آخر تحديث للموقع :

الأحد 28 صفر 1444هـ الموافق:25 سبتمبر 2022م 03:09:17 بتوقيت مكة

جديد الموقع

موقف الفرس من الإسلام ..

_ كسرى يجدد فتوة الإمبراطورية.

_ كسرى يمزق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

_ حوار يزدجرد مع النعمان بن مقرن.

_ دحض فريه.

كسرى يجدد فتوة الامبراطورية:

شاء الله سبحانه وتعالى أن توافق ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بداية حكم كسرى أنوشروان لبلاد فارس، ولقد كان كسرى أنوشروان من أعظم ملوك ساسان، وأكثرهم شهرة، وأشدهم قوة وبطشا، وأوسعهم حيلة ودهاء.

دام حكم كسرى ثمانية وأربعين عاما، وبدأ عهده بتطهير مملكته من طاعون المزدكية واباحيتهم فقتل مزدك ومعظم أنصاره، وجمع جمهور مملكته على (المجوسية) دين آبائه وأجداده.

وبعد قضائه على مزدك وأتباعه باشر الاصلاحات الداخلية، فقضى على الفوضى، ورد الأموال المغصوبة الى أهلها، وأعاد بناء ما هدمه المزدكيون من مساكن وقرى، وأقام الحصون والجسور، وأصلح نظام الضرائب التي كانت تثقل كاهل المزارعين وأرباب الصناعات.

وأولى الجيش أكثر عناية، فأحسن اختيار أفراده وقادته، وأصلح نظام التدريب، وجدد العتاد، وبدأ انتهائه من اعداد الجيش بدأ غزوالبلدان المجاورة، فجدد سيطرته على الحيرة، وجند اللخميين في حروبه وفتوحاته.

وخاض أنوشروان معركة ضارية مع الامبراطورية البيزنطية، وحقق انتصارات عليها، واستولى على أنطاكية عام 540، ثم بسط نفوذه على اليمن فاحتلها عام 570 وطرد الأحباش منها.

واستمرت بلاد فارس في قوتها وجبروتها بعد هلاك كسرى أنوشروان الذي جدد فتوة المملكة، ووحد الصفوف، ورفع رايات فارس في معظم بلدان العالم.

ثم جاء (كسرى بن هرمز بن كسرى) الذي كان يسمى (ابرويز) ومعناها المظفر، فحافظ على الأمصار التي احتلها جده، وحقق انتصارات جديدة، وتمكن من احتلال: الرها، ودمشق، وبيت المقدس، والاسكندرية.

وبينما كان كسرى بن هرمز يتيه غرورا وكبرياء، وهويرى ملوك الدنيا وعظماءها يركعون أمامه ذلا واستسلاما.

وبينما كان كسرى ينظر الى جيشه الذي كان يشرق ويغرب فاتحا دون أي مقاومة تستحق الذكر .. في هذا الوقت أشرقت الأرض بنور الاسلام، ومن الله على البشرية حين أوحى لعبده ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى، وفتحت المدينة المنورة ذراعيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من المؤمنين.

ومن المدينة المنورة _ عاصمة الدولة الاسلامية الجديدة _ انطلق صلى الله عليه وسلم مبلغا دعوة الاسلام، مجاهدا في سبيل الله، وكان العالم اجمع يتابع أخبار الرسالة والرسول، وكان من بين الذين يستطلعون أخبار الوحي والاسلام كسرى _ بن هرمز وغيره من قادة الفرس والرومان.

وقام صلى الله عليه وسلم بإرسال رسالة الى كل زعيم دولة يبلغه دعوة الاسلام، ومن الذين وصلهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرى بن هرمز.

كسرى يمزق كتاب رسول الله (ص):

روى البخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه مع رجل الى كسرى وأمره أن يدفعه الى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين الى كسرى،

فلما قرأه كسرى مزقه وقال: فحسبت أن ابن المسيب قال فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق.

وفي رواية لابن جرير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل كتابا مع عبد الله بن حذافة الى كسرى بن هرمز ملك فارس يدعوه الى الاسلام، فلما قرأه شقه وقال:

يكتب إلي بهذا وهوعبدي، ثم كتب كسرى الى باذام وهونائبه على اليمن أن ابعث الى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به"1".

وفعلا أرسل باذام رجلين ليأتياه برسول الله صلى الله عليه وسلم، واستبشر مشركوالعرب برسول كسرى، وأدركوا أن محمد سينتهي لأنه لا طاقة له بكسرى وجنده.

