هكذا فعلت دولة النفاق والمنافقين ايران تضرب المؤمنين في الخليج لاتراعي علاقات ولامصالح ولاجوار حتى لاتراعي حرمة اتباع مذهبها الباطل الشيعي وعلمائه على تلك الاراضي انها العقيدة الخبيثه المجوسية الايرانية التي يجب ان يتفطن لها العالم الاسلامي السني وحكامه ومسؤليه =ارجو عمل تفس الطريقة في شارك معنا ليسهل التواصل ويمكن اضافة الدوله اوبدونها
جزاكم الله خيرًا، وبارك في جهودكم، وجعل ما تقدمونه في ميزان حسناتكم.
عندما عحز التشيع ضد امريكا واسرئيل هوواذنابه وخدمه في العراق واليمن ولبنان اصبح يضرب ارض محمد الرسول عليه السلام وارض وميلاد علي وفاطمة والحسن والحسين وارض العرب
شكرا كثيرا على الاهتمام والمشاركات الرائعة https://alyemenalghad.news/ شكرا كثيرا
8ـ نَحْنُ المُسْلِمُونَ شِيعَةُ التَّوْحِيد: ـ نَعْتَقِدُ بِوَصِيَّةِ النَّبِيِّ(ص) بِأَئِمَّةِ العِتْرَةِ[الإمَامِ عَلِيّ...إلَى الإمَامِ العَسْكَرِيّ وَالإمَامِ المَهْدِيّ بِشَارَةِ النَّبِيِّ(عَلَيْهم الصَّلَاةُ وَالسَّلَام)] ـ وَنَتَمَسَّكُ بِأَئِمَّةِ العِتْرَةِ وَنَتَّبِعُ سُنَّتَهُم وَهُدَاهُم، وَهِيَ سُنَّةُ جَدِّهِم النَّبِيّ وَهُدَاه(عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم الصَّلاةُ والسَّلام) ـ وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ(تَعَالَى) قَد أَذْهَبَ عَنْ أئِمَّةِ العِتْرَة الرِّجْسَ وطَهَّرَهُم تَطْهِيرًا، وَلَكِنْ، لَا نَقُولُ بِعِصْمَتِهِم(ع)، وَلَا بِعِلْمِهِم بِالغَيْبِ، وَلَا بِعِلْمِهِم بِمَا كَانَ وَمَا يَكُون، وَلَا نَقُولُ بِوِلَايَتِهِم التَّكْوِينِيَّة(عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم الصَّلاةُ والسَّلام) والحَمْدُ لِلِه رَبِّ العَالَمِينَ وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى العِتْرَةِ الطَاهِرَة وَجَدِّهِم النَّبِيِّ الصَّادِقِ الأَمِين المَرْجِعُ المُهَنْدِسُ الصَّرْخِيُّ الحَسَنِيُّ اكس:AlsrkhyAlhasny اليوتيوب:Alsarkhyalhasny
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الظاهر من هذا الموقع أنه استهدف طائفة معينة وهم "الشيعة" أسأل صاحب الموقع من هم الشيعة برأيك ؟ هل تقصد المؤمنين الموالين لعترة النبي المصطفى والمتمسكين بوصية النبي بالكتاب والعترة ام تقصد الشيعة الدخلاء على الإسلام بالعقائد الشركية الهندوسية والكسروية ؟! لهذا يجب أن تضع الشيعة الموحدين الموالين في كفة الإسلام والمتشيعة في كفة الشرك والفساد
ان التشيع خرافة اذ في كتبهم ان الرب يتكلم من البساط هل يعقل هذا الرب العظيم الكبير ان يتكلم من على البساط انها الخرافة في دولة تريد ان تملك السلاح النووي قبحها الله من دولة قائمة على الخرافة ا
انتشار مايسمى بالمولد النبوي في هذه الايام يزعجون المصلين والذاكرين في المساجد والبيوت بزعم المحبة والصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام وقد علم امته الصلاة علية وهي الصلاة التي في التحيات في الصلاة فاجتهاد هم في عمل المولد مخالف للنص وعمل بدون دليل
التَّيَّارُ الصوفيُّ النَّقْشَبَنْدِيُّ Mystical Naqshbandi Movement *** *** Feriduddin AYDIN ORCID ID: 0000-0002-6440-6734 ISBN: [email protected] دار العِبَر للطباعة والنشر Al-Ibar Publishing İstanbul-2018 التَّيَّارُ الصوفيُّ النَّقْشَبَنْدِيُّ الطريقةُ النقشبنديَّةُ سلوكٌ صوفِيٌّ، له تَعَالِيمُ تجمعُ بين أذكارٍ إسلاميَّةٍ ومَفَاهِيمَ بوذيَّةٍ، وعقائِدَ إلْحَادِيَّةٍ، ولهذهِ الطريقةِ طقوسٌّ غريبةٌ يتمُّ إجراؤُها في خفاءٍ. انتشرتْ بين الأتراكِ خاصَّةً، ثمَّ تسرَّبَتْ إلى مجتمعاتٍ كانت تحت حُكْمِهِم كالأكرادِ والشراكسةِ والبُنطُسِ وغيرِهم... لأنَّها نشأت بجهودِ زنادقةٍ من قومِهِم في بلادِ ماوراء النهر قبل قرون، وهي وطنهم الأصلِيُّ. إنَّ الأتراك قد نشؤوا على التصوُّفِ منذ أيامِ تَعَرُّفِهِمْ على الإسلامِ. يبدو من الْمُعْطَيَاتِ التاريخيَّةِ أنَّ نُزوعَهُمْ إلى الفِكْرِ الصوفِيِّ ناشِئٌ من أسبابٍ تَرْبِطُهُمْ بماضيهم قبل الإسلامِ، وتدلُّ على أنَّهُمْ لم يَتَخَلَّوْا عن كثيرٍ من عقائِدِهِمْ القديمةِ ولم يَتَخَلَّصُوا من رسوباتِ الوثنيَّةِ الهنديَّةِ التي كانوا يعتنِقونَهَا بِجَرِّ الْجِوَارِ، لأنَّهُمْ كانوا على مَقْرُبَةٍ من المنطقةِ الهنديَّةِ وعلى صلةٍ مع سُكَّانِهَا. هذا وليس خافِيًا على حُذَّاقِ الباحثين أنَّ مُعْظَمَ سُكَّانِ الْمُدُنِ من الأتراك كانوا على مذهب (مَاهَايَانَا Mahayana) المتفرِّعِ من البوذِيَّةِ. ولَمَّا الْتَقَطُوا من الإسلامِ ما أعْجَبَهُمْ من المناسكِ والأمورِ التي تتماشى مع طبيعتهم العسكرية، كصلاةِ الجماعةِ، وأعمالِ الجهادِ الْمُسَلَّحِ، والتضحيةِ وما أشبه، أخذوا من هذا الدِّينِ الجديدِ أمورًا كالذكرِ والدعاءِ ومزجوها بتعاليم البوذية فتكوَّنَتْ من هذا التركيب الغريبٍ دينًا جديدًا سَمَّوْهَا (الْمُسْلُمَانِيَّةَ Müslümanlık)، ثم جعلوا من هذا الدِّينِ الزائفِ الْمُسْتَحْدَثِ غلافًا لعديدٍ من تياراتٍ صوفِيَّةٍ أسَّسُوهَا على مدى تاريخهم. فكان من آخِرِ هذه التياراتِ وأكثرِها انتشارًا هي الطريقةَ النقشبندِيَّةَ. كانت الطريقةُ النقشبنديَّةُ مجهولةً في المجتمع العثمانِيِّ حتى بِدايةِ القرن الثامن عشر الميلادي. ثمَّ ظهر رجلٌ كردِيُّ الأصلِ في مدينةِ السليمانِيَّةِ العراقِيَّةِ اسمه خالدٌ البغداديُّ، بدأ بِنَشْرِهَا عَقِبَ رِحلةٍ قامَ بها إلى الهند سنة 1810م. وَعادَ منها بعد عام. كَثُرَ فيه القالُ والقيلُ؛ مع ذلك تهافتتْ عليه جماعةٌ من مَلاَلِي الأكرادِ ومُشَعْوِذِي العربِ في العراقِ، وبَالَغُو في تعظيمِهِ وتبجيلِهِ إلى حدِّ التأليه ولَقَّبُوهُ بِـ(ذي الجناحين)، وَلكنْ اتَّهَمَهُ عَدَدٌ مِنَ العلماءِ بالزَّنْدَقَةِ وحَذَّرُو الناسَ من أباطيلِهِ، وحاولوا تَفْنِيدَهُ بكتاباتٍ ورسائِلَ، إلاَّ أن المتواطئيين معه استطاعوا أن يَتَغَلَّبُوا على معارضِيهِ في أمدٍ قصير بأشدِّ ما يمكن من المقابلة بالمثل. فلما تأكدتْ قِمَّةُ الدولة العثمانيَّةِ من التعاونِ معه في معالَجَةِ أزَمَاتٍ خَطِيرَةٍ كانت الدولةُ قد وقعتْ في حِبَالِهَا، أقَرَّتْهُ على كُلِّ ما يَدَّعِي الرجلُ لنفسِهِ من السلطةِ المعنويَّةِ والإتصالِ بـ"الساداتِ النقشبندية" المقبورين منذ قرون! تُبَرْهِنُ على صدور هذه الهرطقةِ من خالد البغدادي رسالةٌ بعثَ بها إلى وزيرِ التعليمِ يومئذٍ (محمد أسعد أفندي)، يُحَذِّرُهُ من التَّعَامُلِ مع رجلٍ اسمُهُ عبد الوهاب السوسي، كان البغدادي أرسله إلى أسطنبولَ لِبثِّ دَعْوَتِهِ في عاصمةِ الدولة. إلاَّ أن السوسيَّ احتكرَ نيابَتَهُ عن البغداديِّ وخانَهُ بتشويِهِ تَعَالِيمِهِ واستِخْدَامِهَا في مصالِحِهِ. كان خالدٌ البغداديُّ زنديقًا جريئًا، محترفًا في فنونِ الزَّنْدَقَةِ واختلاقِ أشكالٍ من البدعِ، فكان شَرُّهُ مستطيرًا. لم يتألَّمْ ضميرُ هذا الرجلِ وهو يدعو الناسَ إلى عبادةِ اللهِ والإشراكِ به في آنٍ واحد! ولم يَتَوَرَّعْ عن الإضرارِ بالاسلامِ وهدمِ أركانِهِ بمزجِ مفاهيمَ خطيرةٍ أخَذَهَا من البوذيَّةِ وَمَزَجَهَا بتعاليمِ الدِّينِ الْحَنِيفِ. تَلَقَّى مبادئَ البوذيَّةِ في الديارِ الهنديَّةِ من شخصٍ مشعوذٍ اسمه عبد الله الدهلوي، وأضافَ إليها صِيَغًا من الآياتِ القرآنيَّةِ، والدعاءِ والأذكارِ المأخوذةِ من السُّنَّةِ النبويَّةِ، واختلَقَ لهذا التركيبِ طقوسًا ومناسكَ فَطَوَّرَهَا على هيئةِ دينٍ مُتَكَامِلٍ. ثم جَنَّدَ في العراقِ جماعةً من الملالِي لِيَبُثُّوها ما أمْكَنَهُمْ، واغترَّ به عددٌ كبير من أهلِ العلمِ مثل محمود شهاب الدين الآلوسي، وابن عابدين الدمشقي الفقيه. فحالفه الحظُّ بعد أن نجحَ في تطبيعِ علاقاتِهِ مع الْوُلاَةِ والأمراءِ الْمَحَلِّيِّين وكَسَبَ ثقةَ العاهلِ الثمانِيِّ السلطان محمود الثاني، فتمكَّنَ بفعلِ ذلك من نشرِ معتقداتِهِ على كافَّةِ أرجاءِ المملكةِ العثمانيَّةِ، فاعْتَنَقَتْهَا جماعاتٌ من الأتراكِ والأكرادِ والعربِ وغيرهم في أناضولَ، وبلادِ قوقاز، وشِبْهِ جزيرةِ بَلْقَانَ، كما انتشرتْ طريقتُهُ في بعضِ البلادِ الأوروبيَّةِ بفعل الأتراكِ الوافدِينَ والمهاجرين إلى تلك البقاع في السنين الأخيرة. استطاعَ البغدادِيُّ أنْ يَفْتِنَ ملايينَ الناسٍ في دينهم، إذ كانت الدولةُ العثمانيَّةُ في حَيْصَ بَيْصَ، فَأَرْخَتِ السُّلْطَةُ له العنانَ لِكَسْبِ دَعْمِهِ ضدَّ السلفيِّينَ الذين كانوا يَدْعُونَ الأُمَّةَ إلى توحيدِ اللهِ ونبذِ الأوثانِ، والتَّخَلِّي عن الحياةِ الجاهليَّةِ، وعدمِ الطاعةِ لأولياءِ الأمورِ في معصيَةِ اللهِ... فسنحتْ الفرصةُ للبغدادِيِّ وطارَ صِيتُهُ في الآفاقِ، فاعتقدَ فيه ملايينُ الناسِ "أنه الغوثُ الأعظمُ، وَالْقُطْبُ الأفخمُ، الذي فَوَّضَ إليهِ الرَّبُّ تدبيرَ السماواتِ والإرضِ، له جناحانِ يطيرُ بهما حيثُ يشاءُ، وينوبُ عن الله ويتصرَّفُ فِي مُلْكِهِ..." إلى غير ذلك من موبِقَاتِ الإيمان. لقد كانت الجاهليةُ عادتْ، وسادتْ في عمومِ أرجاءِ الوطنِ الإسلامِيِّ، ومِنْ أمراضِها السرطانُ الصوفِيُّ كان في تلك المرحلةِ منتشرًا بشكلٍ ذريعٍ في ظلِّ انعدامِ الوَعْيِ وانتفاءِ المسئولِيَّةِ. اندلعت في هذه المرحلةِ حُروبٌ وعِصياناتٌ في الداخل والخارجِ قصمتْ ظهرَ الدولةِ، كما تسرَّبَتْ أفكارٌ إلحادِيَّةٌ إلى المجتمعِ العثمانِيِّ من الغربِ (من فرنسا بخاصًّةٍ) تبثُّها المحافلُ الماسونِيَّةُ، ولم يكن ثَمَّ من يدعو الناسَ إلى توحيدِ اللهِ إلاَّ القليلَ من العلماءِ، ولكنَّ أحدًا منهم لم يَشْعُرْ في نفسهِ بالْجُرْأةِ على المارقين، وكانت الظروفُ بِكُلِّيَتِهَا مُواتيةً على نحوٍ خاصٍّ لتفخيمِ شأنِ البغداديِّ وتصعيدِ سُمْعَتِهِ وتوسيعِ شُهْرَتِهِ، ونشر طريقتِه (النقشبندِيَّةِ)... فانبرتْ طائفَةٌ من وَزَاوِزَةِ الْمَلاَلِي والشيوخِ الْمُشَعْوِذِينَ يتشدَّقُونَ بإطْرَائِهِ ويدافعون عنه، وَيَرُدُّونَ على مَنْ يُدْحِضُ أبَاطِيلَهُ. لذا من تصدَّى للردِّ على خالدِ البغدادِيِّ تَعَرَّض للسَّحْقِ كما حدث ذلك للشيخ معروفِ البرزَنْجِيِّ وعبدِ الوهابِ السوسِيِّ مع أنَّهُما أيضًا كانا صوفِيَّينِ مشعوِذَين من أمثالِ البغدادِيِّ، كما ذهبَ الشخ عثمان الجليلي وحَالَتْ أفَنْدِي أيضًا ضحيةَ مُعَارَضَتِهِما لِخالِدِ البغداديِّ. أما حَالَتْ أفندي، فكان من أبرزِ رجال البلاطِ، نُفِذَ فيه حُكْمُ الإعدامِ بأمرٍ من السلطان محمود الثاني. فَفَسُحَ بعد ذلك المجالُ للرَّجُلِ وخَلَتْ له الساحةُ وانْدَحَرَ جميعُ خصومِهِ وانصرفوا مخافَةَ مُوَاجَهَتِهِ. قفزتْ النقشينديَّةُ من بلادِ الهندِ إلى العراق على يدِ خالدِ البغدادِيِّ عامَ 1811م. بالتحديد، وقِصَّتُها طويلةٌ، فكانتْ طامةً كُبْرَى على الأمةِ لانتشارِها السريعِ، فما لبثتْ حتى لَقِيَتْ قبولاً من قِبَلِ سُلْطَةِ الدولةِ. ذلك أن الحكومةَ العثمانيَّةَ كانتْ قد حلَّتْ الجيشَ الإنكشارِيَّ ثمَّ قمعتْ بقاياهُ المتمرِّدِين لِمَخَاطِرِهِ على النظامِ، وكان هذا الجيشُ مُعْتَنِقًا للعقائدِ البكتاشِيَّةِ، وهي أيضًا تيَّارٌ صوفِيٌّ خطيرٌ. فلمَّا أُبِيدَتْ فُلُولُهُمْ عن بكرةِ أبِيهَا يوم 15 حزيران/يونيو 1826م.، أحَلَّتْ الحكومةُ النقشبنديِّينَ في ثَكَنَاتِهِمْ، وخصَّصَتْ لهم جميعَ تكايَا الْبَكْتَاشِيِّينَ. كُلُّ ذلك لِكَسْبِ النقشينديِّين وتجنِيدِيهِمْ في حربِ "الوهابية"، واتِّخاذِهِمْ سَدًّا أمامَ انتشارِ عقيدةِ التوحيد في المجتمع العثمانيِّ. للطريقة النقشبندية طقوسٌ غريبةٌ ومناسكُ وأشكالٌ من العبادةِ شبيهةٌ بأساليبِ الهنودِ اليوغيين. وَلِدَفْعِ التُّهَمِ عن أنفسِمْ يُقيمُون طقوسَهُمْ في أمَاكِنَ خَاصَّةٍ ولا يسمحون لمشاركةِ مَنْ ليس منهم. مع ذلك يحضرون المساجدَ ويصلُّون ويصومونَ ويحجُّونَ على غرار المسلمين. إلاَّ أنَّهم ما داموا لا يتحاشَوْنَ مِنْ مُشَابَهَةِ مجوسِ الهندِ في العبادِةِ، فلا محالةَ يُعَدُّونَ فرقَةً من الفرقِ الضَالَّةِ الكافرةِ كالنُّصَيْرِيَّةِ، والإسماعيليَّةِ، والدروزِ، والقاديانيَّةِ، والبهائيَّةِ ولا شكَّ... *** ظهرت الطريقةُ النقشبندِيَّةُ في القرنِ السادس عشر الميلادِي (على وجه التقريب) في بلادِ ماوراءِ النهر، بجهودِ عددٍ من الزنادقةِ والمشعوذينَ كانوا قد انتحلوا صفاتٍ روحِيَّةً؛ ابتدعوا أسالِيبَ من التعبُّدِ على أساسِ التركِيزِ والتأمُّلِ العميقِ، وتكرارِ لفظٍ معيَّنٍ بأعدَادٍ كبيرةٍ مع انتهاجِ حياةٍ يسودُها التقشُّفُ وإهمالُ التدبيرِ، ومجاهدةُ النفسِ برياضاتٍ شاقّةٍ... لكنهم كانوا يَدْعُونَ الناسَ إلى ممارسَةِ هذه الأشكالِ من التعبُّدِ باسم الإسلامِ، ويدَّعونَ أنها أفضلُ سُّبُلِ التهذيبِ للنفسِ، وأنفعُها للتخلُّصِ من مخاطر الشهوات، وأمثلُها لكسبِ القربِ من الله تعالى! فنالت القبولَ هذه الأذكارُ والعباداتُ الدخيلةُ عندَ كثيرٍ من الناسِ العامِّيِّينَ، لجهلِهم بمبدإ التوقيفِيَّةَ في الإسلامِ. والطامةُ الكبرى أنَّ بعضَ الشخصِيَّاتِ المعروفِينَ بسمةِ العلمِ من أمثالِ ابن حجر الهيتمي، ومحمود شهاب الدين الآلوسي، وابنِ عابدين الدمشقي الفقيه، وقعوا في حبالِ هؤلاءِ الزنادقة، فاغترّوُا بهم وشهدو لهم بالصلاحِ لجهلهم بِعِدَّةِ أمورٍ. منها: أنهم لم يدرسوا تاريخ الأديانِ والمذاهبِ فلم يكن لهم رصيدٌ من المعرفةِ ليُدرِكوا كيفيةَ الخلطِ بين مصطلحاتِ المشركين وتعاليم الإسلامِ؛ كيفَ يتحزلقُ الزنديقُ حين يلتقطُ أنماطًا من مناسكِ أهلِ الشركِ فيمزجها بالأذكارِ والدعاءِ في الإسلامِ، ثمَّ يزعم "أنها وسائل التقرُّبِ إلى الله، وهي مأثورةٌ من النبِيِّ صلى الله عليه وسلمَ" افتراءً على الله ورسولِه. لأنَّ الزنديقَ على علمٍ ويقين تامٍّ بأنه لو دَعَى الناسَ من أهلِ الإسلامِ (بصراحةٍ) إلى ذكر اللهِ على طريقة أهل الكفرِ (لأنَّ الْكُفَّارَ أيضًا يذكرون الله بأسالِيبَ انتهجها لهم رُهْبَانُهُمْ)، لو دعى المسلمين ليذكروا الله ويتنسّكوا بتلك الأساليب، لما أطاعَهمٌ أحدٌ إلاَّ من أعْمَى اللهُ قَلْبَهُ بالجهلِ والْحَمَاقَةِ. ومن هذه الأمورِ التي يجهلها عامَّةُ رجالُ الدين: أنَّ الزندقةَ لا تكونُ إلاَّ من جنسِ الدعاءِ والصلاةِ والأذكارِ والمناسك. إذ يأتي الزنديقُ بضروبٍ من أذكارِ أهلِ الكفرِ، وَدُعَائِهِمْ، وَصَلَوَاتِهِم، ثمَّ يُضِيفُ إليها آياتٍ من القرآنِ الكريمِ، وأذكارٍ مأثورةٍ من السنةِ، ويَنْسِبُهَا إلى الإسلامِ، ويَعُدُّهَا من وسائل القربات... فلا يكادُ الجاهلُ يُمَيِّزُ في هذا التركيبِ الغامضِ بين ما هو مأخوذٌ من تعاليم الدين الحنيفِ وبين ما هو مأخوذٌ من مستنقعاتِ الكفرِ. كـ(صلاةِ الرابطةِ) و (الختمة الخواجكانية) وترداد لفظ الجلالة خمسة آلافِ مرةٍ كلَّ يومٍ... لكنَّ الهيتمِيَّ والآلوسِيَّ وابْنَ عابدين ما بالُهُمْ لم يَتَنَبَّهُوا إلى هذه المحاولات الماكرةِ (وهم من أهل العلم!) على حدِّ قولِ مَنْ يدَّعِي ذلك؟! ومن هذه الأمورِ أيضًا: أنَّ معظَمَ رجالِ الدِّينِ التبس عليهم الفرقُ بين الفضائِلِ التي جاءَ بها الإسلامُ وبين ما قد يُشَبَّهُ بها في الدياناتِ الكفرِيَّةِ من سلوكيَّاتٍ أخلاقِيَّةٍ. فالصبرُ، والقناعةُ، ولينُ الجانِبِ، وكظم الغيظِ، والعفوُ والتسامحُ، والزهدُ، والخشوعُ في العبادةِ، والتضرُّعُ إلى اللهِ بالدعاءِ، كلُّها قد جاءت الوصِيَّةُ بها في الكتابِ والسُّنَّةِ. وهي من جملة الفضائِلِ التي جاءَ بها الإسلامُ. ولا يخفى أنَّ المسيحِيَّةَ والبوذِيَّةَ مثلاً، تهتمُّ كلٌّ منهما أيضًا بأشكالٍ مُلْتَبَسَةٍ بهذه الخصالِ؛ لكنَّ نظرةَ الإسلامِ تختلفُ كلَّ الإختلافِ عن نظرةِ الدياناتِ الكفرِيَّةِ إلى هذه الفضائِلِ. وقد منعتْ ضوابِطُ الدِّينِ الحنيفِ التشبُّهَ بالكفارِ منعًا باتًّا بقانون (التوقيفيَّةِ)، وفي ذلك حكمٌ قطعِيٌّ صارِم. قال تعالى: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ." كما حكم الإسلامُ على مَنْ تشبَّهَ بأهلِ الكُفرِ أنَّهُ كافِرٌ حالٌّ ربقةَ الإسلامِ من عنتقه لا محالة. كذلك الأذكارُ والأدعِيَةُ في الإسلامِ كلُّها مضبوطَةٌ في حدودِ الكتابِ والسنَّةِ. إذًا لا يجوزُ لأحدٍ (كائنًا مَن كانَ) أنْ يقتَبِسَ شكلاً من أشكالِ الذكرِ والدعاءِ والتعبُّدِ من أيِّ ديانةٍ بحجّةِ أنَّ الغرَضَ من أدائِها ليسَ إلاَّ التقرُّبَ إلى اللهِ. فيتعيَّنُ هنا التنبيهُ بخاصَّةٍ على أنَّ صلاةَ الرابطَةِ في الطريقةِ النقشبندِيَّةِ، لا تعدو عن شكلٍ من طقوسِ مجوسِ الهندِ، وقد ثَبَتَ بالبراهين أنَّ صناديدَ هذه الطريقةِ قد اقتبسوها وأجْرَوْا عليها بعضَ الشيءِ من التعديلِ بطريقةٍ ماكرةٍ للتعميةِ، وهي في الحقيقةِ مأخوذةٌ من (الْيُوغَا)، وهو شكلٌ من طقوسِ كفارِ الهندِ، يمتدُّ أصلُها إلى تعاليم الراهب بيتنجل Patanjali. إنَّ رِجَالَ الدِّين (بخلافِ العلماءِ) يجهلون هذه الحقيقةَ، لأنَّهم عمومًا يجهلون خفايا أساليبِ الزنادقةِ في التضليلِ، وغسلِ الأدمغةِ، وتسحيرِ العقولِ، يجهلون مكنوناتِ حِيَلِهم في اختلاقِ البِدعِ والخرافاتِ والأساطير. لذا لا يكفي الانتباه إلى أكاذيبِ الصوفِيَّةِ وأنماطِ دجلِيَّاتهم فحسبُ، بل يجب التفطُّن - في الوقتِ ذاتِهِ - إلى الفرقِ بين العالم و"رجل الدين". فهذا الأخيرُ مصطلحٌ مقتبسٌ أيضًا من قِيَمِ الكٌفَّارِ، ينبغي التمييز بينهما والتحذير من الإعتدادِ برجالِ الدين واعتبارِهم من طبقة العلماء. *** إنَّ النقشبنديّينَ لهم ألاعيبُ خطيرةٌ في صناعة التضليلِ وإلباسِ الحقِّ بالباطلِ؛ يَتَصَيَّدُونَ بها الجهلةَ وَيُرَسِّخُونَ عقائدَهم في أعماقِ الإنسانِ الْمُنْسَحِبِ وراءَهُمْ والواقعِ في حبالِهم، فيتحوَّلُ إلى آلةٍ في يد شيخ الجماعةِ يلعبُ به ويستخدمه في تحقيق أغراضِهِ دونَ أيِّ اعتراضٍ من هذا الجاهِلِ أن يعصيَ له أمرًا، ولو كانَ حرامًا بيِّنَ الْحُرْمَةِ. كما لو أمره بفعلِ الزنا أو شُرْبِ الخمرِ وحتى بارْتِكَابِ جنايةِ القتلِ، لا يتردَّدُ في الاستجابة له أبدًا إلاَّ من رحم ربّي! بذل النقشبنديونَ الأتراك في السنين الأخيرةِ جهودًا بالغًةً وعنايةً خاصَّةً في إصدارِ كتبٍ ومجلاَّتٍ وإنشاءِ شركاتٍ وأوقافٍ وجمعياتٍ وإذاعاتٍ وفضائيَّاتٍ يستخدمونها في بَثِّ عَقَائِدِهِمْ والدفاعِ عنها، وهي- في الوقتِ ذاته - أسلحةٌ فتّاكةٌ في أيديهم يستعملونها لضربِ خصومِهم، خاصَّةً في هجماتهم على أهلِ التوحيدِ بضراوةٍ وعنفٍ؛ لا يألونَ جهدًا في تشنيعِ "السلفيّين" وسبِّهم، ورميهم بالزندقة، وبالخيانة العظمى ومعاداة الدولة التركِيَّةِ. يصفونهم بالإرهابية، والداعشية، والوهابية... إنَّ كفرياتِ النقشبنديّين، وتلاعُبَهم بالدين، ونشاطاتِهم الهدَّامَةَ لا حصرَ لها في الحقيقة؛ أمّا تلخيصُها (تفادِيًا للإسهابِ والإملالِ)، فيمكن في أربعةِ نقاطٍ رئيسة (مع ذكرِ نبذةٍ من أسبابها وجذورها التاريخية): أوَّلُها: أنهم يتنطعون بإصرارٍ بالغٍ وبدون أيِّ مناسبةٍ، ليصرفوا الإنتباهَ عن توحيد الألوهِيَّةِ، فيتشدّقون في خُطَبِهِمْ ومَوَاعِظِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ بإكْثَارِ ما يدلُّ على ربوبيَّتِهِ تعالى: أنه الخالقُ، وأنه الرازقُ، وأنه المدبِّرُ، وأنه المحيِ والميميتُ... إلى غير ذلك مِمَّا لا يَجْحَدُهُ جُمُوعُ أهلِ الكفرِ من اليهودِ والنصارى