإن سبه من غير اعتقاد حقية سبه أو إباحته فقد تفسق؛ لأن سباب المسلم فسوق، وقد حكم البعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقاً، والله أعلم).([70]).
وقال القاضي أبو يعلى تعليقاً على قول الإمام أحمد رحمه الله حين سئل عمن شتم الصحابة، فقال: (ما أراه على الإسلام) قال أبو يعلى: فيحتمل أن يحمل قوله: ما أراه على الإسلام، إذا استحل سبهم فإنه يكفر بلا خلاف، ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك مع اعتقاده لتحريمه، كمن يأتي بالمعاصي، ثم ذكر بقية الاحتمالات).([71]).
يتلخص مما سبق فيمن سب بعضهم سباً يطعن في دينه وعدالته، وكان ممن تواترت النصوص بفضله، أنه يكفر على الراجح لتكذيبه أمراً متواتراً، أما من لم يكفره العلماء، فأجمعوا على أنه من أهل الكبائر، ويستحق التعزير والتأديب، ولا يجوز للإمام أن يعفو عنه، ويزاد في العقوبة على حسب منزلة الصحابي، ولا يكفر عندهم إلا إذا استحل السب، أما من زاد على الاستحلال، كأن يتعبد الله عز وجل بالسب والشتم، فكفر مثل هذا مما لا خلاف فيه، ونصوص العلماء السابقة واضحة في مثل ذلك.
 وباتضاح هذا النوع بإذن الله، يتضح ما بعده بكل يسر وسهولة؛ ولذلك أطلنا القول فيه.
 ثالثاً: أما سب صحابي لم يتواتر النقل بفضله سباً يطعن في الدين: 
فقد بينا فيما سبق رجحان تكفير من سب صحابياً تواترت النصوص بفضله من جهة دينه، أما من لم تتواتر النصوص بفضله، فقول جمهور العلماء بعدم كفر من سبه؛ وذلك لعدم إنكاره معلوماً من الدين بالضرورة، إلا أن يسبه من حيث الصحبة.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: (وإن كان ممن لم يتواتر النقل في فضله وكماله، فالظاهر أن سابه فاسق، إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يكفر).([72]).
 رابعاً: أما سب بعضهم سباً لا يطعن في دينهم وعدالتهم: 
فلا شك أن فاعل ذلك يستحق التعزير والتأديب، ولكن من مطالعتي لأقوال العلماء في المراجع المذكورة لم أرَ أحداً منهم يكفر فاعل ذلك، ولا فرق عندهم بين كبار الصحابة وصغارهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما إن سبهم سباً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك، فهو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من العلماء).([73]).
وذكر أبو يعلى من الأمثلة على ذلك اتهامهم بقلة المعرفة بالسياسة.([74]).
 ومما يشبه ذلك اتهامهم بضعف الرأي، وضعف الشخصية، والغفلة، وحب الدنيا، ونحو ذلك.
وهذا النوع من الطعن تطفح به كتب التاريخ، وكذلك الدراسات المعاصرة لبعض المنسوبين لـأهل السنة، باسم الموضوعية والمنهج العلمي، وللمستشرقين أثر في غالب الدراسات التي من هذا النوع.
 وقفة مع المنهج الموضوعي:
ولعل من المناسب هنا أن نقف وقفة قصيرة جداً، نبين فيها فساد هذا المنهج، وخطورة تطبيقه على تاريخ الصحابة.
والمنهج الموضوعي عند الغربيين يعني أن يبحث الموضوع بحثاً عقلياً مجرداً بعيداً عن التصورات الدينية.([75]).
فنقول رداً على ذلك:
أولاً: المسلم لا يمكن أن يتجرد عن عقيدته بأي حال من الأحوال إلا أن يكون كافراً بها.([76]).
ثانياً: كذلك بالنسبة للتاريخ الإسلامي، إذا ثبتت الحوادث في ميزان نقد الرواية، فبأي منهج نفهمها ونفسرها؟ إذا لم نفسرها بالمنهج الإسلامي، فلابد أن نختار منهجاً آخر، فنقع في الانحراف من حيث لا نعلم.
وبناءً على ذلك، يجب أن نحذر من تطبيق هذا المنهج على تاريخ الصحابة، ويجب أن نعلم أيضاً أن ما يسمى بالنقد العلمي أو الموضوعية لتاريخ الصحابة هو السب الوارد في كتب أهل البدع، وفي كتب الأخبار، وتسميته بالمنهج العلمي لا يخرجه عن حقيقته التي عرف بها عند أهل السنة، وأيضاً تسميته بذلك لا تعلي من قيمته، كما لا يعلي من قيمته أن يردده كتاب مشهورون، وفيهم أولو فضل وصلاح، وإنما كل ما فعله المحدثون أنهم أحيوا هذا السب الذي أماته أهل السنة عندما كانت الدولة دولتهم.([77]).
 والذي أوصي به نفسي وإخواني الباحثين في تاريخ الصحابة ألا يتخلوا عن عقيدتهم، ومنها الاعتقاد بعدالة الصحابة وتحريم سبهم عند البحث في تاريخهم، فالله الله! أن يؤتي الإسلام من قبلهم، وليعلموا أن لـأهل السنة منهجاً واضحاً في النظر إلى تلكم الأخبار، كما سيأتي في آخر البحث.
 خامساً: حكم سب عائشة: 
أما من سب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه فقد أجمع أهل العلم أنه يكفر.
قال القاضي أبو يعلى: (من قذف عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه كفر بلا خلاف) وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة لهذا الحكم، فروي عن مالك: (من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل. قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن).([78]).
وقال ابن شعبان في روايته عن مالك: لأن الله تعالى يقول: ((يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) [النور:17] فمن عاد لمثله فقد كفر.([79]).
 والأدلة على كفر من رمى أم المؤمنين صريحة وظاهرة الدلالة، منها:
أولاً: ما استدل به الإمام مالك، أن في هذا تكذيباً للقرآن الذي شهد ببراءتها، وتكذيب ما جاء به القرآن كفر.
قال الإمام ابن كثير: (وقد أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا، ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن).([80]).
وقال ابن حزم تعليقاً على قول الإمام مالك السابق: (قول مالك ها هنا صحيح، وهي ردة تامة وتكذيب لله تعالى في قطعه ببراءتها).([81]).
ثانياً: إن فيه إيذاءً وتنقيصاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه، دل عليها القرآن الكريم، فمن ذلك:
إن ابن عباس رضي الله عنهما فرق بين قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)) [النور:4] وبين قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ)) [النور:23] فقال عند تفسير الآية الثانية: (هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وهي مبهمة ليس فيها توبة ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة.. إلى آخر كلامه، قال: فهم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسر).([82]).
فقد بين ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت فيمن قذف عائشة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيبه، فإن قذف المرأة أذى لزوجها، كما هو أذى لابنها؛ لأنه نسبة له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه، وإن زنى امرأته يؤذيه أذى عظيماً، ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزي بقذف أهله أعظم مما يلحقه لو كان هو المقذوف.([83]).
وكذلك فإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر بالإجماع.
قال القرطبي عند قوله تعالى: ((يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً)) [النور:17] يعني: في عائشة؛ لأن مثله لا يكون إلا نظير القول في المقول عنه بعينه، أو فيمن كان في مرتبته من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لما في ذلك من إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه وأهله، وذلك كفر من فاعله).([84]).
 ومما يدل على أن قذفهن أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما في حديث الإفك عن عائشة، قالت: «فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أُبي بن سلول، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي...» كما في الصحيحين.
فقوله: (من يعذرني) أي: من ينصفني ويقيم عذري إذا انتصفت منه لما بلغني من أذاه في أهل بيتي، والله أعلم. فثبت أنه صلى الله عليه وسلم قد تأذى بذلك تأذياً استعذر منه، وقال المؤمنون الذين لم تأخذهم حمية: (مرنا نضرب أعناقهم فإنا نعذرك إذا أمرتنا بضرب أعناقهم) ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على سعد استئماره في ضرب أعناقهم.([85]).
 قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (ومن يقذف الطيبة الطاهرة أم المؤمنين زوجة رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، لما صح ذلك عنه، فهو من ضرب عبد الله بن أُبي بن سلول رأس المنافقين، ولسان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا معشر المسلمين من يعذرني فيمن آذاني في أهلي» ((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً)) [الأحزاب:57]* ((وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً)) [الأحزاب:58] فأين أنصار دينه ليقولوا له نحن نعذرك يا رسول الله!.([86]).
كما أن الطعن بها رضي الله عنها فيه تنقيص برسول الله صلى الله عليه وسلم من جانب آخر، حيث قال الله عز وجل: ((الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ..)) [النور:26].
 قال ابن كثير: (أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيب من كل طيب في البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له شرعاً ولا قدراً، ولهذا قال تعالى: ((أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ)) [النور:26] أي هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان).([87]).
 سادساً: حكم سب بقية أمهات المؤمنين: 
اختلف العلماء في قذف بقية أمهات المؤمنين، والراجح الذي عليه الأكثرون: كفر فاعل ذلك؛ لأن المقذوفة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى إنما غضب لها؛ لأنها زوجته صلى الله عليه وسلم، فهي وغيرها منهن سواء.([88]).
وكذلك فإن فيه تنقيصاً وأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقذف حليلته.([89]).
وقد بينا ذلك عند كلامنا عن حكم من قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أما إن سب أمهات المؤمنين سباً غير ذلك فحكمهن حكم سائر الصحابة على التفصيل السابق.