وهذا منطق الذين التصقوا بالتراب، وضاقت عقولهم عن ادراك أبعاد الرسالة، فجحدوا قدرة الله، وكل الذي يفهمه كسرى وأعوان كسرى: أن هؤلاء المسلمين ناس أذلة جياع يتطاولون على أسيادهم الفرس .. ، وهذه الدعوة كلها لا تستحق _ بزعم كسرى _ أكثر من جنديين يأتيان بمحد صلى الله عليه وسلم، وكسرى بن هرمز نفسه عندما غضب من النعمان بن المنذر أرسل إليه يطلبه فلم يستطع أي حي من أحياء العرب أن يحميه من كسرى، واضطر أن يمتثل للأمر فوضع في يده القيد وزج به في سجن من سجونه المظلمة حتى هلك، وولي على الحيرة بدلا منه إياس بن قبيصة الطائي.

البداية والنهاية لابن كثير، ج 4، ص 269.

وأين محمد صلى الله عليه وسلم المستضعف المطارد من قبل سفهاء مكة، أين هومن النعمان المنذر ملك العرب وسيدها؟!.

بهذه العنجهية والغطرسة كان كسرى بن هرمز ينظر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم والى الرسالة التي شرفه الله بحملها.

وشاء الله ان يسلط (شيرويه) على أبيه كسرى فيذله ويقتله، ويخبر صلى الله عليه وسلم (باذام) بما حدث لسيده، ويعود (باذام) فيجد صدق خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ثم يستجيب الله لدعوة نبيه عندما دعا الى تمزيق مملكة كسرى.

حوار يزدجر مع النعمان بن مقرن:

لقد دانت الجزيرة العربية بالاسلام، وامتطى جند الله صهوات خيولهم يطرقون أبواب المدائن ودمشق والقدس بأيد مضرجة بالدماء، ونفوس متعطشة الى وعد الله لهم في جنان الخلد وملك لا يفنى.

وعندما صمم المسلمون على فتح بلاد فارس انتدبوا سعد بن أبي وقاص لهذه المهمة، كانت هناك مفاوضات ورسل بين الجيشين ونسوق فيما يلي بعض ما حدث:

أرسل سعد بن أبي وقاص طائفة من أصحابه الى كسرى، يدعونه الى الاسلام قبل أن تنشب الحرب بينهما، فاستأذنوا عليه فأذن لهم، وخرج أهل البلد ينظرون الى أشكال الرسل وأرديتهم على عواتقهم، وسياطهم بأيديهم، والنعال بأرجلهم .. كما نظر أهل البلد الى خيول رسل سعد الضعيفة، وجعلوا يتعجبون منها ومنهم غاية العجب ويتساءلون:

كيف يتحدى هؤلاء كسرى مع كثرة عدد جيشه وشدة بأسه؟!

ولما استأذن الرسل على الملك (يزدجرد) أذن لهم وأجلسهم بين يديه، وكان متكبرا قليل الأدب، ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها أي عن النعال والسياط والثياب و..

وكلما قالوا له شيئا من ذلك تفاءل فرد الله فأله على رأسه ثم قال لهم: ما الذي أقدمكم هذه البلاد؟ أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا؟!

فقال النعمان بن مقرن:

إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على اجابته خيري الدنيا والآخرة. فلم يدع الى ذلك قيبلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث كذلك ما شاء أن يمكث، ثم أمر أن ينهد الى من خالفه من العرب ويبدأ بهم، ففعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكره عليه فاغتبط، وطائع إياه فازداد. فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم الانصاف، فنحن ندعوكم الى ديننا وهودين الاسلام حسن الحسن وقبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر هوأهون من آخر شر منه الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة.

وإن أجبتم الى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم، وإن أتيتمونا بالجزية قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم.

قال فتكلم يزدجرد فقال:

إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم

قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، ولا تغزركم فارس، ولا تطمعون أن تقوموا لهم. فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، وان كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا الى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم. فأسكت القوم فقام المغيرة بن شعبة فقال:

أيها الملك ان هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف، وانما يكرم الأشراف الأشراف، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف، وليس كل ما أرسلوا له جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوا عليه، ولا يحسن بمثلهم ذلك، فجاوبني فأكون أنا الذي أبلغك ويشهدون على ذلك.

انك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما، فأنت ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، وأما المغازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم.

ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، وأن يبغي بعضنا على بعض، وان كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهونفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا، فدعا الى أمر فلم يجبه أحد.

أول ترب كان له الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا وزاد ونقصنا

فلم يقل شيئا إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له وأتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين.

فما قال لنا فهوقول الله، وما أمرنا فهوأمر الله، فقال لنا أن ربكم يقول:

أنا الله وحدي لا شريك لي كنت اذا لم يكن شيء، وكل شيء هالك إلا وجهي، انا خلقت كل شيء وإلي يصير كل شيء، وإن رحمتي أدركتم فبعث إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي أنجيكم بها بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام.

فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال من تابعكم على هذا فله مل لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فأعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم أدخلته جنتي، ومن بقى منكم اعقبته النصر على من ناوأه.

فاختر إن شئت الجزية وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أوتسلم فتنجي نفسك.

فقال يزدجرد:

أتستقبلني بمثل هذا؟.

فقال _ المغيرة _:

ما استقبلت إلا من كلمني، ولوكلمني غيرك لم أستقبلك به.

فقال:

لولا أن الرسل لا تقتل لقتلك، لا شيء لكم عندي. وقال ائتونى بوقر من تراب فاحملوه على أشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن.

ارجعوا الى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية وينكل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور. ثم قال:

من أشرفكم؟ فقال عاصم بن عمرووافتات ليأخذ التراب أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء فحملنيه، فقال: أكذلك؟.

قالوا: نعم. فحمله على عنقه فخرج به من الديوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها ثم انجذب في السير ليأتوا به سعدا وسبقهم عاصم فمر قديس فطواه وقال بشروا الأمير بالظفر، ظفرنا ان شاء الله تعالى، ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر. فقال:

ابشروا فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم، وتفاءلوا بذلك أخذ بلادهم. ثم لم يزل أمر الصحابة يزداد في كل يوم علوا وشرفا ورفعة، وينحط أمر الفرس ذلا وسفلا ووهنا"2".

ومن خلال حوار النعمان بن مقرن والمغيرة بن شعبة من جهة ويزدجرد من جهة ثانية تتكشف لنا العقلية التي يفكر بها الفرس:

انهم قساة بغاة يستخفون بغيرهم من الأمم. فالعرب ليسوا أكثر من شعب خلق لخدمة الفرس، ويتحدث يزدجرد باسم قومه فيقول:

(قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي، ولا تغزوكم فارس).

البداية والنهاية لابن كثير، ج 7، ص 41.

من العار على أهل فارس أن يفكروا أويجهزوا أنفسهم لغزوالعرب، فأهل الضواحي ند للعرب، ولا يستحقون أكثر من هذا الإعداد.

ويقول أيضا:

(ولا تطمعون أن تقوموا لهم).

إن مجرد وقوف العربي أمام الفارسي تعظيما وتبجيلا .. هذا الوقوف بحد ذاته تكريم للعربي _ هكذا يرى يزدجرد _.

أما الرسالة والرسول والوحى فهي أمور لا تستحق من يزدجرد مجرد التفكير، وكل ما يراه أن العرب جياع عراة ومن الممكن أن يجود عليهم بقليل من الطعام واللباس، بل إن يزدجرد مستعد أن يكرمهم أكثر وينتدب ملكا فارسيا يرعى شؤون العرب. غريبة هذه العقلية التي يفكر بها يزدجرد!!. إن العرب عنده لا يستحقون أن يختار لهم ملكا ليستعمرهم ويتحكم برقابهم وأموالهم وأرضهم.

وعندما رفض رسل سعد بن أبي وقاص عروض يزدجرد أوكل لقائده رستم مهمة دفن المسلمين في خندق القادسية.

وهذه هي العقلية التي يفكر بها الفرس!!

دحض فريه

يقف اعداء الاسلام من المستشرقين والمستغربين أمام الانتصار الذي حققه المسلمون على الفرس وقفة استغراب ودهشة، ويجهدون أنفسهم في البحث عن تعليل يفقد هذا الانتصار روعته، وبعد طول تفكير قالوا:

كانت بلاد فارس قد دب فيها الهرم وتفشت فيها أمراض الشيخوخة عند ظهور الاسلام، ومن سنن التاريخ أن تتغلب الدولة الفتية القوية الناشئة على الدولة الهرمة الضعيفة المنهارة.

وهذا القول مرفوض جملة وتفصيلا للأسباب التالية:

كان كسرى أنوشروان قبل عقود قليلة قد جدد فتوة الدولة الفارسية، وبعث فيها روح القوة والشباب، وقضى على المزدكية، وأجرى الاصلاحات مالية وادارية وعسكرية .. ثم جاء كسرى بن هرمز فتبوأت دولة فارس في عهده قمة المجد، ودانت لها معظم بلدان العالم.

وفي الثالثة عشر من الهجرة اجتمع رستم والفيرزان واتفقا على تنصيب يزدجرد _ وهومن أولاد كسرى _ وهوابن إحدى وعشرين سنة، واستوثقت المماليك له، واجتمعوا عليه، وفرحوا به، واستفحل أمره فيهم، وقويت شوكتهم به "3".

أما قائد جيش الفرس رستم فلقد كانت تضرب الأمثال بقوته ودهائه، وهومن أندر قواد الفرس، وكان يتولى قيادة جيش هوفي عدده وعدته أضعاف الجيش الاسلامي.

وكانت حروب المسلمين مع الفرس شاقة جدا. لقد دامت أكثر من سبع سنين، كان المسلمون خلالها يفتحون الأمصار ويعقدون معهم المعاهدات ثم ينقضونها، فأهل الحيرة العرب نقضوا عهدهم ثلاث مرات، ونقض عرب الأنبار عهودهم مرات ووقفوا الى جانب الفرس.

البداية والنهاية، ج 7، ص 30.

فالمسلمون اذن كانوا يقاتلون الفرس والعرب معا "4" .. واستشهد من المسلمين في معاركهم مع الفرس أكثر من عشرين ألف قتيل، وشهد خالد بن الوليد بخبرة وشجاعة الجندي الفارسي فقال:

(لقد قاتلت يوم مؤتة فانقطع في يدي تسعة أسياف وما لقيت قوما كقوم لقيتهم من أهل فارس، وما لقيت من أهل فارس قوما كأهل أليس "5").

لقد كان المسلمون يخشون قتال أهل فارس، ويختارون قتال العرب أوالرومان عن الفرس الذين امتازوا بقوة السيطرة، وشدة القتال:

(لما مات الصديق ودفن ليلة الثلاثاء أصبح عمر فندب الناس وحثهم على قتال أهل العراق، وحرضهم ورغبهم في الثواب على ذلك، فلم يقم أحد، لأن الناس كانوا يكرهون الفرس لقوة سطوتهم، وشدة قتالهم. ثم ندبهم في اليوم الثاني والثالث فلم يقم أحد، وتكلم المثنى بن حارثة فأحسن، وأخبرهم بما فتح الله تعالى على يد خالد من معظم أرض العراق، وما لهم من الأموال والأملاك والأمتعة والزاد، فلم يقم أحد في اليوم الثالث فلما كان اليوم الرابع كان أول من انتدب من المسلمين أبوعبيدة بن مسعود الثقفي ثم تتابع الناس في الاجابة "6").

أفبعد حرب دامت سبع سنين، واستشهد فيها عشرون ألفا من المسلمين وبعد شهادة

انظركتاب حركة الفتح الاسلامي في القرن الأول للدكتور شكرى فيصل

تاريخ الطبري، ج 1 - 4، ص 2048.

البداية والنهاية لابن كثير، ج 7، ص 26.

خالد بن الوليد رضي الله عنه بقوة الفرس وشجاعتهم، ورواية ابن كثير التي تدل على كراهية المسلمين لقتال الفرس، أفبعد هذا كله هل يبقى مجال ليقول قائل: ان فارس كانت في حالة احتضار!!.

ليس هناك من هرم ولا شيخوخة بل ان المسلمين قاتلوا وهم يتمنون إحدى الحسنين: النصر أوالشهادة. ولقد صبروا وصابروا رغم طول الطريق وغدر عرب العراق واستبسال الفرس، وسألوا الله النصر صادقين متجردين، فاستجاب الله سبحانه وتعالى لهم، ونصرهم على أعدائهم الذين هزموا في القادسية ثم في نهاوند والمدائن، ودخل قائد جيش المسلمين سعد بن أبي وقاص قصر كسرى وهويتلوقوله تعالى:

(كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك واورثناها قوما آخرين).

وأرسل سعد كل ما في قصر كسرى من نفائس الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب .. وأخذ عمر رضي الله عنه يقلب هذه النفائس في المسجد النبوي وهويردد:

إن قوما أدوا هذا لأمناء!!.

فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

لقد عففت فعففت رعيتك، ولورتعت لرتعت ثم قسم عمر ذلك في المسلمين، فأصاب عليا قطعة من البساط فباعها بعشرين ألفا.

وذكر البيهقي والشافعي رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب ألقى بسواري كسرى الى سراقة بن مالك بن جعشم وقال له:

قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مدلج"1" .. ثم قسم عمر الغنائم على المسلمين بعد أن خطبهم وبين لهم أن ملك كسرى ضاع بظلمه وجوره، وأن العدل أساس الملك وسر بقائه وديمومته.

وبهذه الأخلاق فتح المسلمون بلاد فارس، وورثوا ايوان كسرى، وصارت الشمس لا تغيب عن الولايات الاسلامية.

البداية والنهاية لابن كثير، ج 7، ص 68.

عدد مرات القراءة:
2604
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :