معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

الإخباريون والأصوليون ..

من هذه المسائل الكلية: انقسام الشيعة - طبقاً لاختلافهم في ركني (الإمامة): الاجتهاد والحكم - إلى شيعة إخبارية وشيعة أصولية. فالإخباريون حرموا الاجتهاد على الفقيه لأنه غير معصوم، وحصروا القول في المستجدات في شخص المعصوم فقط. وهؤلاء أكثر إخلاصاً للنظرية. لكن ضغط الواقع أثبت لهم قصور نظريتهم فخرج على الأصل قسم منهم -وهم جمهور الشيعة اليوم- وأجاز لغير المعصوم أن يجتهد. ومنحوه صلاحيات المعصوم بحيث جعلوا الرد عليه

كالرد على المعصوم (1)!

لقد حصل بين الإخباريين والأصوليين من الخلافات والطعن إلى حد التكفير المتبادل، والتفرق والتناحر إلى حد الاقتتال ما الله وحده به عليم!

يقول محمد سعيد الحكيم: (إن اصطلاح الإخباري والأصولي قد أضر بوحدة الطائفة الحقة، وجر عليها من محنة التفرق والانشقاق والتهريج والتشنيع المتبادل بنحوقد يصل حد الإغراق المأساوي، خصوصاً في المناطق التي تجمع بين الفئتين وتتعرض للاحتكاك بينهما) (2).

هذا وقد جرى بين هاتين الفرقتين ردود ومنازعات وتكفير وتشنيع،

حتى إن بعضهم يفتي بتحريم الصلاة خلف الآخر3.

__________

(1) يقول محمد رضا المظفر في كتابه (عقائد الإمامية) المقرر للتدريس في مدارس الحوزة في النجف تحت عنوان: عقيدتنا في المجتهد ص34/ ط. قم 2002: (وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشروط أنه نائب للإمام عليه السلام في حال غيبته، وهوالحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الله تعالى، وهوعلى حد الشرك بالله).

2 الأصولية والإخبارية بين الأسماء والواقع - محمد سعيد الحكيم ص11.

3 مع علماء النجف - محمد جواد مغنية ص74.

وكان من شيوخ الطائفة الإخبارية من لا يلمس مؤلفات الأصوليين بيده تحاشياً من نجاستها، وإنما يقبضها من وراء ملابسه (1) …لدرجة أنه كان من الممكن أن يتعرض أي إنسان يسير في الطريق وتحت إبطه كتاب للأصوليين إلى الضرب المبرح (2).

قال يوسف البحراني: إن التقسيم إلى إخباري ومجتهد فإن كلاً منهما يجري على الآخر لسان التشنيع والسب حتى كأنهما لم يكونا على دين واحد وملة واحدة (3).

وقال محمد الطالقاني: وكان كل فريق يرى وجوب قتل الفريق الآخر. وتطورت القضايا إلى أمور شخصية بحتة تقريباً فكان كل من الخصمين يهدف إلى الانتقام من خصمه والتطويح به (4).

اختلاف الأصوليين على ولاية الفقيه

ثم انقسم الأصوليون - طبقاً إلى الاختلاف في الركن الثاني والأخير من ركني الإمامة وهوعدم جواز تولي الحكم من قبل غير المعصوم بعد أن تهاوى الركن الأول عند جمهورهم- إلى قسمين:

أ- قسم يقول بـ (ولاية الفقيه) يجيز لغير المعصوم وهوالفقيه أن يتولى مقاليد الحكم، ومنحوه كذلك صلاحيات المعصوم! ليتهاوى الركن الثاني بعد أن تهاوى الركن الأول عندهم.

ب- وقسم لا يقول بها.

ونحن لا ندري ما قول جعفر الصادق وسط هذه المعمعة؟! ولا موقفه الفقهي من هذه المسائل الخطيرة التي تنبني عليها جزئيات لا

تحصى من الاختلافات الفقهية!

ثم لا ندري مَن مِن هؤلاء المختلفين أصاب مذهب جعفر؟ وكلٌ يدَّعي وصلاً بجعفرْ وجعفرُ لا يُقرُّ لهم بذاكا

__________

(1) الشيخية نشأتها وتطورها ومصادر دراستها - محمد الطالقاني ص9.

(2) الطائفية والسياسة في العالم العربي - الدكتور فرهاد إبراهيم ص57.

(3) لؤلؤة البحرين - يوسف البحراني 2/ 387.

(4) الشيخية - محمد حسن آل الطالقاني ص42.

فلم يكن جعفر إمامياً ولا إخبارياً ولا أصولياً ولا خمينياً أونراقياً يقول بـ (ولاية الفقيه) ولا خوئياً على النقيض. بل ولا حتى (جعفرياً)! ويستحيل على من ادعى عليه ذلك فنسب إليه أحد هذه الاتجاهات المختلفة أن يثبت دعواه بدليل معتبر غير الدعوى!

كل فقيه مذهب قائم بذاته

إن حقيقة الفقه الشيعي أوما يسمى بـ (المذهب الجعفري) لا تتعدى أقوال وفتاوى الفقهاء والمجتهدين! فليس (فقه جعفر) في الواقع هوأقوال أوفتاوى الإمام جعفر الصادق أوأي (إمام) من (أئمة) أهل

البيت الاثني عشر الذين ألصق بهم هذا الفقه إلصاقا!!

والفقيه لا ينقل قول (الإمام)، إنما لكل فقيه رسالة عملية وفتاوى تمثل رأيه هو، وليس رأي (الإمام) أوقوله. ولكل فقيه مجموعة من المقلدين لا يجوز لأحدهم تقليد غيره!

ولوكانت أقوال الفقهاء تمثل قول (الإمام) أوهي قول (الإمام)

نفسه لكانت واحدة فلم تختلف. ولما حرموا على المقلِّد تقليد غير مقلَّده.

إن هذه أدلة واضحة واقعية وملموسة على أن الشيعة الإمامية يتبعون فتاوى الفقهاء لا أقوال الأئمة. وهذا يجعل دعواهم باتباع جعفر أوأخذهم بـ (الفقه الجعفري) فارغاً لا معنى له، وينقضه من الأساس.

وإذا كان الإمامية في واقعهم العملي يأخذون بأقوال المجتهدين فما فضلهم على بقية المذاهب الفقهية الإسلامية الذين يأخذون بأقوال

المجتهدين أيضاً؟!

فإن قيل: إن فقهاءنا يجتهدون في ضوء قول (الإمام) قلنا: وفقهاء بقية المذاهب يجتهدون في ضوء قول النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا شك أن قول النبي أكثر إشعاعاً وإشراقاً من قول (الإمام). وهذه مزية وفضيلة لبقية المذاهب تفتقدها المذاهب الفقهية الإمامية جميعاً!

هذا على افتراض صحة الرواية عن (الإمام)، فكيف إذا كان غالب ما يروى ينبغي أن يطوى ولا يحكى؟!

والأدهى أنهم جعلوا لفتاوى الفقهاء من القدسية ما لأقوال الأئمة

- حسب اعتقادهم - إذ يحرم الرد على الفقيه حرمة تساوي حرمة الرد على (الإمام) عندهم! وقد مر بنا قبل قليل نقل شاهد على ذلك.

إن كل فقيه من فقهاء الإمامية - في الواقع - مذهب قائم بذاته،

له أتباعه ومقلدوه الذين لا يحل لهم أن يقلدوا مجتهداً آخر سواه. وهذا ما اعترف به علماؤهم صراحة!

يقول محمد حسين فضل الله: (إن المشكلة التي نواجهها في تعدد المرجعيات هي المشكلة التي نواجهها في تعدد المذاهب الفقهية لأن المرجعيات هي مذاهب فقهية متعددة من خلال طبيعة تنوع الفتاوى، وتنوع النظريات في هذا المجال (1).

وهؤلاء الفقهاء مختلفون فيما بينهم اختلافاً كبيراً، و(رسائلهم العلمية) (2) تشهد على هذا الاختلاف بوضوح.

والاختلاف بين مقلديهم إلى حد أنهم لا يصلون خلف من يقلد غير مرجعهم. والمراجع مختلفون إلى حد أن كل واحد منهم يدعي أنه الأعلم، وأنه لا يجوز تقليد سواه.

ولوكان هؤلاء الفقهاء يتبعون في الواقع مذهب جعفر الصادق لما اختلفوا فيما بينهم في مسألة فقهية واحدة. لأن المعصوم لا تتعدد أوتتناقض أقواله فضلاً عن أن تختلف هذا الاختلاف العجيب!.

عدم تقليد الميت

ومن الأدلة الواضحة على أن الإمامية لا يتبعون مذهب جعفر

الصادق وإنما مذاهب فقهائهم ومجتهديهم أنه يحرم على العامي عندهم

__________

(1) المعالم الجديدة للمرجعية الشيعية ص117.

(2) الرسالة العلمية: هي الكتاب الفقهي الذي يصدره الفقيه، حين يرى في نفسه أنه قد صار أهلاً لأن يكون مجتهداً. أي .. مذهباً قائماً بنفسه.

- لا سيما الأصوليون منهم الذين يمثلون غالبية الشيعة في هذا الزمان - تقليد الفقيه الميت ابتداءاً ما لم يكن من مقلديه في حياته. أي أن مذهب الفقيه يموت بموته. فلوكان مذهبه وفقهه هومذهب وفقه جعفر الصادق نفسه لما حرم اتِّباعه بعد موته، لأن فقه المعصوم وعلمه لا يموت ولا يتغير بموته. وهم يدّعون أنهم على مذهب جعفر، فلوكان هذا الذي تركوه من الفقه بموت صاحبه يمثل مذهب جعفر لما تركوه وإلا فقد تركوا مذهب جعفر نفسه. فإما أن يكون الذي تركوه من الفقه مطابقاً لمذهب جعفر فيكونوا قد تركوا مذهب جعفر وأخذوا بغيره بعد موت الفقيه المعين، وإما أن لا يكون كذلك فهم إذن لم يكونوا مذهبه من الأساس. وكلا الأمرين يثبت أن فقه الإمامية في واد وفقه جعفر في واد.

بحر لا ساحل له!

وهكذا نرى أن البحث في هذا الموضوع خوض في بحر لا ساحل له! وعلى أية حال فإن اختلاف فقهاء الإمامية فيما بينهم يثبت قطعاً أنهم ليسوا على مذهب جعفر الصادق. فإن المعصوم لا تتعدد أوتتناقض أقواله. فتعدد الأقوال وتناقضها يجزم بعدم وحدة مصدرها. فإما أن يكون جعفر معصوماً فهذه الأقوال المتضاربة ليست صادرة عنه. وإما أن يكون غير ذلك فينهار المذهب من أساسه. وحتى على افتراض عدم عصمته هذا فإنه لا يعقل أن تصدر جميع هذه الأقوال المتضاربة من فقيه واحد! لكثرتها وتناقضها. نعم قد تتعدد أقوال الفقيه أوتتناقض، ولكن ليس إلى هذه الدرجة! هل تعلم أن اختلافات (المذهب الجعفري) قد فاقت في كثرتها وتضاربها خلافات المذاهب الأربعة منفردة ومجتمعة؟! وهذا باعتراف كبار فقهائهم!! حتى إن منهم من قال بصريح العبارة: (فلونظرنا إلى فتاوى علمائنا المعاصرين فسوف نجد أنهم كلهم خارجون عن دائرة المذهب الشيعي) (1)!.

وهذا شيخ الطائفة على الإطلاق أبوجعفر الطوسي يقول في كتابه (العدة في أصول الفقه):

__________

(1) مرجعية المرحلة وغبار التغيير - جعفر الشاخوري ص135.

ومما يدل أيضاً على جواز العمل بهذه الأخبار التي أشرنا إليها ما ظهر من الفرقة المحقة من الاختلاف الصادر عن العمل بها فإني وجدتها مختلفة المذاهب في الأحكام. ويفتي أحدهم بما لا يفتي صاحبه في جميع أبواب الفقه من الطهارة إلى باب الديات. من العبادات والأحكام والمعاملات والفرائض وغير ذلك. مثل اختلافهم في العدد والرؤية في الصوم. واختلافهم في أن التلفظ بثلاث تطليقات ان يقع واحدة أولا. ومثل اختلافهم في باب الطهارة في مقدار الماء الذي لا ينجسه شيء. ونحواختلافهم في حد الكر. ونحواختلافهم في استئناف الماء الجديد لمسح الرأس والرجلين. واختلافهم في اعتبار أقصى مدة النفاس. واختلافهم في عدد فصول الأذان والإقامة. وغير ذلك في سائر أبواب الفقه حتى أن باباً منه لا يسلم إلا وجدت العلماء من الطائفة مختلفة في مسائل منه أومسائل متفاوتة الفتاوى (1).

وقال أيضاً:

وقد ذكرت ما ورد عنهم - عليه السلام - في الأحاديث المختلفة التي تختص الفقه في كتابي المعروف بالاستبصار وفي كتاب تهذيب الأحكام، ما يزيد على خمسة آلاف حديث وذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها وذلك أشهر من أن يخفى.

حتى إنك لوتأملت اختلافاتهم في هذه الأحكام وجدته يزيد على إختلاف أبي حنيفة، والشافعي، ومالك (2).

وقال في كتابه تهذيب الأحكام:

ذاكرني بعض الأصدقاء أيده الله ممن أوجب حقه علينا بأحاديث أصحابنا أيدهم الله ورحم السلف منهم.

وما وقع فيها من الاختلاف، والتباين، والمنافاة، والتضاد

__________

(1) العدة في أصول الفقه -الطوسي 1/ 137.

2 العدة في أصول الفقه -الطوسي 1/ 138. معجم رجال الحديث - الخوئي 1/ 89. لكن الخوئي قد لطف من عبارة الطوسي فلم ينقلها بتمامها، وإنما بتر مقطعها الأخير فلم يذكره! وهو: (حتى إنك لوتأملت اختلافاتهم في هذه الأحكام وجدته يزيد على إختلاف أبي حنيفة، والشافعي، ومالك).

حتى لا يكاد يتفق خبر وإلا بإزائه ما يضاده. ولا يسلم حديث إلا وفي

مقابلته ما ينافيه. حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا. وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا. وذكروا أنه لم يزل شيوخكم السلف والخلف يطعنون على مخالفيهم بالاختلاف الذي يدينون الله تعالى به، ويشنعون عليهم بافتراق كلمتهم في الفروع ويذكرون أن هذا مما لا يجوز أن يتعبد به الحكيم، ولا أن يبيح العمل به الحليم. وقد وجدناكم أشد اختلافا من مخالفيكم، وأكثر تبايناً من مباينيكم. ووجود هذا الاختلاف منكم مع اعتقادكم بطلان ذلك دليل على بطلان الأصل.

حتى دخل على جماعة ممن ليس لهم قوة في العلم ولا بصيرة بوجوه النظر ومعاني الألفاظ شبه وكثير منهم رجع عن اعتقاد الحق لما اشتبه عليه الوجه في ذلك وعجز عن حل الشبه فيه (1). سمعت شيخنا أبا عبد الله أيده الله يذكر أبا الحسين الهاروني العلوي كان يعتقد الحق ويدين بالإمامة فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث، وترك المذهب ودان بغيره لما لم يتبين له وجوه المعاني فيها (2).

وقال الفيض الكاشاني في كتابه الوافي:

تراهم يختلفون (أي علماء الشيعة) في المسألة الواحدة إلى عشرين قولاً أوثلاثين قولاً أوأزيد. بل لوشئت أقول: لم تبق مسألة فرعية لم يختلفوا فيها أوفي بعض متعلقاتها (3).

وقال جعفر الشاخوري يصف اختلاف علماء الشيعة:

__________

(1) ذكر جعفر سبحاني في كتابه الرسائل الأربعة ص201:

(عندما نطالع كتابَي الوسائل والمستدرك مثلاً نرى إنه ما من باب من أبواب الفقه إلا وفيه اختلاف في رواياته. وهذا مما أدى إلى رجوع بعض ممن استبصروا عن مذهب الإمامية) / الرسائل الأربعة - الرسالة الثالثة، عرض طعان خليل الموسوي.

(2) مقدمة تهذيب الأحكام - الطوسي 1/ 2.

2 مقدمة الوافي - الفيض الكاشاني 1/ 9.

إن المقصود بالمشهور في كلمات العلماء هم العلماء القدامى كالشيخ الصدوق والمرتضى والمفيد والطوسي وابن براج وابن أبى عقيل وابن الجنيد وأمثالهم، وليس الفقهاء المعاصرين لأنه لا قيمة للشهرات أوالإجماعات المتأخرة. فلونظرنا إلى فتاوى علمائنا المعاصرين فسوف نجد أنهم كلهم خارجون عن دائرة المذهب الشيعي.

وخذ مثالاً على ذلك: فالمقارنة بين كتاب الشيخ الصدوق (الهداية) أوالشيخ المفيد في الفقه (المقنعة) وكتاب (منهاج الصالحين) للسيد الخوئي حيث ستجد أن هناك عشرات المسائل التي خالف فيها السيد الخوئي مشهور القدامى. ولوأن الشيخ الصدوق قد قدر له مطالعة كتاب المسائل المنتخبة للسيد الخوئي لأصيب بالدهشة…ولوأردنا أن نستوعب ما خالف فيه السيد الخوئي المشهور أوالإجماع لبلغ بنا الرقم إلى مئتين أوثلاثمائة فتوى. وهكذا حال الخميني والحكيم وغيرهما من المراجع.

وسوف يصدر لنا قريباً كتاب خاص عددنا فيه لأبرز مراجع الشيعة من الشيخ الصدوق، والمفيد، مروراً بالعلامة الحلي، وانتهاء بالسيد الخوئي، والسيد السيستاني وغيرهم العشرات من الفتاوى الشاذة لكل واحد منهم.

إلى أن قال:

إن مخالفة المشهور كثيرة جداً. خاصة بعدما شاعت عادة تغليف الفتاوى بالاحتياطات الوجوبية.

وذكر جملة من مخالفات المتأخرين وقال في الهامش: قد اقتصرت على عدد بسيط من الفتاوى لعدد قليل من العلماء؛ لأن استقصاء البحث فيها يحتاج إلى عدة مجلدات (1).

__________

(1) مرجعية المرحلة وغبار التغيير - جعفر الشاخوري ص135 - 138.

ومصداقه ما فعله العلامة الحلي عندما جمع اختلافات علماء الشيعة من بداية ظهور فقه الإمامية وإلى زمنه [أي إلى سنة 720 هـ] في كتاب أسماه (مختلف الشيعة). وعند تصفحنا لهذا الكتاب نجد أن فقهاء الإمامية لم يتركوا باباً من أبواب الفقه ألا وقد اختلفوا فيه بحيث يصل بهم الحال في بعض المسائل إلى أن يفتي أحدهم بالحلية، ويفتي الآخر بالحرمة. وقد قال الحلي في مقدمة كتابه: (أما بعد فأني لما وقفت على كتب أصحابنا المتقدمين ومقالات علمائنا السابقين في علم الفقه وجدت بينهم خلافاً في مسائل كثيرة متعددة ومطالب عظيمة متبددة، فأحببت إيراد تلك المسائل في دستور يحتوي على ما وصل إلينا من خلافهم في الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية).

هل تعلم أن عدد أجزاء هذا الكتاب قد بلغ عشرة مجلدات من القطع الكبير!! رغم قصر المدة الزمنية التي كتب عنها الحلي، واقتصاره على عدد قليل من العلماء! فلوقدر لشخص أن يجمع مثل هذا الكتاب اليوم ليبين فيه اختلاف علماء الشيعة منذ بداية ظهور الفقه الشيعي إلى يومنا هذا لاحتاج إلى مئات المجلدات. فإن الخروج على مذاهب الفقهاء الأقدمين ومخالفة اللاحق للسابق منهم مستمر بلا انقطاع!.

يقول جعفر الشاخوري: لوقارنا بين رسالة [الخوئي] "منهاج الصالحين" مثلاً وبين رسالة الشيخ الصدوق "المقنع" أورسالة الشيخ المفيد "المقنعة" لوجدنا الفرق شاسعاً في الفتاوى (1).

ويقول: إن المتأخرين يمرون على بعض الفتاوى التي صدرت من كبار الأعاظم من القدماء وهم يبتسمون إشفاقاً (2).

وقال محمد جواد مغنية: أحدث المتأخرون قواعد فقهية جديدة،

وعدلوا كثيراً من القواعد القديمة فنفوا أحكاماً أثبتها المتقدمون، وأثبتوا أحكاماً لم يعرفها أحد مما سبقهم، وطعموا جميع أبواب الفقه من

العبادات والمعاملات (3).

__________

(1) حركية العقل الاجتهادي لدى فقهاء الشيعة الإمامية - الشاخوري ص21.

(2) أيضاً.

(3) مع الشيعة الإمامية - محمد جواد مغنية ص90.

اختلاف إلى حد القتل

بل وصل الخلاف بين علماء (الجعفرية) إلى حد القتل - بعد أن

تعدى حدود التفسيق والتكفير! - كما صرح بذلك الخوانساري فقال: (أكثر المتأخرون التأليف. وفي مؤلفاتهم سقطات كثيرة عفا الله عنا وعنهم. وقد أدى ذلك إلى قتل جماعة منهم) (1)!!.

الاحتجاج باختلاف أهل السنة

قد يقول قائل: وعلماء أهل السنة قد اختلفوا، فلماذا التشنيع على الشيعة بما هوموجود عندكم؟!

والجواب: نعم توجد اختلافات بين علماء ومذاهب أهل السنة، ولكننا ننظر إلى الاختلاف على أنه -بشروطه- سائغ وطبيعي ومشروع تبعاً لاختلاف أنظار المجتهدين الذين يجوز عليهم الخطأ لعدم عصمتهم. فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر. وكذلك من تابعه: فالله تعالى لم يشترط على عبده أن يصيب الحق في

كل الفروع، وإنما أراد منه أن يطلبه في أصل قصده.

لكن الشيعة - في أصل مذهبهم - لا يعتبرون الاختلاف في المسائل الفقهية مقبولاً شرعاً. وقد شنعوا على أهل السنة بسبب اختلافاتهم الفقهية قائلين: إن سبب ذلك إعراضهم عن (الإمام المعصوم)، واتباعهم رجالاً غير معصومين من أمثال أبي هريرة وعائشة ومعاوية وأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل. فهجروا (العترة الطاهرة) وتركوا (مذهب أهل البيت)، ولم يدخلوا من (باب حطة) ولم يركبوا (سفينة النجاة) فغرقوا في بحر الخلافات. ولواتبعوا (مذهب أهل البيت) لتوحد فقههم، وانتفت خلافاتهم كما هوالحال عند أتباع (الفقه الجعفري) الذين اتبعوا (إماماً معصوماً) يمنعهم من الاختلاف، ويعصمهم من الخلاف. وهذا هوالأمر الذي بسببه فارقوا الآخرين، وحملوا على سواهم من المسلمين.