لوازم السب: [لوازم سب الصحابة]:
تيقظ السلف الصالح رضوان الله عليهم لخطورة الطعن في الصحابة وسبهم، وحذروا من الطاعنين ومقاصدهم؛ وذلك لعلمهم بما قد يؤدي إليه ذلك السب من لوازم باطلة تناقض أصول الدين، فقال بعضهم كلمات قليلة لكنها جامعة، أذكرها في مقدمة هذا المبحث، ثم أوضح -بعض الشيء- ما يترتب على السب غالباً.
وسأركز في الرد على السب من القسم الأول والثاني، من نسبة الكفر أو الفسق لمجموع الصحابة أو أكثرهم، أو الطعن في عدالة من تواترت النصوص بفضله، كالخلفاء رضي الله عنهم.
قال الإمام مالك رحمه الله عن هؤلاء الذين يسبون الصحابة: (إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه؛ حتى يقال رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين).([90]).
وقال الإمام أحمد رحمه الله: (إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام).([91]).
وقال أبو زرعة الرازي رحمه الله: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة).([92]).
وقال الإمام أبو نعيم رحمه الله: (فلا يتتبع هفوات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزللهم، ويحفظ عليهم ما يكون منهم في حال الغضب والموجدة إلا مفتون القلب في دينه).([93]).
ويقول أيضاً: (لا يبسط لسانه فيهم إلا من سوء طويته في النبي صلى الله عليه وسلم، وصحابته، والإسلام، والمسلمين).([94]).
وتحذير العلماء هنا عام يشمل جميع الصحابة، وتأمل قول إمام أهل السنة: (يذكر أحداً في الصحابة بسوء). وقول أبي زرعة: (ينتقص أحداً) فحذروا ممن ينتقص مجرد انتقاص أو ذكر بسوء، وذلك دون الشتم أو التكفير، ثم في واحد منهم وليس جميعهم، فماذا يقال فيمن سب أغلبهم.
وإليك أخي القارئ إيضاح لبعض لوازم السب:
أولاً: يترتب على القول بكفر وارتداد معظم الصحابة أو فسقهم إلا نفراً يسيراً الشك في القرآن الكريم والأحاديث النبوية؛ وذلك لأن الطعن في النقلة طعن في المنقول، إذ كيف نثق بكتاب نقله إلينا الفسقة والمرتدون -والعياذ بالله- ولذلك صرح بعض أهل الضلال والبدع ممن يسب الصحابة بتحريف الصحابة للقرآن، والبعض أخفى ذلك، وكذلك الأمر بالنسبة للأحاديث النبوية، فإذا اتهم الصحابة رضوان الله عليهم في عدالتهم؛ صارت الأسانيد مرسلة مقطوعة لا حجة فيها، ومع ذلك يزعم بعض هؤلاء الإيمان بالقرآن، فنقول لهم: يلزم من الإيمان به الإيمان بما فيه، وقد علمت أن الذي فيه أنهم خير الأمم، وأن الله لا يخزيهم، وأنه رضي عنهم... الخ، فمن لم يصدق ذلك فيهم؛ فهو مكذب لما في القرآن ناقض لدعواه.
ثانياً: هذا القول يقتضي أن هذه الأمة -والعياذ بالله- شر أمة أخرجت للناس، وسابقي هذه الأمة شرارها، وخيرها القرن الأول كان عامتهم كفاراً أو فساقاً وإنهم شر القرون.([95])كبرت كلمة تخرج من أفواههم.
ثالثاً: يلزم من هذا القول أحد أمرين: إما نسبة الجهل إلى الله تعالى عما يصفون، أو العبث في هذه النصوص التي أثنى فيها على الصحابة، فإن كان الله عز وجل -تعالى عن قولهم- غير عالم بأنهم سيكفرون ومع ذلك أثنى عليهم ووعدهم الحسنى فهو جهل، والجهل عليه تعالى محال. وإن كان الله عز وجل عالماً بأنهم سيكفرون فيكون وعده لهم بالحسنى ورضاه عنهم عبث، والعبث في حقه تعالى محال.([96]).
ويتبع ذلك الطعن في حكمته عز وجل، حيث اختارهم واصطفاهم لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام، فجاهدوا معه وآزروه ونصروه واتخذهم أصهاراً له، حيث زوج ابنتيه ذا النورين عثمان رضي الله عنه، وتزوج ابنتي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فكيف يختار لنبيه أنصاراً وأصهاراً مع علمه بأنهم سيكفرون.
رابعاً: لقد بذل رسول الله صلى الله عليه وسلم جهوداً خارقة في تربية الصحابة على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، حتى تكون بفضل الله عز وجل المجتمع المثالي في خلقه وتضحياته وزهده وورعه، فكان صلى الله عليه وسلم أعظم مرب في التاريخ.
ولكن على العكس من ذلك، فإن جماعة تدعي الانتماء إلى الإسلام ونبي الإسلام، تقدم لهذا المجتمع صورة معاكسة، تهدم المجهودات التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم في مجال التربية والتوجيه، وتثبت له إخفاقاً لم يواجهه أي مصلح أو مرب، خبير مخلص لم يكن مأموراً من الله، كما كان الشأن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.([97]).
إن الإمامية ترى أن المجهودات الجبارة التي بذلها محمد صلى الله عليه وسلم لم تنتج إلا ثلاثة أو أربعة وفقاً لبعض الروايات، ظلوا متمسكين بالإسلام إلى ما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، أما غيرهم فقد قطعوا صلتهم بالإسلام -والعياذ بالله- فور وفاته صلى الله عليه وسلم، وأثبتوا أن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتربيته أخفقت ولم يعد لها أي تأثير.
وهذا الزعم يؤدي إلى اليأس من إصلاح البشرية، وعدم الثقة في المنهج الإسلامي وقدرته على التربية وتهذيب الأخلاق، وإلى الشك في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الدين الذي لم يستطع أن يقدم للعالم عدداً وجيهاً من نماذج عملية ناجحة بناءة، ومجتمعاً مثالياً في أيام الداعي وحامل رسالته الأول، فكيف يستطيع أتباعه ذلك بعد مضي وقت طويل على عهد النبوة؟!
وإذا كان المؤمنون بهذه الدعوة لم يستطيعوا البقاء على الجادة القويمة، ولم يعودوا أوفياء لنبيهم صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فلم يبق على الصراط المستقيم الذي ترك عليه النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه إلا أربعة فقط، فكيف نسلّم أن هذا الدين يصلح لتزكية النفوس وبناء الأخلاق؟ وأنه يستطيع أن ينقذ الإنسان من الهمجية والشقاء، ويرفعه إلى قمة الإنسانية؟ بل ربما يقال لو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صادقاً في نبوته لكانت تعاليمه ذات تأثير، ووجد هناك من آمن به من صميم القلب، ووجد من بين العدد الهائل ممن آمنوا به بعض المئات الذين ثبتوا على الإيمان، فإن كان أصحابه -سوى بضعة رجال منهم- منافقين ومرتدين -فيما زعموا- فمن دام بالإسلام؟ ومن انتفع بالرسول صلى الله عليه وسلم؟ وكيف يكون رحمة للعالمين؟!([98]).

