آخر تحديث للموقع :

الخميس 4 رجب 1444هـ الموافق:26 يناير 2023م 10:01:54 بتوقيت مكة

جديد الموقع

أكلت داجن ورقة من مصحف (حديث الداجن) (عشر رضعات) ..
الكاتب : من ردود العلماء ..

 أكلت داجن ورقة من مصحف (حديث الداجن) (عشر رضعات) 

الحديث مدار جميع طرقه وألفاظه على الإسناد الآتي:
عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها من كلامها موقوفا عليها.

وقد أخذه عن عبد الله بن أبي بكر جماعة من الرواة، وقد كانت روايتهم على الأوجه الآتية:
الوجه الأول: يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، ولفظه: (نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ أَيْضًا خَمْسٌ مَعْلُومَاتٌ).
أخرجه الإمام مسلم في " صحيحه " رقم/1452) وغيره.
ونلاحظ في هذه الرواية أنها لا تشتمل على شيء من قصة ماعز أو داجن تأكل شيئا من صحف القرآن الكريم.

الوجه الثاني: يرويه الإمام مالك رحمه الله، ولفظه: (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ).
رواه مالك في " الموطأ " (كتاب الرضاع/حديث رقم17) ومن طريقه الإمام مسلم (1452) وغيره.
ونلاحظ ههنا أن رواية الإمام مالك عن عبد الله بن أبي بكر لا تشتمل أيضا على شيء من قصة ماعز أو داجن تأكل شيئا من المصحف، وإنما زاد فيه الجملة الأخيرة: (فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ)

الوجه الثالث: يرويه محمد بن إسحاق، ولفظه: (لَقَدْ أُنْزِلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ، وَرَضَعَاتُ الْكَبِيرِ عَشْرٌ، فَكَانَتْ فِي وَرَقَةٍ تَحْتَ سَرِيرٍ فِي بَيْتِي، فَلَمَّا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشَاغَلْنَا بِأَمْرِهِ، وَدَخَلَتْ دُوَيْبَةٌ لَنَا فَأَكَلَتْهَا).
 
رواه الإمام أحمد في " المسند " (43/343)، وابن ماجة في " السنن " (رقم/1944) ولفظه: (فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَشَاغَلْنَا بِمَوْتِهِ دَخَلَ دَاجِنٌ فَأَكَلَهَا).
 
وهو كما ترى يشتمل على لفظ زائد وغريب عما رواه الإمامان الكبيران يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك بن أنس رحمهما الله، وهو ما يقصده السائل بسؤاله، ففي الحديث أن داجنا – وهي الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم - دخلت فأكلت الصحيفة التي تشتمل على آية الرجم وآية رضعات الكبير.
 
وهذه المخالفة كافية لدى المحدثين في الحكم على لفظ محمد بن إسحاق بالضعف والرد والشذوذ، فالحديث الشاذ عندهم هو الحديث الذي يخالف فيه الراوي الثقة ما رواه الثقات الأحفظ منه أو الأكثر عددا، وهي قاعدة عقلية سليمة، إذ كيف ينفرد راو بألفاظ للحديث نفسه الذي يرويه آخرون من رواته، وهم أكثر عددا، أو أقوى حفظا وأعلى مرتبة، أين كانوا عن تلك الزيادة أو المخالفة، وهل من سبيل إلا نحو القاعدة لمعرفة مخالفات الرواة وغرائب حديثهم ومروياتهم، وإذا لم يكن كذلك فكيف سيقنعنا ذلك المجادل بأن محمد بن إسحاق حفظ من حديث عائشة ما نسيه كل من يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك بن أنس، وهما أئمة هذا الشأن وأعلامه الكبار، حتى قال سفيان الثوري رحمه الله: كان يحيى بن سعيد الأنصارى أجل عند أهل المدينة من الزهري، وعده علي بن المديني أحد أصحاب صحة الحديث وثقاته ومن ليس فى النفس من حديثهم شيء، وقال فيه أحمد بن حنبل: أثبت الناس، وقال وهيب: قدمت المدينة فلم أر أحدا إلا وأنت تعرف وتنكر غير مالك ويحيى بن سعيد. انظر: " تهذيب التهذيب " (11/223)

فكيف إذا علمنا أن محمد بن إسحاق منتقَدٌ لدى بعض علماء الحديث، وقد عهدت عليه بعض الأخطاء في مروياته، وعهد عليه المخالفة لرواية الأئمة الثقات، فمثله لا تقبل مخالفته ولا تفرده بالغرائب عن غيره من الحفاظ الثقات.
 
قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول: ابن إسحاق ليس بحجة.
 
وقال عبد الله بن أحمد: لم يكن – يعني أحمد بن حنبل - يحتج به فى السنن.
 
وقال أيوب بن إسحاق: سألت أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد الله ! ابن إسحاق إذا تفرد بحديث تقبله ؟ قال: لا، والله إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من ذا.
 
وضعفه يحيى بن معين في إحدى الروايات عنه.
 
قال يعقوب بن شيبة: سمعت ابن نمير-وذكر ابن اسحاق-فقال: إذا حدث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق، وإنما أتى من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة [تاريخ بغداد للخطيب (1/277)
 
وقال النسائي: ليس بالقوي.
 
وقال الدارقطني: اختلف الأئمة فيه، وليس بحجة، إنما يعتبر به.
 
وقال الذهبي في السير(7/41)[وأما في أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن إلا فيما شذ فيه،فإنه يعد منكراً] وقال الذهبي في العلو صـفحة 39 [وابن اسحاق حجة في المغازي إذا أسند وله مناكير وعجائب]
 
ومما يزيد الأمر وضوحا أيضا أن القاسم بن محمد تابع عبد الله بن أبي بكر في رواية الحديث من غير زيادة محمد بن إسحاق.

فروى الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (11/486) قال: حدثنا محمد بن خزيمة، حدثنا الحجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عمرة، أن عائشة رضي الله عنها قالت: (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ سَقَطَ: أَنْ لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا عَشْرُ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدُ: أَوْ خَمْسُ رَضَعَاتٍ)

فالخلاصة أن قصة الشاة التي أكلت صحيفة القرآن الكريم في بيت عائشة رضي الله عنها قصة ضعيفة لا تثبت.
 
يقول ابن قتيبة الدينوري رحمه الله: " وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورجم الناس بعده وأخذ بذلك الفقهاء.
 
وأما رضاع الكبير عشرًا، فنراه غلطًا من محمد بن إسحاق، ولا نأمن أيضًا أن يكون الرجم الذي ذكر أنه في هذه الصحيفة كان باطلًا؛
 
لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد رجم ماعز بن مالك، وغيره قبل هذا الوقت، فكيف ينزل عليه مرة أخرى، ولأن مالك بن أنس روى هذا الحديث بعينه عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن، فتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهن مما يقرأ من القرآن).. إلى أن قال: “وألفاظ حديث مالك خلاف ألفاظ حديث محمد بن إسحاق. ومالك أثبت عند أصحاب الحديث من محمد بن إسحاق. " انتهى من " تأويل مختلف الحديث " (ص/443)

وقال محققو مسند الإمام أحمد:" إسناده ضعيف لتفرد ابن إسحاق - وهو محمد - وفي متنه نكارة " انتهى من " طبعة مؤسسة الرسالة " (43/343)

ويقول الألوسي رحمه الله:" وأما كون الزيادة كانت في صحيفة عند عائشة فأكلها الداجن، فمن وضع الملاحدة وكذبهم في أن ذلك ضاع بأكل الداجن من غير نسخ، كذا في الكشاف " انتهى من " روح المعاني " (11/140)

ويقول ابن حزم رحمه الله:" صح نسخ لفظها، وبقيت الصحيفة التي كتبت فيها - كما قالت عائشة - رضي الله عنها فأكلها الداجن، ولا حاجة بأحد إليها، وهكذا القول في آية الرضاعة ولا فرق، وبرهان هذا: أنهم قد حفظوها كما أوردنا، فلو كانت مثبتة في القرآن لما منع أكل الداجن للصحيفة من إثباتها في القرآن من حفظهم.فبيقين ندري أنه لا يختلف مسلمان في أن الله تعالى افترض التبليغ على رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ كما أمر... فصح أن الآيات التي ذهبت لو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبليغها لبلغها، ولو بلغها لحفظت، ولو حفظت ما ضرها موته، كما لم يضر موته عليه السلام كل ما بلغ فقط من القرآن " انتهى من " المحلى " (12/177).
 
وقال في كتابه "الإحكام" (4/453): (وقد غلط قومٌ غلطاً شديداً، وأتوا بأخبار ولَّدها الكاذبون والملحدون. منها: أنّ الداجن أكل صحيفةً فيها آية متلوة فذهب البتة... وهذا كلّه ضلالٌ نعوذ بالله منه ومن اعتقاده! وأمّا الذي لا يحلّ اعتقاد سواه فهو قول الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). فمَن شكّ في هذا كفر، ولقد أساء الثناء على أمهات المؤمنين ووصفهن بتضييع ما يتلى في بيوتهن، حتى تأكله الشاة فيتلف! مع أنّ هذا كذب ظاهر ومحال ممتنع... فصحّ أنّ حديث الداجن إفك وكذب وفرية، ولعن الله من جوَّز هذا أو صدَّق به).

ويقول الباقلاني رحمه الله:" وليس على جديد الأرض أجهل ممن يظن أن الرسول والصحابة كانوا جميعا يهملون أمر القرآن ويعدلون عن تحفظه وإحرازه، ويعولون على إثباته في رقعةٍ تجعل تحت سرير عائشة وحدها، وفي رقاعٍ ملقاة ممتهنةٍ، حتى دخل داجن الحي فأكلها أو الشاة ضاع منهم وتفقت ودرس أثره وانقطع خبره !وما الذي كان ترى يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا التفريط والعجز والتواني، وهو صاحب الشريعة، والمأمور بحفظه وصيانته ونصب الكتبة له، ويحضره خلْقٌ كثيرٌ متبتلون لهذا الباب، ومنصوبون لكتب القرآن الذي ينزل، وكتب العهود والصلح والأمانات وغير ذلك مما نزل ويحدث بالرسول خاصةً وبه حاجةٌ إلى إثباته ... والرسول عليه السلام منصوبٌ للبيان وحياطة القرآن وحفظ الشريعة فقط، لا حرفة له ولا شيء يقطعه من أمور الدنيا غير ذلك إلا بنصبٍ يعود بنصرة الدين وتوكيده، ويثبت أمر القرآن ويشيده، وكيف يجوز في العادة أن يذهب على هؤلاء وعلى سائر الصحابة آية الرضاع والرجم فلا يحفظها ويذكرها إلا عائشة وحدها، لولا قلة التحصيل والذهاب عن معرفة الضرورات، وما عليه تركيب الفطر والعادات.فقد بان بجملة ما وصفناه من حال الرسول والصحابة أنه لا يجوز أن يذهب عليهم شيءٌ من كتاب الله تعالى قل أو كثر، وأنّ العادة توجب أن يكونوا أقرب الناس إلى حفظه وحراسته وما نزل منه وما وقع وتاريخه وأسبابه وناسخه ومنسوخه " انتهى باختصار من " الانتصار للقرآن " (1/412-418).
 
قال الجورقاني في كتابه "الأباطيل والمناكير" (حديث 541): (هذا حديث باطل. تفرَّد به محمد بن إسحاق، وهو ضعيف الحديث. وفي إسناد هذا الحديث بعض الاضطراب).
 
قال السرخسي في " المبسوط، 5/134" : أما حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فضعيف جدا؛ لأنه إذا كان متلوا بعد رسول الله، ونسخ التلاوة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يجوز فلماذا لا يتلى الآن.؟ وذكر في الحديث «فدخل داجن البيت فأكله» وهذا يقوي قول الروافض الذين يقولون: كثير من القرآن ذهب بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يثبته الصحابة رضي الله تعالى عنهم في المصحف وهو قول باطل بالإجماع.
 
وقال أيضاً في "أصول السرخسي، 2/80": حديث عائشة لا يكاد يصحّ ؛ لاَنّ بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب، ولا يتعذّر عليهم به إثباته في صحيفة أُخرى، فعرفنا أنّه لا أصل لهذا الحديث .

قال القرطبي في "تفسيره 14/113": أما ما يُحكى من أنّ تلك الزِيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الدَّاجِن فمن تأليف الملاحدة والروافض.

وكذلك قال النسفي في "مدارك التنزيل وحقائق التأويل، 3/14": وأما ما يحكى أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة رضى الله عنها فأكلتها الداجن فمن تأليفات الملاحدة والروافض.
 
قال ابن عاشور في "موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام" وفي "التحرير والتنوير": ووضع هذا الخبر ظاهر مكشوف، فإنه لو صدق هذا؛ لكانت هذه الصحيفة قد هلكت في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بعده، والصحابة متوافرون، وحفاظ القرآن كثيرون، فلو تلفت هذه الصحيفة لم يتلف ما فيها من صدور الحفاظ، وكون القرآن قد تلاشى منه كثير هو أصل من أصول الروافض ليطعنوا به في الخلفاء الثلاثة، والرافضة يزعمون أن القرآن مستودع عند الإمام المنتظر فهو الذي يأتي بالقرآن وقر بعير.
 
فوائد أخرى:
مصاحف المسلمين كثيرة. والداجن إذا أكلت ورقة لا تستطيع إذهاب آيات القرآن من صدور مئات آلاف المسلمين وليست عائشة وحدها عندها أوراق من القرآن ولم تكن من كتبة الوحي المتخصصين في كتابة كل آية تتنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد جاء عن جابر عن أبي جعفر قال: سمعته يقول: وقع مصحف في البحر فوجدوه وقد ذهب ما فيه إلا هذه الآية: ألا إلى الله تصير الأمور (الكافي 2/462 كتاب فضل القرآن بدون باب).
 
رد الإمام النووي وغيره من علماء الإسلام رحمهم الله تعالى على "وهن فيما يقرأ من القرآن" بالقول:

وقولها: (فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ). هو بضم الياء من (يقرأ) ومعناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جداً حتى أنه صلى الله عليه وسلم توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنا متلوا لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى.

عدد مرات القراءة:
15512
إرسال لصديق طباعة
الأربعاء 20 جمادى الأولى 1436هـ الموافق:11 مارس 2015م 08:03:04 بتوقيت مكة
الحق  
الرواية مذكورة في صحيح مسلم وكل روايات مسلم صحيحة
 
اسمك :  
نص التعليق :