إذن وقوعهم في ما شنعوا بسببه على غيرهم يزري بهم دون سواهم ويجعلهم أولى بالتشنيع ويبطل دعاواهم تلك من الأساس. بل يبطل أصل دعواهم التي على أساسها فارقوا الآخرين، وفرقوا بين المسلمين.

مثالان على خلافات (المذهب الجعفري)

__________

(1) لؤلؤة البحرين - يوسف البحراني ص81.

وهذان المثالان قد وردت النصوص في الكتاب والسنة واضحة بشأنهما، فما بالك بالمسائل المبهمة النصوص؟ أوالتي لم يرد فيها نص قط؟! وقد اقتصرت على هذا العدد تجنباً للتطويل في غير طائل.

الزواج من الكتابية

قال الدكتور أحمد الوائلي: أما اليهود والنصارى ففي الزواج منهم أقوال ستة، وأبرز الأقوال:

قول بعدم الجواز مطلقاً.

قول بالجواز متعة لا دواماً، وبملك اليمين.

قول بالجواز في حالة الإضطرار وعدم وجود المسلمة.

قول بالجواز مطلقاً على كراهية.

قول بالجواز مطلقاً بدون كراهية.

ثم قال: هذا التفصيل الذي ذكرته هوعند (الأمامية). أما المذاهب الإسلامية الأخرى فقد أجمعوا على الجواز من النصرانية

واليهودية دون المجوسية (1).

ويقول محمد جواد مغنية:

اتفقت مذاهب السنة الأربعة على صحة الزواج من الكتابية، واختلف فقهاء الشيعة فيما بينهم (2).

صلاة الجمعة

لقد اختلف (الجعفرية) في صلاة الجمعة اختلافاً يصيب الرأس بالصداع! وأعجب ما شهدناه من خلاف اعتراضهم على محمد صادق الصدر حين أقام الجمعة بعدم وجود الإمام العادل. حتى إذا احتلت بغداد وصار يحكمها مباشرة الكافر الأمريكي إذا بمراجعهم يتسابقون على إقامتها بصورة لم يسبق لها مثيل!! وهذه بعض أقوالهم فيها:

يقول محمد العاملي الكاظمي: ومن أشهر الأقوال:

1 - التحريم مطلقاً.

2 - الوجوب التخيري.

3 - الوجوب التعيني.

4 - الوجوب بشرط أن يكون الأمام فقيهاً.

5 - التوقف بين الحكم بالوجوب والحكم بالحرمة.

__________

(1) فقه الجنس في قنواته المذهبية - الدكتور أحمد الوائلي ص245. وكذلك فقه الإمام الصادق - محمد جواد مغنية 5/ 201.

(2) تفسير الكاشف - محمد جواد مغنية 1/ 334.

وقد وقع الخلاف في هذه الصلاة في أن الإمام ونائبه هل هو

شرط فيها؟ أم لا؟ وهذه الأقوال هي:

القول الأول: عدم اشتراط الإمام ونائبه في وجوب الجمعة كما هو

ظاهر قول المحدثين كالكليني والصدوق.

القول الثاني: اشتراط الإمام ونائبه في وجوب الجمعة العيني

وبدونه لا تجب بل تستحب. وهذا القول منسوب لظاهر الشيخ الطوسي في النهاية.

القول الثالث: اشتراط الإمام ونائبه في انعقاد الجمعة مع حضور الإمام لا مع غيبته. وهذا القول منسوب للشهيد الثاني في كتبه، والعلامة في النهاية.

القول الرابع: اشتراط الإمام ونائبه في انعقاد الجمعة مع الإمكان. وعند تعذر الأمرين يكفي من تكاملت له صفات إمام الجماعة. وهذا القول لأبي الصلاح الحلبي.

القول الخامس: اشتراط الإمام ونائبه مطلقاً مع حضور الإمام وغيبته، وبدون ذلك تسقط الجمعة وتعين صلاة الظهر. وهذا القول منسوب للديلمي ولابن إدريس. وهومحكي عن ظاهر السيد المرتضى في بعض أجوبته على بعض المسائل، وعن العلامة في المنتهى وجهاد التحرير، والشهيد في الذكرى.

هذه أصول الأقوال والوجوه. ويتفرع عليها بعض الأقوال الأُخرى منها:

1 - القول بوجوب صلاة الجمعة تخييراً بينها وبين الظهر ابتداءاً، لكنها إذا انعقدت جامعة للشرائط تعينت.

2 - ومنها وجه وجوب صلاة الجمعة مع الفقيه على وجه التعيين، ومع غيره على وجه التخيير بينها وبين الظهر (1).

الفقيه يخالف نفسه

لقد وصل الاختلاف في (المذهب الجعفري) إلى حد أن الفقيه يخالف نفسه! بحيث تكون له في خاصته فتوى وأمام العامة فتوى أخرى مغايرة خوفاً منهم! وله في العراق فتوى وفي أمريكا أخرى مسايرة لهم!! وهكذا.

يقول محمد حسين فضل الله: أعطيكم الآن فتوتين للسيد الخوئي:

__________

(1) حقائق الأحكام في رسالات الإسلام - محمد العاملي الكاظمي ص33.

1 - من زنى بذات بعل حرمت عليه مؤبداً على الأحوط وجوباً. وعندي رسائل للسيد الخوئي بعث بها إلي يقول فيها: إذا وجدت ضرورة في تزويج من زنى بذات بعل فلا مانع أن تزوجها له بعد أن تطلق. وأنا زوجت أناساً بهذه الطريقة.

2 - الثانية: يقول: لا يجوز خروج الزوجة بغير إذنه مطلقاً على

الأحوط وجوباً حتى فيما لا ينافي حقه. وأنا عندي استفتاء للسيد الخوئي نشر في أمريكا يقول: يجوز للمرأة أن تخرج من بيت زوجها بغير إذنه إذا لم يناف ذلك حقه. لأن الخروج من بيت الرجل ليس حقاً مستقلاً، بل هومن شؤون الاستمتاع. وأنا أدري أن هناك علماء كثيرين لا يصرحون بفتواهم تحرجاً من العامة (1).

وقال الفيض الكاشاني: (إنا نجد الفرقة المحقة مختلفة في الأحكام الشرعية الختلافاً شديداً حتى يفتي الواحد منهم بالشيء ويرجع منه إلى إلى غيره، فلولم يرتفع الإثم لعمهم الفسق وشملهم الإثم) (2).

ويقول يوسف البحراني: (إنا نرى كلاً من المجتهدين والإخباريين يختلفون في آحاد المسائل. بل ربما خالف أحدهم نفسه…

وقد ذهب رئيس الإخباريين الصدوق إلى مذاهب غريبة لم يوافقه

عليها مجتهد ولا إخباري، مع أنه لم يقدح في علمه وفضله) (3).

__________

(1) المنهج الاستدلالي - محمد حسين فضل الله ص42.

(2) الحق المبين في تحقيق كيفية التفقه في الدين - الفيض الكاشاني ناقلاً كلام المحقق في كتابه معارج الأصول ص106.

(3) الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - يوسف البحراني 1/ 169.

وسئل سليمان البحراني: هل مطلق المخالف نجس أم لا؟ فأجاب: (الظاهر طهارته ما لم يكن ناصبياً (1). وقد كنت أرجح نجاسته فيما مضى من الزمان، وكتبت رسالة. والذي يقوي في نفسي الآن الطهارة وفاقاً للأكثر (2) , وإن كانوا كفاراً إذ لم يقم لنا دليل على نجاسة الكافر مطلقاً) (3).

__________

(1) أي سنياً. وكتاب يوسف البحراني (الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب) كله في إثبات أن الناصبي هوالسني.

(2) تقضي أصول الإمامية أن يقول: وفاقاً لـ (الإمام)، وليس وفاقاً للأكثر!

(3) الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب - يوسف البحراني ص241.

ويقول محمد حسين فضل الله: (إن المجتهد الذي ينطلق في فتواه من الأدلة الشرعية كالكتاب والسنة على أساس فهمه الاجتهادي فيها قد يتغير رأيه إذا تغيرت لديه المعطيات الفقهية. وذلك من خلال اكتشافه وجود الخطأ في اجتهاده…وقد رأينا بعض الفقهاء المتقدمين تختلف اجتهاداته باختلاف كتبه كما ينقل ذلك عن الشهيد الأول. كما اننا رأينا من بعض علمائنا المعاصرين المراجع وهوآية الله العظمى السيد محسن الحكيم قد تغير رأيه من الفتوى بنجاسة أهل الكتاب إلى الفتوى بطهارتهم، ومن الفتوى بانحصار المطاف في المساحة بين الكعبة ومقام إبراهيم إلى الفتوى باتساعه ما اتسع الطواف. وهكذا في كثير من آراء المراجع الاجتهادية لأن المرجع ليس معصوماً (1) …وقد حدث لنا أنا كنا بكفاية الولادة الفلكية للهلال في ثبوت أول الشهر، ولكننا عدلنا عن ذلك بالمزيد من التأمل إلى إضافة إمكان الرؤية من الناحية الفلكية لاكتشاف ذلك من بعض الدلالات القرآنية، فأصبحت الفتوى عندنا وفاقاً لأستاذنا آية الله العظمى السيد) (2).

__________

(1) ولأن المرجع ليس معصوماً فقد أوجب الشيعة على الله أن ينصب لهم إماماً معصوماً كي يحفظ الدين، ويرفع الخلاف، ويجنبهم التورط في أخطاء (المرجع)، ويغنيهم عن الحاجة إلى الرجوع إلى غير المعصوم. لكننا نراهم ينقضون دعواهم - عند أول اختبار - ويعودون إلى ما أنكروه على غيرهم، فيتحاكمون إلى المرجع غير المعصوم! ويختلفون فيما بينهم فيرجعون إلى (أستاذهم آية الله العظمى السيد)! وليس إلى الإمام المعصوم. فإذا أشكلت على أتباعهم كثرة أخطائهم قالوا: (إن المرجع ليس معصوماً)!! فأين المعصوم من هذه الأخطاء؟ لماذا لا يرجعون إليه ليصححها لهم؟!

(2) فقه الحياة - محمد حسين فضل الله ص35.

يقول الأخ الأستاذ علاء الدين البصير: (اختلف قول الخوئي في الدورة الأولى من الأصول عن الدورة الأخيرة حيث أنه قال في الدورة الأخيرة بعدم العمل بمراسيل الصدوق، بينما في الدورة الأولى صرح بجواز العمل بمراسيله. وهذا يستلزم تغييراً كبيراً في فتاوى الخوئي: فإن عدد مراسيل الصدوق في كتابه فقيه من لم يحضره الفقيه أكثر من (2050) حديثاً مرسلاً، أي قريباً من نصف الكتاب. ويستلزم أيضاً أن العمل على الفتاوى القديمة استمر لفترة طويلة من الزمن: حيث أن الدورة الأولى ظهرت في بداية حياته كمجتهد، والدورة الأخيرة ظهرت قبل وفاته وهي الثامنة والعشرون) (1).

ويقول محمد مغنية: (وقع الاختلاف في بيع الوقف على وجه لم نعثر على نظيره في مسألة من مسائل الوقف إطلاقاً: فهم بين مانع من بيع الوقف إطلاقاً، ومجيز له في بعض الموارد، ومتوقف عن الحكم. بل تعددت الأقوال حتى انفرد كل فقيه بقول. بل خالف الفقيه الواحد نفسه بنفسه في كتاب واحد: فذهب في باب البيع إلى غير ما قاله في باب الوقف. وربما ناقض قوله في كلام واحد فقال في صدره

ما يخالف عجزه. ثم أنهى صاحب الجواهر الأقوال إلى (12) قولاً) (2). وقال أيضاً: (قال صاحب المدارك: اختلف الأصحاب في عرق الجنب من الحرام: فذهب جماعة إلى نجاسته، وعامة المتأخرين قالوا بالطهارة، وقال السيد الحكيم في المستمسك: المنسوب إلى أكثر المتأخرين الطهارة، بل عن الحلي الإجماع عليها، وان من قال بالنجاسة في كتاب رجع عنها في كتاب آخر) (3).

وقال: (قال صاحب مفتاح الكرامة: اختلف الفقهاء في مسألة القراءة خلف الإمام في الركعة الثالثة من المغرب والأخيرتين من العشاء والظهرين اختلافاً شديداً حتى إن الفقيه الواحد اختلف مع نفسه) (4).

__________

(1) الشهادة الثالثة في الأذان - علاء الدين البصير /مخطوط.

(2) فقه الإمام جعفر الصادق - محمد جواد مغنية 5/ 73.

(3) أيضاً 1/ 30.

(4) أيضاً 1/ 239.

وقال عباس الرضوي: (كان الخميني يفتي بحرمة أكل السمك الذي ينتج الكافيار لأنه ليس هناك قشور على جسمه. ولكن بعد ذلك غير فتواه إلى الحلية. وكان الخميني يفتي بحرمة لعب الشطرنج ولكنه غير فتواه إلى الحلية) (1).

الفقه (الجعفري) يفجر الخلافات داخل البيت الواحد

كان لهذه الخلافات الشديدة بين فقهاء (المذهب الجعفري) لها انعكاسات سيئة على الواقع في المجتمع الشيعي تعدت المساجد والحوزات وأروقة الحكم وبقية العناوين الاجتماعية، وتسللت إلى أفراد الأسرة الواحدة. فقد يقلد الوالد مرجعاً ويقلد أولاده مرجعاً آخر. أويقلد بعض الأخوة مرجعاً غير المرجع الذي يقلده البعض الآخر. وقد يختلف الزوجان في مرجعية التقليد! وهذا كله يضفي بظلاله على الجميع. وهناك أمور لا تكون إلا مشتركة، ولكنها لا تقبل في طبيعتها التعارض! وهنا تتعقد الأمور وتحدث المشاكل. لا أقول هذا استنتاجاً أواتهاماً من عندياتي، بل هذا واقع يعيشه الشيعة اشتكوا منه إلى علماؤهم!

يقول محمد حسين فضل الله: (إن تعدد المرجعيات قد يخلق لنا

مشاكل وتمزقات في داخل الواقع الإسلامي، سواء كان ذلك على مستوى تعدد النظريات الفقهية التي تلزم الزوج برأي مرجع وتلزم الزوجة برأي مرجع آخر، ويحصل التنافر حتى داخل البيت الواحد، أوفي طبيعة الاتجاهات العامة في هذا الموقع أوذاك الموقع) (2).

سئل محمد صادق الصدر: فتاة بالغة رشيدة تقلد (س) من العلماء يجيز زواجها من الكفودون إذن الولي، ووالد الفتاة يقلد (ص) من العلماء لا يجيز ذلك إلا بإذن الولي. فما هوموقف الفتاة من ناحية الشرع أوناحية تقليدها؟ وما هوتكليف الأب من ناحية تقليده؟ فأجاب (قده):

بسمه تعالى: تستطيع أن تتزوج من الكفوبدون إذن والدها إذا كان تقليدها حجة (3).

__________

(1) آراء في المرجعية الشيعية - عباس الرضوي ص299.

(2) المعالم الجديدة للمرجعية الشيعية - محمد حسين فضل الله ص117.

(3) مسائل وردود - 4/ 42 - مسألة (184).

ولا ندري ما هوجواب الفقيه عن أب في مجتمعاتنا المحافظة

يبحث عن ابنته التي تغيبت عن البيت منذ عدة أيام، فيجدها تسكن في بيت لرجل يدعي أنه تزوجها على مذهب فقيه آخر، فقام بقتله وقتلها؟ ولا ما هوموقف أب من ابنته وقد تزوجت رجلاً دون علمه؟!

وسئل قده أيضاً: إذا كان الشخص مقلداً لمجتهد يجوز نكاح الدبر بالنسبة للزوجة، وزوجته تقلد مجتهداً لا يجوز ذلك، وطلب من زوجته ذلك الشيء فما هوتكليف الزوجة في هذه الحالة؟ فأجاب: بسمه تعالى: إذا كان تقليدها بحجة شرعية وجب عليها الرفض ولا تكون ناشزاً (1).

اختلاف في العقيدة

والعجيب أن الاختلافات بين علماء (الجعفرية) لم تقتصر على الفروع الفقهية، بل تجاوزتها إلى العقيدة أصولاً وفروعاً!

ولسنا في مجال البحث في هذا الأمر؛ لأن موضوعنا المسائل

الفقهية (العملية). ولكن نشير إليه إشارة ولوعابرة عسى أن تحدث هذه الأمور بعضها إلى بعض رجة في العقول كي تعيد حساباتها في أمور مغلوطة أمست عندها من المسلمات.

لقد كتب (الصدوق) كتاباً في عقائد الشيعة عرف بـ (اعتقاد الصدوق). لم يمر على الكتاب فترة طويلة حتى جاء تلميذه (المفيد) وكتب كتابه (تصحيح الاعتقاد) في الرد على شيخه في كتابه المذكور، ويحمل فيه عليه حملات منكرة! واصفاً إياه بالجهل بالأخبار تارة وبمذاهب الاعتقادات تارة، وبعدم العلم في مسائل أخرى! من ذلك قوله: (وما كان ينبغي لمن لا معرفة له بحقائق الأمور أن يتكلم فيها على خبط عشواء. والذي صرح به أبوجعفر في معنى الروح والنفس هوقول التناسخية بعينه من غير أن يعلم أنه قولهم، فالجناية بذلك على نفسه وعلى غيره عظيمة).

وقال في موضع آخر: (والذي حكاه وتوهمه هومذهب كثير من

الفلاسفة الملحدين).

__________

(1) أيضاً -4/ 41 - مسألة (175).

ولم ينته اختلاف (الجعفرية) في العقيدة عند هذا الحد! فما إن جاء الشريف المرتضى حتى شمر عن ساعد الرد ليخالف شيخه المفيد في (95) مسألة في العقيدة! (1) وهورقم كبير جداً، لا سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار دعوى القوم بالرجوع إلى المعصوم!!

ولنا هنا أن نسأل: على أي مذهب كان اعتقاد الإمام جعفر الصادق (ر)؟ هل كان الصادق على مذهب الصدوق؟ أم كان الصدوق على مذهب الصادق؟ أم كان على مذهب المفيد؟ أم على مذهب الشريف؟! ومن من هؤلاء كان على مذهب جعفر؟ ومن على مذهب من؟!!

وإذا لم يكن الشيعة في اعتقادهم (جعفرية)، ففي أي شيء هم على مذهب جعفر؟ وعلى أي أساس اعتمدوا في تسمية أنفسهم بهذا الاسم؟!

ولم ينته الخلاف عند هذا الحد - وما كان له أن ينتهي! - بل الخلاف مستعر ومستمر بحيث صار ذلك سمة وطابعاً لا إنكار فيه حتى قال محمد حسين فضل الله: (إننا نعتقد أن حركة الاجتهاد الشيعي لا بد أن تواجه مسألة التفاصيل العقيدية بنفس القوة والدرجة التي واجهت بها مسألة التفاصيل الشرعية في فروع الأحكام) (2). بل قال: (إن كتب الاعتقاد المؤلفة من قبل علماء المسلمين الشيعة لا تمثل الفكرة النهائية الحاسمة في اعتقادات الشيعة، لأنها انطلقت من اجتهادات هؤلاء العلماء في فهم القواعد والنصوص التي يحفل بها التراث الشيعي) (3)!!.

لواطلع عوام الشيعة على الحقيقة

__________

(1) مرجعية المرحلة - جعفر الشاخوري ص127

(2) مجلة الفكر الجديد - مقالة لمحمد حسين فضل الله.

(3) المصدر نفسه.

الغريب في كل هذا أن هذا البحر من الخلافات الذي لا ساحل له، والذي يكاد يبتلع علماءهم لا يعرف عنه عامة الشيعة شيئاً، بل يسبحون بعيداً عنه في سواقي الأوهام اللذيذة، وترع الأفكار المجنحة الجميلة، وهم يتصورون - بكل ما في أذهانهم من قوة على تصديق الوهم - أن مذهبهم في الفقه وفي العقيدة واحد، وأنه لا وجود للخلاف بين علمائهم لأنهم من أتباع مذهب الإمام جعفر الصادق!! بينما غيرهم مذاهب مختلفة، ومشارب متعددة!!

ولا أدري مدى الصدمة التي بها سيصابون! لواطلعوا على هذه الخلافات وتيقنوا من أنهم كانوا في وهم يسبحون؟ ولا ماذا سوف يفعلون؟!

سفينة النجاة .. أي سفينة هي؟!

ولك بعد هذه الجولة الطويلة أن تأخذ نفساً طويلاً وتتمدد لتأخذ

قسطاً من الراحة. وإن شئت أن تضحك بملئ فيك وأنت تقرأ هذه العبارات الرنانة الطنانة:

جلس أحدهم في برجه العاجي وتمطى متثائباً فإذا به يقول دون أن يضع يده على فمه: (وبهذا تتضح أهمية حديث الثقلين، وقيمة إرجاع الأمة إلى أهل البيت "ع" فيه لأخذ الأحكام عنهم، كما تتضح أسرار تأكيده على الاقتداء بهم وجعلهم سفن (النجاة) و(أماناً للأمة) أخرى و(باب حطة) ثالثة وهكذا) (1).

وقال ثانٍ: (ولذا نعتقد أن الأحكام الشرعية الإلهية لا تستقى إلا من نمير مائهم. ولا يصح أخذها إلا منهم. ولا تفرغ ذمة المكلف بالرجوع إلى غيرهم. ولا يطمئن بينه وبين الله إلى أنه قد أدى ما عليه من التكاليف المفروضة إلا من طريقهم. إنهم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق في هذا البحر المائج الزاخر بأمواج الشبه والضلالات) (2).

__________

(1) أصول الفقه المقارن - محمد تقي الحكيم ص174.

(2) عقائد الشيعة - محمد رضا المظفر ص48.

وثالث!!: (إن أهل البيت هم سفن النجاة من كل هلكة، وأمانها من الاختلاف في الدين، وباب حطتها، وأعلام هدايتها: ما خالفتها قبيلة من العرب إلا اختلفوا فصاروا حزب إبليس) (1).

ولم يقل لنا الراوي: هل هذا الحكم (اختلفوا فصاروا من حزب إبليس) ينطبق على جميع المختلفين؟ أم هناك (حصانة) فقهية للبعض دون البعض الآخر؟! وإذا أردنا أن نحكم بالعدل ونطبق القانون على جميع (القبائل) بالتساوي - عربية كانت أم أعجمية فلا فضل لأعجمي على عربي إلا بالتقوى - فأي القبائل أولى بالصيرورة من حزب إبليس؟! وقدماً قال العرب: إذا كان بيتك من زجاج فلا ترم بالحجر على الآخرين. ولكن يظهر أن الأمر كما روى سيدنا الحسن بن علي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)!!

وأي سفينة نركب؟!

وبعد! فلوأردنا يوماً أن نركب (السفينة)، لننجومن الغرق في بحر خلافات مذاهب أهل السنة فهل نركب سفينة الإخباريين أم سفينة الأصوليين؟ بل في أي سفينة من سفن الإخباريين؟ أوسفن الأصوليين؟ فإن كل فريق سفن كثيرة لا تحصى! على كل سفينة داعٍ يدعوإليها من استجاب له قذفه فيها وهوينادي ويقول: هنا سفينة النجاة، وأمان الأمة، وباب حطة! من هنا الوصول إلى شاطئ السلامة! وبر الأمان!!

__________

(1) محاورة عقائدية مع الدكتور علي أحمد السالوس في كتابه فقه الشيعة الإمامية - أمير محمد الكاظمي ص173.

فسفينة من منهم نركب؟! أسفينة الصدوق؟ أم سفينة المفيد؟ أم سفينة المرتضى؟ أم سفينة الطوسي؟ …أم سفينة الخوئي؟ أم سفينة الخالصي؟ أم سفينة كاشف الغطاء؟ أم سفينة السيستاني؟ أم سفينة البروجردي؟ أم سفينة الخميني؟ أم سفينة شريعتمداري؟ أم سفينة موسى الموسوي؟ أم سفينة أحمد الكاتب؟ أم سفينة خامنئي والمحافظين؟ أم سفينة الخاتمي والإصلاحيين؟ أم سفينة محمد حسين فضل الله؟ أم سفينة حسن نصر الله؟ أم سفينة صبحي الطفيلي؟ أم سفينة الحكيم؟ فأي حكيم منهم؟! أم سفينة الصدر؟ فأي صدر منهم؟! أم سفينة (الحوزة الصامتة)؟ أم سفينة (الحوزة الناطقة)؟! أم سفينة بحر العلوم؟ فأي بحر منهم؟! والبحر عريض طويل، والسفن كثيرة مزدحمة! وهي تتكاثر وتزداد بتعاقب الزمن. كلما غرقت سفينة أعقبت سفناً أصحابها كل منهم يدعي (الأعلمية) والمرجعية!

إن هذا الاختلاف الذي لا يحصى يثبت قطعاً أن أصحابه لا يصدرون عن مذهب واحد، فهم ليسوا على مذهب جعفر الصادق. فنسبة فقههم إليه باطل لا أساس له.

عبارة (قول الإمامية) في كتب الفقه وأصوله عند أهل السنة

شاع أخيراً في كتب الفقه وأصوله لدى أهل السنة أن يستعرضوا أقوال المذاهب المعتبرة فيوردون قولاً لمالك وقولاً أوقولين أوأكثر لأحمد، وآخر للشافعي…وهلم جرا! ثم يتبعونها بعبارة (قول الإمامية) ما يولد انطباعاً لدى القارئ أن الإمامية في الفقه مذهب واحد، ولهم على كل مسألة قول واحد، بينما أهل السنة مختلفون. وهذا - كما ثبت لنا آنفاً بالدليل الجلي - مغاير للحقيقة والواقع.

وأنا لا أدري ما الذي يحمل فقهاءنا - سامحهم الله - على تثبيت هذه الأسطورة؟! وإشاعة هذه الأكذوبة؟!!

هل إنهم لا يعرفون حقيقة الأمر؟ هذا بعيد.

أم إنهم يعرفون لكن يتساهلون؟ فهل يصح هذا في شرع الله؟.

حدثني الأخ الأستاذ علاء الدين البصير فقال: زارني أحد هؤلاء الفقهاء الأجلاء فقلت له: أنت تعلم أن الإمامية مختلفون في آرائهم الفقهية؟ قال: نعم. قلت: فعلام تخالف هذا في كتبك، ولا تذكر للإمامية إلا قولاً واحداً؟ فكان جوابه: هذا شيء اعتدنا عليه!!

عدم الأخذ بفقه (إمام الزمان) .. لماذا؟!

ثم إن الإمامية يعتقدون أنه لا بد من المعصوم في كل زمان، وأنه لا يغني معصوم عن آخر ولذلك لم تنقطع العصمة بموت النبي - صلى الله عليه وسلم - لاحتياج الخلق دائماً وأبداً إلى معصوم يخلفه.

أليس هذا يوجب على الإمامية أن يأخذوا بفقه إمام زمانهم دون سواه. وإمام الزمان- حسب اعتقادهم - هوالمهدي. فأين هوفقه المهدي؟ بل أين فقه الحسن أبيه؟ أوفقه علي الرضا؟ أوأبيه موسى؟ وأين فقه بقية (الإئمة)؟ لماذا توقفوا عند فقه جعفر دون سواه؟! أليس بموت جعفر يجب الانتقال إلى الإمام الذي يليه والأخذ بقوله؟. فإن كان فقه جعفر يغني عن فقه الذي بعده فما وجه الحاجة إلى (إمام) من بعده؟ وإن كان لا يغني فعلام التوقف عنده؟ وما هذا الاهتمام به دون سواه؟ إلى حد أنه لا يوجد عندهم من أقوال لأي (إمام)

بعده (بل ولا قبله) ما يمكن أن يشكل مذهباً!

لقد عاش الكليني في فترة مقاربة لحياة الحسن العسكري، وفي

موطن واحد معه تقريباً (بغداد وسامراء)، لكنه لم يسجل له في كتابه (الكافي) - الذي حوى ثماني مجلدات من الروايات المنسوبة في غالبها إلى جعفر - سوى بضع روايات قد لا تصل إلى عدد أصابع اليدين! وإنما ذهب إلى جعفر الذي يفصل بينه وبينه مسافة طويلة من الزمان والمكان!!

أما من حيث الزمان فإن بينهما حوالي مئتي عام! وأما من حيث المكان فإن جعفر عاش في المدينة والكليني عاش في بغداد. فلماذا يترك الأقرب زماناً ومكاناً إلى الأبعد؟!

أما كان الأولى - بل الأوجب - أن يجمع آثار الحسن العسكري وهوقريب منه جداً؟ بل الواجب أن يجمع أقوال (المهدي) ولوبواسطة سفرائه وقد عاصرهم.

فلماذا ترك الكليني ستة (أئمة) على التوالي ليروي عن الإمام السابع قبلهم؟! ولماذا يترك خمسة (أئمة) من قبل ليروي عن (الإمام) السادس بعدهم؟!

ما وجه الحاجة إلى استمرار (الإمامة)؟

إن كان اتِّباع أقوال واحد من الأئمة يكفي شرعاً عن غيره، فما سر تعدد الأئمة؟ وما وجه الحاجة إلى استمرارهم؟

إن فقه أول واحد منهم يغني عن سواه فلا حاجة إلى من بعده. فلماذا لم يسجل الإمامية فقه علي - رضي الله عنه - (الإمام) الأول؟ هل ضاع فقهه مثلاً كما ضاع فقه من تلاه سوى جعفر لذلك صاروا جعفرية؟ فهل حفظ

فقه جعفر هوالسبب في عدم الاهتمام بحفظ فقه من بعده؟

فتكون النتيجة أنه لوحفظ فقه علي لما كان من حاجة لحفظ فقه

جعفر. أي أن الإمامة إمامة فقه فلوحفظ فقه الإمام الأول لما كان من داع لإمامة غيره. فعلام استمرت (الإمامة) بعد جعفر وقد حفظ فقهه؟!

عصر الأئمة

إن العصر الذي عاش فيه جعفر كان عصر أئمة الفقه، وتكوُّن المذاهب الفقهية التي بدأت في زمان جعفر أوقبله بقليل، وانتهت بعده بقليل. فكان مذهب أبي حنيفة ومالك وزيد - وقد عاصروا جعفر - ومذهب الشافعي وأحمد - وقد جاءا بعدهم بجيل - ثم انتهت المذاهب الفقهية المستقلة. فكان في ذلك الزمان الإمام أبوحنيفة ومالك وزيد وجعفر والشافعي وأحمد.

فكان بروز جعفر كإمام من أئمة الفقه أمراً يتناسب وطبيعة العصر. لا لأنه إمام معصوم. ولكن لأنه إمام فقه. فلا حاجة لإمام فقه من بعده مستقل لأتباعه. مثله مثل زيد وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.

وهذا هوالذي يفسر لماذا التركيز على جعفر. ثم على والده محمد من قبل. لأن والده أدرك عصر بداية تكوّن المذاهب. الذي بلغ أوجه في زمن ابنه جعفر.

ولذلك لم تسجل أقوال علي بن الحسين جد جعفر. كما لم تسجل أقوال أي فقيه من الفقهاء على أنه إمام مذهب. لأن المذاهب الفقهية لم تكن بدأت بالظهور آنذاك.

وللسبب نفسه لم تعد هناك حاجة إلى الاهتمام بتدوين فقه من

جاء من بعد جعفر. فلا داعي لتهويل الأمور، وتحميلها فوق ما تحتمل.

ضياع فقه جعفر لدى أهل السنة والشيعة

لقد كثر الكذب على جعفر؛ لهذا تحاشى العلماء الأمناء كثرة الرواية عنه؛ فضاع فقهه! وما موجود بين أيدينا اليوم مما يوثق به عنه نتف متفرقة لا تشكل مذهباً. وما سواها غالبه أكاذيب نسبت إليه تحاشتها الكتب الموثوقة (1)

__________

(1) حضرت سنة 2002 مناقشة رسالة دكتوراة في كلية العلوم الإسلامية لطالب شيعي من الناصرية اسمه محسن [لم أعد أذكر اسم أبيه]. عنوان الرسالة: (الإمام جعفر الصادق وجهوده في التفسير). لقد أورد الطالب (360) رواية هي جميع ما استطاع جمعه وحشده من روايات في مصادر الشيعة عن جعفر في التفسير - وقد كان مصراً على عدم الاستشهاد بغير مصادر الشيعة رغم توجيه الأستاذ المشرف وهوالدكتور محسن عبد الحميد كما جاء على لسانه أثناء المناقشة - لم يستطع - وعلى قواعد الإمامية في الحديث - أن يثبت صحة سند سوى (11) رواية منها! فكانت رسالته عبارة عن مهزلة أساء بها إلى جعفر الصادق نفسه؛ فإن عالماً تدّعى له الإمامة في التفسير، ثم لا يكون لهذه الدعوى من دليل سوى أحد عشر قولاً لا تكفي لتفسير سورة واحدة من القرآن، تصبح هذه الدعوى على هذه الصورة منقصة له! وحتى على افتراض صحة جميع هذه الروايات فإنها تبقى عاجزة عن تغطية جزء واحد من القرآن العظيم! فكيف والشيعة يدّعون عدم جواز فهم القرآن إلا من خلال أقوال الإمام، ولم نجد له إلا هذا العدد البائس من الأقوال!! حتى قال له الأستاذ الدكتور حامد عبد الستار الدباغ رئيس لجنة المناقشة: حقاً لقد أسأت إلى الإمام جعفر الصادق! ولم يستطع الدكتور عبد العظيم البكاء أن يدافع عنه، أويعتذر له مع محاولته الجادة لذلك. = = وأخيراً اضطرت لجنة المناقشة محرجة إلى رد الرسالة رغم أن هناك توصية من جهة عليا بقبولها.

.

وقد روت كتب الإمامية هذه الحقيقة البائسة! فقد روى الكشي عن جعفر الصادق أنه قال: (إنا أهل بيت صادقون لا نخلومن كذاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس) (1).

وقال: (إن الناس أولعوا بالكذب علينا) (2).

وقال: (كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي ويأخذ كتب أصحابه. وكان أصحابه المتسترون بأصحاب أبي يدفعونها إلى المغيرة فكان يدس فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي، ثم يدفعونها إلى أصحابه فيأمروهم أن يبثوها في الشيعة. فكل ما كان في كتب أبي من الغلوفذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم) (3).

يقول الغريفي: (إن كثيراً من الأحاديث لم تصدر عن الأئمة، وإنما وضعها رجال كذابون ونسبوها إليهم: إما بالدس في كتب أصحابهم، أوبغيره. وبالطبع لا بد وأن يكونوا قد وضعوا لها أولأكثرها إسناداً صحيحاً كي تقبل حسبما فرضته عملية الدس والتدليس) (4).

وقال محمد حسين فضل الله: (إن هناك فوضى أحاطت بالأحاديث الواردة عن الأئمة من وضاع الحديث الذين كانوا لا يكتفون بنقل الأحاديث الموضوعة بشكل مباشر، بل كانوا يدسونها في كتب أصحاب الأئمة الموثوقين كزرارة ومحمد بن مسلم وأمثالهما ليدخل الحديث الموضوع إلى الذهنية الإسلامية العامة من خلال هؤلاء الثقاة الذين لا يدخل الريب إلى ما ينقلونه عن الأئمة انطلاقاً من وثاقتهم) (5).

__________

(1) رجال الكشي ص108.

(2) أيضاً ص347.

(3) حركية العقل الاجتهادي - جعفر الشاخوري ص186.

(4) قواعد التحديث - الغريفي ص135.

(5) مجلة الفكر الجديد - مقالة لمحمد حسين فضل الله ص8.


الاصولية والاخبارية بين الاسماء والواقع

لسماحة المرجع الديني الكبير

السيد محمد سيعد الطباطبائي الحكيم (دام ظله)

بِسم الله الرّحمن الرَّحيم

سماحة السيد الجليل آية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (دامت افاضاته).

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

لا زال بعض المؤمنين يرى في الأخبارية منهجاً فكرياً أصيلاً ومغايراً عن المنهجية الأُصولية، ويقول: "إنه لا يمتلك القناعة والحجة التامة بينه وبين الله عز ّوجلّ في سلامة وحجية الاستنباط الأُصولي".

ويفند رأي أحد الفقهاء العظام:

"الأُصولية المعاصرة أُصولية نظرية فقط، ولكنها عملياً تتفق مع الخط الأخباري".

مدعياً أن هذا القول يفتقد الدقة العلمية، فهناك قضايا لا يعتمد فيها على الكتاب والسنة، كمسألة الأعلمية، وتقليد الميت ابتداءً.

ويرى طرف آخر:

"أن مسألة العقل والإجماع قبرت منذ زمن الشيخ الأنصاري (قدس سره) (1) ولا توجد مسائل عملية يتوقف عليها إلا نادراً".

سماحة السيد .. أمام هذا العرض نفتقد إلى الكلمة العلمية الدقيقة المبينة للمنهجية العلمية والقناعة الذاتية، نرجوإفادتنا بإسهاب حول ذلك.

عبد الرضا ـ البحرين

ـــــــــــــــــــــ

(1) الشيخ مرتضى بن محمد أمين الأنصاري (1214هـ ـ 1281هـ)، ينتهي نسبه إلى الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري. شيخ مشايخ الإمامية، انتهت إلية رئاسة الإمامية بعد مشايخنا الماضين وهوبها حقيق، إذا لا يباريه أحد في التقي وكثرة الصلاة والصلات، والعلم أصولاً وفروعاً، والعمل وحسن الأخلاق ... (أعيان الشيعة 10: 118).

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين. ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

وبعد .. فإن الوصول للحقيقة في هذه المسألة يفرض على الباحث أن ينظر في أعماق المشكلة بموضوعية وانفتاح وتحرر وتجرد عن التراكمات والمضاعفات التي أفرزتها الخلافات والمنافرات في هذه المدة الطويلة.

ونحن ـ في الوقت الذي كان يحزّ في نفوسنا ـ ككثير من المخلصين ـ هذا الانقسام والتحزب بين أبناء هذه الطائفة ـ قد حاولنا جاهدين معرفة الحقيقة، والبحث عن واقع هذا الخلاف

منذ أمد بعيد، يزيد عن أربعين عاماً، سواءً كان ذلك بالرجوع للبحوث التي حامت حول الخلاف المذكور، أم للبحوث الأُصولية والفقهية التي قام بها من يحسب على كل من الطرفين، أم بالاستماع إلى وجهات النظر المختلفة مِمَّن هم معنيون بالأمر، أم بالحوار الصريح مع مَن لهم إلمام بالمشكلة وإحاطة بها من ذوي المقام الرفيع في العلم والتقوى والعمق والحكمة. ونخص منهم بالذكر المرحوم المقدس المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين (قدس سره) (1).

وقد حصلت لنا من جميع ذلك قناعة ذاتية حول الموضوع نرجوأن نكون قد وفقنا فيها، وستتضح معالمها وشواهدها في هذا الحديث الذي رغبتم إلينا في الدخول فيه من أجل الوصول للحقيقة.

ونتيجة لهذه القناعة لا يهمنا الدفاع عن منهجية خاصة نسميها بالمنهجية الأُصولية أومنهجية المجتهدين، ولا عن منهجية خاصة نسميها بالمنهجية الأخبارية أومنهجية

ـــــــــــــــــــــ

(1) الشيخ محمد أمين زين الدين (1333 ـ 1319 هـ. ق)، عالم جليل، وكاتب فاضل، ومؤلف فذ، ومتتبع عبقري، وباحث إسلامي. أخذ الأوليات في البصرة ... تتلمذ على الشيخ ضياء الدين العراقي والشيخ محمد حسين الأصفهاني والسيد حسين البادكوبي وتصدى للتدريس والتأليف وأصبح ممن يُشار إليه في التأليف والكتابة والنظم والتقوى والأخلاق وحسن السيرة ... (معجم رجال الفكر والأدب 2:650).

المحدِّثين، ولا التفنيد لإحدى المنهجيتين بخصوصيتها، ولا إرجاع إحدى المنهجيتين للأُخرى في محاولة للتوفيق بينهما.

كل ذلك لعدم وضوح معيار كلٍّ من المنهجيتين، وعدم تحديد ركائز كل منهما وفوارقهما.

فإن ما يذكر من وجه الفرق بينهما لا يصلح فارقاً، فضلاً عن أن يوجب الانقسام وامتياز كل من الطرفين عن الآخر، وما استتبع ذلك من فُرقة وتنافر.

لأنها بين خلافات لفظية لا حقيقة لها، وخلافات فقهية أوأُصولية بين جميع العلماء على اختلاف مناهجهم، من دون أن تمتاز به إحدى الفئتين عن الأُخرى، كما أوضح ذلك غير واحد.

وقد استوفى الكلام فيه المحقق البحراني (قدس سره) (1) في المقدمة الثانية عشرة من مقدمة كتابه الجليل (الحدائق الناضرة) (2)، وفي الدرة الثامنة والأربعين من كتابه (الدرر النجفية).

ـــــــــــــــــــــ

(1) قال في منتهى المقال: "يوسف بن احمد بن ابراهيم ... الدرازي البحراني، عالم، فاضل، متبحر، ماهر، محدث، ورع، عابد، صدوق، ديِّن، من أجلة مشايخنا المعاصرين وأفاضل علمائنا المتبحرين ... توفي في شهر ربيع الأول سنة1186 هـ".

انظر منتهى المقال 7: 74، أعيان الشيعة 10: 317.

(2) الحدائق الناضرة 1: 167.

* * * * *

بل إن التباس معالم الخلاف وركائزه يمنعنا من نسبة كثير من علمائنا الأعلام (قدس سرهم) إلى إحدى المنهجيتين بعد عدم تصريحه بالانتماء لواحدة منها.

كما ربما يوجب ذلك التباس الحال في بعضهم، فتختلف نسبته باختلاف الناسبين له، كشيخ الطائفة الطوسي (قدس سره) (1)، حيث عدّه في المقدمة الثانية عشرة من مقدمات كتاب الحدائق من أساطين المجتهدين (2)، وعدّه بعضهم من الأخباريين.

وكالمجلسي (قدس سره) (3)، حيث عرف عنه أنه من الأخباريين، وعدّه في الفائدة الثانية من كتاب (الحدائق) من متأخري المجتهدين (4).

ـــــــــــــــــــــ

(1) محمد بن الحسن بن علي الطوسي (460 هـ)، شيخ الإمامية، ورئيس الطائفة، جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة، عين، صدوق، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب وجميع الفضائل تنسب إليه، صنف في كل فنون الإسلام، وهوالمهذب للعقائد في الأصول والفروع، والجامع لكمالات النفس في العلم والعمل. (الخلاصة: 148).

(2) الحدائق الناضرة 1: 168.

(3) محمد باقر بن محمد تقي المجلسي (1027 هـ/ 1110 هـ) عالم، فاضل، ماهر، محقق، علامة، فهامة، فقيه، متكلم، محدث، ثقة ثقة، جامع للمحاسن والفضائل، جليل القدر، عظيم الشأن ... له مؤلفات كثيرة مفيدة، منها: بحار الأنوار في أخبار الأئمة الأطهار .. (امل الآمل 2: 248)

(4) الحدائق الناضرة 1: 15.

وكصاحب الحدائق نفسه الذي اشتهر عنه أنه من الأخباريين، مع أن كلامه في الكتابين المتقدمين صريح في عدم الفرق بين الفئتين ... إلى غير ذلك مّما يجعلنا على قناعة تامَّة بعدم وضوح معالم الخلاف وركائزه أولاً، ثم بعدم الجدوى في تحديد كلٍّ من المنهجيتين وتمييزها عن الأُخرى، لننظر بعد ذلك في ما هوالحقيق بالقبول أوالرفض منهما، أونحاول التقريب بينهما.

* * * * *

وفي الحقيقة فإن تحديد إحدى المنهجيتين وتمييزها عن الأُخرى ـ بعد كل ذلك ـ لا يخرج عن أن يكون تحديداً للاصطلاح. وقد شاع بين أهل المعرفة: أنه لا مشاحة في الاصطلاح.

ولا سيما وأن هذا الاصطلاح ..

أولاً: قد أضرَّ بوحدة الطائفة الحقة، وجرّ عليها محنة التفرق، والانشقاق، والتهريج، والتشنيع المتبادل، بنحوقد يصل حدَّ الإغراق المأساوي، خصوصاً في المناطق التي تجمع بين الفئتين وتتعرض للاحتكاك بينهما.

مع أن الطائفة في غنىً عن ذلك كله بعد وحدتها تحت راية أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم سفن النجاة، وحبل الله المتين، وصراطه المستقيم.

وثانياً: أن الانشقاق بطبعه يجرّ للتعصب، الذي قد يمنع من مصداقيَّة الرؤية، ويحول دون الوصول للحقيقة، لأن من شأنه أن يضفي على ركائز الخلاف المفروضة قدسيَّة، ويحيطها بهالة من الاحترام، قد يفقد بها الباحث الموضوعية في البحث.

بل قد لا يستطيع حتى التعديل فيها والتحوير لها لواقتضته الأدلة، فتفرض نفسها بسبب التعصب المذكور، والقناعات المسبقة، ويتم التمسك بها، والجمود عليها، والدفاع عنها بصورتها التي أطلقت بها، وبذلك تضيع الحقيقة على طالبها.

* * * * *

وقد يشهد بما ذكرنا أن الفرق العلمي بين الأخباريين والأُصوليين أقل بكثير من الفرق بين الانفتاحيين ـ الذين يرون وجود الحجج الكافية على الأحكام الشرعية العملية ـ والانسداديين ـ الذين يمنعون من ذلك، ويضطرون للبناء على حجية الظن المطلق من دون خصوصية للأخبار.

لكن الخلاف المذكور ـ بين الانفتاحيين والانسداديين ـ لمّا لم يحمل مصطلحات وحدوداً طائفية بقي خلافاً علمياً محضاً، وكان البحث فيه موضوعياً صرفاً، واختلفت وجهات النظر بين الأعلام من الطرفين في مراتب الانسداد والانفتاح، وفي الثمرات المترتبة عليهما، وبقي الكل تحت وحدة جامعة، وهي فقه أهل البيت (عليهم السلام)، لا يفرق بينهم اختلاف مناهجهم، ولا يرى بعضهم عدم براءة الذمة في أحد المناهج، بل بقيت ضوابط التقليد العامة نافذة على الطرفين، مع تبادل حسن الظن، بل التقديس والتعظيم والتبجيل.

حتى ذكروا أن المحقق القمي (قدس سره) (1)، الذي هوانسدادي المنهج، كان في النجف الأشرف والناس في دور الفحص عمن يقلّدون بعد المرجع الشهير الشيخ كاشف الغطاء الكبير (قدس سره) (2)، فطلبوا منه أن يرتاد لهم، ويتحرى عن الأعلم من بين العلماء الموجودين في النجف الأشرف آنذاك، وبعد أن استكمل الفحص أرجع لولده المرحوم الشيخ موسى كاشف الغطاء (قدس سره) (3).

* * * * *

وكذا الحال في الخلاف بين المشهور ـ الذين لا يتشددون في السند، ويرون انجبار الخبر الضعيف بعمل الأصحاب، ووهن الخبر الصحيح بإعراضهم ـ ومثل المرحوم المقدس الأردبيلي (قدس سره) (4)، وتلميذيه صاحبي المدارك (5) والمعالم (6)، والسيد الخوئي (قدس سرهم) (7) ومن جرى على منهجهم ممّن لا يرون ذلك، ويتشددون في أمر السند.

لكن الخلاف المذكور لم يوجب انحيازاً بين المنهجين، وبقي الناس على موازينهم العامة في التقليد، حتى أن المرحوم السيد الخوئي (قدس سره) كان يصرح بجواز البقاء على تقليد سيدنا الجد السيد الحكيم (قدس سره) (8) ـ مع أنه كان على منهج المشهور مخالفاً لمنهجه ـ في موارد احتياطاته الوجوبية، بل مطلقاً في حق من لم يثبت عنده أن السيد الخوئي أعلم من السيد الحكيم.

كل ذلك من أجل مراعاة موازين التقليد العامة.

ـــــــــــــــــــــ

(1) الشيخ الميرزا أبوالقاسم بن المولى محمد حسن الجيلاني الشفتي القمي (1151هـ ـ 1231هـ)، من أركان الدين وكبائر المؤسسين، ومن مشاهير محققي الإمامية .. من مؤلفاته (القوانين المحكمة) في الأصول. (طبقات أعلام الشيعة ـ القرن 13ـ 1: 52)

(2) الشيخ جعفر كاشف الغطاء، الكبير، (1154 ـ 1227 هـ)، شيخ الطائفة، وزعيم الإمامية، ومرجعها الأعلى في عصره، وفي طليعة فقهاء الشيعة، وشيخ مشايخ المسلمين، وصاحب المآثر الخالدة، وكان من العلم والتقوى والصلاح والزهد والعبادة والورع بمكان عظيم، وكانت ملوك آل عثمان ينظرون إليه بعين الإكبار والاجلال والعظم والخشية ... كما ان رئاسته بلغت القمة والذروة وامتد نفوذها وسمت مكانتها في كافة الأقطار ... دافع عن النجف الأشرف في حادثة الوهابية فوقف في وجه الغارات السعودية وجند الشباب وسلحهم. (معجم رجال الفكر والأدب 3: 1308)

(3) الشيخ موسى بن الشيخ جعفر الكبير (1180 ـ 1243 هـ)، عالم كبير متضلع في الفقه، والعلوم العقلية والنقلية، ومن كبار المراجع، ولقِّب (سلطان العلماء)، وكان عالماً حقاً، وزعيماً روحياً محلقاً، وفقيهاً أصولياً مدققا، ومن اساطين العلماء والمدرسين، ووجهاً من وجوه الفقهاء والمؤسسين ... (معجم رجال الفكر والأدب ج3: 1052)

(4) الشيخ أحمد بن محمد الأردبيلي (993 هـ)، كان عالماً، فاضلاً، مدققاً، عابداً، ثقة، ورعاً، عظيم الشأن، جليل القدر ... له كتب منها: شرح الإرشاد ... وتفسير آيات الأحكام ... (أمل الآمل 2: 23)

(5) السيد محمد بن علي بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي الجبعي، (1009 هـ) كان عالماً، فاضلاً متبحراً، ماهراً محققاً، مدققاً، زاهداً، عابداً، ورعاً، فقيهاً، محدثاً، كاملاً، جامعاً للفنون والعلوم، جليل القدر عظيم المنزلة. (أمل الآمل 1: 167).

(6) الشيخ جمال الدين أبومنصور الحسن بن الشيخ زين الدين ابن علي بن أحمد الشهير الثاني العاملي الجبعي. كان عالماً، فاضلاً، عاملاً، كاملاً، متبحراً، محققاً، ثقةً، فقيهاً، وجيهاً، نبيهاً، محدثاً، جامعاً، للفنون، أديباً، شاعراً، زاهداً، عابداً، ورعاً، جليل القدر، عظيم الشأن، كثير المحاسن، وحيد دهره، أعرف أهل زمانه بالفقه والحديث والرجال. له كتب ورسائل: منها كتاب منتقى الجمان ... وكتاب معالم الدين.

(أمل الآمل 1: 57).

(7) السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي (1317 ـ 1413 هـ)، فقيه، أصولي كبير، ومجتهد محقق نحرير، وعالم مدقق، ومن كبار مراجع التقليد، وأساتذة الفقه والأصول ... تتلمذ على شيخ الشريعة الأصفهاني، والشيخ مهدي الأصفهاني، والشيخ ضياء الدين العراقي، والشيخ محمد حسين الأصفهاني، والشيخ النائيني. (معجم رجال الفكر والأدب ج2/ 532).

(8) السيد محسن الحكيم (1306 ـ 1390 هـ)، فقيه العصر، وسيد الطائفة، وزعيم الأمة، كبير مراجع التقليد والفتيا ... كان له الزعامة الدينية العامة، والمرجعية الروحية المطلقة، والرئاسة العلمية، قام بمشاريع ومآثر خالدة، وتصدى للتدريس والتأليف ... ازدهرت الحوزة النجفية ونشطت الحركة الفكرية على عهده، توفي في ربيع الأول 1390 هـ. (معجم رجال الفكر والأدب 1:432).

* * * * *

بل حتى اختلاف المنهجيتين الأُصولية والأخبارية نراه لا يمنع الكثير من الطرفين من نظرة الاحترام والإجلال للأشخاص ولآرائهم العلمية.

فالحر العاملي (1)، والمجلسي، والكاشاني، وصاحب الحدائق (قدس سرهم) ونحوهم ممَّن يحسب على الأخباريين والمحدثين حينما يتعرضون لآراء أوكتب مثل الشيخ المفيد (2)، والسيد المرتضى (3)، وسلاَّر (4)، وابني زهرة (5) وإدريس (6)، والطبرسي (7)، والمحققين (8)، والعلامة (9)، والشهيدين (10)، والبهائي (11)، وصاحب المدارك (قدس سرهم) وغيرهم ممَّن يحسب على المجتهدين والأُصوليين، يتعاملون معها ومع أصحابها باحترام وإجلال.

وكذا الحال في العكس، حيث نرى من يحسب على الأُصوليين يستعرضون آراء وكتب مثل الصدوقين (12)، والحرّ العاملي، والمجلسي، والكاشاني، وصاحب الحدائق بكمال الاحترام والإجلال لها ولأصحابها أيضاً، حتى لا يكاد يتبين الفرق في المنهجية عند النظر لعامَّة الكتب العلمية المعروفة.

ـــــــــــــــــــــ

(1) محمد بن الحسن بن علي بن محمد الحر العالمي (1104هـ)، علم لا تباريه الأعلام، وهضبة فضل لا يفصح عن وصفها الكلام، أرجت أنفاس فوائده أرجاء الأقطار، وأحيت كل ارض نزلت بها فكأنها لبقاع الأرض أمطار. تصانيفه في جبهات الايام عرر، وكلماته في عقود السطور درر ... وله شعر مستعذب الجنى بديع المجتلي والمجتنى ... (سلافة العصر:359).

(2) محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (338 ـ413 هـ)، يكنى بأبي عبد الله، المعروف بابن المعلم، من جملة متكلمي الامامية، انتهت اليه رئاسة الامامية في وقته وكان مقدماً في العلم وصناعة الكلام، وكان فقيهاً متقدماً فيه، حَسَنُ الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب ... وكان يوم وفاته يوماً لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه، وكثرة البكاء من المخالف والموافق. (فهرست الطوسي: رقم 710 / رجال النجاشي2: 327).

(3) الشريف أبوالقاسم على بن الحسين بن موسى (المرتضى) (436هـ)، حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلماً شاعراً أديباً، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا. (رجال النجاشي2: 102).

(4) سلاّر بن عبد العزيز الديلمي (448 ـ463)، ثقة، جليل القدر، عظيم الشأن، فقيه ... (أمل الآمل 2: 127).

(5) السيد عز الدين أبوالمكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي (511 ـ585 هـ) فاضل، عالم، ثقة، جليل القدر له مصنفات كثيرة منها: عنية النزوع إلى علمي الاصول والفروع ... (أمل الآمل 2: 105).

(6) الشيخ محمد بن إدريس العجلي بحلة ... وقد أثنى عليه علماؤنا المتأخرون، واعتمدوا على كتابة، وعلى ما رواه في آخره من كتب المتقدمين وأصولهم، يروي عن خاله أبي علي الطوسي بواسطة وغير واسطة، وعن جده لأُمِّه أبي جعفر الطوسي، وأم أمه بنت المسعود ورام، وكانت فاضلة صالحة. مؤلفاته السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، وهوالذي تقدم ذكره، وله أيضاً كتاب التعليقات كبير، وهوحواش وإيرادات على التبيان لشيخنا الطوسي، شاهدته بخطه في فارس. وقد ذكر أقواله العلامة وغيره من علمائنا في كتب الاستدلال وقبلوا أكثرها. (أمل الآمل 2: 243).

(7) أمين الدين، أبوعلي، الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي (548 هـ)، ثقة، فاضل، عين، ديّن، له تصانيف، منها مجمع البان في تفسير القرآن ... (أمل الآمل 2: 216).

(8) أولهما: المحقق الحلي، نجم الدين، أبوالقاسم، جعفر بن الحسن بن يحيى بن الحسن بن سعيد الحلي (676 هـ)، حاله في الفضل، والعلم، والثقة، والجلالة، والتحقيق، والتدقيق، والفصاحة أشهر من أن يذكر، وكان عظيم الشأن، جليل القدر، رفيع المنزلة، لا نظير له في زمانه. له كتب منها: كتاب شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام. (أمل الآمل 2: 48)

ثانيهما: المحقق الكركي، الشيخ الجليل على بن عبد العالي، العاملي الكركي (937هـ)، أمره في الثقة، والعلم، والفضل، وجلالة القدر، وعظم الشأن، وكثرة التحقيق أشهر من أن يذكر، ومصنفاته كثيرة مشهورة، منها: شرح القواعد ... (أمل الآمل1: 121).

(9) جمال الدين، أبومنصور، الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي (726هـ)، فاضل، عالم، علامة العلماء، محقق، مدقق، ثقة ثقة، فقيه محدث، متكلم ماهر، جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنزلة، لا نظير له في الفنون والعلوم العقليات والنقليات، وفضائله محاسنه أكثر من أن تحصى ... (أمل الآمل2: 81).

(10) الشهيد الاول: شمس الدين، أبوعبد الله، محمد بن مكي الجزيني، العاملي (786 هـ) كان عالماً، ماهراً، فقيهاً، محدِّثاً مدققاً، ثقة، متجراً، كاملاً، جامعاً لفنون العقليات والنقليات، زاهداً، عابداً، شاعراً، أديباً، منشئاً، فريد دهره، عديم النظير في زمانه. (أمل الآمل1: 181).

الشهيد الثاني: زين الدين بن علي بن احمد بن محمد بن جمال الدين العاملي، الجبعي (911 ـ 966 هـ)، أمره في الثقة والعلم، والفضل، والزهد، والعبادة، والورع، والتحقيق والتبحر، وجلالة القدر، وعظم الشأن، وجمع الفضائل والكمالات أشهر من أن يذكر، ومحاسنه وأوصافه الحميدة أكثر من أن تحصى تحصر، ومصنفاته كثيرة مشهورة. (أمل الآمل 1: 85)

(11) بهاء الدين، محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي، العاملي، الجبعي (953 ـ 1035 هـ) حاله في الفقه، والعلم، والفضل، والتحقيق، والتدقيق، وجلالة القدر، وعظم الشأن، وحسن التصني، ورشاقة العبارة، وجمع المحاسن أظهر من أن يذكر، وفضائله أكثر من أن تحصر. (أمل الآمل 1: 155).

(12) الاول: على بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (339 هـ) شيخ القميين في عصره ومتقدميهم، وفقيههم، وثقتهم. (رجال النجاشي 2: 89).

الثاني: ولده، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (381 هـ)، قال النجاشي: أبوجعفر، نزيل الري، شيخنا وفقيهنا، ووجه الطائف بخراسان، وكان ترد بعداد سنة (355 هـ) وسمع منه شيوخ الطائفة وهوحدث السن. (رجال النجاشي 2: 311)

* * * * *

نعم، شطّ القلم ببعض الأعلام فعرّضوا بالآخرين تعريضاً قد يصل حدّ التشنيع والتهريج، بل حدّ النيل والتجريح.

وهوأمر مؤسف حقاً، إلاّ أنه لا يقتصر على ما بين هاتين الفئتين، بل يتعداها لأطراف الفئة الواحدة فيما بينهم.

فبعض الأعلام لا يملك نفسه عند عرض قناعاته، بل يتجاوز حدود الحوار العلمي الموضوعي الهادئ إلى النيل ممَّن يخالفه في اندفاع عاطفي يتراوح بين مراتب العنف شدّة وضعفاً، وكثيراً ما يكون عن حسن نية، وقد تميّز بذلك بعض الأشخاص من الفئتين وعرفوا به لكثرة ما يصدر منهم، بينما يوجد متفرقاً في فلتات القلم عند آخرين.

ولسنا بصدد استعراض ذلك، بل الذي يهمنا بيانه أن ذاك تابع لطبيعة الشخص الذاتية، لا لاختلاف المنهجية ليكون من السمات المميزة بين الفئتين.

* * * * *

وعلى ذلك فالاختلاف في مسائل أُصول الفقه وتباين المناهج والمسالك فيها لا يكون منشأ للفرقة بين علماء الطائفة الحقة، ولا بين أبنائها، بحيث ترى كل جماعة فرض المنهج الذي التزمت به، وعدم براءة الذمة بتقليد من هوعلى خلافه إذا تمت ضوابط التقليد العامة، بعد كون الجميع من فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) ويحملون شرف الانتماء لهم والائتمام بهم.

كيف؟! وليس الأثر المهم لاختلاف المنهج في المسائل الأُصولية إلا ما قد يترتب عليه من الاختلاف في المسائل الفقهية التي هي مورد العمل، ولا ريب في أن الاختلاف في المسائل الفقهية لا يوجب تفرقاً في الطائفة، ولا تحزباً فيها، ويبقى المكلف مطلقاً في تطبيق قواعد التقليد العامة على جميع الأطراف.

وإلا فما أكثر اختلاف الأخباريين فيما بينهم، واختلاف الأُصوليين مع بعضهم.

* * * * *

بل قد يبلغ الخلاف حدّ الغرابة بل الشذوذ حتى من الأعيان والأكابر، سواءً كان في مقدمات الاستنباط وفي فهم الأدلة، أم في نفس الحكم المستنبط، كما يتضح للممارس الناظر في كلام الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) وغيرهم من أهل البحث والنظر.

لكنه لا يوجب تجريحاً ولا فرقة بعد كون الوجهة العامة فقه أهل البيت (عليهم السلام)، مشفوعة بحسن النية، والواقعية، والاهتمام بالوصول للحقيقة. فان الباحث مهما عظم شأنه معرض للخطأ، والتسديد من الله تعالى والعصمة لأهلها.

* * * * *

وبعد كل ذلك يحسن بنا توضيح المعالم العامة لمصادر فقه الإمامية أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، والأدلة التي عليها يرتكز الجميع وتدور حولها المناهج المختلفة من دون أن يخرج شيء منها عنها، ليتجلَّى ما ذكرنا من أن الخلاف في المناهج لا يضر بوحدة الطائفة المحقة، ولا يكون سبباً في انقسامها.

فقد اتفق المسلمون بجميع فرقهم ونحلهم على لزوم العمل بأحكام الشريعة الإسلامية التي شرّعها الله تعالى، وأودع علمها عند رسوله الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما اتفقوا على الرجوع للكتاب المجيد والسنة الشريفة لمعرفة تلك الأحكام والعمل عليها.

وامتاز الإمامية (أعلى الله تعالى كلمتهم) بالاعتقاد بأن الأئمة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) هم المرجع للأُمَّة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أُمور دينهم ودنياهم.

فهم أولوا الأمر الذين تجب طاعتهم، والإقرار بفرض ولايتهم، وهم الوارثون لعلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والناطقون عنه الذين يجب الأخذ عنهم، والائتمام بهم.

ولهذا الأمر أهميته العقيدية، وبه صارت ولايتهم (عليهم السلام) من أُصول الإيمان التي بها النجاة من النار، والفوز بالجنة، وبها امتازت الفرقة المحقَّة الناجية.

كما أن له أهميته الفقهية، لكثرة ما ورد عنهم (عليهم السلام) من معالم الدين وأحكامه، ومن ثَمَّ كانت سنّتهم (عليهم السلام) وأحاديثهم ـ كسنَّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأحاديثه ـ مرجعاً فقهياً ودليلاً شرعياً.

وتَبعاً لذلك فقد اتفق الإمامية ـ ثبتهم الله تعالى بالقول الثابت ـ على لزوم العمل بالكتاب الشريف وبأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) مع ثبوتها عنهم شرعاً بحجة كافية.

* * * * *

أما ما عدا ذلك فليس حجة في نفسه، ولا يجوز العمل به إجماعاً، إلاّ أن يوجب العلم بالحكم الشرعي الواقعي، أوبالوظيفة الظاهرية التي يقطع معها بالأمن من العقاب، فلابد من العمل على العلم المذكور.

والعلم بذلك ـ في الحقيقة ـ مستلزم للعلم بالحكم الإلهي المخزون عند الأئمة (عليهم السلام) والوظيفة التي رضيها الله تعالى لعباده، ورضوا (عليهم السلام) بها تبعاً له. وليس بعد العلم شيء.

وحينئذ فالعمل إنما هوبالعلم المذكور، لا بسببه، ونسبة العمل للسبب الذي أوجبه مبنية على التسامح.

* * * * *

وعلى ذلك يبتني الرجوع للإجماع والسيرة وحكم العقل عند القائلين بحجيتها.

ومرجع الخلاف في الرجوع إليها مطلقاً أوفي بعض الموارد هوالمنع من حصولها، أومن حصول العلم بسببها، وهوأمر لا يختص بفئة معينة، كالخلاف في الرجوع لبعض الآيات الكريمة للخلاف في تمامية دلالتها، أوفي وجود الدليل المخرج عنها، وكالخلاف في الرجوع لبعض الأخبار الشريفة للخلاف في ضوابط حجية الخبر سنداً، أوللخلاف في تمامية دلالته، أوفي وجود المخرِج عنه أوالمعارض له.

* * * * *

على أن الرجوع للإجماع والسيرة يبتني على كشفهما عن السنة الشريفة المطابقة لهما، ولوكانت هي تقرير المعصوم (عليه السلام)، كما يظهر بالرجوع لمباني الأصحاب في المقام.

قال المحقق (قدس سره) في المعتبر: "وأما الإجماع فهوعندنا حجة بانضمام المعصوم، فلوخلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، ولوحصل في اثنين لكان قولهما حجة، لا باعتبار اتفاقهما، بل باعتبار قوله (عليه السلام) " (1).

وعلى ذلك جرى بقية علمائنا (قدس سرهم)، ومنهم المحقق البحراني (قدس سره) فإنه أقرّ كلام المحقق في المعتبر، إلاّ أنه استبعد تحصيل الإجماع الحجة الذي ذكره المحقق (2)، كما استبعده جمع ممَّن يحسب على الأُصوليين، خصوصاً المتأخرين (3).

وقال الحرُّ العاملي (قدس سره) في الفصول المهمة: "باب عدم جواز العمل بالإجماع الذي لم يعلم دخول قول المعصوم فيه" (4).

وظاهر ذلك مفروغيته عن حجية الإجماع الذي يعلم دخول قول المعصوم فيه وهوالذي صرح به الفيض الكاشاني (قدس سره) (5) في مقدمة كتابه (المفاتيح) (6).

بل صرح المحقق البحراني (قدس سره) بحصول الإجماع الحجة وكشفه عن رأي المعصوم في بعض الفروض النادرة، حيث قال: "لوانحصر حملة الحديث في قوم معروفين أوبلدة محصورة في وقت ظهوره (عليه السلام) ـ كما في وقت الأئمة (عليهم السلام) ـ اتجه القول بالحجية. ويقرب منه أيضاً ما لوأفتى جماعة من الصدر الذي يقرب منهم ـ كعصر الصدوق، وثقة الإسلام الكليني (قدس سرهم) (7) ونحوهما من أرباب النصوص ـ بفتوى لم نقف فيها على خبر، ولا مخالف منهم، فإنه أيضاً مما يقطع بحسب العلم العادي فيها بالحجية، ودخول قول المعصوم (عليه السلام) فيهم، لوصول نص لهم في ذلك.