الإمساك عما شجر بينهم:
قال صلى الله عليه وسلم: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا»([99]).
ولذلك فمن منهج أهل السنة الإمساك عن ذكر هفوات الصحابة، وتتبع زلاتهم، وعدم الخوض فيما شجر بينهم.
قال أبو نعيم رحمه الله: (فالإمساك عن ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر زللهم، ونشر محاسنهم ومناقبهم، وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه، من أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان، الذين مدحهم الله عز وجل بقوله: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10]([100]).
ويقول -أيضاً- في تعليقه على الحديث المشار إليه: (لم يأمرهم بالإمساك عن ذكر محاسنهم وفضائلهم، إنما أمروا بالإمساك عن ذكر أفعالهم وما يفرط منهم في ثورة الغضب وعارض الموجدة).([101]).
إذاً فالإمساك المشار إليه في الحديث الشريف إمساك مخصوص يقصد به عدم الخوض فيما وقع بينهم من الحروب، والخلافات على سبيل التوسع، وتتبع التفصيلات، ونشر ذلك بين العامة، أو التعرض لهم بالتنقص لفئة والانتصار لأخرى.([102]).
ونحن لم نؤمر بما سبق، وإنما أمرنا بالاستغفار لهم ومحبتهم ونشر محاسنهم وفضائلهم، لكن إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل فلابد من الذب عنهم، وذكر ما يبطل حجته بعلم وعدل.([103]).
وهذا مما نحتاجه في زماننا، حيث ابتليت الأمة المسلمة في جامعاتها ومدارسها بمناهج يزعم أصحابها الموضوعية والعلمية، يخوضون فيما شجر بين الصحابة بالباطل دون التأدب بالآداب التي علمنا إياها ربنا عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.
كذلك وللأسف وصلت هذه العدوى إلى بعض الإسلاميين، حتى إن بعضهم يجمع الغث والسمين من الروايات حول الفتنة التي بين الصحابة ثم يبني أحكامه دون الاسترشاد بأقوال الأئمة الأعلام وتحقيقاتهم؛ من أجل ذلك أردت أن أشير إلى بعض الأسس والتوجيهات التي ينبغي أن يعرفها الباحث إذا اقتضت الحاجة أن يبحث فيما شجر بينهم رضي الله عنهم.