والمجوسِ، وحتى الملحدون الذين يُنكرون ربوبيَّةَ اللهِ في ظاهرهم مع أنهم يستيقنونها في أعماقِ ضمائِرهم. ولا يكادُ أحدٌ من شيوخ النقشبنديَّةِ وخواجواتِهِمْ وملالِيهِمْ ينبس ببنت شفةٍ في توحيد الأُلُوهِيَّةِ بإفرادِ اللهِ تعالى بالعبادةِ. لم يَرِدْ أنَّ شيخًا من شيوخ النقشبندِيَّةِ (المعاصرين منهم خاصَّةً)، لم يَرِدْ أنَّهُ نطقَ في مجلِسِهِ، أو نَبَّهَ مريديه على أنَّ الله تعالى هو الإلهُ الواحدُ الأحدُ الفردُ الصمدُ الذي لا يُعْبَدُ إلاَّ إيَاهُ؛ لا يُصَلّى، ولا يُدْعَى، ولا يُذبَحُ، ولا يُنذَرُ، ولا يُحَجُّ، ولا يُعتَمَرُ، ولا يُتصَدَّقُ إلاَّ له سبحانه ابتغاء وَجْهِهِ تعالى. وأنّه من يتوجّهْ إلى غيرهِ بأدنى شيءٍ من هذه المقاصدِ يحِلْ ربقةَ الإسلامِ من عُنُقِهِ؛ لا تُؤكَلُ ذبيحتُهُ، ولا تجوز مناكحتُهُ، ولاَ يُؤْذَنُ له بالدخولِ إلى المسجد لأنه نجسٌ بِنَصِّ قولِهِ تعالى: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا." ، ولا يَرِثُ المسلِمَ ولا يرثُهُ المسلمُ، وتسقطُ ولايتُهُ، ويسقطُ حقُّهُ في الحضانة، ولا يُصَلَّى عليه إذا ماتَ، ولا يُدفَنُ في مقابِرِ المسلمين. نعم، يتجنَّبُ شيوخُ النقشبندِيَّةِ الإقرارَ بهذه الحقائِقِ التوحِيدِيَّةِ مع أنَّ كُلَّهَا من أحكامِ المشرِكِ في الدنيا، وأمّا فيما يتعلّقُ به في الآخرَةٍ: فإنَّ الله تعالى قد بيَّنَ حُكْمَهُ فيه بقولِهِ تعالى : "إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا." وهذه المعلوماتُ كُلُّها مشروحةٌ في مصادر الفقه الإسلامِيِّ. لكنَّ الصوفِيَّةَ عامَّةً والنقشبنديِّينَ خاصَّةً يتجاهلونها ويتعمّدونَ كَتْمَهَا ولا يكادُ يُسمَعُ من أحدِهِمْ أنه تلى هذه الآيةَ الكرِمَةَ جهرًا. بل يكرهون قرائَتَهَا وتِلاَوتَهَا جهرًا، وإذا نَبَّهَهُم أحدٌ على كفرِهِم هذا، وطلَبَ منهم أن يتأمَّلوا في معناها، ثاروا عليهِ وطردوه من مجلسِهِم، وشمتوا به، ورموه بالزندقةِ، ووصفوه أنه وهّابِيٌّ ضالٌّ عدوٌّ لأولِيَاءِ الله، بل آذوهُ بالعنف إن قدروا عليه... إنَّ موقِفَهم هذا إنما هو ناشِئٌ من تَأْلِيهِهِمْ لشيوخِهم وكبرائِهِم، ومن البراهين الواضحةِ على كُفْرِهِمْ هذا: أنَّهم مَشْغُولُونَ ومُنْهَمِكُونَ في ذكرِ مَنْ نَالَ من بينهم قدرًا من الشهرة حتّى وصفوه بالولايةِ، وإذا ماتَ بَنَوْا عليه قُبَّةً، وَتَضَرَّعُو إليه لقضاءِ حاجاتهم ليسَ ذلك إلاَّ لِعَدَمِ اعْتِدَادِهِمْ بِتوحيدِ اللهِ في أولوهِيَّتِهِ. إنّما ينسبونَ كلَّ ما ينالون من سَعَةٍ وَنعمةٍ، إلى هذا المشهورِ المعظَّمِ في قلوبِهم (بصفة الولِيِّ الفُلاَنِيِّ) لاعْتِقَادِهِمْ أنَّها مِنْ بركاتِهِ. "وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ." لا شكَّ في أن ذلك كفرٌ صريح وإشراكٌ بالله، لأنَّ ذلك أبشعُ ضُروبِ النكرانِ بجميله تعالى، وغفلةٌ وتجاهلٌ لقولِهِ سبحانه: "وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ." واللهُ تعالى يُكَذِّبُهُم بهذهِ الكلماتِ المقدَّسَةِ:" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ." ومن أكبر علاماتِ كُفْرِهِمْ إذا أكثرَ أحدٌ في مجلسٍ لهم من القولِ في توحيدِ الله بالعبادةِ، تجدهم يتحرَّجونَ من ذلك ويضيقُ صدورُهُم، وقد يتجرَّأُ بعضُهم بالاعتراضِ على هذا الواعظِ وفي عنجهيَّةِ بقوله: "يا شيخ: نحن لا نجهل أنَّ اللهَ واحدٌ، لكنْ مَا لَكَ تَشُحُّ بذكرِ الأولياءِ وكَرَامَاتِهِمْ وَبَرَكَاتِهِمْ وحِمَاهُمْ وَشَفَاعَتِهِمْ لنا!". إن الله تعالى قد وصفَ هولاءِ الْغَرْقَى في مُسْتَنْقَعَاتِ الكفر (وإن تَرَاءَوْا في مظاهر المسلمين بصلواتِهم وصيامِهم وجُمُعَاتِهِمْ وَجَمَاعَاتِهِمْ..) قد وصفهم الله تعالى بقوله: "أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ." النقطةُ الثانيةُ: هي أنَّ هذا الْكُفْرَ (آنِفَ الذِّكْرِ) مُنْبَثَقٌ أصلاً من تألِيهِ النقشبنديِّين للإنسانِ الْمَيِّتَ. إنَّ الطريقةَ النقشبندِيَّةَ انتهجتْ هذا الْمُعْتَقَدَ خاصَّةً لِصَدِّ الوجوهِ عن توحيدِ الله في العبادةِ. ذلك أنَّ هذا الاعتقادَ له أصلٌ ممتَدٌّ إلى حُقْبَةِ ما قبلَ الإسلامِ من تاريخِ الأتراك. تدلُّ البحوثُ والوثائق أنَّ هذا القومَ كانوا ولا يزالون يُقَدِّسُونَ أرواحَ مَوْتَاهُمْ، ويعتقدونَ أنَّ لهم هيمنةً على حياةِ الْمُجْتَمَعِ وَمُقَدَّرَاتِهِ، فكانو يتوجَّهونَ إليهم بالدعاءِ والتضرُّعِ، ويخافونَ لَعْنَتَهُمْ.. كما كانوا يُقَدِّسُون أيضًا الكُهَنَةَ والعرَّافِينَ ومَنْ يأتيهم بشعوذةٍ؛ كاستخدامِ رموزٍ وثنيةٍ في الرُّقْيَةِ لمن يطلب منهم الشفاءَ. إنَّما هؤلاءِ كانوا رجالَ الدينِ عند الأتراكِ في عصور ما قبل الإسلامِ. فلمَّا تعرَّفوا على الإسلامِ واختزلوا منه (الْمُسْلُمَانِيَّة َMüslümanlık) كَدِيَانَةٍ بَدِيلَةٍ عن الدِّينِ الحنيف لِيَسْتَقِلُّوا بها عن العربِ، وَيَتَمَايَزُوا عنهم بِطَابِعِهِمِ القديمِ وخصوصِيَّاتِهِمْ المحلِّيَّةِ والقومِيَّةِ، تشبّثوا بالصوفِيَّةِ الذين وجدوهم أقربَ سلوكًا لِكُهَنَتِهِمْ ومُشَعْوِذِيهِمْ في العهدِ الوثنيِّ، وإذا الْتَقَوْا بعلماءِ الإسلامِ استغربوهم، فلم يطمئنُّوا إليهم، لِمَا وجدوهم يُشَدِّدُون النكيرَ على الكُهَّانِ والعرَّافِينَ والصوفِيَّةِ وأفعالِهم من البدعِ والخرافاتِ والكفريَّاتِ... فلما استقوَوْا واشتدَّتْ سواعِدُهُم منذُ ظهورِ خالدِ البغدادِيِّ، بدأ شيوخُهُم يُنَافِسُونَ عُلَماءَ الإسلامِ وَيُزَاحِمُونَهُمْ ويُضَيِّقونَ عليهم الخناقَ، إلى أنْ تَجَرَّءُوا عليهم بِتَقْبِيحَاتِهِمْ وتَشَنِيعاتِهِمْ والدُّخولِ في أعرَاضِهِمْ والتشهير بهم لدى كلِّ فرصةٍ. بلغ بهم الانهماكُ في تقديسِ الإنسانِ الميِّتِ والقبورِ إلى حدٍّ إذا عثروا على كتابٍ لزنديقٍ من القبورِيّينَ على شاكلتِهم، أثاروا عاصفةً من الدعاياتِ له، وبادروا بطبعِهِ ونشرِهِ حتى ولو كان مدوَّنًا باللغةِ العربِيَّةُ (مع أنّ الأتراك هم أبعد الناسِ إلى العربِيَّةِ)، وتسابقوا وبالغوا في إطراءِ مؤلِّفِهُ بأنّهُ عَلاَّمةٌ فهَّامةٌ ألْمَعِيٌّ عبقرِيٌّ منقطع النظيرِ في علمه، لاَ أحَدَ يُدَانِيهِ مهما تَبَحَّرَ في أشتاتِ العلومِ! على سبيل المثال، ظهر زنديقٌ خُرَافِيٌّ قبورِيٌّ من مُشْرِكي الديار الباكستانيةِ يُدعَى (حمد الله الداجوي)، صدر له كتابٌ سمّاه (البصائر لمنكري التوسُّلِ بالمقابر) وقد حشد فيه من أباطيل القبورِيَّة وتأليه الْمَوْتَى ما يتعجَّب منه ويتألّمُ كُلُّ مؤمنٍ بسلطانِ الله. كتبه ردًّا على كتابٍ ألَّفَهُ العالِمُ السلفِيُّ الشيخ طاهرُ الْفَنْجَفِيرِيّ. قال هذا القبورِيُّ في مَقْطَعٍ مِنْ كِتَابِهِ: "فلمَّا كان بعضُ المتشدِّدين يُنكرُ التوسُّلَ بالذواتِ الفاضلةِ وسماعِ الموتَى وغيرِهما من المسائِلِ التي يتعصَّبُ فيها وَيُسِيئُ الأدبَ في شأنِ الصُّلَحَاءِ والعلماءِ الرَّبَّانيِّين، وأفرطَ في شأنِ الْمُتَوَسِّلِينَ وشَنَّعَ عليهم تشنيعًا بليغًا حيث سمَّاهم مشركين وغيرَ ذلك من الخرافات في شأنِ العلماءِ الصالحين، فأردتُ الذَّبَّ عنهم غيرةً في دين الله" بل قد ذبَّ هذا الزنديقَ عن صناديد المشركين غيرةً في دين الشيطانِ، إذ لا يخفى من كلامِ هذا الضالِّ المدعُوِّ (داجوي) أنّه يكفرُ بقولِهِ تعالى "وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ، وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ." إنَّ هذا الحقيرَ ومَنْ على شاكِلَتِهِ من المشركين لا يعبئون بهذا النصِّ القُرْآنِيِّ الذي لا يختلفُ عليه عَدْلاَنِ ولا ينتطح فيه عَنْزان. لانَّ فيه تكذيبُهم، وَهَدْمُ دينهم الباطِلِ من أساسِهِ. يدلُّ على ذلكَ أنَّ النقشبنديّين الأتراكَ قد تجاهلوا هذه الآيةَ الكريمةَ واهتمُّوا بكتابِ هذا الباكستانِيِّ الذي ليسَ من سكانِ بلدِهمْ، ولا عنصرًا من عرقِهِم، ورغمَ جهلِهِم بالعربِيَّةِ! وبهذه المناسبَةِ تحسُنُ الإشارةُ إلى أنَّ مَنْ يطلُب المزيدَ من المعرفةِ بعدمِ سماعِ الموتى أبدًا، عليه بِمُدَارَسَةِ الكتابِ الموسومِ (الآياتُ البَيِّنات في عدمِ سماعِ الأمواتِ) للعلاَّمةِ السلفِيِّ الجليل نعمان بن محمود الآلوسِيِّ البغدادِي. النقطةُ الثالِثَةُ: أنَّ الأتراكَ عامَّةً يجهلون مَبْدَأَ (التوقِفِيَّةِ)، والنقشبنديُّون خاصَّةً يتجاهلونها اتِّبَاعًا لشيوخِهِمْ الذين لا يعتدُّونَ بأذكارِ النبِيَّ ودُعائِهِ ومناسِكِهِ المأثورةِ صلى الله عليه وسلَّمَ. وإنما يهتمُّونَ بالأذكارِ والطقوسِ التي جاءَ بها خالدُ البغدادِيُّ من الهند. وهي كلُّها مأخوذةٌ من البوذِيَّةِ. إلاَّ أنَّ خالدًا البغدادِيَّ كان قد زينَّ هذه الأذكارَ والرموزَ والطقوسَ المجوسِيَّةَ بإضافَةِ آياتٍ قرآنِيَّةٍ وأذكارٍ مشروعةٍ إليها، فاختلقَ منها تراكيبَ غريبَةً لا يكادُ المسلمُ الجاهِلُ وحتى كثيرٌ من العلماءِ لا يكادونَ يُمَيِّزونَ بين عناصرِ هذه التراكِيبِ ما هو مأخوذٌ من الهندوسِيَّةِ وما هو مأخوذٌ من الإسلامِ، فيقعونَ في حبالِهم ويعدِلُون عن جادَّةِ الصوابِ وهم غافلون عن كُنهِ هذه الألاَعيبِ. من هذه الكفريات (على سبيلِ المثال): اعترافهم (جهارًا ومن غير تَحَفُّظٍ) أنَّ طريقةَ تَعَبُّدِهم تعتمدُ على العملِ بِعِدَّةِ مُصْطَلَحَاتٍ فارسيّةٍ (وهي غريبةٌ ودخيلةٌ لا أثَرَ لها في الكتابِ والسنةِّ). ومن كفرِيَّاتِهِم أيْضًا: اختلاقُهم طريقةً غريبةً للذكر وفق مبادئِ مجوسِ الهند، بَعْدَ تَرْجَمَةِ مصطلحاتِهم إلى العربية واحتكارِ لفظ (الجلالة) على سبيلِ التَّعْمِيَةِ. يقول عبد المجيد بن محمد الخانِي في وصفِ طريقةِ هذا الذكرِ بالحرفِ الواحد: "ذكرُ لفظ الجلالة باللَّطَائِفِ الخمسِ، وهي: الروحُ، والسِّرُّ، والخفِيُّ، والأخفَى، والنفسُ.. فيذكرُ (المريدُ) اللهَ تعالى أوَّلاً بلسانِ الروحِ الخيالِيِّ، وهي لطيفةٌ تحتَ الثديِ الأيمنِ. ثُمَّ السِّرِّ، وهي لطيفةٌ في يسارِ الصدرِ. ثُمَّ الخَفِيِّ، وهي لطيفةٌ في يمينِهِ. ثُمَّ الأخفَى، وهي لطيفةٌ في وسَطِهِ. ثُمَّ النفسِ الناطِقَةِ، وهي لطيفةٌ في الدماغِ على هذا الترتيب. فإذا رسخَ الذكرُ في لطيفة النفسِ نقَلَهُ إلى لطيفة الجَسَدِ. وهي: أن يذكرَ اللهَ تعالى بجميعِ جسَدِهِ مستحضِرًا للذاتِ العلِيَّةِ في نظرِ قلبِهِ..." يمتدُّ وصفُ عبد المجيد الخانِيِّ على هذا المنوالِ من الغرابةِ والغموضِ في صيغةٍ تبعثُ الحيرةَ في قلبِ كلّ من له علم بكتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلی الله عليه وسلم، ويفزع من خطورتها ومن جرأة من استقاها من مستنقعات الشرك وأَلْصَقَهَا بالإسلامِ افتراءً وزورًا. ومن كفريات النقشبنديِّينَ في اختلاقِ أساليبِ الذِّكْرِ على الطريقة الهندوسِيَّةِ: ذكرُ النفيِ والإثباتِ. يقول عبد المجيد بن محمد الخانِيِّ أيضًا: "المرادُ بالنفيِ والإثباتِ: كلمةُ التوحيدِ (لا إله إلاَّ الله). وهذا الذكرُ المباركُ يعلِّمُهُ المرشِدُ للمريدِ بعد ذكرِ اسم الذاتِ باللَّطائِفِ والتمكُّنِ من سلطانِ الذكرِ، وآدابُهُ: هي آدابُ الذكر الأوّلِ، غيرَ أنَّهُ بعدَ أن يُلصِقَ اللِّسَانَ والأسنانَ والشفةَ كالأوَّلِ، يحبِسُ النفَسَ تحتَ سُرَّتِهِ ويتخيَّلُ منها (لا) مُمْتَدَّةً إلى مُنتهى دِماغِهِ، ويتخيَّلُ من دماغِهِ نقشَ (إله) مُمْتَدَّةً إلى كَتِفِهِ الأيمنِ، ويتخيَّلُ من كَتِفهِ الأيمنِ نقشَ (إلاَّ الله) مارًّا بها على اللَّطائِفِ الخمسِ ضارِبًا بلفظِ الجلالةِ على القلبِ منفذًا إلى قعرِهِ بقوَّةٍ يتأثَّرُ بحرارَتِهَا جميعُ البدنِ مع ملاحظةِ معنى هذه الجملةِ: وهو أنه لا مقصودَ إلاَّ ذاتُ اللهِ تعالى، وينفي بشقِّ النفيِ جميعَ المحدثات الإلهِيَةِ، وينظرها بنظر الفناءِ، ويقولُ في آخرها بِلِسَانِ القلبِ: (محمد رسول الله) ويقصِدُ بها أنه مُتَّبِعٌ له ويكرِّرُها على قدر قوةِ نَفَسِهِ، ويُطلِقُ نَفَسَهُ من فَمِهِ على الوترِ من العددِ، وهو المسمَّى عند ساداتِنا بـ(الوقوفِ العددِيِّ)، ويقولُ بقلبِهِ قبلَ إطلاقِ كلِّ نَفَسٍ (إلهي أنت مقصودي ورضاكَ مطلوبي)" تمتدَّ عباراتُ الْخَانِيِّ على هذا النمطِ أيضًا. ويَظْهَرُ من خلالِ هذه التعريفاتِ الثعلبانيةِ أنَّ هذه الطائفةَ الخطيرةَ قد نسجتْ خيوطَهَا في أشكالٍ من المكرِ والخديعةِ لإختلاقِ تركيباتٍ وعباراتٍ وأركانٍ غريبةٍ تجمع بين ألفاظٍ من أذكار المسلمين وأصولٍ من الديانة البوذِيَّةِ، وذلك لإرباكِ قطعانِ الجهلةِ في المجتمع الإسلامِيِّ وحلِّ ربقةِ الإسلامِ من أعناقهم دونَ أنْ يشعروا ويتنبّهو إلى ما يقعونَ فيه من سوءِ العاقبة والعياذُ بالله! *** للنقشبنديِّينَ أكاذيبُ وأباطيلُ وأساطيرُ ومفترياتٌ على الله ورسوله، وقصصٌ خرافِيَّةٌ موضوعةٌ لا أساسَ لها من الصحةِ وقد حشدوها في بطونِ ركامٍ من كُتُبِهم التي دوَّنوها باللغة الركِيَّةِ لتشويشِ العقولِ واستمالةِ القلوبِ الغافلةِ واستغلالِ الضمائِرِ، ينسبونها إلى شيوخهم بدعوى الخوارق والكرامات لتفخيم شأنهم وتوسيعِ نطاقِ شهرتهم وإلقاءِ هيبتِهم على الناسِ. وهذه المحاولة منهم نمطٌ من أنماطِ المكرِ والتضليل والاحتيال، يقترفونها لِيخدعو بهذهِ الطريقة قُطعانَ من السفهاءِ وحثالةِ البشر، ولِيُسَخِّروهم في تحقيق أغراضٍ مخصوصة. من هذه الأكاذيبِ (على سبيل المثال): حكايةٌ ينقلونها عن شخصٍ يُدعى (مولانا ذاده نظام الدين). يقول: "كان يومًا من أقصر أيامِ الشتاءِ، كنتُ أنا بِصُحبةِ الشيخ عبيدِ الله الأحرار، نسافرُ من قريةٍ إلى أخرى. أدَّينا صلاةَ العصرِ في أثناءِ سَفَرِنا، ثمَّ بدأتِ الشمسُ في الإسفرارِ واقتربتْ مِنْ خَطِّ الأفقِ وكانتْ نقطةُ الوصولِ بعيدةً في الغايةِ، ولم يكن من الْمُتَوَقَّعِ أنْ نصِلَ قبلَ ساعاتٍ مؤَخَّرَةٍ من اللَّيْلِ، كما لم يكنْ بِقُرْبِنَا مكانٌ نأوي إليه ونحن في مفازة مترامية الأطرافِ. أخذتُ أتأمّلُ بقلقٍ: أنَّ المقصِدَ بعيدٌ، واللَّيلَ مُقْبِلٌ، والطريقَ مُرْعِبٌ، وليسَ ثَمَّ مكانٌ نلجأُ إليه، فما إذًا حيلتُنا! ومع هذا كان الشيخ يسوقُ جوادَهُ بسرعةٍ ولم يبدُ عليه أثرٌ من القلق. بينما كان ينتابني هذه الخطراتُ فإذا بالشيخ التفتَ إلَيَّ وقال لي: "أأنت خائفٌ؟ فسكتُّ، ثُمَّ قال لي: "أطْلِقِ العنانَ لجوادِكَ وعَجِّلْ، لَعَلَّنا نصلُ قبلَ غروبِ الشمسِ." وعليه زدنا في الإسراعِ وقطعنا مسافةً طويلةً. فجمعتُ همّي وإذا بالشمسِ فكأنَّها واقفةٌ على ألأُفُقِ مُسَمَّرَةٌ لا تبرحُ مكانَها. وما إنْ دخلنا القريَةَ غابت الشمسُ بسرعةٍ وَغَشِيَنَا حَلَكُ الظلامُ!" اختلق مَن اختلقَ من النقشبنديّين هذه القصَّةَ الخيالِيَّةَ لِيُوهِمَ بها أنَّ الشمسَ وقفتْ على الأفقِ تنتظرُ هذا الشيخَ وتبعثُ عليه أشِعَّتَهَا حتَّى يدخُلَ هوَ القريَةَ في ضوءِ النهارِ ولا يُزعِجَهُ ظلامُ الليلِ! فيعدّونَ هذه القصةَ الخُرافِيَّةَ من جملة كراماتِهِ. للنقشبنديّين أيضًا قصصٌ قد صاغوها في إطراءِ أحمدَ الفاروقِيَّ السرهندِيَّ الذي يُعَظِّمُونه بعنوان (الإمامِ الربّانِيِّ!)، يستحيل أنْ يَجْمَعَها باحثٌ دونَ أن يستعينَ بغيرِه. حشدوها في موسوعةٍ لهم باللغة التركِيَّةِ ما يضيقُ المقامُ لأحصاءِ عَدَدِهَا، فضلاً عن نقلِ جزءٍ منها. من هذه الهذيانات: وَرَدَ في الموسوعةِ آنفةِ الذكرِ: أنَّ رجلاً سَمِعَ مناقِبَ (الإمامِ الربَّانِيِّ) وهو في بلدٍ بعيدٍ من مَقَرِّه. فسافر إلى مدينة سرهند ليزورهُ، لكنّه اتفق أنْ وصل ليلاً فنزلَ ضيفًا في بيتِ أحدٍ من أهل المدينة. وقصَّ عليه أمرَهُ: أنه إنَّما جاءَ ليستفيدَ من الإمامِ الربانِيِّ، وأنْ يَدْرُسَ عليه، وأنه مُتَشَوِّقٌ للقائِهِ ولهذا أنَّه مغمورٌ في السعادة. إلاَّ أنَّ صاحِبَّ الدَّرِ كان يبغضُ الإمامَ، فأخذَ يتطاول عليه بالتقبيح والتشنيع، فتضايق منه الضيفُ، فتضرَّعَ إلى الإمامِ الربَّانِيِّ في قلبِهِ وخَاطَبَهُ في نفسِهِ قائلاً: إنَّما قصدتُكَ لوجهِ الله ونويتُ أن أقومَ بخدمتِك، لكنَّ هذا الرجلَ يريدُ أن يُحَرِّمَنِي من هذه السعادةِ. فلم ينتهِ الضيفُ من هَمَسَاتِهِ بعدُ حتَّى فوجئَ أهلُ البيتِ بالإمامِ وبيده سيفٌ مسلول، فانقضَّ على صاحب البيتِ فقطعه إربًا إربًا. فلما أصبح الضيفُ ودخل على الإمام، وأرادَ أن يُعَبِّرَ عمَّا حدثَ معه في اللَّيلةِ البارحةِ، بَادَرَهَ الإمامُ بقولِهِ: لا تذكرْ شيئًا في النهار من أخبار الليل!. وذلك ليكتمَ كَرَامَتَه. إنَّ هذه الخزعبلاتِ وآلافَ آلافِ أمثالِها تُلفِتُ الإنتباهَ إلى أنَّ كثيرًا من التيّارات الصوفِيَّةِ، والطريقةَ النقشبندِيَّةَ على وجهِ الخصوصِ، إنَّما ظهرتْ في الأتراكِ وفشتْ في مُجتَمَعاتِهِم لأسبَابٍ ثلاثٍ: أوّلُها: أنَّ التاريخَ لا يشهَدُ بِأدنى إشارةٍ إلى أيِّ شخصٍ أو فِئَةٍ من أهلِ الدعوةِ قاموا أوَّلَ مَرَّةٍ بتبليغِ رسالةِ الإسلامِ إليهم. وهذا يؤَكِّدُ على أنَّ تعرُّفَهم على الدين الجديدِ جاءَ عفوِيًّا واعْتِبَاطًا ومن غيرِ مرشِدٍ يدلُّهُم على اعتناقِ تعاليمه بوعيٍ وفق الكتابِ والسنّةِ. والسبَبُ الثاني هو: أنهم كانوا يجهلونَ الكتابةَ والقراءَةَ (وحتّى رؤساؤَهم وملوكَهم!)، إذْ كانُو بِعُمُومِهِمْ بدوًا، مع أنَّ الإسلامَ دينٌ له مبادِئُ رصينةٌ يستحيلُ استيعابُها من غيرِ دراسةٍ وممارسةٍ وتعليم، خاصَّةً على قومٍ لم يتحضّروا. والسبَبُ الثالِثُ هو: تهافُتُهم على الإسلامِ عن بكرةِ أبيهم وفي أمدٍ قصيرٍ جدًّا، لعلّهم تابعوا رؤساءَهُمْ وَمُلُوكَهُمْ في ذلك اغْتباطًا وتَقْليدًا لَهُمْ، وذلك طابعٌ راسِخٌ فيهم. بالاضافةِ إلى هذه الأسبابِ: فإنَّ مبدأ (التوقيفِيَّةِ) ظلَّتْ مجهولَةً لا يعرِفُهُ الأتراكُ ولا يعترفونَ بها، وحتى علماؤُهم لا يعبئونَ بهذا المصطلَحِ، ولا يتداولونه في نواديهم ومؤسَّساتِهِم العلمِيَّةِ أبدًا. وربما يتجاهلون شمولِيَّةَ هذا المبدأِ كقاعدةٍ أساسِيَّةٍ يرتكز عليها الدين الإسلامِيُّ بكلِّتِهِ الجامعةِ. نعم، حتى علماؤُهم يتجاهلون هذا المبدأ العظيمَ، لماذا؟! لأنَّهم لا يكادونَ يشعرون بالأملِ في استجابة الناسِ للدعوةِ إلى توحيدِ الله بعد مضِيِّ ألفِ سنةٍ عليهم وقد رسخت الْمُسْلُمَانِيَّةُ (Müslümanlık) في أعماقهم. "إنَّ الفرصةَ قد فاتت" بحسبِ اعتقادِهم. إنَّ صَمْتَهُمْ في كثيرٍ من الأحيانِ، وتأويلاتِهم، وذرائعَهم التي يتشبّثون بها، كلُّ ذلك تدلُّ على أنهم لا يرجون فائدةً من مناقشةِ هذه المسألةِ وكأنَّهم يقولون بلسانِ حالِهِمْ: "هل يستطيعُ أحدٌ أن يُزَعْزِعَ إيمانَ الأتراكِ بآلافٍ من أولياءِهم (بدءًا من أحمد الْيَسَوِيِّ، إلى خالد البغدادِيِّ وإلى المعاصرين من شيوخِهم الذين هم على نهج أسلافِهم؟!) أين له أنْ يُغَيِّرَ حتى عقيدةَ شخصٍ واحدٍ من النقشبنديِّين في خالدِ البغداديِّ الذي كانتْ لعنتُهُ تساوي لعنةَ الله في اعتقادهم؟!". ألم يَدَّعِ خالدُ البغدادِيُّ في رسالةٍ له أنَّهُ طردَ عبدَ الوهابِ السوسِيِّ من دِينِهِ وقد أخذَ في ذلك موافقةَ جميع سادَاتِهِ: (أي من أبي بكر الصديق، وسلمان الفارسِي، وقاسم بن محمد، وجعفر الصادق، وأبي يزيد البسطامِيِّ، وأبي الحسن الخرقانيّ، وأبي علي الفارمديّ، وأبي يعقوب الهمدانيّ، وعبد الخالق الْغُجْدُوَانِيّ، وعارف الرِّيوَگَرِيِّ، ومحمود الإنْجِيرْفَغْنَوِيِّ، وعلِيِّ الرَّامِتَنيِّ، ومحمّد بَابَا السمَّاسيِّ، وأمير كُلاَلْ، ومحمّد بهاء الدين البُخَاريّ، ومحمّد علاء الدين العطّارِ، ويعقوب اﻟﭽﺮخِي، وعبيد الله الأحرار، ومحمّد زاهد الْبَدَخْشِي، ودرويش محمّد السمرقنديّ، ومحمّد الْخُوَاﺟَﮕِﻲ، ومحمّد باقي الكابُليّ، وأحمد الفاروقيّ السرهنديّ، ومحمّد معصوم الفاروقي، ومحمّد سيف الدين الفاروقيّ، ومحمّد الْبَدَوَانِيَ، وشمس الدين مَظْهَر، وعبد الله الدَّهْلَوِيِّ...). نعم يدَّعي خالدُ البغدادِيُّ (الذي عاشَ بين أعوام: 1778م./1192هـ -1826م./1242هـ.) يدَّعِي بألفاظٍ صريحةٍ أنَّ هؤلاءِ، (وعددُهم ثمانيةٌ وعشرون شخصًا) قد وافقوه في قرارِهِ بطردِ عبد الوهابِ السوسِيِّ من الطريقة النقشبندِيَّةِ! من ذا الذي يستطِعْ أن يُوَجِّهَ أدنى انتقادٍ إلى خالدِ البغدَادِيِّ في تُرْكيَا، ما دامَ هذا الكذِبُ الفاحِشُ يُعدُّ كرامةً عظيمةً من كراماته في اعتقادِ النقشبنديِّين؟! لذلك من الخطر الشديد على أيِّ إنسانٍ أن يتجرّأَ فَيُرَكِّزَ على مفهومِ (التوقِيفِيَّةِ) بأن يدعوَ الناسَ إلى الإيمانِ باللهِ وحدَه لاشريكَ له، وأنَّ الإعتقادَ بتصرُّفِ الْمَوْتَى في خَلْقِهِ وَمُلْكِهِ شركٌ يُخْرِجُهُ من الملَّةِ. يظهر من مواقف الأكاديميين الإلهيَّاتِيِّين (أي أساتذةِ الكلِّيَّاتِ المسمّاةِ بالإلهِيَّات) بخاصَّةٍ، "أن التركِيزَ على مسائِلِ التوحيدِ، وعلى مفهومِ (التوقيفِيَّةِ) عَبَثٌ، لأنَّ الأتراك أصلاً يُقِرُّونَ بأنهم منتسبون للإسلامِ، ولا بأسَ أن يكون بعضُهُم نقشبندِيّين أو منخرطين في جماعاتٍ متباينةٍ أخرى من الصوفِيَّةِ وغير الصوفِيَّةِ، فكلُّهم معترفون بالإسلامِ ومعتزُّون به، وهذا فيه كفايةٌ لإبراءِ ساحةِ المجتمع التركِيِّ بما فيه من الفسقةِ والملحدين سدًّا لبابِ الفتنةِ." يبرهن هذا الرأيُ الْمُجْمَعُ عليه عند عُقَلاَءِ القطاعِ المحافظِ المتديِّن في تُرْكِيَا: أنَّ إثارةَ مفهوم (التوقيفِيَّةِ) ومناقشةَ مسائِلِ التوحِيدِ بعد ألفِ سنةٍ من اعتناقِ الأتراكِ للدِّيَانَةِ (الْمُسلُمانِيّة Müslümanlık) محاولةٌ يائسةٌ لا طائلَ تَحْتَهَا. ذلك أنَّ المسلمانِيَّةَ بطقوسِها ومناسِكِها الخاصَّةِ وصبغتِها المحلِّيَّةِ (كرمزٍ للقومِيَّةِ التركِيَّةِ)، أصبحتْ بِناءً عملاقًا تغذَّت من الفكرِ الصوفِيِّ على مدى ألفِ سنةٍ، وتعتمدُ اليومَ على عددٍ من التيَّارات الصوفِيَّةِ وآخرها الطريقةُ النقشبندِيَّةُ، وبالأحرى؛ فإنَّ المسلمانِيَّةَ تتجسَّدُ اليومَ في الدِّينِ النقشبندِيِّ الذي يستحيلُ أن يتخلّى عنها الأتراك، ويعتنقوا الإسلامَ الذي يَرْقُدُ بين دَفَّتَيِ القرآنِ وفي بطونِ أمهات كتب السنة. النقطةُ الرَّابِعَةُ: هي تَتْرِيكُ الإسْلاَمِ، وهي من أهم أهدافِ الطريقة النقشبندِيَّةِ ومِنْ أخطرِ دَسَائِسِهَا الْكُفْرِيَّةِ. لأنَّ هذه المحاولةَ فيها تجزئةٌ لِلأُمَّةِ إلى جبهةٍ تركيةٍ تُمَثِّلُهَا الديانة (الْمُسْلُمَانِيَّةُMüslümanlık ) والمذهبُ (الحنفانِيُّHanafism ) في ظاهرها، وَتُعَضِّدُهَا الطريقةُ النقشبنديَّةُ من باطنها؛ وإلى جبهةٍ عربِيَّةٍ تمثِّلُها (الإسلامُ) الذي يحدِّدُهُ القرآن والسُّنَّةُ. إنَّ النقشبنديّينَ مهما تحزلقوا في دفاعهم: "أنَّ مُعْتَقَدَ سَادَتِهِمْ هو معتقدُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، ومَبْنَى طريقِهم على حفظِ أحكامِ الشريعةِ المطهَّرَةِ..." كما يزعمه محمدُ بْنُ عبدِ اللهِ الخانِيِّ، لكنهم يكذِّبونَ أنفسَهُمْ بما حشدوا في بطونِ كُتُبِهِمْ من أباطيلِ الْفُرْسِ والهنود، وقد زادَ عليها معاصروهم ما يبرهن على محاولتهم لتتريك الإسلامِ، بحيث يستحيل حَصْرُهُ من أنماطِ الأكاذيبِ والتحريفِ والتخريف والتأويل... أقلُّها تَرَحُّمُهُمْ على أحدِ قدمائِهم في عهدهم الوثني اسمه: (أوغوز خان Oğuz Han). ورد ذلك في كتابٍ للنقشبنديّين العنصرِيّين من تأليف شيخهم حسين حلمي إيشيك (1911-2001م.)، (عنوانه: السعادة الأبدية، في طبعته السابعة والسبعين) وهو يشرح ترجمةَ أوغوز خان، يقول بالحرف الواحد: " أُوغُوزْ خَان رحمةُ اللهِ تعالى عليه: إنَّ الأتراكَ قديمًا كانو منقسمين إلى تُرْكِ الشرقِ وتُرْكِ الغرب، فَالشَّرْقِيُّونَ منهم كانوا خَمْسَ قبائلَ، والْغَرْبِيُّون كانوا خَمْسَ عَشْرَةَ قَبِيلَةً. كانتْ قبيلةُ أُويْغُورْ مِنْ أتراكِ المنطقةِ الشرقيَّةِ، أمَّا قبيلةُ أُوُغُوزْ وَالْكِرْجِيز، فَإِنَّهُمَا كانَتَا مِنْ قبائلِ المنطقةِ الْغَرْبِيَّةِ. كانوا قد انتشروا في أنحاءِ الهندِ وإيران والعراقِ منذ خمسةِ آلافِ سنةٍ قبل الهجرة النبويةِ." وهذا كذب محضٌ لا أساسَ له من الصحةِ، ولا يملك أحدٌ أقلَّ دليل على ذلك. وإنما تَفَوَّهَ بهذا الباطِلِ لِيُمَوِّهَ أنَّ الأتراكَ كانوا مسلمين قبل قرونٍ من ظهورِ الإسلامِ! وهذا لا شكَّ لعبةٌ صبيانِيَّةٌ لا يكادُ أحدٌ يُصَدِّقُها، لكنَّهَا في الحقيقةِ تُضْمِرُ في مطاويها أنَّ الأتراكَ كانوا ولا يزالون في غِنى عن العربِ ودينهم، وفي ذلك همساتٌ شيطانية تدعو إلى فتنةٍ خفِيَّةٍ وإرهاصاتٍ تهدِّدُ بها الطريقةُ النقشبندِيةُ كيانَ الأمة المحمّدِيَّةِ.
الحقُّ أحقُّ أن يُتَبّع *** *** فريد صلاح الهاشمي Feriduddin AYDIN ORCID ID: 0000-0002-6440-6734 [email protected] دار العِبَر للطباعة والنشر Al-Ibar Publishing 03 أعسطس 2010م - إسطنبول ملاحظة: هذه رسالةٌ كتبها الشيخ فريد صلاح الهاشمي (زعيم طائفة من النقشبديين سابقًا، وقد تبرّأ من الطريقة النقشبندية وأهلِها، واعتنق الدين الإسلامِيَّ الحنيف بعد أن قام بدراسة شاملة حول هذا التيار الصوفي الخطير أخذت من حياته 23 سنةً! وتأكّدَ أن هذه الحركةَ الصوفيةَ بعيدة ٌعن الإسلامِ بُعْدَ ما بين السماء والأرض، كما جمع بحثَهُ في كتابٍ سماه "الطريقة النقشبندية بين ماضيها وحاضرها")، ثم بعث بنسخةٍ من بحثِه هذا، بِطَيِّ هذه الرسالةِ إلى أحد مشاهير الطريقة النقشبندية (الشيخ نور الدين سَيْدَاذَادَه) المقيم بضواحي مدين بتليس Bitlis الواقعة في المنطقة الكردية بتركيا، رجاءَ انتباهه إلى خطر هذه الطريقة، ونبذه أباطيل الصوفية، وقيامه بإرشاد الناسِ إلى عقيدة أهل السنة والجماعة. إن هذه الرسالة لا يستغني عنها أي شخص يجهل ما أصابَ عقائد الناس من الفوضى والفسادِ على الساحة التركية، وهي تشتمل على مسائل هامةٍ وتكشف أسرار أهل الزندقة بإيجاز. وإليكم نص الرسالة فيما يلي. عدنان عبد المهيمن الأماسي 07 مايو 2019م. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ خَلْقِ اللهِ. يظهر في الصورة كاتب الرسالة: فريد صلاح الهاشمي (في اليمين)، والشيخ نور الدين (في اليسار) الفَاضِلَ الْمُكَرَّمَ الشَّيْخ نور الدين سَيْدَا ذَادَه، حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى. السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَبَعْدُ، أُقَدِّمُ لَكُمْ أَسْمَى آيَاتِ التَّهَانِي بِمُنَاسَبَةِ حُلُولِ شَهْرِ رَمَضَانِ الْمُبَارَك، جَعَلَهُ اللهُ وَسِيلَةَ الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَاتِ لأُمَّةِ الإِسْلاَمِ، وَتَقَبَّلَ اللهُ طَاعَاتِنَا جَمِيعًا، وَحَشَرَنَا وَإِيَّاكُمْ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. أَيُّهَا السَّيِّدُ الْكَرِيم، عُدْتُ إِلَى الْمَنْطِقَةِ الْكُرْدِيَّةِ لأَوَّلِ مَرَّةٍ بَعْدَ أَنْ خَرَجْتُ مِنْهَا مُهَاجِرًا إِلَى إِسْطَنْبُولَ عَامَ 1968م. أَذْكُرُ أَنِّي دَرَسْتُ فِي مَدِينَةِ نُورْشِينَ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، تَلَقَّيْتَ خِلاَلَهَا دُرُوسًا مِنَ الأُسْتَاذِ مَلاَّ بَاقِي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ عَامَ 1964م. كَانَتْ هَذِهِ الْمَدِينَةُ يَوْمَئِذٍ قَرْيَةً كَبِيرَةً، وَكَانَ الْعِلْمُ مَهْجُورًا، وَعَدَدُ الطَّلَبَةِ مَحْدُودًا فِي ثَلاَثَةٍ وَأَنَا رَابِعُهُمْ. أَحْمَدُ اللهَ الَّذِي جَمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ بِعَوْنِهِ تَعَالَى بَعْدَ نِصْفِ قَرْنٍ تَقْرِيبًا، وَقَدَّرَ لِي مُجَالَسَتَكُمْ نِعْمَةً مِنْهُ عَلَى حِينٍ لَمْ أَتَوَقَّعِ الْفُرْصَةَ لِهَذِهِ الزِّيَارَةِ، فَمَكَّنَنِي مِنَ الاسْتِمَاعِ إِلَى حَدِيثِكُمُ الطَّيِّبِ، وَرَزَقَنِي الاسْتِفَادَةَ مِنْ هَذِهِ الصِّلَةِ، فَلَقِيتُ مِنْكُمُ الْحَفَاوَةَ وَالْكَرَمَ، وَحُسْنَ الْقِرَى، وَلَمَسْتُ فِي جَنَابِكُمْ، خِصَالَ الْعَالِمِ التَّقِيِّ الصَّالِحِ، مِنَ الْوَرَعِ، وَالْحِلْمِ، وَالْمُرُوءَةِ، وَالْوَقَارِ، وَالْعِفَّةِ، وَعِزَّةِ النَفْسِ، وَالتَّوَاضُعِ، وَالصَّرَاحَةِ، وَالْجُرْأَةِ، وَالْمَنْطِقِ السَّلِيمِ، وَحُسْنِ الْعُشْرَةِ، وَبَشَاشَةِ الْوَجْهِ، وَرَحَابَةِ الصَّدْرِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نُعُوتِ الصَّالِحِينَ... وَاللهِ لَسْتُ مُبَالِغًا فِي إسْنَادِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الرَّفِيعَةِ إِلَيْكُمْ، وَلاَ طَامِعًا فِي شَيْءٍ أَنَالُهُ كَمَا لاَ مَسَاغَ لِذَلِكَ بِحَالٍ، بَلْ هِيَ تَرْجَمَةُ مَا فَاضَ مِنْ قَلْبِي وَجَرَى عَلَى لِسَانِي خَالِصًا مِنْ شَوَائِبِ التَّقْلِيدِ وَالرِّيَاءِ. وَاللهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. وَقَدْ تَمَنَّيْتُ لَوْ جَالَسْتُكُمْ مُدَّةً طَوِيلَةً لِنَتَبَادَلَ الآرَاءَ حَوْلَ مَشَاكِلِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، وَمَا يُعَانِيهَا أَهْلُ الْمَنْطِقَةِ خَاصَّةً، وَلَكِنَّ الظُّرُوفَ لَمْ تَسْمَحْ لِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لأَنِّي قَائِمٌ فِي الْوَقْتِ الرَّاهِنِ بِمُهِمَّةِ التَّدْرِيسِ فِي جَامِعَةِ أُورُوبَّا الإِسْلاَمِيَّةِ İslamic University of Europe مَقَرُّهَا فِي مَدِينَةِ رُوتَرْدَامْ/هُولَنْدَا. لَقَدْ كَانَتْ تِلْكَ اللَّحَظَاتُ الْقَلِيلَةُ الَّتِي قَضَيْتُهَا فِي دَارِكُمْ مُفِيدَةً وَمُثْمِرَةً اسْتَفَدْتُ فِي أَثْنَاءِهَا الْكَثِيرَ مِنْ كَلِمَاتِكُمْ الصَّرِيحَةِ، وَسَمِعْتُ خِلاَلَهَا تَعْبِيرَكُمُ الصَّادِقَ الْوَجِيزَ عَنْ آلاَمِ أَهْلِ الْمَنْطِقَةِ وَظُرُوفِهِمْ. وَلَكِنَّنِي أَعْتَرِفَ أَنَّهُ فَاتَتْنِي مُوَاسَاتُكُمْ بِالْمُصِيبَةِ الَّتِي كَانَتْ قَدْ حَلَتْ بِكُمْ قَبْلَ أُسْبُوعٍ مِنْ زِيَارَتِنَا، فَلَمْ أَنْتَبِهْ لِلأَمْرِ بِسَبَبِ الْفَرَحِ الَّذِي غَمَرَنِي عِنْدَ لِقَاءِكُمْ، وَلِمَا لَمْ يُشْعِرْنِي بِذَلِكَ أَحَدٌ مِمَّنْ حَضَرَ مَعَنَا، فَأَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يُعَظِّمَ أَجْرَكُمْ، وَيَحْفَظَكُمْ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ. أَيُّهَا الْفَاضِلُ الْمُحْتَرَم، خَرَجْتُ مِنْ إسْطَنْبُولَ مُسَافِرًا عَلَى مَتْنِ طَائِرَةٍ يَوْمَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ تَمُّوزَ 2010م. وَوَصَلْتُ إِلَى مَدِينَةِ (دِيَاربَكْر) وَمِنْهَا إِلَى (أَسْعِرْدَ) دِيَارِ آبَائِي مُنْذُ 1258م. ثُمَّ زُرْتُ قَرْيَةَ فَرْسَافَ بِضَوَاحِي مَدِينَةِ أَسْعِرْدَ، وَهِيَ مَسْقَطُ رَأْسِ وَالِدِي الشَّيْخ صَلاَح بْنِ عَبْدِ الله. دَخَلْتُ قُبَّةَ جَدِّ وَالِدِي (مُحَمَّدِ الْحَزِينِ الَحَسَنِيِّ الْهَاشِمِيِّ) الْكَائِنَةِ عَلَى هَضْبَةٍ بِهَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَذَلِكَ لِلْعِبْرَةِ وَالاسْتِطْلاَعِ وَلإِلْتِقَاطِ صُوَرٍ مِنْهَا (وَلَيْسَ لِلتَّبَرُّكِ وَالْعَيَاذُ بِاللهِ!). ثُمَّ زُرْتُكُمْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، وَعُدْتُ إِلَى إسْطَنْبُولَ يَوْمَ الثَّانِي مِنْ شَهْرِ أَغُسْطُسْ/2010م. وَبَعْدَ هَذِهِ الزِّيَارَةِ أَحْبَبْتَ أَنْ أُرَاسِلَكُمْ اسْتِكْمَالاً لِلصِّلَةِ الأَخَوِيَّةِ، عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ هَذِهِ الْعَلاَقَةِ الطَّيِّبَةِ وَشِيجَةَ صِدْقٍ وَمَحَبَّةٍ خَالِصَةٍ، وَتَعَاوُنٍ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، دَائِمَةً قَوِيَّةً بَيْنِي وَيَبْنَكُمْ، وَحِجَابًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ كُلِّ بَاطِلٍ كُنَّا نَعْتَقِدُهُ حَقًّا. لَقَدْ أَرْفَقْتُ لَكُمْ بِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ نُسْخَةً مِنْ أَهَمِّ بُحُوثِيَ الْعِلْمِيَّةِ الَّذِي أَصْدَرتُهُ بِعُنْوَانِ (الطَّرِيقَةُ النَّقْشَبَنْدِيَّةُ بَيْنَ مَاضِيهَا وَحَاضِرِهَا)، لَعَلَّ اللهَ يَجْعَلُهُ وَسِيلَةَ الدِّفَاعِ عَنِ الدِّينِ الْحَنِيفِ، خَالِصًا لِوَجْهِهِ، فَيَكُونَ مَوْضِعَ الْقَبُولِ الْحَسَنِ لَدَيْكُمْ، وَعَسَى أَنْ يَتَنَاوَلَهُ سِيَادَتُكُمْ بِنَظَرِ الاهْتِمَامِ، وَأَنْ يُطَالِعَهُ مُطَالَعَةَ الْعَالِمِ الْمُدَقِّقِ، بِإِمْعَانٍ وَتَسَاؤُلٍ، وَتَبَاحُثٍ، وَمُرَاجَعَةٍ وَمُقَارَنَةٍ، وَبِصَدْرٍ رَحْبٍ، وَأَنَاةٍ وَصَبْرٍ، كَمَا أَرْجُو أَنْ أَتَلَقَّى مِنْكُمْ نَقْدًا عِلْمِيًّا، وَنُصْحًا أَخَوِيًّا، بِصِدْقٍ وَإِخْلاَصٍ وَحِيَادٍ، عَلَى سَبِيلِ التَّصْحِيحِ وَالاسْتِكْمَالِ (فَالْكَمَالُ للهِ وَحْدَهُ)، بَعِيدًا عَنِ الْمُكَابَرَةِ وَالْمُهَاجَمَةِ، إِذْ أَنَّ الْمُكَابَرَةَ وَالْمُهَاجَمَةَ وَالْمُرَاوَغَةَ وَالْمُغَالَطَةَ لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ، فَقَدْ اسْتَقْوَتْ بِكُمْ ثِقَتِي وَاعْتِمَادِي لِمَا وَجَدْتُ فِيكُمْ مِنَ الصَّلاَحِ وَالتَّقْوَى، أَكْرَمَكُمُ اللهُ تَعَالَى وَأَعَزَّكُمْ وَأَبْقَاكُمْ مِثَالاً يُقْتَدَى بِهِ. وَإِنَّما هَذِهِ الصِّفَاتُ (وَقَدْ وَقَاكُمُ اللهُ مِنْهَا وَالْحَمْدُ للهِ) كَمَا تَعْلَمُونَ هِيَ: مِنْ خَصَائِصِ الْبَلاَعِمَةِ وَالدَّجَاجِلَةِ وَعُلَمَاءِ السُّوءِ الْمُنَافِقِينَ، وَالْوَهَّابِيَّةِ الْمُجَسِّمِينَ وَالصُّوفِيَّةِ الْمَارِقِينَ، وَالْمَلاَحِدَةِ الْعِلْمَانِيِّينَ، وَالانْتِهَازِيَّةِ الْمُتَمَلِّقِينَ إِلَى الأَحْزَابِ السِّيَاسِيَّةِ لِلشُّهْرَةِ وَالرِّيَاسَةِ وَكَسْبِ حُطَامِ الدُّنْيَا الدَّنِيئَةِ... لَقَدْ جَمَعْتُ مَا فِي هَذَا السِّفْرِ حَوْلَ الطَّرِيقَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ فِي مُدَّةٍ تَفُوقُ عَنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَأَظُنُّ أَنِّي وَصَلْتُ إِلَى جُلِّ مَا كُتِبَ حَوْلَ هَذِهِ الْحَرَكَةِ الصُّوفِيَّةِ مِنَ الْمَصَادِرِ وَالرَّسَائِلِ قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا، وَأَضَفْتُ إِلَيْهَا مَا كُنْتُ تَلَقَّيْتُهَا فِي شَبَابِي مِنْ كِبَارِ أُسْرَتِي وَأَسَاتِذَتِي الَّذِينَ كَانُوا مِنْ رِجَالِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، فَصَدَرَ هَذَا الْكِتَابُ بِعَوْنِ اللهِ وَكَرَمِهِ بَعْدَ مُعَانَاةٍ شَدِيدَةٍ، وَرَحَلاَتٍ عَدِيدَةٍ، وَغُرْبَةٍ طَوِيلَةٍ، وَدِرَاسَاتٍ وَتَتَبُّعَاتٍ مَدِيدَةٍ أَرَهَقَتْنِي إِرْهَاقًا شَدِيدًا عَلَى مَدَى عَشَرَاتِ السِّنِينَ، فَلَمْ أَرْجُو مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ إِلاَّ الْهِدَايَةَ لِلضَّالِّينَ، وَرِضَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أيّها الأخُ الْمُكَرَّم، إِنِّي فِي الْحَقِيقَةِ لاَ أُرِيدُ إِطَالَةَ الْكَلاَمِ، حَتَّى لاَ أُزْعِجَكُمْ وَقَدِ انْصَبَّتْ عَلَيْكُمْ النَّوَازِلُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ، إِلاَّ أنَّنَا زُمْرَةَ الْمُثَقَّفِينَ مِنْ أَهْلِ الدِّرَاسَةِ وَأَبْنَاءِ الْعُلَمَاءِ، يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَصْبِرَ عَلَى مَشَاقِّ الْبَحْثِ مِنْ وَرَاءِ الْحَقَائِقِ الَّتِي أَكَلَ عَلَيْهَا الدَّهْرُ وَشَرِبَ، وَغَابَتْ فِي غَمْرَةِ الْعَادَاتِ وَتَقَالِيدِ الآبَاءِ، بَعْدَ أَنْ سَادَ عُلَمَاءُ السُّوءِ وَنَشَرُوا هَيْبَتَهُمْ وَهَيْمَنَتَهُمْ عَلَى عُقُولِ النَّاسِ فَضَلَّوا وَأَضَلَّوا، حَتَّى أَصْبَحْنَا فِي عَهْدٍ جَدِيدٍ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ نَعْتَقِدُ أَنَّ آبَاءَنَا جَمِيعًا كَانُوا أَوْلِيَاءَ اللهِ وَخَاصَّتَهُ، يَتَصَرَّفُونَ فِي مُلْكِهِ كَيْفَمَا يَشَاؤُون! لَمْ نَتَوَقَّعْ يَوْمًا مِنَ الأيَّامِ أَنَّ أَحَدًا مِنْ آبَائِنَا قَدْ يُخْطِئُ، أَوْ قَدْ يُذْنِبُ، فَضْلاً عَنْ اعْتِقَادِنَا فِي أَحَدِهِمْ أَنْ يَكُونَ قَدْ كُتِبَ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ. ذَلِكَ بِسَبَبِ الْهَيْبَةِ وَالْعَظَمَةِ وَالْقَدَاسَةِ الَّتِي تَظَاهَرُوا فِي لِبَاسٍ مِنْهَا وسَحَرُوا بِهَا عُيُونَنَا، بِحَيْثُ لَمْ يُفَكِّرْ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَشُكَّ فِي صِحَّةِ مَا أَحْدَثُوا فِي هَذَا الدِّينِ، وَلاَ أَحَدٌ مِنَّا تَدَبَّرَ لِيَعْرُضَ شَيْئًا مِنْ مُحْدَثَاتِهِمْ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ (ص) فَيَتَأَكَّدَ مِنْ صِحَّتِهَا. وَمَنْ يُضْمِنُ لَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا مَعْصُومِينَ؟ وَمَا دَلِيلُنَا أَنَّهُمْ كَانُوا أَوْلِيَاءَ اللهِ، مُسْتَجَابِي الدَّعْوَةِ؟ وَمَا حُجَّتُنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَصَرَّفُونَ فِي مُلْكِ اللهِ؛ يُحْيُونَ وَيُمِيتُونَ وَيَرْزُقُونَ وَيَعْلَمُونَ الْغَيْبَ وَيُعَذِّبُونَ مَنْ يُعَادِيهِمْ بِالْقَهْرِ وَإِنْزَالِ الْمَصَائِبِ وَالْبَلاَيَا (كَمَا يَعْتَقِدُهُ جُمْهُورٌ مِنَ الْبُسَطَاءِ مِمَّنْ حَوْلَنَا وَنَسْكُتُ عَلَى ذَلِكَ)... أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ! أَهَذَا هُوَ الإِسْلاَمُ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟!!! كَلاَّ وَالله! وَعِنْدَمَا خَرَجْتُ مِنْ قُبَّةِ جَدِّي الشَّيْخ مُحَمَّدِ الْحَزِين، تَسَاءَلْتُ فِي نَفْسِي قَائِلاً: وَمَا عَسَى أَرَادَ الَّذِينَ بَنَوْا هَذِهِ الْقُبَّةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى جُثْمَانِ هَؤُلاَءِ الْمَوْتَى؟ وَلاَ أَظُنُّ أَنَّهُمْ قَدْ فَعَلُوا هَذِهِ الْفِعْلَةَ رَغْمَ نَهْيِهِمْ وَخِلاَفًا لِرِضَاهُمْ يَوْمَ كَانُوا عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، وَيَوْمَ كَانَ يَعْلَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالتَّأْكِيدِ: أَنَّ الْجُمْهُورَ الَّذِي يُعَظِّمُهُ سَوْفَ يُقِيمُ عَلَى ضَرِيحِهِ قُبَّةً فَوْرَ مَوْتِهِ. وَلاَ أَظُنُّ أَيْضًا أَنَّ الَّذِينَ بَنَوْا هَذِهِ الْقُبَّةَ الْعَظِيمَةَ وَزَيَّنُوا الْقُبُورَ الَّتِي فِيهَا، إِلاَّ لأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ تَعْظِيمَ هَؤُلاَءِ الْمَوْتَى لِغَرَضَيْنِ: غَرَضٍ فِيهِ الطَّلَبُ لِلشُّهْرَةِ وَالْمَكَانَةِ وَاسْتِغْلاَلِ ضَمَائِرِ النَّاسِ. وَهَذَا غَرَضُ وَرَثَةِ أَصْحَابِ الْقُبَّةِ وَالأَضْرِحَةِ الَّتِي فِيهَا... وَغَرَضٍ فِيهِ الاسْتِسْلاَمُ وَالعُبُودِيَّةُ وَالتَّضَرُّعُ وَالْخُشُوعُ وَالاسْتِمْدَادُ لِقَضَاءِ الْحَاجَاتِ، وَتَفْرِيجِ الْكُرُبُاتِ... وَهَذَا غَرَضُ الْمُرِيدِينَ وَالْبُسَطَاءِ وَحُثَالَةِ النَّاسِ. هَلْ كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ يَسْعَوْنَ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الأَغْرَاضِ الْخَطِيرَةِ؟، وَهَلْ كَانُوا عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ مِنَ الْغَثِّ وَالسَّمِينِ؟ لاَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ يَقُولُ: دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُرِيَنِي عُمَرَ فِي الْمَنَامِ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ وَهُوَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ فَقُلْتَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: الآنَ فَرَغْتُ، وَلَوْلاَ رَحْمَةُ رَبِّي لَهَلَكْتُ. نَعَمْ، رُبَّمَا تَقُولُونَ هَذِهِ مُجَرَّدُ رُؤْيَا لاَ يُحْتَجُّ بِهَا، وَلَكِنْ يُبَرْهِنَ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ كَانُوا حَذِرِينَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي أَدْنَى شَيْءٍ مِمَّا يُغْضِبُ اللهَ بِخِلاَفِ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ الْيَوْمَ مِنَ الْمُعْتَقَدَاتِ الْفَاسِدَةِ وَمُوبِقَاتِ الإِيمَانِ وَالْبِدَعِ وَالْخُرَافَاتِ وَالأَبَاطِيلِ. إنًّ هَذَا التَّقْلِيدَ الأَعْمَى هُوَ الَّذِي حَمَلَ النَّاسَ فِي هَذَا الْبَلَدِ مُنْذُ الْقَدِيمِ عَلَى اتِّبَاعِ شُيُوخِ الطُّرُقِ الصُّوفِيَّةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهِمْ وَتَوْقِيرِهِمْ. حَتَّى عَدُّوهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ رَجْمًا بِالْغَيْبِ، وَوَصَفُوهُمْ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ خِصَالٍ جَلِيلَةٍ، وَاعْتَقَدُوا فِيهِمْ مَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ بَلَغَ تَعَلُّقُهُمْ بِمِثْلِ هَؤُلاَءِ حَتَّى إِذَا تَصَدَّى لَهُمْ أَحَدٌ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَا يَعْتَقِدُونَ فِي شَيْخِهِمْ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ وَالْخَوَارِقِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ كَرَامَاتِهِ، تَعَرَّضَ لِسُخْطِهِمْ، وَرُبَّمَا نَالَهُ أَذَاهُمْ. وَقَدْ يُشَجِّعُهُمْ مَوْقِفُ شَيْخِهِمْ مِنْهُمْ. لأَنَّ شُيُوخَ الصُّوفِيَّةِ يَسْكُتُونَ عَلَى كُلِّ مَا يَعْتَقِدُ فِيهِمْ أَنْصَارُهُمْ مِمَّا حَرَّمَهُ اللهُ، أَوْ مَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ عَقْلاً وَدِينًا. وِإَذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَوَاقِفُ وَالْمَظَاهِرُ وَالْعَلاَمَاتُ وَالْعَلاَقَاتُ وَالرُّمُوزُ وَالْمُعْتَقَدَاتُ وَالتَّقَالِيدُ كُلُّهَا لاَ تُمَثِّلُ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ الْحَنِيفِ، فَمَا حُكْمُ الْعَادَاتِ الَّتِي أَحْدَثَهَا آبَاؤُنَا وَأَدْخَلُوهَا فِي الإِسْلاَمِ بِاسْمِ الْمَنَاسِكِ وَالْعِبَادَاتِ وَالأَوْرَادِ وَالأَذْكَارِ مِثْلِ (خَتْمِ خُوَاجَگَان، وَالرَّابِطَةِ، وَحَبْسِ النَّفَسِ، وَعَدِّ الأَذْكَارِ بِالْحَصَيَاتِ وَمِنْ غَيْرِ نُطْقٍ بِهَا) وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِنْ الْهَرْطَقَاتِ الْمَوْرُوثَةِ مِنَ الْبُوذِيَّةِ وَالْبَرَهْمِيَّةِ. وَالَّذِينَ اسْتَقَوْا هَذِهِ الرُّمُوزَ مِنْ تَعَالِيمِ مَجُوسِ الْهِنْدِ وَأَدْخَلُوهَا إِلَى الإِسْلاَمِ، كَيْفَ نَرَاهُمْ عُدُولاً وَأَهْلَ ثِقَةٍ سَوَاءٌ فَعَلُوا ذَلِكَ جَهْلاً مِنْهُمْ أَوْ خِيَانَةً (وَهَذَا قَلِيلُ الاحْتِمَالِ)، اللَّهُمَّ إِذَا كَانَ انْدَسَّ بَيْنَهُمْ زِنْدِيقٌ فَزَيَّنَ لَهُمْ هَذِهِ الأَبَاطِيلَ وَاعْتَقَدَ الأَتْبَاعُ وَالأَخْلاَفُ أَنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الصَّالِحِينَ فَالْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ. وَلَكِنْ نَقُولُ لِهَؤُلاَءِ الزُّيُولِ الْمَسَاكِينِ: أَلَمْ تَكُنِ الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالزَّكَاةُ وَالتَّضْحِيَةُ وَالاعْتِكَافُ وَتِلاَوَةُ الْقُرْآنِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَشْكَالِ التَّعَبُّدِ الصَّحِيحِ كَافِيَةً لِكَسْبِ رِضَاءِ اللهِ تَعَالَى، أَمْ وَجَدْتُمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ نَقْصًا أَوْ عُيُوبًا فَأَرَدْتُمْ اسْتِكْمَالَهَا بِأَشْكَالٍ أُخْرَى مِنْ عِبَادَاتِ الْهُنُودِ الْمُشْرِكِينَ؟! إِنَّ الَّذِينَ تَأْخُذُهُمُ الْعِزَّةُ مُكَابَرَةً، وَيَثُورُونَ بِحَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ غَضَبًا وَاسْتِنْكَارًا أَمَامَ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ، وَيَلْجَئُونَ إِلَى مُغَالَطَاتٍ وَمُشَاجَرَاتٍ بِقَوْلِهِمْ: أَأَنْتَ أَعْلَمُ أَمِ الشَّيْخُ الْغُجْدَوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ الْبُخَارِيُّ وَالإِمَامُ الرَّبَّانِيُّ وَخَالِدُ الْبَغْدَادِيُّ؟ نَقُولُ لَهُمْ: أَأَنْتَ وَهَؤُلاَءِ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَرَسُولُهُ! إِنَّ هَؤُلاُءِ الشُّيُوخَ، وَآبَاءَنَا الَّذِينَ تَابَعُوهُمْ – وَاللهِ الَّذِي لاَ رَبَّ سِوَاهُ – لَوْ كَانُوا دَرَسُوا عِلْمَ التَّارِيخِ، وَلَوْ تَبَاحَثُوا عَنِ الأَدْيَانِ الْقَدِيمَةِ ومَنْشَئِهَا، وَأَشْكَالِ الْعِبَادَاتِ فِيهَا بِقَدْرِ مَا كَانُوا يَدْرُسُونَ ويُدَرِّسُنَ الصَّرْفَ وَالنَّحْوَ لَوَصَلُوا إِلَى هَذِهِ الْحَقَائِقِ بِكُلِّ سُهُولَةٍ وَبَسَاطَةٍ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ تَعَمَّقُوا وَتَوَسَّعُوا فِيمَا لَمْ يُغْنِهِمْ عَنْ تَمْيِيزِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ، كَمَا ثَبَتَ بِالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ: أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانُوا جَهَلَةً إِلَى حَدٍّ يُعْجِبُونَ بِرُهْبَانِ الْمَجُوسِ، فَيَعُدُّونَهُمْ مِنْ أَكَابِرِ أَوْلِيَاءِ اللهِ، لِمَا يَرَوْنَهُمْ فِي وَجْدٍ دَائِمٍ خَاشِعِينَ فِي عِبَادَةِ اللهِ وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ يُشْرِكُونَ بِهِ! وَثَبَتَ هَذَا بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ أَنَّ الشَّيْخ شَمْس الدِّين مِيْرزَا مَظْهَر جَانِ جَانَانْ (وَهُوَ شَيْخٌ هِنْدِيٌّ يُعَظِّمُهُ النَّقْشَبَنْدِيُّونَ) كَانَ رَجُلاً جَاهِلاً خَامِلاً زَاهِدًا زُهْدَ الْمَجُوسِ مُعْجِبًا بِالرُّهْبَانِ الْهَنَادِكِ، يُقَلِّدُهُمْ فِي جَمِيعِ حَيَاتِهِ وَتَصَرُّفُاتِهِ! وَقَبْلَهُ بِقُرُونٍ؛ كَانَ أَبُو يَزِيدِ الْبَسْطَامِيُّ يُصَاحِبُ رَجُلاً اسْمُهُ (أَبُو عَلِيِّ السِّنْدِيُّ). وَالرَّجُلُ هَذَا، كَانَ جَاهِلاً قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالإسْلاَمِ بَعِيدًا عَنْ بِيئَةِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ. تَوَرَّطَ الْبَسْطَامِيُّ فِي مُلاَزَمَةِ هَذَا الرَّجُلِ الْجَاهِلِ وَقَلَّدَهُ حَذْوًا بِحَذْوٍ لِسَبَبٍ لاَ نَعْلَمُهُ وَذَلِكَ مَعَ غَزَارَةِ عِلْمِهِ! فَلَيْسَ مِنَ الْغَرِيبِ؛ أَنَّ الرَّجُلَ الْعَالِمَ قَدْ تَسْتَهْوِيهِ الْعَاطِفَةُ وَتَغُرُّهُ الْمَظَاهِرُ، وَهُوَ غَافِلٌ عَنْ خَلْفِيَّاتِ الأُمُورِ، فَتَتَعَلَّقُ نَفْسُهُ بِشَخْصٍ جَاهِلٍ ضَالٍّ، تُعْجِبُهُ صِفَةٌ مِنَ صِّفَاتِهِ الْحَسَنَةِ، فَيَحْسِبُهُ زَاهِدًا وَرِعًا خَاشِعًا تَقِيًّا، وَهُوَ غَافِلٌ عَمَّا فِي هَذَا الْجَاهِلِ الضَّالِ مِنَ الشُّذُوذِ وَالشَّعْوَذَةِ وَالإِعْتِقَادِ الْفَاسِدِ؛ مِثْلُ الشَّرِيفِ الْجُرْجَانِيِّ الْعَالِمِ الْمُتَبَحِّرِ فِي تَعَلُّقِهِ بِشَخْصٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ اسْمُهُ عَلاَءُ الدِّين الْعَطَّار، وَمِثْلُهُ ابْنُ حَجَرِ الْهَيْتَمِيُّ الْفَقِيهُ الَّذِي مَدَحَ الطَّرِيقَةَ النَّقْشَبَنْدِيَّةَ فِي فَتَاوِيهِ، وَكَذَلِكَ عَلِيُّ الِقَارِي، وَهُمَا غَافِلاَنِ عَنْ جُذُورِ هَذهِ الطَّرِيقَةِ الْمُمْتَدَّةِ إِلَى الدِّيَانَاتِ الْهِنْدِيَّةِ لِجَهْلِهِمَا بِعِلْمِ التَّارِيخِ، وَتَرَاجُمِ الرِّجَالِ، وَأُصُولِ الْبَحْثِ وَالتَّدْقِيقِ. بَيْنَمَا نَبَغَ عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنْ فُحُولِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَنْطِقَةِ ذَاتِهِ، مِثْلُ الإِمَامِ الْبُخَارِيِّ، (194-256 هـ.) وَالإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ (400-483 هـ.)، وَفَخْرِ الإِسْلاَمِ الْبَزْدَوِيِّ (400-482هـ.) وَعُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ النَّسَفِيِّ (461-537هـ.)، وَالْفَخْرِ الرَّازِيِّ (544-606 هـ.)، وَالتَّافْتَازَانِيِّ (722-792 هـ.)... إِنَّ هَؤُلاَءِ الأَئِمَّةَ الأَفَاضِلَ، لَمْ يَعْبَأْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِشُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ الْمُشَعْوِذِينَ وَلَمْ يَعْتَدُّوا بِهِمْ، فَلاَ نَجِدُ فِي آثَارِهِمْ اسْمَ شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنَ السِّلْسِلَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ فَيَبْدُو بِكُلِّ وُضُوحٍ أَنَّ صَنَادِيدَ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ الأَوَّلِينَ كَانُوا أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ سَاحَةِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، لأنَّ هَذِهِ الْحَرَكَةَ الصُّوفِيَّةَ ظَهَرَتْ عَقِبَ زَحْفِ جُيُوشِ الْمُغُولِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَنْطِقَةِ تُرْكِسْتَانَ فِي الْمَرْحَلَةِ الَّتِي قُتِلُ فِيهَا مَلاَيِينُ الْمُسْلِمِينَ وذُبِحَ عَشَرَاتُ الآلاَفِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى خَلَتِ السَّاحَةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَاسْتَغَلَّتْ طَائِفَةٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ فَرَاغَهُمْ وَاحْتَلُّوهُ مُبَاشَرَةً فَتَمَكَّنُوا مِنَ الْعَبْثِ بِالْقِيَمِ الإِسْلاَمِيَّةِ وَلَعِبُوا بِعُقُولِ النَّاسِ وَاخْتَلَقُوا لَهُمْ أَشْكَالاً مِنَ الطُّقُوسِ وَالْعِبَادَاتِ الَّتِي مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان. إِنَّمَا رَسَخَتْ أَبَاطِيلُهُمْ فِي عُقُولِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَعَ امْتِدَادِ الزَّمَانِ بِالتَّقْلِيدِ الأَعْمَى، فَتَابَعُوا الطَّبَقَةَ الأُولَى بِدَايَةً مِنَ الْغُجْدَوَانِيِّ وَمَنْ وَلاَهُ، (أَمَّا الْبَسْطَامِيُّ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الأَعْلاَمِ فَلاَ عَلاَقَةَ لَهُمْ بِالطَّرِيقَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ إِطْلاَقًا). ثُمَّ انْتَشَرَتْ هَذِهِ الزَّنْدَقَةُ عَقِبَ انْسِحَابِ الْمُغُولِ فِي وَسَطٍ مِنَ الْفَوْضَى وَالنَّاسُ سُكَارَى وَمَاهُمْ بِسُكَارَى، وَذَلِكَ تَحْتَ وَابِلٍ مِنَ الدِّعَايَاتِ وَالتَّعْظِيمِ عَنْ طَرِيقِ التَّلْقِينِ الْمُسْتَمِرِّ، وَغَسْلِ الأَدْمِغَةِ، وَالْجَهْلُ عَامٌّ يَوْمَئِذٍ، وَالنَّاسُ مُتَشَبِّثُونَ بِكُلِّ مَنْ يُوَاسِيهِمْ وَيُخَفِّفُ مِنْ آلاَمِهِمْ، زِنْدِيقًا كَانَ أَوْ صَالِحًا، فَظَلَّتِ الْمُصِيبَةُ إِلَى عَصْرِ انْتِشَارِ الْعِلْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَحَتَّى بَيْنَ طَائِفَةٍ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْعِلْمِ، فَتَأَكَّدَتْ فِي قُلُوبِهِمْ مَحَبَّةُ السَّابِقِينَ كُلِّهِمْ شَامِلَةً الْعُلَمَاءَ وَالصَّالِحِينَ وَالزَّنَادِقَةَ، مَشُوبَةً بِنَوْعٍ مِنَ الْجُنُونِ إِلَى حَدٍّ لَمْ يَشُكُّوا فِي صِحَّةِ مَا وَرَدَ عَنْهُمْ وَلَوْ كَانَ مُسْتَقًى مِنْ تَعَالِيمِ رُهْبَانِ الشَّامَانِ وَالْجُوكِيَّةِ مِنْ بِدَعٍ وَمُحْدَثَات. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ الْغَلَوَّ فِي تَعْظِيمِ الصَّالِحِينَ أَمْرٌ قَدِيمٌ، وَقَدْ يَنْتَحِلُ زِنْدِيقٌ سِمَةَ أَهْلِ الصَّلاَحِ فَيُعَظِّمُهُ النَّاسُ ثُمَّ يَتَّخِذُونَهُ نِدًّا مِنْ دُونِ اللهِ. وِالْغُلوُّ طَبِيعَةُ التَّابِعِ فِي الْمَتْبُوعِ، وَقَدْ يَبْلُغُ هَذَا التَّعْظِيمُ مِنْهُمْ إِلَى حُدُودِ التَّأْلِيهِ، وَلاَ يَزَالُ هَذَا الطَّابِعُ مُسْتَمِرًّا، وَهُوَ سُنَّةٌ جَاهِلِيَّةٌ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ، مِنْ عَهْدِ قَوْمِ نُوحٍ، وَلاَ تَزَال... وَبِسَبَبِ هَذَا الإِعْجَابِ الَّذِي بَالَغَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي تَعْظِيمِ قُدَمَائِهِمْ فَاتَهُمُ الْعِلْمُ بِحَقِيقَةِ أَمْرِهِمْ، إِذْ تَعَلَّقَ الْخَلَفُ بِالسَّلَفِ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ مِنَ اللهِ انْبِهَارًا وَخُشُوعًا وَخَشْيَةً، فَوَجَدَ التَّابِعُ مَتْبُوعَهُ عِمْلاَقًا وَعَبْقَرِيًّا، بَلْ وَإِلَهًا فَوْقَ كُلِّ آلِهَةٍ، كَمَا اعْتَرَفَ فِي نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ وَالضَّعْفِ وَالاسْتِذْلاَلِ وَالتَّقْصِيرِ، وَأَظْهَرَ ذَلِكَ كُلَّمَا جَمَعَ الْقَدَرُ بَيْنَهُ وبين مَتْبُوعِهِ (وَإِنْ كَانَ الْمَتْبُوعُ مَيْتًا فِي قَبْرِهِ) خَاطَبَهُ التَّابِعُ بِكَلِمَاتٍ يَتَرَفَّعُ وَيَتَوَرَّعُ عَنِ النُّطْقِ بِهَا صَاحِبُ الإِيمَانِ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ. مِثْلَ قَوْلِ بَعْضِ الْمُعَاصِرِينَ مِنْهُمْ بِاللُّغَةِ الْكُرْدِيَّةِ (( أَزْ كَلْبِ دَرْكَاهِ تَمَه))، أَيْ أَنَا كَلْبٌ أَمَا بَابِكَ! نعم، بِسَبَبِ هَذَا الإِعْجَابِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالْقُدَمَاءِ، فَاتَهُمُ الْعِلْمُ بِحَقِيقَةِ الأَمْرِ فَلَمْ يَنْتَبِهُوا إِلَى كُنْهِ مَا تَسَرَّبَ إِلَى الإِسْلاَمِ قَبْلَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ، مِنْ ضَلاَلاَتِ الْفُرْسِ وَالْهُنُودِ عَلَى يَدِ الزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَوْمَئِذٍ مُنْتَشِرِينَ فِي مَدِينَةِ بَلْخ، وَبُخَارَى وَسَمَرْقَنْد وَيَارْكَنْد وَخَوْقَنْد، وَكِيشْ وَفَرْغَاخَانَه وَطَاشْكَنْد وَكَشْغَارْ، وخُرَسَانَ وَغَيْرِهَا فِي مَنْاطِقِ فَارِسَ، وتُرْكِسْتَان ومَا وَرَاءِ النَّهْرِ، إِلَى أَعْمَاقِ شِبْهِ الْقَارَّةِ الْهِنْدِيَّةِ، ابْتِدَاءً مِنَ الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ. لَقَدْ ارْتَبَكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي تَمْيِيزِ الْعَالِمِ عَنِ الصُّوفِيِّ الْمُشَعْوِذِ عَلَى مَدَى عُصُورِ الظَّلاَمِ، وَلاَ غَرَابَةَ فِي ذَلِكَ؛ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ. يُبَرْهِنُ عَلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْثِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى حُنَيْنٍ، وَنَحْنَ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَينُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بِسدْرَةٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللهُ أَكْبَر، إِنَّهَا السُّنَنُ، كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. لَتَرْكَبَنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. هَذَا كَانَ صَحَابِيًّا يَتَفَوَّهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْخَطِيرَةِ، فَمَا بَالُكُمْ بِرِجَالٍ جَهَلَةٍ فِي تُرْكِسْتَانَ وَبِلاَدِ فَارِسَ، عَظَّمَهُمْ حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ فِي أَيَّامٍ انْتَشَرَ فِيهَا الْجَهْلُ، فَطَارَتْ صِيتُهُمْ وَرَسَخَتْ مَحَبَّتُهُمْ فِي ضَمَائِرِ النَّاسِ حَتَّى غَدَوْا لاَ يَشُكُّونَ فِي أَدْنَى شَيْءٍ مِمَّا وَرَدَ عَنْهُمْ وَلَوْ تَطَاوَلُوا عَلَى اللهِ بِمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى رُبُّنَا عَمَّا يَصِفُون! نَجِدُ مُشَابَهَةً كَبِيرَةً بَيْنَ النَّقْشَبَنْدِيِّينَ خَاصَّةً وَبَيْنَ الرَّافِضَةِ وَالْمَسِيحِيَّةِ وَالْمَجُوسِ فِي تَعْظِيمِ أَئِمَّتِهِمْ. هَؤُلاَءِ يَخْلَعُونَ عَلَى كُبَرَائِهِمْ نُعُوتًا خَاصَّةً مِثْلَ الْغَوْثِ وَالْقُطْبِ، كَمَا يَصِفُ الرَّافِضَةُ أَئِمَّتَهُمْ بِالآيَاتِ، يَقُولُونَ: آيَةُ اللهِ الْعُظْمَى الْفُلاِنِي، وَالْمَسِيحِيَّةُ الْكَاثُولِيكْ، يُطْلِقُونَ عَلَى حِبْرِهِمْ الأَعْظَمِ، صِفَةَ (بَابَا الْمُقَدَّسِ)، وَالسِّيخُ الْهِنْدُوسُ يُطْلِقُونَ عَلَى إِمَامِهِمْ صِفَةَ (غُورُو). كَلُّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تُعَبِّرُ عَنْ مَعْنًى يَتَضَمَّنُ الإِلَهِيَةَ فِي الإِمَامِ. أَمَّا الْمُسْلِمُونَ، فَالْقُدْوَةُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْعَالِمُ الْبَشَرُ فَحَسْبُ. مِنَ الْجَدِيرِ بِالذِّكْرِ؛ أَنِّي زُرْتُ الْمَنَاطِقَ الْهِنْدِيَّةَ بِغَرَضِ الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ عَامَ 1997م. فَوَجَدْتُ النَّقْشَبَنْدِيِّينَ، وَالدِّيُوبَنْدِيِّينَ، وَرُهْبَانَ الْبُوذِيَّةِ عَلَى أَشْكَالٍ مُتَقَارِبَةٍ فِي بَعْضِ الطُّقُوسِ وَالْعِبَادَاتِ الصُّوفِيَّةِ، وَعَلَى أَشْكَالٍ مُتَجَانِسَةٍ مِنْهَا غَالبًا، فَثَبَتَ لِي بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ أَنَّ أَرْكَانَ الطَّرِيقَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ (الأَحَدَ عَشَرَ) كُلُّهَا مَأْخُوذَةٌ وَمَنْقُولَةٌ مِنْ كِتَابِ (السُّطْرَايَاتِ) لِلرَّاهِبِ الْبُوزِيِّ الْمَجُوسِيِّ بَاتَانْجَالِي Patanjali. أيّهّا الأّخُ الْعَزِيزُ الشَّيْح نور الدين المحترم، وَاللهِ الْعَظِيمِ إِنِّي لاَ أَشُكُّ فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُنَا مِنَ الإِخْلاَصِ وَالْمَحَبَّةِ لِدِينِ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا لاَ أَشُكُّ قَيْدَ نَمْلَةٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا إِلاَّ أَرَادُوا بِهِ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى، وَلَكِنِّي لاَ أَشُكُّ أَيْضًا أَنَّهُمْ سَلَكُوا فِي كُلِّ ذَلِكَ طَرِيقًا شَائِكًا مَلِيئًا بِالْمَخَاطِر لأَسْبَابٍ مَرَّتْ نُبْذَةٌ مِنْ ذِكْرِهَا، وَتَرَكُوا آثَارًا جُلُّهَا مَزَالِقُ لِلأَقْدَامِ إِلَى النَّارِ، وَرُبَّمَا تَوَرَّطُوا فِي هَذَا الْمَأْزِقِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ كَانُوا مَغْمُورِينَ فِي جُمْهُورٍ مِمَّنْ يُعَظِّمُهُمْ، فَفَاتَتْهُمْ فُرْصَةُ الْبَحْثِ وَالانْتِبَاهِ وَالرُّجُوعِ إِلَى حُدُودِ التَّوْقِيفِيَّةِ فِي الْعِبَادَةِ. لَقَدْ أَرْسَلْتُ لَكُمْ كِتَابًا، أَلَّفَهُ هَذَا الْفَقِيرُ إِلَى اللهِ بِدُمُوعِهِ رَاجِيًا مِنْهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهُ وَسِيلَةَ الْهِدَايَةِ لِكُلِّ مَنْ طَالَعَهُ وَقَرَأَهُ بِصَدْرٍ رَحْبٍ وَسَرِيرَةٍ نَقِيَّةٍ مِنْ كُلِّ غَلِيلٍ وَعَدَاوَةٍ وضَغِينةٍ وَحَسَد. وَلَنْ يَحْتَاجَ الرَّجُلُ الْعَالِمُ إِلَى حُجَّةٍ أُخْرَى فِي الْوُصُولِ إِلَى مَا أَثْبَتُّهُ مِنَ الْحَقَائِقِ حَوْلَ الطَّرِيقَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ بَعْدَ أَنْ يُطَالِعَ هَذَا الْكِتَابَ بِتَأَمُّلٍ وَرَوِيَّةٍ. فَقَد وَقَفْتُ هَذَا الْكِتَابَ علَى عُلَمَاءِ أُمَّتِنَا وَأَذِنْتُ لَهُمْ أَنْ يَطْبَعُوهُ وَيَنْشُرُوهُ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَتَصَرَّفُوا فِي أَدْنَى شَيْءٍ مِنْ مَضْمُونِهِ وَبِدُونِ مُقَابِلٍ. وَأرْجُو أَنْ يُقِيمُوا اعْوِجَاجِي إِذَا وَجَدُوا فِيهِ مَا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ. إِنِّي اتَّهَمَتُ نَفْسِي وَأُسْرَتِي عِنْدَمَا بَدَأْتُ بِتَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ أَوَّلَ الأَمْرِ، اتَّهَمَتُهُمَا فِيمَا عَبَثْنَا بِهِ عَلَى حِسَابِ الدِّينِ الْحَنِيفِ قَبْلَ عَشَرَاتِ السِّنِينَ، أَرْجُو أَنْ يَكُونَ هَذَا الاعْتِرَافُ مِنِّي عِبْرَةً لِكُلِّ مَنْ وَقَعَ فِي شَرَكِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلاَ أَشُكُّ أَنَّ أَيَّ عَالِمٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُنْصِفٍ طَاهِرِ الضَّمِيرِ، إِذَا أَمْعَنَ النَّظَرَ وَتَأَمَّلَ بِدِقَّةٍ فِي أَرْكَانِ الطَّرِيقَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ وَفِي أَشْكَالِ الذِّكْرِ وَالتَّعَبُّدِ الْخَاصَّةِ بِهَا، لَمَا اخْتَلَفَ مَعِيَ قَيْدَ شَعْرَةٍ فِيمَا أَثْبَتُّهُ مِنْ خَلْفِيَّاتِهَا الْمُظْلِمَةِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجْتُهَا بِعَوْنِ اللهِ إِلَى نُورِ الْعَيَانِ. فَقَدْ ثَبَتَ لِي بِالأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ، أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ نَشَأَتْ بِحُكْمِ نَزَعَاتٍ مَشْبُوهَةٍ، وَهِيَ الْحَلَقَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ امْتِدَادِ (الطَّرِيقَةِ الْيَسَوِيَّةِ)، وَالْيَسَوِيَّةُ هِيَ الْحَلَقَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي تَفَرَّعَتْ مِنْ حَرَكَةٍ سِرِّيَّةٍ سُمِّيَتْ (مِنْهَاجَ الْحَقِيقَةِ) وَهِيَ مُتَطَوِّرَةٌ مِنْ مَذْهَبِ مَاهَايَانَا Mahayana. وَهَذَا الأَخِيرُ مَذْهَبٌ مِنْ مَذَاهِبِ الدِّيَانَة الْبُوذِيَّةِ وَالْعَيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى! اللَّهُمَّ إِنِّي وَصَلْتُ إِلَى هَذِهِ الْحَقَائِقِ بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ وَإِحْسَانِكَ، أَنْتَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيل، وَقَدْ بَذَلْتُ جُهُودًا فِي إِيصَالِهَا وَتَبْلِيغِهَا إِلَى عُلَمَاءِ أُمَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ صَلَوَاتُكَ وَتَسْلِيمَاتُكَ أَبَدَا الآبِدِينَ، وَقَدْ بَلَّغْتُهَا إِلَى مَنْ يَسَّرْتَ لِي نُصْحَهُ مِنْ عِبَادِكَ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ. اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلاَئِكَتَكَ وَجَمِيعَ مَنْ يَسْمَعُ نِدَائِي مِنْ خَلْقِكَ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِئٌ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى لِسَانِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، بَرِئٌ مِنْ مُصْطَلَحَاتِهِمْ: (هُوشْ دَرْدَمْ، نَظَرْ بَرْقَدَمْ، سَفَرْ دَرْ وَطَنْ، خَلْوَتْ دَرْأَنْجُمَنْ، يَادْ كَرْدْ، بَازْ كَشْتْ، نِكَاهْ دَاشْتْ، يَادْ دَاشْتْ، وقوفِ زمانيِ، وقوفِ عَدَدِي، وقوفِ قَلْبِي). اللَّهُمَّ إِنِّكَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْمُصْطَلَحَات مَنْقُولَةٌ مِنَ اللُّغَةِ السَّنْسِكْرِيتِيَّةِ إِلَى مُسَمَّيَاتٍ مَزِيجَةٍ مِنَ اللُّغَةِ الْفَارِسِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَلاَ تَمُتُّ بِصِلَةٍ إِلَى الإسْلامِ، يَجْهَلُهَا عِبَادُكَ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَقَدْ اسْتَيْقَنَتْهَا نُفُوسُهُمْ. اللَّهُمَّ إِنِّي مُقِرٌّ بِأَنَّ دِينَكَ الَّذِي ارْتَضَيْتَهُ لِعِبَادِكَ وَبَعَثْتَ بِهِ رَسُولَكَ مُحَمَّدًا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِئٌ مِنْ عِبَادَةٍ اسْمُهَا (الرَّابِطَةُ، وَحَبْسُ النَّفَسِ، وَخَتْمِ خُوَاجَگَان، وَذِكْرُ لَفْظِ الْجَلاَلَةِ عَلَى أُسْلُوبِ الْمَجُوسِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِ اللِّسَانِ)، خِلاَفًا لِمَا قُلْتَ فِي كِتَابِكَ الْعَزِيزِ: ((وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ.)) الأعراف/205. أَيْ خَائِفاً، وَمُتَكَلِّمًا بِكَلاَمٍ هُوَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ، كَمَا أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ. وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ (فِي الأَذْكَارِ، فِي فَصْلِ حُكْمِ التَّلَفُّظِ بِالذِّكْرِ): ((اعْلَمْ أَنَّ الأَذْكَارَ الْمَشْرُوعَةَ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا وَاجِبَةً كَانَتْ أَوْ مُسْتَحَبَّةً، لاَ يُحْسَبُ شَيْءٌ مِنْهَا وَلاَ يُعْتَدُّ بِهِ حتّى يَتَلَفَّظَ بِهِ بِحَيْثُ يُسمِعَ نَفْسَه إِذَا كَانَ صَحِيحَ السَّمْعِ لاَ عَارِضَ لَهُ)). (انْتَهَى كَلاَمُهُ). فَفِي ضَوْءِ كُلِّ هَذِهِ الْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ قَدْ ثَبَتَ: أَنَّ مَنْ أَلْصَقَ لِسَانَهُ بِأَعْلَى فَمِهِ مِنَ الدَّاخِلِ، وَأَطْبَقَ فَمَهُ، وَعَدَّ لَفْظَ الْجَلاَلَةِ فِي ذِهْنِهِ مَعَ حَبْسِ النَّفَسِ وَمِنْ غَيْرِ نُطْقٍ وَلاَ إِخْرَاجِ حَرْفٍ مِنْ مَخْرَجِهِ، (كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ النَّقْشَبَنْدِيِّينَ) فهو زِنْدِيقٌ مُقَلِّدٌ لِلْمَجُوسِ خَارِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ، لاَ عُذْرَ لَهُ بِجَهْلِهِ! اللَّهُمَّ إِنِّي قَدَّمْتُ هَذِهِ الْوَثِيقَةَ إِلَى أَحَدِ عُلَمَاءِ أُمَّةِ خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ، أَخِي الشَّيْخ نور الدين، لَعَلَّهُ يُرْشِدُ عِبَادَكَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ نَبِيُّكَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وَأَصْحَابُهُ عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ مِنَ الإِيمَانِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، اللَّهُمَّ أَنْزِلِ الرَّحْمَةَ وَالْبَرَكَةَ عَلَى أَخِينَا الشَّيْخ نور الدين، وَاجْعَلْهُ قُدْوَةً لَنَا فِي قَمْعِ الْبِدَعِ وَمُرْشِدًا لِعِبَادِكَ إِلَى نُورِ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَإِلَى مَا فِيهِ رِضَاكَ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. آمين وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخوكم: فريد بن صلاح بن عبد الله بن محمد الحزين الهاشمي الفرسافي اسطنبول المحروسة/ الاثنين، 07 رمضان، 1431ه. الموافق: 16 أغسطس، 2010م.
الإنْهيَارُ الْخُلُقِيُّ في المجتمعِ الْمُسْلُمَانِيِّ *** *** Feriduddin AYDIN ORCID ID: 0000-0002-6440-6734 ISBN: [email protected] دار العِبَر للطباعة والنشر Al-Ibar Publishing İstanbul-2018 الإنْهيَارُ الْخُلُقِيُّ في المجتمعِ الْمُسْلُمَانِيِّ إن الإنسانَ كائنٌ اجتماعِيٌّ، له علاقةٌ متعدِّدَةُ الوجوهِ مع أخيهِ الإنسانِ؛ كَعَلاَقَتِهِ القَرَابِيَّةِ، والْعَقَدِيَّةِ، والفكريَّةِ، والماليَّةِ، والسياسيَّةِ، والقوميَّةِ، والجِوارِيَّةِ ونحوها... يعني أنَّ هناك تعايشٌ وتفاعلٌ واحتكاكٌ متواصلٌ بين الإنسانِ وأخيهِ الإنسانِ، شاءَ أو أبَى، رَضِيَ أو لم يَرْضَ. وهذا يقتضِي منه أن يتعاملَ مع غيرِهِ (من أفرادِ المجتمعِ، كذلك مع القضايا) على أساسِ مبادِئَ معينةٍ، واحترامٍ متبادِلٍ، أكثرُها تصرُّفاتٌ أخلاقِيَّةٌ. إنَّ هذه التصرفات، (وقد تتحوَّلُ إلى طبائعَ راسخةٍ في الإنسانِ) عُرِفَت بالْمُثُلِ العليا، ونالتْ من التأييدِ والتقديرِ على قدرٍ ثابتٍ طِوالَ تاريخِ البشريَّةِ لدى مُعظمِ الْمِلَلِ والنِّحَلِ، وهناك إتفاقٌ على أكثرِها، وهي منظومةٌ من الخصالِ الرفيعة، مُنْبَثَقَةٌ من الدِّينِ، والعُرْفِ، والتقاليدِ الإجتماعيَّةِ، مثلُ الحياءِ، وَالْعِفَّةِ، والوَقارِ، والحِيادِ، والعدالةِ، والإقتصادِ، والتواضُعِ، والإخلاصِ، والصراحةُ، والصدْقِ، والأمانةِ، والحِلْمِ، والصبرِ، والْجُرْأةِ، والتَّبَصُّرِ، والْعَزِيمَةِ، والنشاطِ، والسخاءِ، وحسن الظنِّ، وإغاثةِ الملهوفِ، والوفاءِ بالعهدِ، ومساعدةِ المحتاجِ، ونُصْرَةِ المظلومِ، وتوقيرِ العالِمِ، واحترامِ ذِي الشيبِ، والرحمةِ بالصغيرِ والمنكوبِ، والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ... وقد تُسمَّى هذه الأوصافُ بـ"الفضائل"، وبـ"الخصال الحميدة"، وبـ"مكارم الأخلاقِ". هذه المزايا تُمثِّلُ ضَوَابِطَ عالَمِيَّةً شِبهَ مقدَّسَةٍ اتَّفَقَتْ عليها جماهيرُ الأمَمِ، فيتعذّرُ تجاوزُها لمن يتجرأ على التهاون بها، مخافةَ مقتِ المجتمعِ من جانبٍ، مع الاستشعارِ برقابةِ اللهِ من جانبٍ آخر. وأضْدَادُهَا مرفوضةٌ يتعرَّضُ المتَّصِفُ بها للإدانةِ واللَّوْمِ والعتابِ، وقد يُعَاقَبُ ويُسْحَقُ، إذ لِمساوِي الأخلاقِ آثارٌ وخيمةٌ تنعكسُ على كُلِّ جوانبِ الحياةِ، تؤدِّي بالفردِ إلى سُبُلِ الإنحرافِ؛ تجلبُ القلقَ والإضطرابَ، وتُثيرُ الفُرْقَةَ، وتخلُقُ الفجوةَ بين عناصرِ المجتمعِ، فينهار لا محالةَ بانهيارِ الأخلاقِ. وهذا يذكِّرُنا بقولِ الشاعر أحمد شوقي: "إنما الأممُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ * فإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أخْلاَقُهُمْ ذهبوا". لا شكَّ في أنَّ لِمكارمِ الأخلاقِ دورٌ كبيرٌ في منعِ الإنسانِ من الإساءةِ والإجرامِ في ظلِّ غِيابِ القوانين. وهي دعامةٌ كُبرى يقوم عليها وجودُ أيِّ مجتمعٍ وحياتُها وَقُوَّتُها ونجاحُها ودِفاعُها في مواجهةِ التحدِّياتِ... وما مِنْ أسرةٍ، أو جماعةٍ بشريةٍ، أو دولةٍ أهملَها إلاَّ فقدتْ حيوِيَّتَهَا، واختَلَّ نظامُها، وانتشرَ فيها القلاقلُ والفوضَى، وتغلَّبَ القوِيُّ فيها على الضعيفِ، فتمكَّنَتْ أعداؤُها مِنَ القضاءِ عليهَا ولو بعد حين. يقول الإمَامُ السُّيُوطِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ "حُسْن الْمُحَاضَرَة": "قَدْ أجْرَى اللهُ تَعَالَى عَادَتَهُ: إنَّ الْعَامَّةَ إذَا زَادَ فَسَادُهَا وَانْتَهَكُوا حُرُمَاتِ اللهِ، وَلَمْ تُقَمْ عَلَيْهِم الْحُدُودُ، أرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ آيَةً فِي إثْرِ آيَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْجَعْ ذَلِكَ فِيهِمْ أتَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ عِنِدِهِ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُ دِفَاعًا" تُذَكِّرُنا وضعُ الْمُسْلُمَانِيِّين (The Muslumans) اليومَ بهذهِ المقولةِ الهامَّة. نعم، لقد خرجوا على هذه الضوابطِ العالَمِيَّةِ المقدَّسةِ التي يُرَكِّزُ عليها الكتابُ والسُّنَّةٌ، وهانَ أمرُ الله عليهم، فهانوا على الله الواحدِ القهارِ، فسلَّط عليهم مَنْ لاَ يستطيعون له دفاعًا؛ سلَّطَ عليهم أميركا، وإسرائيلَ، ودولةَ المجوس، وجعل بَأْسَهُمْ فيما بينهم، تُحَارِبُهُمْ عشراتٌ بل مئاتٌ من التنظيمات الإرهابِيَّةِ (كالعصابةِ اللادنيَّةِ، والداعشيَّةِ، والْحُوثِيَّةِ، والْبُوكُوحَرَامِيَّةِ، وَالْفَتُّوشِيَّةِ، وبي كَ كَ، وDHKPC، وحزبِ الشيطانِ الرافضِيِّ اللبنانِيِّ، ومرتزقةِ النقشبندية، والأحزابِ السياسية، وعصابات المافيا)... لذا فإنَّ كلمةَ الْمُسْلُمَانِيِّين اليومَ هي السُّفلى، ولأعدائِهم عليهم ألف سبيلٍ وسبيل؛ لأنَّهم ما عادوا يرجون لله وقارًا: انْسلخُوا من الْقِيَمِ الإنسانيَّةِ: استبدلوا الفضيلةَ بالرذيلةِ؛ والاستقامةَ بالانحرافِ؛ وَالْحَيَاءَ بالوقاحةِ؛ والعفةَ بالفاحشةِ والمجونِ والدعارةِ؛ والوقارَ بالخفةِ والرُّعُونةِ والطيشِ؛ والحيادَ بالانحيازِ؛ والعدالةَ بالظُّلمِ؛ والإقتصادَ بالإسرافِ والتبذيرِ؛ والتواضعَ بالتفاخُرِ والتكبُّرِ والغطرسةِ؛ والإخلاصَ بالرياءِ والتملُّقِ والمداهنةِ والنفاقِ؛ والصِّدْقَ بالكذِبِ؛ والوفاءَ والأمانةَ بالخيانةِ والعمالةِ؛ والرزانةَ بالتهوُّرِ والغيظِ والغضب؛ والصراحةَ بالخداعِ والدسيسةِ؛ والإطمئنانَ بالشَّكِّ والتجسُّسِ؛ والصبرَ والسكينةَ بِالْجَزْعِ والقلقِ؛ والسعيَ والنشاطَ بالمسكنةِ والركونِ إلى الأرضِ، والتوحيدَ بِالْوَثَنِيَّةِ والتصوُّفِ والْقُبُورِيَّةِ... فشاعَ فيهم الفسادُ، وفشى فيهم الجهلُ، وانتشرت فيهم الكفرُ بأشكالِه الْخَمْسَةِ: (الشركِ، والإلحادِ، والنفاقِ، والزندقةِ، والردَّةِ)... والعياذ بالله! وهذه خطوطٌ عريضةٌ عن مشهدِ الْمُسْلُمَانِيِّين في الوقت الراهن: * خانَ الْمُسْلُمَانِيّوُنَ الإسلامَ فنبذوا الكتابَ والسنةُ والأُخُوَّةَ في الله، واعتمدوا القوميَّةَ والعنصرِيَّةَ، وأصيبوا بمرضِ الأثرةِ والحرصِ على المصلحة الشخصيةِ؛ فتباغضوا وتناحروا، بعكس ما ورد في الكتاب العزيز من الوصايا بالتآخي والتساند والتآزر... يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون." ويقول تعالى: "يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ." ويقول تعالى: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ." ويقول تعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب." ويقول تعالى: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ." ويقول الرسولُ صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، وَلاَ أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، إِلاَّ بِالتَّقْوَى" ويقول أيضًا: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ تَنَافَسُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا" والحال هذه، فإنَّ المجتمعاتِ التي تزعم أنَّها من أمةِ الإسلامِ لم تتورّعْ عن قهرِ إخْوَتِهِمْ من الأقلياتِ التي تعيشُ بين ظهرانِيها. فالأقلياتُ العرقيَّةُ والدينيَّةُ من الأكرادِ، والعربِ، والجماعاتُ السلفيَّةُ في تركيا وإيران؛ والسُّنِّيُّونَ عامَّةً، والأكرادُ، والتوركمانُ على وجه الخصوص في العراق وسوريا؛ وجماعةُ الإخوانِ المسلمين في مصر؛ والأمازيعُ، والطوارِقُ في شمالِ إفريقيا؛ والبنغاليوُّنَ والبشتون في باكستان؛ والأقليَّاتُ السلفيَّةُ من أهالي مناطقِ تركستان؛ وكثيرٌ من غيرِ هذه الْفِرَقِ الْعِرْقِيَّةِ والدينيَّةِ، تعرَّضوا في أوطانِهِم لأشكالٍ رهيبةٍ تُثيرُ الدهشةَ من الإكراهِ والعنف والتنكيل. قُتِلَ منهم آلافٌ، كما تعرَّضَ مئاتُ آلافٍ منهم للتهميشِ والقمع والتشريد والتعذيبِ... * انتشرتْ المساوئُ الأخلاقيَّةُ بين كافةِ المجتمعاتِ الْمُنْتَسِبَةِ للإسلامِ بصورةٍ فظيعةٍ وحتى في تركيا التي تُعَدُّ أرقَى بلادِ "المسلمين". اختفتْ عقيدةُ التوحيدِ في هذا البلدِ وشاعَ الإلحادُ بين أهالِيهِ في أشكالٍ غريبةٍ بحيث لا يكادُ أحدٌ منهم ألاَّ وقد تلبَّسَ إمّا بجنايةِ الشركِ الصوفِيِّ العُنْصُرِيِّ، أو الإلحادِ الأتاتوركي؛ وَمَرَدُّ كِلَيْهِمَا إلى الديانةِ الْمُسْلُمَانِيَّةِ التي يعتنِقُها جميعُ الأتراكِ والأكرادِ، وبقيَّةُ الأقليَّاتِ التي فقدتْ ميزاتِها العرقيَّةَ واستَتْرَكتْ . لذا يتعرّضُ أهلُ التوحيدِ في هذا البلدِ لألوانٍ من الإحتقارِ والتهديدِ والسحقِ والعنفِ؛ يعانِي أشدَّ العذابِ في طريقِهِ، وعملِهِ، وفي أثناءِ دراستِهِ وَرَحَلاَتِهِ، ومتابعةِ إجراءاتِهِ القانونيَّةِ، وحتى عند إقامتِهِ في دَارِهِ وهو مرفوضٌ ومُستهدَفٌ من قِبَلِ جيرانِهِ... هناكَ تناقضاتٌ إلحاديةٌ مُدَمِّرَةٌ للْقِيَمِ الساميةِ والأخلاقِ الفاضلة؛ غابتْ في غِمارِها معالِمُ الإسلامِ، ولـلْمُسْلُمَانِيَّةِ بخاصّةٍ تأثيرٌ كبيرٌ في ظهورِهَا وتَفَاقُمِهَا. فكلُّ ظاهرةٍ إلحادِيَّةٍ لا شكَّ في أنَّها تساهِمُ في هدمِ الأخلاقِ، وينجُمُ منها الفوضى في العقيدةِ والفكر. وتَتَسَلْسَلُ السلبياتُ هكذا في توالٍ متواصلٍ تنعكسُ نتائجُها على جميعِ مجالاتِ الحياة من علاقاتٍ اجتماعيَّةٍ، وتوجُّهات سياسيَّةٍ، ومحصَّلاتٍ اقتصاديةٍ وتبعاتِها. لقد بَلَغَ إسرافُ الناسِ في التَّقَوُّلِ على اللهِ، وعلى كتابِهِ، وعلى رسولِهِ، إلى حدودٍ لم يَعُدْ كثيرٌ من أفرادِ المجتمعِ التُّرْكِيِّ يبالون بما يَنْسِبُونَ إلى ربِّ العزَّةِ من البُهتانِ، والكذبِ على لسانِ نبيِّهِ، كُلَّمَا أتاحتْ لهم الفرصة. لأنَّ القوانينَ والضوابطَ في تركيا تخلو تمامًا من أدنى مادةٍ رادِعةٍ لهذه الجناية. فلا يجدُ الفردُ في هذا البلد أيَّ عقبةٍ تمنعُهُ من أنْ يَفْتَرِيَ على الله وعلى رسولِهِ لسببٍ غيرِ شديد. لذا كثيرٌ من الناسِ تراهم لا يتورَّعون من التَّفَوُّهِ بِـ"قالَ اللهُ، أوْ قالَ النبيُّ كذا وكذا.." ذلك أسوةً بالزنادقة الذين انتهجوا هذه العادةَ منذ قرون. "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ." إنَّ أكبرَ فريةٍ تلبَّسَ بها الأتراك (ربما دون وعيٍ منهم بخطورتِها)، هو تَسْمِيَتُهُمْ للإسلامِ بـ"الْمُسْلُمَانِيَّةِ Müslümanlık"، وذلك أسوةً بمجوسِ الفرسِ الذين أطلقوا على الدِّينِ الحنيفِ اسمَ "مُسَلْمَانِي" بعد أنْ فَتَحَ المسلمون بلادَهُمْ، وَقَضَوْا على دولتِهِمْ. أطلقوا هذا الاسمَ الفارسيَّ على الإسلامِ ليتمايزوا بذلك عن بقيَّةِ المسلمين (على رأسِهم العرب) في انتمائِهِمْ لهذا الدِّينِ مِمَّا يدلُّ على نفاقِهِمْ وسوءِ طويَّتِهِمْ، وحِقْدِهِمْ على الأمَّةِ المحمديَّةِ. ولَمَّا كان بلادُ التُّرْكِ (في قديمِ أيَّامِهِم) مُلاَصِقَةً بالمنطقةِ الفارسيةِ (بالاضافةِ إلى أنَّ جماهيرَ الأتراكِ انتشروا في الْمُدُنِ الإيرانيَّةِ وأقاموا بها قرونًا قبل هِجرتِهِمْ إلى موطنِهم الحالي: تركيا)، أخذوا الشيءَ الكثيرَ من معتقداتِ المجوسِ، والمذهبِ الرافضِيِّ، والثقافةِ الفارسيَّةِ، من ضمنِها: تسميتُهُمْ للإسلامِ بـ"الْمُسْلُمَانِيَّةِ"، وهذا بهتانٌ عظيم. إذ أنَّ كلماتِ القرآنِ كُلَّهَا توقيفيَّةٌ، ولفظُ (الإسلامِ) وردَ في القرآنِ الكريمِ أربعَ مَرَّاتٍ، منها قوله تعالى: "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَام." بخاصةٍ، قد جاءت فيه كلمةُ "الإسلامِ" اسمًا مؤكَّدًا لهذا الدين. فيتبيَّنُ من خلالِ هذا البرهانِ القاطعِ والْحُجَّةِ البالغةِ: أنَّ الدِّينَ الحنيفَ الذي بعثَ الله به محمدًّا، وارتضاهُ لأمَّةِ هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من عبادِهِ، لا يجوزُ تسميتُهُ بغيرِ هذا الإسم أبدًا. وأمَّا بعضُ الإطلاقاتِ التي وردتْ على ألسنةِ الناسِ كقولِهِمْ: "الدِّين الحنيف" و"الدِّين المحمديّ" و"الدِّين المبين" فإنَّها تُعَدُّ من أوصافِ البيانِ له، ونوعًا من التعريفِ به، وإجلالِ شأنِهِ، كما لها أصلٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ. وأمَّا كلٌّ مِنْ كلمَتَيْ: «Müslümanlık» في التركية، و"مُسَلْمَانِي" في اللغةِ الفارسيَّةِ، فلا يجوزُ تسميةُ الدِّينِ الإسلامِيِّ بهما على الإطلاقِ؛ لأنَّهما كلمتان مُحَرَّفَتَانِ من لفظِ (مُسلم) تحريفًا شنيعًا، ولا صلةَ لهما بكلمةِ "الإسلام"، لفظًا ومعنىً، فلا يجوز ترجمةُ كلمة (الإسلامِ) بهما. قد يتسائلُ البعضُ عن المناسبةِ بين هذه التسميَّةِ وبين الفسادِ الأخلاقِيِّ: هل يجوزُ عُرفًا أن تُعَدَّ هذه التسميةُ نوعًا من الوقاحةِ مثلاً؟ نعم، إنه ما من شكٍّ في أنَّ الجرأةَ على اللهِ بتغييرِ هذا الاسمِ - نظرًا لعظمةِ الجنايةِ - تُعَدُّ مِنَ الوقاحَةِ بأشدِّ ما تكون، بل هي أصلُ كلِّ وقاحةٍ اقترفها المعتنقون لهذا الدِّين الخالِي من كلِّ فضيلةٍ. ذلك أنَّ الْمُسْلُمَانِيَّةMüslümanlık تحوي في بطنِها من كلِّ بدعةٍ وضلالةٍ. ومن أبشعِ هذه الضلالاتِ أنَّ غِلاَفَها الخارجِيَ (الذي تتوارى بها من أنظارِ الأغبياءِ والجهلة) منسوجٌ من لبناتٍ سُرِقَتْ من الإسلام؛ كالصلاةِ، والصومِ، والحجِّ، والزكاةِ، والأضحية وغيرها... إنَّ هذه الحيلةَ، اقترفها مجوسُ الفرسِ أصلاً، ثمَّ وقع الأتراكُ في كمينهم (ربما دون وعيٍ)، وذلك بسببِ العجمةِ وهي بَلِيَّةٌ عظيمةٌ وعَقَبَةٌ أمامَ كلِّ مَنْ يتوجَّهُ إلى المعرفةِ بأسرارِ الكونِ والحياةِ. أمَّا الأتراك، كما يقول الدكتور طاهر سليمان حمودة: "قد دِيَفتْ بالعجمة ألسنتُهم وبالرغم من تعلُّمِ كثيرين منهم العربيَّةَ لكونِها لغةَ الدِّينِ والعلومِ فإنهم- في الغالب- افتقروا إلى الفصاحة فيها" على مدى تاريخهم. وقد أنْهَكَتْهُمُ الْعُجْمَةُ في هذا العصرِ بخاصَّةٍ، ودفعتْهم إلى متاهاتٍ من الفسادِ الأخلاقي؛ معظمُها ناشئةٌ من الثغراتِ التي أسفرَتْ عنها المسلمانيَّةُ من الشعوذةِ والتصوُّفِ والقبوريَّةِ والوثنية. يبدو أن الفجوةَ التي أحدثها الإنحرافُ عن الخطِّ الإسلامِيِّ المستقيمِ منذ قرونٍ، بعد وجودِ رُكامٍ من المعتقداتِ الباطلة، ورسوخِها في أعماقِ ضميرِ المجتمعِ التركِيِّ، قد يستحيلُ سدُّها تمامًا (بعد اليومِ، وقد فاتتْ الفرصةُ) مهما بلغت الجهودُ الإرشاديَّةُ كما لو اكترثَ لِمُعالَجَتِها جمهورٌ من العلماءِ المصلحين. ذلك لأنَّ الفسادَ الأخلاقِيَّ المتفشِّيَ في هذا المجتمعِ مردُّهُ في الأصلِ إلى الفسادِ في الْمُعْتَقَدِ، وهو راسخٌ في الضمائِرِ رسوخَ أسُسِ ناطحاتِ السحابِ في أعماقِ الأرض. وهذا ما يُلْفِتُ النطرَ إلى الفوارِقِ التي تُمَيِّزُ الإسلامَ عن المسلمانيَّةِ. ومن أعظم الفوارق بينهما: أنَّ الْمُسْلُمَانِيَّةَ عشوائةٌ خاليَةٌ من الأحكامِ تمامًا على غرار المسيحيَّةِ. لا حدود فيها للحلالَ ولا للحرامَ. فالكذبُ والغشُّ (على سبيل المثال)، حلالٌ عندَ معظم الْمُعْتَنِقِينَ لِلْمُسْلُمَانِيَّةِ، وهما متفشيان في المجتمعِ التركيِّ، يدلُّ على ذلك شيوع أخبارِ الكذب والغش عبر وسائل الإعلامِ التركي يوميًا وبدون انقطاع. والبرهانُ على ذلك: بياناتٌ واعترافاتٌ لا حصر لها وردت على لسان جمهورٍ من الكتابِ والمثقفين والأكاديميين الأتراك... كان الناسُ قديمًا يقتبسون من الإسلامِ قِيَمًا أخلاقِيَّةً ينطلقون منها ويتصرَّفون على أساسِها برغم اختلافِهم في الدِّينِ مع المسلمين الذين كانوا يعيشون بين ظهرانيهم، إذ أنَّ المجتمعَ التُّرْكِيَّ ليسَ بِكُلِّيَّتِهِ يعتنقُ الْمُسْلُمَانِيَّةَ Müslümanlık، بل كانت ولا تزال فيه جماعاتٌ من المسلمين على عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، يُوَحِّدونَ اللهَ ولاَ يشركون به شيئًا، وإن كانوا قِلَّةً في أيَّامِنا على وجه الخصوص. تمرُّ تركيا اليومَ بمرحلةٍ رهيبةٍ من الإنهيارِ الأخلاقِيِّ، والطامَّةُ الكبرَى أنَّ تدميرَ الأخلاقِ يتم باستخدامِ آليةِ الدِّين. وآخر ما يبرهن على هذه الحقيقة يظهر بصورة واضحةٍ من خلال المؤامراتِ السياسيَّةِ التي قامت بها جماعةٌ من أتباعِ فتح الله گولن (وهو رجل دين)، ضد أردوغان، وحكومةِ حزبِ العدالةِ والتنمية. افتضحَ الرَّجُلُ والحكومةُ معًا في الصراع الذي اندلع بينهما بدءًا بأحداثِ 17 ديسمبر عام 2013م. فهَبَّتْ على أثرِ هذه الإنطلاقةِ الجريئَةِ التي قامتْ بها أتباعُ فتح الله گولن كتهديدٍ مُوَجَّهٍ لحكومةِ أردوغان، هَبَّتْ عاصفةٌ من الْفِتَن، ما زال معظمُ أسرارِها خافيةً حتى الآن. استطاع گولن بِدَهَائِهِ، وذَكَائِهِ، وَلَبَاقَتِهِ، وَتَلَوُّنِهِ الشمطائيِّ أنْ يربطَ قلوبَ ملايين من الأتراك إلى نفسهِ بِتَنَطُّعَاتِهِ ومراوغاتِهِ الدَّجَلِيَّةِ التي سَحَرَ بِهَا مَسَامِعَهُمْ، كما استطاع بِنَحِيبِهِ وَبُكَائِهِ الْحَرِّ أثناءَ خطابِهِ أنْ يغسلَ أدمغتَهم طِوالَ أربعين عامًا، فتحوَّلَ آلافٌ منهم إلى دُمًى يتلاعب بهم، وهم رهنُ إشارتِهِ بحيث لو أمرَ أحدَهم أنْ يُلقِيَ نِفَسِهِ في النارِ لألقاها فيها من غير أدنى تردُّد. اختارَ من ضِمْنِ هذا الجمعِ الغفيرِ عناصرَ يثقُ بإخلاصِهم ممن احتلُّوا مناصبَ عاليَةً في مؤسَّساتِ الدولة، كما أعدَّ من بينهم شرذمةً من الضُّبَّاطِ المغترِّين به؛ نفخ في روعِهم ما يستحيلُ ضبطُهُ من ضروبِ البهتانِ على اللهِ وعلى رسولهِ وعلى كتابِهِ، وملأَ صدورَهم بالحِقدِ والغيظِ والعداوَةِ على رجب طيب أردوغان "بأنه على دينِ العربِ، (أي الإسلامِ!)، ويَكْفُرُ بِالْمُسْلُمَانِيَّةِ"، فدسَّ هؤلاءِ المغفَّلِين في صفوفِ الجيشِ التُّرْكِيِّ، فتورَّطُوا في مؤامرةِ انقلابٍ عسكرِيٍّ للإطاحةِ بالرئيس أردوغان، ليلةَ 15 تموز من عامِ 2016م. إلاَّ أنهم ما لبثوا حتى فَشِلُوا خلالَ ساعاتٍ معدودة، وأُلقِيَ القبضُ على أكثرِهم. كان هذا التمرّدُ بإيعازٍ من فتح الله گولن، وباستخدامِهِ آلية الدِّين. وأمّا فتح الله گولن الذي طارَ خبرُهُ في الآفاقِ خاصَّةً بعد هذه الفتنةِ التي حَاكَهَا، فسوفَ يُشَمِّرُ الباحثون عن ساعدِ اجتهادِهم لكشفِ اللثاِم عن أسرارِ مغامراتِه ولن ينتهوا منها بسهولة. شهدت تركيا صباحَ يوم 17 ديسمبر من عام 2013م. محاولةً انقلابيةً على الحكومةِ التركيَّةِ (المنبثقةِ من حزبِ العدالةِ والتنميَةِ التابعةِ للرئيس رجب طيب أردوغان) بِتُهْمَةِ "الفسادِ والرشوةِ" الْمُوَجَّهَةِ إلى عددٍ من الوُزَرَاءِ وأصحابِ المناصب. تورّطَ في هذهِ المؤامرةِ جماعةٌ من أعضاءِ الجهازين الأمنِيِّ والقضائِيِّ التَّابِعَيْنِ لِلْخُوَاجَه فتح الله گولن المسؤولِ عن تنظيمٍ سِرِّيٍّ قام بإعدادِهِ منذ أربعين عامًا، يُقَدَّرُ عددُ أعضائِهِ بمئات الألوفِ، وقد بثَّهُمْ في قلبِ الدولةِ التركية. بدؤا يتحكَّمون في مؤسَّساتِها منذ أعوامٍ وهم يترابطون فيما بينهم بِسِرِّيَّةٍ لم تتمكَّنْ جهازُ المخابرات التركية من كشفِها حتى منتصف سنة 2013م. لقد كان أردوغان على علمٍ بهذا التنظيمِ وهَيْمَنَتِهِ على الدولةِ التركيَّةِ وخطورَتِهِ منذ فترةٍ، إلاَّ أنَّه لم يكن واثقًا من نفسِهِ على إحباطِ هذه الشبكة، لِعُمْقِ توغُّلِها في جميعِ المؤسَّسات. خاصةً وأنَّ قمَّةَ هرمِها (فتح الله گولن) يقيمُ في الولاياتِ المتحدةِ، ويديرُها بالنتسيقِ مع شبكاتٍ استخباراتيَّةٍ أميركية. فانتهج أردوغان أسلوبًا مَرِنا في التعامل معه وهو يتحيَّنُ الفرصةَ لينقضَّ على تَنْظِيمِهِ في مُقْبِلٍ قريب. فكان يتملَّقُ إلى فتح الله گولن في كُلِّ مناسبةٍ ليكسبَ دَعْمَهُ، فنجحَ في ذلك أيَّامَ الإستفتاءِ على مشروعِ تعديلِ الدسوتور، فَحَيَّاهُ على تعاوُنِهِ معهُ من شُرْفَةِ مركزِ حزبِ العدالة والتنمية بأنقره وهو يقول: "أُحَيِّ جميعَ أخوتي في أنحاءِ العالَمِ، والذين قدَّموا دَعْمَهُمْ من وراءِ المحيطِ الأطلسي، (يقصد فتح الله گولن) وَأُبَارِكُ لهم". كان ذلك ليلة 12 أيلول 2010م. لكنه لم يلبث حتى تنكَّر لصاحِبِهِ واستعدَّ للكشفِ عن فضائحه، فبدأ يتَّخِذُ التدابير اللازمة ليقتلع جذور هذه العصابة من مؤسساتِ الدولةِ ويستأصِلَ شَأْفَتَهَا. ولم يكن أردوغان أقلَّ من فتح الله گولن دهاءًا وحنكةً في تدبير المؤمرات. كما لا شكَّ في أنَّ أردوغان أيضًا - على غرارِ مصطفى كمال وكثير من زعماء الأتراك - يملك زمامَ ملايين مِمَّنْ نالوا ثقتَهُ، ولا عجب أنَّه مُدَرَّعٌ بعصابةٍ عملاقةٍ أقوى من تنظيم فتح الله گولن، أفرادُهَا متفانون فيه، متهالكون في محبَّتِهِ، بينهم فِدائيُّون بارعون في أفانين القتالِ، يعيشون في حالةٍ طارئةٍ ليقوموا بتنفيذِ أمرِهِ في لمحةِ البصرِ دون أن يتعرَّضوا لأدنى ملاحقةٍ أو إدانةٍ أو عقوبة! قيل: إنَّ أردوغان لَمَّا عقدَ عزمَهُ على إحباطِ هذا التنظيم، بعد أنْ تمكَّنَ من المعرفةِ ببرنامجِ الإنقلابيِّين ضدَّهُ، دسَّ بين صفوفِهِمْ مَنْ يُحَرِّكُهُمْ للنهوضِ قبلَ الساعةِ المقرَّرَةِ للانقلابِ، لِيَرْتَبِكُوا في أمرهم فتسرعَ إليهم الهزيمةُ! ولمَّا تأكّدَ قمةُ التنظِيمِ أنَّ الحكومةَ على علمٍ بتدبيرهم، فما كان منهم إلاَّ أن انطلقوا للانقضاضِ عليها قبل الساعة المقرَّرةِ، وقبل أن يستكملوا ترتيباتِهم للخروجِ. وقد كانت عصابةُ أردوغان أَعَدَّتْ عُدَّتَهَا للمواجهة منذ أيام. فاستطاعتْ أن تسحبَ ملايينَ الصوفيَّةِ النقشبنديِّين إلى الشارعِ في جميع مدنِ تركيا لايقافِ المتمرِّدين وصدِّهِمْ وإحباطِهِمْ. فانتهى الأمرُ بنجاحِ أردوغان، وفَشِلَ الإنقلابيُّون وهم الآن ينتظرون عاقبتَهُم في السجون. كان هذا غيضًا من فيضٍ من الفضائحِ السياسيَّةِ التي تتمرَّغُ الدولةُ التركيَّةُ اليومَ في أوْحَالِهَا. يدلُّ على ذلك في الْمُقَامِ الأوَّل؛ تصرُّفاتُ النوَّابِ وأساليبُ نقاشِهِمْ، وتشنيعُ بعضِهم البعضَ في وسطِ عَوَاصِفَ مِنَ سبابٍ وملاكمة... لقد كان السياسيُّون الأتراك ولا يزالُ بعضُهم ينهالُ على بعضٍ بأبشعِ ألفاظِ الشتمِ تحت سقفِ البرلمان، وتجري هناك يوميًّا هجماتٌ وعِراكٌ بين أعضاءِ الأحزاب السياسيةِ؛ نائبٌ يَعُضُّ ساقَ نائب، والآخَرُ يهشم أنف أحد المعارضين، بينما السقوطُ الأخلاقِيُّ في تركيا لا تنحصرُ في إطارِ فضائحِ السياسيِّين وحسب، بل الفسادُ والغشُّ والفاحشةُ والإنحرافُ والشذوذُ والخيانةُ والطائفيَّةُ والمذهبيَّةُ والقبوريَّةُ والسطوُ والإرهابُ واللُّصُوصِيَّةُ وغيرُهَا من الفوضى السلوكيةِ والفكريَّةِ والعقديَّةِ مستفحِلةٌ ومتفشِّيَةٌ في جميعِ أنحاءِ البلدِ، خاصةً في المدن الكبيرة. وما أدلَّ على ذلكَ أنه لا يخلو منزلٌ ولا محلٌّ تجارِيٌّ إلاَّ وقد اقْتَحَمَهُ لُصُوصٌ ونهبوه، رغم كثرةِ (الكاميرات) المعلّقَةِ على الأبنية والأبوابِ والأسوارِ. ولما انتشر الذُّعْرُ بين العامّةِ بعدَ شيوعِ اللُّصُوصِيةِ في الْمُدُنِ، أصبح من العادةِ إنشاءُ أحياءٍ مُرَكَّبَةٍ complex ومحصَّنةٍ باسوارٍ عُلِّقَتْ عليها أجهزةُ الرقابة الألكترونيَّةُ وأحيطَتْ بأسلاكٍ شائِكةٍ، لكل من هذه الأحياءِ بَوَّابَةٌ يراقِبُ عليها حَارِسٌ مُسَلَّح. لعل قائلاً يحاولُ أن يُخْفِيَ هذا السقوطَ بقوله: "إنَّ أيَّ مجتمعٍ لا يخلو من هذه السلبياتِ، وهي عيوبٌ طفيفةٌ ومحدودةٌ لا يجوز تشميلُها على مجتمعٍ بأكملِهِ!" نعم، إنَّ هذه التسليةَ الواهيةَ قد يُرِيحُ بها كثيرٌ من الناسِ أنفسَهم في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ (وتركيا بُقْعَةٌ منها)، لكنَّ المشهدَ واضحٌ وضوحَ الشمسِ في ربوع النهار، ولا يسعُ المقامُ لعدِّ ما فيه من المساوي، كما يُغْنِي ذلك عن كلِّ دليلٍ، لكثرةِ ما يبدو من خلالِهِ من تجاوز حدودِ الله بارتكابِ الجنايات، والقتالِ والتناحُرِ والتلبُّسِ بألوانِ الرذيلةِ في كلِّ ناحيةٍ منها. فقد أهانَ الله سُكَّانَ هذه المنطقة الخطيرة؛ فسلَّطَ عليهم اليهودَ، والنصارى، ومجوسَ الفُرسِ، وضرب عليهم الذلةَ والمسكنةَ... وَمَن يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ، إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآء. (الحج/18). إنَّ الجهودَ الْمُسْتَمِيتَةَ التي تبذُلُها تركيا في هذهِ المرحلةِ لنشرِ التَّدَيُّنِ الصوفِيِّ، والإعتزازِ بأمجادِ العثمانيِّين، وتأليهِ التاريخِ من خلالِ الخطابِ الدِينِيِّ وأجهزةِ الإعلامِ، ليستْ إلاَّ لإخفاءِ هذا المشهدِ الْمُفْعَمِ بالمساوي، وهل من محيص!
العُجْمَةُ *** *** تأليف فريد صلاح الهاشمي Feriduddin AYDIN ORCID ID: 0000-0002-6440-6734 البريد الألكتروني للمؤلّف [email protected] دار العِبَر للطباعة والنشر Al-Ibar Publishing إسطنبوال – 2023م العُجْمَةُ العُجْمَةُ: هي الهُجْنَةُ في النطقِ، والعيبُ والقُبحُ في التعبير؛ ومنه يقال: في كلاَمِهِ هُجْنةٌ، أي لحنٌ وركاكةٌ ولُكْنَةٌ... والعُجْمَةُ: ظاهرةٌ تتمثَّلُ عموامًا في العجزِ عنِ النطقِ بالعربيةِ. وفيما يلي تعريفٌ علمِيٌّ بمفهوم العُجْمةِ، إقتبستُهُ من موسوعتي التي ألَّفْتُها بين أعوام (1998-2018م.)، وسَمّيْتُهَا: "المعجم الموسوعي الفريد لألفاظِ اللغة العربية"، تتكوّن من اثنى عشر مجلَّدًا، وهي غير مطبوعةٍ. وهذا نَصُّ التعريف: "لفظُ العُجْمَةِ مُشْتَقٌّ: من عَجُمَ – يَعْجُمُ عُجْمَةً فهو أَعْجَمُ، (مُؤَنَثُهُ: عَجْمَاءُ)، وَالْجَمْعُ: عُجْمٌ.. والعُجْمُ: خِلاَفُ الْعُرْبِ. وَ"عُجْمَةٌ"، عَلَى وَزْنِ: فُعْلَةٍ": صِيغَةٌ قِيَاسِيَّةٌ مِنْ أَبْنِيَةِ مَصَادِرِ الثُّلاَثِيِّ الْمُجَرَّدِ. وَالْعُجْمَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ: الإِبْهَامُ، وَعَدَمُ الإِفْصَاحِ، وَاللُّكْنَةُ فِي اللِّسَانِ. وَعَجُمَ بِالضَّمِّ عُجْمَةً فَهُوَ أَعْجَمُ وَالْمَرْأَةُ عَجْمَاءُ وَهُوَ أَعْجَمِيٌّ بِالْأَلِفِ عَلَى النِّسْبَةِ لِلتَّوْكِيدِ، أَيْ غَيْرُ فَصِيحٍ وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا. يُقَالُ: فُلاَنٌ كَانَ فيِ لِسَانِهِ لُكْنَةٌ. أَيْ لَمْ يَكُنْ فَصِيحًا، كَمَا وَرَدَت فِي قَامُوسِ تَرَاجُمِ الأَعْلاَمِ لِلزِّرِكْلِي ضِمْنَ تَرْجَمَةِ مُحَمَّدٍ زَاهِدِ الْكَوْثَرِيِّ، يَقُولُ: "كَانَ يُجِيدُ الْعَرَبِيَّةَ وَالتُّرْكِيَّةَ وَالْفَارِسِيَّةَ وَالْجَرْكَسِيبَّةَ وَفِي نُطْقِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ لُكْنَةٌ خَفِيفَةٌ". بَيْنَمَا كَانَ الْكَوْثَرِيُّ مِمَّنْ طَالَ بَاعُهُ فِي شَّتَّى الْعُلْومِ الإِسْلاَمِيَّةِ، وَمُؤَلَّفَاتُهُ وَمَقَالاَتُهُ شَاهِدَةٌ عَلَى مَهَارَتِهِ وُعُلُوِّ كَعْبِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَأَمَّا لُكْنَتُهُ اللِّسَانِيَّةُ فَلَمْ تَكُنْ إِلاَّ لأَنَّهُ كَانَ مُسْتَعْرَبًا، لَمْ يَتَكَلَّمْ عَنْ سَلِيقَةٍ، وَإِنَّمَا تَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ بَعْدَ لُغَتِهِ الْمَحَلِّيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُ هَذِهِ الْمُشْكِلَةِ فِيمَا يَلِي. فَالْعُجْمَةُ إِذَنْ صِفَةٌ تُطْلَقُ بِمَعْنَى الرَّكَاكَةِ فِي التَّعْبِيرِ الشَّفَهِيِّ وَعَدَمِ الإِفْصَاحِ لأَسْبَابٍ، إِلاَّ أَنَّ كُلَّ كَلاَمٍ غَيْرِ مُتَّصِفٍ بِالْفَصَاحَةِ لَمْ يَعُدَّهُ اللُّغَوِيُّونَ وَلاَ الْبَلاَغِيُّونَ الْعَرَبَ مِنَ الْعُجْمَةِ، بَلْ وَصَفُوهَا بِالرَّكَاكَةِ والتَّعْقِيدِ وَالْغُمُوضِ فَحَسْبُ، وَهَذَا شَيْءٌ مِنَ الْغَرَابَةِ بِمَكَانٍ. فَكَأَنَّهُمْ تَحَاشَوْا بِذَلِكَ عَنْ إِنْزَالِ الطَّبَقَةِ الْعَامِّيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ مَنْزِلَةَ الأَعْجَامِ لِعَدَمِ إِتْقَانِهِمْ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ الْفُصْحَى، تَنْزِيهًا لَهُم، وَفِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ التَّشْوِيهِ لِلْحَقِيقَةِ. لأَنَّ الأَكْثَرِيَّةَ السَّاحِقَةَ مِنَ الْعَرَبِ الَّذِينَ لاَ يُتْقِنُونَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ الْفُصْحِى أَعْجَامٌ لاَ مَحَالَةَ، وَأَخْلاَطٌ وَحُثَالَةٌ مِنَ الْبَشَرِ، لاَ حَظَّ لَهُمْ مِنَ الْوَعْيِ والْمَعْرِفَةِ بِحَقَائِقِ الْكَوْنِ وَالْحَيَاةِ. وَمَا أَدَلَّ عَلَى ذَلَكَ جَهْلُهُمْ بِحَقَائِقِ هَذِهِ اللُّغَةِ وَمَكَانَتِهَا، وَعَظَمَتِهَا، وَقَدْرِهَا كَلُغَةِ الْوَحِيِ، وَدَوْرِهَا فِي بِنَاءِ أُسُسِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَفَتْحِ آفَاقِ التَّفْكِيرِ والإِبْدَاعِ وَالتَّطْوِير الْمُؤَدِّي إِلَى تَوْفِيرِ وَسَائِلِ التَّنَوُّرِ والإِنْفِتَاحِ وَالتَّقَدُّمِ والازْدِهَار، مَمَّا فَرَّقَ جَمْعَهُمْ وَشَتَّتَ شَمْلَهُمْ وَتَرَكَهُمْ عَلَى أَشَدِّ حَالَةٍ مِنَ التَّخَلُّفِ. إِنَّ الْعُجْمَةَ ظَاهِرَةٌ لُغَوِيَّةٌ تَتَمَثَّلُ فِي أَشْكَالٍ مِنَ الْفَسَادِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا. لأَنَّ سَائِرَ اللُّغَاتِ عَجَمِيَّةٌ أَصْلاً، وَالتَّكَلُّمُ بِهَا عُجْمَةٌ وَالْفَصَاحَةُ فِيهَا مَجَازٌ، لاَ اسْتِقْرَارَ وَلاَ بَقَاءَ لَهَا؛ تَتَغَيَّرُ طَبِيعَتُهَا بَيْنَ مَرْحَلَةٍ زَمَنِيَّةٍ وَأُخْرَى، تَتَرَنَّحُ أَمَامَ أَيِّ عَاصِفَةٍ سِيَاسِيَّةٍ أوْ اجْتِمَاعِيَّةٍ أَوْ حَادِثَةٍ مُدَمِّرَةٍ، فَتَتَفَرَّقُ إِلَى لَهَجَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ أَوْ حَتَّى إلَى لُغَاتٍ مُتَبَاعِدَةٍ مَعَ الزَّمَانِ. أَمَّا الْعَرَبِيَّةُ فَلاَ سَبِيلُ لِلْفَسَادِ إِلَى أَصْلِهَا، وَلَوْ اسْتَعْجَمَ أَبْنَاؤُهَا قَاطِبَةً. فَإِنَّ أَصْلَهَا كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا. وَهِيَ لُغَةٌ شَرِيفَةٌ رَصِينَةٌ تَتَمَتَّعُ بِحِمَى الْقُرْآَنِ وَضَمَانِهِ الْمَنِيعِ والسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُطَهَّرَةِ. وَإِنَّمَا الْفَسَادُ يَنْحَصِرُ فِي نِطَاقِ عُجْمَةِ الإِنْسَانِ فَحَسْبُ، الَّذِي لاَ يَكَادُ يَجْهَلُ قَدْرَ حَاجَتِهِ إِلَى هَذِهِ الْوَسِيلَةِ الْعَظِيمَةِ وَمَدَى حِرْمَانِهِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِسَبَبِ هَذَا الْجَهْلِ. تَظْهَرُ الْعُجْمَةُ وَتَسُودُ عَلَى اللِّسَانِ فِي صُورَتَيْنِ مُتَعَاكِسَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا: الاسْتِعْرَابُ بَعْدَ نَشْاَةٍ عَجَمِيَّةٍ مِثْل نَشْأَةِ الشَّيْخِ الْكَوْثَرِيِّ كَمَا مَرَّ آنِفًا، وَهِيَ أَنْ يُولَدَ الشَّخْصُ وَيَتَرَبَّى فِي بِيئَةٍ غَيْرِ عَرَبِيَّةٍ مُثَقَّفَةٍ، فَيَتَعَلَّمَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ بَعْدَ لُغَتِهِ الْمَحَلِّيَّةِ. وَهَذِهِ كَارِثَةٌ مِنْ كَوَارِثِ الْقَدَرِ الإِلَهِيَّ كَمَنْ يُولَدُ مَشْلُولَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِهِ أَوْ مَبْتُورَهُ لاَ حِيلَةَ لَهُ فِي مُعَالَجَتِهِ وَلاَ اسْتِبْدَالِهِ، كَذَلِكَ تَبْقَى آَثَارُ الْعُجْمَةِ فِيهِ مَهْمَا طَالَ بَاعُهُ فِي عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ. يَجُوزُ أَنْ تُسَمِّيَ هَذِهِ الْحَالَةُ بِالْعُجْمَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، تَكُونُ آثَارُهَا مُتَأَصِّلَةً فِي الشَّخْصِ الْمُسْتَعْرَبِ فَلاَ يَكَادُ يَخْلُصُ لِسَانُهُ مِنَ اللُّكْنَةِ أَبَدًا، كالْمُسْتَشْرِقِينَ والطَّلَبَةِ وَالْمُوَظَّفِينَ الأَجَانِبِ الْوَافِدِينَ إِلَى الْبِلاَدِ الْعَرَبِيَّةِ لِلدِّرَاسَةِ. والنَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الْعُجْمَةِ: هُوَ التَّعَجُّمُ. وَهُوَ أَنْ يُولَدَ الشَّخْصُ فِي بِيئَةٍ عَرَبِيَّةٍ غَيْرِ مُثَقَّفَةٍ، ثُمَّ يَتَعَلَّمَ اللَّهْجَةَ الْفُصْحَى عَنْ طَرِيقِ الدِّرَاسَةٍ والتَّعْلِيمِ. وَهَذَا أَشْبَهُ بِطِفْلٍ يُولَدُ وَبِهِ شَيْءٌ مِنَ مَرَضٍ قَابٍلٍ لِلْعِلاَجٍ، يَبْرَاُ بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الرِّعَايَةِ الصِّحِّيَةِ وَالْمُدَاوَاةِ الطِّبِّيَّةِ. لِلْعُجْمَةِ آَثَارٌ سَلْبِيَّةٌ عَلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ؛ تَحُولُ دُونَ جَمَالِهَا الأَدَبِيِّ وَرَوْعَتِهَا الْبَلاَغِيَّةِ، هَذَا مِنَ الْوَجْهِ الْعَامِّ. أَمَّا عُجْمَةُ الشَّخْصِ الْمُسْتَعْرَبِ خَاصَّةً، فَإِنَّهَا تَأْتِي بِسَلْبِيَّاتٍ خَطِيرَةٍ فِي أَعْمَالِ التَّرْجَمَةِ وَالتَّأْلِيفِ بِالتَّحْدِيدِ. لأَنَّ الرَّجُلَ الْمُسْتَعْرَبَ لاَ يَتَأَتَّى لَهُ النُّفُوذُ إِلَى أعْمَاقِ الْمُصْطَلَحَاتِ الْعَلْمِيَّةِ وَالْفَنِّيَّةِ، وَالإِحَاطَةُ بِدَقَائِقِ مَكْنُونَاتِهَا. وَقَدْ يَتَوَرَّطُ فِي تَفْسِيرَاتٍ غَرِيبَةٍ وَتَأْوِيلاَتٍ شَاذَّةٍ لِهَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ نَتِيجَةَ قُصُورِهِ وَعَجْزِهِ عَنْ فَهْمِهَا فَهْمًا دَقِيقًا. لأَنَّ مَعْرِفَتَهُ لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مَقْصُورَةٌ عَلَى حَوَاسِّهِ الْخَمْسِ وَقُدُرَاتِهِ الذِّهْنِيَّةِ بَعْدَ سِنِّ الطُّفُولَةِ بِخِلاَفِ الإِنْسَانِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي يَمْتَصُّهَا عَادَةً مَعَ لَبَنِ أَمِّهِ وَيَخْتَزِنُهَا فِي أَعْمَاقِ ضَمِيرِهِ وَوُجْدَانِهِ وَخَلاَيَاهُ... فَتَتَمَخَّضُ عِبَارَاتُ الشَّخْصِ الْمُسْتَعْرَبِ عَنْ آثَار هَذَا الْعَجْزِ بِأَخْطَاءٍ تَتَفَاوَتُ فِي عُيُوبِهَا وَخُطُورَتِهَا، فَتُؤَدِّي بَعْضُهَا إِلَى تَشْوِيهِ الْحَقَائِقِ وَإِرْبَاكِ الْقَارِئِ فَضْلاً عَمَّا تَسُودُهَا مِنَ الْغُمُوضِ وَالرَّكَاكَةِ وَسُوءِ التّأْلِيفِ. وَمِنْ سَلْبِيَّاتٍ الْعُجْمَةِ: أَنَّهَا تَغُرُّ صَاحِبَهَا بِالتَّسَاهُلِ فِي تَنَاوُلِ الْمَهَامِّ الْعِلْمِيَّةِ، إِذْ تَفُوتُهُ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ لاَ يَكَادُ يَنْتَبِهُ إِلَيْهَا، يَدْرُسُ مُوْضُوعًا وَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْكَفَاءَةِ الْعِلْمِيَّةِ لاسْتِيعَابِهِ، قَاصِرُ النَّظَرِ عَنْ تَعَدُّدِ الصِّلَةِ بَيْنَ الْقَضِيَّةِ وَاعْتِبَارَاتِهَا الْكَمِّيَّةِ والْكَيْفِيَّةِ، مُتَرَدِّدٌ فِي مَدِّ الرَّوَابِطِ بَيْنَ مُخْتَلِفِ جَوَانِبِهَا، وَالْخُلُوصِ مِنْهَا بِنَتِيجَةٍ تَشْرَحُ الصَّدْرَ. ذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْتَعْرَبِينَ الَّذِينَ يَدْرُسُونَ اللُغَةَ الْعَرَبِيَّةَ مُدَّةً غَيْرَ قَصِيرَةٍ يَنْسَوْنَ أَنَهُمْ اشْتَغَلُوا فِي كُلِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ بإِحْصَاءَ قَوَاعِدِ الصَّرْفِ والنَّحْوِ والْبَلاَغَةِ فَحَسْبُ، وَالْتَهَوْا بِهَذِهِ الْقَوَانِينِ اللُّغَوِيَّةِ الْبَحْتَةِ إِلْتِهَاءً مُطْبِقًا مُنْصَرِفِينَ عَنْ تَطْبِيقِهَا فِي الْحِوَارِ وَالْمُحَادَثَةِ، فَحُرِمُوا مِنْ طَلاَقَةِ اللِّسَانِ وَفَصَاحَةِ الْبَيَانِ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ. إِنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلاَءِ تَتَلَوَّثُ سَرِيرَتُهُمْ بِقَدْرٍ كَبِيرٍ مِنَ الأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ، فَيَبْغُضُونَ كُلَّ مَنْ يَفُوقُهُمْ فَصَاحَةً وَبَلاَغَةً وَبَيَانًا. لأَنَّهُمْ يَجِدُونَ أَنْفُسَهُمْ غَيْرَ قَادِرِينَ عَلَى الْحَدِيثِ بِانْسِجَامٍ وَسَلاَسَةٍ وَهُمْ قَدْ افْتَدَوْا بِأَحْلَى أَيَّامِ شَبَابِهِمْ وَسَهَرُوا عَلَى حِفْظِ قَوَانِينِ اللُّغَةِ وَمُتُونِ عُلُومِ الآَلَةِ، وَقَدْ خَرَجُوا مُفْلِسِينَ مِنْهَا، لأَنَّ سَعْيَهُمْ لَمْ يُثْمِرْ بِمَا يَجْعَلُهُمْ نَاجِحِينَ فِي مَيْدَانِ اللُّغَةِ خَاصَّةً عِنْدَ الْمُكَالَمَةِ وَالْحِوَارِ وَتَبَادُلِ الْحَدِيثِ مَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالثَّقَافَةِ. وَمِمَّا لاَ شَكَّ فِيهِ؛ أَنَّ عَدَدًا مِنْهُمْ يَمْتَلِئُونَ غَيْظًا بِدَافِعِ هَذِهِ النَّفْسِ الْمَهْزُومَةِ فَيَلْجُئُونَ إِلَى الانْتِقَامِ مِنْ كُلِّ مَنْ يَتَوَقَّفُ عَلَى عُيُوبِهِمِ اللِّسَانِيَّةِ وَقُصُورِهِمِ اللُّغَوِيَّةِ وَعَجْزِهِمْ عَنِ التَّعْبِيرِ الأَمْثَلِ، فَيَنْتَقِمُونَ مِنَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَمِنَ الْمُصْطَلَحَاتِ الْعِلْمِيَّةِ بِطَرِيقِ التَّشْوِيهِ وَالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ وَيَنْتَقِمُونَ مِنَ كُلِّ فَصِيحِ اللِّسَانِ بِفِرْيَةٍ يَحُطُّ مِنْ شَأْنِهِ. هَذَا، وَالتَّارِيخُ لاَ يَنْسَى مَا وَقَعَ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْمنْهَجِ الدِّرَاسِيِّ عَلَى يَدِ الْمُسْتَعْرَبِينَ الْفُرْسِ وَالأَتْرَاكِ وَالْهُنُودِ بِسَبَبِ مُؤَلَّفَاتِهِمْ الْعَقِيمَةِ وَعِبَارَاتِهِمِ الرَّكِيكَةِ الْمُعَقَّدَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الانْتِقَامِ. وَرَدَ فِي مَقَالٍ جَدِيرٍ بِالاهْتِمَامِ جِدًّا صَدَرَتْ بِقَلَمِ الدّكْتُور عَبْدِ اللهِ بْنِ عُوَيْقِلٍ السّلمي تَحْتَ عُنْوَان: "الْمُتُونُ وَالشُّرُوحُ وَالْحَوَاشِي"، وَهُوَ يَتَطَرَّقُ إلَى آثَارِ الْعُجْمَةِ فِيهَا، يَقُولُ فِي مَقْطَعٍ مِنْهَا: "الْمُتُونُ لاَ يُسْتَفَادُ مِنْهَا كَثِيرًا فِي مَجَالِ التَّطْبِيقَاتِ النَّحْوِيَّةِ؛ لأَنَّ مَا فِيهَا مِنْ قَوَاعِدَ لاَ يُنَاسِبُ قَابِلِيَّاتِ الطُّلاَّبِ بِصُورَةٍ عِلْمِيَّةٍ؛ وَلأَنَّهَا تُرَاوِحُ – أَحْيَانًا – بَيْنَ الزِّيَادَةِ فِي بَعْضِ الأَبْوَابِ وَالنَّقْصِ فِي أَبْوَابٍ أُخْرَى، فَأَسَالِيبُهَا وَمُحْتَوَيَاتُهَا وَمَنَاهِجُ تَصْنِيفِهَا لاَ تَتَّفِقُ مَعَ الْحَقَائِقِ التَّرْبَوِيَّةِ الْحَدِيثَةِ، وَالْمَنَاهِجِ الْتَّعْلِيمِيَّةِ الْعَصْرِيَّةِ. أَمَّا الشُّرُوحُ وَالْحَوَاشِي وَالتَّقْرِيرَاتُ، فَهِيَ تُكْثِرُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِقَضَايَا الْمَنْطِقِ وَالْكَلاَمِ وَالتَّعْلِيلِ الْفَلْسَفِيِّ, وَفِيهَا مِنَ الْحُدُودِ وَالْقُيُودِ وَالاحْتِرَازَاتِ مَا لاَ يَتَلاَءَمُ مَعَ الْمُسْتَوَى الْعَقْلِيِّ لِلطُّلاَّبِ الْمُتَلَقِّينَ الَّذِينَ صُنِّفَتْ فِي الأَصْلِ لَهُمْ. هَذِهِ الْمَنْظُومَةُ التَّأْلِيفِيَّةُ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُضِيفَ إِلَى مَبَاحِثِ النَّحْوِ جَدِيدًا يَجْعَلُهُ مُزْدَهِرًا نَامِيًا، وَإِنَّمَا حَوَتْ قَوَاعِدَ مُتَحَجِّرَةً وَأَصْبَحَ هَمُّ الْعُلَمَاءِ تَلْخِيصَ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ ثُمَّ شَرْحَ التَّلْخِيصِ، ثُمَّ التَّحْشِيَةَ عَلَى الشَّرْحِ، ثُمَّ التَّقْرِيرَ عَلَى الْحَاشِيَةِ... لِذَلِكَ فَإِنَّ النَّاظِرَ لاَ يَرَى إِلاَّ كَلاَمًا مُعَادًا مُكَرَّرًا فِي هَذِهِ الْمَنْظُومَةِ لاَ يُنَمِّي ذَوْقًا وَلاَ يُرَبِّي مَلَكَةً. هَذِهِ هِيَ الْعُيُوبُ الْمَنْسُوبَةُ أَوْ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُنْسَبَ إِلَى هَذِهِ الظَّاهِرَةِ التَّأْلِيفِيَّةِ فِي النَّحْوِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ، وَهِيَ الظَّاهِرَةُ الَّتِي تَرْسُمُ صُورَةً عِلْمِيَّةً وَثَقَافِيَّةً وَاضِحَةً لِعَصْرِ الْمَمَالِيكِ وَعَصْرِ الْعُثْمَانِيِّينَ، وَقَدْ رَكَّزَتْ هَذِهِ الْعُيُوبُ عَلَى جَعْلِ هَذَيْنِ الْعَصْرَيْنِ عَصْرَيْ تَخَلُّفٍ وَانْحِطَاطٍ، وَعَلَى أَنَّ هَذَا اللَّوْنَ مِنَ التَّصَانِيفِ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ الاهْتِمَامِ الْعِلْمِيِّ عَامَّةً، وَعَلَى الْجَهْلِ لَدَى حُكَّامِ هَذِهِ الْقُرُونِ جَمِيعًا مِمَّا انْعَكَسَ عَلَى الْمُؤَلِّفِينَ، فَجَاءَتْ تَصَانِيفُهُمْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بِصِيَاغَةٍ تُوهِمُ أَنَّهُمْ أَتَوْا بِجَدِيدٍ وَوَاقِعُ الأَمْرِ غَيْرُ ذَلِكَ، إِذْ كَانَتْ مُؤَلَّفَاتُهُمْ قَلَّمَا تَسْلَمُ مِنْ غُمُوضِ الْعِبَارَةِ أَوْ خَطَأِ الْفِكْرَةِ، أَوْ مُخَالَفَةِ الاصْطِلاَحِ السَّلِيمِ، أَوْ غَلَطِ الرِّوَايَةِ الْمَعْزُوَّةِ، وَهِيَ – فِي مُجْمَلِهَا – كَمَا يَقُولُ هَؤُلاَءِ الْمُنْتَقِدُونَ صَرَفَتْ عَنِ اللُّبِّ إِلَى الْقُشُورِ، كَمَا أَنَّهَا – فِي نِهَايَةِ الأَمْرِ – سَلَبَتْ مِنَ النَّحْوِ بَهْجَتَهُ وَرُوَاءَهُ. أَمَّا مُصَنِّفُو هَذِهِ الْكُتُبِ فَقَدْ قَالُوا فِيهِمْ أَيْضًّا إِنَّهُمْ مُتَّصِفُونَ بِغَلَبَةِ الْعُجْمَةِ عَلَيْهِمْ، وَقِلَّةِ إِلْمَامِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ بِالأَسَالِيبِ الْعَرَبِيَّةِ الْقَدِيمَةِ مِمَّا جَعَلَ أَقْلاَمَهُمْ وَأَقْلاَمَ مَنْ تَشَبَّهَ بِهِمْ تَتَبَارَى وَتَتَنَافَسُ فِي إِقَامَةِ الصِّيَغِ الْخَفِيَّةِ، وَفِي إِقْحَامِ مُصْطَلَحَاتِ الْمَنْطِقِ وَالأَلْفَاظِ الْفَلْسَفِيَّةِ، وَفِي التَّلاَعُبِ بِالأَلْفَاظِ وَالإِيغَالِ فِي الإِيجَازِ، وَالْحِرْصِ عَلَى الرَّمْزِ وَالإِلْغَازِ، وَفِي الْجُنُوحِ إِلَى الاسْتِطْرَادِ أَوِ الإِيجَازِ بِلاَ دَاعٍ، حَتَّى بَاتَتْ مُصَنَّفَاتُهُمْ لَيْسَ فَقِيرَةً فِي الأَسَالِيبِ الأَدَبِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ تَقَعُ فِيهَا أَيْضًا أَشْيَاءُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ لِلْقَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ أَوِ الصَّرْفِيَّة..." أَمَّا التَّعَجُّمُ، وَهُوَ عَكْسُ الاسْتِعْرَابِ، فإِنَّ آَثَارَهُ السَّلْبِيَّةَ عَلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَشَدُّ مِنْ مُحَاوَلاَتِ الْمُسْتَشْرِقِينَ وَخَبْطِ الْمُؤَلِّفِينَ الأَعْجَامِ. لأَنَّ الطِّفْلَ الْعَرَبِيَّ الَّذِي يَتَرَبَّى فِي بِيئَةٍ غَيْرِ مُثَقَّفَةٍ يَعْتَادُ عَلَى اسْتِخْدَامِ مَا يُسَمَّى بِاللَّهْجَةِ الْعَامِّيَّةِ أَوِ الدَّارِجَةِ، فَيَتَحَوَّلُ إِلَى إِنْسَانٍ أَعْجَمِيٍّ. وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّ لِلْعَامِّيَّةِ عَوَاقِبُ هَدَّامَةٌ لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. لأَنَّ الإِنْسَانَ الْعَرَبِيَّ الْمُتَعَجِّمَ، دَوْرُهُ فِي تَدْمِيرِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ كَدَوْرِ الْعَدُوِّ الْمُنْدَسِّ فِي صُفُوفِ الْمُجْتَمَعِ. وَهُوَ أَخْطَرُ مِنَ الْعَدُوِّ الَّذِي يَتَرَبَّصُ الدَّوَائِرَ بِهَا مِنَ الْخَارِجِ، وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا التَّشْبِيهِ السَّاذِجِ خَلَلٌ قَدْ يَتَسَلَّلُ مِنْ ثَغْرِهِ الْمُغْرِضُونَ الْمُعْتَرِضُونَ لِمُجَرَّدِ التَّفْنِيدِ حِقْدًا أوْ جَهْلاً: بِأَنَّ الْعَرَبِيَّ الْعَامِّيَّ لاَ يَجُوزُ وَصْفُهُ بِالْعَدَاوَةِ لِمُجْتَمَعِهِ وَلُغَتِهِ، بِذَرِيعَةِ جَهْلِهِ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْنَا جَمِيعًا أَلاَّ نَتَنَاسَى بِأَنَّ الْجَهْلَ فِي ذَاتِهِ عَدُوٌّ لَدُودٌ لِكُلِّ حَقِيقَةٍ، فَإِذَا نَشَأَ الإِنْسَانُ فِي أَحْضَانِهِ شَبَّ عَلَى الْعَدَاوَةِ لِكُلِّ حَقِيقَةٍ تَبَعًا لِحَاضِنِهِ كَأَبِي جَهْلٍ!. لاَ يَكَادُ يَفْطَنُ إِلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَمِّدًا فِي جَهْلِهِ أوَ عَدَاوَتِهِ. الإنْسَانُ الْعَرَبِيُّ الْيَوْمَ يَجْهَلُ الأسْلُوبَ الأَصِيلَ لاسْتِخْدَامِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مَهْمَا كَانَ مُثَقَّفًا. فَلَيْسَ مِنَ الْفِرْيَةِ إِذَنْ وَصْفُ الْعَرَبِ بِالْعَجَمِيَّةِ (إِلاَّ مَنْ عَصَمَهُ اللهُ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ!). فَهُمْ لاَ شَكَّ طَائِفَةٌ مِنَ الأَعْجَامِ الْمُتَعَجِّمِينَ، وَذَلِكَ بِالدِّلِيلِ الْعِلْمِيِّ الْقَاطِعِ، أَدْنَاهُ: كَلِمَاتٌ يَسِيرَةٌ لأَعْرَابِ الْعَهْدِ الْجَاهِلِيِّ، فَضْلاً عَمَّا تَضُمُّهُ مُجَلَّدَاتٌ ضَخْمَةٌ مِنْ أَحَادِيثِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَلاَمِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم. نَنْقُلُ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ كَلِمَاتٍ وَجِيزَةً لِحَاضِنَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلِيمَةِ السَّعْدِيَّةِ، ثُمَّ لِنُقَارِنْهَا مَعَ كَلاَمِ فُحُولِ أُدَبَاءِ الْعَرَبِ فِي هَذَا الْعَصْرِ، لِنَقِفَ عَلَى الْفَرْقِ الْكَبِيرِ الَّذَّي تَتَمَيَّزُ بِهَا كَلِمَاتُ هَذِهِ الأَعْرَابِيَّةِ مِنَّ الْفَصَاحَةِ والاعْتِدَالِ وَالرَّوْعَةِ والْجَمَالِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى إِذَا قِسْنَاهَا مَعَ كَلاَمِ أُدَبَاءِ عَصْرِنَا. وَهَذِهِ كَلِمَاتُهَا، تَقُولُ: "خَرَجْتُ عَلَى أتَانٍ لِى قَمْرَاءَ، وَمعَنَا شَارِفٌ (أَي نَاقَةٌ مُسِنَّةٌ) لَنَا، وَاللهِ مَا تَبِضُّ (أَيْ مَا تَدْمَعُ) بِقَطْرَةٍ، وَمَا نَنَامُ لَيْلَنَا أجْمَعَ مِنْ صَبِيِّنَا الَّذِي مَعَنَا، مِنْ بُكَائِهِ مِنَ الْجُوعِ. مَا فيِ ثَدْيِي مَا يُغْنِيهِ، وَمَا فيِ شَارِفِنَا مَا يُغْذِيهِ، وَلَكِنْ كُنَّا نَرْجوُ الْغَيْثَ وَالْفَرَجَ، فَخَرَجْتُ عَلَى أتَانٍ تِلْكَ، فَلَقَدْ أذَمَّتْ بِالرَّكْبِ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ضَعْفًا وَعَجَفًا، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ نَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ، فَمَا مِنَّا امْرَأَةٌ إِلاَّ وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَأْبَاهُ، إِذَا قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ يَتِيمٌ، وَذَلِكَ أَنَّا كُنَّا نَرْجَو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصَّبِيِّ، فَكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ! وَمَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمُّهُ وَجَدُّهُ، فَكُنَّا نَكْرَهُهُ لِذَلِكَ، فَمَا بَقِيَتْ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِيَ إِلاَّ أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي. فَلَمَّا أَجْمَعْنَا الانْطِلاَقَ قُلْتُ لِصَاحِبِي: وَاللهِ، إِنِّيِّ لأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي وَلَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَاللهِ لأَذْهَبَنَّ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلآخُذَنَّهُ. قَالَ: لاَ عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي، عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً. قَالَتْ: فَذَهَبْتُ إِلَيْهِ وَأَخَذْتُهُ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى أَخْذِهِ إِلاَّ أَنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا أَخَذَتْهُ رَجَعْتُ بِهِ إِلَى رَحْلِي. فَلَمَّا وَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حَتَّى رَوَى، وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتَّى رَوَى، ثُمَّ نَامَا، وَمَا كُنَّا نَنَامُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَامَ زَوْجِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ، فَإِذَا هِيَ حَافْلٌ، فَحَلَبَ مِنْهَا مَا شَرِبَ وَشَرِبْتُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا رَيًّا وَشَبَعًا، فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ. قَالَتْ: يَقُولُ صَاحِبِي حِينَ أَصْبَحْنَا: تَعْلَمِي وَاللهِ يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ أَخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ إِنِّي لأَرْجُو ذَلِكَ. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْنَا وَرَكِبْتُ أَنَا أَتَانِي، وَحَمَلْتُهُ عَلَيْهَا مَعِيَ. فَوَاللهِ لَقَطَعْتُ بِالرَّكْبِ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ حُمُرِهِمْ، حَتَّى إِنَّ صَوَاحِبِي لَيَقُلْنَ لِي: يَا ابْنَةَ أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَيْحَكِ! أَرْبِعِي عَلَيْنَا، أَلَيْسَتْ هَذِهِ أَتَانُكِ الَّتِي كُنْتِ خَرَجْتِ عَلَيْهَا؟ فَأَقُولُ لَهُنَّ: بَلَى وَاللهِ، إِنَّهَا لَهَيَ هِيَ، فَيَقُلْنَ: وَاللهِ إِنَّ لَهَا شَأْنًا. قَالَتْ: ثُمَّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بِلاَدِ بَنِي سَعْدٍ، وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللهِ أَجْدَبَ مِنْهَا، فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَىَّ حِينَ قَدِمْنَا بِهِ مَعَنَا شِبَاعًا لُبَّنـًا، فَنَحْلُبُ وَنَشْرَبُ، وَمَا يَحْلُبُ إِنْسَانٌ قَطْرَةَ لَبَنٍ، وَلاَ يَجِدْهَا فِي ضَرْعٍ، حَتَّى كَانَ الْحَاضِرُونَ مِنْ قَوْمِنَا يَقُولُونَ لِرِعْيَانِهِمْ: وَيْلَكُمْ، اسْرَحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لُبَّنًا. فَلَمْ نَزَلْ نَتَعَرَّفُ مِنَ اللهِ الزِّيَادَةَ وَالْخَيْرَ حَتَّى مَضَتْ سَنَتَاهُ وَفَصَلْتُهُ." فَأَيْنَ كَلاَمُ الْعَرَبِ الْيَوْمَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْفَصِيحَةِ الرَّنَّانَةِ الْخَالِصَةِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ وَالرَّكَاكَةِ وَالْغُمُوضِ وَالتَّعْقِيدِ! لَقَدْ كَانَتْ حَلِيمَةُ أُمِّيَّةً مَعَ أَغْلَبِ الظَّنِ، لاَ تَقْرَأُ وَلاَ تَكْتُبُ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ فَصَاحَةِ اللِّسَانِ. وَلاَ يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ مُعَاصِرِيهَا رِجَالاً وَنِسَاءً مُتَمَيِّزِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي تُعَدُّ فَرِيدَةً فِي عَصْرِنَا. فَتَبْدُو إِذَنْ الشُّقَّةُ الْبَعِيدَةُ بَيْنَ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ وَبَيْنَ أَبْنَاءِ عَصْرِنَا مِنَ الْعَرَبِ مِنْ حَيْثُ مُسْتَوَى الإِتْقَانِ وَالْمَهَارَةِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. وَهَذَا يُبَرِّرُ نِهَائِيًّا إِطْلاَقَ صِفَةِ الْعُجْمَةِ عَلَى الْعَرَبِ الْمُعَاصِرِينَ أَجْمَعِينَ، كَمَا يُبَرْهِنُ عَلَى مَدَى خُطُورَةِ هَذَا الْجِيلِ مِنَ الْعَرَبِ فِي تَدْمِيرِ لُغَةِ الْقُرْآَنِ فَضْلاً عَنْ مُحَاوَلاَتٍ الْمُسْتَشْرِقِينَ الدُّعَاةِ إِلَى الْعَامِّيَّةِ. إِذَنْ لَنْ نُبَالِغَ أَنْ نَقُولَ فِي النِّهَايَةِ: إِنَّ الْعَامِّيَّةَ إِصْرَارٌ عَلَى التَعجُّمٌ وَانْسِلاَخٌ مِنَ الْفِطْرَةِ لاَ مَحَالَةَ، وَهَذَا حَرْبٌ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ وَالْعُرُوبَةِ وَالإِسْلاَم!" *** يجوز أنْ نَقْسِمَ العُجْمَةَ إلى ضربين: 1) عُجْمَةٌ عامّةٌ؛ يَتَّصِفُ بها جميعُ الناسِ الذين يجهلون اللغةَ العربيةَ، وهي تشمَلُ كَافَّةَ الجماعاتِ والمُجتَمَعاتِ غيرِ الناطقةِ بالعربيَّةِ. كلُّ هذا المَعْشَرُ البَشَرِيُّ الغفيرُ مُتَلَبِّسٌ بِالعُجْمَةِ طَبْعًا وجِبِلِّيَّةً، ومتصفٌ بها توفيقِيًّا، هؤلاءِ كُلُّهُمْ أعْجامٌ، عُجْمَتُهُم ناشِئَةٌ من الفِطرَةِ. 2) عُجْمَةٌ خاصَّةٌ: وهي صفةٌ تشْمَلُّ الأعجامَ الذينَ بذلوا جُهدًا لِيَتَعَلَّمُوا اللغةَ العربِيَّةَ، لكنَّهم لم يُفلِحُوا في تحقيقِ مُبْتَغَاهُمْ، فظَّلَتْ معرفَتُهُمْ دونَ مستوى الإتقانِ. هؤلاءِ يختلفون اختلافًا كبيرًا في حدودِ مُسْتَوَيَاتِهِم ومَقاديرِ حُظُوظِهِمْ من العربية. كلُّ واحِدٍ منهم تظهر في كلامِهِ آثارُ العُجمَةِ من لَحْنٍ، أو لُكْنَةٍ، أو عَجْزٍ في النُّطقِ والإنشاءِ... منهم مَنْ قضى سنين في حفظِ قواعد الصرف والنحو داخِلَ المحيط العربيِّ؛ فهذا قد يحظى قدرًا محدودًا من المعرفةِ بالعربية وليس متمكِّنًا منها؛ يقرأ النصوصَ العربيةَ ولا يلحنُ، ويكادُ يفهم مَضْمُونَها بِكمالِهِ، لكنَّهُ لا يقدرُ على النُّطقَ بطلاقَةٍ، ولاَ يُجِيدُ الإنشاءَ بفصاحةٍ، وإذا حاولَ أنْ يتحدَّثَ، كانت في نُطقِهِ غرابةٌ، ولُكْنَةٌ أجنبِيَّةٌ. فهذا محضُ قارئٍ، مُتَّصِفٌ بالعُجْمَةِ، كالطلبةِ الوافدين إلى البلاد العربية الخرِّجِين في جامعاتِهَا من الأتراك والأكرادِ وبقية الطوائف العجميةِ. ومنهم مَنْ درَسَ أيضًا في البلادِ العربيةِ فترةً، غيرَ أنه تَلَقَّى دُرُوسَهُ على غيرِ أهلِ الإختصاضِ. فهذا يكون قد حظِيَ شيْئًا من العربيةِ على قدرِ جهودِهِ. ولكنّهُ غيرُ ناجحٍ في نُطْقِهِ، ويكادُ يجهل الإنشاءً تمامًا. ومنهم مَنْ درَسَ في غير البلاد العربية، وتلقى دروسَهُ بطريق الترجمةِ على بعضِ ضُعفاءِ العلمِ، كما هو الحال في المدارس الشعبية-الدينية في تركيا. فإنَّ الخرِّجينَ من هذه المدارِسِ المتهالكةِ، والكُلِّيَّات الدينية التابعة للجامعات التركية، يكادُ كلُّهُم يجهلون النطقَ والإنشاءَ بالعربية، كمعظمِ ملالي الأكرادِ، وخواجوات الأتراك، والأكادِيميّين الخرِّيجين من الكليات الدينية. إنَّ هؤلاءِ يحفظون قواعد الصرف والنحو على مدى عشر سنين تقريبًا، يستطيعون أن يقرؤوا النصوصَ الدينيةَ بِالعربيةِ، معظمهم لا يَلْحَنُون في قرائتِهم، أمَّا إذا كان النصُّ مدوَّنًا في موضوعٍ غيرِ دينيٍّ، فإنهم قلَّمَا يفهمون مَضْمُونَه، هؤلاءِ عُجْمَتُهُمْ أشدُّ مِمّنْ سَبَقَ وَصْفُهُم. وهكذا تَتَفَاوَتُ مُسْتَوَياَتُ الأعجامِ الذين تنطبقُ عليهم العُجْمَةُ الخاصَّةُ. إنَّ العُجمَةَ العامَّة والخاصَّةَ صفتانِ طبيعيَّتانِ لِغيرِ العربِ، لأنَّهم وُلِدُوا ونشؤوا وتربَّوْا في بِيئَاتٍ لا يتحدَّثُ فيها أحدٌ باللغة العربية، بل لكلٍ منهم لغةٌ خاصَّةٌ يتحدَّثُ بها أفرادُ بِيئَتِهِ ومُجتَمَعِهِ، فتعلَّمَها منهم وتطبَّعَتْ قريحتُهُ علي أسلوبهم في النطقِ والإفادةِ. أمَّا الأعرابُ ومَنْ في حُكمِهم من الطوائف العامِّيَّةِ في المُجْتَمَعَاتِ العرِبِيَّةِ، فإنَّ عُجْمَتَهُم غيرُ طبيعيَّةٍ، بل هي قُصُورٌ، وعَيبٌ شنيعٌ مُرْتَكَبٌ إلى حدودِ الخيانةِ والجنايةِ، لأنهم وُلِدُوا ونشؤوا وتربّوْا في بِيئَاتٍ يتحدَّثُ فيها قِلَّةٌ مُثَقَّفَةٌ باللُّغة العربية الفصحى، ناطقةٌ بها وفقًا لقواعدها اللغويةِ. فكان في وُسع هؤلاءِ المُسْتَعْجَمِين أنْ يبذلوا جهودَهم في تعلُّمِ اللَّهجة الفصيحةِ والتطبُّعِ عليها بطريقِ الدراسةِ، وبالاستعانة بأهل المهارةِ فيها، وبممارستِها في الحوارِ والمحادثةِ. إنَّ هؤلاءِ الذين يَدَّعُونَ أنهم عربٌ، ولا يُتْقِنونَ اللغةَ العربيةَ الفصيحةَ، بل يتحاورون باللَّهْجَةِ العامِّيَّةِ، فإنَّهُمْ يُعَدُّونَ أيضًا من الأعجامِ، وهم حُثَالَةُ العربِ وَغَوْغَاؤُهُمْ. والطامَّةُ الكُبرَى أنهم يُمَثِّلُونَ الأكثريةَ في الأمة العربية! وبهذا الإعتبارِ تُعَدُّ العُجْمَةُ عَطْبًا طبيعِيًّا يحولُ بين العَجَمِيِّ (الأصلِيِّ) وبين اللُّغةِ العربيةِ لأسبابٍ عاديةٍ، ولكنَّ الأمرَ لا يقتصرُ على هذا القدرِ. بل العُجمَةُ قد تكون في بعض الأحيانِ عَقَبَةً خطيرَةً أمامَ الشخصِ الْمُسْلِمِ على وجه الخصوص. لأنَّ الإنسانَ لا يكادُ يستوعب معاني الآيات القرآنية والأحاديثِ النبوية، ولا يفهم مقاصدَها وما يَكْمُنُ فيها من حِكَمٍ ودلالاتٍ ذاتِ وجوهٍ متعدِّدةٍ، إلاَّ إذا كان ذا نَصيبٍ متوسِّطٍ من اللغةِ العربيةِ. فهذا الذي لا يلحنُ في قرائتِهِ ويحسُنُ الإنشاءَ، بحيث يجوز أن يُطلَقَ عليه صِفَةُ (المُثَقَّفِ)، سواء كان عربيًّا أو مُستَعربًا، فإنه ليس من الضرورة أن يكون هو عالمًا محيطًا بدقائق علوم العربية. بل يكفيه أنَّ يتلفّظَ الكلمةَ بمُقتضى أصلِها في القاموسِ العربيِّ، وأنْ لا يُخطِئَ في النُّطقِ بالحركة الإعرابيةِ التي في آخرِها. وهذا يعني: أنْ يَرْفَعَ ما يجبُ رفعُهُ، ويَنْصِبَ ما يجبُ نَصبُهُ، ويَجُرَّ ما يجبُ جرُّهُ. فهذا حَسْبُهُ أنْ لا يُعَدَّ من أبناءِ العُجمةِ. *** لقد بلغ الإهمالُ للُّغَةِ العربيةِ في أوساطِ عامَّةِ العربِ إلى حدٍّ يُثيرُ الفزعَ في نفسِ كلِّ مَنْ يُتقِنُها ويشعر بالحمية والمحبة لها، عربيًّا كان أو مُسْتَعْرَبًا، فضلاً عن المثقَّفين والمتخصِّصين في علومِها، لأنها وعاءُ الحكمةِ، وترجمانُ الوحي الإلهي، والحصنُ المنيع الذي استطاعَ أن يحافظَ على تراثِ الدِّينِ الإسلاميِّ الحنيفِ وثقافَتِهِ، وقِيَمِهِ السامِيةِ، ومعالِمِ حَضَارَتِهِ، وشخصيةِ مُنْتَسِبِيهِ... تواجِهُ لغةُ الضادِ في أيَّامِنا تحدِّياتٍ وتهديداتٍ خطيرةٍ في الداخل، على لسانِ أبنائها بالذات، بالإضافةِ إلى ما يتربّصُ بها الأعداءُ من الخارجِ، في الوقت الذي تسود الفوضى على المناهج التعليمية في البلاد العربية. يقول الكاتب اليمنيُّ أمذيب صالح أحمد في مقال له: "اللهجاتُ العامِّيَّةُ تقوم تدريجِيًّا بتغييرِ نُطقِ الكلماتِ وتحطيمِ قواعدِ الفصحى ونحوِها، وقتلِ الملكةِ اللغويةِ، وتعطيلِ جهازِ النطقِ، حتى تَصِلَ إلى مرحلةٍ من الرطانةِ، قابلةٍ للافتراس اللًّغَوِيِّ الأفرنجيِّ من اللغات السائدة" لا شكَّ أنَّ طائفةً من أصحاب الحمية من العلماءِ والمثقفين يُنَبِّهون بتأكيدٍ بالغٍ على خطورةِ اللهجاتِ العامِيَّةِ ومَدَى آثارِها الهدَّامةِ على العربية الفصيحةِ، ويعبرون عن أسفهم وقَلَقِهِمْ حيالَ المخاطر التي تَتَعَرَّضُ لها لغةُ الضاد، وتُثير العُجْمَةَ في أنحاءِ الوطن العربي. أمَّا المخاطِرُ التي تُهَدِّدُ اللُّغَةَ العربيَّةَ وتثير العُجْمَةَ، فهي كثيرةٌ، قد نَبَّهَ عليها جمهورٌ من الكتَّابِ والباحثين والعلماءِ في كُتُبِهِمْ، ومقالاتِهِمْ، وخُطَبِهِم، ومُنتَدَيَاتِهم... لكنه ثَمَّ خطرٌ أكبرُ وأشدُّ تأثيرًا في إفسادِ لغة القرآنِ، وقطع شرايين الحياةِ عنها بِطُرُقٍ غيرِ مباشرَةٍ؛ ألاَ وهي الديانةُ الْمُسْلُمَانِيَّةُ (Müslümanlik). المُسْلُمَانِيَّةُ التركيَّةُ Müslümanlik: هي حركةٌ دينيَّةٌ محليَّةُ وقوميَّةٌ تم إنشاؤها تحت تأثير الثقافة الفارسية في القرن الثاني عشر الميلادي بطريق اقتباسِ عناصرَ من مختلفِ الأديانِ وَمَزْجِهَا مع القِيَمِ الإسلامية. أكثرُ عناصرها مُقْتَبَسَةٌ من الديانة الشامانية والبوذية. لقد كانت مجتمعاتٌ خليطةٌ من الأتراك والطوخار والصُّغد والدَّياَلِمَةِ في منطقة تركستان لكل منها معتقدات وطقوس مختلفة، فلما دخل الإسلامُ إلى هذه المنطقةِ ولم يكن هناك مَنْ يُرْشِدُهُمْ إلى الالتزام بمبدأِ (التوقيفيةِ) في تلك الظروفِ الوعرةِ على خلفيةِ الحروبِ وما أسفر عنها من الفوضى في الحياة الاجتماعية، بالإضافة إلى جهلِهِمْ باللغةِ العربيةِ، تداخلتْ أشكالٌ من المعتقداتِ فتكوَّنَتْ منها دِيانةٌ غريبةٌ، وقد غلبتْ عليها صورةٌ من الإسلام فسُمِّيت "الْمُسْلُمَانِيَّةَ Müslümanlik"واعتقدتْ عامَّةُ الناسِ أنَّه الدِّينُ الذي جاءَ به العربُ. ثم انتشر العلمُ في بعضِ انحاءِ هذه المنطقة كمدينة بُخارى وسمرقند، فاهتم العلماءُ الذين نبغوا هناك بإصلاحِ هذهِ الديانةِ وتصفيتِها من آثارِ الدياناتِ الوثنيةِ شيئًا فشيئًا إلى أن بدأ يظهرُ طابعُ الإسلامِ في هيكلِها. إلاَّ أنَّ هذه المحاولاتِ الإصلاحيةَ لم تنجح إلى مُستوَى الكمالِ رغم الجهودِ التي بذلها العلماءُ، بل ظلّتْ فيها معالمُ الوثنيةِ وعلى رأسِها القبوريةُ. على أيِّ حالٍ، لم نُخْطِئْ لو قُلنا أنَّ الخلفيةَ التاريخيةَ للمُسْلُمَانِيَّةِ التركيَّةِ Müslümanlik غيرُ واضحةٍ إلى حدٍ كبيرٍ. يحاول عددٌ من الباحثين المحتَرِفين اليومَ ليكشفوا العَتَمَةَ عن المسارِ الدِّينيِّ للأتراك، منذ بداية تعرُّفِهِمْ على الإسلام إلى الماضي القريب. ومن جانبٍ آخر؛ يُفتَرَضُ أنَّ الجيوشُ الأمويةَ لما احتلَّتْ بِلادَ التُّرِكِ بقيادةِ قتيبَةَ بنِ مُسْلِمِ الباهليِّ، وعملتْ فيهم السيفَ بوحشِيَّةٍ، وتعرَّضَ الأتراكُ لِمَذَابِحَ رهيبةٍ على أيديهم، وأُحرِقَتْ أصنامُهُمْ ودُمِّرَتْ معابِدُهُم، وأُجْبِروا على اعْتناقِ الإسلامِ قهرًا، وذلك ما بين أعوام (707-715م.)، قاموا باختلاقِ هذه الديانةِ، وسَمَّوها الْمُسْلُمَانِيَّةَ (Müslümanlik)، على سبيل الإنتقامِ، وكراهيةً للعربِ ودينهم. إلاَّ أنهم صنعوا غلافًا زائفًا لهذه الديانة بطريق المزج بين تعاليم الإسلام ومعتقداتِهمْ الوثنيةِ، فجمعوا بين طقوس الهندوكية وبين مناسك الإسلام؛ كالصلاة، والصوم، والحج، والنوافل، وتلاوة القرآنِ، إلى غير ذلك... وأنشؤوا عديدًا من الطرائق الصوفيَّةِ وهي تياراتٌ باطنيةٌ خطيرةٌ، ومن أشدِّهَا تدميرًا لأركان الدين الحنيفِ: الطريقةُ النَّقْشَبَنْدِيَّةُ! وهي القاعدةُ الأساسيةُ التي تَرْتَكِزُ عليها الْمُسْلُمَانِيَّةَ. إنَّ الْمُسْلُمَانِيَّينَ أيضًا يهتمّونَ باللغةِ العربية كما سبقت الإشارةُ إليه، إلاَّ أنهم قد اختاروا لأنفسِهم طريقًا خاصًّا في تعليمِها وتدريسِها. لهم مدارِسُ شعبيةٌ-دينيةٌ منتشرةٌ في أنحاءِ تركيا. لكنَّهم يقتصرون على تحفيظِ قواعِدِ الصرفِ والنحوِ فحسبُ. ويستخدمون الترجمَةَ في التدريس، لا يكلِّمُ المدرّسُ تلاميذَهُ باللغةِ العربيةِ إطلاقًا، ولا يَطْلُبُ منهم أنْ يتحدَّثوا بالعربية، ولا يُكَلِّفُ أحدًا منهم أنْ يُجرِّبَ الكتابَةَ والإنشاءَ... فالْمُدَرِّسُ التركيُّ يحاضرُ باللغةِ التركيةِ، والْمُدَرِّسُ الكردِيُّ يحاضرُ باللغةِ الكرديةِ. وهذه الطريقةُ الوعرةُ التي يتبنَّاها نظامُ المدرسةِ عمدًا، لا تسمحُ للطالبِ بطبيعةِ الحالِ أنْ يستخدمَ العربية في حديثه وحوارِهِ. يلاحَظُ أنَّ الْمُسْلُمَانِيَّينَ يتعمّدون بهذه الطريقة الماكرةِ أن يقطعوا سبيلَ لغةِ الضادِ حتى لا تطغى على لغتِهِمْ فلا تنتشرَ في رُبُوعِ مجتَمَعِهِمْ، كما قطعوا السبيلَ على الإسلام منذ قرون حتى لا يخسروا الْمُسْلُمَانِيَّةَ (Müslümanlik)، فداموا عليها إلى يومنا هذا. وقد أشار إلى هذه المؤامرة الأديبُ المصرِيُّ أحمد حسن الزّيَّات في كلماتٍ له وهذا نصها: "فلمّا أدالَ اللهُ بَنيِ عُثمَانَ من الْمَمَالِيكِ، أصبحتِ الخِلافةُ: عُثمَانِيَّةً لا عَبَّاسِيَّةً؛ وصارتْ عَاصِمَةُ الإسلامِ: القُسطَنْطِنِيَّةَ لا القاهِرَةَ؛ واللُّغَةُ الرسمِيَّةُ: التُّرْكِيَّةَ لا العربِيَّةَ... فَفشَا في اللغَةِ الدَّخِلُ، وزاحَمَتْها العامِّيَّةُ والتُّرْكِيَّةُ في الدَّوَاوينِ، وذهبَتْ أسالِيبُهَا من النَّظْمِ والنَّثْرِ، وتَمَكَّنَ الذُّلُّ من النفوسِ فَخَمِدَتْ القرائِحُ، ونَضَبَ مَعِينُ العلْمِ، واطمأنَّتِ الكُتُبُ في الخزائِنِ، فلم يُزعِجها إلاَّ اشْتِعَالُ الأرَضَةِ في صَفَحَتِهَا، وضَرَبَ الْجَهلُ على أبصار الشَّرْقِيِّين فَعَموا..." *** يُفتَرَضُ أنَّ بدايةَ العبثِ باللغةِ العربيةِ كانتْ على لسان الأعجام الذين انضموا إلى الأمة في عواقب فتوحات الصحابة رضي الله عنهم. ذلك أنَّ الحركاتِ الجهاديةَ التي خاضوا فيها أسفرتْ عن ظاهرة الأسرِ، فكانت كلُّ معركةٍ تنتهي بالقبضِ على آلافٍ من الأسرى، يُجْلَبُون إلى أرض الإسلامِ، ويُوَزَّعُونَ على المجاهدين بالتمليكِ، فيُضرَبُ عليهم الرِّقُ وَفقًا لأحكامِ الشريعةِ. وهؤلاءِ الأسرى كانوا يختلِطونَ في صفوفِ المجتمعِ الإسلامِيِّ ويتعايشونَ معهم، بينما كانت لغاتُهُم وثقافاتُهُم مُختَلِفَةً، وهم يتبادلون الحديث مع السُّكَّانِ الأصلِيّين الذين كانوا عرًبًا أقحاحًا، فتأثّرَتْ اللغةُ العربيةُ هكذا باللغات الأجنبةِ لأولِّ مرَّةٍ. إلاَّ أنَّ آثارَها على العربية لم تكن مُخِلَّةً بنظامها اللغويِّ في عهد الصحابة والتابعين. نلاحظ أن جماعةً من العلماءِ قد ركّزوا اهتمامهم على تأليف كتبٍ قَيّمةٍ في قواعد اللغة وأدَبِهَا على مدى ثلاثة قرون من بداية عصر التابعين رضوانُ الله عليهم. فكانت جهودُهم ومؤلَّفاتُهم سدًّا منعتْ تسرُّبَ الدخيلِ إلى العربية، فحافظتْ على أصالتِهَا، وحَمَتْهَا من التهجين في المحيط العربي إلى أواخر العصر الثالث من العهد العباسي. فلما زالت هيبةُ الخلفاءِ وتحكَّمَ الوزراءُ الأعجامُ في رقابهم، تزعزعتْ أركانُ العربيةِ، واضطرب نظامُها، وتعرَّضت ألفاظُها للتحريفِ، فتغيَّرَتْ أصواتُ حروفِها، وتفرَّقتْ اللغةُ إلى لهجاتٍ عامِّيَّةٍ هجينةٍ خالية من جمال الفصاحةِ، وأصبحتْ رُكَامًا من ألفاظٍ مضطربةٍ جُوفٍ لا ضبطَ لها في القاموسِ والمصادر العلمية واللغويةِ، فاسعجمَ العربُ مع الزمان عدا نُخْبةٍ من المثقفين والعلماء. ولما اتَّسَعَتْ رِقْعةُ الإسلامِ وتكوَّنت دُوَيْلاَتٌ للأعجامِ خارجةٌ عن نطاقِ دولة الخلافةِ، وجَرَتْ علاقاتٌ سياسيةٌ وتجارية بينها، والتقى التجارُ والْحِرَفِيُّونَ بأمثالهم من العربِ في أسواقِ المدن العربية وجرت بينهم اتصالاتٌ كثيفةٌ، ازدادت زحمةُ اللغةِ الفارسيةِ والتركيةِ بخاصّةٍ على اللغة العربية، فما لبثَ حتى فشتْ العامِّيَّةُ فَدَحَرَتِ الْفُصْحَى من الساحةِ، وحَبَسَتْها في دُورِ العلمِ، ومنتدياتِ العلماءِ، والمؤسساتِ الرسميةِ، فلم يتداولْها إلاَّ طبقةٌ مثقّفةٌ فحسب. إن الشعوب التي تدَّعِي العُرُوبَةَ في أيَّامِنَا، قد استعجمتْ تمامًا وتحولتْ إلى أقوامٍ أجنبيةٍ نائيةٍ عن روحِ العُرُوبِيَّةِ التي صَنَعَهَا القرآنُ الكريمُ والسنةُ النبويةُ، كما قد انْسَلَخَتْ عن عروبةِ العهدِ الجاهليِّ. فلا نجد بينها شعبًا يتحدَّثُ أبناؤه بالعربية على السليقةِ ويَقْرِضُ الشعرَ ارتجالاً دون سابقِ تَأَهُّبٍ واستعدادٍ على مثالِ العربِ الأقحاحِ العاربةِ. كما لا نجد بينها شعبًا يتحدَّثُ أبناؤه بالأسلوب المحمديِّ على غِرَارِ الصحابةِ والتابعين، رضوان الله عليهم أجمعين. إنَّ استعجامَ العربِ أسفر عن عواقِبَ خطيرةٍ شَمِلتْ جميعَ مجالاتِ حياةِ الأمَّةِ؛ فقطع في المقام الأول وشيجةَ الوحدةِ اللغوية بين القاعدة الشعبيةِ للأمة (وإن لم يُخِلْ بنظام الدواوين الرسمية وفصاحةِ الخطابِ العلمي). أما استعجامُ القاعدة الشعبية، فإنها دفعت كُلَّ مُجتَمَعٍ من أجزاءِ الأمةِ باتجاهٍ يمنعه أنْ يشاطرَ أشقَّائَه من بقية المجتمعات العربية في ثقافتها المحليةِ وطموحاتها وأعرافها وميوليها السياسيةِ، وحتى في سلوكها الدينيةِ. هذا هو الدافع الرئيسُ الذي خلق حواجزَ صَلْبَةً بين هذه الفصائل العربية ومنعتها من توحيدِ الصفوفِ والتعاونِ في مواجهةِ التحدياتِ والتهديدات. لقد كَثُرَتْ المخاطرُ التي تُهَدِّدُ اللغةَ العربيَّةَ في أيّامِنا وتضاعفتْ إلى حدودٍ تُثِيرُ القلَقَ في نفوسِ المحبّين إلى هذه اللغة الشريفةِ، منها: استفزازُ الصُّحُفِيّين والإعْلاَميّين، وتحريفاتُهم، وأخطاؤُهُمْ، وأغلاَطُهُمْ الواردةُ في مُدَوَّناتِهم ومقالاتِهِمْ، وفي أثناءَ نقلِهم للأخبارِ... ومن هذه المخاطر أيضًا: ما يصنعُهُ رجالُ التجارةِ والصناعةِ والحِرَفِ من لافِتَاتٍ لشركاتِهم ومؤسّسساتِهم ومحلاَّتِهم التجاريةِ تحمِلُ أسماءَ أجنبيةً. وما يرتكبُهُ المستخدمون لِمَوَاقِعِ التواصُلِ الاجتماعِيِّ من خَبْطٍ، وخلطٍ، وعَشوائيةٍ وتهجين، يُعَدُّ بِحَدِّ ذاتِهَا جنايةً على اللغة العربية. كل ذلك دوافعُ هدَّامةٌ تفتحُ ثغراتٍ للدَّخيل، وتمهّدُ السبيلَ لتمييعِ العربيةِ وصهرِها، وتُسَهِّلُ انتشار العُجمةِ وطغيانَهَا. العُجمةُ فضيحةٌ من فضائحِ العربِ، وهي وصمةُ عارٍ على ناصيةِ كلِّ عربِيٍّ يجهل الفُصحى. والذين يتعمَّدون منهم الحديثَ بالعامِّيَّةِ، إنما يخونون لغتهم، ويحاربون وحدةَ الأمَّةِ، ويرتكبون الجنايةَ على الإسلام ولا شكَّ... هذا، وأيُّ مثقَّفٍ عربِيٍّ، بل وأيُّ مُستَعرَبٍ مخلِصٍ يُتقِن الفُصحى ويَعتَزُّ بالاسلامِ، لاَ ينجو من هذه التُّهمةِ إلاَّ إذا تعاون مع المخلصين للدفاعِ عن لغة القرآن وإنقاذِها من طغيانِ العامِّيَّةِ، والحدِّ من انتشارِ العجمةِ.
امريكا خربت افغانستان وخىجت منه وخربت العراق هي ودولة ايران الفارسية وعارضت الدولة اليمنية قي القضاء على اخدام ايران الفارسية الحوثيين لتدمير اليمن الذي صدر المجاهدون الى افغانستان فهل سيتوقف ساستها عن فسادهم هذا وتدمير الانسانية وحقوق الانسان والحرية الدينية للشعوب وحضاراتها ان على المسلمون اسقاطهم في الانتخابات
لقد انتشرب الموالد وتحوي للاسف الفاظ شؤكية وتوسلات مبالغ فيها ويعملونها في مخى الليل يزعجون النائمين والمصلين والمرضى ثم يزعمون انهم يصلون على النبي عليه الصلاة والسلام وهو قد علم الامة الصلاة والسلام عليه وعلى ال بيته قلااحتهاد بعد بيان رسول الامة عليه الصلاة والسلام ومن يدافع عنه بحجة جمع الامة وعدم تفرقها فهو يفرقها بهذا المنكر لايجمعها كيف يجمع الامة بالمعصية
قوموا بنشر الاسلام ان امبراطورية الاسلام ستجي بسبب نشركم لدعوة الاسلام كما كان في زمان تاخلافة التركية التي جعلت هيبة للاسلام والمسلمين واتشرت في العالم -كماارجوا من الموقع تلوين الصفحة بلون ازرق وخط كبير للمساعدة على جودة الطباعة وتجنب الاخطاء كما ارجو نشر هذا الموضوع بكل لغة وكل وسيلة ليعم نفعه
الشعب في فلسطين يقتل من اليهود ولم يتحركوا بجهد وهم قرب منها عبر لبنان وسوربا ولم يعلنوا حتى الجهاد
الشعب في اليمن يعاني من الفسلد السياسي لقد جعلوا الشيعة يستولون على طائرلت الشعب واغطوهم المطار والميناء ولم يسرعوا في اعتبارهم ارهابيين مثل القاعدة ونهب الملايين من البنك المركزي التي الشعب في امس الحاجة اليها
على اهل المغرب تجارهم مساعدة الفقراء لتخفيف اثلر الفقر وعمل الصناديق الخيرية والجمعيات الخيرية واقامة الزواجات الجماعية والاجتماغ على الطعام ليتيارك
ان الدعوة الاسلامية هي السلاح الذي يخشاه الاعداء نشر الاسلام وتقوية الاسلام هو ما يخشاه اعداء الاسلام انظروا كيف حصل عندما انتشر في فرنساعندما انتشر الحجاب ومنارات المساجد حن الساسة في فرنساحتى جعلوا ضريبة للحجاب فيااهل الاسلام قوموا بالدعوة للاسلام حتى تقوم امبراطورية الاسلام والمسلمين
يااهل السودان ان الحرب ستهلك الحىث والنسل دعوا العصبية واحترموا حرمة الدم المسلم وعلى العلماء ان يقوموا بحل المشكلة وان يعملوا مجلس شورى يحكم ويصلح البلد من الفرقاء وغيرهم على الكتاب والسنة