ومن هنا نقل جمع من أصحابنا أن المتقدمين كانوا إذا أعوزتهم النصوص يرجعون إلى فتاوى علي بن الحسين بن بابويه (8) ".

وعلى ذلك جرى غيرهم، وهكذا الحال في السيرة تقريباً، ولا حاجة لتفصيل الكلام فيها بعد ما ذكرنا.

ـــــــــــــــــــــ

(1) المعتبر1: 31.

(2) الحدائق الناضرة 1: 35.

(3) لزيادة التفصيل انظر: المحكم في أُصول الفقه ـ المؤلف (دام ظله) ـ 3: 191.

(4) الفصول المهمة 1: 550.

(5) المولى محمد بن مرتضى المدعوبمحسن الكاشاني (1091هـ)، كان فاضلاً عالماً حكيماً متكلماً محدثاُ فقيهاً محققاً شاعراً أديباً حسن التصنيف، له كتاب الوافي. (أمل الآمل 2: 305).

(6) مفاتيح الشرائع 1: 4.

(7) محمد بن يعقوب بن إسحاق أبوجعفر الكليني (329هـ) شيخ اصحابنا في وقته بالري وجههم، وكان اوثق الناس في الحديث، وأثبتهم. صنف الكتاب الكبير ويسمى الكافي في عشرين سنة ... ومات أبوجعفر الكليني رحمه الله ببغداد، سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، سنة تناثر النجوم، وصلى على محمد ابن جعفر الحسني أبوقيراط، ودفن بباب الكوفة. وقال لنا احمد بن عبدون: كنت أعرف قبره وقد درس رحمه الله. (رجال النجاشي 2: 377، باختصار).

(8) الحدائق الناضرة 1: 36.

* * * * *

على أنه لوفرض الخلاف في الرجوع لهذه الأُمور حتى مع حصول العلم منها ـ للبناء على عدم حجية العلم غير المستند للكتاب والسنة الواصلة من طريق الرواية ـ فذلك أيضاً لا يوجب فُرقة ولا تحزّباً، بل هووجهة نظر ينبغي النظر إليها نظرة موضوعية، والبحث عن دليلها بتجرد وإخلاص.

وقد حكي عن كاشف الغطاء الكبير (قدس سره) القول بعدم حجية قطع القطّاع (1)، وذهب من المعاصرين المرحوم السيد السبزواري (قدس سره) (2)، إلى إمكان ردع الشارع الأقدس عن حجية القطع (3)، ولم يوجب ذلك انحيازهما عن الفرقة الحقة، ولا قال أحد بعدم براءة الذمة بتقليدهما.

* * * * *

هذا، مضافاً إلى أن هذه الأُمور وإن عدّت من الأدلة ـ بلحاظ ما سبق ـ إلاّ أن توقف استنباط الحكم عليها نادر، بل يكاد يكون معدوماً، لأنها غالباً منضمة إلى الكتاب المجيد والسنة الشريفة، أوالضرورة القاطعة التي يذعن الكل بها، وفي غير ذلك لا تبلغ بنفسها غالباً مرتبة الاستدلال، خصوصاً على المباني الأُصولية الحديثة، كما يشهد بذلك أدنى نظر في الكتب الفقهية الاستدلالية.

* * * * *

وأما المسألتان المشار إليهما في السؤال ـ وهما مسألتا الأعلمية وتقليد الميت ـ فهما لا تخرجان عمّا ذكرنا ..

أولاً: لعدم كونهما من المسائل المتفق عليها إثباتاً أونفياً عند فئة معينة، بل هم ـ بغض النظر عن اختلاف المنهجية ـ بين مانع على الإطلاق، ومجيز على الإطلاق، ومفصل بوجوه مختلفة، كما يشهد به النظر في كلماتهم (قدس سرهم) (4).

وثانياً: لأن بعض من له وجهة نظر فيهما إثباتاً أونفياً قد يتشبث لرأيه بالكتاب والسنة، بتقريب لا يهمنا الحديث عنه فعلاً، بل يوكل لمحله.

ولوفرض عدم وصول النوبة في إثباتهما أونفيهما للكتاب والسنة، فالحديث فيهما لا يبتني على التخرصات والاستحسانات الظنية التي هي من فروع إعمال الرأي في الدين المرفوض في خطّ أهل البيت (عليهم السلام)، بل على حصول اليقين بالوظيفة الظاهرية ـ من الإجماع المدعى، أوالسيرة، أوحكم العقل ـ أوعدم حصوله، وقد سبق أن ذلك لا يوجب افتراقاً بعد اتفاقنا على الاعتصام بحبل أهل البيت (عليهم السلام) والبحث عن أحكامهم والأخذ بها.

ـــــــــــــــــــــ

(1) فوائد الأُصول للكاظمي 2: 64.

(2) السيد عبد الاعلى السبزواري (1328 ـ1414هـ)، من مراجع الدين الاجلاء، عالم، مجتهد، جليل، مفسِّر اخلاقي، من أساتذة الفقه والاصول ... تتلمذ على الشيخ محمد حسين النائيني، والشيخ ضياء الدين العراقي، والسيد أبوالحسن الاصفهاني، له: مهذَّب الاحكام، تهذيب الاصول، تفسير مواهب الرحمن ... (معجم رجال الفكر والادب ج2: 665).

(3) تهذيب الاصول 2: 13،14.

(4) انظر: مصباح المنهاج ـ للمؤلف (دام ظله) ـ الاجتهاد والتقليد.

* * * * *

أما الأخ المؤمن الذي يقول ـ كما ورد في السؤال ـ: "انه لا يمتلك القناعة والحجة التامة بينه وبين الله عزّوجلّ في سلامة وحجية الاستنباط الأُصولي".

فهوـ وفقه الله تعالى وسدده ـ إن كان من أهل التمييز والقدرة على تحديد مباني الاستنباط الحقة تبعاً للأدلة المعذِّرة أمام الله تعالى، فليس الحجة بينه وبين الله سبحانه إلاّ ما يؤدي إليه استنباطه المبتني على مبانيه الخاصة، أُصولية كانت أوأخبارية ـ لوكان هناك فرق دقيق بين القسمين ـ أوملفقة منهما وخارجة عنهما.

ولا حرج عليه في أن يختار ما يختار بعد أن كان له أهلية الاستنباط، وكان همُّه الوصول للحقيقة بالوجه المعذر أمام الله عزّوجلّ.

ولا معنى لإلزامه أوالتزامه مسبقاً بمنهج خاص بعد فرض الاختلاف في المناهج، وتباين وجهات النظر، وتعرض كل منها للخطأ.

وإن لم يكن من أهل التمييز والنظر وكان عاجزاً عن تحديد مباني الاستنباط الحقة، فهوكما لا يمتلك القناعة والحجة التامة في سلامة وحجية الاستنباط الاصولي، كذلك لا يمتلك القناعة والحجة التامة في سلامة وحجية الاستنباط الأخباري ـ لوكان هناك فرق دقيق بين المنهجيتين ـ ولا يكلفه الله سبحانه وتعالى بذلك بعد عجزه وليس له إلا الرجوع إلى العلماء الربانيين.

ولا يحق له ـ مع ذلك ـ الجزم مسبقاً من دون حجة ولا بصيرة بصحة إحدى المنهجيتين والتشبث بالقائلين بها، وبخطأ الأُخرى والإعراض عمَّن يجري عليها بعد ما سبق من الاختلاف وتباين وجهات النظر، وتعرُّض الكل للخطأ، وبعد غياب العصمة بغيبة الإمام ـ صلوات الله عليه وعجّل فرجه ـ وتعذر معرفة الحقيقة منه مباشرة بوجه قاطع للعذر.

* * * * *

وبعدما استعرضناه في هذا الحديث من الجهات المحيطة بالموضوع والدخيلة فيه فيترتب على ذلك أن وظيفة أهل العلم من هذه الطائفة (سددهم الله تعالى) تناسي هذا الانقسام، والنظر لمفردات الخلاف نظرة موضوعية خالصة، والبحث عن الحقيقة بتجرد عن العواطف والتراكمات، فإن الله تعالى قد أقام عليهم الحجة بما عرّفهم ومكّنهم، وهم قد تحملوا الأمانة في هداية الناس وإرشادهم، وسوف يسألون عن أمانتهم.

كما أن اللازم على المؤمنين عامة (وفقهم الله تعالى) الرجوع في الأحكام الشرعية لفقهاء أهل البيت (عليهم السلام) ممَّن هم أهل للأمانة في تقواهم وورعهم، كما أمرهم بذلك أئمتهم (عليهم السلام) واعتماد الضوابط العامة في الرجوع لهم، من دون تمييز وتفريق.

مع كمال التحفظ والتثبت والتبصر، فإن على كل حقّ حقيقة، وعلى كل صواب نورا.

وليكونوا على بصيرة من أمرهم، وعذر عند ربهم، يوم يعرضون عليه لا تخفى منهم خافية، ليأمنوا من عظيم عقابه، ويفوزوا بجزيل ثوابه، ويكونوا أهلاً لفيضه ورحمته.

* * * * *

وليشكروا الله تعالى على ما منّ عليهم به من وجود فقهاء ربانيين وعلماء عاملين، صحيحين صالحين، قد جدوا واجتهدوا لتحقيق الحقائق ومعرفة أحكام الله تعالى، يفزعون إليهم في غيبة إمامهم (عجّل الله تعالى فرجه) ويلجؤون إليهم في حيرتهم ومحنتهم ليستضيؤوا بهم في ظلمات الجهل ويعتصموا بهم من مضلات الفتن.

* * * * *

وإذا كانت المواقف الانفعالية وردود الفعل المتشنجة ـ عن حسن نية ـ من بعض أطراف الخلاف في بعض المسائل التي تبتني عليها الملامح العامة للمنهجيتين قد عمّقت الخلاف في يوم مّا، حتى انتهى الأمر في حينه إلى الانشقاق والفرقة والجفوة والنفرة والتشنيع والتهريج، بنحويحزّ في نفوس المؤمنين وتدمى له قلوب المخلصين مما زاد هذه الطائفة محنة على محنتها، وبلية فوق بليتها.

إذا كان ذلك كله قد حصل لملابسات لم نملك السيطرة عليها والتحكم فيها والحدّ منها، فاللازم على ذوي الاخلاص والمعرفة والتعقل والحكمة بعد خمود الفتنة وسكون الفورة تدارك الأمر ورأب الصدع وجمع الشمل، رفقاً بهذه الطائفة المتعبة على طول الخط، وتخفيفاً من معاناتها ومشاكلها، وخدمة للحقيقة الضائعة في خضم المنافرات والمشاحنات.

وذلك بتناسي هذا الخلاف أوتمييعه، والرجوع لما كان عليه وضع الطائفة الحقة قبل ظهور هذه الفتنة من اهتمام مشترك بتحقيق الحقائق الدينية واستنباط الأحكام الشرعية بقلوب منفتحة وموضوعية كاملة ونية خالصة، من دون أن يؤثر اختلاف القناعات وتباين وجهات النظر على وحدة الكلمة، أويوجب تحيزاً وانقساماً، أوتشنيعاً وتشهيراً. وقد سبق منا الإشارة إلى المواقف الهادفة الهادئة لكثير من الأطراف المحسوبة على إحدى المنهجيتين. شكر الله تعالى سعيهم وزاد في علوّ درجاتهم.

وفي ذلك رضى لله سبحانه وتعالى وقربة له وزلفى لديه، وصلة لإمام العصر وولي الأمر عجل الله تعالى فرجه، وإعانة في محنته، وسرّه في أوليائه وشيعته، عسى أن نحظى بعنايته ورعايته ونفوز برضاه وشفاعته صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين.

ولنتأدب بأدب الله تعالى حيث يقول: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) (1) وحيث يقول: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) (2). ولنحذر تقريعه حين يقول: (إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) (3).

ولنسترشد بما ذكره علماؤنا الأعلام من ذوي المقام الرفيع في العلم والعمل، والموضوعية في البحث، والحرص على وحدة الكلمة وجمع الشمل.

ونخص بالذكر منهم المحقق البحراني (قدس سره) في حدائقه الناضرة و(الدرر النجفية) فقد أعطى الموضوع حقه بتفهم وانفتاح وإخلاص.

وقد جرى على ذلك من المعاصرين المرحوم آية الله العظمى الشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني (قدس سره) (4) فأعلن بإصرار عن عدم الفرق بين الطائفتين وأن على المؤمنين أخذ فقه أهل البيت (عليهم السلام) من فقهائهم من دون تمييز أوتفريق.

كما سار على ذلك بحكمة وروية وصبر وتصميم آية الله العظمى المرحوم الشيخ محمد أمين زين الدين (قدس سره) وتجلى ذلك في سيرته الرشيدة وبياناته الهادفة الهادئة، وكان ثمرة ذلك جَنيةٌ مباركة.

فجزاهم الله تعالى خير جزاء المحسنين، ورفع درجاتهم في عليين.

وعمّ بالرحمة والرضوان جميع علمائنا العاملين الذين حافظوا على تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) وأوصلوها إلينا، لنؤدي حقها بتوفيق الله تعالى وتسديده.

* * * * *

ونسأله سبحانه أن يجمع شمل المؤمنين، ويُحكم ألفتهم، ويصلح أمرهم، ويشعب صدعهم، ويوفقهم للقيام بحقه وشكر نعمته، حيث وفقهم للتمسك بحبله، وهداهم لولاية أهل بيت نبيه الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

وهوحسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله ربّ العالمين.

النجف الأشرف

محمد سعيد الطباطبائي

الحكيم

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحجرات: آية/10.

(2) سورة آل عمران: آية/103.

(3) سورة الأنعام: 159.

(4) الشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني (1328 ـ1406هـ) فقيه، أصولي، عالم متضلع في الفقه والاصول، مجتهد، متتبع. هاجر إلى النجف الاشرف وأخذ عن شيوخها ثم عاد إلى المحمرة وأقام بها وتصدى للفتيا والتقليد والامامة. (معجم رجال الفكر والادب 2: 417).

الأصولية والإخبارية

(بحث ينفي التهمة عن الشيخ الأوحد بأنه إخباري في الحكمة والفقه)

الشيخ سعيد القريشي

لعلّنا الآن ندخل في بحث من أهم البحوث التي شغلت المدرسة الشيعية إلى الآن وهوبحث (الإخبارية والأصولية) وسبب تطرقنا لهذا البحث رغم أن منشأه أصولي/ فقهي، ونحن ندور حول محور حكمي منهجي سيتضح لاحقاً، والمهم الآن أن نعرف ما هي الأصولية والإخبارية، والفرق بينهما.

(الإخبارية):

هي طريقة للوصول للحكم الشرعي عن طريق الأخبار والقرآن مع جعل السنة هي المفسرة الوحيدة للقرآن .. بحيث إذا لم يرد نص في تفسير الآية الشريفة، لا تعتبر مصدر لتشريع لأنها مبهمة، مع عدم استخدام العقل والإجماع حسب الفرض.

فعلى هذا نستطيع أن نقول: إ ن الإخبارية ينكرون الاجتهاد من أساسه .. فأذن هناك مجموعة من علماء الشيعة بعد الغيبة الكبرى إلى وقتنا الراهن، يمارسون هذه الطريقة في التعبد بأحكام الله سبحانه وتعالى .. من هؤلاء العلماء على سبيل المثال قديماً الشيخ المجلسي صاحب البحار، ولهذا من أهم الأسباب التي جعلته يقوم بتأليف البحار أنه إخباري، ومن أهمهم أيضا الفيض الكاشاني صاحب المحجة البيضاء، وتفسير الصافي تلميذ الملاّ صدرا. والشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق الذي ربما قيل إنه تحول عن هذا المنهج إلى الطريقة الأصولية.

وهذه الطريقة مبرئة لذمة عند الله، لا إشكال على دخول صاحبها الجنة وهم شيعة اثنا عشرية جعفرية وليسوا في قبال الشيعة الجعفرية ا لإثناعشرية.

(الأصولية):

هي طريقة للوصول للحكم الشرعي عن طريق الكتاب والسنة والإجماع والعقل .. ولهذا فهم يؤمنون بالإجتهاد, ولكن ليس كاجتهاد أبي حنيفة النعمان من قبيل القياس مظنون العلة والاستحسان والمصالح المرسلة, بل عن طريق استخراج الحكم الفرعي من الأصل الشرعي (النص) من غير اختراع حكم من عقول العلماء لا دليل عليه.

فجميع علمائنا في العصر الحاضر هم أصوليون إلاّ النادر , وهذه الطريقة مبرئة لذمة سليمة المنهج لا إشكال عليها, ولا يمارسها إلاّ المجتهدون الحاصلون على الإجازة التي تصله بمدرسة الإمام الصادق عليه السلام.

أرضية الصراع التاريخية بين الأصولية والإخبارية [1]:

أجمعت المصادر التاريخية الشيعية على أن اهتماماً كبيراً برز في وقت مبكر من تاريخ الإسلام بتدوين الشيعة للحديث ,وحتى غيبة صاحب العصر والزمان (عج) فكان أئمتنا عليهم السلام المتحدرون من الحسين عليه السلام ينشرون أحكام الدين بين شيعتهم استناداً إلى النصوص الدينية الموثقة سنداً ودلالة عبر سلسلة من السند تنتهي إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم , والتي عرفت بالأصول الأربع مائة .. بينما كانت الفرق الأخرى ترجع إلى الأصول العقلية في الحوادث التي لم يرد فيها نص قرآني أومن السنة .. ولذلك علماء الشيعة درجوا في تلك الفترة على تدوين كتبهم الفقهية بالاقتصار على نقل الروايات بأسانيدها، والإفتاء بهذا الشكل فقهياً، فكل راوي له كتاب يعد مسند له، قد حوى مجموع رواياته عن الإمامة، والإفتاء كان بنقل الرواية مع إعمال النظر فيها ومراعاة شروط الفتية.

وبعد انتهاء الغيبة الكبرى، برزت الحاجة إلى تدوين الأحاديث في موسوعات حديثية ضخمة، فبرز ثلاثة من أساطين الدين، وهم الشيخ الصدوق، والشيخ الكليني، والشيخ الطوسي، بتدوين الحديث على طريقة الكتب الفقهية ـ أي أحاديث الصلاة في كتاب خاص مثلاً ـ وفي الواقع كان مجرد ترتيب دون تعديل في متون الروايات أوتأويلها.

وهذا بالضبط عينه المذهب الإخباري الرافض أي شكل للنيابة عن المعصوم (ع) .. لأنه يقول: الرواية صادرة من العقل الكلي، ولا يمكن أن يرقى إليها عقل البشر العاديين.

ومع بدء التحولات السياسية بعد الغيبة الكبرى ـ وبوجه خاص إثر قيام دولة بني بويه الشيعية ـ أفرزت انفصالات في الوسط الفقهي/ الكلامي الشيعي، كشفت عن ولادة طريقة فقهية/ كلامية جديدة يراقب الواقع الحياتي، في مقابل الخط الإخباري الذي لا يتجاوز النصوص، ويرفض إعمال العقل، الممثل في علماء قم الحديثية التي ينتمي إليها مشاهير القميين مثل أحمد ابن عيسى شيخ القميين وغيرهم، وفي مقابل هذه المدرسة بدأت بوادر خط اجتهادي يؤسس لفقه الواقع جعل من بغداد عاصمة البويهيين مركزاً لنشاطه العلمي التجديدي، مستفيداً من الرعاية التي حظي بها من سلاطين بني بويه، كما تأثر بحركة الاجتهاد السنية، والفلسفة، والعقليات التي تنامت في القرن الرابع الهجري بشكل واضح.

وبإطلالة القرن الرابع الهجري ظهر لون جديد في الكتابة والفتيا وهوالإفتاء بمتون الروايات مع حذف إسنادها والكتابة على هذا النحومع إعمال النظر والدقة في تمييز الصحيح عن الزائف فخرج الفقه -في ظاهره- عن صورة نقل الرواية واتخذ لنفسه شكل الفتوى المحضة.

والواقع، إن الشيعة واجهوا وفي مرحلة مبكرة انسدادات فقهية خطيرة جداً مع بروز حاجات جديدة ومسائل مستحدثة لم يكن بالإمكان الركون في تسويتها إلى متون الأحاديث، فأصبحت هناك حاجة إلى التجاوز، أي الانتقال من الأصول إلى الفروع، بتجاوز متون الأحاديث سعياً إلى تأويل النصوص واستنباط فروع جديدة مستمدة من تلك النصوص ومضامينها وبدأت بوادر ظهور هذا الخط من خلال الأبحاث الجزئية التي قام بها (العماني) و(ابن جنيد) في القرن الرابع الهجري، في سياق إخضاع كتلة النصوص الشيعية للمعايير العقلية، والتي ستجد صداها وتأثيرها عند الجيل اللاحق (المفيد والمرتضى والطوسي ومن بعدهم) فوضع الحسن بن علي بن أبي عقيل (ت 381هـ) -المعاصر للشيخ الكليني- كتابه (المتمسك بحبل آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم) وكان موضع إعجاب وتقدير كبار فقهاء الشيعة الأقدمين مثل المفيد والطوسي ولاحقاً العلامة الحلي، وقد قيل عنه بأنه أول من هذب الفقه واستعمل النظر وفتق البحث في الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى وكذلك كان (ابن الجنيد) بكتابه (تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة) وقد وصفه الخوانساري في (روضات الجنات) أنه أبدع " أساس الاجتهاد في أحكام الشريعة " ثم صنف الشيخ الطوسي كتابيه (المبسوط) و(الخلاف) واعتبرت هذه الكتابات " المرحلة الثانية لتطور الفقه الشيعي ".

وهكذا استمر حال الشيعة بطريقتهم الأصولية المتنامية على أيدي العلماء الأفذاذ جيلاً بعد جيل إلى أن ظهر الشيخ (أمين الاسترابادي) وأسس الطريقة الإخبارية وأهم كتاب يبين طريقته ومعتقداته [2] (الفوائد المدنية). وتابع هذا الرجل ثلة عظيمة من الناس لأنه شديد الالتصاق بظاهر روايات أهل البيت عليهم السلام وهذا يثير إعجاب العوام ويدعوهم للثقة به فكان العراك يأخذ المد والجزر إلى زمان الوحيد البهبهاني (رض) الذي كان في النجف ويعتبر مر جع كبير على الطريقة الأصولية فحارب الطريقة الإخبارية حتى قوض صرحها بشكل نستطيع القول (90%) ولاتزال هناك إخبارية إلى الآن في بلاد الشيعة التي لا تصلها الأيدي الأصولية.

أهم مبادئ الإخبارية:

الأول: تعتبر (السنة) هي المصدر الوحيد للتشريع لأنها هي المفسرة للقرآن.

الثاني: لا يعترفون بالعقل في تفسير الروايات لأن العقل لا يصل إلى مستوى نص الرواية الصادرة من المعصوم عليه السلام.

الثالث: لا يعتبرون الإجماع كمصدر للتشريع.

الرابع: يقلدون الميت ابتداءً.

الخامس: يعتقدون أن طريقتهم هي طريقة الشيعة القدماء.

السادس: يقولون بأن الكتب الأربعة قطعية الصدور عن المعصوم.

والآن ننتقل إلى أهم نقطة في بحثنا هذا وهي مسألة اتهام الشيخ أحمد ين زين الدين بأنه إخباري في الفقه والحكمة الإلهية وهذا اتهام باطل وقول زائف لا يصمد أمام الدليل.

هل الشيخ الأوحد إخباري في الفقه؟

وهذا كلام باطل للأدلة التالية:-

أولاً: إنه لم يصرح بأنه إخباري بل صرح العكس كذلك جميع أعلام المدرسة. يقول السيد كاظم: (إن الطريقة المثلى من تلك الطرائق والحقيقة الوسطى من هذه الحقائق ما عليه محققوا علمائنا الأصوليين ومدققوا فقهائنا المجتهدين من المتقدمين والمتأخرين [3] …إلخ).

ثانياً: إن للشيخ رسالة فقهية عملية كبقية العلماء المجتهدين وهي الرسالة الحيدرية، معروفة ومشهورة.

ثالثاً: لا يجيز تقليد الميت ابتداءً كما صرح بذلك مراراً، راجع جوامع الكلم ط حجرية ج 2: ص 95 س 11.

هل الشيخ الأوحد إخباري في الحكمة الإلهية؟

هناك دارسون لحكمة الشيخ أحمد الأحسائي عجزوا عن إدراك فلسفته ومنهجها فاتهموه بأنه إخباري المسلك .. أي يؤمن بما في الروايات دون استخدام العقل فيها لاستكشاف الحكم العقيدي .. ولكن الحقيقة أن الشيخ أحمد رضوان الله عليه كان يستخدم العقل على خلاف قولهم ولكن كما نعلم أن (الميتافيزيق) ما وراء الطبيعة، العقل لا يدرك منها إلا أموراً إجمالية معتمدة على معلولات في الحس تراها الحواس الخمس .. أما الأمور التفصيلية كصفات الواجب سبحانه ومقامات الأئمة ووصف الجنة والنار والصراط والموازين والقبر والبرزخ والعوالم واللوح والقلم هيهات أن يدركها العقل البشري لوحده بدون مساعدة الأئمة عليهم السلام، فالفارق الأساسي في منهجية الشيخ ومنهجية المدارس الأخرى في استخدام العقل إ نهم يستخدمون العقل معزولاً عن (النص) ثم ما ينتجه العقل يلصقونه في (النص) على أن لا يخالف (النص) والشيخ عكس ذلك فهويعمل العقل داخل النص لاستخراج الحكم العقيدي، لا يأتي به من خارج النص .. نعم أي إنتاج للعقل وافق النص لا إشكال عليه. فإذن وبعبارة موجزة نقول الشيخ (الشيخ عبّد العقل للنص) والمدارس الأخرى (عبدت النص للعقل) وهذا هوالفارق الجوهري بين الشيخ والمدارس الأخرى.

---

ا [1] اعتمدنا هذه الفقرة بشكل أساسي وبتصرف على: إبراهيم، فؤاد، الفقيه والدولة، ط1، 1998، دار الكنوز الأدبية، بيروت، ص10.

ا [2] هذه المعلومات نقلاً عن كتاب (مبدأ الاجتهاد في الإسلام) مرتضى مطهري ص: 34 - 35.

ا [3] رسالة في بيان المطالب الفقهية والفروع الاجتهادية ط حجرية: ص 22.


الأخبارية أو الإخبارية هي إحدى فرق الإمامية الاثنى عشرية، التي ظهرت أوائل القرن الحادي عشر الهجري على يد الميرزا محمد أمين الاسترابادي، ويقابلها طائفة الأصوليين الذين يمثلون الأكثرية داخل الشيعة الإمامية، في حين يمثل الإخباريون الأقلية، وما زال لهم وجود حتى اليوم.
والخلاف بين الطائفتين يمثل خلافاً في بنية المذهب الشيعي وفي أركانه ورجاله، حيث ترى الأخبارية أن الاعتقاد السليم يقوم على العمل بالأخبار المنقولة عن المعصومين ـ حسب زعمهم ـ أو المنسوبة إليهم بدون النظر إلى شيء آخر. فهم إذاً لا يعتمدون إلاّ على متون الأخبار التي تروى عن أئمتهم، ويتمسكون بظاهر الحديث، ولا يرون الأدلة الشرعية إلاّ الكتاب والحديث، وهم بذلك يمنعون الاجتهاد وإعمال العقل.
ويرى الإخباريون أن ما في كتب الأخبار الأربعة عند الشيعة كلها صحيحة قطعية الصدور عن الأئمة، ويقولون ما دام أصحاب الأئمة نقلوا هذه الروايات من الأئمة، فإنها لا تحتاج إلى النظر والبحث والتحقيق والتفتيش، لا عن السند لأنها من صاحب الإمام، ولا عن المتن لأنه من الإمام..
وبالمحصلة فإن الأخباريين يرون الحجة في الكتاب والخبر ـ حسب مفهومهم ـ، ولا يرون حجة للإجماع أو الاجتهاد أو دليل العقل.
ويعتقدون أن الاتجاه الأخباري كان هو السائد بين فقهاء الإمامية إلى نهاية عصر الأئمة، ولم يتزعزع هذا الاتجاه إلاّ في أواخر القرن الرابع الهجري وبعده، حين بدأ جماعة من علماء الإمامية ينحرفون عن الخط الإخباري ويعتمدون على العقل في استنباطهم، ويربطون البحث الفقهي بعلم أصول الفقه، تأثراً بطريقة أهل السنة في الاستنباط، ثم أخذ هذا الانحراف ـ كما يقولون ـ بالتوسع والانتشار. فهم يعتبرون أنفسهم حركة تصحيح وتأصيل، تطلعت للعودة إلى الينابيع الأولى لفقه الإمامية، وتجاوز التطورات التي جدّت عليه.
ظهورها:
ظهرت الحركة الأخبارية في أوائل القرن الحادي عشر الهجري على يد الميرزا محمد أمين الاسترابادي وإن كانت بعض أوساط الإمامية تعتبره "المجدد لمذهب الإخباريين" باعتقاد أن ابن بابويه القمي، المتوفى سنة 381هـ (991م) هو رئيس الأخباريين استناداً إلى كتابه "من لا يحضره الفقيه"، فقد أراد أن يضع كتاباً في الفقه يرجع إليه من لا يجد فقيها شيعيا يستفتيه، لكن كتابه خرج مجموعاً منتخباً في الحديث. وهناك من يعتبر الحر العاملي المؤسس الحقيقي للحركة الإخبارية.
إلاّ أنّ نسبة مذهب الإخبارية إلى الاسترابادي يعود إلى أنه هو "الذي حوّل الانتفاضات الصغيرة إلى ثورة حقيقية على المجتهدين (الأصوليين) ونهجهم"، وأنه "أول من فتح باب الطعن على المجتهدين" كما تذكر كتب الشيعة، وهو الذي وضع تقسيم (أخباري/ مجتهد). وله كتاب "الفوائد المدنيّة في الرد على القائل بالاجتهاد والتقليد في الأحكام الإلهية".
وقد رد نور الدين العاملي على ما ألفّه الاسترابادي بكتاب أسماه: "الفوائد المكيّة في مداحض حجج الخيالات المدنية ونقض أدلة الأخبارية"، ورد عليه أيضاً دلدار علي اللكهنوي بكتاب اسمه "أساس الأصول". وفي الجانب الآخر، أي الإخباريين، ألفّ الميرزا محمد عبد النبي النيسابوري الهندي الشهير بالأخباري كتاباً أسماه "معاول العقول لقلع أساس الأصول" دافع فيه عن كتاب الفوائد المدنيّة للاسترابادي، وعنّف القول على مؤلف أساس الأصول واستخدم السباب والشتام، فانبرى عدد من تلاميذ دلدار علي (نظام الدين حسين، وأحمد علي وغيرهما) للدفاع عن شيخهم والرد على الأخباري، وألفّوا كتاب "مطارق الحق واليقين لكسر معاول الشياطين".
وهكذا ظل الصراع محتدماً بين الإخباريين والأصوليين خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وبرز من الإخباريين في تلك الفترة الشيخ يوسف البحراني، صاحب كتاب "الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة"، والمولود سنة 1107هـ والمتوفى سنة 1187هـ (1772م)، وكانت المعارك بين الطرفين تدور بشكل خاص في مدينة كربلاء في العراق، حيث كان للأخباريين وجود لافت، ولم يقتصر النزاع على علماء الشيعة من الطرفين، إنما انتقل إلى صفوف عوامهم، وأفتى بعض الأصوليين من علماء الشيعة بعدم صحة الصلاة خلف البحراني.
وفي المقابل أوغل الأخباريون في الازدراء بالأصوليين وتسفيه منهجهم ومؤلفاتهم، إلى درجة أنهم كانوا لا يلمسون مؤلفات الأصوليين بأيديهم خوفاً من نجاستها، إنما كانوا يقبضونها من وراء ملابسهم، كما جاء في كتاب جامع السعادات للنراقي.
الوحيد البهبهاني
ويعتبر الشيعة أن ظهور الوحيد البهبهاني شكل مرحلة حاسمة في التصدي لأفكار الأخباريين، مما أدى إلى ضمور فكرتهم، وانحسارهم، إذ يقولون أنه "استطاع بقوة استدلالاته وتعبيراته المبرهنة أن يقنع قادة الإخباريين بالعدول عن آرائهم"، ومنهم البحراني، كما أنه "شنّ على الأخبارية هجوماً عنيفاً بمؤلفاته ومناظراته الحادة مع علمائها".
كما يعتبر الشيعة البهبهاني مجدّداً لعلم الأصول في مذهبهم.
وبالرغم من الدور الذي يثبته الشيعة للبهبهاني في محاربة الحركة الأخبارية، إلاّ أن الصراع بين الأصوليين والأخباريين استمر بشدة واتساع في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، وظهرت كتب عديدة في الرد على الأخباريين، وكانت اللهجة قاسية والأسلوب نابياً، وقد تزعم فريق الإخباريين في تلك الفترة الميرزا محمد النيسابوري المعروف بالأخباري في حين تزعم فريق الأصوليين جعفر كاشف الغطاء النجفي الذي ألفّ كتاب "الحق المبين في تصويب المجتهدين وتخطئه الجهّال من الأخباريين".
ويعتبر الشيعة أن "الأخباري" تطرف إلى أبعد حدّ ٍ، وتطاول على أساطين مذهبهم، واستعمل بذيء القول.. مما أدّى إلى قتله مع كبير أولاده بهجوم شنّ على داره في الكاظمية في بغداد، وسلمت جثته إلى السكان للعبث بها.
وكان الأخباري قبل موته قد التجأ إلى السلطان فتح علي شاه القاجاري، في إيران واعتصم بالقصر، فأخذ جعفر كاشف الغطاء وغيره من الأصوليين يؤلبون السلطان ضد الأخباري، ويحثونه على طرده وملاحقته، وقد ألف كاشف الغطاء كتاب "كاشف الغطاء عن معايب الميرزا محمد الأخباري عدو العلماء" وأرسله إلى السلطان. وقد ردّ الأخباري على هذا الكتاب بكتاب اسماه "الصيحة بالحق على من ألحد وتزندق"، ولمّا توفي كاشف الغطاء بمرض الخنازير، قال الأخباري "مات الخنزير بالخنازير". وهكذا تميزت تلك الفترة بالمهاترات، وانتقاص كل طرف للآخر،بل إن كل فريق كان يرى وجوب قتل الآخر، والانتقام من الخصم.
ولم تكن تلك المنازعات خاصة بتلك الفترة، بل إن الاسترابادي، الذي تنسب إليه الحركة الأخباريّة كفّر بعض الأصوليين، ونسبهم إلى تخريب الدين، كما جاء في لؤلؤة البحرين "للبحراني، كما نسب الفيض الكاشاني جمعاً من علمائهم إلى الكفر، وردّ عليه بعضهم بأن له من المقالات التي جرى فيها على مذهب الصوفية والفلاسفة ما يوجب الكفر كقوله بوحدة الوجود.
وكان الكاشاني المتوفى سنة 1090هـ (1679م) قد دعا قراء كتابه "الوافي إلى ترك سبيل الأصوليين بإيراد قوله تعالى "يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين" هود 41.
عناصر الخلاف بين الفريقين
في كتابه "الحق المبين.." أنهى كاشف الغطاء الخلاف بين الأخباريين والأصوليين إلى ثمانين مسألة، بينما حاول البحراني أن يقلل من مسائل الخلاف بينهما فهبط بها ليقصرها على ثمانٍ أو أقل، لأنه يرى أن هذا الخلاف يؤدي إلى القدح في شيوخ الطرفين، وفتح باب الطعن والتشنيع على الشيعة. أما محسن الأمين في كتابه "أعيان الشيعة" فجعلها خمساً، وهناك صنف ثالث توسّط فجعلها ثلاثاً وأربعين، أو أربعين، أو تسعاً وعشرين...
ويقول الدكتور ناصر القفاري في كتابه "أصول مذهب الشيعة" ج1 ص 146 موضحاً هذا التخبط بقوله: "والتقليل من الخلاف يعود إلى أنهم يرجعون بعض المسائل إلى بعض، أو يحكمون بأن الأمر فيه خلاف عند هؤلاء وهؤلاء. فلا يعتبر حينئذ خلافاً بين طرفين، أو أن الخلاف ليس بخلاف حقيقي..". ويرى القفاري وغيره أن الخلاف بين الطائفتين ينحصر في:
1ـ تنويع الحديث إلى صحيح، وحسن، وموثق، وضعيف فالإخباريون يعتبرون أن الأحاديث أو الأخبار (ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الأئمة المعصومين عندهم) الموجودة في الكتب الأربعة كلها صحيحة، ولا داعي للبحث عن إسنادها، وجعلوها المصدر الوحيد في أدلتهم الشرعية، واعتبروا أنها أوثق ثبوتاً من القرآن الكريم وقد اعتبر الأنصاري وهو من علماء الشيعة أن تسمية الاخباريين جاءت من هذا الباب:
أ ـ كونهم عاملين بجميع الأقسام من الأخبار (الصحيح ، الحسن..) دون تفريق بينهما.
ب ـ أنهم خصوا الدليل الشرعي بالخبر، وأنكروا الأدلة الثلاثة الأخرى عند الشيعة وهي القرآن، والإجماع والعقل.
2ـ لا يجيز الأخباريون الاجتهاد، ويعتبرونه من "الظن" ويوجبون على الناس بالرجوع إلى الإمام فيما روي عنه، أما الأصوليون فيوجبون على المكلفين الاجتهاد، عيناً أو كفاية، وأوجبوا على العامي تقليد المجتهد.
3ـ يرى الأصوليون أن الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع والعقل، في حين ينكر الأخباريون دليلي الإجماع والعقل، ويحصرونها بالكتاب والسنة (الخبر). ومنهم من اعتبر أن الدليل فقط هو السنة أو الخبر، كما تقدم.
4ـ تقليد الميت: فالأصوليون يرون أن الميت تبطل فتواه ولا يجوز تقليده أما الأخباريون، فيعتقدون بجواز تقليد الميت، ويقولون أن الحق لا يتغير بالموت والحياة.
ظهور الشيخية من رحم الأخبارية
ومن رحم الاتجاه الأخباري، والحركة الأخبارية هذه ظهرت فرقة الشيخية، وهي إحدى فرق الإمامية الإثنى عشرية. وتنسب إلى الشيخ أحمد الإحسائي المولد سنة 1166هـ (1752م) ، والمتوفى سنة 1241هـ (1825م).ويلقبه أنصاره بالشيخ الأوحد. ويصفه الشيعة بأنه كان أخبارياً متطرفاً.
ومن عقائد الشيخية الاعتقاد بأن الأئمة والمعصومين (عند الشيعة) هم علة تكوين العالم وسبب وجوده، وهم الذين يخلقون ويرزقون.. وأن الله جعلهم أسباباً ووسائط لأفعاله.
ويعتقدون كذلك بان المعاد روحاني، لا علاقة للجسم الدنيوي فيه، ويؤمنون بالكشف كما تؤمن به الصوفية، والشيخية دائمة التبشير بقرب ظهور المهدي
أهم شخصيات الأخباريين وانتشارها
 تمثل طائفة الأخباريين الأقلية في فرقة الإمامية مقابل الأصوليين الذين يمثلون الأكثرية، وبرز من الأخبارية قديماً الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة، والنوري الطبرسي صاحب مستدرك الوسائل، ومحمد حسين كاشف الغطاء، ونعمة الله الجزائري، ومحمد تقي المجلسي، والد محمد باقر المجلسي، وكذلك الاسترابادي، والبحراني والنيسابوري الأخباري، والفيض الكاشاني، وعبدالله السماهيجي البحراني، وقد انتشروا في كربلاء، وإيران والبحرين ومنها انطلقوا إلى الدول المجاورة، وقد كان لهم دور كبير في عهد الدولة القاجارية التي حكمت إيران خلال الفترة (1209ـ 1344هـ )، أما الآن فهم قلة قليلة تتواجد في البحرين.
للاستزادة:
ا ـ الشيعة والتشيع: فرق وتاريخ ـ الشيخ إحسان إلهي ظهير ص 320
2ـ أصول مذهب الشيعة ـ الدكتور ناصر القفاري الجزء الأول ص 141
3ـ الهجرة العاملية إلى إيران في العصر الصفوي ـ جعفر المهاجر ص 199
4ـ الشيخية ـ محمد حسن آل الطلقاني ص 33
5ـ مع الإثى عشرية في الأصول والفروع ـ الدكتور علي السالوس ج 2 ص 134
6ـ الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية ـ جلال الدين محمد صالح ـ ص89
 


[1] ـ الكتب الأربعة أهم المصادر للأحاديث المروية من الأئمة، وهي:
أ ـ الكافي: لمحمد بن يعقوب الكليني (ت 328هـ)، وهو أهم مراجعهم، وفيه 16199 حديثاً.
ب ـ كتاب من لا يحضره الفقيه: لابن بابويه القمي المشهور عندهم باسم "الصدوق" (ت 381هـ).
ج ـ تهذيب الأحكام: لأبي جعفر الطوسي المعروف بـ "شيخ الطائفة" (ت 460هـ).
د ـ الاستبصار: للطوسي أيضاً. يقول شيخهم الفيض الكاشاني (ت 1090هـ) "إن مدار الأحكام الشرعية اليوم على هذه الأصول الأربعة، وهي المشهود عليها بالصحة من مؤلفيها".
[2] ـ من علماء الإمامية، توفي في مكة سنة 1033هـ (1623م).
[3] ـ محمد بن الحسن بن الحر العاملي (1033ـ 1104هـ / 1633ـ 1692م) أحد علماء الإمامية أصله من جبل عامل في لبنان، وهاجر إلى إيران أثناء حكم الصفويين. وهو صاحب كتاب "وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة" أحد أهم كتب الحديث عند الشيعة.
[4] ـ وقيل سنة 1112هـ (1700م).
[5] ـ محمد باقر المعروف بالوحيد البهبهاني، ولد في أصفهان سنة 1118هـ ، ونشأ فيها، ثم انتقل إلى كربلاء، ودرس هناك، وهو من أشهر علماء الشيعة الإمامية، حتى اعتبروه مجدد المذهب في رأس المائة الثانية عشرة للهجرة، وتوفي سنة 1205هـ، ودفن في كربلاء.
[6] ـ ولد سنة 1178هـ (1764م)، وقتل في الكاظمية سنة 1232هـ (1816م).
[7] ـ ولد سنة 1156هـ (1743م)، وتوفي سنة 1228هـ (1813م).
[8] ـ الوافي: من أهم كتب الحديث عند الشيعة، جمع فيه الكاشاني خمسين ألف حديث مما في الكتب الأربعة التي سبق الحديث عنها، وأعاد ترتيبها وتبويبها وشرح ما يلزم.
[9] ـ تخالف هذه التصنيفات عند الشيعة ما عليه أهل السنة. وبالرغم من تقسيم الأصوليين الشيعة الحديث إلى عدة أقسام منها الصحيح،ومنها الضعيف، إلاّ أنهم يقبلون معظم ما جاء في كتبهم من أباطيل، بزعم أنها أخبار صحيحة نقلها الثقات عن المعصومين!
[10] ـ بحكم اعتقاد الأخباريين بصحة جميع ما ورد من الأخبار والأحاديث في الكتب الأربعة، فإنهم يرون صحة ما رواه علماؤهم من أخبار تفيد بحدوث التحريف والنقص في القرآن الكريم، ومنها ما رواه الكليني في الكافي الذي هو أهم كتاب في الحديث عند الشيعة. وقد قال جعفر كاشف الغطاء في كتابه "الحق المبين" مؤكداً اعتقاد الأخباريين بتحريف القرآن: "وصدرت منهم أحكام غريبة وأقوال منكرة، منها قولهم بنقص القرآن مستندين إلى روايات تقضي البديهة بتأويلها وطرحها" ويقيد الإخباريون آيات القرآن بورود التفسير عن الأئمة ويتعجب الدكتور ناصر القفاري من منهج الأخباريين هذا فيقول (ولك أن تعجب كيف يؤمنون بكل حرف ورد في هذه الكتب المنسوبة لشيوخهم والمنكرة في أسانيدها ومتونها، ويشكون في كتاب الله سبحانه؟! يصدقون بالأكاذيب الواضحة، ويكذبون بالحقائق الثابته، فأي عقوبة أعظم من هذا المسخ، والانتكاس في الفطر والعقول والمقاييس)
ويحاول الكثير من علماء الأصوليين عند الشيعة حصر القول بتحريف كتاب الله عز وجل بالأخباريين مع العلم أن القائلين بهذه الفرية هم من الفريقين. ويمكن الرجوع إلى كتاب "أصول مذهب الشيعة" الجزء الأول ص 151 للدكتور ناصر القفاري ، لمعرفة اعتقاد الشيعة بالقرآن الكريم.
 
[11] ـ انظر المزيد من عقائد الشيخية وانتشارها وشخصياتها: العدد السادس من الراصد/ باب فرق. 


الأخبار بين الأصوليين والأخباريين 

 
وقع الخلاف بين الأصوليين والأخباريين في مرويات كتب الحديث وخاصة الكتب الأربعة، فقد ذهب الأخباريون إلی قطعية صدور ما جاء فيها، وقد أفاضوا في الاستدلال علی صحة الأخبار الواردة في الكتب الأربعة حيث ذکر إثني عشر وجهاً(1).
نص المقال
وعلى الوتيرة نفسها جري العاملي بن شهاب الدين حيث عقد الفصل الرابع من كتابه (هدية الأبرار) في ذكر القرائن الدالة على صدق ما شهد به الأئمة الثلاثة(2) من صحة أحاديث كتبهم، وأنه لا يجوز ردّ ما روي عن الأئمة عليهم السلام(3).
كما سلك الفيض الكاشاني المسلك نفسه في كتابه (الوافي) (4).
أما الحرّ العاملي محمد بن الحسن (ت 1104 هـ) فقد استدل على ذلـﻙ بإثنين وعشرين وجهاً في الفائدة التاسعة التي عقدها لإثبات صحة أحاديث جميع الكتب التي جمع منها كتابه (وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة )، وحكم بوجوب العمل بها أجمع(5).
واستدل المحدث البحراني على ذلـﻙ بستة وجوه، وقال بعد أن ذكر تلـﻙ الوجوه: (إلى غير ذلـﻙ من الوجوه التي أنهيناها في كتاب المسائل إلى إثني عشر وجهاً، وطالب الحق المنصف تكفيه الإشارة، والمكابر المتعسّف لا ينتفع ولو بألف عبارة) (6).
أولاً: أدلة الأخباريين على صحة ما جاء في الكتب الأربعة:
استدل الأخباريون على صحة ما جاء في كتب  الحديث(7) وخاصة الكتب الأربعة بأدلة كثيرة عقدوا لها فصولاً في مؤلفاتهم. و نظراً لتداخل هذه الأدلة، ولا نضواء بعضها تحت البعض الآخر، وتكرارها لذا آثرت الاقتصار على أهم ما استدلوا به، إذ يمكن حصره بالنقاط التالية:
الأولي: انا نعلم أنه كانت عند قدمائنا أصول من زمن أمير المؤمنين عليه السلام إلى زمن الأئمة الثلاثة كانوا يعتمدون عليها في عقائدهم وأعمالهم، ونعلم علماً عادياً أنهم كانوا ليس كذلـﻙ، وانهم لم يقصّروا في ذلـﻙ، واستمر هذا المعني إلى زمن المحمدين الثلاث، فعلم أن الأحاديث كلها صحيحة باصطلاح القدماء(8).
إنما قيد الصحيح باصطلاح القدماء لأنه على مبناه ما كان صحيح الصدور لا صحيح السند.
الثانية: انّا نقطع قطعاً عادياً بأن جمعاً كثيراً من ثقاة أصحاب الأئمة عليهم السلام، ومنهم الجماعة الذين أجمعت العصابة على أنهم لم ينقلوا إلا الصحيح باصطلاح القدماء صرفوا أعمارهم في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة في أخذ  الأحكام عنهم عليهم السلام، وتإلىف ما يسمعونه منهم عليهم السلام، وعرض المؤلفات عليهم، ثم التابعون لهم يتبعونهم في طريقتهم واستمر هذا المعني إلى زمن الأئمة الثلاثة(9).
ومن الكتب المعروضة على الأئمة كتاب عبيدالله بن على الحلبي، وكتاب يونس بن عبدالرحمن، وكتاب الفضل بن شاذان وغيرها فأجاجوا بأنها حق(10).
الثالثة: يعلم كل من تتبع كتب الرجال وأحوال القدماء أن الأصول والكتب المعتمدة كلها موجودة في زمن الأئمة الثلاثة وأنهم جمعوا كتبهم منها. .  فلو نقلوا فيها ما فيه ريب لميزوه بعلامة وإلا لم يكونوا مرشدين، وكفي بذلـﻙ قرينة على صحة ما فيها(11)، وهو ما ذكره المحدث الأسترآبادي مستشهداً بتصريح الشيخ الطوسي في (العدة) (12)، وفي أول الاستبصار: أن كل حديث عمل به مأخوذ من الأصول المجمع على صحة نقله(13).
الرابعة: أن الأئمة عليهم السلام كانوا يأمرون أصحابهم بكتابة الحديث، وحفظ الكتب، ويقولون لهم أنكم ستحتاجون إليها. فعن الصادق عليه السلام أنه قال: (احتفظوا بكتبكم فإنكم ستحتاجون إليها). ولا معني لذلـﻙ إلا العمل بما فيها، وما عندنا الآن من الأخبار مأخوذ من تلك الكتب التي كانت عند أصحاب الأئمة وأمروهم بكتابتها ونشرها(14).
الخامسة: ان الشيخ الطوسي كثيراً ما يتمسـﻙ بأحاديث في طريقها الضعفاء، وربما طرح أحاديث الثقاة وأوّلها لأجلها، وما ذاﻙ لا لأنه ظهر له صحتها، اما لوجودها في الكتب المعتمدة، أو غير ذلك من الوجوه الموجبة لقبولها وترجيحها، فلذلك رجح العمل بها.
لذا فإن اعتماد الفقهاء لم يكن على السندوحده، ولم يكونوا يحكمون بصحة حديث إلا بعد القطع بذلـﻙ، لأن كثر الأخبار كانت عندهم متواترة، أو في حكم المتواترة لقرائن دلّت على ذلـﻙ(15).
السادسة: كما استدل الأخباريون يضاً على صحة ما جاء في الكتب الأربعة اعتماداً على المقدمات التي وردت فيها، فقد قال الكيني في أول (الكافي): «قد فهمت يا أخي ما شكوت من اصطلاح أهل دهرنا على الجهالة، وما ذكرت أن أموراً قد اشكلت علىـﻙ لا تعرف حقائقها لاختلاف الروية فيها . . إلى أن قال: وقلت: إنـﻙ تحب أن يكون عندﻙ كتاب كافٍ يجمع من جميع فنون علم الدين، ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد. . . وقد يسّر الله وله الحمد تإلىف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت، فمهما كان فيه من تقصير، فلم تقصر نيتّنا في إهداء النصيحة، إذ كانت واجبة لإخواننا»(16).وقد قرب الحرّ العاملي الاستدلال على صحّة أحاديث الكافي بوجوه منها:
1 ـ قوله بالآثار الصحيحة، حيث أنه لم يذكر فيه قاعدة يميز بها الصحيح من غيره، لو كان غير صحيح، فعلم أن كل ما فيه صحيح باصطلاح القدماء، بمعني الثابت عن المعصوم بالقرائن القطعية أو التواتر.
ب ـ انه وصف كتابه بأوصاف يستلزم منها ثبوت أحاديثه، والتي منها: أنه صنّف كتابة لإزارة حيرة السائل، فلو لفق كتابه من صحيح وغيره لزاد السائل حيرة وإشكالاً.
ج ـ انه ذكر انه لم يقصر في اهداء النصيحة، وانه يعتقد وجوبها فكيف يرضي بالتقصير في ذلـﻙ، ويلفق كتابه من الصحيح والضعيف مع كون القسمين متميزين في زمانه قطعاً (17).
أما الشيخ الصدوق فقد صرّح في أول كتابه (من لا يحضره الفقيه) بعد أن ذكر سبب تإلىفه للكتاب (وأضفت له هذا الكتاب بحذف الأسانيد لئلا تكثر طرقه، وإن كثرت فوائده، ولم أقصد فيه قصد المصنفين إلى يراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى يراد ما أفتي به، وأحكم بصحته وأعتقد أنه حجة بيني وبين ربّي، ثم ذكر الكتب التي استخرج منها كتابه) (18).
وقد اعتمد الأخباريون على ما أروده الصدوق في مقدمة كتابه المقد، مة لإثبات ما ذهبوا إليه (19).
قال الحرّ العاملي بعد ذكر مقدمة الشيخ الصدوق: (انها صريحة في الجزم بصحة أحاديث كتابه والشهادة بثبوتها، وفيه شهادة بصحة الكتب المذكورة وغيرها مما أشار إليه وثبوت أحاديثه) (20).
السابعة: اعتبر الأخباريون ما ورد على لسان أئمتهم من تنبيه إلى ما دسّه الكذابون، وتسميتهم بأسمائهم، رعية منهم لتفقية هذه المدونات مما دسّه الكذابون.
وفي معرض الرّد على من قال: ان الكذابين والوضاعين كثيرون كما تشهد به كتب الرجال، فربما غفل أصحاب الكتب الأربعة ونقلوا بعض الأخبار المكذوبة أو الموضوعة في كتبهم لا عن عمد، وربما دسها بعض الرواة الثقاة فزاد في الحديث أو نقص منه لا عن عمد، فنقلوه كما وجدوه فكيف يمكن الحكم بحصة كل ما في هذه الكتب والاعتماد عليه؟
أجاب العاملي حسين بن شهاب الدين بقوله: (إن هذا محتمل، ولكنه يندفع بالتأمل في تناسب أجزاء الحديث ومطابقة السؤال للجواب، واعتضاد بعض الأخبار ببعض، وكون الحديث مضطرباً، . . . أو لا يدل على معني محصل، أو غير ذلـﻙ، فلو رينا حديثاً يقع فيه الريب أو الشـﻙ لا نعمل به، ولا نكذب به، بل نسكت عنه احتياطاً(21).
الثامنة قال المحدث البحراني: (ان الاختلاف الواقع في الأخبار إنما نشأ من التقية (22)، لا من دسّ الأخبار المكذوبة في أخبارنا، والتي منها ما ورد عنهم عليهم السلام من أن لكل رجل منا رجلاً يكذب عليه.
فإن أصحاب الأصول الأربعمائة كانوا يتحرزون عن روية ما لم يجزموا بصحته.
وبعد أن ذكر أحاديث نص فيها الأئمة على أسماء الكذابين أمثال المغيرة بن سعيد، ومحمد بن مقلاص المعروف بأبي الخطاب، وفارس بن حاتم القزويني، ومحمد بن نصير النميري، وجمع كثير ممن تسمي بالشيعة، حيث ذهب إلى أن شهرة الأمر في هؤلاء المعدودين وأمثالهم، فإنهم لا يعتمد أحد ممن اطلع على أحوالهم و على روياتهم، ولا يدونونها في أصولهم إلا مع اقترانها بما يوجب صحتها ويعلن ثبوتها(23).
موقف الأصوليين من الكتب الأربعة
لا يخفي أن دعوي قطعية صدور الأخبار لا يمكن قبولها إن كان المراد ما هو المتبادر من القطع الذي هو إلىقين الجازم المانع من النقيض، لكثرة الدواعي والأسباب المانعة من حصوله لاحتمال الخطأ والغفلة والنسيان، بل وتعمد الكذب في أصل كتابة الأخبار، بل وفيما بعد ذلـﻙ في كل عصر وزمان مضافاً إلى احتمال الدسّ في تلـﻙ الأعصار السابقة كما دلّت على ذلـﻙ جملة من الأخبار.
(منها): ما روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: (أنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا؛ فيسقط صدقنا بكذبه علينا) (24).
وفي روية عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: (كان أبو الخطاب أحمق فكنت أحدثه فكان لا يحفظ وكان يزيد من عنده) (25).
وفي آخر عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: (لعن الله المغيرة بن سعيد، انه كان يكذب على أبي ) (26).
من أجل هذا تساءل الوحيد البهبهاني (ت 1206 ـ 1208 هـ) بقوله: فكيف تدعي القطعية للأخبار مع أن اختلافها في زمن صدورها؟ وسؤال الرواة بعد تحيرهم عن الحق منها يقضي بعدم كونها قطعية يضاً، وان كان التحير في جملة منها من جهة الواقع لا من جهة الصدور، كما يكشف عنه التراجيح من جهة الصدور كالأوثقية والأعلمية ونحوهما (27).
وكيف تدعي القطعية . . .؟ مع ما تري من الخلل بالزيادة والنقصان والتغيير و التبديل . . كما تقضي به وتشهد له الملاحظة، فكم تري الخبر الواحد المروي في الكتب الأربعة فضلاً عن غيرها. مختلف المتن بالزيادة في بعضها والنقصان في آخر، فتري في بعضها (الواو) وفي الآخر (أو) مكانه، وفي الثالث (الفاء) مكانهما مثلاً، وفي الرابع زيادة فقرة متكفلة بحكم آخر أو منافية لسابقها (28).
أما من ناحية الطريق فالأمر لا يختلف يضاً، وذلـﻙ لا شتراﻙ الرواة اسماً، أو لقباً، أوكنية أو صفة، أو نسباً، أو مكاناً، إلى غير ذلـﻙ والمميزات ظنية.
وهكذا كلما زادت الوسائط زاد احتمال الخلل، وكذا في كيفية النقل باللفظ أو المعني، فإن احتمال الخطأ في النقل بالمعني كثر منه في اللفظ، إلى غير ذلـﻙ مما يوجب عدم الطمأنينة بالصدور فضلاً عن القطعية، فدعواها ليست إلا مكابرة صرفة، نعم دعوي الظنية و الاطمئنان بها في الجملة في محلها خصوصاً الكتب الأربعة(29).
وإذا رجعنا إلى ما ذكره الحّر العاملي في الفائدة الثامنة(30) من تفصيل بعض القرائن التي يقترن بها الخبر، فانا عند الملاحظة والتأمل نراها غير دالة على مدعاه من قطعية أخبار الكتب الأربعة بمعني جميعها فضلاً عن غيرها، إذ هي ما بين كون الراوي ثقة، أو كون الروية مأخوذة من كتاب معتمد، أو موجودة في أصلين، أو كون الراوي لها من أهل الاجماع على التصدق أو التصحيح أو غير ذلـﻙ من الأمور التي لا توجب أزيد من كون الخبر معتمداً عليه، حجة في مقام العمل، اما أنه قطعي الصدور فمن ين؟ بل جملة منها لا تصل إلى هذا الحد ولا تفيده ككونه مجرداً عن المعارض، فإن مجرد كون الخبر خإلىاً عن المعارض لا يوجب اعتباره ووجوب العمل به ما لم يكن جامعاً لشرائط الحجية من وثاقة ونحوها.
كما ناقش الوحيد البهبهاني الحرّ العاملي فيما ذهب إليه في الفائدة التاسعة التي عقدها للاستدلال على صحة أخبار الكتب التي نقل منها كتابه (الوسائل)،فقد قال االحرّ العاملي: (والموجب أنّ هؤلاء المتقدمين، بل من تأخر عنهم، كالمحقق، والعلامة، والشهيدين، وغيرهم، إذا نقل واحد منهم قولاً عن أبي حنيفة أو غيره . . أو نقل كلاماً من كتاب معين، ورجعنا إلى وجداننا نري أنه قد حصل لنا العلم بصدق دعواه وصحة نقله لا الظن، وذلـﻙ علم عادي، كما نعلم أن الجبل لم ينقلب ذهباً، والبحر لم ينقلب دماً، فكيف يحصل العلم من نقله عن غير المعصوم، ولا يحصل من نقله عن المعصوم غير الظن(31).
وقد أجاب الوحيد البهبهاني عن ذلـﻙ موضحاً أنه لا فرق بين القسمين، أعني النقل عن المعصوم وغيره في عدم حصول القطع بمعناه أعني إلىقين الجازم الذي لا يحتمل النقيض، كما أنه لا فرق بينهما في حصوله بمعني وجوب القبول والعمل والثبوت بعد كون الناقل جامعاً لشرائط الحجية من العدالة والضبط ونحوهم. (32)
نعم قد يحصل أول الأمر ما يشبه إلىقين لكون السامع غافلاً وغير ملتفت إلى الأضداد، وخإلى الذهن عن المخبر به، فيجد نفسه مطمئناً بذلـﻙ الخبر وسكناً إليه على وجه يصح ـ ولو بالتسامح ـ إطلاق العلم العادي عليه، لكنه بعد التروّي والتأمل والالتفات إلى موانع القطع والمطابقة للواقع من السهو والغفلة ونحوهما لا يجد نفسه إلا ظاناً أو مطمئناً في الجملة، وهذا يضاً حاصل في القسمين معاً، فالتفرقة بينهما ناشئة من قلة التأمل وعدم إعطائة حقه (33).
أما ما ذكره الكليني (ت 328 ـ 329 هـ) من سبب تإلىفه لكتابه (الكافي)فإنه لم يشترط عليه أن لا يذكر في غير الروية الصحيحة أو ما صحَّ عن الصادقين عليه السلام، ولعل المتتبع لكتاب الكافي يجده قد أورد ررويات كثيرة عن غير المعصومين عليهم السلام (34).
لهذا كله تساءل الشيخ كاشف الغطاء حيث قال: (المحمدون الثلاثة كيف يعوّل عليهم في تحصيل العلم، وبعضهم يكذب روية بعض بتكذيب بعض الرواة، فما استندوا إليه مما ذكروا في أوائل الكتب الأربعة من أنهم لا يروون إلا ما هو حجة بينهم وبين الله، أو ما يكون من القسم المعلوم دون المظنون فبناء على ظاهره لا يقتضي حصول العلم بالنسبة إلىنا لأن علمهم لا يؤثر في علمنا) (35).
أي أن أخبارهم بصحة جميع ما في كتبهم إنما هو اجتهاد استنبطوه مما اعتقدوا أنه قرينة على الصدق وهذا الاجتهاد ملزم لهم وغير ملزم لغيرهم(36).
إذ أن المجتهد في مقام إجراء عملية الاستنباط وهو يريد الوصول إلى حكم الله على جميع ما يتصل بالحكم عليه أن يخوض المسألة بنفسه، ويلاحظها كما لو لم يسبقه إليها أحد المجتهدين، وطبيعي أن هذا يستدعي أن يأخذ بعين الاعتبار أسانيد الرويات التي ينوي استخراج الحكم منها، ولا يكفيه الاعتماد على غيره في هذه الجهة الدقيقة ـ وعلى سبيل المثال ـ لو بحث المجتهد عن شخصية أحد الرواة من خلال الكتب الرجإلىة، وأشبعة تمحيصاً فوجد فيه ما لا يمكن الاعتماد عليه من ناحية الروية فكيف يصنع؟ يأخذ بروية اعتماداً على توثيق غيره له مع أنه قد اطلع على ما لم يطلع عليه غيره من جوانب ضعف الراوي؟
كما أن بعض الشيعة لا تلتزم بصحة كتاب ما من أوله إلى آخره عدا الكتاب المجيد، لا تلتزم بآراء سابقة في تصحيح الأحاديث، وإنما تضعفها دائماً موضع الدرس والتمحيص، وتخضع أسانيد جميع الأحاديث الواردة في جميع كتب الحديث عند جميع المسلمين لقواعد الجرح والتعديل، ومتونها لقواعد الدرية (37).
وهكذا يتضح موقف الأصوليين من الأخبار الواردة في هذه الكتب أو غيرها، فإنهم أخضعوها إلى قواعد علم الدرية، وعلم أصول الفقه بقدر ما يخصه، وعلم الرجال، ثم أخذوا بما يؤدي إليه الظن، وقد قام بعضهم بمحاولات اجتهادية في تشذيب الأحاديث وتهذيبها مثلما فعل العلاّمة الشيخ حسن بن الشهيد الثاني زين الدين المشهور بـ (صاحب المعالم)، (ت 1011 هـ) في تإلىفه (منتقي الجمان في أحاديث الصحاح والحسان).
تعقيب: إن الثابت هو سلامة الأخبار الواردة في تلـﻙ الكتب من الدّس والوضع، بمعني أن كل راو ورد في إسنادها قد حدّث بها، لا أنها مكذوبة عليه ومدسوسة في كتابه من قبل الواضع الداس، لكن لا يلزم من ذلـﻙ التعبد بصدورها أجمع عن الإمام عليه السلام لتوقف حجية الخبر على أمرين: الأول: إحراز نقل الراوي له. الثاني: وثاقته.
والأمور السابقة إنما تثبت لنا أن الراوي كمحمد بن رنان نقل الخبر عن الإمام عليه السلام لا أنه مكذوب عليه، أما وثاقته فنحتاج إلى إحرازها من طريق آخر، كوثاقة بقية رجال سند الخبر. نعم لو حصل من تلـﻙ الأمور وثوق واطمئنان بصدور تلـﻙ الأخبار بأجمعها عن الإمام عليه السلام كانت حجة لذلـﻙ وإن لم يثبت وثاقة رواتها، وكذا لو اطمأنّ الفقيه بصدور بعضها لكونه موجوداً في الكتاب المعروض على الإمام عليه السلام أو قامت القرائن على أن الجواب بخطه عليه السلام.
هذا جار في اعتبار نفس الكتاب والأصل الناقل للأخبار حيث لا يثبت اعتباره إلا بعد إحراز وثاقة مؤلفه وصحة نسبته إليه، فلا يجدي أحدهما، ولذا بحث الفقهاء عن صحة طرق الشيخين الطوسي والصدوق إلى أصحاب الكتب والأصول التي نقلا عنها الأخبار فحكموا بصحة بعضها، وضعف البعض الآخر، كما هجر كثير منهم رويات كتاب الفقه الرضوي المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام لعدم ثبوت تلـﻙ النسبة لديهم.
تقسيم الأخبار بين الأصوليين والأخباريين
قسم الأصوليون الأخبار باعتبار أحوال وصفات تعرض لها إلى ثلاثين نوعاً، منها أصول، ومنها فروع تلحقها، وتشترﻙ بينها كلاً أوبعضاً، فالأصول أربعة:
أولاً: الصحيح: (وهو ما اتصل سنده إلى الإمام بنقل عدم إمامي عن مثله في جميع الطبقات وإن تعددت).
ثانياً: الحسن: (وهو ما اتصل سنده إلى الإمامي بإمامي ممدوح من غير نص على عدالته، مع تحقق ذلك في جميع مراتبه، أو في بعضها، مع كون الباقي من الطريق من رجال الصحيح، ويوصف الطريق بالحسن لأجل ذلك الواحد).
ثالثاً: الموثق: (وهو ما اتصل سنده بنقل غير إمامي نص الإمامية على توثيقه في كل الطبقات أو بعضها مع يمان الباقين وعدالتهم أو مدحهم ويسمي القوي).
رابعاً: الضعيف: (وهو ما لا تجتمع فيه شروط أحد الثلاثة السابقة، بأن يشتمل طريقة إلى مجروح بالفسق ونحوه، أو مجهول الحال، أو ما دون ذلـﻙ الوضّاع وهو الذي يدخل في الحديث ما ليس فيه) (38).
كان هذا التقسيم للأخبار سبباً في مؤاخذة الأخباريين للأصوليين لأنهم لا يقولون إلا بوجود قسمين: وهما: الصحيح، والضعيف، لذا اعتبروا هذا التقسيم خروجاً عن اثنينية التقسيم.
أولاً: الجذور التاريخية للتقسيم
لقد ذهب جماعة من فقهاء الإمامية إلى أن التقسيم المذكور للأخبار لم يكن معروفاً عن القدماء من فقهاء الإمامية، وعلماء الحديث منهم، وانه اصطلاح حادث نظراً إلى أن الخبر لديهم إما صحيح وهو الذي احتف بقرائن تفيد القطع والوثوق بصدوره، عن الإمام، وأما ضعيف وهو الذي لم يحتف بتلـﻙ القرائن.
قال الشيخ حسن بن زين الدين العاملي (ت 1011 هـ): (فإن القدماء لا علم لهم بهذا الاصطلاح قطعاً لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالة على صدق الخبر . . وإذا أطلقت الصحة في كلام من تقدم فمرادهم منها الثبوت والصدق)(39).
وفي موضع آخر قال: (وتوسعوا في طرق الرويات وأوردوا في كتبهم ما اقتضي ريهم يراده من غير التفات إلى التفرقة بين صحيح الطريق وضعيفه . . اعتماداً منهم في الغالب على القرائن المقتضية لقبول ما دخل الضعف طريقه) (40).
وبه أخذ الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) (41). والشيخ يوسف البحراني (ت 1186 هـ) (42)، وقد ساقهم ذلـﻙ  إلى البحث عمّن أحدث هذا الاصطلاح، وقد تردد بين السيد ابن طاووس (ت 673 هـ) (43)، والعلامة الحلي(44).
فقد ذهب صاحب المعالم إلى أن الذي أحدث هذا الاصطلاح هو السيد ابن طاووس(45). كما ذهب العاملي حسين بن شهاب الدين (ت 1076 هـ) إلى أن الذي أحدث هذا التقسيم هو العلامة الحلي(46).
أما الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) فقد ذهب إلى أن أول من اصطلح ذلـﻙ هو العلامة الحلي يضاً(47) وإذا انتقلنا إلى الحر العاملي وجدنا ظاهر كلامه يوحي ان الذي أحدثه هو السيد ابن طاووس(48)، اما الشيخ البحراني فقد جعل هذا الاصطلاح مردداً بين العلامة الحلي وشيخه ابن طاووس(49).
ثانياً: موقف الأخباريين من التقسيم
لقد وقف الأخباريون من هذا التقسيم موقف المعارض واعتبروه من البدع التي لا يحل العمل بها(50) وأخذوا في ذكر الأدلة على إبطاله مع ذكر الأدلة لإثبات صحة جميع الأخبار في الكتب الأربعة وقد استدل الشيخ يوسف البحراني بوجوه ستة على ذلـﻙ:
فمن هذه الوجوه: أن منشأ الاختلاف في الأخبار إنما هو التقية، لا من دسّ الأخبار المكذوبة حتي يحتاج إلى هذا الاصطلاح، وإذا كان السبب إنما هودسّ الأحاديث المكذوبة فإنهم عليهم السلام قد أمرونا بعرض ما شـﻙ فيه من الأخبار على الكتاب و السنّة فيؤخذ بما وافقهما ويطرح ما خالفهما . . وهكذا فنحن في غني عن هذا الاصطلاح(51).
كما ذكرنا ما ورد من توثيق وجرح بنوا عليه هذا التقسيم للأخبار إنما أخذوه من كلام القدماء، وكذلـﻙ الأخبار التي رويت في أحوال من المدح والذم إنما أخذوها عنهم، فإذا اعتمدوا عليهم في مثل ذلـﻙ، فكيف لا يعتمدون عليهم في تصحيح ما صححوه من الأخبار، واعتمدوا وضمنوا صحته كما لا يخفي على من لاحظ مقدمتي الكافي ومن لا يحضره الفقيه، وكلام الشيخ الطوسي في عدة الأصول، وفي التهذيب والاستبصار، فإن كانوا ثقاة عدولاً في الأخبار بما أخبروا ففي الجميع(52).وبعد أن ذكر هذين الوجهين نقل لنا تصريحات لجملة من العلماء المتقدمين والمتأخرين، منها تصريح للشهيد الأول، وتصريح للشيهد الثاني، ومثله للشيخ البهائي، حيث كدت هذه التصريحات أن أحاديث الكتب الأربعة هي أحاديث الأصول الأربعمائة بعينها وهذا يستلزم أن تكون أحاديث هؤلاء الأئمة الثلاثة أصحاب الكتب الأربعة كلها صحيحة(53).
وهكذا فقد حصر الأخباريون الحجة من الأخبار لدي القدماء من فقهاء الإمامية بما احتف بتلـﻙ القرائن.
ثالثاً: موقف الأصوليين من التقسيم
لقد ذهب الأصوليون إلى أن هذا التقسيم السالف الذكر قد تولد نتيجة عوامل عديدة أدت إلى انبثاقه، يمكن إجمالها بما يأتي:
أ ـ إن هذا التقسيم قد جاء منسجماً مع الاختلاف الكبير في صفات الراوي، فإن هذا العدد الكبير من الرواة للأحاديث قد تميز بعضهم عن البعض الآخر بمميزات وصفات، فقد صدرت في حق بعضهم شهادات علىة من قبل أهل البيت عليهم السلام أمثال أبي بصير(54)، ويونس بن عبدالرحمن(55)، وأبان بن تغلب(56)، وزرارة، وليث المرادي، وبرير بن معاوية، ومحمد بن مسلم(57).
ولما كان الرواة مختلفين في درجة ضبطهم وسرعة انتقالهم، وتقواهم وورعهم، من هنا فإن التقسيم المذكور جاء متمشياً وهذه الصفات التي يتمتع بها الراوي.
ب ـ كثرة الوضّاعين الذين اختلقوا الأحاديث ونسبوها إلى الأئمة، إذ أن بعض هذه الأحاديث المنسوبة ألفاظاً واسناداً من اختلاق الوضّاع، وبعضها بإسناد مكذوب، واضعين فيه حكمة رائعة أو كلمة موجزة.فقد ورد عن يونس بن عبدالرحمن أنه قال: ان بعض أصحابه سأل الإمام وهو حاضر، فقال: يا أبا محمد ما أشدّﻙ في الحديث وكثر إنكارﻙ لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملـﻙ على ردّ الحديث؟ فقال: حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبدالله عليه السلام يقول: «لا تقبلوا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنّة، أو تجدون منه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة فإن المغيرة بن سعيد لعنه الله دسَّ في كتب أبي أحاديث لم يحدث بها. الخ) (58).
وقد أوضح لنا الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) المراد بالصحيح عند الكليني والصدوق بقوله: (وقد جري صاحبا كتابي (الكافي، والفقيه) على متعارف المتقدمين في إطلاق الصحيح على ما يركن إليه ويعتمد عليه، فحكما يصحة جميع ما أورداه في كتابيهما من الأحاديث، وإن لم يكن كثير منه صحيحاً على مصطلح المتأخرين) (59).
كما أن الشيخ الصدوق (ت 381 هـ) لم يغفل الصفات التي يتحلّي بها الراوي حيث قال: (وأما خبر صلاة يوم غدير خم والثواب المذكور فيه لمن صامه، فإن شيخنا محمد بن الحسن كاني صححه ويقول: انه من طريق محمد بن موسي الهمداني وكان غير ثقة، وكل ما لم يصححه من الأخبار فهو عندنا متروﻙ غير صحيح) (60).
كما وجدنا الشيخ الطوسي عند استدلاله على حجية خبر الواحد الذي لا يطعن في رويته قد أشار إلى المدح والذم لرواة الحديث، وكذلـﻙ التوثيق، والتضعيف، حيث أوضح عدم مجهولية هذه الصفات عند القدماء، بل انها كانت معروفة(61).
والذي يتضح لنا مما تقدم أن القدماء والمتأخرين قد عملوا بهذا التقسيم، وانهم لم يغفلوه، وان السيد ابن طاووس إنما سار على نهج القدماء في هذا التقسيم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 . الأسترآبادي: محمد أمين (ت 1033 هـ)، الفوائد المدنية. ط / حجر، طهران، 1321 هـ/ 181.
 2 . المقصود بالأئمة الثلاثة هم أصحاب الكتب الأربعة، الكليني محمد بن يعقوب (ت 328 ـ 329 هـ) صاحب كتاب الكافي، ومحمد بن على بن الحسين بن بابويه (ت 381 هـ) صاحب كتاب (من لا يحضره الفقيه)والشيخ الطوسي محمد بن الحسن (ت 460 هـ) صاحب كتابي (التهذيب والاستبصار).
 3 . العاملي: حسين بن شهاب الدين (ت 1076 هـ): هدية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار، ط/1، مطبعة النعمان، النجف الأشرف 1396 هـ/ 82.
 4 . الكاشاني: ملا محسن الفيض (ت 1091 هـ): الوافي، طبع حجر/ يران/ 1328 هـ 1 / 11.
 5 . الحر العاملي: محمد بن الحسن (ت 1104 هـ)، وسائل الشيعة، ط/ 4، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1391 هـ، 02/ 96 ـ 104، الخاتمة.
 6 . البحراني: يوسف بن أحمد (ت 1186 هـ) : الحدائق الناضرة، تحقيق محمد تقي إلىرواني، مطبعة النجف 1376 هـ، 1 / 15 ـ 24.
 7 . لم يذهب الأخباريون إلى صحة جميع ما ورد في الكتب الأربعة فحسب، بل ذهبوا إلى صحة ما ورد في كتب حديثية أخري كفقه الرضا، حيث نقل لنا المجلسي محمد باقر (ت 1111 هـ) انه أخبره به السيد الفاضل المحدث القاضي أمير حسين بعدما ورد اصفهان، قال: قد اتفقت في بعض سنّي مجاورتي بيت الله الحرام انه أتاني جماعة من أهل قم حاجين، وكان معهم كتاب يوافق تاريخه عصر الرضا عليه السلام، وان السيد يقول: كان عليه خط الرضا عليه السلام وإجازات جماعة كثيرة من الفضلاء، ونقل المجلسي يضاً: إن السيد قال: (حصل لي العلم بتلـﻙ القرائن انه تإلىف الإمام عليه السلام ).
  وقد أخذ المجلسي هذا الكتاب وصححه واعتمد عليه. راجع: المجلسي، محمد باقر (ت 111 هـ): بحار الأنوار، ط/ حجر/يران 1306 هـ، 1 / 11 كما أَشار البحراني في تتمة المقدمة الثانية من الحدائق إلى أنه لم يقصر العمل بالأخبار على ما في كتب الأربعة المشهورة، فقد نقل عن المحدث السيد نعمة الله الجزائري (ت 1212 هـ) أن الأصول الأربعة لم تستوف الأحكام كلها بل وجدنا كثيراً من الأحكام في غيرها مثل: عيون أخبار الرضا، والأمإلى، وكتاب الاحتجاج، كما امتدح المحدث البحراني الشيخ المجلسي على ما جمع في بحاره من أخبار جمّة من الأصول المندرسة.
  البحراني: الحدائق الناضرة، 1 / 25.
 8 . الأسترآبادي: الفوائد المدنية /. 181.
 9 . الحر العاملي وغيره.
 10 . الحر العاملي وغيره.
 11 . م. ن/ 84 ـ 74 ـ 75.
 12 . الطوسي محمد بن الحسن (ت 460)، عدة الأصول، مطبعة وت برساد، بمبي، 1318 هـ 1 / 47.
 13 . الأسترآبادي: الفوائد المدينة / 183. الكاشاني: ملا محسن (الفيض): الوافي 1 / 11.
  وأنا بصدد ذكر هذا الدليل ريته من المناسب أن أتعرّض إلى عصر تإلىف هذه الأصول حيث تكاد الآراء تختلف، فبينما نجد بعضهم لا يتعرض إلى عصر التإلىف إطلاقاً كما في عبارة الشهيد الثاني (ت 965 ـ 966 هـ) في شرح الدرية حيث قال: (استقر أمر المتقدمين على أربعمائة مصنّف لأربعمائة مصنّف سموها أصولاً فكان عليها اعتمادهم).
  الطهراني: أغا بزرﻙ: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، مطبعة الغري، النجف الأشرف، 1355 هـ 2 / 130. في حين هناﻙ نصوص تصرح بزمن التإلىف ويمكن حصرها في قولين:
  الأول: ان زمن التإلىف هو عصر الصادق عليه السلام قال المحقق الحلي (ت 676 هـ): (كتب من أجوبة مسائل جعفر بن محمد أربعمائة مصنف لأربعمائة مصنف سموها أصولا).
  الحلي: أبو القاسم جعفر (المحقق)المعتبر، ط/ حجر، يران، 1317، /5.
  الثاني: عصر الأئمة من الإمام على إلى زمان العسكري، وهذا ما ذهب إليه السيد العاملي راجع: العاملي: محسن الأمين: أعيان الشيعة، ط / 3، مطبعة الانصاف، بيروت، 1370 هـ، 1 / 50.
  الطهراني: الذريعة 2 / 130.
 14 . الكليني: محمد بن يعقوب: الكافي ـ كتاب فضل العلم ـ باب روية الكتب والحديث وفضل الكتابة، مطبعة چانخانة، حيدري، طهران، 1379 هـ 1 /10.
 15 . العاملي: حسين بن شهاب الدين: هدية الأبرار / 85.
 16 . الكيني: الكافي 1 / 5. العاملي: هدية الأبرار / 56.
 17 . الحر العاملي: وسائل الشيعة 20 / 64.
 18 . الصدوق: من لا يحضره الفقيه 1 / 302.
 19 . الأسترآبادي: الفوائد المدنية / 183 حيث اعتمده وجهاً.
 20 . الحر العاملي : وسائل الشيعة 20 / 62، 64، 65 فقد أورد كلام الشيخ الطوسي في العدة والاستبصار وعلّق عليه بما يؤيد مذهبه.
 21 . العاملي: هدية الأبرار / 101.
 22 . التقية : الإظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب للخوف على النفس، إذا كان ما يبطنه هو الحق فإذا كان يبطنه باطلاً كان ذلـﻙ نفاقاً، وهي مأخوذة من الوقية لتدفع عن نفسـﻙ الأخطار وتقيها من المخاوف.
  راجع الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، تحقيق أحمد حبيب القصير، المطبعة العلمية، النجف الأشرف 1957، 1/ 357.
  الطبرسي، أبو على (ت 588 هـ): مجمع البيان في تفسير القرآن، 1 / 43، وقد استقاضت الأخبار عند الشيعة الإمامية على جواز استعمال التقية في أقوالهم وأفعالهم، فكانوا لا يبيحون بالحكم الواقعي إلا عند الآمن على أنفسهم (منها): صحيح معمر بن خلاّ: عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (التقية من ديني ودين آبائي، ولا يمان لمن لا تقية له).
  راجع: الحر العاملي، وسائل الشيعة، ب 23 الأمر بالمعروف، فتدل بإطلاقها على استعمال أهل البيت للتقية قولاً وفعلاً.
  ومنها: صحيح زرارة عن أحد الصادقين عليه السلام قال: (ثلاثة لا أتقِي فيهنّ أحداً، شرب المسكر ومسح الخفين، ومتعة الحج). راجع الحر العاملي، وسائل الشيعة، ب 38، الوضوء، ح 1.
  وأهل البيت لم يستعلموا التقية إلا بعد أن دعت الحاجة إليها، وقد رخص فيها الشرع الاسلامي، قال تعلى: (تُولِجُ إلىلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي إلىلِ وَتُخْرِجُ الْحَّي مِنَ الْمَيتَ وَتُخرِجُ الْمَيتَ مِنَ الحَي وَتَرزُقُ مَن تَشآءُ بِغَيرِ حِسَابِ «27» لاَّ يتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الكفِرينَ أولِيآءَ مِن دُونِ المُؤمِنينَ وَمَن يفْعَلْ ذَلِك فَلَيسَ مِنَ اللهِ فِي شَيءٍ إلاّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُم تُقَةً وَيحذِرُكمُ اللهُ نَفسَهُ وإلى اللهِ المَصِيرُ «28»)(سورة آل عمران ية 28 ).
  بل رخص في إظهار كلمة الكفر عند الاضطرار كما فعله عمار بن ياسر حين اضطرته قريش إلى النيل من النبي صل الله عليه وآله وسلم فنزل قوله تعلى (وَعَلمَتٍ وَبِالنَّجْمِ هُم يهْتَدوُنَ «16»)(سورة النحل ية 16).
  وقال له النبي صل الله عليه وآله وسلم : «يا عمّار إن عادوا فعد» . راجع: الحر العاملي: وسائل الشيعة، ب 29، الأمر بالمعروف، الواحدي، على بن أحمد النيسابوري، أسباب النزول / 212.
  بالإضافة لم دل من الكتاب والسنة على نفي الجرح في الشرع، وإباحة ما اضطر إليه المكلف، فإنه دال على مشروعية التقية لأنها عبارة عن وقية النفس أو المال أو العرض من الأذي، وقد ذكر الخطيب البغدادي ان أبا حنيفة كان يقول بخلق القرآن فاعترضه ابن أبي ليلي واستتابه، فتاب وعدل إلى القول بأن القرآن من كلام الله تعلى، فقال له ابنه حماد: كيف صرت إلى هذا وتابعته، قال: ـ«يا بني خفت ان يقدم على، فأعطيته التقية».
  راجع: البغداد، أحمد بن على : تاريخ بغداد، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، لم تذكر سنة الطبع 13 / 379.
 23 . المحدث البحراني: الحدائق 1 / 1308.
 24 . الكشي : محمدبن عمر بن عبد العزيز: رجال الكشي أومعرفة أخبار الرجال، المطبعة المصطفوية، بمبي، لم تذكر سنة الطبع، 4 / 197 ترجمة محمد بن مقلاص.
 25 . م. ن: 4 / 191 وأبو الخطاب هو محمد بن مقلاص أبي زينب الأسدي، الكوفي، الأجدع الزراد، البزاز، البراد، وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام غير أنه تغيرت حالة فطرده ولعنه.
 26 . راجع: المامقاني، عبدالله، تنقيح المقال، المطبعة المرتضوية، النجف الأشرف، 1352 هـ، 3 / 189 رقم الترجمة (11393).
 27 . االكشي: معرفة أخبار الرجال، 4 / 197.
 28 . م. ن/ 210.
 29 . م. ن/ 210 ـ 211.
 30 . الحر العاملي: وسائل الشيعة، 20 / 64.
 31 . الحر العاملي: وسائل الشيعة 2 / 98.
 32 . البهبهاني: الفوائد الحائرية / 217.
 33 . م. ن / 217 ـ 218.
 34 . الكليني: الكافي، الكتاب 3، باب إبطال الرؤية، ح 1212/ 29. م. ن: الكتاب 3، باب الإشارة والنص على الحسن العسكري عليه السلام ح 13ـ 14، 1 / 70.
 35 . كاشف الغطاء. جعفر: كشف الغطاء، مطبعة محمد باقر، يران، 1371 هـ. المبحث الثامن والأربعون، بلا ترقيم.
 36 . الخوئي، أبو القاسم: معجم رجال الحديث، المدخل، 1 / 103 ـ 104.
 37 . الفياض، عبدالله: الإجازات العلمية عند المسلمين، مطبعة أسعد، بغداد، 1392 هـ / 12.
 38 . راجع هذه التعاريف: الشهيد الثاني ،زين الدين بن على بن أحمد: الدرية في علم مصطلح الحديث، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، لم تذكر سنة الطبع/ 19 ـ 24.
  العاملي، حسين بن شهاب الدين: هدية الأبرار / 109.
  الأزري، مهدي: الفقه الجعفري والقانون المدني العراقي، مقال في مجلة الغري ، لشيخ العراقين آل كاشف الغطاء، العدد 57 / 10000.
 39 . حسن، الشيخ بن زين الدين: منتقي الجمان في أحاديث الصحاح والحسان، ط/ حجر، يران 1379 هـ، 1 / 3 / 13.
 40 . م. ن: 1 / 1303.
 41 . الكاشاني: الوافي 1 / 11.
 42 . البحراني: الحدائق الناضرة 1 / 14 ـ 15، المقدمة الثانية.
 43 . وهو أبو الفضائل جمال الدين بن أحمد بن موسي بن جعفر، العالم الفقيه، المحدّث، صاحب التصانيف الكثيرة (ت 673 هـ)، القمي، عباس: الكني والألقاب، 1 / 334 ـ 335.
 44  . وهو جمال الدين أبو منصور، الحسن بن سديد الدين يوسف بن على بن المطهر الحلي (ت 726 هـ).
  القمي، عباس: الكني والألقاب، 2 / 442 ـ 444.
 45 . حسن بن زين الدين: منتقي الجمان، 1 / 13.
 46 . العاملي: هدية الأبرار / 96.
 47 . الكاشاني: الوافي، 1 / 811.
 48 . الحر العاملي: وسائل الشيعة، 20 / 102 الخاتمة.
 49 . البحراني: الحدائق الناضرة، 1 102.
 50 . الحر العاملي: وسائل الشيعة، 20 / 96 الفائدة التاسعة.
 51 . البحراني: الحدائق الناضرة، 1 / 15 ـ 16.
 52 . م. ن: 1 / 16.
 53 . م. ن: 1 / 17 ـ 20 راجع بقية الوجوه في صفحة 22 / 24 .
 54 . الحر العاملي: وسائل الشيعة، ب 11، ح 15، صفات القاضي 18 / 103.
 55 . م. ن: ب 11، ح 33، صفات القاضي 18 / 107.
 56 . م. ن: ب 11، ح 33، صفات القاضي 18 / 108.
 57 . م. ن: ب 11، ح 33، صفات القاضي 18 / 104.
 58 . المغيرة بن سعيد، مولي بجيلة، ضعّفه رجال الحديث، وترددت أخبار عديدة أنه كان يكذب على الإمام الباقر عليه السلام، فقال فيه الإمام الصادق عليه السلام هذا الحديث وغيره مما نقله الرجإلىون. أنظر: المامقاني، عبدالله: تنقيح المقال، 3 / 236، رقم الترجمة (12059).
 59 . الكاشاني: الوافي، 1 /11.
 60 . الصدوق، محمد بن على: من لا يحضره الفقيه، 2 / 55.
 61 . الطوسي: عدة الأصول، 1 / 53


عدد مرات القراءة:
15841
إرسال لصديق طباعة
الأثنين 2 جمادى الأولى 1446هـ الموافق:4 نوفمبر 2024م 05:11:17 بتوقيت مكة
هادي 
متى الاخباريين والاصوليين كفرنا البعض وتناحرنا🤣🤣مضحك ياكذاب.
 
اسمك :  
نص التعليق :