أسس البحث في تاريخ الصحابة:
أولاً: إن الكلام عما شجر بين الصحابة ليس هو الأصل، بل الأصل الاعتقادي عند أهل السنة والجماعة هو: الكف والإمساك عما شجر بين الصحابة، وهذا مبسوط في عامة كتب أهل السنة في العقيدة، كـالسنة لـعبد الله بن أحمد بن حنبل والسنة لـابن أبي عاصم، وعقيدة أصحاب الحديث للصابوني، والإبانة لـابن بطة، والطحاوية، وغيرها.
ويتأكد هذا الإمساك عند من يخشى عليه الالتباس والتشويش والفتنة، وذلك بتعارض ذلك بما في ذهنه عن الصحابة وفضلهم ومنزلتهم وعدالتهم وعدم إدراك مثله لصغر سنه، أو حداثة عهده بالدين... لحقيقة ما حصل بين الصحابة، واختلاف اجتهادهم في ذلك، فيقع في الفتنة بانتقاصه للصحابة من حيث لا يعلم.
 وهذا مبني على قاعدة تربوية تعليمية مقررة عند السلف، وهي ألا يعرض على الناس من مسائل العلم إلا ما تبلغه عقولهم، قال الإمام البخاري رحمه الله: (باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا)([104]). وقال علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله). وقال الحافظ في الفتح تعليقاً على ذلك: (وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة). ومثله قول ابن مسعود: (ما أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) رواه مسلم([105]). وممن كره التحدث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج عن السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب...- إلى أن قال: (وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب، والله أعلم).([106]).
ثانياً: وإذا دعت الحاجة إلى ذكر ما شجر بينهم، فلابد من التحقق والتثبت في الروايات المذكورة حول الفتن بين الصحابة، قال عز وجل: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)) [الحجرات:6] هذه الآية تأمر المؤمنين بالتثبت في الأخبار المنقولة إليهم عن طريق الفساق لكيلا يحكموا بموجبها على الناس فيندموا، فوجوب التثبت والتحقيق فيما ينقل عن الصحابة وهم سادة المؤمنين أولى وأحرى، خصوصاً ونحن نعلم أن هذه الروايات دخلها الكذب والتحريف، إما من جهة أصل الرواية، أو تحريف بالزيادة والنقص يخرج الرواية مخرج الذم والطعن، وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب، يرويها الكذابون المعروفون بالكذب، مثل أبي مخنف لوط بن يحيى، ومثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وأمثالهما.([107]).
من أجل ذلك لا يجوز أن يدفع النقل المتواتر في محاسن الصحابة وفضائلهم بنقول بعضها منقطع وبعضها محرف، وبعضها لا يقدح فيما علم، فإن اليقين لا يزول بالشك، ونحن تيقنا ما ثبت في فضلهم، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا علم بطلانه.([108]).
ثالثاً: إذا صحت الرواية في ميزان الجرح والتعديل، وكان ظاهرها القدح، فيلتمس لهم أحسن المخارج والمعاذير، قال ابن أبي زيد: والإمساك عما شجر بينهم، وإنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب.([109]).
وقال ابن دقيق العيد: (وما نقل عنهم فيما شجر بينهم واختلفوا فيه: فمنه ما هو باطل وكذب، فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحاً أولناه تأويلاً حسناً؛ لأن الثناء عليهم من الله سابق، وما ذكر من الكلام اللاحق محتمل للتأويل، والمشكوك والموهوم لا يبطل المحقق والمعلوم)([110]). هذا بالنسبة لعموم ما روي في قدحهم.
رابعاً: أما ما روي على الخصوص فيما شجر بينهم، وثبت في ميزان النقد العلمي فهم فيه مجتهدون، وذلك أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام:
القسم الأولى: ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ، فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك، ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده.
 القسم الثاني: عكس هؤلاء، ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق مع الطرف الآخر، فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه.
القسم الثالث: اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها، ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين؛ فاعتزلوا الفريقين، وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم؛ لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك.([111]).
إذن هذا القتال هم متأولون فيه، لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب نفسها بسببها، وذلك لا يخرجهم من العدالة، بل هم في حكم المجتهدين في مسائل الفقه، فلا يلزم نقص أحد منهم، إنما هم بين أجر وأجرين.
 أيضاً من المهم أن نعلم أن القتال الذي حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن على الإمامة، فإن أهل الجمل وصفين لم يقاتلوا على نصب إمام غير علي، ولا كان معاوية يقول إنه الإمام دون علي، ولا قال ذلك طلحة والزبير، وإنما كان القتال فتنة عند كثير من العلماء؛ بسبب اجتهادهم في كيفية القصاص من قاتلي عثمان رضي الله عنهم، وهو من باب قتال أهل العدل والبغي، وهو القتال بتأويل سائغ لطاعة غير الإمام، لا على قاعدة دينية -أي ليس بسبب خلاف في أصول الدين-.([112]).
ويقول عمر بن شبة: (إن أحداً لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا علياً في الخلافة، ولا دعوا أحداً ليولوه الخلافة، وإنما أنكروا على علي منعه من قتال قتلة عثمان، وترك الاقتصاص منهم).([113]).
 ويؤيد هذا ما ذكره الذهبي: (أن أبا مسلم الخولاني وأناساً معه جاءوا إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً، وأنا ابن عمته، والطالب بدمه؟ فائتوه فقولوا له، فليدفع إليّ قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا علياً فكلموه فلم يدفعهم إليه).([114]).
وفي رواية عند ابن كثير: (فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية).([115]).
 وأيضاً فجمهور الصحابة وجمهور أفاضلهم ما دخلوا في فتنة، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، قال: (هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين).
قال ابن تيمية: (وهذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقه، ومراسيله من أصح المراسيل).([116]).
فأين الباحثون المنصفون ليدرسوا مثل هذه النصوص الصحيحة؛ لتكون منطلقاً لهم، لا أن يلطخوا أذهانهم بتشويشات الإخباريين، ثم يؤولوا النصوص الصحيحة حسب ما عندهم من البضاعة المزجاة.
 خامساً: مما ينبغي أن يعلمه المسلم حول الفتن التي وقعت بين الصحابة -مع اجتهادهم فيها وتأولهم- حزنهم الشديد وندمهم لما جرى، بل لم يخطر ببالهم أن الأمر سيصل إلى ما وصل إليه، وتأثر بعضهم التأثر البالغ حين يبلغه مقتل أخيه، بل إن البعض أيضاً لم يتصور أن الأمر سيصل إلى القتال، وإليك بعض من هذه النصوص:
هذه عائشة أم المؤمنين تقول فيما يروي الزهري عنها: (إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال، ولو علمت ذلك لم أقف ذلك الموقف أبداً)([117]).
وكانت إذا قرأت: ((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)) [الأحزاب:33] تبكي حتى يبتل خمارها.([118]).
 وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول عنه الشعبي: (لما قتل طلحة ورآه علي مقتولاً، جعل يمسح التراب عن وجهه، ويقول: عزيز عليّ أبا محمد أن أراك مجدلاً تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عجزي وبجري -أي: همومي وأحزاني- وبكى عليه هو وأصحابه، وقال: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة)([119]).
ويقول رضي الله عنه: (يا حسن! يا حسن! ما ظن أبوك أن الأمر يبلغ إلى هذا، ود أبوك لو مات قبل هذا بعشرين سنة)([120]).
وكان يقول ليالي صفين: (لله در مقام عبد الله بن عمر وسعد بن مالك -وهما ممن اعتزل الفتنة- إن كان براً إن أجره لعظيم، وإن كان إثماً إن خطره ليسير)([121]).
 فهذا قول أمير المؤمنين رغم قول أهل السنة إن علياً ومن معه أقرب إلى الحق.([122]).
- وهذا الزبير بن العوام رضي الله عنه -وهو ممن شارك في القتال بجانب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها- يقول: (إن هذه لهي الفتنة التي كنا نحدث عنها فقال مولاه: أتسميها فتنة وتقاتل فيها؟ قال: ويحك، إنا نُبصّر ولا نبصر، ما كان أمر قط إلا علمت موضع قدمي فيه، غير هذا الأمر، فإني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر)([123]).
- وهذا معاوية رضي الله عنه، لما جاءه نعي علي بن أبي طالب جلس وهو يقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون، وجعل يبكي، فقالت امرأته: أنت بالأمس تقاتله، واليوم تبكيه؟ فقال: ويحك، إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره) وفي رواية: (ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم)([124]).
وبعد هذه النقولات كلها، كيف يلامون بأمور كانت مشتبهة عليهم، فاجتهدوا، فأصاب بعضهم وأخطأ الآخرون، وجميعهم بين أجر وأجرين، ثم بعد ذلك ندموا على ما حصل وجرى، وتابوا من ذلك، وما حصل بينهم من جنس المصائب التي يكفر الله عز وجل بها ذنوبهم، ويرفع بها درجاتهم ومنازلهم، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يسير في الأرض وليس عليه خطيئة»([125]).
 وعلى أقل الأحوال، لو كان ما حصل من بعض في ذلك ذنباً محققاً، فإن الله عز وجل يكفره بأسباب كثيرة، من أعظمها الحسنات الماضية من سوابقهم ومناقبهم وجهادهم، والمصائب المكفرة، والاستغفار، والتوبة التي بها يبدل الله عز وجل السيئات حسنات، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.([126]).
سادساً: نقول أخيراً: إن أهل السنة والجماعة لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون إما قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بسابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي هم مجتهدون فيها: إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.
ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نادر، مغفور في جنب فضائل القوم، ومحاسنهم من إيمان وجهاد، وهجرة ونصرة، وعلم نافع وعمل صالح.([127]).
يقول الذهبي رحمه الله: (فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع بينهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة.([128]).
إذن، فاعتقادنا بعدالة الصحابة لا يستلزم العصمة، فالعدالة استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعاً، حتى تحصل ثقة النفس بصدقه، ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي.([129]).
ومع ذلك يجب الكف عن ذكر معايبهم ومساوئهم مطلقاً -كما مر سابقاً- وإن دعت الضرورة إلى ذكر زلة أو خطأ صحابي، فلابد أن يقترن بذلك ذكر منزلة هذا الصحابي من توبته أو جهاده وسابقته، فمثلاً: من الظلم أن نذكر زلة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، دون أن نذكر توبته التي لو تابها صاحب مكس لقبل منه.. وهكذا.([130]).
فالمرء لا يعاب بزلة يسيرة حصلت منه في فترة من فترات حياته وتاب منها، فالعبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية، سيما إن كانت له حسنات ومناقب ولو لم يزكه أحد، فكيف إذا زكاه خالقه العليم بذات الصدور؟!!
((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].
اللهم اجعلنا ممن يحب صحابة رسولك صلى الله عليه وسلم ويدافع عنهم، ويثني عليهم، ويتبع منهجهم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 
اعتقاد أهل السنة في الصحابة 1
محمد بن عبد الله الوهيبي. 1
المقدمة: 2
أدلة عدالتهم من الكتاب والسنة: [أدلة عدالة الصحابة من الكتاب والسنة]: 4
 أولاً: من الكتاب: 4
 ثانياً: من السنة: 7
 خلاصة ما سبق: [مناقب الصحابة]: 9
منزلة الصحبة لا يعدلها شيء: 11
سب الصحابة وحكمه: 14
 أولاً: من سب الصحابة بالكفر والردة أو الفسق، جميعهم أو معظمهم: 14
 ثانياً: من سب بعضهم سباً يطعن في دينهم: 15
 ثالثاً: أما سب صحابي لم يتواتر النقل بفضله سباً يطعن في الدين: 19
 رابعاً: أما سب بعضهم سباً لا يطعن في دينهم وعدالتهم: 19
 وقفة مع المنهج الموضوعي: 19
 خامساً: حكم سب عائشة: 20
 سادساً: حكم سب بقية أمهات المؤمنين: 22
لوازم السب: [لوازم سب الصحابة]: 23
الإمساك عما شجر بينهم: 26
أسس البحث في تاريخ الصحابة: 28
 


([1]) راجع على سبيل المثال: شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي (ت 418هـ) (10/151–186) حيث ذكر المؤلف عقيدة عشرة من كبار أئمة أهل السنة، أشاروا إلى ما ذكرت، وقد حققه د. أحمد سعد حمدان الغامدي.

([2]) صحيح البخاري: كتاب المغازي-باب غزوة الحديبية- حديث (4154) فتح الباري: (7/507)، طبعة الريان.

([3]) الصواعق المحرقة: (ص:316) ط.

([4]) صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل أصحاب الشجرة.. حديث (2496) صحيح مسلم (4/1942).

([5]) الصارم المسلول: (572، 573)، طبعة دار الكتب العلمية، تعليق: محمد محيي الدين عبد الحميد.

([6]) الفصل في الملل والنحل: (4/148).

([7]) الاستيعاب لابن عبد البر (1/6) ط، دار الكتاب العربي بحاشية الإصابة، عن ابن القاسم، وتفسير ابن كثير: (4/204) ط، دار المعرفة- بيروت، دون إسناد.

([8]) زاد المسير: (4/204).

([9]) تفسير ابن كثير: (4/339).

([10]) الصارم المسلول: (574)، والأثر رواه الحاكم (2/484) وصححه ووافقه الذهبي.

([11]) رواه مسلم في كتاب التفسير-حديث (3022)، صحيح مسلم (4/2317).

([12]) الإمامة: (ص:375-376)، لأبي نعيم، تحقيق د. علي فقهي، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة ط1 عام (1407هـ).

([13]) الصارم المسلول: (574)، وانظر: منهاج السنة (2/14) والأثر رواه أحمد في الفضائل رقم (187، 1741)، وصحح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية، ونسب الحديث لابن بطة منهاج السنة (2/22).

([14]) الصارم المسلول: (572).

([15]) تفسير ابن جرير: (27/128)، دار المعرفة-بيروت ط الرابعة (1400هـ).

([16]) الفصل: (4/148، 149). ط.

([17]) رواه البخاري: في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم-باب قول النبي لو كنت متخذاً خليلا- حديث (3673)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة -باب تحريم سب الصحابة- حديث (2541) صحيح مسلم (4/1967)، والنصيف هو: النصف، والسياق لمسلم ط. عبد الباقي.

([18]) الصارم المسلول: (ص:576).

([19]) صحيح البخاري فتح الباري: حديث (3983)، وصحيح مسلم: حديث (2494)، عبد الباقي.

([20]) معرفة الخصال المكفرة لابن حجر العسقلاني: (ص:31) تحقيق جاسم الدوسري-الأولى (1404)هـ.

([21]) صحيح مسلم بشرح النووي: (16/56، 57).

([22]) الفوائد لابن القيم: (ص:19)، المكتبة القيمة، الأولى 1404هـ.

([23]) البخاري: حديث (3650)، ومسلم: حديث (2535)، وهذا سياق البخاري مختصراً.

([24]) صحيح مسلم: حديث (2531)، والأمنة: هي الأمان.

([25]) رواه الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم بسند صحيح، انظر: مشكاة المصابيح: (3/1695)، ومسند الإمام أحمد بتحقيق أحمد شاكر: (1/112).

([26]) رواه ابن ماجة: (2/64)، وأحمد: (1/18)، والحاكم: (1/114)، وقال: صحيح ووافقه الذهبي، وقال البوصيري: إسناد رجاله ثقات-زوائد ابن ماجة (3/53)، وانظر بقية كلامه.

([27]) رواه ابن أبي شيبة (12/178)، وابن أبي عاصم: (2/630)، في السنة ومن طريق المصنف، ورواه الطبراني في الكبير (22/85)، وعنه أبو نعيم في معرفة الصحابة (1/133)، وقد حسنه الحافظ في الفتح (7/5)، وقد الهيثمي في المجمع (10/20): رواه الطبراني من طرق رجال أحدها رجال الصحيح.

([28]) البخاري (7/113)، ومسلم (1/85).

([29]) البخاري (7/113)، ومسلم (1/85) من حديث البراء رضي الله عنه.

([30]) وقد حققه د. وصي الله بن محمد عباس، ونشرته جامعة أم القرى عام (1403هـ).

([31]) رواه أحمد (4/126، 127) وأصحب السنن والدارمي، والحديث صححه جماعة من المحدثين –انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب الحديث (38) (ص:387)، دار الفرقان ط. الأولى (1411هـ)، وانظر: الإرواء رقم (2544) (8/107) للتوسع.

([32]) رواه أحمد (3/51) دون كلام عمر، ورواه بلفظه علي بن الجعد (2/956)، قال الهيثمي (4/92): رجاله ثقات، وعزاه ابن حجر ليعقوب بن شيبة، كما في إسناده عنه (1/20)، وعزاه شيخ الإسلام لأبي ذر الهروي، الصارم المسلول (590).

([33]) الآية النحل (59)، والأثر عند الطبري (20/3) ط. دار المعرفة، وانظر: ابن كثير (3/369)، ط المعرفة.

([34]) الإصابة: (1/20-22) ط. دار الكتاب العربي-بحاشيته الاستيعاب لابن عبد البر.

([35]) رواه أحمد في فضائل الصحابة: (1/57)، وابن ماجة (1/31)، الأعظمي، وابن أبي عاصم (2/484)، والخبر صححه البوصيري في زوائد ابن ماجة (1/24)، والمطالب العالية (4/146)، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة (1/32).

([36]) فتح الباري (7/7).

([37]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي: (1/160).

([38]) مسلم بشرح النووي: (16/93).

([39]) من أشهر من قال ذلك الإمام ابن عبد البر، والاستدلال المذكور هو من أقوى استدلالاته، والجمهور على خلافه كما أشرنا.

([40]) رواه أبو داود: (4341)، والترمذي: (2/177)، وابن ماجة: (4041)، وابن حبان: (1850)، قال الترمذي: حديث حسن غريب، صححه الألباني بشواهده - الصحيحة (494).

([41]) رواه أحمد والدارمي (4/106)، والطبراني (4/22–23)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (4/85)، قال ابن حجر: إسناده حسن، الفتح: (7/6)، انظر الفتح الرباني (1/103-104).

([42]) الصواعق المحرقة للهيتمي (ص:321).

([43]) تقدم تخريجه.

([44]) فتح الباري: (7/7).

([45]) الصارم المسلول: (ص:561).

([46]) الرد على الرافضة: (ص:19) ضمن جزء ملحق المصنفات للإمام المجدد طبعة الجامعة.

([47]) الصارم المسلول: (ص:586–587).

([48]) الصواعق المحرقة: (ص:379).

([49]) الصواعق المحرقة (ص:317)، وتفسير ابن كثير: (4/204)، والخبر بإسناده في السنة للخلال (ص:478) رقم (760) تحقيق د. عطية الزهراني.

([50]) تقدم تخريجه في الحديث (7) لفضائل الصحابة (ص:12) من البحث.

([51]) صحيح مسلم: (1/86).

([52]) الصارم المسلول: (ص:581).

([53]) فضائل الصحابة للإمام أحمد: (1/300) وصححه ابن تيمية في الصارم: (ص:585).

([54]) فضائل الصحابة: (1/83)، والسنة لابن أبي عاصم: (2/575)، عن طريق الحكم بن جحل، وسنده ضعيف لضعف أبي عبيدة بن الحكم، انظر: فضائل الصحابة (1/83)، لكن له شواهد أحدها عن طريق علقمة عن علي عند ابن أبي عاصم في السنة (2/48)، حسن الألباني إسناده، والآخر عن سويد بن غفلة عن علي عند اللالكائي (7/1295).

([55]) الصارم المسلول: (ص:586).

([56]) بعض العلماء يقيد ذلك بالخلفاء، والبعض يقتصر على الشيخين، ومن العلماء من يفرق باعتبار تواتر النصوص بفضله أو عدم تواترها، ولعله الأقرب، والله أعلم، وكذلك البعض ممكن يكفر ساب الخلفاء يقصر ذلك على رميهم بالكفر، والآخرون يعممون بكل سب فيه طعن في الدين.

([57]) الشفا للقاضي عياض: (2/1109)، تحقيق البجاوي.

([58]) الصواعق المحرقة: (ص:384).

([59]) الشفا: (2/1109).

([60]) الصواعق: (ص:386).

([61]) الصواعق: (ص:385).

([62]) الخرشي على مختصر خليل: (8/74).

([63]) الفرق بين الفرق: (ص:360)، تعليق محمد محيي الدين عبد الحميد.

([64]) الصواعق المحرقة: (ص:383).

([65]) اللالكائي (8/1262، 1266).

([66]) مسلم بشرح النووي: (16/93).

([67]) الشفا: (2/1108)، وعنه الصارم المسلول (ص:569).

([68]) الصواعق المحرقة: (ص:387).

([69]) طبقات الحنابلة: (1/24)، والصارم المسلول (ص:568).

([70]) الرد على الرافضة: (ص:19).

([71]) الصارم المسلول: (ص:571) وما قبلها.

([72]) الرد على الرافضة: (ص:19).

([73]) الصارم المسلول: (ص:586).

([74]) الصارم المسلول: (ص:571).

([75]) راجع: منهج كتابة التاريخ للعلياني: 138 (بتصرف).

([76]) راجع في تفصيل ذلك، وفي الرد على دعوى الموضوعية: بحث مخطوط للدكتور محمد رشاد خليل: 34 – 37.

([77]) هذه الفقرة مأخوذة من البحث القيم للدكتور محمد رشاد خليل، وفي البحث المذكور أبرز المؤلف المنهج الصحيح للنظر في تاريخ الصحابة من خلال مذهب أهل السنة، فجزاه الله خيراً.

([78]) الصارم المسلول: (ص:565، 566)، والخبر بسنده في المحلي (11/414، 415).

([79]) الشفا: (2/1109).

([80]) راجع تفسير ابن كثير: (3/276)، عند تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ..) وذكر الإجماع كذلك في البداية والنهاية (8/95) ط دار الكتب العلمية.

([81]) المحلى: (11/415).

([82]) انظر ابن جرير (18/83)، وعنه ابن كثير (3/277).

([83]) الصارم المسلول: (ص:45) والقرطبي: (12/139) ط. دار الكتب العلمية.

([84]) القرطبي: (12/136، 137) عن ابن العربي في أحكام القرآن (3/1355-1356) تحقيق البجاوي.

([85]) الصارم المسلول (ص:47-48) باختصار.

([86]) رسالة في الرد على الرافضة: (25، 26).

([87]) ابن كثير: (3/278).

([88]) البداية والنهاية: (8/95).

([89]) الشفا: (2/1113)، وراجع أيضاً الصواعق المحرقة (ص:387).

([90]) رسالة في سب الصحابة: (46) عن الصارم المسلول (ص:580).

([91]) البداية والنهاية: (8/142)، وانظر: المسائل والرسائل المروية عن أحمد في العقيدة للأحمدي (2/363، 364) ط. دار طيبة.

([92]) الكفاية للخطيب البغدادي: 97.

([93]) الإمامة لأبي نعيم: (344).

([94]) الإمامة لأبي نعيم: (376).

([95]) الصارم المسلول: (ص:587).

([96]) انظر: إتحاف ذوي النجابة لمحمد بن العربي التباني: (ص:75) ط. دار الأنصار.

([97]) صرح بعض من تولى كبر تلكم المزاعم والتهم والضلالات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينجح، وأن الذي ينجح في ذلك المهدي الغائب-أي: مهديهم. راجع: الرسول والرسالات للأشقر: (212، 213).

([98]) صورتان متضادتان للشيخ أبي الحسن الندوي. بتصرف (ص13/53، 54، 58، 99).

([99]) أخرجه الطبراني في الكبير: (2/78/2)، وأبو نعيم في الحلية: (4/108)، وفي الإمامة من حديث ابن مسعود، وقواه الألباني بطرقه وشواهده: السلسلة الصحيحة (1/34).

([100]) انظر: الإمامة (ص:373).

([101]) الإمامة: (347).

([102]) منهج كتابة التاريخ الإسلامي لمحمد بن صامل العلياني السلمي: (227، 228).

([103]) منهاج السنة: (6/254)، تحقيق: د. رشاد سالم.

([104]) فتح الباري: (1/199) وصحيح البخاري (1/41) كتاب العلم: باب رقم (49) ط. تركيا.

([105]) رواه مسلم: في مقدمة الصحيح (1/11)، وانظر تخريجه في: جامعة الأصول (8/17).

([106]) فتح الباري: (1/199-200)، وراجع أيضاً كلاماً جيداً للسلمي في: كتابه منهج كتابة التاريخ: (228).

([107]) منهاج السنة: (5/72)، وما بعدها، (81)، وانظر دراسة نقدية: مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري -عصر الراشدين- ليحيى اليحيى، ط. دار العاصمة 1410هـ.

([108]) منهاج السنة: (6/305) بتصرف.

([109]) مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني: (8)، وانظر تنويراً لمقالة في حل ألفاظ الرسالة للتتائي (ت942هـ) تحقيق/ د. محمد عايش عبد العال شبير (1/367) وما بعدها.

([110]) أصحاب رسول الله ومذاهب الناس فيهم لعبد العزيز العجلان، ص360.

([111]) مسلم بشرح النووي: (15/149)، 18/11)، وارجع الإصابة: (2/501، 502) فتح الباري: (13/34)، وإحياء علوم الدين: (1/102).

([112]) منهاج السنة: (6/327) بتصرف، وراجع ما بعدها إلى (ص:340).

([113]) أخبار البصرة لعمر بن شبة، نقلاً عن فتح الباري: (13/56).

([114]) سير أعلام النبلاء للذهبي: (3/140). بسند رجاله ثقات، كما قال الأرناؤوط.

([115]) البداية والنهاية: (8/132)، وانظر كلاماً لإمام الحرمين، وتعليقاً للتباني عليه - إتحاف ذوي النجابة (ص:152، 153).

([116]) منهاج السنة: (6/236، 237) راجع في نفس الموضع نصوصاً أخرى تدل على قلة من حضر الفتنة من الصحابة.

([117]) مغازي الزهري: (154).

([118]) سير أعلام النبلاء: (2/177).

([119]) أسد الغابة لابن الأثير: (3/88، 89).

([120]) منهاج السنة: (6/209) الطبعة المحققة.

([121]) المصدر السابق: (6/209).

([122]) فتح الباري: (12/67).

([123]) تاريخ الطبري: (4/476).

([124]) البداية والنهاية (8/15، 133).

([125]) رواه الترمذي رقم (2398)، وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان، والحاكم وسكت عليه هو والذهبي (1/41) وحسنه الألباني، المشكاة (1/492) من حديث سعد وصححه في الصحيحة رقم (144) وانظر شواهده (143، 145)، وراجع الفتح (10/111، 112).

([126]) للتوسع راجع منهاج السنة (6/205-239) فقد ذكر عشرة أسباب مكفرة.

([127]) انظر: شرح العقيدة الواسطية لخليل هراس: (164-167).

([128]) سير أعلام النبلاء: (10/93)، في ترجمة الشافعي.

([129]) المستصفى للغزالي: (1/157)، وراجع بتوضيح أكثر: منهج النقد عند المحدثين للأعظمي: (23-29).

([130]) الإمامة لأبي نعيم: (340، 341)، ومنهاج السنة: (6/207).

عدد مرات القراءة:
5200
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :