آخر تحديث للموقع :

الخميس 20 رجب 1442هـ الموافق:4 مارس 2021م 04:03:44 بتوقيت مكة

جديد الموقع

هداية المُرتاب إلى فضائل الآل والأصحاب ..

تاريخ الإضافة 2012/12/11م

بسم الله الرحمن الرحيم

فهرس الكتاب
 
الإهــــداء.
المقدمة. 
فضائل أمة محمد صلى الله عليه وسلم في كتب ومرويات الشيعة. 
إعطاء الله هذه الأمة مرتبة الخليل والكليم والحبيب.. 
ذكر بعض ما خص الله به هذه الأمة دون سائر الأمم. 
فضائل الصحابة من القرآن الكريم. 
فضائل الصحابة من السنة وأقوال أئمة أهل البيت رحمهم الله تعالى. 
الكلام في روايات الحوض.
حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وتفانيهم دونه. 
روايات في فضائل الأنصار رضي الله عنهم. 
بشارات نبوية تحققت في عهد الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم. 
روايات في إقرار الصحابة بفضائل علي بن أبي طالب  رضي الله عنهم أجمعين.. 
إقرار أهل البيت بفضائل الصديق والفاروق رضي الله عنهما. 
فضائل أبي بكر الصديق وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما. 
الثناء والتقدير المتبادل بين آل الصديق وآل علي بن أبي طالب  رضي الله عنهم أجمعين.. 
روايات الصديقة عائشة في فضائل فاطمة رضي الله عنها 
روايات الصديق في فضائل أهل البيت رضي الله عنهم. 
فضائل الفاروق عمر رضي الله عنه. 
إقرار أهل البيت رضي الله عنهم بفضائل الفاروق رضي الله عنه. 
روايات عمر وآل عمر في فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. 
روايات في فضائل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه  من طرق أهل السنة. 
روايات أهل البيت في فضائل الصحابة رضوان الله عليهم. 
عقيدة الشيعة في الصحابة رضي الله عنهم. 
روايات عن أئمة أهل البيت ترد عقيدة الشيعة في ردة الصحابة رضوان الله عليهم. 
فضائل الصدّيق رضي الله عنه في آية الغار  وموقف الشيعة منها والرد عليهم. 
من شبهات النواصب.. 
صرف الشيعة وتأويلهم لسائر فضائل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.. 
تعظيم الشيعة لليهود والنصارى.. 
عتاب آية الله العظمى العلامة جعفر السبحاني لما أوردناه في كتابنا الإمامة والنص والرد عليه  
أوجه الشبه بين اليهود والرافضة. 
روايات في ذكر من أنكر ولاية علي بن أبي طالب من الأنبياء والملائكة والجمادات والحيوانات والنباتات وسائر المخلوقات.. 
الخلاصة وفيه ذكر حسن إختيار الصحبة والزوجة 
أهم مصادر الكتاب.. 
فهرس الكتاب

الإهداء
شر الأزمنة أن يتبجّح الجاهل، ويسكت العاقل،
ولكنَّ القبة الجوفاء لا ترجع غير الصدى..
 
فإلى القباب غير الجوفاء..
أهدي هذا الكتاب

 

 بسم الله الرحمن الرحيم



     إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد :
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد :
فلا جدال بين المسلمين في أن الله عزوجل  قد ختم بعثة رسله وأنبيائه بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شك في أن من خُتمت به رسالات السماء يكون أفضل الأنبياء والرسل عليهم السلام، وأصحابه خير الأصحاب، وأمته خير الأمم، وزمانه خير الأزمنة.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم.
وعن الإمام الكاظم عن آبائه رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : القرون أربعة : أنا في أفضلها قرناً([1]).
وفي رواية : إن الله أخرجني في خير قرن من أمتي([2]).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوجد قلوبَ أصحابهِ خيرَ قلوبِ العبادِ، فجعلهم وزراءَ نبيهِ يُقاتِلون على دينه([3]).
وعن الإمام العسكري عليه السلام قال إن الله أخرج من صلب آدم ذرية منهم الأنبياء والرسل والخيار من عباد الله أفضلهم محمد ثم آل محمد، ومن الخيار الفاضلين منهم أصحاب محمد وخيار أمة محمد.([4])
ثم نبتت في الإسلام نابتة أقدمت على وجوه الصحابة الأخيار وعيون الأتقياء الأبرار الذين سبقوا إلى الإسلام، واختصوا بصحبة رسول الأنام، وشاهدوا المعجزات، وقطعت أعذارهم الآيات، وصدَّقوا بالوحي، وانقادوا إلى الأمر والنهي، وجاهدوا المشركين، ونصروا رسول رب العالمين حين كفر الناس، وصدَّقوه حين كذَّبه الناس، وعزَّروه، ونصروه وآووه وواسوه بأموالهم وأنفسهم، وقاتلوا غيرهم على كفرهم حتى أدخلوهم في الإسلام. فأحالت هذه النبتة الخبيثة فضائل هؤلاء الأبرار إلى مثالب، وزعمت أن شرهم كان هو الغالب، وجعلت من خير القرون شر البرية، ومن أفعالهم غاية الرزية، فلم يتركوا وسيلةً للحط من أقدارهم إلا وسلكوها، ولا فضيلةً ثبتت في الكتاب إلا وردّوها، ولا منقبةً جاءت في السنة إلا وكذبوها، ولا كرامة وردت في أثر أو عن إمام إلا وأولوها، ولا آية نزلت في المنافقين إلا فيهم جعلوها؛ فإن لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً وأعيتهم الحيلة والبديل وضعوا من الأكاذيب ما وضعوا، وحاكوا فيهم من القصص ما حاكوا، فخلصوا من حيث أرادوا أم لم يريدوا إلى أن جهود خاتم الأنبياء والمرسلين طوال الأعوام الثلاثة والعشرين لم تحقق سوى بضع نفر أقاموا على الدين، وأضحى سائر الأصحاب في زعمهم منافقين ومرتدين، ناصبوا العداء لأهل بيت خير الأنبياء والمرسلين، فخالفوا الرسول وعاندوا أهله، ولم يسلم منهم أحد بعده، واجتمعوا على غصب حق الإمام، وإقامة الفتنة في الأنام، واستأثروا بالخلافة، وسارعوا إلى الترأس على الكافة([5]).
فكان من أمر هؤلاء أن لبّسوا الأمر على الأتباع والمريدين وأضاعوا بفعالهم هذه معالم الدين، حتى صار الحق عندهم باطلاً والباطل يقيناً، بل وجعلوا لعنهم من أعظم القربات، والتسابق إلى الحط من قدرهم أعظم الطاعات، ومن سبهم طلباً للمغفرات، وتغافلوا عما نزل في تعظيمهم من آيات، وما جاء في منزلتهم من بينات، ونسوا أن الله عزوجل لم يلزمنا بسب حتى من استحق السب، ولم يحثنا على لعن حتى من استحق اللعن كإبليس.
فلو أن مسلماً عاش عمر نوح عليه السلام ولم يلعن إبليس، لن يسأله الله عن ذلك، ولن يكون بتركه اللعن هالكاً. فكيف بأصحاب رسول صلى الله عليه وآله وسلم الذين قال فيهم : لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي([6]).  وقال فيهم كما يروي الإمام الكاظم عن آبائه رضي الله عنه : أنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمَنَةٌ لأمتي، فإذا قبض أصحابي دنا من أمتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدين ظاهراً على الأديان كلها ما دام فيكم من قد رآني([7]).
ولعمري لو جعلوا عوض اللعنة أستغفر الله؛ لكان ذلك خيراً لهم، ولو التمسوا الأعذار لسيئاتهم المغمورة في بحور حسناتهم، لكان هذا أنفع لهم، ولكن.. Ÿwur ö/ä3ãèxÿZtƒ ûÓÅÕóÁçR ÷bÎ) ‘u‘r& ÷br& yx|ÁRr& öNä3s9 bÎ) tb%x. ª!$# ߉ƒÌãƒ br& öNä3tƒÈqøóムuqèd öNä3š/u‘ Ïmø‹s9Î)ur šcqãèy_öè? [هود : 34].
ونحن في هذا المختصر، وهو أقرب إلى البحث الروائي سنبين إن شاء الله تعالى فضائل هذه الأمة العظيمة وعلى رأسها هذا الجيل المثالي، جيل صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسوف نتطرق على وجه الخصوص إلى بيان علاقة المودة والمحبة التي كانت تربط بين آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته رضي الله عنهم أجمعين.
ولن نتطرق إلى رد الشبهات التي أثارها هؤلاء فيهم، فليس هذا غايتنا في هذا الكتاب. وسنقتصر على إيراد جميع النصوص والروايات من مصادر الشيعة([8])كشأن جميع سلسلة الحقائق الغائبة، دون اعتبار صحة السند أو نقد المتون أو علة إيراد القوم لها. فحسبنا في ذلك بيان حقائق غيبها أو عمد إلى تأويلها وصرفها عن ظاهرها بشتى السبل كل من أراد إظهار هذا الجيل العظيم بمظهر لا يتفق مع قول الله عزوجل : öNçGZä. uŽöyz >p¨Bé& ôMy_̍÷zé& Ĩ$¨Y=Ï9 tbrâßDù's? Å$rã÷èyJø9$$Î/ šcöqyg÷Ys?ur Ç`tã ̍x6ZßJø9$# tbqãZÏB÷sè?ur «!$$Î/ [آل عمران : 110]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله([9]).
وبعد ذلك نترك القارئ ليتساءل عن علة إخفاء هؤلاء كل هذه النصوص والحقائق، وكلها صادرة من معين واحد، والله من وراء القصد.
 
ونسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 

     فيصل نور
     2008 م  -1429 هـ

.

فضائل أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كتب ومرويات الشيعة


قبل الشروع في بيان منزلة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، نبدأ هنا بسرد روايات متفرقة ومختصرة في كتب ومرويات الشيعة في فضائل هذه الأمة، منها :
     عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال : لما خلق الله محمداً قال : أنت صفيي وأنت حبيبي وخير خلقي، أمتك خير أمة أخرجت للناس([10]).
     وقال عليه السلام : خلق الله ملائكة يصلون على محمد وآل محمد، ويستغفرون لامته إلى يوم القيامة ([11]).
ورووا إن الله تعالى بعث جبرئيل إلى النبي أن بشر أمتك بالزين والسناء، والرفعة والكرامة، والنصر والتمكين في الأرض([12]).
     وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : يدخل من أمتي سبعون ألفاً الجنة بغير حساب.
     وفي بعض الروايات : ومع كل واحد سبعون ألفاً([13]).
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً أنه قال : أنا أكثر النبيين تبعاً يوم القيامة([14]).
     وعنه أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : أهل الجنة عشرون ومائة صف، هذه الأمة ثمانون صفاً([15]).
     وفي رواية : عشرون ومائة ألف صف، ثمانون ألف صف أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأربعون ألف صف من سائر الأمم([16]).
     وقال رضوان خازن الجنة عليه السلام : إن الله قسم الجنة لأمة محمد أثلاثاً، فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث تشفع لهم فتشفع فيهم([17]).
     وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : مثل أمتي كالمطر، يجعل الله تعالى في أوله خيراً، وفي آخره خيراً([18]).
     وقال صلى الله عليه وآله وسلم : أمتي أمة مباركة([19]).
     وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : أمتي هذه أمة مرحومة([20]).
     وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله([21]).
     وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : أنتم زينتم ستين أمة - وفي رواية : أنتم وفيتم سبعين أمة - أنتم خيرها وأكرمها على الله([22]).
     وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : حبي خالط دماء أمتي، فهم يؤثروني على الآباء وعلى الأمهات وعلى أنفسهم([23]).
     وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ما وجدت في أمتي الا خيرا([24]).
     وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ما أعطيت أمة من اليقين أفضل مما أُعطيت أمتي([25]).
     وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لي فضل على النبيين، فما من نبي إلا دعا على قومه بدعوة وأنا أخرت دعوتي لأمتي لأشفع لهم يوم القيامة([26]).
     وقال صلى الله عليه وآله وسلم : كيف تهلك أمة أنا أولها، وعيسى بن مريم في آخرها، والمهدي من أهل بيتي في وسطها ؟ !([27]).
     وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : قال : أبشروا أبشروا، إنما أمتي كالغيث، لا يدرى آخره خير أم أوله، أو كحديقة أطعم منها فوج عاما، ثم أطعم منها فوج عاما لعل آخرها فوجا يكون اعرضها عرضا، وأعمقها عمقا، وأحسنها حسنا، كيف تهلك أمة انا أولها والمهدى أوسطها، والمسيح آخرها([28]).
    وهكذا كان شأنه صلى الله عليه وآله وسلم في حياته حيث لم يدع مناسبة إلا وذكر فيها فضائل امته حتى في آخر عهده بالدنيا حيث قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم : رب سلم أمة محمد من النار، ويسر عليهم الحساب. فقالت أم سلمة : يا رسول الله، ما لي أراك مغموما متغير اللون ! فقال : نعيت إلي نفسي هذه الساعة([29]).
 
والروايات في الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية.
     ورواياتهم تبين أن إظهار الله عزوجل لفضل ومنزلة هذه الأمة كان سبباً في أن يتمنى الأنبياء والرسل عليهم السلام أن تكون أمتهم أو أن يكونوا منهم :
فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : إن الله تعالى جلَّ ثناؤه أرى إبراهيم صورة محمد وأمته، فقال : يا رب! ما رأيت من أمم الأنبياء أنور ولا أزهر من هذه الأمة فمن هذا؟ فنودي هذا محمد... ولقد فضل الله أمته صلى الله عليه وآله على سائر الأمم بأشياء كثيرة... الرواية ([30]).
وهذا موسى عليه السلام يكلمه ربه عزوجل فيقول له : يا موسى! أما علمت أن فضل أمة محمد على جميع الأمم كفضله - وفي بعض المصادر : كفضلي - على جميع خلقي. فقال موسى : يا رب! ليتني كنت أراهم، فأوحى الله عزوجل إليه : يا موسى! إنك لن تراهم، فليس هذا أوان ظهورهم، ولكن سوف تراهم في الجنات - جنات عدن والفردوس - بحضرة محمد، في نعيمها يتقلبون، وفي خيراتها يتبحبحون([31]).
ولما سأل موسى ربه أن يكون منهم أبى الله عزوجل عليه ذلك :
فعن الرضا عليه السلام قال : إن موسى عليه السلام سأل ربه عزوجل : يا رب! اجعلني من أمة محمد. فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى! إنك لا تصل إلى ذلك([32]).
وفي رواية : يا رب! إني أجد في الألواح أمة هي خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلهم أمتي. قال : تلك أمة أحمد. قال : رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون في الخلق السابقون في دخول الجنة فاجعلهم أمتي. قال : تلك أمة أحمد. قال : رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ويقاتلون الأعور الكذاب فاجعلهم أمتي. قال : تلك أمة أحمد. قال : رب إني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، وإن همَّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة فاجعلهم أمتي. قال : تلك أمة أحمد. قال : رب إني أجد في الألواح أمة هم السابقون وهم المشفوع لهم فاجعلهم أمتي. قال : تلك أمة أحمد، قال موسى عليه السلام : رب اجعلني من أمة أحمد([33]).
وفي رواية عن الرضا عليه السلام في حديث مناجاة موسى قال : يا رب! فإن كان محمد وأصحابه كما وصفت فهل في أمم الأنبياء أفضل عندك من أمتي؟ ظللت عليهم الغمام، وأنزلت عليهم المن والسلوى، وفلقت لهم البحر. فقال الله جل جلاله : يا موسى! أما علمت أن فضل أمة محمد على جميع الأمم كفضله على جميع خلقي([34]).
وهذا عيسى عليه السلام سأل ربه عن عين طوبى في الجنة؟ فقال له : حرام يا عيسى على الأمم أن يشربوا منها حتى يشرب منها أمة ذلك النبي، في رواية : ذلك النبي([35])
وفي رواية : وتلك الجنة محرمة على الأمم حتى يدخلها أمة ذلك النبي([36]).
وهذا إلياس عليه السلام كان يدعو ويقول : اللهم اجعلني من الأمة المرحومة المغفورة([37]).
وذكروا في رواياتهم أن الأنبياء عندما يمرون على فقراء أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقولون : هؤلاء من الملائكة، وتقول الملائكة : هؤلاء من الأنبياء، فيقولون : نحن لا ملائكة ولا أنبياء، بل نفر من فقراء أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فيقولون : بم نلتم هذه الكرامة؟ فيقولون : لم يكن أعمالنا شديداً، ولم نصم الدهر، ولم نقم الليل، ولكن أقمنا الصلوات الخمس، وإذا سمعنا ذكر محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاضت دموعنا على خدودنا([38]).
وحتى الأبالسة لم يخف عليهم منزلة هذه الأمة، فهاهم يقولون لإبليس : إن هذه أمة مرحومة معصومة، ومالنا ولا لك عليهم سبيل([39]).
وذلك لقول الله عزوجل بأنهم أمة مرحومة، وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : إن أمتي أمة مرحومة([40]).
فلا غرابة إذاً أن نرى الملائكة يوم القيامة يدعون ربهم أن يُسلِّم هذه الأمة، وييسر عليهم الحساب، فقد روى القوم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نعي إليه نفسه قال وقد سألته الزهراء رضي الله عنها : أين ألقاك؟ قال : عند الصراط، جبرئيل عن يميني، وميكائيل عن يساري، والملائكة من خلفي وقدامي ينادون : رب سلِّم أمة محمد من النار ويسر عليهم الحساب([41]).
 

إعطاء الله هذه الأمة مرتبة  الخليل والكليم والحبيب
قال صاحب روضة الواعظين : وقيل إن الله ـ أعطى هذه الأمة مرتبة الخليل، ومرتبة الكليم، ومرتبة الحبيب :
فأما مرتبة الخليل فإن إبراهيم عليه السلام سأل ربه خمس حاجات فأعطاها إياه بسؤاله، وأعطى ذلك هذه الأمة بلا سؤال :
الأول : سأل الخليل المغفرة بالتعريض، فقال : ü“Ï%©!$#ur ßìyJôÛr& br& tÏÿøótƒ ’Í< ÓÉLt«ÿ‹ÏÜyz uQöqtƒ ÉúïÏe$!$# ÇÑËÈ [الشعراء : 82]، وأعطى هذه الأمة بلا سؤال، فقال : ö@è% y“ÏŠ$t7Ïè»tƒ tûïÏ%©!$# (#qèùuŽó r& #’n?tã öNÎgÅ¡àÿRr& Ÿw (#qäÜuZø)s? `ÏB ÏpuH÷q§‘ «!$# ¨bÎ) ©!$# ãÏÿøótƒ z>qçR—%!$# $·è‹ÏHsd ¼çm¯RÎ) uqèd â‘qàÿtóø9$# ãÏm§9$# ÇÎÌÈ [الزمر : 53].
والثاني : سأل الخليل فقال : Ÿwur ’ÎT̓øƒéB tPöqtƒ tbqèWyèö7ムÇÑÐÈ [الشعراء : 87]، وقال لهذه الأمة : tPöqtƒ Ÿw “Ì“øƒä† ª!$# ¢ÓÉ<¨Z9$# zÏ%©!$#ur (#qãZtB#uä ¼çmyètB [التحريم : 8].
والثالث : سأل الخليل الوراثة، فقال : ÓÍ_ù=yèô_$#ur `ÏB ÏprOu‘ur Ïp¨Yy_ ÉÏè¨Z9$# ÇÑÎÈ [الشعراء : 85]، وقال لهذه الأمة : y7Í´¯»s9'ré& ãNèd tbqèO͑ºuqø9$# ÇÊÉÈ šúïÏ%©!$# tbqèO̍tƒ }¨÷ryŠöÏÿø9$# öNèd $pÏù tbrà$Î#»yz ÇÊÊÈ [المؤمنون : 10-11].
والرابع : سأل الخليل القبول، فقال : $uZ­/u‘ ö@¬7s)s? !$¨YÏB [البقرة : 127]، وقال لهذه الأمة : uqèdur “Ï%©!$# ã@t7ø)tƒ spt/öq­G9$# ô`tã ¾Ínϊ$t7Ïã [الشورى : 25].
والخامس : سأل الخليل الأعقاب، فقال : Éb>u‘ ó=yd ’Í< z`ÏB tûüÅs΢Á9$# ÇÊÉÉÈ [الصافات : 100] وقال لهذه الأمة : uqèdur “Ï%©!$# öNà6n=yèy_ y#Í´¯»n=yz ÇÚö‘F{$# [الأنعام : 165].
ثم أعطى الخليل ست مراتب بلا سؤال، وأعطى هذه الأمة جميع ذلك بلا سؤال :
الأول : قال للخليل : $tB tb%x. ãÏtö/Î) $wƒÏŠqåku‰ Ÿwur $|‹ÏR#uŽóÇnS `Ås9ur šc%x. $Zÿ‹ÏZym $VJÎ=ó¡•B [آل عمران : 67]، وقال لهذه الأمة : uqèd ãNä39£Jy™ tûüÏJÎ=ó¡ßJø9$# [الحج : 78].
والثاني : قال للخليل : $uZù=è% â‘$utƒ ’ÎTqä. #YŠöt/ $¸n=y™ur #’n?tã zÏtö/Î) ÇÏÒÈ [الأنبياء : 69]، وقال لهذه الأمة : ÷LäêZä.ur 4’n?tã $xÿx© ;otøÿãm z`ÏiB ͑$¨Z9$# Nä.x‹s)Rr'sù $pk÷]ÏiB [آل عمران : 103].
والثالث : قال للخليل : çtRö¤±t6sù An=äóÎ/ 5Î=ym ÇÊÉÊÈ [الصافات : 101]، وقال لهذه الأمة : ΎÅe³o0ur tûüÏZÏB÷sßJø9$# ¨br'Î/ Mçlm; z`ÏiB «!$# WxôÒsù #ZŽÎ7x. ÇÍÐÈ [الأحزاب : 47].
والرابع : قال للخليل : ín=y™ #’n?tã zÏtö/Î) ÇÊÉÒÈ [الصافات : 109]، وقال لهذه الأمة : È@è% ߉ôJptø:$# ¬! ín=y™ur 4’n?tã Ínϊ$t6Ï㠚úïÏ%©!$# #’s"sÜô¹$# [النمل : 59].
والخامس : قال للخليل : öä.øŒ$#ur !$tRy‰»t7Ïã tÏtö/Î) tysó™Î)ur z>qà)÷ètƒur [ص : 45]، وقال لأمة الحبيب : ߊ$t7Ïãur ÇuH÷q§9$# [الفرقان : 63].
والسادس : قال للخليل : #\Å2$x© ÏmÏJãè÷RX{ çm9u;tGô_$# [النحل : 121]، وقال لهذه الأمة : uqèd öNä38u;tFô_$# [الحج : 78].
وأما مرتبة الكليم فإن الله تعالى أعطى الكليم عشر مراتب، وأعطى أمة محمد عشر أمثالها :
الأول : قال للكليم : $uZøŠpgUr&ur 4Óy›qãB `tBur ÿ¼çmyè¨B tûüÏèuHødr& ÇÏÎÈ [الشعراء : 65]، وقال لأمة محمد : y7Ïx‹x. $ˆ)ym $uZøŠn=tã ÆkYçR tûüÏZÏB÷sßJø9$# ÇÊÉÌÈ [يونس : 103].
والثاني : أعطى الكليم النصرة فقال : ÓÍ_¯RÎ) !$yJà6yètB ßìyJó™r& 2”u‘r&ur ÇÍÏÈ [طه : 46]، وقال لأمة محمد : ¨bÎ) ©!$# yìtB tûïÏ%©!$# (#qs)¨?$# tûïÏ%©!$#¨r Nèd šcqãZÅ¡øt’C ÇÊËÑÈ [النحل : 128].
والثالث : القربة، قال : çuZö/§s%ur $|‹ÅgwU ÇÎËÈ [مريم : 52]، وقال لهذه الأمة : ß`øtwUur Ü>tø%r& Ïmø‹s9Î) öNä3ZÏB [الواقعة : 85].
والرابع : المنة، قال تعالى : ô‰s)s9ur $¨ZoYtB 4’n?tã 4Óy›qãB šcr㍻ydur ÇÊÊÍÈ [الصافات : 114]، وقال لهذه الأمة : È@t/ ª!$# `ßJtƒ ö/ä3ø‹n=tæ [الحجرات : 17].
والخامس : الأمن والرفعة، فقال : $uZù=è% Ÿw ô#y‚s? š¨RÎ) |MRr& 4’n?ôãF{$# ÇÏÑÈ [طه : 68]، وقال لهذه الأمة : Ÿwur (#qãZÎgs? Ÿwur (#qçRt“øtrB ãNçFRr&ur tböqn=ôãF{$# bÎ) OçGYä. tûüÏZÏB÷s•B ÇÊÌÒÈ
[آل عمران : 139].
والسادس : المعرفة والشرح في الصدر، قال الكليم : Éb>u‘ ÷yuŽõ°$# ’Í< “Í‘ô‰|¹ ÇËÎÈ [طه : 25]، فأعطاه ذلك بقوله : tA$s% ô‰s% |MŠÏ?ré& y7s9÷sߙ 4Óy›qßtƒ ÇÌÏÈ [طه : 36]، وقال لأمة محمد : `yJsùr& yyuŽŸ° ª!$# ¼çnu‘ô‰|¹ Én=ó™M~Ï9 [الزمر : 22].
والسابع : التيسير، قال : ÷ŽÅc£o„ur þ’Í< “̍øBr& ÇËÏÈ [طه : 26]، وقال لهذه الأمة : ߉ƒÌãƒ ª!$# ãNà6Î/ tó¡ãŠø9$# Ÿwur ߉ƒÌãƒ ãNà6Î/ uŽô£ãèø9$# [البقرة : 185].
والثامن : الإجابة، قال تعالى : tA$s% ô‰s% Mt6‹Å_é& $yJà6è?uqô㨊 [يونس : 89]، وقال لهذه الأمة : Ü=‹ÉftGó¡o„ur tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#qè=ÏHxåur ÏM»ys΢Á9$# Nèd߉ƒÌ“tƒur `ÏiB ¾Ï&Î#ôÒsù [الشورى : 26].
والتاسع : المغفرة، قال الكليم : öÏÿøî$$sù ’Í< txÿtósù ÿ¼ã&s! ¼çm¯RÎ) uqèd â‘qàÿtóø9$# ÞÏm§9$# ÇÊÏÈ [القصص : 16]، وقال لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم : öNä.qããô‰tƒ tÏÿøóu‹Ï9 Nà6s9 `ÏiB öNä3Î/qçRèŒ [إبراهيم : 10].
والعاشر : النجاح، قال : tA$s% ô‰s% |MŠÏ?ré& y7s9÷sߙ 4Óy›qßtƒ ÇÌÏÈ [طه : 36]، وقال لهذه الأمة : Nä39s?#uäur `ÏiB Èe@à2 $tB çnqßJçGø9r'y™ [إبراهيم : 34]، وفي ضمنها وما لم تسألوه كقوله :
 [ä!#uqy™ tû,Î#ͬ!$¡¡=Ïj9 ÇÊÉÈ [فصلت : 10] أي : لمن سأل ولمن لم يسأل.
وأما مرتبة الحبيب فإن الله سبحانه أعطى حبيبه صلى الله عليه وآله وسلم تسع مراتب، وأعطى أمته مثلها تسعاً :
الأول : التوبة، فقال للحبيب : ‰s)©9 šU$¨? ª!$# ’n?tã ÄcÓÉ<¨Z9$# [التوبة : 117]. وقال لأمته : ª!$#ur ߉ƒÌãƒ br& z>qçGtƒ öNà6ø‹n=tæ [النساء : 27]، وقال : ¢OèO z>$s? óOÎgøŠn=tæ (#þqç/qçFu‹Ï9 [التوبة : 118].
والثاني : المغفرة، قال تعالى : tÏÿøóu‹Ïj9 y7s9 ª!$# $tB tP£‰s)s? `ÏB šÎ7/RsŒ [الفتح : 2]، وقال لأمته : ¨bÎ) ©!$# ãÏÿøótƒ z>qçR—%!$# $·è‹ÏHsd [الزمر : 53].
والثالث : النعمة، فقال له : OÏFãƒur ¼çmtFyJ÷èÏR šø‹n=tã [الفتح : 2]، وقال لأمته : tPöqu‹ø9$# àMù=yJø.r& öNä3s9 öNä3oϊ àMôJoÿøCr&ur öNä3ø‹n=tæ ÓÉLyJ÷èÏR [المائدة : 3].
والرابع : النصرة، قال تعالى : x8tÝÁZtƒur ª!$# #·ŽóÇtR #¹“ƒÍ•tã ÇÌÈ [الفتح : 3]، وقال لأمته : šc%x.ur $ˆ)ym $oYø‹n=tã çŽóÇnS tûüÏZÏB÷sßJø9$# ÇÍÐÈ [الروم : 47].
والخامس : الصلوات، قال له : ¨bÎ) ©!$# ¼çmtGx6Í´¯»n=tBur tbq=|Áム’n?tã ÄcÓÉ<¨Z9$# [الأحزاب : 56]، وقال لأمته : uqèd “Ï%©!$# ’Ìj?|ÁムöNä3ø‹n=tæ ¼çmçGs3Í´¯»n=tBur [الأحزاب : 43].
والسادس : الصفوة، قال للحبيب : ª!$# ’Å"sÜóÁtƒ šÆÏB Ïpx6Í´¯»n=yJø9$# Wxߙ①šÆÏBur Ĩ$¨Z9$# [الحج : 75]؛ يعني : محمداً صلى الله عليه وآله وسلم. وقال لأمته : §NèO $uZøOu‘÷rr& |=»tGÅ3ø9$# tûïÏ%©!$# $uZøŠxÿsÜô¹$# ô`ÏB $tRϊ$t7Ïã [فاطر : 32].
والسابع : الهداية، فقال للحبيب : y7tƒÏ‰öku‰ur $WÛºuŽÅÀ $VÉ)tFó¡•B ÇËÈ [الفتح : 2]، وقال لأمته : ¨bÎ)ur ©!$# ϊ$ygs9 tûïÏ%©!$# (#þqãZtB#uä 4’n<Î) :ÞºuŽÅÀ 5É)tGó¡•B ÇÎÍÈ [الحج : 54].
والثامن : السلام، فقال للحبيب في ليلة المعراج : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وقال لأمته : #sŒÎ)ur x8uä!%y` šúïÏ%©!$# tbqãZÏB÷sム$uZÏG»tƒ$t«Î/ ö@à)sù ín=y™ öNä3ø‹n=tæ |=tGx. öNä3š/u‘ 4’n?tã ÏmÅ¡øÿtR spyJôm§9$# [الأنعام : 54].
والتاسع : الرضا، فقال للحبيب : t$öq|¡s9ur y‹ÏÜ÷èムy7•/u‘ #ÓyÌ÷ŽtIsù ÇÎÈ [الضحى : 5]، وقال لأمته : Nßg¨Yn=Åzô‰ãŠs9 Wxyzô‰•B ¼çmtRöq|Êötƒ [الحج : 59]، يعني : الجنة([42]).
ومن مرويات القوم في فضل هذه الأمة ما روي عن الصادق عليه السلام عن أبيه قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : مما أعطى الله به أمتي وفضلهم به على سائر الأمم ثلاث خصال لم يعطها إلا نبي، وذلك أن الله تبارك وتعالى كان إذا بعث نبياً قال له : اجتهد في دينك ولا حرج عليك، وإن الله تبارك وتعالى أعطى ذلك لأمتي، حيث يقول : $tBur Ÿ@yèy_ ö/ä3ø‹n=tæ ’Îû ÈûïÏd‰9$# ô`ÏB 8ltym [الحج : 78]، يقول : من ضيق.
وكان إذا بعث نبياً قال له : إذا أحزنك أمر تكرهه فادعني أستجب لك، وإن الله أعطى أمتي ذلك، حيث يقول : þ’ÎTqãã÷Š$# ó=ÉftGó™r& ö/ä3s9 [غافر : 60].
وكان إذا بعث نبياً جعله شهيداً على قومه، وإن الله تبارك وتعالى جعل أمتي شهداء على الخلق، حيث يقول : tbqä3u‹Ï9 ãAqߙ§9$# #´‰‹Îgx© ö/ä3ø‹n=tæ (#qçRqä3s?ur uä!#y‰pkà­ ’n?tã Ĩ$¨Z9$# [الحج : 78]([43]).
 

ذكر بعض ما خص الله به هذه الأمة دون سائر الأمم
ذكر النيسابوري في الروضة بعض ما خص الله به هذه الأمة فقال : ومن رحمة الله سبحانه على هذه الأمة تخصيصه إياهم دون الأمم :
ما خص به شريعتهم من التخفيف والتيسير، فقال سبحانه : ߉ƒÌãƒ ª!$# br& y#Ïeÿsƒä† öNä3Ytã [النساء : 28]. وقال : $tB ߉ƒÌãƒ ª!$# Ÿ@yèôfuŠÏ9 Nà6ø‹n=tæ ô`ÏiB 8ltym [المائدة : 6]. وقال : $tBur Ÿ@yèy_ ö/ä3ø‹n=tæ ’Îû ÈûïÏd‰9$# ô`ÏB 8ltym [الحج : 78]. وقال : ߉ƒÌãƒ ª!$# ãNà6Î/ tó¡ãŠø9$# Ÿwur ߉ƒÌãƒ ãNà6Î/ uŽô£ãèø9$# [البقرة : 185]. وقال : ßìŸÒtƒur öNßg÷Ztã öNèduŽñÀÎ) Ÿn=øñF{$#ur ÓÉL©9$# ôMtR%x. óOÎgøŠn=tæ [الأعراف : 157].. وغيرها من الآيات.
وكان مما أنعم الله تعالى على هذه الأمة : أن الأمم الماضية كانوا إذا أصابهم بول أو غائط أو شيء من النجاسات كان تكليفهم قطعه وإبانته من أجسادهم، فخفف الله عن هذه الأمة بأن جعل الماء طهوراً لما يصيب أبدانهم وأثوابهم، قال الله تعالى : $uZø9t“Rr&ur z`ÏB Ïä!$yJ¡¡9$# [ä!$tB #Y‘qßgsÛ ÇÍÑÈ [الفرقان : 48].
ومنها : أنهم كانوا يعتزلون النساء في حال الحيض، فلم يكونوا يؤاكلونهن ولا يجالسونهن، وما أصاب الحائض من الثياب والفرش والأواني وغير ذلك نجس، حتى لا يجوز الانتفاع به، وأباح لنا جميع ذلك إلا الوطء.
ومنها : أن صلاتهم كانت خمسين صلاة، وصلاتنا خمس، وفيها ثواب الخمسين.
ومنها : زكاتهم ربع المال، وزكاتنا ربع العشر، وثوابه ربع المال.
ومنها : أنهم كانوا إذا فرغوا من الطعام ليلة صيامهم حرم عليهم الطعام والشراب والجماع إلى مثلها من الغد، وأحل الله لنا التسحر والوطء في ليالي الصوم، فقال : (#qè=ä.ur (#qç/uŽõ°$#ur 4Ó®Lym tû¨üt7oKtƒ ãNä3s9 äÝø‹sƒø:$# âÙu‹ö/F{$# z`ÏB ÅÝø‹sƒø:$# ϊuqó™F{$# z`ÏB ̍ôfxÿø9$# [البقرة : 187]؛ يعني : بياض النهار من سواد الليل، وقال : ¨@Ïmé& öNà6s9 s's#ø‹s9 ÏQ$uŠÅ_Á9$# ß]sù§9$# 4’n<Î) öNä3ͬ!$|¡ÎS [البقرة : 187]، يعني : الجماع.
ومنها : كانت الأمم السالفة تجعل قربانها على أعناقها إلى بيت المقدس، فمن قبل ذلك منه أرسلت عليه نار فأكلته، ومن لم يقبل منه رجع مثبوراً، وقد جعل الله قربان أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبل ذلك منه ضعف له أضعافاً مضاعفة، ومن لم يقبل منه رفعت عنه به من عقوبات الدنيا.
ومنها : أن الله تعالى كتب عليهم في التوراة القصاص والدية في القتل والجراح، ولم يرخص لهم في العفو وأخذ الدية، ولم يفرق بين الخطأ والعمد في وجوب القصاص، فقال : $oYö;tFx.ur öNÍköŽn=tã !$pÏù ¨br& }§øÿ¨Z9$# ħøÿ¨Z9$$Î/ [المائدة : 45]، ثم خفف عنا في ذلك فخير بين القصاص والدية والعفو، وفرق بين الخطأ والعمد، فقال تعالى : $pkš‰r'¯»tƒ tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä |=ÏGä. ãNä3ø‹n=tæ ÞÉ$|ÁÉ)ø9$# ’Îû ‘n=÷Fs)ø9$# [البقرة : 178].. إلى قوله : ô`yJsù u’Å"ãã ¼ã&s! ô`ÏB ÏÅzr& ÖäóÓx« 7í$t6Ïo?$$sù Å$rã÷èyJø9$$Î/ íä!#yŠr&ur Ïmø‹s9Î) 9|¡ômÎ*Î/ y7ÏsŒ ×ÏÿøƒrB `ÏiB öNä3În/§‘ ×pyJômu‘ur [البقرة : 178].
ومن ذلك : تخفيف الله عنا في أمر التوبة، فقال لبني إسرائيل : øŒÎ)ur tA$s% 4Óy›qãB ¾ÏmÏBöqs)Ï9 ÉQöqstƒ öNä3¯RÎ) öNçFôJn=sß Nà6|¡àÿRr& ãNä.ό$sƒÏkB$$Î/ Ÿ@ôfÏèø9$# (#þqç/qçGsù 4’n<Î) öNä3ͬ͑$t/ (#þqè=çFø%$$sù öNä3|¡àÿRr& [البقرة : 54]، فكانت توبتهم أن يقتل بعضهم بعضاً، فيقتل الأب ابنه، والابن أباه، والأخ أخاه، والأم ولدها، ومن فر من القتل أو دفع عن نفسه أو اتقى السيف بيده أو ترحم على ذي رحمة لم تقبل توبته، ثم أمرهم الله بالكف عن القتل بعد أن قتلوا سبعين ألفاً في مكان واحد، فهذه توبتهم.
وجعل توبتنا الاستغفار باللسان، والندم بالجنان، وترك العود بالأبدان، فقال عزوجل : šúïÏ%©!$#ur #sŒÎ) (#qè=yèsù ºpt±Ås»sù ÷rr& (#þqßJn=sß öNæh|¡àÿRr& (#rãx.sŒ ©!$# (#rãxÿøótGó™$$sù öNÎgÎ/qçRä‹Ï9 `tBur ãÏÿøótƒ šUqçR—%!$# žwÎ) ª!$# öNs9ur (#r•ŽÅÇム4’n?tã $tB (#qè=yèsù öNèdur šcqßJn=ôètƒ ÇÊÌÎÈ [آل عمران : 135]. وقال : Ÿxsùr& šcqç/qçGtƒ †n<Î) «!$# [المائدة : 74]، وقال : öNs9r& Èbù'tƒ tûïÏ%©#Ï9 (#þqãZtB#uä br& yìt±øƒrB öNåkæ5qè=è% ̍ò2Ï%Î! «!$# [الحديد : 16].
ومن الأمم السالفة من ينظر إلى امرأة بريبة يؤمر بقلع العين لتقبل عنه التوبة، وكفارتنا فيه غض البصر، والتوبة بالقلب، والعزم على ترك العودة إليه.
وكان منهم من يلاقي بدنه امرأة حراماً فيكون التوبة منه إبانة ذلك العضو من نفسه، وتوبتنا فيه : الندم وترك العود إليه.
ومن يرتكب منهم الخطيئة في خفية وخلوة يخرج وخطيئته مصورة على باب داره : ألا إن فلان بن فلان ارتكب البارحة خطيئة كذا وكذا، وكان ينادى عليه من السماء بذلك فيفتضح وينتهك ستره، ومن يرتكب منا الخطيئة ويخفيها عن الأبصار فيطلع عليه ربه، فيقول للملائكة : عبدي قد ستر ذنبه عن أبناء جنسه لقلة ثقته بهم، والتجأ إلي لعله تتبعه رحمتي، اشهدوا أني قد غفرتها له؛ لثقته برحمتي، فإذا كان يوم القيامة وأوقف للعرض والحساب يقول : عبدي أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، وأنا الذي أسترها عليك اليوم.
ومما فضل الله به هذه الأمة : أن قيض لهم الأكرمين من الملائكة يستغفرون لهم ويسترحمون لهم - أي يطلبون لهم الرحمة - فقال سبحانه : tûïÏ%©!$# tbqè=ÏJøts† z¸öyèø9$# ô`tBur ¼çms9öqym tbqßsÎm7|¡ç„ ωôJpt¿2 öNÍkÍh5u‘ tbqãZÏB÷sãƒur ¾ÏmÎ/ tbrãÏÿøótGó¡o„ur tûïÏ%©#Ï9 (#qãZtB#uä [غافر : 7].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : المؤمنون شهداء في الأرض، وما رأوه حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحاً فهو عند الله قبيح.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : يا ليتني قد لقيت إخواني. فقيل : يا رسول الله! أولسنا إخوانك آمنا بك وهاجرنا معك واتبعناك ونصرناك؟ قال : بلى. ولكن إخواني الذين يأتون من بعدكم، يؤمنون بي كإيمانكم، ويحبوني كحبكم، وينصروني كنصركم، ويصدقوني كتصديقكم، يا ليتني قد لقيت إخواني([44]).
وعن الإمام موسى بن جعفر رحمهما الله في خبره الطويل قال : حدثني أبي جعفر، عن أبيه، قال : حدثني أبي علي قال : حدثني أبي الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : بينما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلوس في مسجده بعد وفاته عليه السلام يتذاكرون فضل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ دخل علينا حبر من أحبار يهود أهل الشام قد قرأ التوراة والإنجيل والزبور، وصحف إبراهيم والأنبياء، وعرف دلائلهم... فسلَّم علينا وجلس... فسألهم عن فضائل أمة محمد فقال له أمير المؤمنين عليه السلام... قال تعالى : °! $tB ’Îû ÏNºuyJ¡¡9$# $tBur ’Îû ÇÚö‘F{$# bÎ)ur (#r߉ö7è? $tB þ’Îû öNà6Å¡àÿRr& ÷rr& çnqàÿ÷‚è? Nä3ö7ř$yÛムÏmÎ/ ª!$# ãÏÿøóu‹sù `yJÏ9 âä!$t±o„ Ü>Éj‹yèãƒur `tB âä!$t±o„ ª!$#ur 4’n?tã Èe@à2 &äóÓx« 퍃ωs% [البقرة : 284] كانت هذه الآية قد عرضت على سائر الأمم من لدن آدم إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فأبوا جميعاً أن يقبلوها من ثقلها، وقبلها محمد، فلما رأى الله عزوجل منه ومن أمته القبول خفف عنه ثقلها فقال الله عزوجل : z`tB#uä ãAqߙ§9$# !$yJÎ/ tA̓Ré& Ïmø‹s9Î) `ÏB ¾ÏmÎn/§‘ [البقرة : 285]، ثم إن الله عزوجل تكرم على محمد وأشفق على أمته من تشديد الآية التي قبلها هو وأمته، فأجاب عن نفسه وأمته فقال : tbqãZÏB÷sßJø9$#ur <@ä. z`tB#uä «!$$Î/ ¾ÏmÏFs3Í´¯»n=tBur ¾ÏmÎ7çFä.ur ¾Ï&Î#ߙâ‘ur Ÿw ä-ÌhxÿçR šú÷üt/ 7‰ymr& `ÏiB ¾Ï&Î#ߙ•‘، فقال الله عزوجل : لهم المغفرة والجنة إذا فعلوا ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (#qä9$s%ur $uZ÷èÏJy™ $oY÷èsÛr&ur y7tR#tøÿäî $oY­/u‘ šø‹s9Î)ur 玍ÅÁyJø9$# ÇËÑÎÈ [البقرة : 285] - يعني : المرجع في الآخرة - فأجابه : قد فعلت بتائبي أمتك، قد أوجبت لهم المغفرة، ثم قال الله تعالى : أما إذا قبلتها أنت وأمتك وقد كانت عرضت من قبل على الأنبياء والأمم فلم يقبلوها فحق علي أن أرفعها عن أمتك، فقال الله تعالى : Ÿw ß#Ïk=s3ムª!$# $²¡øÿtR žwÎ) $ygyèó™ãr $ygs9 $tB ôMt6|¡x. [البقرة : 286] من خير  $pköŽn=tãur $tB ôMt6|¡tFø.$# [البقرة : 286] من شر، ثم ألهم الله عزوجل نبيه أن قال : $oY­/u‘ Ÿw !$tRõ‹Ï{#xsè? bÎ) !$uÅ¡®S ÷rr& $tRù'sÜ÷zr& [البقرة : 286] فقال الله سبحانه : أعطيتك لكرامتك يا محمد! إن الأمم السالفة كانوا إذا نسوا ما ذكروا فتحت عليهم أبواب عذابي، ورفعت ذلك عن أمتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : $oY­/u‘ Ÿwur ö@ÏJóss? !$uZøŠn=tã #\ô¹Î) $yJx. ¼çmtFù=yJym ’n?t㠚úïÏ%©!$# `ÏB $uZÎ=ö6s% [البقرة : 286]. يعني بالآصار : الشدائد التي كانت على الأمم ممن كان قبل محمد، فقال عزوجل : لقد رفعت عن أمتك الآصار التي كانت على الأمم السالفة، وذلك أني جعلت على الأمم أن لا أقبل فعلا إلا في بقاع الأرض التي اخترتها لهم وإن بعدت، وقد جعلت الأرض لك ولأمتك طهورا ومسجدا، فهذه من الآصار وقد رفعتها عن أمتك.
وقد كانت الأمم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى بيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه أرسلت على قربانه ناراً تأكله، ومن لم يقبل منه ذلك رجع مثبوراً، وقد جعلت قربان أمتك في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبلت ذلك منه أُضاعف له الثواب أضعافا مضاعفة، وإن لم أقبل ذلك منه رفعت عنه به عقوبات الدنيا، وقد رفعت ذلك عن أمتك وهي من الآصار التي كانت.
وكانت الأمم السالفة مفروضاً عليهم صلاتها في كبد الليل وأنصاف النهار، وهي من الشدائد التي كانت وقد رفعتها عن أمتك، وفرضت عليهم صلاتهم في أطراف الليل والنهار في أوقات نشاطهم.
وكانت الأمم السالفة مفروضاً عليهم خمسون صلاة في خمسين وقتاً، وهي من الآصار التي كانت عليهم، وقد رفعتها عن أمتك.
وكانت الأمم السالفة حسنتهم بحسنة واحدة، وسيئتهم بسيئة واحدة، وجعلت لأمتك الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة.
وكانت الأمم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة لم تكتب لهم، وإذا هم بالسيئة كتبتها عليهم وإن لم يفعلها، وقد رفعت ذلك عن أمتك، فإذا هم أحدهم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، وإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة.
وكانت الأمم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، وجعلت توبتهم من الذنب أن أُحرِّم عليهم بعد التوبة أحب الطعام إليهم.
وكانت الأمم السالفة يتوب أحدهم من الذنب الواحد المائة سنة والمأتي سنة، ثم لم أقبل توبته دون أن أعاقبه في الدنيا بعقوبة، وقد رفعت ذلك عن أمتك، وإن الرجل من أمتك ليذنب المائة سنة ثم يتوب ويندم طرفة عين فأغفر له ذلك كله وأقبل توبته.
وكانت الأمم السالفة إذا أصابهم نجس قرضوه من أجسادهم، وقد جعلت الماء طهوراً لأمتك من جميع الأنجاس، والصعيد في الأوقات.
وهذه الآصار التي كانت عليهم رفعتها عن أمتك. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم إذ قد فعلت ذلك بي فزدني، فألهمه الله سبحانه أن قال : $uZ­/u‘ Ÿwur $oYù=ÏdJysè? $tB Ÿw sps%$sÛ $oYs9 ¾ÏmÎ/ [البقرة : 286]. قال الله عزوجل : قد فعلت ذلك بأمتك، وقد رفعت عنهم عظيم بلايا الأمم، وذلك حكمي في جميع الأمم أن لا أكلف نفساً فوق طاقتها. قال : ß#ôã$#ur $¨Ytã öÏÿøî$#ur $oYs9 !$uZôJymö‘$#ur |MRr& $uZ9s9öqtB [البقرة : 286] قال : قال الله تعالى : قد فعلت ذلك بتائبي أمتك. ثم قال : $tRöÝÁR$$sù ’n?tã ÏQöqs)ø9$# šúï͍Ïÿ»x6ø9$# ÇËÑÏÈ [البقرة : 286]. قال الله عزوجل : قد فعلت ذلك وجعلت أمتك يا محمد كالشامة البيضاء في الثور الأسود، هم القادرون، وهم القاهرون، يستخدمون ولا يُستخدمون لكرامتك، وحق عليَّ أن أُظهر دينك على الأديان حتى لا يبقى في شرق الأرض ولا غربها دين إلا دينك، ويؤدون إلى أهل دينك الجزية وهم صاغرون.
وإن الله تعالى جل ثناؤه أرى إبراهيم صورة محمد وأمته، فقال : يا رب! ما رأيت من أمم الأنبياء أنور ولا أزهر من هذه الأمة، فمن هذا؟ فنودي هذا محمد حبيبي، لا حبيب لي من خلقي غيره، أجريت ذكره قبل أن أخلق سمائي وأرضي، وسميته نبياً وأبوك آدم يومئذ من الطين، وأجريت فيه روحه.
قال اليهودي : فأخبرني عما فضَّل الله به أمته على سائر الأمم. قال عليه السلام : لقد فضل الله أمته صلى الله عليه وآله وسلم على سائر الأمم بأشياء كثيرة أنا أذكر لك منها قليلاً من كثير :
     ومنها : قول الله عزوجل : öNçGZä. uŽöyz >p¨Bé& ôMy_̍÷zé& Ĩ$¨Y=Ï9[آل عمران :110].
ومنها : أنه إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلق في صعيد واحد سأل الله عزوجل النبيين : هل بلَّغتم؟ فيقولون : نعم. فيسأل الأمم، فيقولون : ما جاءنا من بشير ولا نذير. فيقول الله جل ثناؤه - - وهو أعلم بذلك - للنبيين : من شهداءكم اليوم؟ فيقولون : محمد وأمته، فتشد لهم أمة محمد بالتبليغ، وتصدَّق شهادتهم وشهادة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فيؤمنون عند ذلك، وذلك قوله تعالى : (#qçRqà6tGÏj9 uä!#y‰pkà­ ’n?tã Ĩ$¨Y9$# tbqä3tƒur ãAqߙ§9$# öNä3ø‹n=tæ #Y‰‹Îgx© [البقرة : 143]. يقول : يكون محمد عليكم شهيداً أنكم قد بلَّغتم الرسالة.
ومنها : أنهم أول الناس حساباً، وأسرعهم دخولاً إلى الجنة قبل سائر الأمم كلها.
ومنها أيضاً : أن الله عزوجل فرض عليهم في الليل والنهار خمس صلوات في خمسة أوقات : اثنتان بالليل، وثلاث بالنهار، ثم جعل هذه الخمس صلوات تعدل خمسين صلاة، وجعلها كفارة خطاياهم، فقال عزوجل : ¨bÎ) ÏM»uZ|¡ptø:$# tû÷ùÏdõ‹ãƒ ÏN$t«ÍhŠ¡¡9$# [هود : 114]. يقول : صلاة الخمس تكفر الذنوب ما اجتنبت الكبائر.
ومنها أيضاً : أن الله تعالى جعل لهم الحسنة الواحدة التي يَهِم بها العبد ولا يعملها حسنة واحدة يكتبها له؛ فإن عملها كتبت له عشر حسنات وأمثالها، إلى سبعمائة ضعف فصاعداً.
ومنها : أن الله عزوجل يدخل الجنة من أهل هذه الأمة سبعين ألفاً بغير حساب، ووجوههم مثل القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أحسن ما يكون الكوكب الدري في أفق السماء، والذين يلونهم على أشد كوكب في السماء إضاءة، ولا اختلاف بينهم ولا تباغض.
ومنها : أن القاتل منهم عمداً إن شاء أولياء المقتول أن يعفوا عنه فعلوا، وإن شاءوا قبلوا الدية، وعلى أهل التوراة وهم أهل دينك : يقتل القاتل ولا يُعفى عنه ولا تؤخذ منه دية، قال الله عزوجل : y7ÏsŒ ×ÏÿøƒrB `ÏiB öNä3În/§‘ ×pyJômu‘ur [البقرة : 178].
ومنها : أن الله عزوجل جعل فاتحة الكتاب نصفها لنفسه، ونصفها لعبده، قال الله تعالى : قسمت بيني وبين عبدي هذه السورة، فإذا قال أحدهم : ߉ôJysø9$# ¬! [الفاتحة : 2] فقد حمدني. وإذا قال : Å_u‘ šúüÏJnyèø9$# ÇËÈ [الفاتحة : 2] فقد عرفني، وإذا قال : ÇuH÷q§9$# ÉÏm§9$# ÇÊÈ [الفاتحة : 3] فقد مدحني. وإذا قال : Å7ÎtB ÏQöqtƒ ÉúïÏe$!$# ÇÍÈ [الفاتحة : 4] فقد أثني علي. وإذا قال : x‚$­ƒÎ) ߉ç7÷ètR y‚$­ƒÎ)ur ÚúüÏètGó¡nS ÇÎÈ [الفاتحة : 5] فقد صدق عبدي في عبادتي بعد ما سألني، وبقية هذه السورة له.
ومنها : أن الله تعالى بعث جبرائيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن بشر أمتك بالزين والسناء والرفعة والكرامة والنصر.
ومنها : أن الله سبحانه أباح صدقاتهم يأكلونها، ويجعلونها في بطون فقرائهم يأكلون منها ويطعمون، وكانت صدقات من قبلهم من الأمم المؤمنين يحملونها إلى مكان قصي فيحرقونها بالنار.
ومنها : أن الله عزوجل جعل الشفاعة لهم خاصة دون الأمم، والله تعالى يتجاوز عن ذنوبهم العظام لشفاعة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم.
ومنها : أن يقال يوم القيامة : ليتقدم الحامدون، فتقدم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الأمم، وهو مكتوب : أمة محمد الحامدون، يحمدون الله عزوجل على كل منزلة، ويكبرونه على كل نجد، مناديهم في جوف السماء له دوي كدوي النحل.
ومنها : أن الله لا يهلكهم بجوع، ولا يجمعهم على ضلالة، ولا يسلط عليهم عدواً من غيرهم، ولا يساخ ببقيتهم، وجعل لهم الطاعون شهادة.
ومنها : أن الله جعل لمن صلى على نبيه عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورد الله سبحانه عليه مثل صلاته على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ومنها : أنه جعلهم أزواجاً ثلاثة أمماً، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، والسابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً، والظالم لنفسه مغفور له إن شاء الله.
ومنها : أن الله عزوجل جعل توبتهم الندم والاستغفار والترك للإصرار، وكانت بنو إسرائيل توبتهم قتل النفس.
ومنها : قول الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : أمتك هذه مرحومة، عذابها في الدنيا الزلزلة والفقر.
ومنها : أن الله عزوجل يكتب للمريض الكبير من الحسنات على حسب ما كان يعمل في شبابه وصحته من أعمال الخير، يقول الله سبحانه للملائكة : استكتبوا لعبدي مثل حسناته قبل ذلك ما دام في وثاقي.
ومنها : أن الله عزوجل ألزم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كلمة التقوى، وجعل بدء الشفاعة لهم في الآخرة.
ومنها : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى في السماء ليلة عرج به إليها ملائكة قياماً وركوعاً منذ خلقوا، فقال : يا جبرئيل! هذه هي العبادة، فقال جبرئيل : صدقت يا محمد، فاسأل ربك أن يعطي أمتك القنوت والركوع والسجود في صلاتهم، فأعطاهم الله تعالى ذلك، فأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقتدون بالملائكة الذين في السماء، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن اليهود يحسدونكم على صلاتكم وركوعكم وسجودكم)([45]).
ولا يسعنا هنا حصركل ما ورد من روايات القوم في بيان فضائل أمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ففيما أوردناه كفاية.
فإذا علمت هذا فيقيناً أن الرعيل الأول من هذه الأمة الذين بُعث فيهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أفضل هذه الأمة وأعظمها، وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذا؛ حيث قال : إن الله أخرجني في خير قرن من أمتي([46]).
وعن الكاظم عن آبائه رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : القرون أربعة أنا في أفضلها قرناً([47]).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم يقتل بهذه الحرة خيار أمتي بعد أصحابي([48]).
وهذا أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام يقول لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الإسراء كما في الرواية : مرحباً بالنبي الصالح، والابن الصالح، والمبعوث الصالح في الزمان الصالح([49]).
وجاء عن ابن عباس رضي الله عنه : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أصحابي الذين سلكوا منهاجي أفضل أصحاب النبيين والمرسلين، وابنتي فاطمة سيدة نساء العالمين، والطاهرات من أزواجي أمهات المؤمنين، وأمتي خير أمة أخرجت للناس، وأنا أكثر النبيين تبعاً يوم القيامة([50]).
فهذه الروايات وغيرها من الروايات تُظهر فضل أناس ذلك الزمان الصالح والقرن المفضل وهم جيل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وقد ذكر القوم عن العسكري عليه السلام أنه قال : إن آدم عليه السلام سأل الله عزوجل أن يعرفه بفضل صحابة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عزوجل : إن رجلاً من خيار أصحاب محمد لو وزن به جميع أصحاب المرسلين لرجح عليهم. يا آدم لو أحب رجل من الكفار أو جميعهم رجلاً من آل محمد وأصحابه الخيرين لكافأه الله عن ذلك بأن يختم له بالتوبة والإيمان، ثم يدخله الله الجنة، إن الله ليفيض على كل واحد من محبي محمد وآل محمد وأصحابه من الرحمة ما لو قسمت على عدد كعدد كل ما خلق الله من أول الدهر إلى آخره وكانوا كفاراً لكفاهم ولأداهم إلى عاقبة محمودة الإيمان بالله حتى يستحقوا به الجنة، ولو أن رجلاً ممن يبغض آل محمد وأصحابه الخيرين أو واحداً منهم لعذبه الله عذاباً لو قُسِّم على مثل عدد ما خلق الله لأهلكهم الله أجمعين([51]).
وروى القوم عن الرضا عليه السلام أن موسى عليه السلام سأل ربه : هل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ فقال عزوجل : يا موسى! أما علمت أن فضل صحابة محمد على جميع صحابة الأنبياء المرسلين كفضل آل محمد على جميع آل النبيين، وفضل محمد على جميع المرسلين([52]).
والأفضلية هذه من مستلزماتها : الوسطية، كما أكَّدها الله عزوجل في آيات عدة، كقوله تعالى : y7Ïx‹x.ur öNäoYù=yèy_ Zp¨Bé& $VÜy™ur (#qçRqà6tGÏj9 uä!#y‰pkà­ ’n?tã Ĩ$¨Y9$# [البقرة : 143]. ولا يخفى أن أول من خوطب بهذه الآية هم الصحابة رضوان الله عليهم تماماً كما كانوا هم أول من خاطب الله عزوجل في قوله : öNçGZä. uŽöyz >p¨Bé& ôMy_̍÷zé& Ĩ$¨Y=Ï9 tbrâßDù's? Å$rã÷èyJø9$$Î/ šcöqyg÷Ys?ur Ç`tã ̍x6ZßJø9$# tbqãZÏB÷sè?ur «!$$Î/ [آل عمران : 110].
فعن الصادق عليه السلام قال : يعني الأمة التي وجبت لها دعوة إبراهيم عليه السلام، فهم الأمة التي بعث الله فيها ومنها وإليها، وهم الأمة الوسطى، وهم خير أمة أخرجت للناس([53]).
ويقول الطبرسي وغيره في تفسير قوله تعالى : öNçGZä. uŽöyz >p¨Bé& ôMy_̍÷zé& Ĩ$¨Y=Ï9 [آل عمران : 110] معناه : أنتم خير أمة، وإنما قال : كنتم؛ لتقدم البشارة لهم في الكتب الماضية([54]).
وقيل إن المراد : كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ، أو مبشَّرٌ بها في الكتب الماضية([55]). وقد ذكرنا بعضاً من ذلك.
ويقول الطباطبائي في ميزانه : الآية تمدح حال المؤمنين في أول ظهور الإسلام من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار([56]).
وجاء في رواياتهم قوله صلى الله عليه وآله وسلم : طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني، وطوبى لمن رأى من رأى من رآني. وفي رواية : إلى السابع ثم سكت([57]).

بعض فضائل الصحابة من القرآن الكريم
والقرآن مليء بعشرات النصوص الدالة على إيمان وفضل هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، كقوله تعالى : bÎ)ur (#ÿr߉ƒÌãƒ br& š‚qããy‰øƒs†  cÎ*sù y7t7ó¡ym ª!$# uqèd ü“Ï%©!$# š‚y‰­ƒr& ¾ÍnΎóÇuZÎ/ šúüÏZÏB÷sßJø9$$Î/ur ÇÏËÈ y#©9r&ur šú÷üt/ öNÍkÍ5qè=è% öqs9 |Mø)xÿRr& $tB ’Îû ÇÚö‘F{$# $YèŠÏHsd !$¨B |Møÿ©9r& šú÷üt/ óOÎgÎ/qè=è% £`Ås9ur ©!$# y#©9r& öNæhuZ÷t/ ¼çm¯RÎ) ͕tã ÒÅ3ym ÇÏÌÈ $pkš‰r'¯»tƒ ÓÉ<¨Z9$# šç7ó¡ym ª!$# Ç`tBur y7yèt7¨?$# z`ÏB šúüÏZÏB÷sßJø9$# ÇÏÍÈ [الأنفال : 62 - 64].
وقوله : šúïÏ%©!$#ur (#qãZtB#uä (#rãy_$ydur (#r߉yy_ur ’Îû ÈÎ6y™ «!$# tûïɋ©9$#ur (#rur#uä (#ÿrçŽ|ÇtR¨r šÍ´¯»s9'ré& ãNèd tbqãZÏB÷sßJø9$# $y)ym Nçl°; ×otÏÿøó¨B ×-ø—Í‘ur ×Lq̍x. ÇÐÍÈ tûïÏ%©!$#ur (#qãZtB#uä -ÆÏB ߉÷èt/ (#rãy_$ydur (#r߉yy_ur öNä3yètB y7Í´¯»s9'ré'sù óOä3ZÏB (#qä9'ré&ur ÏQ%tnö‘F{$# öNåkÝÕ÷èt/ 4’n<÷rr& <Ù÷èt7Î/ ’Îû É=»tFÏ. «!$# ¨bÎ) ©!$# Èe@ä3Î/ >äóÓx« 7Î=tæ ÇÐÎÈ [الأنفال : 74 - 75].
وقوله تعالى : šcqà)Î6»¡¡9$#ur tbqä9¨rF{$# z`ÏB tûï̍Éf»ygßJø9$# ͑$|ÁRF{$#ur tûïÏ%©!$#ur Nèdqãèt7¨?$# 9|¡ômÎ*Î/ š†Å̧‘ ª!$# öNåk÷]tã (#qàÊu‘ur çm÷Ztã £‰tãr&ur öNçlm; ;M»¨Zy_ “̍ôfs? $ygtFøtrB ㍻yg÷RF{$# tûïÏ$Î#»yz !$pÏù #Y‰t/r& y7ÏsŒ ã—öqxÿø9$# ãÏàyèø9$# ÇÊÉÉÈ [التوبة : 100].
وهذه الآية من النصوص الصريحة على رضى الله سبحانه عن الصحابة ومن اتبع منهجهم وسار على هداهم.
ويقول الطبرسي في تفسيره هذه الآية : فيها دلالة على فضل السابقين ومزيتهم على غيرهم؛ لما لحقهم من أنواع المشقة في نصرة الدين، فمنها : مفارقة العشائر والأقربين. ومنها : مباينة المألوف من الدين. ومنها : نصرة الإسلام وقلة العدد وكثرة العدو، ومنها : السبق إلى الإيمان والدعاء إليه([58]).
ويقول الطباطبائي :... وهذا نعم الشاهد على أن المراد بالسابقين الأولين هم الذين أسسوا أساس الدين ورفعوا قواعده قبل أن يُشيَّد بنيانه ويهتز راياته، صنف منهم بالإيمان واللحوق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والصبر على الفتنة والتعذيب، والخروج من ديارهم وأموالهم بالهجرة إلى الحبشة والمدينة، وصنف بالإيمان ونصرة الرسول وإيوائه وإيواء من هاجر إليهم من المؤمنين والدفاع عن الدين قبل وقوع الوقائع...([59]).
ولا شك أن الله عزوجل لا يرضى لعباده اتباع من خالف نهجه ثم يعدهم الجنات والفوز العظيم لولا أنهم تمسكوا بهدية ونالوا رضاه، فبمجموعهم ارتفع عنهم الخطأ والضلالة، فكانوا القدوة وأصبحوا بذلك أولى، وهم رضوان الله عليهم أول من شملهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا تجتمع أمتي على ضلالة أو خطأ.
وفي رواية : إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم.
وفي رواية : إن الله لا يجمع أمتي - أو قال : أمة محمد - على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار.
وقال : عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ولم يجمع الله عزوجل أمتي إلا على هدى.
وقال : لا يجمع الله عزوجل أمر أمتي على ضلالة أبداً.
وقال : لن تجتمع أمتي على ضلالة أبداً.
وقال : إن الله تعالى قد أجار أمتي أن تجتمع على الضلالة وغيرها([60]).
وفي هذا قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : وما كان الله ليجعلهم - أي : المهاجرين والأنصار - وفي لفظ : ليجمعهم) على ضلالة ولا يضربهم بالعمى([61]).
ويقول عليه السلام للخوارج وقد خطَّئوه وضلَّلوه : فإن أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأت وضللت فلم تضللون عامة أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بضلالي([62]).
     حتى صار إجماعهم حجة أقر بها علماء القوم في كتبهم كقول أحدهم في أحد المسائل : روى حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر، وابن عباس، وجبير بن مطعم، وعبد الله بن عمر، وعليه جماعة المفسرين، إلا ما روي عن عثمان بن عطاء، عن أبيه أنه قال : معناه وسينشق القمر. وروي ذلك عن الحسن، وأنكره أيضا البلخي. وهذا لا يصح لأن المسلمين أجمعوا على ذلك، فلا يعتد بخلاف من خالف فيه، ولأن اشتهاره بين الصحابة يمنع من القول بخلافه([63]).
     نعود إلى ما كنا فيه.
وعن الصادق عليه السلام وقد سأله سائل : إن للإيمان درجات ومنازل يتفاضل المؤمنون فيها عند الله؟ قال : نعم. قلت : صفه لي رحمك الله حتى أفهمه؟ قال : إن الله سبق بين المؤمنين كما يسبق بين الخيل يوم الرهان، ثم فضلهم على درجاتهم في السبق إليه، فجعل كل امرئ منهم على درجة سبقه لا ينقصه فيها من حقه، ولا يتقدم مسبوق سابقاً، ولا مفضول فاضلاً، تفاضل لذلك أوائل هذه الأمة وأواخرها، ولو لم يكن للسابق إلى الإيمان فضل على المسبوق إذاً للحق آخر هذه الأمة أولها، نعم ولتقدموهم إذا لم يكن لمن سبق إلى الإيمان الفضل على من أبطأ عنه، ولكن بدرجات الإيمان قدم الله السابقين، وبالإبطاء عن الإيمان أخر الله المقصرين؛ لأنا نجد من المؤمنين من الآخرين من هو أكثر عملاً من الأولين وأكثرهم صلاة وصوماً وحجاً وزكاة وجهاداً وإنفاقاً، ولو لم يكن سوابق يفضل بها المؤمنون بعضهم بعضاً عند الله لكان الآخرون بكثرة العمل مقدمين على الأولين ولكن أبى الله عزوجل أن يدرك آخر درجات الإيمان أولها، ويقدم فيها من أخر الله أو يؤخر فيها من قدم الله.
قلت : أخبرني عما ندب الله عزوجل المؤمنين إليه من الاستباق إلى الإيمان؟ فقال : قول الله عزوجل : (#þqà)Î/$y™ 4’n<Î) ;otÏÿøótB `ÏiB óOä3În/§‘ >p¨Yy_ur $pkÝÎötã ÇÚöyèx. Ïä!$yJ¡¡9$# ÇÚö‘F{$#ur ôN£‰Ïãé& šúïÏ%©#Ï9 (#qãZtB#uä «!$$Î/ ¾Ï&Î#ߙâ‘ur [الحديد : 21] وقال : tbqà)Î7»¡¡9$#ur tbqà)Î7»¡¡9$# ÇÊÉÈ y7Í´¯»s9'ré& tbqç/§s)ßJø9$# ÇÊÊÈ [الواقعة : 10-11] وقال : šcqà)Î6»¡¡9$#ur tbqä9¨rF{$# z`ÏB tûï̍Éf»ygßJø9$# ͑$|ÁRF{$#ur tûïÏ%©!$#ur Nèdqãèt7¨?$# 9|¡ômÎ*Î/ š†Å̧‘ ª!$# öNåk÷]tã (#qàÊu‘ur çm÷Ztã [التوبة : 100] فبدأ بالمهاجرين الأولين على درجة سبقهم، ثم ثنى بالأنصار ثم ثلث بالتابعين لهم بإحسان، فوضع كل قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده.
ثم ذكر ما فضل الله عزوجل به أولياءه بعضهم على بعض، فقال عزوجل : y7ù=Ï? ã@ߙ”9$# $oYù=žÒsù öNßgŸÒ÷èt/ 4’n?tã <Ù÷èt/ Nßg÷YÏiB `¨B zN¯=x. ª!$# yìsùu‘ur óOßgŸÒ÷èt/ ;M»y_u‘yŠ [البقرة : 253] إلى آخر الآية وقال : ô‰s)s9ur $uZù=žÒsù uÙ÷èt/ z`¿ÍhŠÎ;¨Y9$# 4’n?tã <Ù÷èt/ [الإسراء : 55] وقال : öÝàR$# y#ø‹x. $oYù=žÒsù öNåk|Õ÷èt/ 4’n?tã <Ù÷èt/ äotÅzEzs9ur çŽt9ø.r& ;M»y_u‘yŠ çŽy9ø.r&ur WÅÒøÿs? ÇËÊÈ [الإسراء : 21] وقال :  öNèd ìM»y_u‘yŠ y‰YÏã «!$# [آل عمران : 163] وقال : ÏN÷sãƒur ¨@ä. “ÏŒ 9@ôÒsù ¼ã&s#ôÒsù [هود : 3] وقال : tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#rãy_$ydur (#r߉yy_ur ’Îû ÈÎ6y™ «!$# ôMÏlÎuqøBr'Î/ öNÍkŦàÿRr&ur ãNsàôãr& ºpy_u‘yŠ y‰YÏã «!$# [التوبة : 20] وقال : Ÿ@žÒsùur ª!$# tûïωÎyfßJø9$# ’n?tã tûïωÏè»s)ø9$# #·ô_r& $VÏàtã ÇÒÎÈ ;M»y_u‘yŠ çm÷ZÏiB ZotÏÿøótBur ZpuH÷qu‘ur [النساء : 95-96] وقال : Ÿw “ÈqtGó¡o„ Oä3YÏB ô`¨B t,xÿRr& `ÏB È@ö6s% Ëx÷Gxÿø9$# Ÿ@tG»s%ur y7Í´¯»s9'ré& ãNsàôãr& Zpy_u‘yŠ z`ÏiB tûïÏ%©!$# (#qà)xÿRr& .`ÏB ߉÷èt/ (#qè=tG»s%ur [الحديد : 10] وقال : Æìsùötƒ ª!$# tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä öNä3ZÏB tûïÏ%©!$#ur (#qè?ré& zOù=Ïèø9$# ;M»y_u‘yŠ [المجادلة : 11] وقال : šÏsŒ óOßg¯Rr'Î/ Ÿw óOßgç6ÅÁムØ'yJsß Ÿwur Ò=|ÁtR Ÿwur ×p|ÁyJøƒxC ’Îû ÈÎ6y™ «!$# Ÿwur šcqä«sÜtƒ $Y¥ÏÛöqtB àá‹Éótƒ u‘$¤ÿà6ø9$# Ÿwur šcqä9$uZtƒ ô`ÏB 5ir߉tã ¸xø‹¯R žwÎ) |=ÏGä. Oßgs9 ¾ÏmÎ/ ×@yJtã ìxÎ|¹ [التوبة : 120] وقال : $tBur (#qãBÏd‰s)è? /ä3Å¡àÿRL{ ô`ÏiB 9Žöyz çnr߉ÅgrB y‰YÏã «!$# [البقرة : 110] وقال : `yJsù ö@yJ÷ètƒ tA$s)÷WÏB >o§‘sŒ #\ø‹yz ¼çnttƒ ÇÐÈ `tBur ö@yJ÷ètƒ tA$s)÷WÏB ;o§‘sŒ #vx© ¼çnttƒ ÇÑÈ [الزلزلة : 7-8] فهذا ذكر درجات الإيمان ومنازله عند الله عزوجل ([64]).
وهكذا.. لا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكريم المدنية إلا وتحدثت عن جهادهم في سبيل الله عزوجل، فاقرأ - مثلاً - قوله تعالى : tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#rãy_$ydur (#r߉yy_ur ’Îû ÈÎ6y™ «!$# ôMÏlÎuqøBr'Î/ öNÍkŦàÿRr&ur ãNsàôãr& ºpy_u‘yŠ y‰YÏã «!$# y7Í´¯»s9'ré&ur ç/èf tbrâ“ͬ!$xÿø9$# ÇËÉÈ öNèdçŽÅe³t6ムOßgš/u‘ 7pyJômtÎ/ çm÷YÏiB 5uqôÊ͑ur ;M»¨Zy_ur öNçl°; $pÏù ÒÏètR íÉ)•B ÇËÊÈ šúïÏ$Î#»yz !$pÏù #´‰t/r& ¨bÎ) ©!$# ÿ¼çny‰YÏã íô_r& ÒÏàtã ÇËËÈ [التوبة : 20 - 22].
وقوله تعالى : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ.. [الحج : 40].. قال أبو جعفر عليه السلام : نزلت في المهاجرين([65]).
وقوله تعالى : Ç`Ås9 ãAqߙ§9$# šúïÏ%©!$#ur (#qãZtB#uä ¼çmyètB (#r߉yy_ óOÏlÎuqøBr'Î/ óOÎgÅ¡àÿRr&ur šÍ´¯»s9'ré&ur ãNßgs9 ÝVºuŽöyÜø9$# y7Í´¯»s9'ré&ur ãNèd tbqßsÎ=øÿßJø9$# ÇÑÑÈ £‰tãr& ª!$# öNçlm; ;M»¨Zy_ “̍øgrB `ÏB $pkÉJøtrB ㍻yg÷RF{$# tûïÏ$Î#»yz $pÏù y7ÏsŒ ã—öqxÿø9$# ãÏàyèø9$# ÇÑÒÈ [التوبة : 88 - 89].
وقوله تعالى : $tBur ö/ä3s9 žwr& (#qà)ÏÿZè? ’Îû ÈÎ6y™ «!$# ¬!ur ÛWºuŽÏB ÏNºuuK¡¡9$# ÇÚö‘F{$#ur Ÿw “ÈqtGó¡o„ Oä3YÏB ô`¨B t,xÿRr& `ÏB È@ö6s% Ëx÷Gxÿø9$# Ÿ@tG»s%ur y7Í´¯»s9'ré& ãNsàôãr& Zpy_u‘yŠ z`ÏiB tûïÏ%©!$# (#qà)xÿRr& .`ÏB ߉÷èt/ (#qè=tG»s%ur yxä.ur y‰tãur ª!$# 4Óo_ó¡çtø:$# ª!$#ur $yJÎ/ tbqè=yJ÷ès? ׎Î7yz ÇÊÉÈ [الحديد : 10].
وقوله جل ثناؤه : tûïÏ%©!$# (#qç/$yftGó™$# ¬! ÉAqߙ§9$#ur -ÆÏB ω÷èt/ !$tB ãNåku5$|¹r& ßyös)ø9$# tûïÏ%©#Ï9 (#qãZ|¡ômr& öNåk÷]ÏB (#öqs)¨?$#ur íô_r& îÏàtã ÇÊÐËÈ tûïÏ%©!$# tA$s% ãNßgs9 â¨$¨Z9$# ¨bÎ) }¨$¨Z9$# ô‰s% (#qãèuKy_ öNä3s9 öNèdöqt±÷z$$sù öNèdyŠ#t“sù $YyÎ) (#qä9$s%ur $uZç6ó¡ym ª!$# zN÷èÏRur ãÅ2uqø9$# ÇÊÐÌÈ (#qç7n=s)R$$sù 7pyJ÷èÏZÎ/ z`ÏiB «!$# 9@ôÒsùur öN©9 öNæhó¡|¡ôJtƒ Öäþqߙ (#qãèt7¨?$#ur tuqôÊ͑ «!$# ª!$#ur rèŒ @@ôÒsù AÏàtã [آل عمران : 172-174].
وقوله تعالى : øŒÎ) ãNäÏe±tóム}¨$yè‘Z9$# ZpuZtBr& çm÷YÏiB ãAÍi”t\ãƒur Nä3ø‹n=tæ z`ÏiB Ïä!$yJ¡¡9$# [ä!$tB Nä.tÎdgsÜã‹Ïj9 ¾ÏmÎ/ |=Ïdõ‹ãƒur ö/ä3Ztã t“ô_͑ ÇsÜø‹¤±9$# xÝÎ/÷ŽzÏ9ur 4’n?tã öNà6Î/qè=è% |MÎm7sWãƒur ÏmÎ/ tP#y‰ø%F{$# [الأنفال : 11].
وهذه الآية نزلت في غزوة بدر، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه - لما سأله أن يدعه يضرب عنقه - : وما يدريك يا عمر! لعل الله اطلع على أهل بدر فغفر لهم، فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم([66]).
وقال تعالى : ÷Pr& óOçFö6Å¡ym br& (#qè=äzô‰s? sp¨Yyfø9$# $£Js9ur Nä3Ï?ù'tƒ ã@sW¨B tûïÏ%©!$# (#öqn=yz `ÏB Nä3Î=ö6s% ãNåk÷J¡¡¨B âä!$y™ù't7ø9$# âä!#§ŽœØ9$#ur (#qä9̓ø9ã—ur 4Ó®Lym tAqà)tƒ ãAqߙ§9$# tûïÏ%©!$#ur (#qãZtB#uä ¼çmyètB 4ÓtLtB çŽóÇnS «!$# Iwr& ¨bÎ) uŽóÇnS «!$# Ò=ƒÌs% ÇËÊÍÈ [البقرة : 214].
قال الطبرسي : قيل : نزلت في المهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، إذ تركوا ديارهم وأموالهم ومسهم الضر([67]).
وجاء في ديوان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قول في الصحابة الكرام :
فجــاء بفرقــان من الله مـنــــــزل                      مبينـــــة آيــاتــــــه لـــذوي العقــل
فــآمـــن أقـــوام كـــرام وأيـقنوا                       وأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل
وأنكــر أقــوام فزاغـت قلوبهم                        فـزادهم الرحمن خبـلاً على خبــــل
وأمكـــن منهم يوم بدر رسوله                         وقوماً غضاباً فعلهم أحسن الفعل
بأيديهم بيـــــض خفاف قواطع                        وقد حادثوهـا بالجلاء وبالصقل([68])
وقد وصف الله تعالى أصحاب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالصدق والتقوى، ووعدهم بالفلاح في مواطن كثيرة : منها : قوله تعالى : $pkš‰r'¯»tƒ šúïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#qà)®?$# ©!$# (#qçRqä.ur yìtB šúüÏ%ω»¢Á9$# ÇÊÊÒÈ [التوبة : 119]، وقد وردت أقوال في تفسيرها :
فذكر بعض المفسرين أنها نزلت في محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم([69]).
ولا تخفى منزلة من أُمرنا بالاقتداء بهم، وهذا الأمر باقٍ إلى يوم القيامة، ولا يحتج هنا بأن هذا إنما كان في حال الصلاح قبل الردة كما يدعي القوم، فإن ذلك مقياس البشر لا مقياس علَّام الغيوب الذي لا تخفى عنه خافية في السماء أو الأرض، فضلاً عن سرائر النفوس.
وقال آخر : وهم من لا يجوز عليهم الكذب، والكون معهم والانقياد لهم وإطلاق الأمر به يقتضي فرقاً بين من يحب معه ومن يحب عليه ([70]).
وقال آخر : وهم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عزوجل عليه من جهاد عدوه، وبذل أنفسهم في سبيله، ونصرة رسوله، وإعزاز دينه، حيث يقول : ×A%y`͑ (#qè%y‰|¹ $tB (#r߉ytã ©!$# Ïmø‹n=tã Nßg÷YÏJsù `¨B 4Ó|Ós% ¼çmt6øtwU Nåk÷]ÏBur `¨B ãÏàtF^tƒ $tBur (#qä9£‰t/ Wωö7s? ÇËÌÈ [الأحزاب : 23]([71]).
وقد جاء في تفسير الآية من طرق القوم ما يناسب نزولها في الصحابة من باب أولى رغم حملهم إياها على الأئمة :
1- يقول أبو الصلاح الحلبي :... يعني : الاقتداء بهم، إذ الأمر بالكون معهم في المكان لا فائدة فيه، وذلك يقتضي وجوب الاقتداء بهم في كل شئ؛ لأنه سبحانه يخص شيئا من شيء، ولا يحسن الأمر بالاقتداء على هذا الوجه مع جواز القبيح على المقتدى به، وإذا ثبت عصمة الصادقين ثبت توجه الخطاب إلى ما ذكرناه؛ لما بيناه من الاعتبار.
لأنه تعالى وصف المأمور باتباعهم بالصدق عنده سبحانه، وذلك مانع من توجهه إلى من يجوز عليه الكذب...)([72]).
2- ويقول : أمر باتباع المذكورين، ولم يخص جهة الكون بشيء دون شيء، فيجب اتباعهم في كل شيء، وذلك يقتضي عصمتهم؛ لقبح الأمر بطاعة الفاسق أو من يجوز منه الفسق)([73]).
3- ويقول المفيد : ومن ذلك : قوله تعالى : $pkš‰r'¯»tƒ šúïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#qà)®?$# ©!$# (#qçRqä.ur yìtB šúüÏ%ω»¢Á9$# ÇÊÊÒÈ [التوبة : 119] : وقد ثبت أن المنادى به غير المنادى إليه، وأن المأمور بالاتباع غير المدعو إلى اتباعه. فدل ذلك على أن المأمورين باتباع الصادقين ليسوا هم الأمة بأجمعها، وإنما هم طوائف منها، وأن المأمور باتباعه غير المأمور بالاتباع، ولا بد من تمييز الفريقين بالنص، وإلا وقع الالتباس وكان فيه تكليف ما لا يطاق([74]).
4- ويقول عبدالله شبر : ليس المراد بالصادقين في الجملة إذ ما من أحد إلا هو صادق في الجملة حتى الكافر، والله سبحانه لا يأمر بالكون معه، بل المراد بهم الصادقون في أيمانهم وعهودهم وقصودهم وأقوالهم وأخبارهم وأعمالهم وشرائعهم في جميع أحوالهم وأزمانهم([75]).
وإذا تركنا كل التأويلات التي ساقها القوم في تفسير هذه الآيه وكذلك الروايات، وفسرنا القرآن بالقرآن، فسنجد أن الآية تنطبق بوضوح على قوله عزوجل : Ïä!#ts)àÿù=Ï9 tûï̍Éf»ygßJø9$# tûïÏ%©!$# (#qã_̍÷zé& `ÏB öNÏd̍»tƒÏŠ óOÎgÏuqøBr&ur tbqäótGö6tƒ WxôÒsù z`ÏiB «!$# $ZuqôÊ͑ur tbrçŽÝÇZtƒur ©!$# ÿ¼ã&s!qߙu‘ur šÍ´¯»s9'ré& ãNèd tbqè%ω»¢Á9$# ÇÑÈ [الحشر : 8]. إذاً : فهؤلاء هم المعنيون بالآية.
ولعل ما يدل على ذلك : الأدعية التي رواها الشيعة من طرقهم عن الأئمة،
كقول الصادق رحمه الله : ربنا إنك أمرتنا بطاعة ولاة أمرك، وأمرتنا أن نكون مع الصادقين، فقلت : (#qãè‹ÏÛr& ©!$# (#qãè‹ÏÛr&ur tAqߙ§9$# ’Í<'ré&ur ͐öDF{$# óOä3ZÏB، وقلت : (#qà)®?$# ©!$# (#qçRqä.ur yìtB šúüÏ%ω»¢Á9$# [التوبة : 119]. فسمعنا وأطعنا، ربنا فثبت أقدامنا وتوفنا مسلمين مصدقين لأوليائك، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب([76]).
ومن ذلك : ما يذكر عن الإمام زين العابدين رحمه الله : أنه كان إذا تلى قوله تعالى : $pkš‰r'¯»tƒ šúïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#qà)®?$# ©!$# (#qçRqä.ur yìtB šúüÏ%ω»¢Á9$# ÇÊÊÒÈ [التوبة : 119] يقول دعاءً طويلاً يشتمل على طلب اللحوق بدرجة الصادقين والدرجات العلية([77]).
فكيف يستقيم هذا إن كانوا هم المقصودين؟!
وفي الصحابة الكرام يقول عزوجل : Ӊ£Jpt’C ãAqߙ§‘ «!$# tûïÏ%©!$#ur ÿ¼çmyètB âä!#£‰Ï©r& ’n?tã ͑$¤ÿä3ø9$# âä!$uHxq①öNæhuZ÷t/ öNßg1ts? $Yè©.①#Y‰£Úߙ tbqäótGö6tƒ WxôÒsù z`ÏiB «!$# $ZuqôÊ͑ur öNèd$yř ’Îû OÎgÏdqã_ãr ô`ÏiB ̍rOr& ϊqàf¡9$# y7ÏsŒ öNßgè=sVtB ’Îû Ïp1u‘öq­G9$# ö/àSè=sVtBur ’Îû ÈÅgUM}$# ?íö‘t“x. ylt÷zr& ¼çmt«ôÜx© ¼çnu‘y—$t«sù xán=øótGó™$$sù 3“uqtFó™$$sù 4’n?tã ¾ÏmÏ%qߙ Ü=Éf÷èムtí#§‘–“9$# xáŠÉóu‹Ï9 ãNÍkÍ5 u‘$¤ÿä3ø9$# y‰tãur ª!$# tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#qè=ÏJtãur ÏM»ys΢Á9$# Nåk÷]ÏB ZotÏÿøó¨B #·ô_r&ur $JÏàtã ÇËÒÈ [الفتح : 29].
ففي هذه الآية مع غيرها من الدلائل : أن الله يغيظ بالصحابة رضوان الله عليهم من ينتقص من حقهم ومنزلتهم التي أنزلهم الله.
وروى القوم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سأل قوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيمن نزلت هذه الآية : y‰tãur ª!$# tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#qè=ÏJtãur ÏM»ys΢Á9$# Nåk÷]ÏB ZotÏÿøó¨B #·ô_r&ur $JÏàtã ÇËÒÈ [الفتح : 29]؟ قال : إذا كان يوم القيامة عقد لواء من نور أبيض، ونادى منادٍ : ليقم سيد المؤمنين ومعه الذين آمنوا فقد بعث محمد، فيقوم علي بن أبي طالب فيعطي الله اللواء من النور الأبيض بيده، تحته جميع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لا يخالطهم غيرهم حتى يجلس على منبر من نور رب العزة، ويعرض الجميع عليه رجلاً رجلاً فيعطى أجره ونوره، فإذا أتى على آخرهم قيل لهم : قد عرفتم موضعكم ومنازلكم من الجنة، إن ربكم يقول لكم : عندي لكم مغفرة وأجر عظيم - يعني : الجنة - فيقوم علي بن طالب والقوم تحت لوائه معهم حتى يدخل الجنة([78]).
وعلى صلة بالآية السابقة روى القوم عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى : tûïÏ%©!$# ãNßuZ÷s?#uä |=»tGÅ3ø9$# ¼çmtRqèù̍÷ètƒ [البقرة : 146] الآية.
قال : نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى، يقول الله تبارك وتعالى : tûïÏ%©!$# ãNßuZ÷s?#uä |=»tGÅ3ø9$# ¼çmtRqèù̍÷ètƒ [البقرة : 146] يعني : يعرفون رسول الله كما يعرفون أبناءهم؛ لأن الله عزوجل قد أنزل عليهم في التوراة والإنجيل والزبور صفة محمد وصفة أصحابه ومهاجرته، وهو قوله تعالى : Ӊ£Jpt’C ãAqߙ§‘ «!$# tûïÏ%©!$#ur ÿ¼çmyètB âä!#£‰Ï©r& ’n?tã ͑$¤ÿä3ø9$# âä!$uHxq①öNæhuZ÷t/ öNßg1ts? $Yè©.①#Y‰£Úߙ tbqäótGö6tƒ WxôÒsù z`ÏiB «!$# $ZuqôÊ͑ur öNèd$yř ’Îû OÎgÏdqã_ãr ô`ÏiB ̍rOr& ϊqàf¡9$# y7ÏsŒ öNßgè=sVtB ’Îû Ïp1u‘öq­G9$# ö/àSè=sVtBur ’Îû ÈÅgUM}$# [الفتح : 29]، وهذه صفة رسول الله في التوراة وصفة أصحابه، فلما بعثه الله عزوجل عرفه أهل الكتاب؛ كما قال جل جلاله : $£Jn=sù Nèduä!$y_ $¨B (#qèùttã (#rãxÿŸ2 ¾ÏmÎ/ [البقرة : 89] ([79]).
وبعد سرد هذه الروايات نعود إلى ما كنا فيه من ذكر فضائل الصحابة من القرآن، فيقول الله عزوجل : ô‰s)©9 š_ÅÌu‘ ª!$# Ç`t㠚úüÏZÏB÷sßJø9$# øŒÎ) štRqãè΃$t7ム|MøtrB Íotyf¤±9$# zNÎ=yèsù $tB ’Îû öNÍkÍ5qè=è% tAt“Rr'sù spuÅ3¡¡9$# öNÍköŽn=tã öNßgt6»rOr&ur $[s÷Gsù $Y6ƒÌs% ÇÊÑÈ zOÏR$tótBur ZouŽÏVx. $pktXrä‹è{ù'tƒ tb%x.ur ª!$# #¹“ƒÌ“tã $VÅ3ym ÇÊÒÈ ãNä.y‰tãur ª!$# zOÏR$tótB ZouŽÏVŸ2 $pktXrä‹è{ù's? Ÿ@¤fyèsù öNä3s9 ¾Ínɋ»yd £#x.ur y“ω÷ƒr& Ĩ$¨Z9$# öNä3Ytã tbqä3tGÏ9ur Zptƒ#uä tûüÏZÏB÷sßJù=Ïj9 öNä3tƒÏ‰ôgtƒur $WÛºuŽÅÀ $VÉ)tFó¡•B ÇËÉÈ [الفتح : 18-20].
يقول الطبرسي : يعني : بيعة الحديبية، وتسمى بيعة الرضوان لهذه الآية ورضا الله سبحانه عنهم، وإرادته تعظيمهم وإثابتهم، وهذا إخبار منه سبحانه أنه رضي عن المؤمنين إذ بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية تحت الشجرة المعروفة وهي شجرة السمرة([80]).
وكان عدد الصحابة رضوان الله عليهم يوم بيعة الرضوان ألفاً ومائتين، وقيل : وأربعمائة. وقيل : وخمسائة. وقيل : وثمانمائة([81]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أخبرنا الله عزوجل أنه رضي عنهم - أي : عن أصحاب الشجرة - فعلم ما في قلوبهم، هل حدثنا أحد أنه سخط عليهم بعد؟([82]).
وقال سبحانه فيهم : uqèd öNä38u;tFô_$# $tBur Ÿ@yèy_ ö/ä3ø‹n=tæ ’Îû ÈûïÏd‰9$# ô`ÏB 8ltym s'©#ÏiB öNäÎ/r& zÏtö/Î) uqèd ãNä39£Jy™ tûüÏJÎ=ó¡ßJø9$# `ÏB ã@ö6s% ’Îûur #x‹»yd tbqä3u‹Ï9 ãAqߙ§9$# #´‰‹Îgx© ö/ä3ø‹n=tæ (#qçRqä3s?ur uä!#y‰pkà­ ’n?tã Ĩ$¨Z9$# (#qßÏ%r'sù no4qn=¢Á9$# (#qè?#uäur no4qx.¨“9$# (#qßJÅÁtGôã$#ur «!$$Î/ uqèd óOä39s9öqtB zN÷èÏYsù 4’n<öqyJø9$# zO÷èÏRur 玍ÅÁ¨Z9$# ÇÐÑÈ [الحج : 78].
قالوا : فيه أقوال : الأول : أن المعنى : لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا فيها الحق في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى : uäü“(%É`ur z`¿ÍhŠÎ;¨Y9$$Î/ Ïä!#y‰pk’9$#ur [الزمر : 69] وقال :  tPöqtƒur ãPqà)tƒ ߉»ygô©F{$# ÇÎÊÈ [غافر : 51]. وقيل : الاشهاد أربعة : الملائكة، والأنبياء، وأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والجوارح.
والثاني : أن المعنى : لتكونوا حجة على الناس فتبينوا لهم الحق والدين، ويكون الرسول شهيداً مؤدياً إليكم.
والثالث : إنهم يشهدون للأنبياء على أممهم المكذبين لهم بأن قد بلغوا، وجاز ذلك لإعلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم إياهم بذلك : tbqä3tƒur ãAqߙ§9$# öNä3ø‹n=tæ #Y‰‹Îgx© [البقرة : 143] أي : شاهداً عليكم بما يكون من أعمالكم. وقيل : حجة عليكم. وقيل : شهيداً لكم بأنكم قد صدقتم يوم القيامة فيما تشهدون به.  öNçGZä. uŽöyz >p¨Bé& قيل : هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة. وقيل : هو خطاب للصحابة، ولكنه يعم سائر الأمة([83]).
وعلى أي حال فلا يسعنا هنا حصر جميع الآيات الدالة على فضائل الصحابة خشية خروجنا عما التزمنا به من الإيجاز، ففيما أوردناه آنفاً غنىً. لذا فإننا نختم هذا بإيراد قوله تعالى : Ïä!#ts)àÿù=Ï9 tûï̍Éf»ygßJø9$# tûïÏ%©!$# (#qã_̍÷zé& `ÏB öNÏd̍»tƒÏŠ óOÎgÏuqøBr&ur tbqäótGö6tƒ WxôÒsù z`ÏiB «!$# $ZuqôÊ͑ur tbrçŽÝÇZtƒur ©!$# ÿ¼ã&s!qߙu‘ur šÍ´¯»s9'ré& ãNèd tbqè%ω»¢Á9$# ÇÑÈ tûïÏ%©!$#ur râä§qt7s? u‘#¤$!$# zyM}$#ur `ÏB ö/ʼnÏ=ö7s% tbq™7Ïtä† ô`tB ty_$yd öNÍköŽs9Î) Ÿwur tbr߉Ågs† ’Îû öNÏd͑r߉߹ Zpy_%tn !$£JÏiB (#qè?ré& šcrãÏO÷sãƒur #’n?tã öNÍkŦàÿRr& öqs9ur tb%x. öNÍkÍ5 ×p|¹$|Áyz `tBur s-qム£xä© ¾ÏmÅ¡øÿtR šÍ´¯»s9'ré'sù ãNèd šcqßsÎ=øÿßJø9$# ÇÒÈ šúïÏ%©!$#ur râä!%y` .`ÏB öNÏdω÷èt/ šcqä9qà)tƒ $uZ­/u‘ öÏÿøî$# $oYs9 $oYÏuq÷z\}ur šúïÏ%©!$# $tRqà)t7y™ ÇyM}$$Î/ Ÿwur ö@yèøgrB ’Îû $uZÎ/qè=è% yxÏî tûïÏ%©#Ïj9 (#qãZtB#uä !$oY­/u‘ y7¨RÎ) Ô$râäu‘ îÏm§‘ ÇÊÉÈ [الحشر : 8 - 10].

فضائل الصحابة من السنة وأقوال أئمة أهل البيت رحمهم الله تعالى
روي أن نفراً من أهل العراق وفدوا على الإمام زين العابدين رحمه الله، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا من كلامهم، قال لهم : ألا تخبروني : أنتم المهاجرون الأولون : tûïÏ%©!$# (#qã_̍÷zé& `ÏB öNÏd̍»tƒÏŠ óOÎgÏuqøBr&ur tbqäótGö6tƒ WxôÒsù z`ÏiB «!$# $ZuqôÊ͑ur tbrçŽÝÇZtƒur ©!$# ÿ¼ã&s!qߙu‘ur šÍ´¯»s9'ré& ãNèd tbqè%ω»¢Á9$# ÇÑÈ [الحشر : 8]؟ قالوا : لا. قال : فأنتم  tûïÏ%©!$#ur râä§qt7s? u‘#¤$!$# zyM}$#ur `ÏB ö/ʼnÏ=ö7s% tbq™7Ïtä† ô`tB ty_$yd öNÍköŽs9Î) Ÿwur tbr߉Ågs† ’Îû öNÏd͑r߉߹ Zpy_%tn !$£JÏiB (#qè?ré& šcrãÏO÷sãƒur #’n?tã öNÍkŦàÿRr& öqs9ur tb%x. öNÍkÍ5 ×p|¹$|Áyz [الحشر : 9] قالوا : لا. قال : أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم : šúïÏ%©!$#ur râä!%y` .`ÏB öNÏdω÷èt/ šcqä9qà)tƒ $uZ­/u‘ öÏÿøî$# $oYs9 $oYÏuq÷z\}ur šúïÏ%©!$# $tRqà)t7y™ ÇyM}$$Î/ [الحشر : 10] اخرجوا عني فعل الله بكم([84]).
ولم يزل زين العابدين عليه السلام وهو يرى نفسه من الفريق الثالث يدعو الله لهم بالمغفرة، فيقول في أحد أدعيته :... اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له، حيث أسمعهم حجة رسالته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك، وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم، اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون : $uZ­/u‘ öÏÿøî$# $oYs9 $oYÏuq÷z\}ur šúïÏ%©!$# $tRqà)t7y™ ÇyM}$$Î/ [الحشر : 10] خير جزائك الذين قصدوا سمتهم، وتحروا وجهتهم في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم والائتمام لهم يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم([85]).
ولا عجب في أن ينتهج الإمام السجاد عليه السلام نهج جده أمير المؤمنين رضي الله عنه في بيان فضائل الصحابة لأهل العراق، فعن الباقر عليه السلام قال : صلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالناس الصبح بالعراق، فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله تعالى، ثم قال : أما والله لقد عهدت أقواماً على عهد خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنهم ليصبحون ويمسون شعثاً غبراً خمصاً بين أعينهم كركب المعزى، يبيتون لربهم سجداً وقياماً، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، يناجون ربهم، ويسألونه فكاك رقابهم من النار، والله لقد رأيتهم مع ذلك وهم جميع مشفقون منه خائفون([86]).
وعن زين العابدين عليه السلام قال : صلى أمير المؤمنين الفجر ثم لم يزل في موضعه حتى صارت الشمس على قيد رمح، وأقبل على الناس بوجهه، فقال : والله لقد أدركت أقواماً يبيتون لربهم سجداً وقياماً، يخالفون بين جباههم وركبهم، كأن زفير النار في آذانهم، إذا ذكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر([87]).
وكان رضي الله عنه يقول لمعاوية : أما بعد : فإن لله عباداً آمنوا بالتنزيل، وعرفوا التأويل، وفقهوا في الدين، وبيَّن الله فضلهم في القرآن الكريم، وأنتم في ذلك الزمان أعداء للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فكنتم فيمن دخل هذا الدين إما رغبة وإما رهبة، على حين فاز أهل السبق بسبقهم، وفاز المهاجرون والأنصار بفضلهم، ولا ينبغي لمن ليست له مثل سوابقهم في الدين ولا فضائلهم في الإسلام أن ينازعهم الأمر الذي هم أهله وأولى به فيجور ويظلم([88]).
     ويقول رضي الله عنه : ليس المهاجر كالطليق. وفي رواية : ما للطلقاء وأبناء الطلقاء، والتميز بين المهاجرين الأولين ؟([89]).
     وقال : ألا ترى أن قومًا استشهدوا في سبيل الله تعالى من المهاجرين والأنصار، ولكلّ فضل([90])
وقال رضي الله عنه مادحاً لهم ومعاتبا أصحابه بعد أن تخاذلوا عنه : أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه. وهيجوا إلى القتال فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها. وأخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا وصفا صفا. بعض هلك وبعض نجا. لا يبشرون بالأحياء، ولا يعزون عن الموتى. مره العيون من البكاء. خمص البطون من الصيام. ذبل الشفاه من الدعاء. صفر الألوان من السهر. على وجوههم غبرة الخاشعين. أولئك إخواني الذاهبون. فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الأيدي على فراقهم([91]).
     وقال رضي الله عنه  ذاماً لشيعته مادحاً لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : جفاة طغام، عبيد أقزام، جمعوا من كل أرب، وتلقطوا من كل شوب، ممن ينبغي أن يفقه ويؤدّب، ويعلّم ويدرب، ويولّى عليه، ويؤخذ على يديه، ليسوا من المهاجرين والأنصار، ولا من الذين تبوءوا الدار والإيمان([92]).
     وقال رضي الله عنه : لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً ومضياً على اللقم، وصبراً على مضض الألم وجدا في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقياً جرانه ومتبوئاً أوطانه، ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود، ولا أخضر للإيمان عود، وأيم الله لتحتلبنها دماً ولتتبعنها ندماً([93]). وفي رواية : لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وإن القتل ليدور على الآباء والأبناء والإخوان والقرابات، فما نزداد على كل مصيبة وشدة إلا إيمانا، ومضيا على الحق، وتسليما للأمر، وصبرا على مضض الجراح.([94]).
وقال رضي الله عنه : فما سمعت بأحد ولا رأيته هو أنصح لله في طاعة رسوله ولا أطوع لنبيه في طاعة ربه ولا أصبر على اللاواء والضراء وحين البأس ومواطن المكروه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هؤلاء النفر الذين سميت لك، وفي المهاجرين خير كثير تعرفه جزاهم الله خيراً بأحسن أعمالهم([95]).
     ولم يكن رضي الله عنه يفرق بين أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما يفعل من يدعي موالاته والسير على نهجه، فعن أبي عمرو الكندي قال : كنا ذات يوم عند علي عليه السلام فقالوا : يا أمير المؤمنين! حدثنا عن أصحابك! قال : عن أي أصحابي؟ قالوا : عن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال : كل أصحاب محمد أصحابي([96]).
     وقال فيهم الإمام الصادق رحمه الله : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر ألفاً.. ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجيء ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار، ويقولون : اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير([97]).
     ومن وصايا الإمام الصادق رحمه الله : لا تدع اليقين بالشك، والمكشوف بالخفي، ولا تحكم ما لم تره بما تروى، قد عظم الله أمر الغيبة وسوء الظن بإخوانك من المؤمنين، فكيف بالجرأة على إطلاق قول واعتقاد زور وبهتان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال الله عزوجل : ¼çmtRöq¤)n=s? ö/ä3ÏGoYÅ¡ø9r'Î/ tbqä9qà)s?ur /ä3Ïd#uqøùr'Î/ $¨B }§øŠs9 Nä3s9 ¾ÏmÎ/ ÒOù=Ïæ ¼çmtRqç7|¡øtrBur $YYÍh‹yd uqèdur y‰YÏã «!$# ×Ïàtã ÇÊÎÈ [النور : 15] وما دمت تجد إلى تحسين القول والفعل غيبتك وحضرتك سبيلاً فلا تتخذ غيره، قال الله : (#qä9qè%ur Ĩ$¨Y=Ï9 $YZó¡ãm [البقرة : 83] واعلم أن الله تعالى اختار لنبيه أصحابه، طائفة أكرمهم بأجل الكرامة، وحلاهم بحليه التأييد والنصر والاستقامة لصحبته على المحبوب والمكروه، وأنطق لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفضائلهم ومناقبهم وكراماتهم، واعتقد محبتهم وذكر فضلهم وحذر مجالسه أهل البدع فإنها تنبت في القلب كفراً وضلالاً مبيناً، وإن اشتبه عليك فضيلة بعضهم فكلهم إلى علَّام الغيوب، وقل : اللهم إني محب لمن أحببته ورسولك، ومبغض لمن أبغضته أنت ورسولك([98]).
     وما كان للصادق رحمه الله أن يقول هذا لولا علمه بمنزلة الصحبة.  كيف لا وهو يعلم أن جده أمير المؤمنين رضي الله عنه كان يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحق الصحبة حيث قال  رضي الله عنه وقد أخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما يلقى بعده، فبكى رضي الله عنه، وقال : يا رسول الله، أسألك بحق صحبتي إياك، لما دعوت الله عزوجل  أن يقبضني إليه. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أتسألني أن أدعو ربي لأجل مؤجل ؟ قال : فعلى ما أقاتلهم ؟ قال : على الاحداث في الدين  ([99]).
     وعن الباقر عليه السلام قال : إن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألوه : هل يخاف عليهم النفاق؟ فقال : كلا... ولولا أنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقا حتى يذنبوا، ثم يستغفروا الله فيغفر الله لهم([100]).
     وإذا قارنت هذه الروايات بقوله سبحانه عن المهاجرين والأنصار : šcqà)Î6»¡¡9$#ur tbqä9¨rF{$# z`ÏB tûï̍Éf»ygßJø9$# ͑$|ÁRF{$#ur tûïÏ%©!$#ur Nèdqãèt7¨?$# 9|¡ômÎ*Î/ š†Å̧‘ ª!$# öNåk÷]tã (#qàÊu‘ur çm÷Ztã £‰tãr&ur öNçlm; ;M»¨Zy_ “̍ôfs? $ygtFøtrB ㍻yg÷RF{$# tûïÏ$Î#»yz !$pÏù #Y‰t/r& y7ÏsŒ ã—öqxÿø9$# ãÏàyèø9$# ÇÊÉÉÈ [التوبة : 100]، علمت أن الله عزوجل لمَّا وعدهم بالجنات والخلود فيها؛ دل ذلك على أنهم يموتون على الإيمان والهدى، ولا ينافي هذا وقوع المعاصي منهم فهم غير معصومين، ووعد الله حقٌ لا خلف فيه، ومن أصدق من الله قيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً.
     وبناءً على هذا يتضح أن هؤلاء -المهاجرين والأنصار- لا يمكن أن يكونوا هم المردودون في حديث الحوض؛ لوعد الله عزوجل لهم بالجنات والخلود فيها ووعد الله حق، وكذا لإخباره سبحانه أنه رضي عنهم كما في نفس الآية.
وأما المراد بحديث الحوض ففيه عدة أقوال :
     منها : أنه من أسلم ولم يحسن إسلامه ممن كان باليمامة مثلاً وشهد حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم اتبع بعد ذلك أحد الذين ادعوا النبوة كطليحة وسجاح أو غيرهما.
وينبغي أن يعلم أيضاً : أن هؤلاء قليلٌ، لا كما يصورهم بعض أصحاب الهوى؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر : أنه يعرض عليه زمرٌ من أصحابه. وفي رواية : رجالٌ وفي رواية : أناسٌ ثم بيَّن أن من يخلص من بين تلك الزمر مثل همل النعم، ولم يقل : إنَّ الذين يردون عليه جميع أصحابه ولا يخلص منهم إلا مثل همل النعم، فتأمل الفرق!
وقد فصلنا القول في هذا في موقعنا ، فراجعه إن شئت، ولكن لا بأس أن أنقل هنا ما ذكره شيخنا الفاضل محمد سالم الخضر في هذا الشأن، حيث قال حفظه الله : ولعل من أبرز ما استدل به الشيعة الإثنا عشرية على ردة الصحابة وانقلابهم على أعقابهم : حديث المذادة عن الحوض، والذي روي بأكثر من لفظ عند أهل السنة والشيعة الإثني عشرية، فقد روى البخاري عن أنس ابن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ليرِدنّ عليّ ناسٌ من أصحابي الحوض، حتى عرفْتُهُمُ اخْتُلِجوا دوني فأقول : أُصيحابي، فيقول : لا تَدْري ما أحدثوا بعدك([101]).
وعن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إني فرطكم على الحوض، من مرَّ عليَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنّ عليَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفونني، ثم يُحال بيني وبينهم. قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال : هكذا سمعت من سهل؟ فقلت : نعم. فقال : أشهَدُ على أبي سعيد الخدري لسمعتُهُ وهو يزيد فيها : فأقول : إنهم مني. فيُقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي([102]).
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنّي على الحوض حتى أنظر مَنْ يَرِد عليّ منكم، وسيؤخذ ناسٌ دوني، فأقول : يا ربّ! منّي ومن أُمتي؟ فيُقال : هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما بَرِحوا يرجعون على أعقابهم. فكان ابن أبي مُليكة يقول : اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نُفتن عن ديننا([103]).
وفي رواية ابن مسعود رضي الله عنه : وليُرفَعَنّ رِجال منكم([104]). وفي أخرى : يرد عليّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي، فيُجلون عن الحوض([105]) وفي ثالثة : فإذا زُمرةٌ حتى إذا عرفتهم([106]).
وفي رواية ابن المُسَيّب عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يَرِد على الحوض رجال من أصحابي فيُحلؤون عنه([107]).
المناقشة :
لقد ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجال من أصحابه كانوا على الإيمان فزلزل الله عزوجل من في قلبه مرض فارتد عن الإسلام، واتبع مسيلمة الكذّاب وطليحة بن خويلد والأسود العنسي وسجاح.
يقول المؤرخ الشيعي سعد القمي في المقالات والفرق) : وارتد قوم فرجعوا عن الإسلام، ودعت بنو حنيفة إلى نبوة مسيلمة، وقد كان ادعى النبوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبعث أبو بكر إليهم الخيول عليها خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، فقاتلهم وقُتل من قُتل ورجع من رجع منهم إلى أبي بكر فسمّوا أهل الردة)([108]).
ويقول الإمام علي عن إمساكه عن بيعة الخليفة الراشد أبي بكر في بادئ الأمر ثم مبايعته له ومؤازرته له وللصحابة في دحر المرتدين : فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل..([109]).
ويقول : فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسّر وسدد وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهداً([110]).
ولذلك وجد الشيخ محمد كاشف آل الغطاء نفسه مضطراً للاعتراف بهذه الحقيقة فقال عن الإمام علي رضي الله عنه : وحين رأى أنّ الخليفتين - أعني : الخليفة الأول والثاني - بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد وتجهيز الجنود وتوسيع الفتوح ولم يستأثرا ولم يستبدا بايع وسالم)([111]).
أقول : وحديث الحوض يشير إشارة واضحة إلى هؤلاء النفر - أي : بني حنيفة وأمثالهم - الذين مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم على الإيمان فانقلبوا على أعقابهم، واستبدلوا الإيمان بالكفر، فسلّط الله عليهم جند الإيمان الأذلة على المؤمنين الأعزة على الكافرين، فمات من هؤلاء المرتدين من مات ليلقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيُذاد عن الحوض، ورجع إلى الإيمان من رجع، وفي الحديث : إنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر([112]).
لكن السؤال الذي يطرح نفسه : ماذا يريد علماء الشيعة الإثني عشرية من إثارة هذا الحديث أمام البسطاء من الناس؟
لعلك أدركت أيها القارئ الكريم أنّ علماء الشيعة الإثني عشرية أرادوا الطعن في كبار صحابة رسول الله أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة، وحفصة، والزبير، وطلحة، وغيرهم) والحديث بالنسبة لهم صيد ثمين، إذ يُمكن لهم أن يجعلوا هؤلاء الأصحاب ممن أحدثوا بعد رسول الله فيستحقون البوار والخسران يوم القيامة، هكذا وبكل سهولة!
ولذا تجد أنّ علماء الشيعة الإثني عشرية قد اجتهدوا في عدّ وحصر ما يرونه إحداثاً في دين الله من قبل هؤلاء الأصحاب، وألّفوا في ذلك المصنفات لإقناع الناس بصحة ما يدّعونه في صحابة رسول الله، لكن ماذا يفعل هؤلاء الحماسيون لو أنّ حماسهم ورغبتهم في التشفي من أصحاب رسول الله قابله حماس آخر من إباضي أو ناصبي حاقد على الإمام علي، ففعل مع الإمام علي ما يفعله هؤلاء مع باقي الصحابة؟
إن الظلم والبهتان لا يُعرف له صاحب، ولا يظنن أحدٌ أنّ الظلم يقع على أناس دون آخرين، وأنّ سهامه التي يوجهها لصحابة رسول الله ستصيب قوماً وتستثني آخرين، فالحديث عام لا يستثني عمار بن ياسر، ولا المقداد بن الأسود، ولا أبا ذر، ولا سلمان الفارسي رضي الله عنهم، وغيرهم ممن يجلهم الشيعة الإثنا عشرية، بل لا يستثني الحديث علياً نفسه رضي الله عنه.
وكل من في قلبه غل على صحابي يستطيع - وفقاً لميزانهم الأعوج - أن يجعله ممن انقلبوا على أعقابهم.
     وفي هذا كفاية لنعود إلى ذكر أقوال الأئمة رحمهم الله في مدح الصحابة رضي الله عنهم:
فمن أقوالهم : قول الإمام الصادق رحمه الله : كان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضع حصاة في فمه، فإذا أراد أن يتكلم بما علم أنه لله وفي الله ولوجه الله أخرجها، وإن كثيراً من الصحابة كانوا يتنفسون تنفس الغرقى، ويتكلمون شبه المرضى([113]).
فبهذه الأخلاق صلح أمر هؤلاء الكرام، كما قال علي رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : إن صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين وهلاك آخرها بالشح والأمل([114]).
وكان من فضائل هذا الجيل المثالي : أن نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يأتي من بعده أن يذكرهم بسوء أو ينتقصهم فقال : إذا ذكر أصحابي فأمسكوا([115]).
وعن الرضا، عن آبائه رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من سب نبيا قتل، ومن سب أصحابي جلد. وفي رواية عنه أيضاً عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من سب نبياً قتل، ومن سب صاحب نبي جلد، وفي لفظ: من سبني فاقتلوه، ومن سب أصحابي فقد كفر. وفي خبر آخر : ومن سب أصحابي فاجلدوه ([116]).
وعن الصادق عن آبائه عن علي رضي الله عنه قال : أوصيكم بأصحاب نبيكم، لا تسبوهم وهم الذين لم يحدثوا بعده ولم يؤووا محدثاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى بهم. وفي رواية : الله الله في أصحاب نبيكم، الذين لم يحدثوا حدثاً ولم يؤوا محدثاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى بهم([117]).
ولا يسعف القوم حمل قوله هذا على من لم يحدث بعده، فإن علياً رضي الله عنه وهو راوي الحديث لم ير ذلك في أهل الشام الذين رأوا الخروج عليه، حيث قال فيهم كما يروي القوم عن جعفر، عن أبيه : أن عليا عليه السلام كان يقول لأهل حربه : إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنا على حق، ورأوا أنهم على حق([118]).
وعن جعفر عليه السلام أيضاً، عن أبيه عليه السلام : أن علياً عليه السلام لم يكن ينسب أحداً من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكنه كان يقول : هم إخواننا بغوا علينا([119]).
     وكان يراهم من أهل القبلة حيث قال رضي الله عنه : وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة ([120]).
     وقال رضي الله عنه ولكنّا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام، على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج، والشبهة والتأويل، فإذا طمعنا في خصلة يلمّ الله بها شعثنا، ونتدانى بها إلى البقية فيما بيننا، رغبنا فيها، وأمسكنا عمّا سواها([121]).
     بل كان رضي الله عنه لا يرضى حتى بالسب حيث قال لجيشه في صفين ً : إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصَوَب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم : اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم([122]).
وعن مروان بن الحكم الذي كان الحسن والحسين رضي الله عنهما يصليان خلفه كما روي موسى الكاظم موسى قال : حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام : كان الحسن والحسين عليهما السلام يصليان خلف مروان بن الحكم، فقالوا لأحدهما : ما كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت ؟ فقال عليه السلام : لا والله، ما كان يزيدون([123]).
وعن بسام قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن الصلاة خلف بني أمية ؟ فقال : صل خلفهم فإنا نصلي خلفهم ! قال : قلت : يا أبا جعفر، إن الناس يقولون : إن هذا منكم تقية ؟ فقال : قد كان الحسن والحسين يصليان خلف مروان يبتدران الصف، وإن كان الحسين ليسبه وهو على المنبر أفتقية هذه ؟ وعن علي بن جعفر : روى عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال : صلى حسن وحسين عليهما السلام خلف مروان، ونحن نصلي معهم. وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، كان الحسن والحسين يصليان خلف مروان ولا يعيدان ([124]).
يقول مروان : : لما هزمنا علي بالبصرة، رد – أي علي رضي الله عنه - على الناس أموالهم، من أقام بينة أعطاه، ومن لم يقم بينة أحلفه. قال : فقال له قائل : يا أمير المؤمنين! أقسم الفئ بيننا والسبي. قال : فلما أكثروا عليه، قال : أيكم يأخذ أم المؤمنين في سهمه؟ فكفوا.([125]).
وقال رضي الله عنه وأرضاه : إن ربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، لا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يستزيدونا، الأمر واحدٌ إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء([126]).
     وعن إبن عباس رضي الله عنهما قال : قال علي بن أبي طالب عليه السلام : إن شاء الناس قمت لهم خلف مقام إبراهيم عليه السلام فحلفت لهم بالله، ما قتلت عثمان، ولا أمرت بقتله، ولقد نهيتهم فعصوني([127]).
وكيف لا يكون بريء من دم عثمان وهو كما ذكر المسعودي - وهو من مؤرخي الشيعة - : أنه لما بلغه أنهم يريدون قتله - أي عثمان - بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم... فصدُوهم عن الدار، واشتبك القوم، وجُرح الحسن، وشُبئَ قنبر.. ولما بلغه مقتل عثمان دخل عليّ الدار، وهو كالواله الحزين وقال لابنيه : كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ولَطَم الحسن وضرب صدر الحسين([128]).
بل وقد حضر هو بنفسه مراراً وطرد الناس عنه. ([129]) وانعزل عنه بعد أن دافع عنه طويلاً بيده ولسانه([130])، بعد أن قال عثمان : أعزم عليكم لما رجعتم فدفعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم.
وكان يقول رضي الله عنه : والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً([131]).
وكان رضي الله عنه أثناء الحصار يبعث إليه بالماء مع ابنه الحسن رضي الله عنهم أجمعين([132]).
بل أنه حمل على الخوارج طلباً بدم بن الأرت فكيف بدم عثمان أو إتهمامه بدمه رضي الله عنهما. فقد روى أنه رضي الله عنه لما انتهى إليهم – أي الخوارج - قال لهم : أقيدونا بدم عبد الله بن خباب فقالوا : كلنا قتله فقال : احملوا عليهم([133]).
وعلى ذكر الخوارج، فإن هذا هم مسلكهم في علي حيث حملوا روايات المدح فيه على حاله قبل كفره بزعمهم، فتدبر!!
وعوداً على بدئ.
نعود إلى موضوعنا فنقول : وكان صلى الله عليه وآله وسلم يوصي من سيأتي بعد صحابته بالتمسك بكتاب الله عزوجل وسنته صلى الله عليه وآله وسلم وهديهم رضي الله عنهم، ويؤكد أن ظهور هذا الدين إنما بمن بقي منهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
     فعن الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما وجدتم في كتاب الله عزوجل فالعمل به لا عذر لكم في تركه، وما لم يكن في كتاب الله عزوجل وكانت فيه سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي، وما لم يكن فيه سنة مني فما قال أصحابي فقولوا به، فإنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم بأيما أُخذ اهتدي، وبأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة([134]).
وعن الكاظم عن آبائه رحمهم الله أجمعين : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمَنَةٌ لأمتي، فإذا قبض أصحابي دنا من أمتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدين ظاهراً على الأديان كلها ما دام فيكم من قد رآني([135]).
وكذلك كان شأن أئمة آل البيت رضي الله عنهم، فقد كانوا يحثون غيرهم على العمل بسيرتهم.
     فهذا الحسن رضي الله عنه اشترط في صلحه مع معاوية : أن يعمل معاوية بسيرة الشيخين حيث قال في كتاب الصلح :
     بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان : صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين. وفي رواية الصالحين([136]).
بل وكان الحسن رضي الله عنه يرى أن معاوية خير له من شيعته.
فعن زيد بن وهب الجهني قال : لما طعن الحسن بن علي عليه السلام بالمدائن أتيته وهو متوجع، فقلت : ما ترى يا بن رسول الله فإن الناس متحيرون؟ فقال : أرى والله أن معاوية خير لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي([137]).
وفي الرواية فوائد أخرى لا تخفى على المتدبر ليس هذا مجال بسطها.
وعن علي بن أبي حمزة قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال له أبو بصير : جعلت فداك! أقرأ القرآن في شهر رمضان في ليلة؟ فقال :.. كان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ أحدهم القرآن في شهر أو أقل([138]).
    وعنه أيضاً عليه السلام قال : إذا طلع الفجر فلا نافلة، وإذا زالت الشمس يوم الجمعة فلا نافلة، وذلك أن يوم الجمعة يوم ضيق، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتجهزون للجمعة يوم الخميس لضيق الوقت([139]).
ولنكتفي بهذا القدر من الروايات في حثهم على اتباع هدي الصحابة رضي الله عنهم.

حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وتفانيهم دونه
 
     وفي المقابل كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على درجة عالية من الأخلاق في تعاملهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطاعتهم وحبهم وإخلاصهم له.
     فهذا عثمان رضي الله عنه لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة الحديبية إلى أهل مكة، وقال له : انطلق إلى قومك من المؤمنين فبشرهم بما وعدني ربي من فتح مكة، فلما انطلق عثمان لقي أبان بن سعيد فتأخر عن السرح فحمل عثمان بين يديه، ودخل فأعلمهم، وكانت المناوشة، فجلس سهيل بن عمرو عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجلس عثمان في عسكر المشركين، وبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين، وضرب بإحدى يديه على الأخرى لعثمان، وقال المسلمون : طوبى لعثمان قد طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما كان ليفعل. فلما جاء عثمان قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أطفت بالبيت؟ فقال : ما كنت لأطوف بالبيت ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يطف به([140]).
وهذا أنس رضي الله عنه يقول : لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا إليه لما يعرفون من كراهيته لذلك([141]).
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : لقد كنت أريد أن أسأل رسول الله عن الأمر فأؤخره سنتين من هيبته([142]).
وعن أنس رضي الله عنه : لما نزلت الآية - أي : قوله تعالى : $pkš‰r'¯»tƒ tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä Ÿw (#þqãèsùös? öNä3s?ºuqô¹r& [الحجرات : 2] - فقد ثابت فتفقده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبر بشأنه، فدعاه فسأله فقال : يا رسول الله! لقد أنزلت هذه الآية وإني جهوري الصوت، فأخاف أن يكون عملي قد حبط. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لست هناك، إنك تعيش بخير وتموت بخير، وإنك من أهل الجنة([143]).
وعن جابر رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قبة من أدم، وقد رأيت بلالاً الحبشي وقد خرج من عنده ومعه فضل وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فابتدره الناس، فمن أصاب منه شيئاً تمسح به وجهه، ومن لم يصب منه شيئاً أخذ من يدي صاحبه فمسح وجهه([144]).
وعن أسامة بن شريك قال : أتيت النبي وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطير([145]).
وعن المغيرة رضي الله عنه : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرعون بابه بالأظافير([146]).
وعن عروة بن مسعود حين وجهته قريش عام القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورأى من تعظيم أصحابه له وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه وكادوا يقتتلون عليه، ولا يبصق بصاقاً ولا يتنخم نخامةً إلا تلقوها بأكفهم، فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له، فلما رجع إلى قريش قال : يا معشر قريش! إني أتيت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت مَلِكاً في قومه مثل محمد في أصحابه([147]).
وعن أنس رضي الله عنه قال : لقد رأيت رسول الله والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن يقع شعرة إلا في يد رجل([148]).
ولما أراد المشركون قتل زيد بن الدثنة رضي الله عنه قالوا له : أتحب أنك الآن في أهلك وأن محمداً مكانك؟ قال : والله ما أحب أن محمداً يشاك بشوكة وأني جالس في أهلي. فقال أبو سفيان : والله ما رأيت من قوم قط أشد حباً لصاحبهم من أصحاب محمد([149]).
     وقال ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والذي بعثك بالحق نبيا إن في قلبي من محبتك ما لو قطعت بالسيوف ونشرت بالمناشير وقرضت بالمقاريض وأحرقت بالنيران وطحنت بأرحاء الحجارة كان أحب إلي وأسهل علي من أن أجد لك في قلبي غشا أو غلا أو بغضا لاحد من أهل بيتك وأصحابك. وأحب الخلق إلي بعدك أحبهم لك، وأبغضهم إلي من لا يحبك ويبغضك أو يبغض أحدا من أصحابك، يا رسول الله هذا ما عندي من حبك وحب من يحبك وبغض من يبغضك أو يبغض أحدا ممن تحبه فان قبل هذا مني فقد سعدت، وإن أريد مني عمل غيره فما أعلم لي عملا أعتمده وأعتد به غير هذا، أحبكم جميعا أنت وأصحابك وإن كنت لا أطيقهم في أعمالهم. فقال صلى الله عليه وآله : أبشر فإن المرء يوم القيامة مع من أحبه، يا ثوبان لو كان عليك من الذنوب ملا ما بين الثرى إلى العرش لانحسرت وزالت عنك بهذه الموالاة أسرع من انحدار الظل عن الصخرة الملساء المستوية إذا طلعت عليه الشمس ومن انحسار الشمس إذا غابت عنها الشمس([150]).
     وروايات المرء مع من أحب كثيرة، وهاك أخرى : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم متى الساعة ؟ فقال : ما أعددت لها ؟ فقال : حب الله ورسوله. وفي رواية : ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، لكن أحب الله ورسوله، فقال : إنك مع من أحببت. وفي رواية : قال : يا رسول الله إني أحب الصوامين ولا أصوم وأحب المصلين ولا أصلي، وأحب المتصدقين ولا أصدق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أنت مع من أحببت ولك ما كسبت. وفي رواية عن أنس : قال : ونحن كذلك. قال : نعم ففرحنا يومئذ فرحا شديدا. وفي رواية : عن أبي أبو ذر قال : قلت : يا نبي الله إني أحب أقواما ما أبلغ أعمالهم، قال : فقال : يا أبا ذر المرء مع من أحب وله ما اكتسب. وفي رواية : فقال : يا رسول الله إني أحبك، فقال : إنك لتحبني ؟ فقال : والله إني لأحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أنت مع من أحببت. وفي رواية عن الباقر عليه السلام : قال الله تعالى : يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ [الحشر : 9] إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله احب المصلين ولا اصلي واحب الصوامين ولا أصوم ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنت مع من أحببت([151]).
 
...عدنا :
     وعن أنس قال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل حائطا للأنصار وفيه غنم، فسجدت له، فقال أبو بكر : نحن أحق لك بالسجود من هذا الغنم، : فقال إنه لا ينبغي لاحد أن يسجد لاحد ولو جاز ذلك لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ([152]).
     وفي رواية عن  أبي عبد الله عليه السلام قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم قاعدا، إذ مر به بعير فبرك بين يديه ورغا، فقال عمر : يا رسول الله، أيسجد لك هذا الجمل ! فان سجد لك فنحن أحق ان نفعل، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : لا، بل اسجدوا لله([153]).
     وكما كان أصحابه رضوان الله عليهم معه كان هو صلى الله عليه وآله وسلم في محبته وتعامله معهم كذلك ومن ذلك :
- ما رواه عنه ابن مسعود رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا يبلغني أحد منكم عن أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر([154]).
- وعن أنس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده([155]).
- وكان في دعائه صلى الله عليه وآله وسلم : لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة([156]).
- وكان يقول صلى الله عليه وآله وسلم فيهم : المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة([157]). وذكر القمي في قوله تعالى : إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ [الأنفال : 34] قال : أنت وأصحابك يا محمد. وفي رواية : يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم([158]).
     وعن عبد الله بن مسعود، قال : نعى إلينا حبيبنا ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم نفسه - فبأبي وأمي ونفسي له الفداء - قبل موته بشهر، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت، فنظر إلينا، فدمعت عيناه، ثم قال : مرحبا بكم، حياكم الله، حفظكم الله، نصركم الله، نفعكم الله، هداكم الله، وفقكم الله، سلمكم الله، قبلكم الله، رزقكم الله، رفعكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم([159]).
ولم يقتصر بيانه صلى الله عليه وآله وسلم لفضائلهم في حياته - كما يزعم القوم - من أن ذلك إنما هو في حال صلاحهم، بل بيَّن فضلهم في حال وفاته، وذلك باستغفاره لما قد يبدر منهم من ذنوب.
    فعن الباقر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في نفر من أصحابه : إن مقامي بين أظهركم ومفارقتي خيرٌ لكم، فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاري وقال : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما مقامك بين أظهرنا فهو خير لنا، فكيف يكون مفارقتك إيانا خير لنا؟ قال : أما مقامي بين أظهركم إن الله يقول : $tBur šc%Ÿ2 ª!$# öNßgt/Éj‹yèã‹Ï9 |MRr&ur öNÍÏù $tBur šc%x. ª!$# öNßgt/Éj‹yèãB öNèdur tbrãÏÿøótGó¡o„ ÇÌÌÈ [الأنفال : 33]، وأما مفارقتي إياكم فإنه خير لكم، فإن أعمالكم تعرض علي كل اثنين وخميس فما كان من حسن حمدت الله تعالى عليه، وما كان من سيئ استغفرت لكم([160]).
وفي رواية عن الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حياتي خير لكم ومماتي خير لكم فأما حياتي فإن الله هداكم بي من الضلالة، وأنقذكم من شفا حفرة من النار، وأما مماتي فإن أعمالكم تعرض علي، فما كان من حسن استزدت الله لكم، وما كان من قبيح استغفرت الله لكم([161]).
     وفي رواية عنه أيضا عليه السلام قال : قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه حياتي خير لكم ومماتي خير لكم قالوا اما حياتك يا رسول الله صلى الله عليه وآله فقد عرفنا فما في وفاتك قال اما حياتي فان الله يقول وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون واما وفاتي فتعرض على أعمالكم فاستغفر لكم([162]).
     وبين صلى الله عليه وآله وسلم أن من أسباب ثبات المؤمنين على الصراط هو شدة حبهم لأصحابه رضي الله عنهم.
     فعن الباقر عن آبائه رحمهم الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أثبتكم على الصراط أشدكم حباً لأهل بيتي ولأصحابي([163]).
وعن عبد الله بن أبي أوفى قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه أجمع ما كانوا فقال : يا أصحاب محمد! لقد رأيت الليلة منازلكم في الجنة وقرب منازلكم من منزلي([164]).
     وفي رواية أخرى قال : مضيت مع جبرئيل فدخلت البيت المعمور فصليت فيه ركعتين ومعي أناس من أصحابي عليهم ثياب جدد وآخرون عليهم ثياب خلقان فدخل أصحاب الجدد وحبس أصحاب الخلقان ثم خرجت فانقاد لي نهران نهر يسمى الكوثر، ونهر يسمى الرحمة فشربت من الكوثر واغتسلت من الرحمة ثم انقادا لي جميعا حتى دخلت الجنة فإذا على حافتيها بيوتي وبيوت أزواجي وإذا ترابها كالمسك([165]).
     وقد كان الأصحاب من مهاجرين وأنصار وكذا أهل البيت رضي الله عنهم أجمعين يختصمون لا في حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم فحسب، بل في أيهم أولى بذلك الحب وأيهم أحب إليه.
فعن كعب بن عجرة رضي الله عنه أن المهاجرين والأنصار وبني هاشم اختصموا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أينا أولى به وأحب إليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أما أنتم يا معشر الأنصار! فإنما أنا أخوكم. فقالوا : الله أكبر! ذهبنا به ورب الكعبة. وأما أنتم يا معشر المهاجرين! فإنما أنا منكم. فقالوا : الله أكبر! ذهبنا به ورب الكعبة. وأما أنتم يا بني هاشم فأنتم مني وإلي. فقمنا وكلنا راضٍ مغتبط برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم([166]).
     أما أفضليتهم على سائر البشر فكان أمراً مسلما عندهم، حتى كانت أسئلتهم له صلى الله عليه وآله وسلم : هل أحد خير منا، أسلمنا معك، وجاهدنا معك ؟([167]).
 

روايات في فضائل الأنصار رضي الله عنهم
 
     وما دمنا قد ذكرنا الأنصار فلا بأس من إيراد شيء من فضائلهم.
روى القوم عن الصادق عليه السلام أنه قال : ما سلت السيوف، ولا أقيمت الصفوف في صلاة ولا زحوف، ولا جهر بأذان، ولا أنزل الله : $yg•ƒr'¯»tƒ šúïÏ%©!$# (#qãYtB#uä حتى أسلم أبناء القيلة : الأوس والخزرج([168]).
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار. يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يرجع غيركم بالشاء والنعم وترجعون أنتم وفي سهمكم رسول الله؟ قالوا : بلى رضينا. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينئذٍ : الأنصار كرشي وعيبتي، لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم اغفر للأنصار([169]).
وزاد الطبرسي عليه السلام بعد قوله : لسلكت شعب الأنصار : زاد : ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار([170]).
- قال الصادق رحمه الله : جاءت فخذ من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسلموا عليه فرد عليهم السلام. فقالوا : يا رسول الله! لنا إليك حاجة. فقال : هاتوا حاجتكم. قالوا : إنها عظيمة. فقال : هاتوها ما هي؟ قالوا : أن تضمن لنا على ربك الجنة. قال : فنكس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه، ثم نكت في الأرض ثم رفع رأسه. فقال : أفعل ذلك بكم على أن لا تسألوا أحداً شيئاً. قال : فكان الرجل منهم يكون في السفر فيسقط سوطه فيكره أن يقول لإنسان : ناولنيه، فراراً من المسألة فينزل فيأخذه، ويكون على المائدة فيكون بعض الجلساء أقرب إلى الماء منه، فلا يقول : ناولنيه حتى يقوم فيشرب([171]).
     وفي رواية قال عليه السلام : فضمن لهم الجنة، فكان الرجل منهم يسقط سوطه وهو على دابته فينزل حتى يتناوله كراهية أن يسأل أحدا شيئا، وإنه كان الرجل لينقطع شسعه فيكره أن يطلب من أحد شسعا([172]).
     وقال لامرأة أنصارية وهبت نفسها له صلى الله عليه وآله وسلم : رحمك الله ورحمكم يا معشر الأنصار! نصرني رجالكم، ورغبت فيَّ نساؤكم([173]).
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا معشر الأنصار إن الله قد أحسن إليكم الثناء فما تصنعون ؟ قالوا : نستنجي بالماء([174]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس رضي الله عنهم دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي قبض فيه، فقالوا : يا رسول الله! هذه الأنصار في المسجد تبكي رجالها ونساؤها عليك. فقال : وما يبكيهم؟ قالوا : يخافون أن تموت. فقال : أعطوني أيديكم، فخرج في ملحفة وعصابة حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال فيما قاله : أوصيكم بهذا الحي من الأنصار، فقد عرفتم بلاءهم عند الله عزوجل وعند رسوله وعند المؤمنين، ألم يوسعوا في الديار ويشاطروا الثمار ويؤثروا وبهم الخصاصة؟ فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه فليقبل من محسن الأنصار وليتجاوز عن مسيئهم، وكان آخر مجلس جلسه حتى لقى الله عزوجل ([175]).
وفي الرواية رد على من قال بان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر جل الصحابة بالخروج في جيش أسامة وأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : لعن الله من تخلف عن جيش أسامة.
وما دمنا في هذا، فلا بأس من ذكر روايات أخرى في الباب أوردها القوم في مصنفاتهم، كرواية أم سلمة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي قبض فيه يقول وقد امتلأت الحجرة من أصحابه : أيها الناس، يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم، ألا إني مخلف فيكم كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي. ثم أخذ بيد علي عليه السلام فرفعها فقال : هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي، خليفتان بصيران لا يفترقان حتى يردا علي الحوض، فأسألهما ماذا خلفت فيهما. وفي رواية عن فاطمة الزهراء رضي الله عنها قالت : سمعت أبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلم في مرضه الذي قبض فيه يقول، وقد امتلأت الحجرة من أصحابه.. الرواية ([176]).
     وعن علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي قبض فيه كان رأسه في حجري والبيت مملوء من أصحابه، من المهاجرين والأنصار، والعباس بين يديه، يذب عنه بطرف ردائه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغمى عليه ساعة ويفيق ساعة([177]).
     وقال أمير المؤمنين عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله : من يعينني على غسلك يا رسول الله ؟ قال جبرئيل. فلما غسله وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسنا وحسينا عليهم السلام فتقدم وصففنا خلفه فصلى عليه وعائشة في الحجرة لا تعلم قد أخذ جبرئيل ببصرها ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الأنصار فيصلون ويخرجون، حتى لم يبق من المهاجرين والأنصار إلا صلى عليه([178]).
    أين هذا من قول البعض : مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرضه الذي انتقل به إلى الرفيق الأعلى، فوجس منه خيفة الفراق، وهو يعلم أن أمته على شفا جرف هار من بحر للفتن متلاطم والعرب مغلوبة على أمرها تحرق الأرم عليه وعلى قومه وأهل بيته... إذ يعقد اللواء بيده للشاب أسامة بن زيد أميرا على الجيش بعد يوم واحد من ابتداء شكاته... ثم يضم تحت لوائه شيوخ المهاجرين والأنصار وجلتهم ووجوههم منهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وأسيد بن حضير وبشير بن سعد وغيرهم... ثم يشدد في الخروج ويلعن المتخلف منهم... أن النبي قد علم بقرب أجله... فكيف يخلي المدينة من شيوخ المهاجرين والأنصار وزعمائهم وأهل الحل والعقد منهم. فلا بد أن يكون كل ذلك لأمر ما عظيم...ألخ([179]).
     ومن قولهم إنه صلى الله عليه وآله وسلم عقد لأسامة بن زيد بن حارثة الأمرة، وندبه أن يخرج بجمهور الأمة إلى حيث أصيب أبوه من بلاد الروم([180]).
     بل في الروايات ما يؤكد أن الصديق رضي الله عنه أيضاً كان فيمن جهز النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضلاً عن صلاته بالناس في مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مما يدل على تعارض هذه الروايات من روايات كونه في جيش أسامة وأنه قد تخلف عنه رضي الله عنهما.
     تقول الرواية: لما أجتمع الأنصار في السقيفة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأتى عمر الخبر أقبل إلى منزل النبي صلى الله عليه وآله فأرسل إلى أبي بكر، وأبو بكر في الدار وعلي بن أبي طالب عليه السلام دائب في جهاز النبي صلى الله عليه وآله فأرسل إلى أبي بكر أن اخرج إلي، فأرسل إليه إني مشتغل، فأرسل إنه قد حدث الأمر لا بد لك من حضوره فخرج إليه، فقال أما علمت أن الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يولوا هذا الأمر سعد بن عبادة، وأحسنهم مقالة من يقول : منا أمير ومن قريش أمير... القصة([181]).
نعود إلى ذكر فضائل الأنصار...
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ألا وإن الأنصار ترسي، فاعفوا عن مسيئهم وأعينوا محسنهم([182]).
وعن الكاظم عليه السلام قال : لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوفاة دعا الأنصار وقال : يا معشر الأنصار! قد حان الفراق، وقد دعيت وأنا مجيب الداعي، وقد جاورتم فأحسنتم الجوار، ونصرتم فأحسنتم النصرة، وواسيتم في الأموال، ووسعتم في المسلمين، وبذلتم لله مهج النفوس، والله يجزيكم بما فعلتم الجزاء الأوفى([183]).
وقال لهم صلى الله عليه وآله وسلم : انكم سترون بعدى أثرة فاصبروا حتى تلقوني([184]).
وقال علي رضي الله عنه في مدحهم : هم والله ربوا الإسلام كما يربى الفلو مع غنائهم، بأيديهم السياط وألسنتهم السلاط([185]).
وعنه رضي الله عنه قال : أما بعد : أيها الناس! فوالله لأهل مصركم في الأمصار أكثر من الأنصار في العرب، وما كانوا يوم أعطوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يمنعوه ومن معه من المهاجرين حتى يبلغ رسالات ربه إلا قبيلتين، صغير مولدهما وما هما بأقدم العرب ميلاداً، ولا بأكثرهم عدداً، فلما آووا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ونصروا الله ودينه رمتهم العرب عن قوس واحدة، وتحالفت عليهم اليهود، وغزتهم اليهود والقبائل قبيلة بعد قبيلة، فتجردوا لنصرة دين الله، وقطعوا ما بينهم وبين العرب من الحبائل، وما بينهم وبين اليهود من العهود، ونصبوا لأهل نجد وتهامة وأهل مكة واليمامة وأهل الحزن والسهل وأقاموا قناة الدين، وتصبروا تحت أحلاس الجلاد، حتى دانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العرب ورأى فيهم قرة العين قبل أن يقبضه الله إليه([186]).
وحصر كل ما جاء في فضائلهم سيطول طولاً يخرجنا عن خطة الكتاب، وفيما أوردناه كفاية لمن شرح الله صدره لمعرفة منزلة هذا الجيل العظيم.
وأي شيء أعظم من أن يصفهم صلى الله عليه وآله وسلم بقرة عينه، وهم أهل بيته رضي الله عنهم، حيث قال أمير المؤمنين رضي الله عنه : وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا احمر البأس وأحجم الناس قدَّم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حر السيوف والأسنة([187]).
وليس بعزيز على الله بعد كل هذا أن يجعلهم أئمة ويجعلهم وارثين، وأن يستخلفهم في الأرض، كما قال في محكم كتابه : y‰tãur ª!$# tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä óOä3ZÏB (#qè=ÏJtãur ÏM»ys΢Á9$# óOßg¨ZxÿÎ=øÜtGó¡uŠs9 ’Îû ÇÚö‘F{$# $yJŸ2 y#n=÷‚tGó™$# šúïÏ%©!$# `ÏB öNÎgÎ=ö6s% £`uZÅj3uKã‹s9ur öNçlm; ãNåksϊ ”Ï%©!$# 4Ó|Ós?ö‘$# öNçlm; Nåk¨]s9Ïd‰t7ãŠs9ur .`ÏiB ω÷èt/ öNÎgÏùöqyz $YZøBr& ÓÍ_tRr߉ç6÷ètƒ Ÿw šcqä.Ύô³ç„ ’Î1 $\«ø‹x© `tBur txÿŸ2 y‰÷èt/ y7ÏsŒ y7Í´¯»s9'ré'sù ãNèd tbqà)Å¡»xÿø9$# ÇÎÎÈ [النور : 55].
     فالله عزوجل - كما في هذه الآية – وعد المؤمنين بالاستخلاف والتمكين من الأعداء، ولا بد من وقوع ما وعد به ضرورةً، لامتناع الخلف في وعده تعالى، ووقع ذلك في عهد الخلفاء الراشدين الذين كانوا حاضرين وقت نزول هذه الآية، كما ذكر ذلك بعض المفسرين.
     يقول علي  رضي الله عنه أما إنه ما كان لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم مُنجّم ولا لنا من بعده حتى فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر أيها الناس توكلوا على الله وثقوا به فإنه يكفي ممن سواه([188]).
     فهو رضي الله عنه يرى ذلك فتح من الله عزوجل رغم أن ذلك كان في خلافة الصديق والفاروق وذي النورين رضي الله عنهم وفي هذا رد على من طعن في بيعتهم وعدها غير شرعية وأن الصحابة رضي الله عنهم خالفوا وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إمرة علي  رضي الله عنه من بعده صلى الله عليه وآله وسلم. كيف!؟ وهو عندما آلت إليه البيعة لم يتخلف عنه أحد كما يقول في ذلك مالك بن أوس بن الحدثان : لما ولي علي بن أبي طالب عليه السلام أسرع الناس إلى بيعته المهاجرون والأنصار وجماعة الناس، لم يتخلف عنه أحد من أهل الفضل([189]).
     فما الذي يجعلهم يسرعون هنا، ويحجمون هناك؟
 

بشارات نبوية تحققت في عهد الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم
 
وحيث أن الحديث قد قادنا إلى هذا فلنورد هنا بعضاً من البشارات النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأزكى التسليم، والتي وعد بها أصحابه ووقعت في عهد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم :
منها : ما كان يوم حفر الخندق، عندما اعترضت المسلمين صخرة فاستعصت عليهم، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ المعول، وضرب به ضربة فلمعت منها برقة كأنها مصباح في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكبيرة فتح، فكبر المسلمون، ثم ضرب ضربة أخرى، فلمعت برقة أخرى، ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى، فقال صلى الله عليه وآله وسلم عن الأولى : أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الضربة الثانية فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم، فأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها فابشروا، فاستبشر المسلمون، وقالوا : الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر. فقال المنافقون : ألا تعجبون؟! يمنيكم ويعدكم الباطل، ويعلمكم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الفرق - أي : الخوف - ولا تستطيعون أن تبرزوا؟ فنزل القرآن : øŒÎ)ur ãAqà)tƒ tbqà)Ïÿ»uZßJø9$# tûïÏ%©!$#ur †Îû NÍkÍ5qè=è% ÖÚt¨B $¨B $tRy‰tãur ª!$# ÿ¼ã&è!qߙu‘ur žwÎ) #Y‘ráäî [الأحزاب : 12]([190])
فمتى تحققت هذه البشارات؟ وهل تجد هنا مكاناً لما نسب إليه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : وانصر من نصره، واخذل من خذله)؟
الجواب : لا يشك عاقل في أن هذه البشارات قد تحققت في عهد الخلفاء الثلاثة الذين اتسعت في عهدهم رقعة الفتوحات الإسلامية وامتدت إلى أقصى الأرض.
ومنها : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : إنكم ستفتحون مصر، فإذا فتحتموها فاستوصوا بالقبط خيراً، كان لهم رحم وذمة. يعني : أن أم إبراهيم منهم. أي : مارية القبطية([191]).
وفي رواية : الله الله في القبط، فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعواناً في سبيل الله([192]).
ومن البشارات التي تدل على عدالة الصحابة وإيمانهم، قوله صلى الله عليه وآله وسلم : إن ابني هذا - يعني : الحسن بن علي رضي الله عنهما - سيد، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين، وكان كما قال ص([193]).
ومنها : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : يقتل بهذه الحَرة خيار أمتي بعد أصحابي. قال أنس بن مالك رضي الله عنه : قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن، فيهم ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم([194]).
وبهذا يظهر فساد القول بخلاف الصحابة رضوان الله عليهم لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، واغتصاب الخلفاء الثلاثة لحق علي رضي الله عنهم أجمعين، وتصرفهم في الأرض بغير وجه حق، وقد رأيت أن ظاهر أحوالهم معه وأحواله معهم رضي الله عنهم أجمعين تنبئ بخلاف ذلك، فلم يكن يجمعهم سوى المحبة والاحترام، وإقرار كل واحد منهم لفضيلة الآخر.

روايات في إقرار الصحابة بفضائل علي بن أبي طالب  رضي الله عنهم أجمعين
 
     لعل في انتقالنا للحديث عن علاقة الصحابة رضي الله عنهم مع علي رضي الله عنه وذكر نصوص في هذا المقام مما يزيل شبهة اختلافهم المزعومة، فإن ذلك أبلغ في المراد في بيان ما كانوا عليه من ألفة حميمة ومحبة خالصة لا تشوبها تلك التـرهات التي أراد من أراد أن يصور بها ذلك المجتمع العظيم من مجتمع مليء بالأحقاد والضغائن والمؤامرات والاغتيالات والعدواة.. إلى آخر ما ذكروه.
وحيث إننا قد لا يسعنا ذكر موقف كل صحابي على حدة مع الإمام علي وموقفه معه، فإننا نذكر مواقف عامة لهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، وحبهم له، وحربهم معه([195])، وذلك على كل حال من طرق القوم :
فعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال : كان أصحاب محمد إذا أقبل علي قالوا : قد جاء خير البرية([196]).
وكانوا يعملون على إرضائه والاقتداء بهدية رضي الله عنه عنهم، فلما ورد بسبي الفرس إلى المدينة في عهد الفاروق رضي الله عنه أعتق الأمير رضي الله عنه لوجه الله حقه وحق بني هاشم، فقالت المهاجرون والأنصار : قد وهبنا حقنا لك يا أخا رسول الله! فقال : اللهم فاشهد أنهم قد وهبوا وقبلت وأعتقت، ولم يخالفه عمر رضي الله عنه في ذلك، وقال : سبق إليها علي بن أبي طالب، ونقض عزمتي في الأعاجم([197]).
وفي رواية : قد وهبت لله ولك يا أبا الحسن ما يخصني وسائر ما لم يوهب لك([198]).
وكانوا يحفظون له قدره في أدق المسائل، فانظر - مثلاً - ما ذكره القوم عن أبي رافع رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا جلس ثم أراد أن يقوم لا يأخذ بيده غير علي، وإن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يعرفون ذلك له، فلا يأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غيره([199]).
ويناسب المقام هنا القول بأن شأنهم هذا مع الثقل الأصغر -أهل بيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم- هو ذات الشأن مع الثقل الأكبر –القرآن- حيث أقر الخوئي بذلك، فقال :.. اهتمام الصحابة بذلك - أي : حفظ القرآن - في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعد وفاته يورِّث القطع بكون القرآن محفوظاً عندهم جمعاً أو متفرقاً، حفظاً في الصدور، أو تدويناً في القراطيس، وقد اهتموا بحفظ أشعار الجاهلية وخطبها، فكيف لا يهتمون بأمر الكتاب العزيز، الذي عرضوا أنفسهم للقتل في دعوته، وإعلان أحكامه، وهجروا في سبيله أوطانهم، وبذلوا أموالهم، وأعرضوا عن نسائهم وأطفالهم، ووقفوا المواقف التي بيَّضوا بها وجه التاريخ، وهل يحتمل عاقل مع ذلك كله عدم اعتنائهم بالقرآن حتى يضيع بين الناس؟!([200]).

إقرار أهل البيت بفضائل الصديق والفاروق رضي الله عنهما
وهنا نصل إلى موقف علي من الشيخين رضي الله عنهم، وموقفهما معه، دون التطرق إلى ذكر تفاصيل بقية الصحابة رضوان الله عليهم إلا فيما ندر، لأسباب لا يجهلها أحد، منها أن النصيب الأكبر من العداء للصحابة إنما هو متوجهة إليهما، ثم قس على هذا اعتقادهم فيمن دونهما.
فنقول : إن إقرار أهل البيت بفضائل الصديق والفاروق رضي الله عنهما لايكاد يغادر حتى أدق المسائل؛ مما لها دلالة لا تخفى على المنصف المتجرد من الأهواء في إظهار العلاقة الحميمة التي تربط بعضهم ببعض، فمنها مثلاً :
أولاً : أن علياً رضي الله عنه لم يفته أن يُسمي أحد أبنائه بأبي بكر([201])................... وآخر بعمر([202])،................................................................... وثالثاً بعثمان([203]).
وهؤلاء الثلاثة ولدوا في عهد الخلفاء الثلاثة كما لا يخفى.
وكذلك كان شأن ابنه الحسن رضي الله عنه حيث سمى أحد أبنائه بأبي بكر([204])، وآخر، بل واثنين آخرين بعمر([205]).
وستقف أخي القارئ الكريم بعد قليل على علة تسميته أسماء أبنائه بعمر مراراً.
ولم يخالفهم في ذلك الحسين رضي الله عنه، فقد سمَّى أحد أبنائه بأبي بكر([206])، وآخر بعمر([207]).
وكذلك شأن ابنه زين العابدين رحمه الله، حيث سمَّى أحد أولاده باسم الخليفة الثاني عمر رضي الله عنه ([208]).
وآخر بعثمان([209])، أما هو فقد أحب أن يكنى بأبي بكر([210]).
وكذا حال بقية أهل البيت، فها هو الكاظم يسمي أحد أبنائه بأبي بكر([211])، وآخر بعمر([212])، وكان ابنه الرضا يكنى بأبي بكر([213])، واستمر الحال في أعقابهم رحمهم الله.
ولعل في سرد هذه الأسماء ما يؤيد أن حب آل البيت لهم ممتد في أبنائهم وأبناء أبنائهم :

  • أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن عيسى بن إدريس بن إدريس بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
  • أبو بكر بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
  • أبو بكر بن محمد بن علي بن أبي طالب بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى.
  • أبو بكر بن إسماعيل بن الحسين بن محمد بن علي بن أحمد بن علي بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن علي العريضي بن جعفر الصادق.
  • أبو بكر بن محمد بن زيد بن محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسن بن علي بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن علي.
  • أبو بكر بن عيسى المبارك بن عبد الله بن محمد الأكبر بن عمر الأطرف بن علي
  • أبو بكر بن الحسن المجتبى.
  • أبو بكر بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى.
  • أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن عيسى بن إدريس بن إدريس بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى.
  • أبو بكر بن محمد بن علي بن أبي طالب بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى.
  • أبو بكر بن الحسين الشهيد بن علي.
  • أبو بكر بن إسماعيل بن الحسين بن محمد بن علي بن أحمد بن علي بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن علي العريضي بن جعفر الصادق.
  • أبو بكر بن محمد بن زيد بن محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسن بن علي بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن علي.
  • أبو بكر بن عيسى المبارك بن عبد الله بن محمد الأكبر بن عمر الأطرف بن علي.
  • عمر بن الحسن المجتبى.
  • عمر بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى.
  • عمر بن عبد الله بن محمد بن علي العمق بن محمد بن أحمد المسور بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى.
  • عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى.
  • عمر بن يحيى بن يحيى بن محمد بن إدريس بن إدريس بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى.
  • عمر بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن عيسى بن إدريس بن إدريس بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى.
  • عمر بن إسحاق بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى.
  • عمر بن أبي العباس محمد بن أبي علي محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى.
  • عمر الأشرف بن علي زين العابدين.
  • عمر بن إسحاق بن الحسن بن علي زين العابدين.
  • عمر بن محمد بن إسماعيل بن محمد الأرقط بن عبد الله الباهر بن علي زين العابدين.
  • عمر بن محمد الأكبر بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين.
  • عمر بن محمد بن عمر بن محمد الأكبر بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين.
  • عمر بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين.
  • عمر بن محمد بن عمر بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين.
  • عمر بن الحسن الأفطس بن علي بن علي زين العابدين.
  • عمر بن علي بن عمر بن الحسن الأفطس بن علي بن علي زين العابدين.
  • عمر بن الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد بن علي زين العابدين.
  • عمر بن محمد الفدان بن عمر بن يحيى بن الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد بن علي زين العابدين.
  • عمر بن الحسين بن أحمد المحدث بن عمر بن يحيى بن الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد بن علي زين العابدين.
  • عمر بن يحيى بن أحمد بن الحسين بن أحمد المحدث بن عمر بن يحيى بن الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد بن علي زين العابدين.
  • عمر بن يحيى بن الحسين بن أحمد المحدث بن عمر بن يحيى بن الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد بن علي زين العابدين.
  • عمر بن محمد الغلق بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن عيسى بن يحيى بن الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد بن علي زين العابدين.
  • عمر بن عيسى المختفي بن زيد الشهيد بن علي زين العابدين.
  • عمر بن ثابت بن محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن الحسن بن موسى حمصة بن علي بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين.
  • عمر بن محمد أبي الفتح بن أبي الحسين محمد بن عبيد الله بن علي بن عبيد الله بن علي العابد بن عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين.
  • عمر بن سليمان بن عبد الله بن الحسن بن علي العريضي بن جعفر الصادق.
  • عمر بن علي بن أحمد بن علي بن عبد الله بن الحسن بن علي العريضي بن جعفر الصادق.
  • عمر بن إسماعيل بن الحسين بن محمد بن علي بن أحمد بن علي بن عبدالله بن الحسن بن علي العريضي بن جعفر الصادق.
  • عمر بن موسى الكاظم.
  • عمر بن أحمد بن الحسين بن موسى الكاظم.
  • عمر بن الحسين سبتي بن محمد الحائري بن إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن موسى الكاظم.
  • عمر بن جعفر الأبله بن محمد الأكبر بن عمر الأطرف بن علي.
  • عمر بن إسماعيل بن عمر بن محمد الأكبر بن عمر الأطرف بن علي.
  • عمر بن إبراهيم بن عمر بن محمد الأكبر بن عمر الأطرف بن علي.
  • عمر بن علي الطبيب بن عبيد الله بن محمد الأكبر بن عمر الأطرف بن علي.
  • عمر بن عبد الله بن محمد الأكبر بن عمر الأطرف بن علي.
  • عمر بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد الصوفي بن يحيى الصوفي بن عبد الله بن محمد الأكبر بن عمر الأطرف بن علي.
  • عمر المنجوري بن محمد المنجوري بن عبد الله بن محمد الأكبر بن عمر الأطرف بن علي.
  • عمر بن القاسم بن علي المشطب بن محمد المنجوري بن عبد الله بن محمد الأكبر بن عمر الأطرف بن علي.
  • عمر بن محمد الأكبر بن عمر المنجوري بن محمد المنجوري بن عبد الله بن محمد الأكبر بن عمر الأطرف بن علي.
  • عمر بن جعفر الملك بن محمد المنجوري بن عبد الله بن محمد الأكبر بن عمر الأطرف بن علي.
  • عمر بن عبد الله بن جعفر الأصغر بن محمد الحنفية بن علي.
  • عمر بن علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي.
  • عمر بن الحسين بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
  • عمر بن علي بن عمر بن علي زين العابدين.
  • عمر بن الحسن بن علي بن علي زين العابدين.
  • عمر بن محمد الأكبر بن عمر الأطرف بن علي.
  • عمر بن أبي الغنائم محمد بن عمر بن يحيى بن الحسين بن أحمد بن عمر بن يحيى بن الحسين ذي الدمعة.
  • عمر بن الحسين بن محمد بن عمر بن محمد بن عمر الشجري  بن علي بن عمر الأشرف.
  • عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى.
  • عثمان بن علي بن أبي طالب.
  • عثمان بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
  • عثمان بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

ولا يسعنا إحصاء كل ما ورد في هذا الباب خشية الخروج عن موضوع الكتاب.
ولا شك أن لعامل الاسم دلالة نفسية لا تخفى على المتأمل، ولعل من يزعم أنه من شيعة الأمير وأهل بيته رضي الله عنهم أن يسأل نفسه إن كان يستطيع أن يُسمي أحد أبنائه باسم من اغتصب حق الأمير وأهان زوجته وقتل ابنه، وحرق بيته وحرَّف القرآن وابتدع في الدين.. إلى آخر ما زعموه فيهم.
وهنا روايات في كتب القوم تدل على أهمية عامل الاسم وعميق دلالته.
منها : أن معاوية استعمل مروان بن الحكم على المدينة وأمره أن يفرض لشباب قريش ففرض لهم، فقال علي بن الحسين : فأتيته، فقال : ما اسمك؟ فقلت : علي بن الحسين. فقال : ما اسم أخيك؟ فقلت : علي. فقال : علي وعلي؟ ما يريد أبوك أن يدع أحداً من ولده إلا سماه علياً؟ ثم فرض لي فرجعت إلى أبي فأخبرته. فقال : لو ولد لي مائة لأحببت أن لا أسمي أحداً منهم إلا علياً([214]). وفي رواية : أن يزيد قال له : واعجباً لأبيك سمى علياً وعلياً؟ فقال : إن أبي أحب أباه، فسمى باسمه مراراً([215]).
فلا ينبغي الغفلة عن هذه الحقيقة وأهميتها في الشرع، فقد أورد القوم من طرقهم عن الأئمة عشرات الروايات في هذا الشأن، لا نرى بأسا من ذكر بعضها لما له صلة بالباب، ونبدأها بهذه الرواية التي تدل على عظم الأجر الذي يجنيه من ينحل أولاده اسماً من أسماء من له شأن.
فعن ربعي بن عبد الله قال : قيل لأبي عبد الله عليه السلام : جعلت فداك! في الإسلام إنا نسمي بأسمائكم وأسماء آبائكم فينفعنا ذلك؟ فقال : إي والله وهل الدين إلا الحب؟ قال الله : bÎ) óOçFZä. tbq™7Åsè? ©!$# ‘ÏRqãèÎ7¨?$$sù ãNä3ö7Î6ósムª!$# öÏÿøótƒur ö/ä3s9 ö/ä3t/qçRèŒ [آل عمران : 31]([216]).
فهذه الرواية وأمثالها رد على من زعم من القوم وقد أعيتهم الحيلة في رد مسألة تسمية الأئمة بأسماء الخلفاء الراشدين : بأن مسألة التسمية من المباحات التي لا يترتب عليها حكم أو أجر.
وعن أبي الحسن عليه السلام قال : أول ما يبر الرجل ولده أن يسميه باسم حسن، فليحسن أحدكم اسم ولده.
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : استحسنوا أسماءكم فإنكم تدعون بها يوم القيامة، قم يا فلان بن فلان إلى نورك، وقم يا فلان بن فلان لا نور لك([217]).
ولا شك أن أول مراتب الاستحسان : هو عدم اختيار أسماء أعداء أهل البيت، وهذا أمر مسلَّم به عند الشيعة، حتى عقدوا في هذا أبواباً في مصنفاتهم كباب : كراهة التسمية بأسماء أعداء الأئمة عليهم السلام([218])، وذكروا فيها روايات عدة كرواية أبي جعفر عليه السلام قال : إن الشيطان إذا سمع منادياً ينادي باسم عدو من أعدائنا اهتز واختال([219]).
فراجع فيما سبق وانظر كم ترددت في بيوت آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذرياتهم أسماء أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ألد أعداء أهل البيت -كما يزعم القوم- وانظر كم أفرحوا الشيطان بذلك.. ولكن هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً.
والعجيب - وهكذا يريد لنا القوم أن نعتقد - أن أئمة أهل البيت عمدوا إلى ترك الأسماء التي حثّ عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخالفوه في ذلك وأخذوا بأسماء أعدائه.
فعن أبي عبد الله عليه السلام قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ولد لي غلام، فماذا أسميه؟ قال : بأحب الأسماء إلي : حمزة([220]).
فأنظر هل تجد في أسماء أولاد أمير المؤمنين وابنه الحسين رضي الله عنهما - مثلاً - اسم حمزة أحب الأسماء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أم تجد أبو بكر وعمر عثمان وهم من هم في معتقد الشيعة؟
الغريب في الأمر أن روايات القوم تدل على مخالفة أئمة أهل البيت لأوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الشأن، فإضافة إلى ما مر هناك روايات - مثلاً - تنهى عن التكني بأبي بكر([221])، أو بأبي القاسم([222]) إذا كان الاسم محمداً. ورغم ذلك فهناك -مثلاً- من أبناء أمير المؤمنين رضي الله عنه من يكنى بأبي القاسم وبأبي بكر ويحملان اسم محمد([223]).
والمسألة فيها طول، ونختم بهذه الرواية – كما في كتب القوم - التي نهى فيها الكاظم وهو لا زال في المهد عن التسمية بأسماء أعداء أهل البيت ففيها دلالة أخرى على أهمية عامل الاسم، فعن يعقوب السراج قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وهو واقف على رأس أبي الحسن موسى عليه السلام وهو في المهد يساره طويلاً، فجلست حتى فرغ فقمت إليه، فقال : أدن من مولاك فسلم. فدنوت منه فسلمت. فرد علي بكلام فصيح ثم قال لي : اذهب فغير اسم ابنتك التي سميتها أمس، فإنه اسم يبغضه الله، وكانت ولدت لي ابنة فسميتها بالحميراء، فقال أبو عبد الله عليه السلام : انته إلى أمره ترشد، فغيرت اسمها([224]). والحميراء هو لقب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهو تصغير حمراء.
والروايات في الباب كثيرة، حتى عقد علماء الشيعة أبواباً كثيرة في مصنفاتهم في استحباب الأسماء وكراهيتها، فراجعها إن شئت([225]).

فضائل الصديق وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما
لاشك أن علياً وكذا أهل بيته رضي الله عنهم يعرفون قدر خليفة رسول الله وابنته أم المؤمنين، ومنزلتهما وصحبتهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبلائهما لنصرة الإسلام بما لا يخفى على العدو فضلاً عن الصديق.
فها هو أبو جهل يقول : من جاء بمحمد أو دل عليه فله مائة بعير، أو جاء بابن أبي قحافة أو دل عليه فله مائة بعير([226]).
فجعل مكافأة من دل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه الصديق ورفيقه في الغار رضي الله عنه سواء.
وعلى ذكر قصة الهجرة فقد ذكروا أن الله عزوجل أوحى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قصة ليلة المبيت : آمرك أن تستصحب أبا بكر فإنه إن آنسك وساعدك ووازرك وثبت على ما يعاهدك ويعاقدك كان في الجنة من رفقائك، وفي غرفاتها من خلصائك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر : أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر! تطلب كما أطلب، وتعرف بأنك أنت الذي تحملني على ما أدعيه، فتحمل عني أنواع العذاب؟ قال أبو بكر : يا رسول الله! أما أنا لو عشت عمر الدنيا أعذب في جميعها أشد عذاب لا ينزل علي موت مريح ولا فرج منج، وكان في ذلك محبتك لكان ذلك أحب إليَّ من أن أتنعم فيها، وأنا مالك لجميع ممالك ملوكها في مخالفتك، وهل أنا ومالي وولدي إلا فداؤك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا جرم أن اطلع الله على قلبك ووجد ما فيه موافقاً لما جرى على لسانك، جعلك مني بمنزلة السمع والبصر والرأس من الجسد، وبمنزلة الروح من البدن كعلي الذي هو مني كذلك([227]).
وعلى ذكر التشبيه بالمنزلة، فقد جاء عن الرضا عن أبيه عن آبائه عن الحسين بن علي رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن أبا بكر مني بمنزلة السمع، وإن عمر مني بمنزلة البصر، وإن عثمان مني بمنزلة الفؤاد([228]).
وإذا كان الأمر كذلك فلا غرابة أن يشبِّه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر رضي الله عنه بنبيين من أولي العزم، وهما : إبراهيم وعيسى عليهما السلام([229]).
وعن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : ما سبقكم أبو بكر بصوم ولا صلاة ولكن بشئ وقر في نفسه([230]).
كيف لا يقولها في صاحب الموقف العظيم يوم حروب الردة حيث قال : لا أحل عقدة عقدها رسول الله، ولا أنقصكم شيئاً مما أخذ منكم نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولأجاهدنكم، ولو منعتموني عقالاً مما أخذ منكم نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم لجاهدتكم عليه([231]).
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : إنا لنرى أبا بكر أحق الناس بها - أي : الخلافة - إنه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنا لنعرف له سنه، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة وهو حي([232]).
وعنه رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على جبل حراء إذ تحرك الجبل. فقال له : قر، فليس عليك إلا نبي وصديق شهيد([233]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : رحم الله أبا بكر كان والله للقرآن تالياً، وعن المنكر ناهياً، وبذنبه عارفاً، ومن الله خائفاً، وعن الشبهات زاجراً، وبالمعروف آمراً وبالليل قائماً وبالنهار صائماً، فاق أصحابه ورعاً وكفافاً، وسادهم زهداً وعفافاً، فغضب الله على من أبغضه وطعن عليه([234]).
وقد تزوج علي من أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين بعد وفاته، وربى ابنه محمداً، وكان يقول : هو ابني من ظهر أبي بكر([235]).
وكان أبو بكر قد بعثها لرعاية فاطمة رضي الله عنها في مرضها، ثم غسلها وتكفينها بعد وفاتها رضي الله عنها.
وفي هذا رد على من زعم أنها مرضت وتوفيت ودفنت ليلاً دون علمه رضي الله عنهما لخلاف مزعوم بينهما.
فكيف ذلك وهو القائل رضي الله عنه مخاطباً علياً وفاطمة رضي الله عنهما : والله ما تركت الدار والمال، والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت([236]). وقال : والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحبُ إليّ من أن أصل من قرابتي([237])، وقال : ارقبوا محمداً في أهل بيته([238]).
ولشدة حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له وتدليلاً على عظمة الموالاة بينهما صاهره وتزوج ابنته عائشة رضي الله عنها ولها من العمر ست أو سبع سنوات، على خلاف في كتب التاريخ([239]).
وعائشة رضي الله عنها هي أم المؤمنين الصديقة المبرأة من فوق سبع سموات كما في سورة النور تكذيباً لأهل الإفك، وهي الغائبة الحاضرة في قلبه صلى الله عليه وآله وسلم، فعن علي رضي الله عنه قال : دخلت السوق فابتعت لحماً بدرهم وذرة بدرهم، فأتيت بهما فاطمة، حتى إذا فرغت من الخبز والطبخ قالت : لو أتيت أبي فدعوته، فخرجت وهو مضطجع يقول : أعوذ بالله من الجوع ضجيعاً. فقلت : يا رسول الله! عندنا طعام، فاتكأ علي ومضينا نحو فاطمة، فلما دخلنا قال : هلمي من طعامنا، ثم قال : اغرفي لعائشة فغرفت([240]).
وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه سمع رجلا يسب عائشة فقال : اسكت مقبوحاً منبوحاً والله إنها لزوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة([241]).
وكان أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم يعلمن شدة حبه صلى الله عليه وآله وسلم لها ان، فكن يهبن لياليهن لها كما فعلت سودة بنت زمعة بعد نزول آية التخيير([242])، وآية التخيير هي قوله تعالى : $pkš‰r'¯»tƒ ÓÉ<¨Z9$# @è% y7Å_ºurø—X{ bÎ) £`çFZä. šc÷ŠÎè? no4quŠysø9$# $u‹÷R‘‰9$# $ygtFtΗur šú÷üs9$yètFsù £`ä3÷èÏnGtBé&  Æä3ômÎhŽ| é&ur %[n#uŽ|  WÏHsd ÇËÑÈ bÎ)ur £`çFZä. šc÷ŠÎè? ©!$# ¼ã&s!qߙu‘ur u‘#¤$!$#ur notÅzFy$# ¨bÎ*sù ©!$# £‰tãr& ÏM»oYÅ¡ósßJù=Ï9 £`ä3ZÏB #·ô_r& $VÏàtã ÇËÒÈ [الأحزاب : 28 - 29].
ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يطلق عائشة رضي الله عنها. فدل ذلك على أنها معه في الدار الآخرة. فتدبر!!
وعن الصادق عليه السلام قال : إنما خير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمكان عائشة، فاخترن الله ورسوله، ولم يكن لهن أن يخترن غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([243]).
وروى الصادق عن أبيه عن علي بن الحسين رضي الله عنهم قال : حدثني أبي أن أبا ذر قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي قبض فيه إذ دعا بالسواك، فأرسل به إلى عائشة فقال : لتبلينه لي بريقك ففعلت، ثم أتي به فجعل يستاك به، ويقول بذلك : ريقي على ريقك يا حميراء([244]).
فلا غرابة إذاً أن سمَّى بعض الأئمة رحمهم الله بناتهم بعائشة، كالكاظم، والرضا، والهادي([245])رحمهم الله؛ فتأمل هذا أيضاً!!
 

الثناء والتقدير المتبادل بين آل الصديق وآل علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين
وقد كانت الصديقة رضي الله عنها تحفظ قدر أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وتذكر فضائله ولا تكتمها، رغم كل ما حصل وقيل، وهذه روايات أوردها القوم من طرقهم ترد عليهم :
فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ما رأيت رجلاً كان أحب إلى رسول الله منه، وما رأيت امرأة كانت أحب إلى رسول الله من امرأته([246]).
وعنها رضي الله عنها قالت : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقبل علي بن أبي طالب فقال : هذا سيد العرب([247]).
وعنها رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ذكر علي عبادة([248]).
وعنها رضي الله عنها قالت : زينوا مجالسكم بذكر علي([249]). وعنها رضي الله عنها قالت وقد ذكر عندها علي بن أبي طالب : كان من أكرم رجالنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([250]).
وسئلت رضي الله عنها عنه فقالت : ذاك خير البشر، ولا يشك فيه إلا كافر([251]). وفي رواية : ذاك من خير البرية ولا يشك فيه إلا كافر([252]).
وقالت رضي الله عنها وقد سئلت : من كان أحب الناس إلى رسول الله؟ قالت : فاطمة. فقلت : إنما سألتك عن الرجال؟ قالت : زوجها. والله إنه كان صواماً قواماً، ولقد سالت نفس رسول الله في يده فردها إلى فيه([253]).
    وعنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما حضره الموت : ادعوا لي حبيبي. فقلت لهم : ادعوا له ابن أبي طالب، فوالله ما يريد غيره، فلما جاءه فرج الثوب الذي كان عليه ثم أدخله فيه، فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه. وفي رواية : قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في بيتها لما حضره الموت : ادعوا لي حبيبي، فدعوت له أبا بكر فنظر إليه ثم وضع رأسه ثم قال : ادعوا لي حبيبي، فدعوت له عمر فلما نظر إليه قال : ادعوا لي حبيبي، فقلت : ويلكم ادعوا له علي بن أبي طالب فوالله ما يريد غيره، فلما رآه أفرج له الثوب الذي كان عليه ثم أدخله فيه ولم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه([254]).
وقالت لأخيها محمد بن أبي بكر رضي الله عنه : إلزم علي بن أبي طالب فإني سمعت رسول الله يقول : الحق مع علي وعلي مع الحق لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض([255]).
وعن جميع بن عمير قال : قالت عمتي لعائشة وأنا أسمع لها : أنت مسيرك إلى علي ما كان؟ قالت : دعينا منك، إنه ما كان من الرجال أحب إلى رسول الله من علي، ولا من النساء أحب إليه من فاطمة([256]).
وكانت تتذكر هذا المسير فتقول رضي الله عنها : والله لو كان لي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرون كلهم ذكر مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فثكلتهم بموت أو قتل كان أيسر عليَّ من خروجي على علي ا([257]).
ومن الروايات التي ترد على الخلاف الموهوم بينهما رضي الله عنهما بسبب معركة الجمل، وأن ما حصل لم يكن سوى اجتهاد مأجور عليه.
قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد ذكر النبي خروج بعض نسائه فضحكت عائشة فقال : انظري يا حميراء لا تكونين هي. ثم التفت إلى علي فقال : يا أبا الحسن إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها([258]).
     ومن الحقائق التي تخفى أو أخفيت عن البعض أن عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم لم يخرجوا على أمير المؤمنين ولا إليه حيث كان في المدينة، بل خرجوا إلى البصرة بغرض الإصلاح، فتبعهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.
     روى القوم أن علياً عليه السلام لما نزل بالربذة سئل البعض عن قدومه إليها، فقيل : خالف عليه طلحة والزبير وعائشة، وصاروا إلى البصرة، فخرج يريدهم، فصار إليه – أي الراوي - فجلست حتى صلى الظهر والعصر، فلما فرغ من صلاته قام إليه ابنه الحسن بن علي عليهما السلام فجلس بين يديه، ثم بكى، وقال : يا أمير المؤمنين، إني لا أستطيع أن أكلمك، وبكى. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : لا تبك يا بني، وتكلم، ولا تحن حنين الجارية. فقال : يا أمير المؤمنين، إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه، إما ظالمون أو مظلومون، فسألتك أن تعتزل الناس وتلحق بمكة حتى تؤوب العرب وتعود إليها أحلامها، وتأتيك وفودها، فوالله لو كنت في جحر ضب لضربت إليك العرب آباط الإبل حتى تستخرجك منه، ثم خالفك طلحة والزبير فسألتك أن لا تتبعهما وتدعهما، فإن اجتمعت الأمة فذاك، وإن اختلفت رضيت بما قضى الله، وأنا اليوم أسالك ألا تقدم العراق وأذكرك بالله أن لا تقتل بمضيعة.. الرواية([259]).
     ومن قصص يوم الجمل قول علي عليه السلام : عرقبوه - أي جمل عائشة - فإنه شيطان وقال لمحمد بن أبي بكر : انظر إذا عرقب الجمل فأدرك أختك فوارها.. ثم قال له : شأنك وأختك فلا يدن منها أحد سواك ([260]).
    وبعد إنتهاء معركة الجمل قالت عائشة لعلي عليه السلام : ملكت فاسجح فجهزها أحسن الجهاز وبعث معها بتسعين امرأة أو سبعين([261]).
    ونهى عليه السلام أن يتبع مول أو أن يجهز على جريح أو أن يقتل مستأسر. وقال : ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن تحيز إلى عسكر الإمام فهو آمن. ولم يأخذ أثقالهم، ولا سبى ذراريهم ولا غنم شيئا من أموالهم([262]).
عدنا إلى عائشة وفضائل علي رضي الله عنهما.
ولما بلغها قتله رضي الله عنه للخوارج قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يقتلهم خير أمتي بعدي وفي رواية : هم شر الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة وأعظمهم عند الله تعالى يوم القيامة وسيلة. وفي أخرى : اللهم إنهم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي، وما كان بيني وبينه إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها([263]).
 
وغيرها كثير، فلم أُخفيت هذه وأُظهرت تلك وكلها من معين واحد.

روايات الصديقة عائشة في فضائل فاطمة رضي الله عنها
وعلى ذكر فاطمة رضي الله عنها ففضائلها التي روتها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في كتب القوم أكثر من أن تحصى، ولا بأس بذكر بعضها :
منها : أنها قالت : قلت : يا رسول الله! مالك إذا جاءت فاطمة قبّلتَها حتّى تجعل لسانك في فيها كله، كأنّك تريد أن تلعقها عسلاً؟! قال : نعم يا عائشة! إنّي لمّا أُسري بي إلى السماء أدخلني جبرئيل الجنة، فناولني منها تفّاحةً فأكلتها فصارت نطفةً في صلبي، فلمّا نزلت واقعت خديجة، ففاطمة من تلك النطفة، وهي حوراء إنسيّة، فكلّما اشتقت إلى الجنة شمت رائحة النبي([264]).
وعنها رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر تقبيل فاطمة ‘، فأنكرت ذلك عائشة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا عائشة... فما قبّلتها قطّ إلاّ وجدت رائحة شجرة طوبى منها([265]).
وعنها رضي الله عنها قالت : وكانت - أي : فاطمة رضي الله عنها - لا تحيض قط؛ لأنّها خلقت من تفاحة الجنّة([266]).
وعنها رضي الله عنها : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا حميراء! إن فاطمة ليست كنساء الآدمييّن، ولا تعتلّ كما يعتللن([267]).
وعنها رضي الله عنها قالت : أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال النبي : مرحباً بابنتي فأجلسها عن يمينه...([268]).
وعنها رضي الله عنها قالت : ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([269]).
وعنها رضي الله عنها قالت : ما رأيت قطّ أحداً أفضل من فاطمة غير أبيها([270]).
وعنها رضي الله عنها قالت : ما رأيت أحداً كان أشبهَ كلاماً وحديثاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فاطمة رضي الله عنها([271]).
وعنها رضي الله عنها قالت : ما رايت أحداً من الناس كان أشبه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كلاماً ولا حديثاً ولا جلسة من فاطمة([272]).
وعنها رضي الله عنها أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يقبّل فاطمة فقالت له : أتحبّها يا رسول الله؟ قال : أما والله لو علمت حبّي لها لازددت لها حبّاً، إنّه لما عُرِج بي إلى السماء الرابعة أذّن جبرئيل وأقام ميكائيل، ثم قيل لي : ادن يا محمّد! فقلت : أتقدّم وأنت بحضرتي ياجبرئيل؟ قال : نعم، إنّ الله عزوجل  فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين، وفضّلك أنت خاصّة. فدنوت فصلّيت بأهل السّماء الرّابعة، ثمّ التفتّ عن يميني فإذا أنا بابراهيم عليه السلام في روضة من رياض الجنّة، وقد اكتنفها جماعةٌ من الملائكة، ثمّ إنّي صرت إلى السّماء الخامسة، ومنها إلى السّادسة فنوديت : يا محمّد! نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك عليّ. فلمّا صرت إلى الحجب، أخذ جبرئيل عليه السلام بيدي فأدخلني الجنّة، فإذا أنا بشجرة من نور في أصلها ملكان يطويان الحليَّ والحلل. فقلت : حبيبي جبرئيل لمن هذه الشجرة؟ فقال : هذه لأخيك عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهذان الملكان يطويان له الحليّ والحلل إلى يوم القيامة. ثمّ تقدّمت أمامي فإذا أنا برطب ألين من الزَبد وأطيب رائحةً من المسك وأحلى من العسل، فأخذت رطبةً فأكلتها، فتحوّلت الرطبة نطفةً في صلبي، فلمّا أن هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، ففاطمة حوراءٌ إنسيّةٌ، فإذا اشتقت إلى الجنّة شممت رائحةَ فاطمة ‘([273]).
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم : لما جاء رسولَ الله الأجلُ فهبط ملك الموت فوقف شبه أعرابي ثمّ قال : السلامُ عليكم يا أهلَ بيت النّبوة! ومعدنَ الرسالة، ومختلفَ الملائكة! أدخلُ؟ فقالت عائشة لفاطمة : أجيبي الرجلَ([274]).
وعنها رضي الله عنها قالت : قال علي رضي الله عنه للنّبي صلى الله عليه وآله وسلم لما جلس بينه وبين فاطمة رضي الله عنها وهما مضطجعان : أيّنا أحبُّ إليك أنا أو هي؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : هي أحبُّ إليَّ، وأنت أعزُّ عليَّ منها([275]).
وعنها رضي الله عنها قالت في جواب من سألها عن علي رضي الله عنه : تسألني عن رجل والله ما أعلم رجلاً كان أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عليّ، ولا في الأرض امرأة أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فاطمة([276]).
وعنها رضي الله عنها قالت : أنّ فاطمة - رضي الله عنها - كانت إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام لها من مجلسه، وقبَّلَ رأسها، وأجلسها مجلسه، وإذا جاء إليها لقيته، وقبَّل كلّ واحد منهما صاحبه وجلسا معاً([277]).
وعنها رضي الله عنها أنّها قالت : وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيدها فقبَّلها ورحّب بها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه، ورحّبت به، وأخذت بيده فقبّلتها([278]).
وعنها رضي الله عنها : كان النّبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قَدِم من سَفَر قبَّلَ نحرَ فاطمة ‘، فقال : منها أشمُّ رائحةَ الجنّة([279]).
وعنها رضي الله عنها : قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا اشتقتُ إلى الجنّة قَبَّلتُ نحرَ فاطمة([280]).
وعنها رضي الله عنها : كان النّبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قَدم من مغازيه قبَّل فاطمة رضي الله عنها([281]).
وعنها رضي الله عنها : كان النّبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً ما يقبّل عَرف فاطمة رضي الله عنها([282]).
وعن معاذ رضي الله عنه قال : يا عائشة! كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند شدّة وجعه؟ قالت رضي الله عنها : أمّا رسول الله فلم أقدر الثبات عنده، ولكن دونك هذه ابنته فاطمة، فاسألهْا فإنّهالم تزل إلى جانبه([283]).
وعنها رضي الله عنها : ما رأيت أحداً قطّ أصدق من فاطمة غير أبيها، قال : - أي الراوي - وكان بينهما شيء فقالت : يارسول الله! سلها فإنّها لا تكذب([284]).
وعنها رضي الله عنها قالت : كنّا نخيط، ونغزل، وننظم الأبرة باللّيل في ضوء وجه فاطمة ل([285]).
وعنها رضي الله عنها أنها قالت لفاطمة رضي الله عنها : ألا اُبشّرك؟ إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : سيّدات نساء أهل الجنّة أربع : مريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمد، وخديجة بنت خويلد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون([286]).
وعنها رضي الله عنها عن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال : يا فاطمة! أبشري فإنّ الله اصطفاك على نساء العالمين، وعلى نساء الإسلام وهو خيرُ دين([287]).
وعنها رضي الله عنها أن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال - وهو في مرضه الّذي توفّي فيه - : يا فاطمة! ألا ترضينَ أن تكوني سيّدةَ نساء العالمين، وسيّدةَ نساء هذه الاُمّة، وسيّدة نساء المؤمنين([288]). وفي رواية : قالت : أسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى فاطمة شيئا فضحكت، فسألتها قالت : قال لي : ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة أو نساء المؤمنين، فضحكت لذلك([289]).
وعنها وعن أمّ سلمة رضي الله عنهما قالتا : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نجهّز فاطمة حتّى ندخلها على علي، فعمدنا إلى البيت ففرشناه تراباً ليّنا من أعراض البطحاء، ثمّ حشونا مرفقتين ليفاً فنفشناه بأيدينا، ثمّ أطعمنا تمراً وزبيباً وسقينا ماءً عذباً، وعمدنا إلى عود فعرضناه في جانب البيت ليلقى عليه الثّوب ويعلَّق عليه السّقاء، فما رأينا عرساً أحسنَ من عرس فاطمة([290]).
وعنها رضي الله عنها قالت : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت عليّاً فقال : يا عائشة! لم يكن قطّ في الدّنيا أحد أحب إلى الله منه وأحب إلي منه ومن زوجته فاطمة ابنتي، ومن ولديه الحسن والحسين رضي الله عنهما. يا عائشة! تعلمين أيّ شيء رأيت لابنتي فاطمة ولبعلها؟ قالت : لا. فاخبرْني يا رسول الله! قال : يا عائشة! إنّ ابنتي سيّدة نساء العالمين، وإنّ بعلها لا يُقاس بأحد من النّاس، وإنّ ولديه الحسن والحسين هما ريحانتاي في الدّنيا والآخرة. يا عائشة! أنا وفاطمة والحسن والحسين وابن عميّ عليٌّ في غرفة من درّة بيضاء أساسها من رحمة الله تعالى وأطرافها من عفو الله تعالى ورضوانه، وهي تحت عرش الله تعالى، وبين علي وبين نور الله بابٌ ينظر إلى الله وينظر الله إليه، وذلك وقت يلجم الله النّاس بالعرق، على رأسه تاجٌ قد أضاء نوره ما بين المشرق والمغرب، وهو يرفل في حلّتين حمراوين. يا عائشة! خلقت ذريّة محبّينا من طينة تحت العرش، وخلٍقت ذريّة مبغضينا من طينة الخَبال وهي في جهنّم([291]).
وعنها رضي الله عنها : قال النّبي صلى الله عليه وآله وسلم : ينادي منادٍ يوم القيامة : غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ فاطم بنت محمّد النّبي صلى الله عليه وآله وسلم ([292]).
وعنها رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا كان يـومُ القيامة نادى منادٍ : يا معاشر الخلائق! طأطئوا رؤوسكم حتّى تجوز فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ([293]).
والحق : أن الروايات التي ذكرها القوم من طرقهم عن الصديقة عائشة في بيان فضائلهما رضي الله عنهم أجمعين كثيرة، وإنما أوردناها لنتساءل عن العلة والسر في ذكر القوم للروايات الموضوعة في العداء الموهوم بينهما رضي الله عنهما والتكتم عن ذكر الروايات السابقة وكلها من طرقهم وبذات الأسانيد.

روايات الصديق في فضائل أهل البيت رضي الله عنهم
وعلى أي حال نعود إلى ما كنا فيه من ذكر الصديق رضي الله عنه، ونورد هنا ما أورده القوم من طرقهم في بيان ذكر الصديق رضي الله عنه لفضائل علي رضي الله عنه، والحال هنا كالحال فيما مر من شأن ابنته رضي الله عنها.
فعن أبي بكر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم يقول : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة([294]).
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : رأيت أبا بكر يكثر النظر إلى وجه علي، فقلت له : يا أبه! أراك تكثر النظر إلى وجه علي؟ فقال : يا بنية! سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : النظر إلى وجه علي عبادة([295]).
وعن الشعبي قال : مر علي بن أبي طالب على أبي بكر ومعه أصحابه رضي الله عنهم، فسلم عليهم ومضى، فقال أبو بكر رضي الله عنه : من سرَّه أن ينظر إلى أول الناس في الإسلام سبقاً، وأقرب الناس برسول الله قرابة فلينظر إلى علي بن أبي طالب([296]).
وعن أبي بكر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك لما سمع صوت خرج من النخلة. قال صلى الله عليه وآله وسلم : أتدرون ما قالت النخلة؟ قال أبو بكر : قلنا : الله ورسوله أعلم. قال صلى الله عليه وآله وسلم : صاحت : هذا محمد رسول الله، ووصيه علي بن أبي طالب([297]).
وقال أبو بكر لعلي رضي الله عنهما وكانا قد وقفا عند باب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيهما يطرق الباب : أنا لا أتقدم على رجل قال في حقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن علياً يجئ يوم القيامة ومعه أولاده وزوجته على مراكب من البدن فيقول أهل القيامة : أي نبي هذا؟ فينادي مناد : هذا حبيب الله، هذا علي بن أبي طالب([298]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما جاء أبو بكر وعلي رضي الله عنهما لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته بستة أيام قال علي لأبي بكر : تقدم - أي : في الدخول إلى الحجرة التي فيها القبر الشريف - فقال أبو بكر : يا علي! ما كنت لأتقدم رجلاً سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : علي مني كمنزلتي من ربي([299]).
وقال رضي الله عنه : أنا لا أتقدم على رجل قال في حقه رسول الله : من أراد أن ينظر إلى آدم وعلمه وإلى يوسف وحسنه، وإلى موسى وصلاته، وإلى عيسى وزهده، وإلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخلقه فلينظر إلى علي([300]).
وروي عنه أيضاً رضي الله عنه أنه قال : ما أنا بالذي يتقدم على رجل قال في حقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أعطيت خير النساء لخير الرجال([301]).
وروي عنه أيضاً رضي الله عنه أنه قال : أنا لا أتقدم على رجل قال في حقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أن جبريل أتاني فقال لي : يا محمد! إن الله عزوجل يقرؤك السلام ويقول لك : أنا أحبك وأحب علياً([302]).
وروي عنه أيضاً رضي الله عنه أنه قال : أنا لا أتقدم على رجل قال في حقه رسول الله - يوم حنين وخيبر وقد أهدي إليه تمر ولبن - : هذه هدية من الطالب الغالب إلى علي بن أبي طالب([303]).
وروي عنه أيضاً رضي الله عنه أنه قال : أنا لا أتقدم على رجل قال في حقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم : بين قصري وقصر إبراهيم الخليل، قصر علي بن أبي طالب([304]).
وروي عنه أيضاً رضي الله عنه أنه قال : أنا لا أتقدم على رجل قال في حقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يجيء علي على مركب من مراكب الجنة، فينادى مناد : يا محمد! كان لك في الدنيا والد حسن، وأخ حسن، أما الوالد الحسن فأبوك إبراهيم الخليل، وأما الأخ الحسن فعلي بن أبي طالب ا([305]).
وعن قيس بن أبي حازم قال : التقى أبو بكر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما فتبسم أبو بكر في وجه علي رضي الله عنهما فقال علي رضي الله عنه له : مالك تبسمت؟ قال رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب له علي الجواز([306]).
وعن الحبشي بن جنادة قال : كنت جالساً عند أبي بكر الصديق فقال : من كانت له عند رسول الله عدة فليقم. فقام رجل فقال : إنه قد وعدني ثلاث حثيات من تمر. فقال أبو بكر : أرسلوا إلى علي فجاء فقال أبو بكر : يا أبا الحسن! إن هذا يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعده أن يحثي له ثلاث حثيات من تمر، فاحثها له، فحثاها. فقال أبو بكر : عدوها، فوجدوا في كل حثية ستين تمرة لا تزيد واحدة على الأخرى. فقال أبو بكر : صدق الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الهجرة ونحن خارجون من الغار نريد المدينة - : يا أبا بكر! كفي وكف علي في العدل سواء. وورد أيضاً في العدد بدلاً عن في العدل)([307]).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال : حدثني أبو بكر قال : سمعت أبا هريرة يقول : جئت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين يديه تمر، فسلمت عليه، فرد علي وناولني من التمر ملء كفه، فعددته ثلاثاً وسبعين تمرة، ثم مضيت من عنده إلى عند علي بن أبي طالب عليه السلام وبين يديه تمر، فسلمت عليه، فرد علي وضحك إلي وناولني من التمر ملء كفه فعددته فإذا هو ثلاث وسبعون تمرة، فكثر تعجبي من ذلك، فرجعت إلى النبي فقلت : يا رسول الله! جئتك وبين يديك تمر فناولتني ملء كفك، فعددته ثلاثاً وسبعين تمرة، ثم مضيت إلى عند علي بن أبي طالب وبين يديه تمر فناولني ملء كفه فعددته ثلاثاً وسبعين، فتعجبت من ذلك، فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال : يا أبا هريرة! أما علمت أن يدي ويد علي في العدل سواء([308]).
وعن أبي الأسود الدؤلي قال : سمعت أبا بكر يقول : أيها الناس! عليكم بعلي بن أبي طالب فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : علي خير من طلعت عليه الشمس وغربت بعدي([309]).
وعن أبي رافع، قال : كنت قاعداً بعد ما بايع الناس أبا بكر، فسمعت أبا بكر يقول للعباس : أنشدك الله! هل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بني عبد المطلب وأولادهم وأنت فيهم وجمعكم دون قريش، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يا بني عبد المطلب! إنه لم يبعث الله نبياً إلا جعل له من أهله أخاً ووزيراً ووصياً وخليفة في أهله، فمن منكم يقوم ويبايعني على أن يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أهلي؟ فلم يقم منكم أحد. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يا بني عبد المطلب! كونوا في الإسلام رؤساء ولا تكونوا أذناباً، والله ليقومن قائمكم أو لتكونن في غيركم ثم لتندمن، فقام علي من بينكم، فبايعه على ما شرط له ودعا إليه، أتعلم هذا له من رسول الله ص؟ قال العباس : نعم([310]).
وعن أنس بن مالك قال : قال أبو بكر عند موته : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن على الصراط لعقبة لا يجوزها أحد إلا بجواز من علي بن أبي طالب([311]).
وعن أبي بكر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيم خيمة وهو متكئ على قوس عربية، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين فقال : يا معشر المسلمين! أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، وحرب لمن حاربهم، لا يحبهم إلا سعيد الجد، طيب الولادة، ولا يبغضهم إلا شقي الجد، رديء الولادة. فقال رجل لزيد - راوي الحديث - : يا زيد، أأنت سمعت هذا منه - أي : من أبي بكر؟ قال زيد : أي ورب الكعبة([312]).
وعن أبي بكر في تفسير قوله تعالى : @è% Hw ö/ä3è=t«ó™r& Ïmø‹n=tã #·ô_r& žwÎ) no¨ŠuqyJø9$# ’Îû 4’n1öà)ø9$# [الشورى : 23] أنه قال : ارقبوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته([313]).
وعن عثمان بن عفان، عن عمر بن الخطاب، عن أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهم، قال : سمعت رسول الله يقول : إن الله تبارك وتعالى خلق من نور وجه علي بن أبي طالب ملائكة يسبحون ويقدسون ويكتبون ثواب ذلك لمحبيه ومحبي ولده([314]).
فلا يفوتك أن تتدبر في سند هذه الرواية.
ومثلها عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قال : سمعت أبا بكر بن أبي قحافة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن الله تعالى خلق من نورٍ وجه علي بن أبي طالب سبعين ألف ألف ملك يسبحون ويقدسون ويكتبون ذلك لمحبيه ومحبي ولده([315]).
وعن أبي بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : علي عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([316]).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن عن يمنى العرش كراسي من نور عليها أقوام تلألأ وجوههم نوراً. فقال أبو بكر : أنا منهم يا نبي الله؟ قال : أنت على خير. قال : فقال عمر : يا نبي الله أنا منهم؟ فقال له مثل ذلك، ولكنهم [كذا] قوم تحابوا من أجلي، وهم هذا وشيعته، وأشار بيده إلى علي بن أبي طالب([317]).
وعن ابن عمر رضي الله عنه : أن اليهود جاءوا إلى أبي بكر فقالوا : صف لنا صاحبك. فقال : يا معشر اليهود! لقد كنت معه في الغار كأصبعي هاتين، ولقد صعدت معه جبل حرا وخنصري في خنصره، ولكن الحديث عنه شديد وهذا علي بن أبي طالب. فأتوا علي بن أبي طالب وقالوا : يا أبا الحسن! صف لنا ابن عمك، فوصفه لهم ص([318]).
وفي رواية : أن أبا بكر صلَّى العصر ثم خرج يمشي ومعه علي، فرأى الحسن يلعب بين الصبيان، فحمله أبو بكر على عاتقه، وقال : بأبي شبيه بالنبي ليس شبيهاً بعلي، وعلي يضحك([319]).
ولما قَتل علي عمرو بن ود، قام أبو بكر وقبل رأسه. وفي رواية : أبو بكر وعمر([320]).
وعن أم جعفر : أن فاطمة رضي الله عنها قالت لأسماء بنت عميس رضي الله عنها : إني أستقبح ما يصنع بالنساء، يطرح على المرأة الثوب فيصفها، قالت : يا ابنة رسول الله! ألا أريك شيئاً رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها، ثم طرحت عليها ثوباً. فقالت فاطمة : ما أحسن هذا وأجمله! إذا مت فغسليني أنت وعلي ولا يدخلن أحد عليَّ. فلما توفيت جاءت عائشة لتدخل، فقالت أسماء : لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر. فجاء، فوقف على الباب، فكلم أسماء. فقالت : هي أمرتني. قال : فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف([321]).
وكان أبو بكر رضى الله عنه كثيراً ما يعمل بما يشير به علي رضى الله عنه عند بعث الجنود، ولا يأذن له بالخروج مع المجاهدين؛ حرصاً على بقائه معه للانتفاع برأيه ومشورته، كاستشارته رضي الله عنه علياً في غزوة الروم، وتشير علي عليه السلام إياه بالفتح، فقال أبو بكر لعلي رضي الله عنهما عند عزمه فتح الروم : ماذا ترى يا أبا الحسن؟ فقال : أرى أنك إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نصرت عليهم إن شاء الله. فقال : بشرك الله بخير ومن أين علمت ذلك؟ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لا يزال هذا الدين ظاهراً على كل من ناواه حتى يقوم الدين والله ظاهرون فقال : سبحان الله! ما أحسن هذا الحديث، لقد سررتني به سرك الله([322]).
ومنها : رجوعه رضي الله عنه إلى رأي على رضي الله عنه في قتال أهل الردة، وقد شاوره في قتالهم بعد أن شاور الصحابة فاختلفوا عليه، فقال له : ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال : أقول لك : إن تركت شيئاً مما أخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم فأنت على خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال : أما إن قلت ذلك لأقاتلنهم وإن منعوني عقالاً([323]).
ودوره وكذا دور صاحبيه رضي الله عنهم في قصة زواجه من الزهراء رضي الله عنها لا يخفى، فقد ذكرت الروايات عنه أنه قال : أتاني أبو بكر وعمر فقالا : لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت له فاطمة.. الرواية([324]).
وروى القوم : أن أبا بكر وعمر كانا ذات يومٍ جالسين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعهما سعد بن معاذ الأنصاري، فتذاكروا من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أبو بكر : قد خطبها الأشراف من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال : إن أمرها إلى ربها إن شاء أن يزوجها زوجها، وإن علي بن أبي طالب لم يخطبها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يذكرها له ولا أراه يمنعه من ذلك إلا قلة ذات اليد، وإنه ليقع في نفسي أن الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم إنما يحبسانها عليه. قال : ثم أقبل أبو بكر على عمر بن الخطاب وعلى سعد بن معاذ، فقال : هل لكما في القيام إلى علي بن أبي طالب حتى نذكر له هذا، فإن منعه قلة ذات اليد واسيناه وأسعفناه؟ فقال له سعد بن معاذ : وفقك الله يا أبا بكر! فما زلت موفقاً، قوموا بنا على بركة الله ويمنه. قال سلمان الفارسي : فخرجوا من المسجد والتمسوا علياً، فقال له أبو بكر : يا أبا الحسن! إنه لم يبق خصلة من خصال الخير إلا ولك فيها سابقة، وأنت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمكان الذي عرفت من القرابة والصحبة والسابقة، وقد خطب الأشراف من قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة فردهم. وقال : إن أمرها إلى ربها، إن شاء أن يزوجها زوجها، فما يمنعك أن تذكرها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتخطبها منه، فإني أرجو أن يكون الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم إنما يحبسانها عليك، قال : فتغرغرت عينا علي بالدموع وقال : يا أبا بكر! لقد هيجت مني ساكناً، وأيقظتني لأمر كنت عنه غافلاً، والله إن فاطمة لموضع رغبة، وما مثلي قعد عن مثلها غير أنه يمنعني من ذلك قلة ذات اليد. فقال أبو بكر : لا تقل هذا يا أبا الحسن! فإن الدنيا وما فيها عند الله تعالى ورسوله كهباء منثور... الرواية([325]).
وقال رضي الله عنه ذاكراً لذلك : فخرجت من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسرعاً وأنا لا أعقل فرحاً وسروراً، فاستقبلني أبو بكر وعمر فقالا : ما وراءك؟ فقلت : زوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة، وأخبرني أن الله عزوجل زوجنيها من السماء، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خارج في أثري ليظهر ذلك بحضرة الناس، ففرحا بذلك فرحاً شديداً، ورجعا إلى المسجد([326]).
وحصل ذلك الفرح منهما رضي الله عنهما على الرغم من انهما قد طلبا الزهراء من أبيها صلى الله عليه وآله وسلم مراراً كما تذكر روايات القوم([327]).
     وروايات زواج الأمير من الزهراء رضي الله عنهما لا تخلو من دلائل على منزلة الصديق وتقديمة، كقول الأمير رضي الله عنه : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قم فبع الدرع، فقمت فبعته وأخذت الثمن ودخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسكبت الدراهم في حجره، فلم يسألني كم هي ولا أنا أخبرته، ثم قبض قبضة ودعا بلالا فأعطاه وقال : ابتع لفاطمة طيبا. ثم قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الدراهم بكلتا يديه فأعطاها أبا بكر وقال : ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت، وأردفه بعمار بن ياسر وبعدة من أصحابه، فحضروا السوق فكانوا يعرضون الشئ مما يصلح فلا يشترونه حتى يعرضوه على أبي بكر فان استصلحه اشتروه([328]).
وكذلك كان موقف عثمان رضي الله عنه في شأن هذه الزيجة، فعن علي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا أبا الحسن! انطلق الآن فبع درعك وائتني بثمنه حتى أهيئ لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما. قال علي : فانطلقت فبعته بأربعمائة درهم سود هجرية من عثمان بن عفان، فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع مني قال : يا أبا الحسن! ألست أولى بالدرع منك وأنت أولى بالدراهم مني. فقلت : بلى. قال : فإن الدرع هدية مني إليك فأخذت الدرع والدراهم، وأقبلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فطرحت الدرع والدراهم بين يديه، وأخبرته بما كان من أمر عثمان، فدعا له بخير. وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبضة من الدراهم، ودعا بأبي بكر فدفعها إليه، وقال : يا أبا بكر! اشتر بهذه الدراهم لابنتي ما يصلح لها في بيتها([329]).
وفضائل الصديق رضي الله عنه كثيرة، وحسبنا قول الأمير رضي الله عنه مراراً وتكراراً على منبر الكوفة : لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري([330]).
وقوله رضي الله عنه : خير هذه الأمة بعد نبيها : أبو بكر وعمر([331]).
وقوله رضي الله عنه : خير الناس بعد النبيين : أبو بكر ثم عمر([332]).
كيف لا يقولها وقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : اقتدوا باللذين من بعدي : أبي بكر وعمر([333]).
وكثيراً ما كان علي رضي الله عنه يمدحهما بعد وفاتهما رضي الله عنهما ويقول : إن الله سبحانه بعث محمداً، فأنقذ به من الضلالة، ونعش به من الهلكة، وجمع به بعد الفرقة، ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه، فاستخلف الناس أبا بكر، ثم استخلف أبو بكر عمر، فأحسنا السيرة وعدلا في الأمة، وقد وجدنا عليهما أن توليا الأمر دوننا، ونحن آل رسول الله وأحق بالأمر، فغفرنا ذلك لهما([334]).
     وقال رضي الله عنه : إن الله بحسن صنعه وقدره وتدبيره اختار الإسلام دينا لنفسه وملائكته ورسله وبعث به أنبياءه إلى عباده فكان مما أكرم الله هذه الأمة وخصهم به من الفضل أن بعث محمدا صلى الله عليه وآله إليهم فعلمهم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض وأدبهم لكيما يهتدوا وجمعهم لكيما لا يتفرقوا وزكاهم لكيما يتطهروا فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله إليه فعليه صلوات الله وسلامه ورحمته ورضوانه. ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا أميرين منهم صالحين أحييا السيرة ولم يعدوا السنة([335]).
وقال رضي الله عنه : فتولى أبو بكر تلك الأمور، وسدد وقارب واقتصد، وتولى عمر الأمر فكان مرضي السيرة ميمون النقيبة([336]).
وقال لأبي سفيان : لولا أنا رأينا أبا بكر لها أهلاً لما تركناه([337])، وهو رضي الله عنه يؤكد بهذا على مسألة الشورى في تولي الخلافة.
وكتب القوم مليئة بمثل هذه الروايات ومن ذلك قوله رضي الله عنه لمعاوية : إن الناس تبع المهاجرين والأنصار وهم شهود للمسلمين في البلاد على ولاتهم وأمراء دينهم، فرضوا بي وبايعوني، ولست أستحل أن أدع ضرب معاوية يحكم على هذه الأمة، ويركبهم ويشق عصاهم([338]).
فلما بلغ معاوية ذلك قال : ليس كما يقول، فما بال من هو هاهنا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر؟ فقال : ويْحَكُم! هذا للبدريين دون الصحابة، وليس في الأرض بدري إلا وقد بايعني وهو معي، أو قد أقام ورضي، فلا يغرنكم معاوية من أنفسكم ودينكم([339]).
ولما قيل له رضي الله عنه : ألا توصي؟ قال : ما أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأوصي، ولكن إن أراد الله بالناس خيراً فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم.
وروى صعصعة بن صوحان : أن ابن ملجم - لعنه الله - لما ضربه عليه السلام دخلنا إليه فقلنا : يا أمير المؤمنين! استخلف علينا. قال : لا. فإنا دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين ثقل فقلنا : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استخلف علينا. فقال : لا. إني أخاف أن تتفرقوا عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون، ولكن إن يعلم الله في قلوبكم خيراً اختار لكم([340]).
وعن جعفر الصادق عن أبيه : أن رجلاً من قريش جاء إلى أمير المؤمنين فقال سمعتك تقول في الخطبة آنفاً : اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين، فمن هم؟ قال : حبيباي وعماي : أبو بكر وعمر، إماما الهدى وشيخا الإسلام ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من اقتدى بهما عُصم، ومن اتبع آثارهما هُدي إلى صراط مستقيم([341]).
وكان من دلائل اقتدائه بهما : أنه لما كلم في رد فدك فقال : إني لأستحي من الله أن أرد شيئاً منع منه أبو بكر وأمضاه عمر([342]).
بل وكان رضي الله عنه يحث غيرة للاقتداء بهما، كما يروي القوم : أنه قال لعثمان : وما ابن قحافة ولا ابن الخطاب بأولى بعمل الحق منك، وأنت أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشيجة رحم منهما، وقد نلت من صهره ما لم ينالا([343]).
فما كان له رضي الله عنه أن يدعوه إلى ذلك لو لا أنه رأى فيهما ما يستوجب الاقتداء بسيرتهما الحسنة وعملهما بالحق، واتباعهما لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
.... لم لا وهو القائل في خلافتهما رضي الله عنهم أجمعين : فلم أر بحمد الله إلا خيراً([344]).
ولم لا وهو يتذكر قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإخباره له بما يلقى بعده فسأله : فعلام أقاتلهم؟ قال : على الإحداث في الدين ومخالفة الأمر([345]).
فهل قاتلهم علي رضي الله عنهم أجمعين؟
وكان كثيرا ما يؤكد تمسكهما بهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعن الضحاك بن مزاحم عن علي عليه السلام قال : كان خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحبس شيئاً لغد، وكان أبو بكر يفعل([346]).
لذا تولاهما وبايعهما، وقد أقر بهذا علماء الشيعة، فيقول آل كاشف الغطاء : وحين رأى أن الخليفتين -أعني : الخليفة الأول والثاني، أي : أبو بكر وعمر - بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد وتجهيز الجنود وتوسيع الفتوح ولم يستأثرا ولم يستبدا بايع وسالم([347]).
ومقولة آل كاشف الغطاء هذه تذكرني بأقوال أخرى في الباب، كقوله أيضاً بأن أخبار أئمة الشيعة النهي عن ذلك، أي : سب الصحابة([348]).
وقول آخرين كقول الصدر : أن الصحابة بوصفهم الطليعة المؤمنة والمستنيرة كانوا أفضل وأصلح بذرة لنشوء أمة رسالية، حتى أن تاريخ الإنسان لم يشهد جيلاً عقائدياً أروع وأنبل وأطهر من الجيل الذي أنشأه الرسول القائد([349]).
وقول محمد جواد مغنية الذي ينفي أن يكون لسب الخصوم السياسيين لأهل البيت صلة في التشيع([350]).
وقول الدكتور أحمد الوائلي : الذي يقطع بأن السب لم يظهر على لسان أحد من شيعة علي عليه السلام، لا في عهد علي عليه السلام ولا بعده في الجيل الأول من أجيال التابعين([351]).
وقد كان علي رضي الله عنه مستشاراً للخليفتين ووزيراً لهما، وهذا أحب إليه من إمرة المؤمنين، حيث كان كثيراً ما يردد : أنا لكم وزيراً خير لكم مني أمير. ([352])
وكتب الشيعة مليئة بروايات قضاياه وأحكامه في عهدهم رضي الله عنهم، حتى جعلوا لذالك أبواباً مستقلة في مصنفاتهم، كباب : باب : قضاياه صلوات الله عليه، وما هدى قومه إليه مما أشكل عليهم من مصالحهم([353]).
وكان يستمد شرعية حكمه عندما اضطربت عليه الأمور من طريقة بيعتهما رضي الله عنهم أجمعين، حيث كان يقول : إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسمَّوه إماماً كان ذلك لله رضاً؛ فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه؛ فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين([354]).
وعلى أي حال فالأمر فيه طول ونكتفي بما ذكرنا.
ولم يكن شأن أولاده وأحفاده مختلفاً عنه رضي الله عنه في حبه ومودته وتعظيمه للصحابة وعلى رأسهم الشيخين : أبي بكر وعمر رضي الله عنهما،  فهذا الصادق عليه السلام يفتخر ويقول : ولدني أبو بكر مرتين([355])، وذلك أن أمه هي أم فروة بنت القاسم بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ([356]).
وكان عليه السلام يحث أصحابه على تولي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما،  كما قال لأم خالد : توليهما؟ فقالت : فأقول لربي إذا لقيته : إنك أمرتني بولايتهما. قال : نعم([357]).
وروي عنه رحمه الله أنه كان يتولاهما ويأتي القبر فيسلم عليهما مع تسليمه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم([358]).
وهذا أبوه الباقر عليه السلام لما سئل : أرأيت أبا بكر وعمر هل ظلماكم من حقكم شيئاً - أو قال - : ذهبا من حقكم بشيء؟ فقال : لا. والذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً ما ظلمانا من حقنا مثقال حبة من خردل. قلت : جعلت فداك أفأتولاهما؟ قال : نعم ويحك! تولهما في الدنيا والآخرة، وما أصابك ففي عنقي. ثم قال : فعل الله بالمغيرة وبنان، فإنهما كذبا علينا أهل البيت([359]).
وكذا فعل عمه الإمام زيد بن علي رحمهما الله حيث رفض أن يتبرأ منهما، بل وسمى من لم يتولاهما بالرافضة، بل وقال : أعلم والله أن البراءة من الشيخين البراءة من علي.
وفي رواية : أقبل إليه نفر من أصحابه الذين كانوا قد بايعوه فقالوا له : إنا قد بايعناك وإنا خارجون معك، ولكن ما تقول في هذين الرجلين الظالمين : أبي بكر وعمر؟ فقال زيد بن علي : مهلاً! لا تقولوا فيهما إلا خيراً، فإني لا أقول فيهما إلا خيراً، ولا سمعت من آبائي أحداً يقول فيهما إلا خيراً. فغضب القوم ثم قالوا : إن جعفر بن محمد هو أحق بهذا الأمر منك، ثم تركوه وصاروا إلى جعفر بن محمد بالمدينة، فدخلوا وسلموا عليه وقالوا : يا بن رسول الله! إنا كنا بايعنا عمك زيد بن علي وهممنا بالخروج معه، ثم إنا سألناه عن أبي بكر وعمر فذكر أنه لا يقول فيهما إلا خيراً، قال : فقال جعفر بن محمد : وأنا لا أقول فيهما إلا خيراً، فاتقوا الله ربكم، وإن كنتم بايعتم عمي زيد بن علي فوفوا له بالبيعة وقوموا بحقه، فإنه أحق بهذا الأمر من غيره ومني([360]).
وهذا الإمام الجواد عليه السلام يقول في معرض كلامه عن بعض المرويات في الفضائل : لست بمنكر فضائل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر([361]).
ونكتفي بهذه الروايات في فضائل أبي بكر رضي الله عنه والذي سماه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالصديق، والذي يروي القوم أن عروة بن عبد الله سأل الباقر عليه السلام عن حلية السيوف؟ فقال : لا بأس به، قد حلَّى أبو بكر الصديق سيفه، فقال : فتقول الصديق؟ قال : فوثب وثبة واستقبل القبلة وقال : نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له : الصديق فلا صدق الله له قولاً في الدنيا ولا في الآخرة([362]).
ويقيناً أن الباقر رحمه الله يذكر وهو يقول هذا، قصة الرجل الذي جاء إلي أبيه زين العابدين رحمه الله وقال له "كما يروي الباقر نفسه" : أخبرني عن أبي بكر فقال زين العابدين : عن الصديق ؟ فقال وتسميه الصديق، فقال ثكلتك أمك قد سماه صديقا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار ومن لم يسمه صديقا فلا صدق الله عز وجل قوله في الدنيا والآخرة اذهب فأحب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما([363]).
وعلى ذكر حلية السيف، فقد ذكر القوم عن عبد الله بن الزبير الأسدي وكان في صحابة محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية، قال : رأيت محمد بن عبد الله عليه سيف محلى يوم خرج، فقلت له : أتلبس سيفاً محلى؟ فقال : أي بأس بذلك؟ قد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلبسون السيوف المحلاة([364]).
ويناسب المقام هنا أن نذكر أن هذا كان حال أصحاب علي رضي الله عنه أيضاً في مديحهم للشيخين رضي الله عنهما.
فهذا مالك بن الأشتر، أشجع أصحاب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، يقول في حق الشيخين : أيها الناس! إن الله تبارك وتعالى بعث فيكم رسوله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بشيراً ونذيراً، وأنزل عليه كتاباً بين فيه الحلال والحرام والفرائض والسنن، ثم قبضه إليه وقد أدى ما كان عليه، ثم استخلف على الناس أبا بكر فسار بسيرته واستسن بسنته، واستخلف أبو بكر عمر فاستسن بمثل تلك السنة.
وفي موقف آخر قال : أما بعد : فإن الله تبارك وتعالى أكرم هذه الأمة برسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فجمع به كلمتها وأظهرها على الناس، فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث ثم قبضه الله عزوجل إلى رضوانه، ومحل جنانه صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً، ثم ولي من بعده قوم صالحون عملوا بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وجزاهم بأحسن ما أسلفوا من الصالحات([365]).

فضائل الفاروق عمر رضي الله عنه
أما الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإليك بعض ما أورده القوم في كتبهم لتقف على فضله ومنزلته من خلال رواياتهم عن أئمتهم وأقوال علمائهم :
فكما مر بك آنفاً من تشبيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر رضي الله عنه بإبراهيم وعيسى رضي الله عنه، فقد شبه عمر بنوح وموسى إ([366]).
وكما شبه منزلة أبي بكر منه بمنزلة السمع، فقد شبه منزلة عمر منه بالبصر([367]).
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يعرف قدره، ويقدر رأيه، فقد روي أن المسلمين لما كانوا بإزاء الروم إذ أصاب الناس جوع، فجاءت الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستأذنوه في نحر الإبل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عمر بن الخطاب، فقال : ما ترى فإن الأنصار جاءونى يستأذنوني في نحر الإبل؟ فقال : يا نبي الله، فكيف لنا إذا لقينا العدو غداً رجالاً جياعاً؟ فقال : ما ترى؟ قال : مر أبا طلحة فلينادِ في الناس بعزمة منك : لا يبقى أحد عنده طعام إلا جاء به، وبسط الأنطاع فجعل الرجل يجيء بالمد ونصف المد، فكان جميع ماجاءوا به سبعة وعشرين صاعاً أو ثمانية وعشرين صاعاً لا يجاوز الثلاثين، واجتمع الناس يومئذ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يومئذ أربعة آلاف رجل، فدعا رسول الله ثم أدخل يده في الطعام، فأكلوا جميعاً وبقي كثير من الطعام([368]). فاسأل نفسك عن علة استشارته صلى الله عليه وآله وسلم لعمر رضي الله عنه من دون هؤلاء الأربعة آلاف؟
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يذكره إذا ما أُهدي إليه شيئاً، فعن تميم الداري رضي الله عنه قال : أهدي فرس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقال له : الورد، فأعطاه عمر([369]).
وكان صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً ما يبشره بالآخرة، فعندما قال له الفاروق رضي الله عنه : لأنت أكرم على الله من قيصر وكسرى وما هما فيه من الدنيا وأنت على الحصير قد أثر في جنبك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أما ترضى أن يكون لهم الدنيا ولنا الآخرة([370]).
وفي أخرى : قال رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله! أنت نبي الله وصفوته وخيرته من خلقه، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أولئك قوم عجلت طيباتهم وهي وشيكة الانقطاع، وإنما أخرت لنا طيباتنا([371]).

إقرار أهل البيت رضي الله عنهم بفضائل الفاروق رضي الله عنه
 
كان حب علي رضي الله عنه لعمر الفاروق أمراً ظاهراً، اقرأ معي هذه الروايات التي أسوقها لك من كتب القوم، فقد جاء في نهج البلاغة وهو من أعظم كتب الشيعة منزلة، حتى قالوا فيه : كتاب كأن الله رصع لفظه بـجوهر آيات الكتاب المنزل)، وبلغت شروحه ثمانين كتاباً، جاء فيه : أن علياً عليه السلام قال لعمر بن الخطاب لما شاوره في الخروج إلى غزو الروم : إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلاً محرباً، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن ظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى، كنت ردءاً للناس ومثابة للمسلمين([372]).
وعندما استشاره لقتال الفرس بنفسه قال له : إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأمده حتى بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ولا يضمه، فإن انقطع النظام تفرق الخرز وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً. والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام، عزيزون بالاجتماع، فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب، واصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك، إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا : هذا أصل العرب، فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك، وطمعهم فيك([373]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : رحم الله أبا حفص عمر! كان والله حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومنتهى الإحسان، ومحل الإيمان، وكهف الضعفاء، ومعقل الحنفاء، قام بحق الله عزوجل صابراً محتسباً، حتى أوضح الدين وفتح البلاد وأمن العباد، فأعقب الله على من تنقصه اللعنة إلى يوم الدين([374]).
ولما طعن عمر رضي الله عنه دخل عليه هو وعلي رضي الله عنهما فقال : سمعنا صوت أم كلثوم : واعمراه! وكان معها نسوة يبكين فارتج البيت بكاءً، فقال عمر : ويل عمر! إن الله لم يغفر له! فقلت : والله إني لأرجو ألا تراها إلا مقدار ما قال الله تعالى : bÎ)ur óOä3ZÏiB žwÎ) $ydߊ͑#ur [مريم : 71] إن كنت ما علمنا لأمير المؤمنين وسيد المسلمين تقضى بالكتاب وتقسم بالسوية. فأعجبه قولي فاستوى جالساً فقال : أتشهد لي بهذا يا ابن عباس؟ فكععت - أي : جبنت - فضرب علي عليه السلام بين كتفي وقال : أشهد. وفي رواية : لم تجزع يا أمير المؤمنين؟ فوالله لقد كان إسلامك عزاً، وإمارتك فتحاً، ولقد ملأت الأرض عدلاً. فقال : أتشهد لي بذلك يا ابن عباس؟ قال : فكأنه كره الشهادة فتوقف، فقال له علي عليه السلام قل : نعم. وأنا معك. فقال : نعم.
وفى رواية أنه قال : مسست جلده وهو ملقى فقلت : جلد لا تمسه النار أبداً، فنظر إليَّ نظرة جعلت أرثى له منها. قال : وما علمك بذلك؟ قلت : صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأحسنت صحبته([375]).
فلا عجب إذاً أن سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربه عزوجل أن يعز الإسلام بعمر بن الخطاب([376]).
وكان علي رضي الله عنه وزيره ومستشاره، ولم يكن بينهما سوى المودة والاحترام، فعندما يكون علي رضي الله عنه بحضرة عمر بن الخطاب يستأذنه في حل بعض المشكلات، فيقول : أتأذن لي أن أقضي بينهم؟ فيرد عمر رضي الله عنه : سبحان الله! وكيف لا وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : أعلمكم علي بن أبي طالب، هذا كما يروي القوم([377]).
وعندما يكون علي رضي الله عنه غائباً ويريده الفاروق في شيء يذهب إليه بنفسه وهو الخليفة، فيلقاه علي رضي الله عنه في الطريق، فيقول له : هلاَّ أرسلت إلينا فنأتيك؟ فيقول عمر : الحكم يؤتى إليه في بيته([378]).
وهل هناك أعظم دليلاً على المحبة والمودة من تزويج علي رضي الله عنه ابنته أم كلثوم للفاروق عمر؟([379])
وعندما توفي عمر رضي الله عنه قال فيه علي عليه السلام : لله بلاء فلان، فلقد قوم الأود، وداوى العمد، وأقام السنة، وخلف الفتنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها، وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة، لا يهتدي بها الضال، ولا يستقين المهتدي([380]).
وقال فيه : ووليهم وال فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه([381]).
وقال رضي الله عنه فيه وفي صاحبه الصديق رضي الله عنه : لعمري إن مكانهما في الإسلام لعظيم، وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد، فرحمهما الله وجزاهما أحسن ما عملا([382]).
ولم يكن رضي الله عنه يخالفه في هديه وسيرته وكذلك في هدي وسيرة صاحبه الصديق رضي الله عنهم أجمعين، حتى بعد وفاتهما كما تؤكد ذلك بعض الروايات.
منها أنه لما وصل الأمر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام كلم في رد فدك فقال : إني لأستحي من الله أن أرد شيئا منع منه أبو بكر وأمضاه عمر([383])   
ولما قدم رضي الله عنه إلى الكوفة قيل له :  يا أمير المؤمنين، أتنزل القصر ؟، قال :  لا حاجة لي في نزوله، لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يبغضه، ولكني نازل الرحبة([384]).
وكعادة القوم لم يقفوا عاجزين أمام هذه المرويات فصرفوها عن ظاهرها كشأنهم في جل فضائلهم و ما لا يوافق هواهم، ومن ذلك قولهم : إنه عليه السلام عاش بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعاً وعشرين سنة وستة أشهر ممنوعاً من التصرف، مستعملاً التقية والمداراة([385]).
,وقال آخر : ولما جلس أمير المؤمنين عليه السلام على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى, وكما لم يقدر على إجراء المتعتين متعة الحج ومتعة النساء ([386]).
نعود إلى ما كنا فيه...
فلا غرابة إذاً أن نرى الأمير وقد دخل على الفاروق رضي الله عنه، بعد وفاته وهو مسجى. فيقول : لوددت أن ألقى الله تعالى بصحيفة هذا المسجى.
وفي رواية : إني لأرجو الله أن ألقى الله تعالى بصحيفة هذا المسجى([387]).
وفي رواية عن ابن عباس قال : وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم قال فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي فترحم على عمر وقال ما خلفت أحدا أحب إلى أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك أنى كنت أكثر أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت انا وأبو بكر وعمر فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما([388]).
وروايات الشيعة تأكد معيتهما هذه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقديمهما في جل الأمور، على الرغم من ردهم لجل فضائلهما رضي الله عنهما. فهذة المعيّة مسلمة عند أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكتب القوم طافحة بتأكيد ذلك، ولا نرى بأساً من ذكر طرفاً منها بغض النظر عن صحة بعضها :
     من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لسهيل بن عمرو لطلبه على رد من أسلم من مواليهم : لتنتهين يا معشر قريش أو ليبعث الله عليكم رجلا يضربكم على تأويل القرآن كما ضربتكم على تنزيله، فقال له بعض أصحابه : من يا رسول الله ؟ أبوبكر ذلك الرجل ؟ قال : لا. قال : فعمر؟ قال : لا، ولكنه خاصف في الحجرة، فنظروا فإذا علي عليه السلام في الحجرة يخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله([389]).
     وعن أنس قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر في ليلة ظلماء مكفهرة.. الرواية([390]).
     وفي رواية : أمطرت المدينة مطرا شديدا، ثم ضجت الناس، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الصحراء ومعه أبو بكر، فلما خرجوا فإذا هم بعلي عليه السلام مقبل فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال : مرحبا بالحبيب القريب...الرواية([391]).
     وعن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال : أتيت – وفي رواية : دخلت على - النبي صلى اللة عليه وآله وسلم وعنده أبو بكر وعمر....ألخ([392]).
     وفي قصة فتح مكة... خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا محمد أحقن دم قومك. وأجر بين قريش، وزدنا في المدة. فقال صلى الله عليه وآله وسلم أغدرتم يا أبا سفيان ؟ قال : لا. قال صلى الله عليه وآله وسلم : فنحن على ما كنا عليه. فخرج فلقي أبا بكر، فقال : أجر بين قريش. قال : ويحك وأحد يجير على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم لقي عمر بن الخطاب، فقال له مثل ذلك. ثم خرج فدخل على أم حبيبة، فذهب ليجلس على الفراش، فأهوت إلى الفراش فطوته. فقال : يا بنية ! أرغبت بهذا الفراش عني ؟ فقالت : نعم هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما كنت لتجلس عليه، وأنت رجس مشرك([393]).
     ورواية قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لأبعثن إليكم رجلا مني - أو كنفسي- فليضربن أعناق مقاتليكم، وليسبين ذراريكم، فرأى أناس أنه يعني أبا بكر أو عمر ([394]).
     وذكروا أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وآله في بقرة قتلت حمارا، فقال أحدهما : يا رسول الله، بقرة هذا الرجل قتلت حماري. فقال رسول الله عليه وآله السلام :  اذهبا إلى أبي بكر فاسألاه عن ذلك فجاءا إلى أبي بكر وقصا عليه قصتهما، فقال : كيف تركتما رسول الله صلى الله عليه وآله وجئتماني ؟ قالا : هو أمرنا بذلك، فقال لهما : بهيمة قتلت بهيمة، لا شئ على ربها. فعادا إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبراه بذلك فقال لهما :  إمضيا إلى عمر بن الخطاب وقصا عليه قصتكما واسألاه القضاء في ذلك فذهبا إليه وقصا عليه قصتهما، فقال لهما : كيف تركتما رسول الله صلى الله عليه وآله وجئتماني ؟ قالا : هو أمرنا بذلك، قال : فكيف لم يأمركما بالمصير إلى أبي بكر ؟ قالا : قد أمرنا بذلك فصرنا إليه. فقال : ما الذي قال لكما في هذه القضية ؟ قالا له : كيت وكيت، قال : ما أرى فيها إلا ما رأى أبو بكر. فعادا إلى النبي صلى الله عليه وآله فخبراه الخبر..الرواية([395]).
     وعن أبي جعفر عليه السلام : قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : إن ثور فلان قتل حماري ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله : ائت أبا بكر فسله، فأتاه فسأله فقال : ليس على البهام قود، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره بمقالة أبي بكر فقال له النبي صلى الله عليه وآله : ائت عمر فسله فأتاه فسأله فقال مثل مقالة أبي بكر([396]).
     وعبد الله بن مسعود قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة وفد الجن قال : فحط على ثم ذهب فلما رجع تنفس وقال : نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود، فقلت : استخلف يا رسول الله. قال : من ؟ قلت : أبا بكر، قال : فمشى ساعة ثم تنفس وقال : نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود، فقلت : استخلف يا رسول الله. قال : من ؟ قلت : عمر، فسكت، ثم مشى ساعة وتنفس وقال : نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود، فقلت : استخلف يا رسول الله. قال : من ؟ قلت : عثمان، فسكت، ثم مشى ساعة فقال : نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود، فقلت : استخلف يا رسول الله قال : من ؟ قلت : علي بن أبي طالب ؟ فتنفس ثم قال : والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين([397]).
    ورووا أن رجلاً أتى أبا عبد الله عليه السلام فقال له : يرحمك الله هل تشيع الجنازة بنار ويمشي معها بمجمرة أو قنديل أو غير ذلك مما يضاء به ؟ قال فتغير لون أبى عبد الله عليه السلام من ذلك واستوى جالسا ثم قال : إنه جاء شقي من الأشقياء إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لها : أما علمت أن عليا قد خطب بنت أبي جهل فقالت : حقاً ماتقول ؟ فقال : حقاً ما أقول ثلاث مرات فدخلها من الغيرة مالا تملك نفسها وذلك أن الله تبارك وتعالى كتب على النساء غيرة وكتب على الرجال جهادا وجعل للمحتسبة الصابرة منهن من الأجر ما جعل للمرابط المهاجر في سبيل الله، قال : فاشتد غم فاطمة من ذلك وبقيت متفكرة هي حتى أمست وجاء الليل حملت الحسن على عاتقها الأيمن والحسين على عاتقها الأيسر وأخذت بيد أم كلثوم اليسرى بيدها اليمنى ثم تحولت إلى حجرة أبيها فجاء علي فدخل حجرته فلم ير فاطمة فاشتد لذلك غمه وعظم عليه ولم يعلم القصة ما هي فاستحى ان يدعوها من منزل أبيها فخرج إلى المسجد يصلي فيه ما شاء الله ثم جمع شيئا من كثيب المسجد واتكى عليه، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله ما بفاطمة من الحزن أفاض عليها من الماء ثم لبس ثوبه ودخل المسجد فلم يزل يصلي بين راكع وساجد وكلما صلى ركعتين دعا الله ان يذهب ما بفاطمة من الحزن والغم وذلك أنه خرج من عندها وهي تتقلب وتتنفس الصعداء فلما رآها النبي صلى الله عليه وآله انها لا يهنيها النوم وليس لها قرار قال لها قومي يا بنية فقامت فحمل النبي صلى الله عليه وآله الحسن وحملت فاطمة الحسين وأخذت بيد أم كلثوم فانتهى إلى علي عليه السلام وهو نايم فوضع النبي صلى الله عليه وآله رجله على رجل علي فغمزه وقال قم يا أبا تراب فكم ساكن أزعجته ادع لي أبا بكر من داره وعمر من مجلسه وطلحة فخرج علي فاستخرجهما من منزلهما واجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي أما علمت أن فاطمة بضعة منى وأنا منها فمن آذاها فقد آذاني من آذاني فقد آذى الله ومن آذاها بعد موتى كان كمن آذاها في حياتي ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتى، قال : فقال علي بلى يا رسول الله، قال فما دعاك إلى ما صنعت ؟ فقال علي والذي بعثك بالحق نبيا ما كان مني مما بلغها شئ ولا حدثت بها نفسي، فقال النبي صدقت وصدقت ففرحت فاطمة عليها السلام بذلك وتبسمت حتى رئي ثغرها.. الرواية([398]).
    وفي الرواية فوائد لا تخفى على المتدبر.
     وروى الطوسي أنه لما كان يوم بدر وأسرت الاسرى، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما ترون في هؤلاء القوم ؟ فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله، هم الذين كذبوك وأخرجوك فاقتلهم. ثم قال أبو بكر : يا رسول الله، هم قومك  وعشيرتك، ولعل الله يستنقذهم بك من النار. ثم قال عبد الله بن رواحة : أنت بواد كثير الحطب، فاجمع حطبا فانصب فيه نارا وألقهم فيه. فقال العباس بن عبد المطلب : قطعك رحمك. قال : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام فدخل، وأكثر الناس في قول أبي بكر وعمر، فقال بعضهم : القول ما قال أبو بكر، وقال بعضهم : القول ما قال عمر، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ما اختلافكم - يا أيها الناس - في قول هذين الرجلين، إنما مثلهما مثل إخوة لهما ممن كان قبلهما، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، قال نوح : وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً [نوح : 26] وقال إبراهيم : فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [إبراهيم : 36] وقال موسى : اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس : 88] وقال عيسى : " إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة : 118] ([399]).
     وعن أبي ذر، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قدم عليه وفد أهل الطائف : يا أهل الطائف، والله لتقيمن الصلاة، ولتؤتن الزكاة، أو لأبعثن إليكم رجلا كنفسي، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يقصعكم بالسيف " فتطاول لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذ بيد علي عليه السلام فأشالها، ثم قال : هو هذا. فقال أبو بكر وعمر : ما رأينا كاليوم في الفضل قط([400]).
    ولما دخل أبو سفيان المدينة لتجديد العهد بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين قريش، عندما كان من بني بكر في خزاعة وقتلهم من قتلوا منها، فقصد أبو سفيان ليتلافى الفارط من القوم، وقد خاف من نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله لهم، وأشفق مما حل بهم يوم الفتح. فأتى النبي صلى الله عليه وآله وكتمه في ذلك، فلم يرد عليه جوابا. فقام من عنده، فلقيه أبو بكر فتشبث به وظن أنه يوصله إلى بغيته من النبي صلى الله عليه وآله فسأله كلامه له، فقال : ما أنا بفاعل. لعلم أبي بكر بأن سؤاله في ذلك لا يغني شيئا. فظن أبو سفيان بعمر بن الخطاب ما ظنه بأبي بكر فكتمه في ذلك، فدفعه بغلظة وفظاظة كادت أن تفسد الرأي على النبي صلى الله عليه وآله([401]).
    وذكروا ان رفقاءه – أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم - : علي وابناه، وحمزة، وجعفر، وسلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعمار وحذيفة، وابن مسعود، وبلال، وأبو بكر، وعمر([402]).
     وغيرها كثير.
 

روايات عمر وآل عمر في فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنهما
 
     وقد ملأ القوم مصنفاتهم من روايات مدح الفاروق رضي الله عنه وآله لأمير المؤمنين رضي الله عنه بحيث يصعب حصرها، وهي يقيناً قد غُيّبت عن عوام الشيعة، ولعلك وأنت تقرأ بعضها تتيقن من هذا.
     من ذلك مثلاً : لما قيل لعمر رضي الله عنه : نراك تصنع بعلي شيئاً لا تصنعه بأحدٍ من أصحاب النبي؟ قال : إنه مولاي([403]).
فالقوم بهذه الرواية يؤكدون بأن معنى الموالاة والولاية بعيدة جداً عما حملت عليه من كونها الخلافة العامة للمؤمنين، وإلا لما ذكرها الفاروق رضي الله عنه وهو يرى أنه قد اغتصبها.
ويؤكد هذا أيضاً : هذه الرواية التي ذكرها القوم عن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : معاشر المسلمين! أنصتوا يرحمكم الله، واعلموا أن في جهنم وادياً يعرف بوادي الضباع، وفي ذلك الوادي بئر، وفي ذلك البئر حية، فشكت جهنم من ذلك إلى الله عزوجل، وشكا الوادي من تلك البئر، وشكا ذلك البئر من تلك الحية إلى الله تعالى في كل يوم سبعين مرة، فقيل : يا رسول الله! ولمن هذا العذاب المضاعف الذي يشكو بعضه من بعض؟ قال : هو لمن يأتي يوم القيامة وهو غير ملتزم بولاية علي بن أبي طالب([404]).
وعن عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن فاطمة وعلياً والحسن والحسين في حظيرة القدس في قبة بيضاء سقفها عرش الرحمن عزوجل ([405]).
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال : كفوا عن ذكر علي بن أبي طالب فقد رأيت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه خصالاً لأن تكون لي واحدة منهن في آل الخطاب أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانتهيت إلى باب أم سلمة وعلي قائم على الباب فقلنا : أردنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال عليه السلام : يخرج إليكم. فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسرنا إليه فاتكأ على علي بن أبي طالب عليه السلام ثم ضرب بيده منكبه ثم قال : إنك مخاصم تخاصم، أنت أول المؤمنين إيماناً، وأعلمهم بأيام الله، وأوفاهم بعهده، وأقسمهم بالسوية، وأرأفهم بالرعية، وأعظمهم رزية، وأنت عاضدي وغاسلي ودافني، والمتقدم إلى كل شديدة وكريهة، ولن ترجع بعدي كافرا، وأنت تتقدمني بلواء الحمد، وتذود عن حوضي([406]).
وقال رضي الله عنه : وقد رأى رجلاً يسب علياً عليه السلام فقال : إني أظنك منافقاً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنما علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي([407]).
وقوله رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : حب علي براءة من النار([408]).
     وعن جعفر بن محمد، عن أبيه الباقر عليهما السلام، عن جابر قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ينقطع يوم القيمة كل سبب ونسب إلا سببي ونسبي([409]).
     وعلى ذكر سند الرواية هذه، فروايات الإمام الباقر رحمه الله في كتب أهل السنة أكثر من روايات أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كراراً غير فرار، يفتح الله عليه، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فبات المسلمون كلهم يستشرفون لذلك، فلما أصبح قال صلى الله عليه وآله وسلم : أين علي بن أبي طالب؟ قالوا : أرمد العين. قال صلى الله عليه وآله وسلم : آتوني به. فلم أتاه. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أدن مني، فدنا منه، فتفل في عينيه ومسحهما بيده، فقام علي بن أبي طالب عليه السلام بين يديه وكأنه لم يرمد وأعطاه الراية، فقتل مرحب، وأخذ مدينة خيبر([410]).
وقال رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لو اجتمع الناس على حب علي بن أبي طالب لما خلق الله النار([411]).
وقوله رضي الله عنه : أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسمعته وهو يقول : لو أن السماوات السبع والأرضين السبع وضعن في كفة ميزان ووضع إيمان علي في كفة ميزان لرجح إيمان علي([412]).
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي : لو كان البحر مداداً، والرياض أقلاماً، والأنس كتاباً، والجن حساباً، ما أحصوا فضائلك، يا أبا الحسن([413]).
وقال رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ما اكتسب مكتسب مثل فضل علي، يهدي صاحبه إلى الهدى، ويرده عن الردى([414]).
وقوله رضي الله عنه : والله لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي بن أبي طالب : من أحبك أحبني، ومن أحبني أحب الله، ومن أحب الله أدخله الجنة مدلا([415]).
وقوله رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي بن أبي طالب عليه السلام : من أحبك يا علي كان مع النبيين في درجتهم يوم القيامة، ومن مات يبغضك فلا يبالي مات يهودياً أو نصرانياً([416]).
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال وقد ذكر عنده علي عليه السلام : ذلك صهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزل جبرئيل فقال : يا محمد، إن الله يأمرك أن تزوج فاطمة ابنتك من علي([417]).
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : النظر إلى وجه علي عبادة([418]).
وقال رضي الله عنه : كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من أصحابه إذ ضرب بيده على منكب علي عليه السلام فقال : يا علي! أنت أول المؤمنين إيمانا، وأول المسلمين إسلاما، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى. يا علي! إنما أنت بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي، فإذا أتاك هؤلاء القوم فسلموا إليك هذا الأمر فاقبله منهم، فان لم يأتوك فلا تأتهم([419]).
وقوله رضي الله عنه : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : أنا خاتم الأنبياء، وأنت خاتم الأولياء([420]).
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يا علي! يدك في يدي تدخل معي الجنة يوم القيامة حيث أدخل([421]).
وقوله رضي الله عنه : تحببوا إلى الأشراف وتوددوا، واتقوا على أعراضكم من السفلة، واعلموا أنه لا يتم شرف إلا بولاية علي([422]).
وقوله رضي الله عنه : علي عليه السلام أعلم الناس بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ([423]).
وقوله رضي الله عنه : علي عليه السلام مولى من كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مولاه([424]).
وعنه أيضاً رضي الله عنه  قال : كانت في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثماني عشرة سابقة، خص منها علي بن أبي طالب عليه السلام بثلاث عشرة وشاركنا في خمس([425]).
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال : أعطي علي بن أبي طالب عليه السلام خمس خصال، إن تكن لي الواحدة منهن فهي أحب إلي من الدنيا والآخرة، فقالوا : وما هي يا عمر؟ قال : أوله تزويجه بفاطمة رضي الله عنه، وفتح بابه إلى المسجد حين سدت أبوابنا، وانقضاض الكوكب في حجرته، ويوم خيبر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كرار غير فرار، يفتح الله عليه يديه، والله لقد كنت أرجو أن تكون في ذلك([426]).
وعن أبي هريرة قال : قال عمر بن الخطاب : لقد أعطى علي بن أبي طالب عليه السلام ثلاث خصال، لأن تكون لي خصلة منها أحب إلى من أن أعطى حمر النعم. قيل : وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال : تزوجه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسكناه المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يحل له فيه ما يحل له، والراية يوم خيبر([427]).
وعن علي بن الحسين عن عمه الحسن بن علي رضي الله عنه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن في علي خصالاً لأن يكون فيَّ إحداهن أحب إليَّ من الدنيا وما فيها، سمعت رسول الله يقول : اللهم ارحمه وترحم عليه، وانصره وانتصر به، وأعنه واستعن به، فإنه عبدك وكتيبة رسولك([428]).
وعن علي بن الحسين عن أبيه قال : قال عمر بن الخطاب : عيادة بني هاشم سنة، وزيارتهم نافلة([429]).
ولا يفوتك النظر في سند هذه الرواية!!
وروي أن علياً عليه السلام جلس إلى عمر في المسجد وعنده ناس، فلما قام عليه السلام عرض واحد بذكره ونسبه إلى التيه والعجب. فقال عمر : حق لمثله أن يتيه!! والله لولا سيفه لما قام عمود الإسلام، وهو بعد أقضى الأمة وذو سابقتها وذو شرفها([430]).
وروي أن رجلاً نازع عمر في مسالة. فقال عمر : بيني وبينك هذا الجالس وأشار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام وكان جالساً في المسجد. فقال الرجل : هذا الأبطن!! - الظاهر أنه لم يكن يعرف علياً  عليه السلام. فنهض عمر عن مجلسه وأخذ بتلبيبه حتى شاله من الأرض، ثم قال : ويلك أتدري من صغرت؟! هذا علي بن أبي طالب مولاي ومولى كل مسلم([431]).
وفي رواية : أمر عمر علياً عليه السلام أن يقضي بين رجلين فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه : هذا الذي يقضي بيننا؟! وكأنه ازدرى علياً عليه السلام. فأخذ عمر بتلبيبه فقال : ويلك! وما تدري من هذا؟ هذا علي بن أبي طالب عليه السلام، هذا مولاي ومولى كل مؤمن، فمن لم يكن مولاه فليس بمؤمن([432]).
وروي أن عمر سأل عن علي عليه السلام فقيل له : ذهب إلى أرضه. فقال : اذهبوا بنا إليه، فوجدوه يعمل فعملوا معه ساعة ثم جلسوا يتحدثون، فقال له علي عليه السلام : أرأيت لو جاءك قوم من بني إسرائيل فقال لك أحدهم : أنا ابن عم موسى عليه السلام، أكانت له عندك أثرة على أصحابه؟ قال عمر : نعم. قال علي عليه السلام : فأنا والله أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمه. قال : فنزع عمر رداءه فبسطه، فقال : والله لا يكون لك مجلس غيره حتى نفترق([433]).
وروي أن عمر أتاه رجلان فسألاه عن طلاق العبد، فانتهى إلى حلقة فيها رجل أصلع فقال : يا أصلع! كم طلاق العبد؟ فقال له بإصبعيه هكذا وحرك السبابة والتي تليها، فالتفت إليه فقال : اثنتين. فقال : أحدهما سبحان الله جئناك وأنت أمير المؤمنين، فسألناك فجئت إلى رجل والله ما كلمك. قال : ويلك أتدري من هذا، هذا علي بن أبي طالب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لو أن السماوات والأرضين وضعتا في كفة ووضع إيمان علي في كفة لرجح إيمان علي([434]).
وعن عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة([435]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما فتح الله تعالى المدائن على أصحاب رسول الله في أيام عمر، فأمر بالنطاع فبسطت في مسجد رسول الله، وأمرنا بالأموال فأفرغت عليها، ثم اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأول من بدر إليه الحسن بن علي رضي الله عنه، فقال : يا أمير المؤمنين! أعطني حقي مما فتح الله تعالى على المسلمين. فقال : بالرحب والكرامة، فأمر له بألف درهم، ثم انصرف فبدر إليه ابنه عبد الله بن عمر فقال : يا أمير المؤمنين أعطني حقي مما فتح الله تعالى على المسلمين. فقال : بالرحب والكرامة، فأمر له بخمسمائة درهم، فقال : يا أمير المؤمنين! أنا رجل مشيد كنت أضرب بالسيف بين يدي رسول الله والحسن والحسين رضي الله عنه طفلان يدرجان في سكك المدينة تعطيهم ألفا ألفا وتعطيني خمسمائة درهم. فقال : اذهب فائتني بأب كأبيهما وأم كأمهما، وجد كجدهما وجدة كجدتهما، وعم كعمهما، وخال كخالهما، فإنك لا تأتيني بهم، أما أبوهما فعلي المرتضى، وأمهما فاطمة الزهراء، وجدهما محمد المصطفى، وجدتهما الخديجة الكبرى، وعمهما جعفر بن أبي طالب، وعمتهما أم هاني بنت أبي طالب، وخالهما إبراهيم بن رسول الله، وخالتهما رقية وأم كلثوم بنتا رسول الله([436]).
     وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : لما طعن عمر أتاه الناس فقالوا : استخلف علي بن أبي طالب. قال : إذن يحملكم على طريقه من الحق([437]).
     وعن سعيد بن المسيب رحمه الله، عن عمر أنه سمع رجلاً يذكر علياً عليه السلام بشر، فقال : ويلك! تعرف من في هذا القبر؟ وأشار إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فسكت الرجل. فقال عمر : فيه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إذا آذيت علياً فقد آذيته([438]).
     وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : مشيت وعمر بن الخطاب في بعض أزقة المدينة فقال : والله لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي بن أبي طالب : من أحبك أحبني، ومن أحبني أحب الله، ومن أحب الله أدخله الجنة مدلاً([439]).
     وعن ابن عمر بن الخطاب قال : قال أبي : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي : يا علي! مد يدك في يدي تدخل معي يوم القيامة حيث أدخل([440]).
     وعن العباس بن عبد المطلب قال : سمعت عمر بن الخطاب وقد سمع رجلاً يسب علياً، وهو يقول : إني لأظنك من المنافقين. فقال : كفوا عن ذكر علي إلا بخير، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : في علي ثلاث خصال، وددت لو أن لي واحدة منهن أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، وذاك إني كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على كتف علي وقال : يا علي! أنت أول المسلمين إسلاماً، وأول المؤمنين إيمانا، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، كذب من زعم أنه يحبني وهو يبغضك. يا علي! من أحبك فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله تعالى، ومن أحبه الله تعالى أدخله الجنة، ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغضه الله تعالى، ومن أبغضه الله تعالى أدخله النار([441]).
وعن عمر رضي الله عنه قال : وأما أنت يا علي فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحتهم، ثم قام علي عليه السلام وخرج فقال عمر : والله إني لأعلم مكان الرجل لو وليتموه أمركم ليحملنكم على المحجة البيضاء([442]).
وعنه أيضاً قال : كفوا عن علي بن أبى طالب، عليه السلام فإني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : فيه خصال لو أن خصلة منها في جميع آل الخطاب كان أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس، إني كنت ذات يوم أنا وأبو بكر وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فانتهيا إلى باب أم سلمة، فإذا نحن بعلي عليه السلام متكئ على نجف الباب، فقلنا له : أردنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال : هو في البيت يخرج عليكم الآن، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فثرنا حوله فاتكأ على علي عليه السلام، ثم ضرب بيد علي منكبه وقال : كس ابن أبي طالب! إنك تخاصم بسبع خصال ليست لأحد : إنك أول المؤمنين معي إيمانا، وأعلمهم بأيام الله، وأوفاهم بعهد الله، وأرأفهم بالرعية، وأقسمهم بالسوية، وأعلمهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مؤنة([443]).
عن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر : أنه دخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا فاطمة! والله ما رأيت أحداً أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منك، ووالله ما كان أحد من الناس بعد أبيك صلى الله عليه وآله وسلم أحب إلي منك([444]).
وعنه أيضاً قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما عقد المؤاخاة بين أصحابه قال : هذا علي أخي في الدنيا والآخرة، وخليفتي في أهلي، ووصيي في أمتي، ووارث عملي وقاضي ديني، ماله مني مالي منه، نفعه نفعي وضره ضري، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني([445]).
وعن ابن عمر قال : سألني أبي عمر بن الخطاب، فقال لي : يا بني! من أخير الناس بعد رسول الله؟ فقلت له : من أحل الله له ما حرَّم على الناس وحرَّم عليه ما أحل للناس. فقال : والله لقد قلت وصدقت، حرمت على علي بن أبي طالب الصدقة وأحلت للناس، وحرم عليهم أن يدخلوا المسجد جنباً وأحل له([446]).
وسأل رجل عمر بن الخطاب، فقال : يا أمير المؤمنين! ما تفسير سبحان الله؟ فقال : إن في هذا الحائط رجلاً كان إذا سئل أنبأ، وإذا سكت ابتدأ، فدخل الرجل فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام([447]).
وعن الأعمش قال : جاء رجل مشجوج الرأس يستعدي عمر على علي فقال علي عليه السلام : مررت بهذا وهو يقاوم امرأة فسمعت ما كرهت. فقال عمر : إن لله عيوناً وإن علياً من عيون الله في الأرض.
وفي رواية للأصمعي أنه قال : رأيته ينظر إلى حريم الله. فقال عمر : اذهب وقعت عليك عين من عيون الله، وحجاب من حجب الله، تلك يد الله اليمنى يضعها حيث يشاء([448]).
وعن عروة بن الزبير قال : إن رجلاً وقع في علي بن أبي طالب عليه السلام بمحضر من عمر، فقال له عمر : تعرف صاحب هذا القبر؟ هو محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، وعلي بن أبي طالب بن عبدالمطلب، فلا تذكر علياً إلا بخير، فإنك إن أبغضته آذيت هذا في قبره([449]).
عن ابن عباس قال : استعدى رجل عمر على علي، وعلي عليه السلام جالس، فالتفت عمر إليه فقال : يا أبا الحسن! قم فاجلس مع خصمك، فقام فجلس مع خصمه فتناظرا، وانصرف الرجل فرجع علي عليه السلام إلى مجلسه، فتبين عمر التغير في وجهه. فقال : يا أبا الحسن! مالي أراك متغيراً؟ قال علي عليه السلام : كنيتني بحضرة خصمي فهلا قلت : يا علي! قم فاجلس مع خصمك؟ فأخذ عمر برأس علي عليه السلام فقبل بين عينيه، ثم قال : بأبي أنتم وأمي بكم هدانا الله، وبكم أخرجنا الله من الظلمات إلى النور([450]).
وكان عمر رضي الله عنه يأمر أصحابه، ويقول : لا تعصوا لعلي أمراً([451]).
وروى القوم أن أسقفاً من نجران سأل عمر مسألة فلم يجد له جواباً، وبينما هو كذلك فإذا بباب المسجد علي بن أبي طالب عليه السلام، فقام عمر بن الخطاب والجماعة على أقدامهم، وقال : يا مولاي! أين أنت عن هذا الأسقف الذي قد علا منه الكلام؟ أخبره يا مولاي بالعجل إنه يريد الإسلام، فأنت البدر التمام، ومصباح الظلام، وابن عم رسول الأنام([452]).
وفي رواية : هذا مشكل لا يحله إلا نبي، أو وصي نبي فقوموا بنا إلى أبي الحسن([453]).
     وسأل رجل ابن عمر عن مسألة فلم يدر بما يجيبه فقال : اذهب إلى ذلك الغلام فاسأله وأعلمني بما يجيبك، وأشار به إلى محمد بن علي الباقر، فأتاه وسأله فأجابه فرجع إلى ابن عمر فأخبره فقال ابن عمر انهم أهل بيت مفهمون ([454]).
     وذكروا أنه لما هلك أبو بكر واستخلف عمر أقبل يهودي من عظماء يهود يثرب وتزعم يهود المدينة أنه أعلم أهل زمانه حتى رفع إلى عمر فقال له : يا عمر إني جئتك أريد الإسلام فإن أخبرتني عما أسألك عنه فأنت أعلم أصحاب محمد بالكتاب والسنة وجميع ما أريد أن أسأل عنه، قال : فقال له عمر : إني لست هناك لكني أرشدك إلى من هو أعلم أمتنا بالكتاب والسنة وجميع ما قد تسأل عنه وهو ذاك - فأومأ إلى علي عليه السلام([455]).
     وعن الصادق عليه السلام قال : لما هلك أبو بكر واستخلف عمر رجع عمر إلى المسجد فقعد فدخل عليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين إني رجل من اليهود وأنا علامتهم، وقد أردت أن أسألك عن مسائل إن أجبتني فيها أسلمت قال : ما هي ؟ قال : ثلاث وثلاث وواحدة، فإن شئت سألتك وإن كان في القوم أحد أعلم منك فأرشدني إليه قال : عليك بذلك الشاب يعني علي بن أبي طالب عليه السلام([456]).
     وسئل يهوديان عمر : أين ربك ؟ قال : فوق سبع سماوات : قالا : هل غير هذا ؟ قال : لا، قالا : دلنا على من هو أعلم منك، فأرشدهما إلى علي صلوات الله عليه([457]).
     وجاءه يهودي من يهود المدينة وهم يزعمون أنه من ولد هارون أخي موسى عليهما السلام حتى وقف على عمر فقال له : يا أمير المؤمنين أيكم أعلم بعلم نبيكم وبكتاب ربكم حتى أسأله عما أريد ؟ قال : فأشار عمر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام([458]).
     وجاء قوم من أحبار اليهود إلى عمر بن الخطاب يسألونه فقال : يا أبا الحسن ما أرى جوابهم إلا عندك([459]).
وقال رضي الله عنه : علي أقضانا([460]).
 
وكثيراً ما كان يردد رضي الله عنه كما تروي كتب القوم :
اللهم إني أعوذ بك من معضلة ليس لها أبو الحسن.
- ولا أبقاني الله لمعضلةٍ ليس لها أبو الحسن.
- ولا أبقاني الله بعدك.
- ولولا علي لهلك عمر.
- ولا عشت في أمة لست فيها يا أبا الحسن!.
- عجزت النساء أن تلدن مثل علي، اللهم لا ترني شدة إلا وأبو الحسن إلى جنبي.
- أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن!.
- اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب حياً.
- ويا أبا الحسن منكم أخذنا العلم وإليكم يعود، بعد أن قبَّل ما بين عينيه.
- ولا يفتين أحد في المسجد وعلي حاضر([461]).
ولما دوَّن الدواوين بدأ بالحسن والحسين رضي الله عنه فملأ حجرهما من المال، فقال ابن عمر : تقدمهما علي ولي صحبة وهجرة دونهما؟ فقال عمر : اسكت لا أم لك، أبوهما خير من أبيك، وأمهما خير من أمك([462]).
وعن يحيى بن سعيد قال : أمر عمر الحسين بن علي رضي الله عنه أن يأتيه في بعض الحاجة، فقال الحسين عليه السلام، فلقيه عبد الله بن عمر فقال له الحسين عليه السلام : من أين جئت؟ قال : قد استأذنت على عمر فلم يؤذن لي، فرجع الحسين عليه السلام، فلقيه عمر فقال له : ما منعك يا حسين أن تأتيني؟ قال : قد أتيتك، ولكن أخبرني عبد الله بن عمر أنه لم يؤذن له عليك فرجعت. فقال عمر : وأنت عندي مثله؟ وأنت عندي مثله؟ وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم؟([463]).
وعن عبد الله بن عمر قال : كنا إذا عددنا أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قلنا : أبو بكر وعمر وعثمان. فقال رجل : يا أبا عبد الرحمن! فعلي عليه السلام؟ قال علي من أهل البيت لا يقاس به أحد، مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي درجته، إن الله يقول : tûïÏ%©!$#ur (#qãZtB#uä öNåk÷Jyèt7¨?$#ur NåkçJ­ƒÍh‘èŒ ?yÎ*Î/ $uZø)ptø:r& öNÍkÍ5 öNåktJ­ƒÍh‘èŒ [الطور : 21] ففاطمة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في درجته وعلي معهما([464]).
    ولما علم ابن عمر بخروج الحسين عليه السلام، قدم راحلته، وخرج خلفه مسرعا، فأدركه في بعض المنازل، فقال : أين تريد يا بن رسول الله ؟ قال : العراق. قال : مهلا ارجع إلى حرم جدك. فأبى الحسين عليه السلام عليه، فلما رأى ابن عمر إباءه قال : يا أبا عبد الله، اكشف لي عن الموضع الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبله منك. فكشف الحسين عليه السلام عن سرته، فقبلها ابن عمر ثلاثا وبكى، وقال : أستودعك الله يا أبا عبد الله، فإنك مقتول في وجهك هذا([465]).
     وقبل ذلك ندم على عدم مقاتله مع أمير المؤمنين علي رضي الله عنهما حيث قال : مهما آسى عليه من شئ فإنى لا آسي على شيء أسفي على أنى لم أقاتل الفئة الباغية مع علي([466]).
    فهل يقول عاقل بعد ذلك بخلاف هذا، وأن عمر وآل عمر رضي الله عنهم ظلموا آل البيت وفعلوا وفعلوا مما تورده كثير من الروايات المكذوبة عنهم؟ فأي علة وراء إخفاء كل هذه الروايات التي مرت وهي غيض من فيض وكلها من معين واحد ؟
وما دمنا في هذا فلا بأس أن نُعَرِّج قليلاً إلى ذكر مرويات أخرى لصحابة آخرين مما يناسب الباب :
عن عثمان بن عفان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : خلقت أنا وعلي من نور واحد، قبل أن يخلق الله آدم بأربعة آلاف عام، فلما خلق الله آدم ركب فيه ذلك النور في صلبه، فلم يزل شيئاً واحداً حتى افترقنا في صلب عبد المطلب، ففي النبوة وفي علي الوصية([467]).
وعن ابن عباس قال : رجع عثمان إلى علي عليه السلام، فسأله المصير إليه، فصار إليه فجعل يحد النظر إليه، فقال له علي عليه السلام : يا عثمان! مالك تحد النظر إلي؟ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : النظر إلى وجه علي عبادة([468]).
وعن معاوية بن أبي سفيان أنه كان يرسل أناساً يسأل علياً عليه السلام عن المشكلات - سواءً معضلاته أو معضلات غيره - فكان علي عليه السلام يجيبه، فقال أحد بنيه : تجيب عدوك؟ فقال عليه السلام : أما يكفينا أن احتاجنا وسألنا؟([469]).
وروي أن رجلاً سأل معاوية بن أبي سفيان عن مسالة فقال : اسأل عنها علياً عليه السلام فهو أعلم. فقال : يا أمير المؤمنين! جوابك فيها أحب إلي من جواب علي. قال معاوية : بئس ما قلت، لقد كرهت رجلاً كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغره بالعلم غراً، ولقد قال له : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وكان عمر إذا أشكل عليه شئ أخذ منه - ويلجأ إلى علي في حل مسائله - ثم قال معاوية للرجل : قم لا أقام الله رجليك، ومحا اسمه من الديوان.
     وفي رواية : ولقد كان عمر يسأله ويأخذ عنه ولقد شهدته إذا أشكل عليه شئ قال : هاهنا علي، قم لا أقام الله رجليك([470]).
     وكتب إليه – أي معاوية - ملك الروم : إن أجبتني عن هذه المسائل حملت إليك الخراج وإلا حملت أنت، فلم يدر معاوية فأرسلها إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأجاب عنها([471]).
ومر معاوية بن أبي سفيان بالمدينة فجلس في مجلس فيه سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، فالتفت إلى عبد الله بن عباس فقال : يا ابن عباس! إنك لم تعرف حقنا من باطل غيرنا... وقرعه ابن عباس بجواب فحار منه معاوية، فتركه وأقبل على سعد فقال : يا أبا إسحاق! أنت الذي لم تعرف حقنا، وجلس فلم يكن معنا ولا علينا. فقال سعد : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي عليه السلام : أنت مع الحق والحق معك حيثما دار. فقال معاوية : لتأتيني على هذا ببينة. فقال : سعد : هذه أم سلمة تشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقاموا جميعاً فدخلوا على أم سلمة، فقالوا : يا أم المؤمنين! إن الأكاذيب قد كثرت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا سعد يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم نسمعه، أنه قال لعلي : أنت مع الحق والحق معك حيثما دار. فقالت أم سلمة : في بيتي هذا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام. فقال معاوية لسعد : يا أبا إسحاق! ما كان ألوم الآن - أي : إنك يا سعد ألوم الناس عندي - إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجلست عن علي عليه السلام، لو سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكنت خادماً لعلي حتى أموت. وفي رواية : فإني لو سمعت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل الذي سمعت فيه لكنت خادماً لعلي عليه السلام ما عشت([472]).
وسأل معاوية يوماً جلساءه : من أكرم الناس أباً وأماً وجداً وجدةً وعماً وعمةً وخالاً وخالةً؟ فقالوا : أنت أعلم. فأخذ معاوية بيد الحسن بن علي رضي الله عنه وقال : هذا! أبوه علي بن أبي طالب عليه السلام، وأمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجدته خديجة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعمه جعفر، وعمته هالة بنت أبي طالب، وخاله القاسم بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخالته زينب بنت رسول الله ص([473]).
وعن ضرار بن ضمرة وهو من أصحاب علي عليه السلام وشيعته : أنه دخل ذات يوم على معاوية وكان ذلك بعد شهادة أمير المؤمنين علي عليه السلام. فقال معاوية لضرار بن ضمرة : صف لي علياً؟ فقال ضرار : أو تعفيني؟ قال : بل صفه. قال : أو تعفيني؟ قال : لا أعفيك. فبدأ ضرار بذكر فضائل الإمام وخلقه وأدبه ثم قال : وأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، وهو قائم في محرابه قابض على لحيته، يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه وهو يقول : يا دنيا يا دنيا! إليك عني، أبي تعرضت أم إلي تشوقت؟ لا حان حينك، هيهات هيهات غري غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه من قلة الزاد، وطول الطريق، وبعد السفر، وعظيم المورد. فذرفت دموع معاوية حتى خرت على لحيته، فما يملكها وهو ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، ثم قال معاوية : رحم الله أبا الحسن! كان والله كذلك([474]).
وروي أن أجور التميمي قدم على معاوية بن أبي سفيان وقال : يا أمير المؤمنين! جئتك من عند ألأم الناس، وأبخل الناس، وأعيى الناس، وأجبن الناس - يقصد بذلك علياً عليه السلام فقال له معاوية : ويلك! وأنى أتاه اللؤم؟ ولكنا نتحدث أن لو كان لعلي عليه السلام بيت من تبن وآخر من تبر لأنفد التبر قبل بيت التبن. وأنى له العي وإن كنا نتحدث أنه ما جرت المواسي على رأس رجل من قريش أفصح من علي عليه السلام. ويلك وأنى أتاه الجبن وما برز له رجل قط إلا صرعه؟ والله يا بن أجور لولا الحرب خدعة لضربت عنقك، اخرج فلا تقيمن في بلدي([475]).
وعن جابر قال : كنا عند معاوية فذكر علي عليه السلام فأحسن ذكره، وذكر أبيه وأمه ثم قال : وكيف لا أقول هذا لهم، وهم خيار خلق الله وعترة نبيه، أخيار أبناء أخيار([476]).
وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل له علي عليه السلام عن ذلك، فلما بلغه قتله قال : ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب عليه السلام. فقال له أخوه عتبة : لا يسمع هذا منك أهل الشام. فقال له : دعني عنك([477]).
ولما جاء نعيه عليه السلام إلى معاوية، فاسترجع، وكان قائلاً مع امرأته فاختة بنت قرظة نصف النهار في يوم صائف، فقعد باكياً وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا فقدوا من العلم؟ فقالت له امرأته : تسترجع عليه اليوم وتبكي وأنت تطعن عليه بالأمس؟! فقال : ويحك! لا تدرين ما ذهب من علمه وفضله وسوابقه، وما فقد الناس من حلمه وعلمه([478]).
وسأل معاوية عقيلاً عن قصة الحديدة المحماة، فبكى عقيل وقال : أنا أحدثك يا معاوية عنه! ثم أحدثك عما سألت. نزل بالحسين عليه السلام ابنه ضيف، فاستسلف درهماً اشترى به خبزاً، واحتاج إلى الإدام، فطلب من قنبر خادمهم أن يفتح له زقاً من زقاق العسل جاءتهم من اليمن، فأخذ منه رطلاً، فلما طلبها علي عليه السلام ليقسمها قال : يا قنبر! أظن أنه حدث بهذا الزق حدث، فأخبره. فغضب عليه السلام وقال : علي بالحسين، فرفع عليه الدرة. فقال الحسين عليه السلام : بحق عمي جعفر -وكان علي عليه السلام إذا سئل بحق جعفر سكن-. فقال له : فداك أبوك، وإن كان لك فيه حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم! أما لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبل ثنيتك لأوجعتك ضرباً. ثم دفع إلى قنبر درهماً كان مصروراً في ردائه وقال : اشتر به خير عسل تقدر عليه. قال عقيل : والله لكأني أنظر إلى يدي علي عليه السلام وهي على فم الزق، وقنبر يقلب العسل فيه، ثم شده وجعل يبكي ويقول : اللهم اغفر لحسين فإنه لم يعلم. فقال معاوية : ذكرت من لا ينكر فضله، رحم الله أبا حسن! فلقد سبق من كان قبله، وأعجز من يأتي بعده! هلم حديث الحديدة. قال عقيل : نعم. أقويت وأصابتني مخمصة شديدة فسألته فلم تند صفاته، فجمعت صبياني وجئته بهم والبؤس والضر ظاهران عليهم. فقال عليه السلام : ائتني عشية لأدفع إليك شيئاً، فجئته يقودني أحد ولدي فأمره بالتنحي، ثم قال : ألا فدونك فأهويت - حريصاً قد غلبني الجشع - أظنها صرة فوضعت يدي على حديدة تلتهب، فلما قبضتها نبذتها وخرت كما يخور الثور تحت يد جازره. فقال عليه السلام : ثكلتك أمك! أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه! أتئن من الأذى ولا أئن من لظى؟ ثم قرأ : όÎ) ãn=øñF{$# þ’Îû öNÎgÉoYôãr& ã@Å¡»n=¡¡9$#ur tbqç7ysó¡ç„ ÇÐÊÈ [غافر : 71] ثم قال : ليس لك عندي فوق حقك الذي فرضه الله لك إلا ما ترى، فانصرف إلى أهلك. فجعل معاوية يتعجب من هذه الحكاية ويقول : هيهات هيهات! عقمت الأمهات أن يلدن مثله([479]).
     وقد اعترف علماء الشيعة بذلك رغم كل محاولاتهم لتشويه الحقائق وإظهار الحقيقة بصورة مغايرة للواقع، فهذا الطبرسي مثلاً يقول : وكذلك معاوية - وإن كان قد أظهر عداوته، وبنى أكثر أموره على العناد - لم ينكر جميع حقوقه، ولا دفع عظيم منزلته في الدين، بل قفا أثر طلحة والزبير في التعلل بطلب دم عثمان، وكان يظهر القناعة منه بأن يقره على ولايته التي ولاه إياها من كان قبله، فيكف عن خلافه، ويصير إلى طاعته، ولم يمكنه الدفع لكونه عليه السلام الأفضل في الإسلام والشرف والوصلة بالنبي عليه السلام والعلم والزهد، ولا الإنكار لشيء من ذلك، ولا الادعاء لنفسه مساواته فيه، أو مقارنته ومداناته، وقد كان يحضره الجماعة كالحسن بن علي وابن عباس وسعد بن مالك فيحتجون عليه بفضل أمير المؤمنين عليه السلام على جميع الصحابة، فلا يقدم على الإنكار عليهم، مع إظهاره في الظاهر البراءة منه، والخلاف عليه. وكان تقدم عليه وفود أهل العراق من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام فيجرعونه السم الذعاف من مدح إمام الهدى صلوات الله عليه، وذمه في أثناء ذلك، فلا يكذبهم ولا يناقض احتجاجاتهم، وكان من أمر الوافدات عليه في هذا المعنى ما هو مشهور، مدون في كتب الآثار مسطور([480]).
     ولم يسعفهم الحظ في نقلٍ صحيح في ذم الآل حتى عن يزيد. يقول الطبرسي : قد كان من أمر ابنه يزيد لعنه الله مع الحسين عليه السلام ما كان من القتل والسبي والتنكيل، ومع ذلك فلم يحفظ عنه ذمه بما يوجب إخراجه عن موجب التعظيم، بل قد أظهر الندم على ذلك، ولم يزل يعظم سيد العابدين عليه السلام بعده، ويوصي به، حتى أنه آمنه من بين أهل المدينة كلهم في وقعة الحرة، وأمر مسلم بن عقبة بإكرامه، ورفع محله، وأمانه مع أهل بيته ومواليه([481]).
     حتى أقروا بذلك لجميع الأمة فقال الطبرسي : ومما يدل على إمامتهم أيضا إجماع الأمة على طهارتهم وظاهر عدالتهم وعدم التعلق عليهم أو على أحد منهم بشيء يشينه في ديانته([482]).
     عدنا..
     وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : معاشر الناس أحبوا عليا فإن لحمه لحمي، ودمه دمي، لعن الله أقواما من أمتي ضيعوا فيه عهدي ونسوا فيه وصيتي، ما لهم عند الله من خلاق([483]).
     وعنه أيضاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : النظر إلى وجه علي بن أبي طالب عبادة ([484])   
     وعنه أيضاً وقد ذكروا عليا عليه السلام فقال : إنه كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة خاصة، ولقد كانت له عليه دخلة لم تكن لأحد من الناس([485]).
     وقال رضي الله عنه أيضاً : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من رزقه الله حب الأئمة من أهل بيتي فقد أصاب خير الدنيا والآخرة، فلا يشكن أحد أنه في الجنة فإن في حب أهل بيتي عشرون خصلة، عشر منها في الدنيا وعشر منها في الآخرة..الرواية([486]).
     وعنه أيضاً قال : أمر الناس بخمس، فعملوا بأربع وتركوا واحدة فقيل : يا أبا سعيد ما هذه الأربع التي عملوا بها ؟، فقال : الصلاة، والزكاة، والحج، وصوم شهر ومضان، فقيل : فما الواحدة التي تركوها ؟، قال : ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام([487]).
     وقوله أيضاً : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : اشتد غضب الله على اليهود حين قالوا : عزير ابن الله، واشتد غضب الله على النصارى حين قالوا : المسيح ابن الله، واشتد غضب الله على من أراق دمي وآذاني في عترتي([488]).
     وقال أيضاً في قوله تعالى : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ  [محمد : 30] قال : ببغض علي بن أبي طالب عليه السلام([489]).
     وعنه أيضاً قال : لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى تسأل عن أربعة عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن حبنا أهل البيت ([490]).
     وقال : كانت أمارة المنافقين بغض علي بن أبي طالب عليه السلام، فبينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد ذات يوم، في نفر من المهاجرين والأنصار، وكنت فيهم، إذ أقبل علي عليه السلام فتخطى القوم حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان هناك مجلسه الذي يعرف به، فسار رجل رجلا وكانا يرميان بالنفاق، فعرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أرادا، فغضب غضبا شديدا حتى التمع وجهه، ثم قال : والذي نفسي بيده، لا يدخل عبد الجنة حتى يحبني، ألا وكذب من زعم أنه يحبني وهو يبغض هذا، وأخذ بكف علي عليه السلام، فأنزل الله عز وجل هذه الآية في شأنهما : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المجادلة : 9]([491]).
     وعن عبد الله بن عمر قال : كنا نفاضل فنقول : أبو بكر، وعمر وعثمان ويقول : قائلهم فلان وفلان. فقال له رجل : يا أبا عبد الرحمان فعلي ؟ قال : علي من أهل بيت لا يقاس بهم أحد من الناس، علي مع النبي في درجته([492]).
     وعن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : أنا الشجرة، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها، وأصل الشجرة في جنة عدن، وسائر ذلك في الجنة([493]).
     وقال عمرو بن العاص لمعاوية مادحاً علي عليه السلام :
معاوي لا تشمت بفارس بهمة * لقى فارسا لا تعتليه الفوارس
معاوي لو أبصرت في الحرب مقبلا * أبا حسن يهوي دهتك الوساوس
وأيقنت أن الموت حق وأنه * لنفسك إن لم تمعن الركض خالس([494]).
     وعن عبد الله بن مسعود، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالسا في جماعة من أصحابه إذ أقبل علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب ([495]).
     وعنه أيضاً قال : قرأت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبعين سورة من القرآن، أخذتها من فيه، وزيد ذو ذؤابتين يلعب مع الصبيان، وقرأت سائر - أو قال : بقية - القرآن على خير هذه الأمة وأقضاهم بعد نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب صلوات الله عليه([496]).
     وقال رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة يقعد علي بن أبي طالب عليه السلام على الفردوس، وهو جبل قد علا على الجنة وفوقه عرش رب العالمين، ومن سفحه تنفجر أنهار الجنة وتتفرق في الجنان، وهو جالس على كرسي من نور، يجري بين يديه نهر من التسنيم لا يجوز أحد على الصراط إلا ومعه براءة بولاتيه وولاية أهل بيته، وهو مشرف على الجنة فيدخلها محبيه، ومشرف على النار فيدخلها مبغضيه([497]).
     وعن أبي موسى الأشعري وابن عباس، قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي، فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء، وإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض ([498]).
     وعن سعيد بن المسيب : سألت سعد بن أبي وقاص، أسمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس معي نبي ؟ قال : نعم. فقلت : أنت سمعته ؟ قال : فأدخل إصبعيه في أذنيه وقال : نعم، والا فاستكتا([499]).
     وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن أخي ووزيري ووصيي علي بن أبي طالب([500]).
     وعنه أيضاً قال : والله الذي لا اله الا هو لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب([501]).
     وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا لا حساب عليهم. قال أنس : ثم التفت إلى علي عليه السلام فقال : هم من شيعتك وأنت إمامهم([502]).
     وقوله : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والذي بعثني بالحق نبيا لو جاء أحدكم يوم القيامة بأعمال كأمثال الجبال ولم يجئ بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام لأكبه الله عز وجل في النار([503]).
     وعنه أيضاً قال : ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى ذات يوم ويده في يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ولقيه رجل إذ قال له : يا فلان لا تسبوا عليا فإنه من سبه فقد سبني ومن سبني فقد سب الله، والله يا فلان إنه لا يؤمن بما يكون من علي وولد علي في آخر الزمان إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد قد امتحن الله قلبه للإيمان، يا فلان إنه سيصيب ولد عبد المطلب بلاء شديد وأثرة وقتل وتشريد فالله الله يا فلان في أصحابي وذريتي وذمتي فإن لله يوم ينتصف فيه للمظلوم من الظالم. إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [الحجرات : 4]([504]).
فهذه نماذج بسيطة عن بعض الصحابة فيما ورد من طرق الإمامية في فضائل أمير المؤمنين علي رضي الله وأرضاه.
ولو أردنا استيفاء كل ما جاء في هذا الشأن من موارده لطال الباب، وخرجنا عن خطة الكتاب، ولكن فيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله له الهداية.

 
روايات في فضائل أمير المؤمنين وآل البيت رضي الله عنهم من طرق أهل السنة
     ربما يتوهم متوهم هنا أن أهل السنة والجماعة لا يروون أمثال هذه الفضائل في كتبهم، حسداً وبغضاً لأهل البيت رضي الله عنهم كما يروج ذلك أعداؤهم.
فأقول : إن من إنصاف أهل السنة أنهم يردون أي حديث أو رواية في فضائل الشيخين وسائر الصحاية رضي الله عنهم أجمعين إن كانت ضعيفة، ويأخذون بأحاديث فضائل أمير المؤمنين رضي الله عنه وسائر الصحابة إن كانت صحيحة، خلافاً لمنهج من سواهم من فرق المسلمين.
ومصنفات أهل السنة مليئة بروايات فضائل أهل البيت رضي الله عنهم، سواء أصحت أم لم تصح، يذكرونها أمانة في النقل، لإيراد كل ما جاء في الباب دون اعتبار صحة السند، كشأن جل المصنفِين، عملاً بمقولة : من أسند فقد برئت ذمته.
وهذه نماذج مختصرة لبعض الراويات التي حوتها مصادر أهل السنة في فضائل علي رضي الله عنه، تردُ على من يتهمهم بأنهم يكتمون فضائله، يذكرونها رغم أن جلها لم تصح، فكيف يزعمون أنهم كتموا ما صح؛ ونحن هنا عندما نوردها لن نقوم بتوثيقها أو تخريجها وإنما سنذكرها إجمالاً على سبيل الحكاية، وهي آثار ومرويات كثيرة منها الصحيح والضعيف والموضوع.
منها :

  •  علي سيد المسلمين.
  •  علي إمام المتقين.
  •  علي قائد الغر المحجلين.
  •  علي يعسوب المؤمنين.
  •  علي ولي المتقين.
  •  علي يعسوب الدين.
  •  علي أمير المؤمنين أمير كل مؤمن.
  •  علي سيد ولد آدم ما خلا النبيين.
  •  علي خاتم الوصيين.
  •  علي أول من يرى رسول الله يوم القيامة.
  •  علي أول من يصافح النبي يوم القيامة.
  •  علي الصديق الأكبر.
  •  علي فاروق هذه الأمة.
  •  علي الفاروق بين الحق والباطل.
  •  علي أول من صدق رسول الله آمن رسول الله.
  •  علي أول من آمن بالله.
  •  علي يعسوب المسلمين.
  •  علي خليفة رسول الله في أمته من بعده.
  •  علي يعسوب قريش.
  •  علي خير من تركه رسول الله.
  •  علي سيد العرب.
  •  علي سيد في الدنيا والآخرة.
  •  علي سيد المؤمنين.
  •  علي وزير رسول الله.
  •  علي صاحب رسول الله.
  •  علي أول من وحد الله مع رسوله.
  •  علي منجز وعد رسول الله.
  •  علي موضع سر رسول الله.
  •  علي خير من تركه خلفه رسول الله من بعده.
  •  علي قاضي دين رسول الله.
  •  علي أخو رسول الله في الدنيا والآخرة.
  •  علي عيبة علم رسول الله.
  •  علي باب رسول الله الذي يؤتى منه.
  •  علي وصي رسول الله.
  •  علي القائم بأمر رسول الله.
  •  علي الإمام على أمة رسول الله إمام الأمة.
  •  علي خليفة الله في أرضه بعد رسوله.
  •  علي إمام خلق الله البرية.
  •  علي مولى البرية.
  •  علي وارث علم رسول الله.
  •  علي أبو ذرية النبي ولد النبي.
  •  علي عاضد رسول الله.
  •  علي أمين رسول الله على وحيه.
  •  علي مولى من كان رسول الله مولاه.
  •  علي صاحب لواء رسول الله في المحشر.
  •  علي قاضي عداء رسول الله.
  •  علي الذائد عن حوض رسول الله.
  •  علي أبو هذه الأمة.
  •  علي صاحب حوض رسول الله.
  •  علي قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.
  •  علي ولي المؤمنين كل مؤمن بعد رسول الله.
  •  علي صفي رسول الله.
  •  علي حبيب رسول الله.
  •  علي سيد الأوصياء الوصيين.
  •  علي أفضل الوصيين.
  •  علي خاتم الأوصياء.
  •  علي خير الأوصياء الوصيين.
  •  علي إمام الأتقياء.
  •  علي وارث النبي.
  •  علي سيف الله.
  •  علي الهادي.
  •  علي أبو الأئمة الطاهرين.
  •  علي أقدم الناس سلما.
  •  علي وزير رسول الله في السماء والأرض.
  •  علي أحب الأوصياء إلى الله.
  •  علي أعظم أشرف الناس حسبا.
  •  علي أكرم الناس منصبا.
  •  علي أرحم الناس بالرعية.
  •  علي أعدل الناس بالسوية في الرعية.
  •  علي أبصر الناس بالقضية.
  •  علي ولي الله.
  •  علي ولي رسول الله في الدنيا والآخرة.
  •  علي ولي المؤمنين بعد رسول الله.
  •  علي المؤدي عن رسول الله.
  •  علي إمام كل مؤمن ومؤمنة.
  •  علي ولي كل مؤمن ومؤمنة.
  •  علي الآخذ بسنة رسول الله.
  •  علي الذاب عن ملة رسول الله.
  •  علي أولى الناس بعد رسول الله.
  •  علي أول الناس المؤمنين إيماناً.
  •  علي أوفى الناس المؤمنين بعهد الله.
  •  علي أقوم الناس بعهد الله.
  •  علي أقسم الناس المؤمنين بالسوية.
  •  علي أرأف الناس المؤمنين بالرعية.
  •  علي أعدل الناس في الرعية.
  •  علي أمين الله على سره.
  •  علي أعظم الناس عند الله مزية.
  •  علي سيد الأولين والآخرين ما خلا النبيين.
  •  علي قبلة العارفين.
  •  علي أول المسلمين الأصحاب إسلاماً.
  •  علي أقدم الأمة سلما إيماناً.
  •  علي أكثر الأمة علماً.
  •  علي أعظم الأمة أفضل الأمة.
  •  أوفر الأمة حلما أحلم الناس.
  •  علي أحسن الناس خلقاً.
  •  علي أعلم الأمة بالله.
  •  علي أول الناس ورودا على الحوض.
  •  علي آخر الناس عهدا برسول الله.
  •  علي أول الناس لقيا برسول الله.
  •  علي أشجع الناس قلباً.
  •  علي أسخى الناس كفاً.
  •  علي قسيم الجنة والنار.
  •  علي أصح الناس ديناً.
  •  علي أفضل الناس يقينا.
  •  علي أكمل الناس حلما.
  •  علي راية الهدى.
  •  علي منار الإيمان.
  •  علي إمام أولياء الله.
  •  علي نور جميع من أطاع الله.
  •  علي صاحب راية رسول الله يوم القيامة.
  •  علي أمين رسول الله.
  •  علي ثقة رسول الله.
  •  على مفاتيح خزائن رحمة الله.
  •  علي كبير الناس.
  •  علي نور أولياء الله.
  •  علي إمام من أطاع الله.
  •  علي أمين رسول الله في القيامة.
  •  علي صاحب حوض رسول الله.
  •  علي حبيب قلب رسول الله.
  •  علي مستودع مواريث الأنبياء.
  •  علي أمين الله على أرضه.
  •  علي حجة الله على بريته.
  •  علي ركن الإيمان.
  •  علي عمود الإسلام.
  •  علي مصباح الدجى.
  •  علي منار الهدى.
  •  علي العلم المرفوع لأهل الدنيا.
  •  علي الطريق الواضح.
  •  علي الصراط المستقيم.
  •  علي الكلمة التي ألزمها الله المتقين.
  •  علي أعلم المؤمنين بأيام الله.
  •  علي أعظم المؤمنين رزية.
  •  علي غاسل رسول الله.
  •  علي دافن رسول الله.
  •  علي المتقدم إلى كل شديدة وكريهة.
  •  علي أقوم الناس بأمر الله.
  •  علي الرءوف بالناس.
  •  علي الأواه.
  •  علي الحليم.
  •  علي أفضل الناس منزلة.
  •  علي أقرب الناس قرابة.
  •  علي أعظم الناس غنى.
  •  علي حجة رسول الله.
  •  علي باب الله.
  •  علي خليل الله.
  •  علي خليل رسول الله.
  •  علي سيف رسول الله.
  •  علي الطريق إلى الله.
  •  علي النباء العظيم.
  •  علي المثل الأعلى.
  •  علي إمام المسلمين.
  •  علي سيد الصديقين.
  •  علي قائد المسلمين إلى الجنة.
  •  علي أتقى الناس.
  •  أفضل الناس هذه الأمة.
  •  أعلم الناس.
  •  صالح المؤمنين.
  •  عالم الناس الدال.
  •  العابد.
  •  الهادي.
  •  المهدي.
  •  الفتى.
  •  المجتبى للإمامة.
  •  صاحب رسول الله في المقام المحمود.
  •  الملك في الآخرة.
  •  صاحب سر رسول الله.
  •  الأمين في أهل الأرض.
  •  الأمين في أهل السماء.
  •  محيي سنة رسول الله.
  •  ممسوس في ذات الله.
  •  أكمل الأمة يقينا.
  •  مقيم الحجة.
  •  حجة النبي على أمته يوم القيامة.
  •  علي شيخ المهاجرين والأنصار.
  •  لحم رسول الله ودمه وشعره.
  •  أبو السبطين.
  •  أبو الريحانتين.
  •  مفرج الكرب عن رسول الله.
  •  أسد الله في أرضه.
  •  سيف الله على أعدائه.
  •  حبيب الله.
  •  حامل راية رسول الله.
  •  صاحب لواء الحمد.
  •  أول من يدخل الجنة.
  •  أول من يقرع باب الجنة.
  •  رباني هذه الأمة.
  •  ديان العرب.
  •  ديان هذه الأمة.
  •  ذو قرني الجنة.
  •  عبقري أصحاب رسول الله.
  •  أمير البررة، وقاتل الفجرة، وقاتل الكفرة.
  •  الأخيشن الأخشن المخشوشن الأخشى في ذات الله.
  •  علي صهر رسول الله.
  •  خير البشر.
  •  خير الناس.
  •  خير الناس.
  •  خير الرجال.
  •  خير هذه الأمة بعد نبيها.
  •  خير من طلعت عليه الشمس وغربت بعد النبي.
  •  صاحب رسول الله في الجنة.
  •  أمير آيات القرآن.
  •  صاحب لواء رسول الله في الدنيا والآخرة.
  •  إمام البررة.
  •  رفيق رسول الله في الجنة.
  •  أحب الخلق إلى الله ورسوله.
  •  باب العلم.
  •  أحب الرجال إلى النبي.
  •  أقرب الناس من رسول الله.
  •  أجود الناس منزلة.
  •  أعظم الناس عند الله عناء.
  •  أعظم الناس على الله.
  •  علي قائد الأمة إلى الجنة.
  •  حجة الله على الناس بعد رسول الله.
  •  أمين رسول الله.
  •  الصديق.
  •  الشاهد.
  •  أقرب الناس إلى الجنة.
  •  قائد المؤمنين إلى الجنة.
  •  المهتدي.
  •  أبو اليتامى والمساكين.
  •  زوج الأرامل.
  •  ملجأ كل ضعيف.
  •  مأمن كل خائف.
  •  حبل الله المتين.
  •  العروة الوثقى.
  •  كلمة التقوى.
  •  عين الله.
  •  لسان الله الصادق.
  •  جنب الله.
  •  يد الله المبسوطة على عباده بالمغفرة والرحمة.
  •  علي باب الحطة.
  •  علي أول من صدق رسول الله.
  •  أول من وحد الله.
  •  باب علم رسول الله.
  •  باب مدينة العلم.
  •  أبو العترة الطاهرة الهادية.
  •  وارث علم النبيين.
  •  أحكم الناس حكما.
  •  حجة الله في أرضه بعد النبي.
  •  علي أمين رسول الله على حوضه.
  •  ولي كل مؤمن ومؤمنة كل مسلم ومسلمة.
  •  ولي من كان رسول الله وليه.
  •  خليفة الله على عباده.
  •  المبلغ من الله ورسوله.
  •  قاصم عداة رسول الله.
  •  خدن رسول الله...

وغيرها كثير ونكتفي بهذا القدر.
ويقيناً أن الكثير من الشيعة قد يدهش لوجود أمثال هذه الروايات عند أهل السنة وكيف أن الصورة التي رسمها ويرسمها لهم مشايخهم مختلفة بترديدهم الدائم  أن كتب أهل السنة خالية عن ذكر فضائل آل البيت رضي الله عنهم.
وإليك المزيد من مرويات فضائلهم من طرق أهل السنة، والروايات الآتية جميعما صحيحة السند..
     فعن أبي بكر رضي الله عنه قال : والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي([505]).
     وعنه أيضاً رضي الله عنه قال : ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته([506]).
     وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للحسن اللهم إني أحبه فأحبه وأحبب من يحبه([507]).
     وعنه أيضاً رضي الله عنه قال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه قال عمر بن الخطاب ما أحببت الإمارة إلا يومئذ قال فتساورت لها رجاء أن ادعى لها قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فأعطاه إياها([508]).
     وعن عقبة بن الحارث قال رأيت أبا بكر رضي الله عنه وحمل الحسن وهو يقول بأبي شبيه بالنبي ليس شبيه بعلي وعلي يضحك([509]).
وعن عبد اللَّه بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال النبي الله صلى الله عليه وسلم هما ريْحانتاي من الدنيا([510]).
     وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال أخرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم الحسن فصعد به المنبر فقال ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين([511]).
     وعن أسامة بن زيد قال كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأخذني والحسن فيقول اللهم إني أحبهما فأحبهما([512])   
     وعن البراء رضي الله عنه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي على عاتقه يقول اللهم إني أحبه فأحبه([513]).
و عن سعد بن أبي وقاص قال خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان فقال أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي([514]).
وعن زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفونيه ثم قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي فقال له حصين ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال وهم ؟ قال هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال كل هؤلاء حرم الصدقة ؟ قال نعم([515]).
 
وعلى أي حال ليست غايتنا هنا حصر كل ما جاء من طرق أهل  السنة  في فضائل آل البيت رضي الله عنهم، ففيما أوردناه كفاية لتحقيق المقصود.

روايات أهل البيت في فضائل الصحابة رضوان الله عليهم
ولم يكن حال بقية الأئمة رحمهم الله ورضي عنهم خلاف حال الأمير علي رضي الله عنه في حب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ومعرفة قدرهم وصدقهم كما مرَّ بك من روايات، وإليك المزيد :
فهذا الحسين رضي الله عنه يحتج على أعدائه يوم كربلاء ويأمرهم بسؤال من بقي من الصحابة رضوان الله عليهم ليخبروهم بفضله، حيث قال : وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، اسألوا جابر بن عبدالله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة - أي : قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في السبطين رضي الله عنهما : هذان سيدا شباب أهل الجنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي ولأخي([516]).
فهل رأى رضي الله عنه في هؤلاء كاتمين لفضائل أهل البيت رضي الله عنهم وهو يأمر أعداءه بسؤالهم؟!
ويقيناً أنه رضي الله عنه يستحضر وهو يقول هذا، قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه رضي الله عنهم إن ابني هذا يقتل بأرض العراق، فمن أدركه منكم فلينصره.([517])
فهل رآهم صلى الله عليه وآله وسلم جاحدين لفضله وأهل بيته رضي الله عنهم فيأمرهم بنصرته.
وهذا ولده زين العابدين عليه السلام يروي عنه سعيد بن مرجانة : كنت يوماً عند علي بن الحسين عليه السلام فقلت : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل إرب منها إرباً منه من النار حتى أنه ليعتق باليد اليد وبالرجل الرجل وبالفرج الفرج، فقال علي عليه السلام : أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد : نعم. فقال لغلام له أفره غلمانه - وكان عبد الله بن جعفر قد أعطاه بهذا الغلام ألف دينار فلم يبعه - : أنت حر لوجه الله تعالى([518]).
وهذا الصادق عليه السلام وقد سأله ابن حازم عن أصحاب رسول الله : صدقوا على محمد أم كذبوا؟ فيقول : بل صدقوا. قلت : فما بالهم اختلفوا؟ فقال : أما تعلم أن الرجل كان يأتي رسول الله فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيبه بعد ذلك بما ينسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديث بعضها البعض([519]).
ولعمري ما حاد قول أهل البيت رضي الله عنهم عن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة الوداع وفي مرض موته : ليبلغ الشاهد الغائب، وكذا قال في مرض موته صلى الله عليه وآله وسلم([520])
فلم يكن يراهم كذابين ويأمرهم بالتبليغ!!
وعندما كان من يدعي أنه من شيعة أهل البيت في الكوفة يشتمون أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد سأله أبو حنيفة رحمه الله، وقال : يا ابن رسول الله! لو أرسلت إلى أهل الكوفة فنهيتهم أن يشتموا أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإني تركت بها أكثر من عشرة آلاف يشتمونهم؟ فقال الصادق رحمه الله : لا يقبلون مني([521]).
ولعمري فقد صدق الصادق رحمه الله، فلا يزال أهل الكوفة هم أهل الكوفة إلى يومنا هذا.
وكيف يرضى بشتمهم وقد علم أن جده صلى الله عليه وآله وسلم نهى أصحابه عن سب أبي جهل وهو من هو، فقال : يأتيكم عكرمة مؤمناً مهاجراً فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ([522]).
وقال لأبيه : إن الله يا أبا جهل إنما دفع عنك العذاب لعلمه بأنه سيخرج من صلبك ذرية طيبة عكرمة ابنك([523]).
وعكرمة رضي الله عنه أسلم بعد فتح مكة، فهل كانت منزلة أبي جهل رأس الكفر كمنزلة الصديق والفاروق وذي النورين وبقية المهاجرين والأنصار والأصحاب؟!
وكيف يرضى بلعنهم وقد علم أن جده أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا لعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقب عند ذلك ثلاثة : الريح الحمراء، والخسف، والمسخ.. الحديث([524]).
وفي رواية : إذا لعن آخر هذه الأمة أولها فمن كان عنده علم فليظهره، فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على محمد.
وفي أخرى : إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كتم حديثا فقد كتم ما أنزل الله([525]).
فالأئمة كانوا يحبون أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم جميعاً، بل قد رووا فضائلهم وأثنوا عليهم، ودافعوا عنهم، ولكن من ينتسب إلى هؤلاء الأئمة هم الذين يسبون، ووضعوا في ذلك روايات ونسبوها إلى الأئمة، ولم يستجيبوا للأئمة في ترك السب لهوى في نفوسهم والله حسيبهم ومجازيهم.
وفي عجالة هذه بعض المرويات العامة في آحاد الصحابة ففيها مزيد من البيان لفضائلهم رضي الله عنهم أجمعين :
     عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن لكل نبي أمينا، وإن أميني أبو رافع([526]).
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله : معاشر الناس أحبوا موالينا مع حبكم لآلنا، هذا زيد بن حارثة وابنه أسامة من خواص موالينا فأحبوهما، فوالذي بعث محمدا بالحق نبيا لينفعكم حبهما ". قالوا : وكيف ينفعنا حبهما ؟ قال : إنهما يأتيان يوم القيامة عليا عليه السلام بخلق عظيم من محبيهما أكثر من ربيعة ومضر بعدد كل واحد منهم، فيقولان : يا أخا رسول الله هؤلاء أحبونا بحب محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وبحبك، فيكتب لهم علي عليه السلام جوازا على الصراط، فيعبرون عليه ويردون الجنة سالمين([527]).
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في زيد بن أرقم وقد عاده من مرض كان به : ليس عليك من مرضك بأس، ولكن كيف بك إذا عمرت بعدي فعميت ؟ قال : إذا أحتسب وأصبر، قال : إذا تدخل الجنة بغير حساب([528]).
     قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : دخلت الجنة فإذا على حافتيها بيوتي وبيوت أزواجي وإذا ترابها كالمسك فإذا جارية تنغمس في أنهار الجنة فقلت لمن أنت يا جارية ؟ فقالت لزيد ابن حارثة فبشرته بها حين أصبحت([529]).
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :...أخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل زيد فقتل، فرحم الله زيدا. ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فقاتل جعفر فقتل، فرحم الله جعفرا. ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل عبد الله بن رواحة فقتل فرحم الله عبد الله. قال : فبكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وهم حوله فقال : ما يبكيكم ؟ فقالوا : ما لنا لا نبكي وقد ذهب خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل منا. فقال : لا تبكوا، فإنما مثل أمتي كمثل حديقة قام عليها صاحبها فأصلح رواكيها وهيأ مساكبها. وحلق سعفها، فأطعمت عاما فوجا. ثم عاما فوجا، ثم عاما فوجا فلعل آخرها طعما أن يكون أجودها قنوانا. وأطولها شمراخا. والذي بعثني بالحق ليجدن ابن مريم في أمتي خلفا من حواريه([530]).
     عن ابن عباس في قوله : أول من يشفع يوم القيامة في أمته رسول الله وأول من يشفع في أهل بيته وولده أمير المؤمنين وأول من يشفع في الروم المسلمين صهيب وأول من يشفع في مؤمني الحبشة بلال([531]).
     أن عليا عليه السلام جاء في نفر من المسلمين نحو سلمان وأبي ذر والمقداد وبلال وخباب وصهيب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسخر بهم أبو جهل والمنافقون وضحكوا وتغمزوا ثم قالوا لأصحابهم : رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه، فأنزل الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ [المطففين : 29] السورة، فَالْيَوْمَ الَّذِينَ  يعني عليا وأصحابه مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين : 34]) يعني أبا جهل وأصحابه إذا رأوهم في النار وهم على الأرائك ينظرون. وفي رواية : عن ابن مسعود وابن عباس " إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا " يعني كفار قريش ومترفيهم كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأصحابهم " كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا " يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وآله مثل عمار وخباب وبلال وغيرهم " يَضْحَكُونَ " على وجه السخرية بهم والاستهزاء في دار الدنيا "([532]).
     وقف أمير المؤمنين عليه السلام على قبر خباب بن الأرت في ظهر الكوفة، وهو أول من دفن هناك فقال عليه السلام - في تأبينه - : رحم الله خبابا، لقد أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلي في جسمه أحوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا([533]).
     عن أبي عبد الله عليه السلام قال : من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب كان يوم القيامة في جوار محمد صلى الله عليه وآله وأزواجه([534]).
     إن الله عز وجل عرف نبيه أسماء أزواجه في دار الدنيا، وأسماء أزواجه في الآخرة، وأنهن أمهات المؤمنين، وأحد من سمى له زينب بنت جحش([535]).
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله ,وسلم : أم أيمن امرأة من أهل الجنة([536]).
     أن سعد بن عبادة الأنصاري أتاه عشية وهو صائم فدعاه إلى طعامه، ودعا معه علي بن أبي طالب عليه السلام، فلما أكلوا قال النبي صلى الله عليه وآله : نبي ووصي، يا سعد أكل طعامك الأبرار، وأفطر عندك الصائمون، وصلت عليكم الملائكة. فحمله سعد على حمار قطوف وألقى عليه قطيفة([537]).
     عن جعفر ابن محمد، عن أبيه عليهما السلام : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على سعد بن معاذ، فقال : لقد وافى من الملائكة للصلاة عليه تسعون ألف ملك، وفيهم جبرئيل يصلون عليه. فقلت : يا جبرئيل، بما استحق صلاتكم عليه ؟ قال : بقراءته قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص] قائما وراكبا وماشيا وذاهبا وجائيا([538]).
     أن النبي قال لسعد : اللهم سدد رميته وأجب دعوته، وذلك أنه كان يرمي، فيقال أنه تخلف يوم القادسية عن الوقعة لفترة عرضت له فقال فيه الشاعر :
ألم تر أن الله أظهر دينه   * وسعد بباب القادسية معصم
رجعنا وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهن أيم
فبلغ ذلك سعدا فقال : اللهم اخرس لسانه فشهد حربا فأصابته رمية فخرس من ذلك لسانه. ورأي سعد رجلا بالمدينة راكبا على بعير يشتم عليا عليه السلام فقال : اللهم إن كان هذا الشيخ وليا من أوليائك فأرنا قدرتك فيه فنفر به بعير فألقاه فاندقت رقبته([539]).
     عن علي عليه السلام : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفدي رجلا بأبويه إلا سعدا، سمعته يقول : ارم سعد، فداك أبي وأمي([540]).
     أن أبا أيوب الأنصاري رئي عند خليج قسطنطينية فسئل عن حاجته، قال : أما دنياكم فلا حاجة لي فيها، ولكن إن مت فقدموني ما استطعتم في بلاد العدو، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يدفن عند سور القسطنطينية رجل صالح من أصحابي، وقد رجوت أن أكونه، ثم مات، فكانوا يجاهدون والسرير يحمل ويقدم([541]).
     لما أقبل أهل مؤتة تلقاهم النبي صلى الله عليه وآله فجعلت الصحابة يحثون عليهم التراب ويقولون : يا فرار فررتم عن سبيل الله، فقال صلى الله عليه وآله : ليسوا بفرار ولكنهم الكرار. وفي رواية : أنتم الكرار في سبيل الله([542]).
     عن العسكري عليه السلام : قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله : ما أعجب أمر هؤلاء الملائكة حملة العرش في كثرتهم وقوتهم وعظم خلقهم ؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هؤلاء مع قوتهم لا يطيقون حمل صحائف يكتب فيها حسنات رجل من أمتي، قالوا : ومن هو يا رسول الله لنحبه ونعظمه ونتقرب إلى الله بموالاته ؟ قال : سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عباد الله إنما يعرف الفضل لأهل الفضل أهل الفضل ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لسعد : أبشر فإن الله يختم لك بالشهادة ويهلك بك أمة من الكفرة ويهتز عرش الرحمان لموتك ويدخل بشفاعتك الجنة مثل عدد شعور حيوانات بني كلب([543]).
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عباد الله هذا سعد بن معاذ من خيار عباد الله آثر رضى الله على سخط قراباته وأصهاره من اليهود، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر([544]).
     عن الصادق عليه السلام  قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن سعد بن معاذ قد مات. فقام صلى الله عليه وآله وسلم وقام أصحابه معه فأمر بغسل سعد وهو قائم على عضادة الباب، فلما أن حنط وكفن وحمل على سريره، تبعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا حذاء ولا رداء، ثم كان يأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة حتى انتهى به إلى القبر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحده وسوى اللبن عليه وجعل يقول : ناولوني حجرا، ناولوني ترابا رطبا، يسد به ما بين اللبن، فلما أن فرغ وحثا التراب عليه وسوى قبره، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني لأعلم أنه سيبلى ويصل البلى إليه، ولكن الله يحب عبدا إذا عمل عملا أحكمه. فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورجع الناس، فقالوا له : يا رسول الله، لقد رأيناك صنعت على سعد ما لم تصنعه على أحد، إنك تبعت جنازته بلا رداء ولا حذاء ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إن الملائكة كانت بلا رداء ولا حذاء، فتأسيت بها، قالوا : وكنت تأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة ؟ قال : كانت يدي في يد جبرئيل عليه السلام آخذ حيث يأخذ.([545]).
     إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج في جنازة سعد وقد شيعه سبعون ألف ملك([546]).
     عن أبي عبد الله عليه السلام قال : كان البراء بن معرور الأنصاري بالمدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة، والمسلمون يصلون إلى بيت المقدس فأوصى إذا دفن ان يجعل وجهه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فجرت فيه السنة ونزل به الكتاب. وفي رواية : وأنه أوصى بثلث ماله فنزل به الكتاب وجرت به السنة([547]).
     عن أبي عبد الله عليه السلام قال : كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجل يقال له : ذو النمرة وكان من أقبح الناس وإنما سمي ذو النمرة من قبحه فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله أخبرني ما فرض الله عز وجل علي فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فرض الله عليك سبعة عشر ركعة في اليوم والليلة وصوم شهر رمضان إذا أدركته والحج إذا استطعت إليه سبيلا والزكاة وفسرها له، فقال : والذي بعثك بالحق نبيا ما أزيد ربي على ما فرض علي شيئا، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ولم يا ذا النمرة فقال : كما خلقني قبيحا قال : فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله : إن ربك يأمرك أن تبلغ ذا النمرة عنه السلام وتقول له : يقول لك ربك تبارك وتعالى : أما ترضى أن أحشرك على جمال جبرئيل عليه السلام يوم القيامة ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا ذا النمرة هذا جبرئيل يأمرني أن أبلغك السلام ويقول لك ربك : أما ترضى أن أحشرك على جمال جبرئيل ؟ فقال : ذو النمرة فإني رضيت يا رب فوعزتك لأزيدنك حتى ترضى([548]).
     عن الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اشترى فرسا من أعرابي فأعجبه فقام أقوام من المنافقين حسدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما أخذ منه فقالوا للأعرابي : لو تبلغت به إلى السوق بعته بأضعاف هذا فدخل الأعرابي الشره فقال، ألا أرجع فأستقيله ؟ فقالوا : لا ولكنه رجل صالح فإذا جاءك بنقدك فقل : ما بعتك بهذا فإنه سيرده عليك فلما جاء النبي صلى الله عليه وآله أخرج إليه النقد فقال : ما بعتك بهذا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : والذي بعثني بالحق لقد بعتني بهذا فقام خزيمة بن ثابت فقال يا أعرابي أشهد لقد بعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الثمن الذي قال : فقال الأعرابي : لقد بعته وما معنا من أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لخزيمة : كيف شهدت بهذا ؟ فقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي تخبرنا عن الله وأخبار السماوات فنصدقك ولا نصدقك في ثمن هذا فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهادته شهادة رجلين فهو ذو الشهادتين([549]).
     عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال " بشر قاتل ابن صفية بالنار "([550]).
     ولما جاءه ابن جرموز برأس الزبير وسيفه تناول سيفه وقال عليه السلام : سيف طال ما جلى به الكرب عن وجه رسول الله. وفي رواية : طالما جلد به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([551]).
     تهيأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رجب لغزو الروم، وكتب إلى قبائل العرب ممن قد دخل في الإسلام وبعث إليهم الرسل يرغبهم في الجهاد والغزو، وكتب إلى تميم وغطفان وطي، وبعث إلى عتاب بن أسيد عامله على مكة يستنفرهم لغزو الروم. فلما تهيأ للخروج قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ورغب في المواساة وتقوية الضعيف والإنفاق، فكان أول من أنفق فيها عثمان بن عفان جاء بأواني من فضة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجهز ناسا من أهل الضعف، وهو الذي يقال إنه جهز جيش العسرة. وقدم العباس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنفق نفقة حسنة وجهز، وسارع فيها الأنصار، وأنفق عبد الرحمن والزبير وطلحة، وأنفق ناس من المنافقين رياء وسمعة، فنزل القرآن بذلك([552]).
     وعن العسكري : قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله : ما أعجب أمر هؤلاء الملائكة حملة العرش في كثرتهم وقوتهم وعظم خلقهم ؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هؤلاء مع قوتهم لا يطيقون حمل صحائف يكتب فيها حسنات رجل من أمتي، قالوا : ومن هو يا رسول الله لنحبه ونعظمه ونتقرب إلى الله بموالاته ؟ قال : سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عباد الله إنما يعرف الفضل لأهل الفضل أهل الفضل ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لسعد : أبشر فان الله يختم لك بالشهادة ويهلك بك أمة من الكفرة ويهتز عرش الرحمان لموتك ويدخل بشفاعتك الجنة مثل عدد شعور حيوانات بني كلب([553]).
والحق : أن هذه المسألة يطول فيها الكلام، ولو ذهبنا إلى إيراد كل ما ورد في فضل الصحابة رضي الله عنهم من كتب الشيعة لطال بنا المقام، ولكن فيما أوردناه في هذه العجالة كفاية لمن شرح الله صدره.

عقيدة الشيعة في الصحابة رضي الله عنهم
والآن.. وبعد أن عشنا كل هذه اللحظات المفعمة بالحب والثناء المتبادل بين الآل والأصحاب رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، نأتي إلى السؤال الجدير بالطرح هنا وهو : ما موقف القوم وهم يدعون اتباعهم لأهل البيت رحمهم الله من تلك الروايات، وكلها من طرق الأئمة، وثابتة في مصنفاتهم، وقد رأيت أنها تخالف عقيدتهم في الصحابة؟
وستقف عزيزي القارئ هنا على حقيقة هامة وهي : أن التشيع شيء والرفض شيء آخر، وقد عزمت إن شاء الله تعالى إن كان في العمر بقية أن أصنف كتاباً في هذا الشأن، اخترت له اسم : "أئمة أهل البيت وأئمة الرافضة صورتان متضادتان"، وسيقف فيه القارئ على حقيقة : أن جل ما في أيدي الشيعة اليوم ليس له صلة بأئمة أهل البيت رحمهم الله، وإنما هو من وضع أئمة الرافضة، ونسبت زوراً إلى أهل البيت رحمهم الله.
وقبل أن نجيب على موقف الشيعة -ونقصد هنا تحديداً الرافضة- عن موقفهم من هذه الروايات نبين بإيجاز نتفاً من هذه العقيدة حتى تتضح الصورة، وندع الروايات هي التي تتكلم :
أول هذه الروايات التي وضعوها ونسبوها إلى الأئمة تذكر أن الصحابة رضوان الله عليهم قد ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يبق إلا علي وبنو هاشم وأبو ذر وسلمان في أناس نزر([554]).
ثم جاءت روايات أخرى استثنت الكثير ممن في الرواية السابقة، فنسبوا إلى الصادق عليه السلام أنه قال : الولاية للمؤمنين الذين لم يغيروا ولم يبدلوا بعد نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم واجبة، مثل : سلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود الكندي، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبدالله الأنصاري، وحذيفة بن اليمان، وأبي الهيثم بن التيهان، وسهل بن حنيف، وأبي أيوب الأنصاري، وعبدالله بن الصامت، وعبادة بن الصامت، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وأبي سعيد الخدري، ومن نحا نحوهم وفعل مثل فعلهم([555]).
وعزَّ على آخرين أن يروا هذا العدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يرتد، فجعلوهم أربعة، فرووا عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن الناس ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير أربعة، وحددوا هؤلاء الأربعة بالمقداد بن الأسود، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر([556]).
ثم أسقطوا عمار بن ياسر رضي الله عنه فرووا عن الباقر عليه السلام أنه قال : كان الناس أهل ردة. وفي رواية : ارتد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ثلاثة، فقال الراوي : ومن الثلاثة؟ قال : المقداد، وأبو ذر، وسلمان الفارسي. وفي رواية : عن الصادق قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ارتد الناس كفاراً إلا ثلاثاً : سلمان، والمقداد، وأبوذر([557]).
وعن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قبض صار الناس كلهم أهل جاهلية إلا أربعة : علي، والمقداد، وسلمان، وأبو ذر. فقلت : فعمار؟ فقال : إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فهؤلاء الثلاثة([558]).
ولا أدري أين ذهب الحسن والحسين وفاطمة وبقية أهل البيت عليهم السلام؟!
وعن المفضل قال : عرضت على أبي عبدالله أصحاب الردة، فكلما سميت إنساناً. قال : اعزب. حتى قلت : حذيفة؟ قال : اعزب. قلت : ابن مسعود؟ قال : اعزب. ثم قال : إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فعليك بهؤلاء الثلاثة : أبي ذر، وسلمان، والمقداد([559]).
وعن حمران بن أعين قال : قلت لأبي جعفر : جعلت فداك! ما أقلنا! لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها. فقال : ألا أحدثك بأعجب من ذلك؟ المهاجرين والأنصار ذهبوا. إلا وأشار بيده ثلاثة فقلت : جعلت فداك! ما حال عمار؟ قال : رحم الله عماراً أبا اليقظان! بايع وقتل شهيداً، فقلت في نفسي : ما شيء أفضل من الشهادة؟ فنظر إليَّ، فقال : لعلك ترى أنه مثل الثلاثة، هيهات، هيهات([560]).
أقول : لعل سبب ذلك أنه رضي الله عنه كثيراً ما كان يردد : غداً ألقى الأحبة، محمداً وصحبه، وفي لفظ : وحزبه([561]). فشطب اسمه من قائمة غير المرتدين.
ثم أسقط الجميع سوى المقداد، فرووا عن الباقر أنه قال : إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد.
وفي رواية : ما بقي أحد إلا وقد جال جولة، إلا المقداد بن الأسود فإن قلبه كان مثل زبر الحديد([562]).
ولعل سبب إسقاطهم لسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري رضي الله عنهما أيضاً، أنهما كانا يتوليان أبا بكر وعمر رضي الله عنهما،  فحسب الأول أنه كان والياً للفاروق رضي الله عنه على المدائن([563])، وكان يردد كشأن عمار : غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه.
أما الآخر فقد مرَّ بك طرف من قوله لعثمان رضي الله عنه : اتبع سنة صاحبيك لا يكن لأحد عليك كلام.
وفي رواية : أما رأيت رسول الله ورأيت أبا بكر وعمر، هل هديك كهديهم؟ فدفعا ثمن ذلك بأن أسقطهم القوم من قائمة المؤمنين فألحقوهم بالمرتدين
أما القوم فيذكرون أن سبب ذلك ما رووه عن الصادق عليه السلام أنه قال : إن سلمان كان منه إلى ارتفاع النهار، فعاقبه الله أن وجئ في عنقه حتى صيرت كهيئة السَّلعة حمراء، وأبو ذر كان منه إلى وقت الظهر، فعاقبه الله إلى أن سلَّط عليه عثمان حتى حمله على قتب وأكل لحمة إليته وطرده عن جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأما الذي لم يتغير منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى فارق الدنيا طرفة عين فالمقداد بن الأسود([564]).
ومن يدري فلعل هناك رواية أسقطته أيضاً ولم نقف عليها.
ولا يختلف هذا الأمر عند الشيعة المعاصرين، وقد ذكرنا بعضاً من ذلك في كتابنا : التقية الوجه الآخر)، والبحث في هذا طويل وقد جمعنا في هذا الباب آلاف الأدلة والشواهد على عقيدة الشيعة في الصحابة، وستجده - إن شاء الله تعالى - في كتابنا : (تسديد الإصابة لمن أنكر طعن الشيعة وتكفيرهم للصحابة)، ضمن سلسلة الحقائق الغائبة، ولكن لا بأس من ذكر قول أو أكثر لبعض المعاصرين لمناسبة المقام.
يقول محمد رضا المظفر : مات النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا بدَّ أن يكون المسلمون كلهم، لا أدري الآن قد انقلبوا على أعقابهم. ([565])
ويقول نور الله التستري : جاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهدى خلقاً كثيراً، لكنهم بعد وفاته ارتدوا على أعقابهم.([566])
ويقول آخر : فكشف الله تعالى برسوله طريق الحق وأوضح لهم نهج الصدق، فأسلم القليل شوقا إلى نور الأنوار، أو خوفا من دخول النار، واستسلم الكثير رغبة في جاه الرسول المختار؛ لما سمعوا في ذلك عن راهبيهم من الأخبار، أو رهبة عن اعتضاده بصاحب ذي الفقار، والذين معه أشداء على الكفار فداموا مجبولين على توشح النفاق وترشح الشقاق. يتبسم في كل وقت ثغورهم، والله يعلم ما تكن صدورهم([567]).
ويقول حسن الخرساني : أن لعن الشيعة للصحابة أسوة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واقتفاء لأثره.. وإنهم مطرودين من الحضرة النبوية وملعونين من الله على لسان سفيره([568]).
ويقول محمد الوصيدي : إن حديث ارتداد الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأحاديث المتواترة، ووجهه : أن إنكار ضروري الدين والمذهب يوجب الإرتداد، فلما كانت الإمامة والخلافة أصلاً من أصول الدين، ومما آتاه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالقطع، فمن ردّ على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأنكر ماجاء به يكون مرتداً بإجماع المسلمين. وهذا معنى ارتداد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا الثلاثة المذكورة([569]).

روايات عن أئمة أهل البيت ترد عقيدة الشيعة في ردة الصحابة رضوان الله عليهم
الطريف أن من تناقضات القوم التي لا تنتهي أنهم أوردوا روايات تناقض روايات الارتداد، منها عامة وأخرى خاصة، وقبل الشروع في ذكر الروايات العامة، نورد  نماذج في تلك الخاصة التي جاءت في آحاد الصحابة رضي الله عنهم.
فمن الروايات التي ذكرت ردة الصحابة رضي الله عنهم مثلاً ما مر ذكره من رواية المفضل الذي قال فيها : عرضت على أبي عبدالله أصحاب الردة، فكلما سميت إنساناً. قال : اعزب. حتى قلت : حذيفة؟ قال : اعزب. قلت : ابن مسعود؟ قال : اعزب. ثم قال : إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فعليك بهؤلاء الثلاثة : أبي ذر، وسلمان، والمقداد.
فقد أورد القوم ما يضاد هذه الرواية، حيث ذكروا :
     والولاية للمؤمنين الذين لم يغيروا و لم يبدلوا بعد نبيهم صلى الله عليه وآله واجبة مثل حذيفة بن اليمان([570]).
     وعن أبي جعفر عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين : خلقت الأرض لسبعة، بهم يرزقون وبهم ينصرون وبهم يمطرون، منهم : سلمان الفارسي والمقداد وأبو ذر وعمار وحذيفة. وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام([571]).
     أما الروايات العامة فهاك امثلة عليها :
منها رواية الكافي عن الباقر عليه السلام أنه قال : إن الناس لما صنعوا ما صنعوا إذ بايعوا أبا بكر لم يمنع أمير المؤمنين من أن يدعو إلى نفسه إلا نظره للناس، وتخوفاً عليهم أن يرتدوا عن الإسلام، فيعبدوا الأوثان، ولا يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وكان أحب إليه أن يقرهم على ما صنعوا من أن يرتدوا عن الإسلام([572]).
    وقوله رضي الله عنه : لولا مخافة الفرقة بين المسلمين وأن يعود الكفر ويبور الدين لكنا على غير ما كنا لهم عليه فولي الأمر ولاة لم يألوا الناس خيرا([573]).
وقوله رضي الله عنه في الكتاب الذي أرسله مع مالك بن الأشتر إلى أهل مصر : أما بعد. فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم نذيراً للعالمين، ومهيمناً على المرسلين، فلما مضى عليه السلام تنازع المسلمون الأمر من بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده عن أهل بيته، ولا إنهم منحوه عني من بعده، فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه([574]).
وقوله رضي الله عنه : بايع الناس أبا بكر وأنا والله أولى بالأمر وأحق به منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف. ثم بايع أبو بكر لعمر وأنا والله أحق بالأمر منه فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفارا([575]).
    وقوله رضي الله عنه : لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم استأثرت علينا قريش بالأمر ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم والناس حديثو عهد بالإسلام والدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى وهن ويعكسه أقل خلق فولي الأمر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا ثم انتقلوا إلى دار الجزاء والله يتولى تمحيص سيئاتهم والعفو عن هفواتهم([576]).
    وقوله رضي الله عنه : قد جرت أمور صبرنا عليها وفى أعيننا القذى تسليما لأمر الله تعالى فيما امتحننا به ورجاء الثواب على ذلك وكان الصبر عليها أمثل من أن يتفرق المسلمون وتسفك دماءهم([577]).
    وقوله رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وآله قبض وأنا أولى الناس به وبالناس من بعده ؟ قلنا اللهم نعم قال فعدلتم عني وبايعتم أبا بكر فأمسكت ولم أحب أن أشق عصا المسلمين وأفرق بين جماعاتهم([578]).
    وقوله رضي الله عنه والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين([579]).
    وعن جعفر بن محمد، عن أبيه : أن عليا عليه السلام كان يدعو على الخوارج فيقول في دعائه : " اللهم رب البيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور، والكتاب المسطور. أسألك الظفر على هؤلاء الذين نبذوا كتابك وراء ظهورهم، وفارقوا أمة أحمد عليه السلام عتوا عليك "([580]).
وعنه أيضا عليه السلام وقد سئل : ما منع أمير المؤمنين أن يدعو الناس إلى نفسه ويجرد في عدوه سيفه؟ فقال : تخوف أن يرتدوا ولا يشهدوا أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم([581]).
وروى الطوسي : أن الأشعث بن قيس ارتد وأناس من العرب لما مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا : نصلي، ولا نؤدي الزكاة؟ فأبى عليهم أبو بكر ذلك وقال : لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أنقصكم شيئاً مما أخذ منكم نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ولأجاهدنكم، ولو منعتموني عقالا مما أخذ منكم نبي لجاهدتكم عليه، ثم قرأ : $tBur JptèC žwÎ) ×Aqߙu‘ ô‰s% ôMn=yz `ÏB Ï&Î#ö7s% ã@ߙ”9$# [آل عمران : 144] حتى فرغ من الآية، فتحصن الأشعث بن قيس هو وأناس من قومه في حصن وقال الأشعث : اجعلوا لسبعين منا أماناً، فجعل لهم، ونزل بعد سبعين ولم يدخل نفسه فيهم. فقال له أبو بكر : إنه لا أمان لك إنا قاتلوك([582]).
وذكر ابن طاووس أن الإسلام لم يلبث بعد فوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طوايف العرب إلا في أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطائف، وارتد سائر الناس ثم قال : ارتدت بنو تميم والرباب واجتمعوا على مالك بن نويرة اليربوعي، وارتدت ربيعة كلها وكانت لهم ثلاثة عساكر : عسكر باليمامة مع مسيلمة الكذاب، وعسكر مع معرور الشيباني، وفيه بنو شيبان وعامة بكر بن وايل، وعسكر مع الحطيم العبدي، وارتد أهل اليمن : ارتد الأشعث بن قيس في كندة، وارتد أهل مأرب مع الأسود العنسي، وارتدت بنو عامر إلا علقمة بن علاثة([583]).
بل أن كتب القوم مليئة بالروايات الدالة على إيمان الصحابة كفرادى ومجموع رضي الله عنهم وحرصهم على الإسلام وتطبيق تعاليمة والدعوة إليه. نورد بعضاً منها فهي تتحدث عن نفسها :
     قال رجل من اليهود : إنني من ولد داود على دين اليهودية، وقد جئت لأسأل عن أربعة أحرف فإن خبرت بها أسلمت. فقالوا له : انتظر قليلا، وأقبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من بعض أبواب المسجد، فقالوا له : عليك بالفتى([584]).
     عن عبد الله بن عباس قال : قدم يهوديان أخوان من رؤساء اليهود بالمدينة فقالا : يا قوم إن نبينا حدثنا عنه أنه قد ظهر نبي بتهامة يسفه أحلام اليهود، ويطعن في دينهم، ونحن نخاف أن يزيلنا عما كان عليه آباؤنا فأيكم هذا النبي فإن يكن الذي بشر به داود آمنا به واتبعناه، وإن لم يكن يورد الكلام على ائتلافه ويقول الشعر ويقهرنا بلسانه جاهدناه بأنفسنا وأموالنا فأيكم هذا النبي ؟ فقال المهاجرون والأنصار : إن نبينا صلى الله عليه وآله قد قبض، فقالا : الحمد لله فأيكم وصيه فما بعث الله عز وجل نبيا إلى قوم إلا وله وصي يؤدي عنه من بعده ويحكي عنه ما أمره ربه فأومأ المهاجرون والأنصار إلى أبى بكر فقالوا : هو وصيه فقالا لأبي بكر : إنا نلقي عليك من المسائل ما يلقى على الأوصياء ونسألك عما تسأل الأوصياء عنه، فقال لهما أبو بكر : ألقيا ما شئتما أخبركما بجوابه إن شاء الله.. إلى أن قال : فبقي أبو بكر لا يرد جوابا وتخوفنا أن يرتد القوم عن الإسلام، فأتيت منزل علي بن أبي طالب عليه السلام فقلت له : يا علي إن رؤساء اليهود قد قدموا المدينة وألقوا على أبي بكر مسائل فبقي أبو بكر لا يرد جوابا([585]).
     دخل يهودي في زمن خلافة أبي بكر عليه فقال : أني أسألك عن أشياء، قال : اسأل عما بدا لك، وعما تريد. قال له اليهودي : أخبرني عما ليس لله، وعما ليس عند الله، وعما لا يعلمه الله. قال أبو بكر : هذه مسائل الزنادقة يا يهودي، قال : فعند ذلك هم المسلمون بقتل اليهودي.. فجاء علي عليه السلام فقال له أبو بكر يا أبا الحسن إن هذا اليهودي سألني عن مسائل الزنادقة.. القصة([586]).
     وفد وفد من بلاد الروم إلى المدينة على عهد أبي بكر وفيهم راهب من رهبان النصارى فقال : أنا من بلاد الروم جئت مسألة إن أجابني عنها أسلمت، فقال له أبو بكر : سل عما بدا لك. فقال الراهب : والله لا أفتح الكلام ما لم تؤمني من سطوتك وسطوة أصحابك فقال أبو بكر : أنت آمن، وليس عليك بأس، قل ما شئت. فقال الراهب : أخبرني عن شئ : ليس لله، ولا من عند الله، ولا يعلمه الله. فارتعش أبو بكر... فقال : يا عدو الله لولا العهد لخضبت الأرض بدمك([587]).
     - وفد الأسقف البحراني على عمر بن الخطاب لأجل أدائه الجزية فدعاه عمر إلى الإسلام فقال له الأسقف أنتم تقولون إن الله جنة عرضها السماوات والأرض فأين تكون النار قال فسكت عمر ولم يرد جوابا فقال له الجماعة الحاضرين أجبه يا أمير المؤمنين حتى لا يطعن في الإسلام.. فدخل علي عليه السلام فضج الناس عند رؤيته فقام عمر بن الخطاب والجماعة على أقدامهم وقال يا مولاي أين كنت عن هذا الأسقف الذي قد علانا منه الكلام؟ أخبره يا مولانا إنه يريد الإسلام([588]).
     وعلى ذكر عمر رضي الله عنها فكتب القوم مشحونة بمايدل على نقض مسألة الإرتداد في شأنه. منها :
     - عن الباقر عليه السلام قال : ولى عمر رجلا كورة من الشام فافتتحها، وإذا أهلها أسلموا، فبنى لهم مسجدا... الرواية([589]).
     - أتى قوم من اليهود عمر بن الخطاب وهو يومئذ وال على الناس فقالوا : أنت والي هذا الأمر بعد نبيكم. وقد أتيناك نسألك عن أشياء إن أنت أخبرتنا بها آمنا وصدقنا واتبعناك... فقال : سألتم عمر بن الخطاب عما ليس له به علم ولكن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله يخبركم بما سألتموني عنه، فأرسل إليه فدعاه فلما أتاه قال له : يا أبا الحسن إن معاشر اليهود سألوني عن أشياء لم أجبهم فيها بشيء وقد ضمنوا لي إن أخبرتهم أن يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم([590]).
     قال عمر لنصراني آمن هو وأصحابه : الحمد لله الذي هداك أيها الرجل إلى الحق وهدى من معك إليه([591]).
     إن الأشعث ابن قيس نكح المستعيذة في زمان عمر فهم برجمها فأخبر أن النبي صلى الله عليه وآله فارقها قبل أن يمسها فخلاها([592]).
     وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : مر عمر بن الخطاب على الحجر الأسود فقال والله يا حجر إنا لنعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع إلا أنا رأينا رسول الله صلى الله عليه وآله يحبك فنحن نحبك، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام كيف يا بن الخطاب فوالله ليبعثنه الله يوم القيامة وله لسان وشفتان فيشهد لمن وافاه وهو يمين الله في أرضه يبايع بها خلقه، فقال عمر : لا أبقانا الله في بلد لا يكون فيه علي بن أبي طالب. في رواية : أنه قبل الحجر ثم قال : والله لقد علمت أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبلك ما قبلتك وقرأ لقد كان لكم في رسول الله صلى الله عليه وآله أسوة حسنة فقال له علي عليه السلام بلى إنه يضر وينفع، إن الله لما أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في ورق وألقمه الحجر، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يؤتى بالحجر الأسود يوم القيامة وله لسان يشهد لمن قبله بالتوحيد، فقال : لا خير في عيش قوم لست فيهم يا أبا الحسن، أو لا أحياني الله لمعضلة لا يكون فيها ابن أبي طالب حيا، وأعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن([593]).
     والرواية أيضا شاهدة على العلاقة بينهما رضي الله عنهما، حيث قربهما من بعض في حضرهما وسفرهما وسائر أمورهما. مما يأكد إستيزاره لهم رضي الله عنهم أجميعن، وهذا مصداقاً لقوله عليه السلام : أنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا([594]).
     بل أن أمر مشاورتهم له ومصاحبته لهم كانت معروفة، فقد روى القوم عن شريح بن هاني الحارثي : أن عليا عليه السلام أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص - إلى أن قال : - فبلغ عمرا شريح ذلك فتمعر وجه عمرو بن العاص، ثم قال : متى كنت أقبل مشورة علي وأنتهي إلى أمره أو أعتد برأيه ؟ فقال له شريح : وما يمنعك يا ابن النابغة ! أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته ؟ فقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر يستشيرانه ويعملان برأيه([595]).
     وإليك أخرى لصحبته لهم رضي الله عنهم أجميعن:...قدم عمر بن الخطاب حاجا، ومعه طائفة من المهاجرين والأنصار فيهم علي بن أبي طالب عليه السلام.. الرواية([596]).
     ولم يقتصر الأمر على الصحبة بل على إقامة الحد عليه إن خرج عن الدين.
فقد روي أن عمر بن الخطاب خط يوماً فقال : لو صرفناكم عما تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين ؟ فقام علي عليه السلام فقال : إذا كنا نستتيبك، فإن تبت قبلناك، قال : وإن لم أتب ؟ قال : إذا نضرب الذي فيه عيناك، فقال : الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من إذا اعوججنا أقام أودنا([597]).
عدنا..
    أما في حياته صلى الله عليه وآله وسلم فحدث ولا حرج من عدد الروايات عند القوم في حرص عمر رضي الله عنه على الإسلام، ولا بأس من ذكر بعضها.
     فعن الصادق عليه السلام قال : حدثني أبي محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله، قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنا من جانب وعلي أمير المؤمنين عليه السلام من جانب، إذ أقبل عمر بن الخطاب ومعه رجل قد تلبب به، فقال : ما باله ؟ قال : حكى عنك يا رسول الله، أنك قلت : من قال " لا إله إلا الله محمد رسول الله " دخل الجنة، وهذا إذا سمعه الناس فرطوا في الأعمال، أفأنت قلت ذلك، يا رسول الله ؟ قال : نعم..الرواية([598]).
     وكان كثيرأ ما يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بضرب أعناق المنافقين، والروايات في هذا كثيرة، منها..فقام عمر بن الخطاب وقال : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله : وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فغفر لهم، فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وقام رجل فقال : اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا في أصحاب له، وإن أصحابا لهذا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. فقال عمر بن الخطاب... دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ([599]).
وغيرها كثير وكلها تعارض روايات الردة كشأن جل عقائد القوم. وصدق شيخ طائفتهم الطوسي عندما قال : لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا، وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا([600]).
نعود إلى تساؤلنا السابق، وهو أن ما أوردناه يتعارض مع دعوى القوم ومعتقدهم في صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهل وقف القوم أمام هذه الروايات وعشرات أمثالها موقف المتفرج؟!
لا شك أن الكثير من بسطاء الشيعة قد يدهشون من وجود أمثال هذه الروايات وهي صريحة الدلالة على إيمان الصحابة رضوان الله عليهم وفضلهم، وقد كانت لي مواقف مع بعضهم ممن استغرب وجود أمثال تلك المرويات في بطون كتبهم، وهي تتعارض مع الصورة المشوهة التي رسمها لهم علماؤهم، حتى يتسنى لهم إظهار مذهبهم بالصورة التي يريدونها، حتى بلغ بهم الأمر أن خشي هؤلاء العلماء مع تعاقب الأزمنة أن يذكروا كل تلك الفضائل أو يتعرضوا لها.
بل كان العكس، فلا يزال الكثير من علماء الشيعة - إن لم نقل أكثرهم - أشبه بالذباب الذي يتتبع مواطن الجرح ويدع مواطن البرء، فلا يزال الكثير منهم يبحث في مزابل التاريخ عن روايات موضوعة واهية لمن له أدنى دراية بعلم الحديث ليظهرها للغافلين أو المغفلين من بني جلدته، أو ينتقي من تلك الروايات التي تتحدث عما شجر بينهم من خلاف محمود ليظهرها بالشكل الذي يريد، وهي أبعد ما تكون عن الحقيقة.
ولكن لن تسمع منهم من يملك الجرأة وهو على المنبر ليذكر شيئاً مما ذكرناه، لا أقل من عند ذكرهم للمصيبة أيام عاشوراء، أن ممن قتل مع الحسين رضي الله عنه أبو بكر بن علي، وعمر بن علي، وعثمان بن علي، وأبو بكر بن الحسن، وعمر بن الحسن... وهكذا؛ لأنه يعرف تماماً ما ستثيره هذه الأسماء لو ذكرت - مثلاً - عند ذاك الجالس تحت منبره، وقد رضع الحقد لهؤلاء العظماء.
وعلى أي حال لسنا بصدد تحليل هذه المسائل، وإنما ذكر موقف القوم من هذه الفضائل.
أقول : لم يقف القوم مكتوفي الأيدي أمام كل هذا؛ بل كانت لهم ردود وتأويلات، وكثيراً من تلك الروايات التي اوردناها تحمل في ذاتها نصوص ردها من خلال زيادات أضافوها في المتون نفسها لصرف ما جاء فيها من فضائل، ولكننا نقلنا موضع الشاهد منها وتركنا تأويلاتهم وردودهم حيث أننا سنذكر بعضاً منها هنا.
 فأما ما كان من فضائلهم في القرآن الكريم فقد علمت قولهم في ذلك من ادعاء التحريف والتغيير فيه، أو صرف آياته إلى ما يخدم غرضهم، حتى قالوا بحذف الصحابة رضوان الله عليهم لكل ما فيه من مدائح آل الرسول والأئمة الطاهرين وفضائح المنافقين وإظهار مساويهم([601]).
 ولا بأس من ذكر أمثلة قليلة على ذلك :
فمن الآيات التي تدل على فضائل الصحابة رضي الله عنهم، وقالوا فيها أنها محرفة : قوله تعالى : ﴿öNçGZä. uŽöyz >p¨Bé& ôMy_̍÷zé& Ĩ$¨Y=Ï9 tbrâßDù's? Å$rã÷èyJø9$$Î/ šcöqyg÷Ys?ur Ç`tã ̍x6ZßJø9$# tbqãZÏB÷sè?ur «!$$Î/ öqs9ur šÆtB#uä ã@÷dr& É=»tGÅ6ø9$# tb%s3s9 #ZŽöyz Nßg©9 ãNßg÷ZÏiB šcqãYÏB÷sßJø9$# ãNèdçŽsYò2r&ur tbqà)Å¡»xÿø9$#ÇÊÊÉÈ [آل عمران : 110]. فعن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لقارئ هذه الآية : خير أمة يقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين بن علي عليه السلام؟ فقيل له : وكيف نزلت يا بن رسول الله؟ فقال إنما نزلت : كنتم خير أئمة أخرجت للناس([602]).
ومنها : قولهم في قوله تعالى : ﴿y‰tãur ª!$# tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä óOä3ZÏB (#qè=ÏJtãur ÏM»ys΢Á9$# óOßg¨ZxÿÎ=øÜtGó¡uŠs9 ’Îû ÇÚö‘F{$# $yJŸ2 y#n=÷‚tGó™$# šúïÏ%©!$# `ÏB öNÎgÎ=ö6s% £`uZÅj3uKã‹s9ur öNçlm; ãNåksϊ ”Ï%©!$# 4Ó|Ós?ö‘$# öNçlm; Nåk¨]s9Ïd‰t7ãŠs9ur .`ÏiB ω÷èt/ öNÎgÏùöqyz $YZøBr& ÓÍ_tRr߉ç6÷ètƒ Ÿw šcqä.Ύô³ç„ ’Î1 $\«ø‹x©﴾ [النور : 55]. قالوا : إن الوعد بالاستخلاف في الآية متوجه إلى ذوي الإيمان ما في الباطن والظاهر، ومن تقدم على أمير المؤمنين عليه السلام ضال، فاقتضى خروجهم من حكم الآية([603]).
ومنها : قوله تعالى : ô‰s)©9﴿ š_ÅÌu‘ ª!$# Ç`t㠚úüÏZÏB÷sßJø9$# øŒÎ) štRqãè΃$t7ム|MøtrB Íotyf¤±9$# zNÎ=yèsù $tB ’Îû öNÍkÍ5qè=è% tAt“Rr'sù spuÅ3¡¡9$# öNÍköŽn=tã öNßgt6»rOr&ur $[s÷Gsù $Y6ƒÌs%ÇÊÑÈ [الفتح : 18]. وحيث أن أبا بكر وعمر وكثير ممن تابعهم ورضي بهم من جملة المبايعين باتفاق فيجب توجه الرضوان إليهم، وذلك يمنع من كفرهم، ويقتضي ثبوت إيمانهم وإمامتهم. فقالوا : إنه لا حجة لهم فيها؛ لجواز الكفر بعد الإيمان والسخط بعد الرضوان، فعلى هذا لو سُلَّم بتوجه الرضوان إلى المبايعين لم يمنع من السخط بما أحدثوه بعد البيعة من جحد النص، كما لم يمنع ذلك من فسق طلحة والزبير، وغيرهما من جملة المبايعين([604]).
والغريب أنهم يقولون : إن من مات على كفره فلا يجوز أن يكون قد سبق منه إيمان([605]).
ومنها : قوله تعالى : Ӊ£Jpt’C﴿ ãAqߙ§‘ «!$# tûïÏ%©!$#ur ÿ¼çmyètB âä!#£‰Ï©r& ’n?tã ͑$¤ÿä3ø9$# âä!$uHxq①öNæhuZ÷t/ öNßg1ts? $Yè©.①#Y‰£Úߙ tbqäótGö6tƒ WxôÒsù z`ÏiB «!$# $ZuqôÊ͑ur öNèd$yř ’Îû OÎgÏdqã_ãr ô`ÏiB ̍rOr& ϊqàf¡9$# y7ÏsŒ öNßgè=sVtB ’Îû Ïp1u‘öq­G9$# ö/àSè=sVtBur ’Îû ÈÅgUM}$# ?íö‘t“x. ylt÷zr& ¼çmt«ôÜx© ¼çnu‘y—$t«sù xán=øótGó™$$sù 3“uqtFó™$$sù 4’n?tã ¾ÏmÏ%qߙ Ü=Éf÷èムtí#§‘–“9$# xáŠÉóu‹Ï9 ãNÍkÍ5 u‘$¤ÿä3ø9$# y‰tãur ª!$# tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#qè=ÏJtãur ÏM»ys΢Á9$# Nåk÷]ÏB ZotÏÿøó¨B #·ô_r&ur $JÏàtãÇËÒÈ [الفتح : 29]، فأخبر سبحانه بالمغفرة للذين معه صلى الله عليه وآله وسلم وهم أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، وذلك ينافي القول بضلالهم والمبايع لهم.
فقالوا : أنه تعالى لم يُرد بقوله : والذين معه في الزمان ولا المكان ولا على ظاهر الإسلام؛ لأنه لا مدحة في ذلك، والآية مختصة بمدح المذكور فيها، والقطع على ثوابه، وذلك يدل على إرادته سبحانه بالذين معه المؤمنين حقاً، فليدل الخصوم على ثبوت إيمان من جعلوا الآية مدخوله عند الله؛ ليسلم لهم الظاهر، بل الثابت ضلالهم بالبرهان المانع من ثبوت البرهان واستحقاق الرضوان.
وقالوا : إن المذكورين فيها موصوفون بصفات معلوم خلو القوم منها، وتكاملها لأمير المؤمنين وحمزة رضي الله عنه، وخاصة شيعتهم كعمار، وأبي ذر، ومقداد، وسلمان([606]).
ومن ذلك : قوله تعالى : ﴿šcqà)Î6»¡¡9$#ur tbqä9¨rF{$# z`ÏB tûï̍Éf»ygßJø9$# ͑$|ÁRF{$#ur tûïÏ%©!$#ur Nèdqãèt7¨?$# 9|¡ômÎ*Î/ š†Å̧‘ ª!$# öNåk÷]tã (#qàÊu‘ur çm÷Ztã £‰tãr&ur öNçlm; ;M»¨Zy_ “̍ôfs? $ygtFøtrB ㍻yg÷RF{$# tûïÏ$Î#»yz !$pÏù #Y‰t/r& y7ÏsŒ ã—öqxÿø9$# ãÏàyèø9$#ÇÊÉÉÈ [التوبة : 100]. والمتقدمون على علي رضي الله عنه وأكثر من عقد لهم وبايعهم من جملة هؤلاء المذكورين، وقد أخبر سبحانه برضاه عنهم واستحقاقهم الثواب، وذلك منافٍ لما يقولونه فيهم.
فقالوا : إن الوعد في الآية متوجه إلى من وقع سبقه واتباعه لوجهه المخصوص قربة لله تعالى، فليدلوا على كون القوم كذلك ليتوجه الرضوان إليهم، ولن يجدوه، بل الموجود ضلالهم وخروج أفعالهم من قبل الطاعات.
وثانيها : أن الرضوان مشترط بالموافات، ولم يواف القوم بما سبقوا إليه، لردهم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته.
وثالثها : أن وقوع السبق موقع القربة لا يمنع من عصيان في المستقبل، والآية خطاب لغيرهم، وهم الذين لم يتدينوا بجحد النص([607]).
ومن ذلك : قوله تعالى : ﴿Ÿw “ÈqtGó¡o„ Oä3YÏB ô`¨B t,xÿRr& `ÏB È@ö6s% Ëx÷Gxÿø9$# Ÿ@tG»s%ur y7Í´¯»s9'ré& ãNsàôãr& Zpy_u‘yŠ z`ÏiB tûïÏ%©!$# (#qà)xÿRr& .`ÏB ߉÷èt/ (#qè=tG»s%ur yxä.ur y‰tãur ª!$# 4Óo_ó¡çtø:$# ª!$#ur $yJÎ/ tbqè=yJ÷ès? ׎Î7yzÇÊÉÈ [الحديد : 10]. قالوا : إن الخطاب في الآية متوجه إلى من أنفق وقاتل قبل الفتح من المؤمنين عند الله تعالى، متقرباً بهما للوجه الذي شرعه، فليدلوا على تكامل هذه الصفات للقوم؛ ليسلم لهم المقصود، لأنه لا حكم ولا إنفاق ولا قتال من دون الإيمان الذين هم براء منه([608]).
وفيما ذكرناه كفاية، فقد ساروا على نفس المنوال في رد بقية الآيات.
أما ما كان من شأن الروايات فقد اضطرب القوم اضطراباً شديداً في صرف هذه الروايات عن ظاهرها حتى فتحوا الباب على أنفسهم ليواجهوا بمثله، وسنذكر بعض هذه التأويلات لتقف عليها، ففيها طرافة، وفضائل أخرى للصحابة رضوان الله عليهم لم نذكرها.
 

فضائل الصدّيق رضي الله عنه في آية الغار  وموقف الشيعة منها والرد عليهم
من ذلك قولهم في آية الغار، وهي قول الله تعالى : žwÎ)﴿ çnrãÝÁZs? ô‰s)sù çnt|ÁtR ª!$# øŒÎ) çmy_t÷zr& tûïÏ%©!$# (#rãxÿŸ2 š†ÎT$rO Èû÷üoYøO$# øŒÎ) $yJèd †Îû ͑$tóø9$# øŒÎ) ãAqà)tƒ ¾ÏmÎ7Ås»|ÁÏ9 Ÿw ÷bt“øtrB žcÎ) ©!$# $oYyètB tAt“Rr'sù ª!$# ¼çmtGtÅ6y™ Ïmø‹n=tã ¼çny‰­ƒr&ur 7ŠqãYàfÎ/ öN©9 $yd÷rts? Ÿ@yèy_ur spyJÎ=Ÿ2 šúïÏ%©!$# (#rãxÿŸ2 4’n?øÿ¡9$# èpyJÎ=Ÿ2ur «!$# š†Ïf $u‹ù=ãèø9$# ª!$#ur ͕tã íÅ3ymÇÍÉÈ [التوبة : 40].
فقد اتفق المسلمون شيعة وسنة في نزول هذه الآية في قصة هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه، ونزولها في غار ثور في طريقهما إلى المدينة.
وفي الآية فضائل جمة للصديق رضي الله عنه :
منها : عتاب الله للمسلمين جميعاً، وخروج الصديق منها.
ومنها : النص على صحبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يثبت ذلك لغيره من أصحابه، حتى قالوا في ذلك : إن إنكار صحبته كفر.
ومنها : ما تضمنته من تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بقوله : Ÿw ÷bt“øtrB [التوبة : 40]، وتعليل ذلك بمعية الله سبحانه الخاصة المفادة بقوله : žcÎ) ©!$# $oYyètB [التوبة : 40] وهي كقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام : tA$s%﴿ Ÿw !$sù$sƒrB ÓÍ_¯RÎ) !$yJà6yètB ßìyJó™r& 2”u‘r&urÇÍÏÈ [طه : 46]، ولم يثبت مثل ذلك في غيره، بل لم يثبت لنبي معية الله سبحانه له ولآخر من أصحابه، وكان في ذلك إشارة إلى أنه ليس فيهم كالصديق رضي الله عنه.
ومنها : نزول السكينة على الصديق على خلاف في المسألة.
ولن نطيل المقام في المسألة، حيث إنا سنسهب إن شاء الله تعالى كما ذكرنا في تفنيد شبهات القوم في كتابنا : (شبهات طال حولها الجدل)، وإنما مرادنا هنا إيقافك على تأويلات القوم للفضائل وصرفها عن ظاهرها، وإليك بعض أقوالهم في آية الغار :
أولاً : قولهم بالتحريف، وأن هذه الآية حذف منها كلمة رسوله، فعن ابن الحجال قال : كنت عند أبي الحسن الثاني ومعي الحسن بن الجهم، فقال له الحسن : إنهم يحتجون علينا بقول الله تبارك وتعالى : š†ÎT$rO﴿ Èû÷üoYøO$# øŒÎ) $yJèd †Îû ͑$tóø9$#﴾ [التوبة : 40].
قال : وما لهم في ذلك؟ فوالله لقد قال الله : فأنزل الله سكينته عليه، وما ذكره فيها بخير. قال : قلت له أنا : جعلت فداك، وهكذا تقرءُونها؟ قال : هكذا قرأتها([609]).
وفي رواية : عن زرارة قال : قال أبو جعفر : tAt“Rr'sù﴿ ª!$# ¼çmtGtÅ6y™ 4’n?tã Ï&Î!qߙu‘ ﴾[الفتح : 26] ألا ترى أن السكينة إنما نزلت على رسوله([610]
وذكر يوسف البحراني : أن الصحابة تصرفوا في هذه الآية لدفع العار عن شيخ الفجار - يعني : الصديق رضي الله عنه - حيث الوارد في أخبارنا أنها نزلت : [فأنزل الله سكينته على رسوله وأيده بجنود لم تروها]، فحذفوا لفظ [رسوله] وجعلوا محله الضمير([611]).
ثم تفنن القوم في صرف جميع وجوه الفضيلة في الآية إلى ضدها، ونذكر منها :
قوله تعالى : š†ÎT$rO Èû÷üoYøO$# [التوبة : 40] بيان حال للرسول صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار دخوله الغار ثانيا ودخول أبي بكر أولاً، ولا أدري أي شأن في هذا حتى ينزل الله فيه قرآناً!!
ومنها : أن وصفهما بالاجتماع في مكان واحد ليس فيه فضيلة؛ لأن المكان يجمع المؤمن والكافر، ومثلوا لذلك بأمثلة : كسفينة نوح حيث جمعت النبي والشيطان والبهيمة.
ومنها : أن ذكر الصحبة يجمع المؤمن والكافر، والدليل على ذلك قول الله تعالى : tA$s%﴿ ¼çms9 ¼çmç7Ïm$|¹ uqèdur ÿ¼çnâ‘Ír$ptä† |Nöxÿx.r& “Ï%©!$$Î/ y7s)n=yz `ÏB 5>#tè? §NèO `ÏB 7pxÿõܜR §NèO y71§qy™ Wxã_u‘ÇÌÐÈ [الكهف : 37].
وأيضاً : اسم الصحبة يطلق على العاقل والبهيمة، والدليل على ذلك من كلام العرب أنهم سموا الحمار صاحباً، فقالوا :
إن الحمار مع الحمـار مطية             فإذا خلوت به فبئس الصاحب
ومنها : أن قوله : ﴿Ÿw ÷bt“øtrB ﴾[التوبة : 40] وبال عليه ومنقصة له، ودليل على خطئه، لأن قوله : لا تحزن نهي، وصورة النهي قول القائل : لا تفعل، فلا يخلو أن يكون الحزن وقع من أبي بكر طاعة أو معصية، فإن كان طاعة فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينهى عن الطاعات بل يأمر بها ويدعو إليها، وإن كان معصية فقد نهاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه بدليل أنه نهاه.
أما قوله : žcÎ)﴿ ©!$#$oYyètB [التوبة : 40] فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر أن الله معه، وعبَّر عن نفسه بلفظ الجمع كقوله :﴿$¯RÎ) ß`øtwU $uZø9¨“tR tø.Ïe%!$# $¯RÎ)ur ¼çms9 tbqÝàÏÿ»ptm: ÇÒÈ﴾ [الحجر : 9].
وقد قيل أيضاً في هذا : إن أبا بكر قال : يا رسول الله! حزني على أخيك علي بن أبي طالب ما كان فيه. فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : Ÿw ÷bt“øtrB žcÎ) ©!$# $oYyètB [التوبة : 40]؛ أي : معي ومع أخي علي بن أبي طالب.
أما نزول السكينة فإنما كان ذلك على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فدل إخراجه من السكينة على إخراجه من الإيمان.
وأضافوا : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد الهجرة فوجئ بأبي بكر في الطريق، فخاف أن يدل كفار قريش عليه، فاضطر إلى أخذه معه؛ لأن أبا بكر أراد الهرب من مكة ومفارقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل هجرته.
وقال آخرون : فلسنا نعلم استصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم له، لأنه روي : أنه فقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتبعه. وقيل : إنه لحقه بعدالة السفر، فسأله الصحبة، فلم يتمكن من كتمانه، ولو كان بأمره لاحتمل أموراً :
منها : أنه كان معه في بيت عائشة، بحيث لا يخفى عليه شيء من أمره، فلم يجد بداً من استصحابه، خوفاً من إذاعته، إما لضعف رأي أو دين.
ومنها : للأنس به.
ومنها : إسلامه ظاهره له وظنه به الخير.
ومنها : التكدير على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجزعه في الغار، وقد كان يكفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعلق خاطره المقدس بالسلامة من الكفار، فزاده جزع صاحبه شغلاً في خاطره، ولو لم يصحبه لاستراح من كدر جزعه واشتغال سرائره، وكان الخوف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لولا أن أوحي إليه من أن يبلغ الجزع بأبي بكر أن يخرج من الغار ويخبر به الطالبين له من الأشرار، فصار معه كالمشغول بحفظ نفسه من ذل صاحبه وضعفه، زيادة على ما كان مشغولاً بحفظ نفسه، وغيرها.
ومن الطرائف : أن علماء القوم تسابقوا إلى ادعاء هذه الكشوفات العظيمة ونسبتها إلى أنفسهم، فمنهم من نسب هذه الأكاذيب إلى الأئمة، ومنهم من نسبها إلى نفسه.. وهكذا، بل ومنهم من نسبه إلى الخليفة المامون ([612]).
وأطرف منه : ذكرهم – على الرغم من كل هذا - أن الزنادقة كانوا يعرفون فضيلة الغار حيث يروون مثلاً : أن ابن الكواء قال لعلي : أين كنت حيث ذكر الله أبا بكر فقال : ثاني اثنين إذ هما في الغار([613]
والكلام في شأن ملاقاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصديق رضي الله عنه في الطريق وأخذه معه مخافة أن يشي به إلى الكفار ترده رواية عند القوم تقول :
إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن خرج من بين القوم ليلة الهجرة مضى حتى أتى إلى أبي بكر فنهض معه وذهبا إلى الغار([614]).
بل وأوردوا قول الصديق رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن ابتياع الرواحل : قد كنت أعددت لي ولك يا نبي الله! راحلتين نرتحلهما إلى يثرب([615]).
والغريب أن يأتي مغمور بعد 14 قرن ليقول إن الذي كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغار رجلاً آخر وليس الصديق رضي الله عنه. ناسياً عشرات الروايات من طرق أضرابه التي تؤكد هذه الحقيقة المسلمة، وقد ذكرنا بعضها وإليك المزيد دون اعتبار صحة أسانيدها:
     لما توجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الغار ومعه أبو بكر، أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام أن ينام على فراشه ويتوشح ببردته، فبات علي عليه السلام موطنا نفسه على القتل، وجاءت في رجال قريش من بطونها يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما أرادوا أن يضعوا عليه أسيافهم لا يشكون أنه محمد  صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : أيقظوه ليجد ألم القتل ويرى السيوف تأخذه، فلما أيقظوه ورأوه عليا عليه السلام تركوه وتفرقوا في طلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم([616]).
    وفي رواية... ثم ضمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى صدره وبكى إليه وجدا به، وبكى علي عليه السلام جزعاً لفراق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. واستتبع رسول صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر بن أبي قحافة وهند بن أبي هالة، فأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره لهما من طريقه إلى الغار، ولبث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكانه مع علي عليه السلام يوصيه ويأمره في ذلك بالصبر حتى صلى العشاءين. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فحمة العشاء الآخرة، والرصد من قريش قد أطافوا بداره، ينتظرون أن ينتصف الليل وتنام الأعين، فخرج وهو يقرأ هذه الآية وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [يس : 9]  وأخذ بيده قبضة من تراب، فرمى بها على رؤوسهم، فما شعر القوم به حتى تجاوزهم، ومضى حتى أتى إلى هند وأبي بكر فنهضا معه، حتى وصلوا إلى الغار. ثم رجع هند إلى مكة بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر إلى الغار([617]).
     وفي رواية :...أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هندا أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين، فقال أبو بكر : قد كنت أعددت لي ولك يا نبي الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب. فقال : إني لا آخذهما ولا أحدهما إلا بالثمن([618]).
     وعن مجاهد، قال : فخرت عائشة بأبيها ومكانه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار، فقال عبد الله بن شداد بن الهاد : وأين أنت من علي بن أبي طالب حيث نام في مكانه وهو يرى أنه يقتل ؟ فسكتت ولم تحر جوابا ([619]).
     وكان علي يجهز النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين كان في الغار يأتيه بالطعام والشراب، واستأجر له ثلاث رواحل، للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأبي بكر ولدليلهم([620]).
     وعن أبى عبد الله قال لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار قال لأبي بكر كأني انظر إلى سفينة جعفر في أصحابه يقوم في البحر وانظر إلى الأنصار محتسبين في أفنيتهم..الرواية([621]).
     وبقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار ثلاثة أيام، ثم أذن الله له في الهجرة وقال : اخرج عن مكة يا محمد، فليس لك بها ناصر بعد أبي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأقبل راع لبعض قريش يقال له : ابن أريقط فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له : أئتمنك على دمي، فقال : إذا والله أحرسك ولا أدل عليك فأين تريد يا محمد ؟ قال : يثرب، قال : لأسلكن بك مسلكا لا يهتدي فيها أحد فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : ائت عليا وبشره بأن الله تعالى قد أذن لي في الهجرة، فهيئ لي زادا وراحلة وقال أبو بكر : اعلم عامر بن فهيرة أمرنا وقل له : ائتنا بالزاد والراحلة([622]).
     وعن خالد بن نجيح قال قلت لأبي عبد الله جعلت فداك سما رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر الصديق قال نعم قال فكيف قال حين كان معه في الغار قال رسول الله صلى الله عليه وآله إنى لأرى سفينة جعفر بن أبي طالب تضطرب في البحر ضالة قال يا رسول الله صلى الله عليه وآله وإنك لتراها قال نعم فتقدر أن ترينها قال ادن منى قال فدنا منه فمسح على عينيه ثم قال انظر فنظر أبو بكر فرأى السفينة وهي تضطرب في البحر ثم نظر إلى قصور أهل المدينة فقال في نفسه الآن صدقت أنك ساحر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله الصديق أنت([623]).
     جاء أبو بكر وعلي عليه السلام نائم، وأبو بكر يحسب أنه نبي الله، فقال : أين نبي الله ؟ فقال علي : إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه، قال : فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، وجعل عليه السلام يرمى بالحجارة كما كان يرمى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يتضور قد لف رأسه، فقالا : إنك كنت، لو كان صاحبك لا يتضور قد استنكرنا ذلك منك([624]).
     وفي الرواية فوائد أخرى لمن تدبر.
     وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقبل يقول لأبي بكر في الغار : اسكن فإن الله معنا... الرواية([625]).
     وقال المفيد : أما خروج أبي بكر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغار فغير مدفوع، وكونه في الغار معه غير مجحود، واستحقاق اسم الصحبة معروف([626]).
     ويقول المجلسي في تفسير ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ يعني : أنه كان هو وأبو بكر في الغار ليس معهما ثالث؟ وقوله : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ. أي إذ يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الغار لأبي بكر. ([627]).
     ويقول الطبرسي : "ثَانِيَ اثْنَيْنِ " أحد اثنين كقوله : ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ [المائدة : 73]، وهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار وأبو بكر([628]).
     وهكذا قال سائر علماء الإمامية في تفسير هذه الآية ([629]).
والروايات والأقوال في الباب كثيرة لا يسعنا حصرها، وفيما أوردناه كفاية لتفنيد هذه الشبهة.
والواقع : أن الردود على هذه الترهات وعلى ما يأتي كثيرة، ولا يسعنا إيرادها، بل ليس ذلك غايتنا هنا أصلاً، وتجدها في موقعنا فراجعها إن أحببت. ولكن لا بأس من أن نورد هنا بعضاً منها ليتبين للقارئ فساد ما مر :
قال تعالى مخاطباً موسى وهارون إ : tA$s% Ÿw !$sù$sƒrB ÓÍ_¯RÎ) !$yJà6yètB ßìyJó™r& 2”u‘r&ur ÇÍÏÈ [طه : 46].
     وقال تعالى مخاطباً النبي صلى الله عليه وآله وسلم : Ÿwur šRâ“øts† óOßgä9öqs% ¨bÎ) no¨“Ïèø9$# ¬! $·èŠÏJy_ uqèd ßì‹ÏJ¡¡9$# ÞÎ=yèø9$# ÇÏÎÈ [يونس : 65].
     وقال مخاطباً نبيه صلى الله عليه وآله وسلم : Ÿwur ÷bt“øtrB öNÍköŽn=tã ôÙÏÿ÷z$#ur y7yn$uZy_ tûüÏZÏB÷sßJù=Ï9 ÇÑÑÈ [الحجر : 88].
     وقال تعالى : ÷ŽÉ9ô¹$#ur $tBur x8çŽö9|¹ žwÎ) «!$$Î/ Ÿwur ÷bt“øtrB óOÎgøŠn=tæ Ÿwur ہs? ’Îû 9,øŠ|Ê $£JÏiB šcrãà6ôJtƒ ÇÊËÐÈ [النحل : 127].
     وكرر ذلك فقال تعالى : Ÿwur ÷bt“øtrB öNÎgøŠn=tæ Ÿwur `ä3s? ’Îû 9,øŠ|Ê $£JÏiB tbrãä3ôJtƒ ÇÐÉÈ [النمل : 70]
     وقال تعالى : !$£Js9ur br& ôNuä!$y_ $uZè=ߙ①$WÛqä9 uäû_ś öNÍkÍ5 šX$|Êur öNÎgÎ/ %Yæö‘sŒ (#qä9$s%ur Ÿw ô#y‚s? Ÿwur ÷bt“øtrB [العنكبوت : 33].
     وقال تعالى : tA$s% $ydõ‹è{ Ÿwur ô#y‚s? $yd߉‹ÏèãYy™ $ygs?uŽÅ™ 4’n<rW{$# ÇËÊÈ [طه : 21].
     وقال تعالى : $uZù=è% Ÿw ô#y‚s? š¨RÎ) |MRr& 4’n?ôãF{$# ÇÏÑÈ [طه : 68].
     وقال تعالى : È,ø9r&ur x8$|Átã $£Jn=sù $yd#uäu‘ •”tIöksE $pk¨Xr(x. Ab!%y` 4’¯<ur #\Î/ô‰ãB óOs9ur ó=Ée)yèム4Óy›qßtƒ Ÿw ô#y‚s? ’ÎoTÎ) Ÿw ß$$sƒs† £“t$s! tbqè=y™ößJø9$# ÇÊÉÈ [النمل : 10].
     وقال تعالى : ÷br&ur È,ø9r& x8$|Átã $£Jn=sù $yd#uäu‘ •”tIöksE $pk¨Xr(x. Ab!%y` 4’¯<ur #\Î/ô‰ãB óOs9ur ó=Ée)yèム#Óy›qßtƒ ö@Î6ø%r& Ÿwur ô#y‚s? š¨RÎ) z`ÏB šúüÏZÏBFy$# ÇÌÊÈ [القصص : 31].
     والآيات في الباب كثيرة، فاسأل القوم هل قوله : [لا تخافا - لا يحزنك - لا تحزن - لا تخف] وبال على الأنبياء عليهم السلام ومنقصة لهم، ودليل على خطئهم، لأن قوله : [لا تخافا - لا يحزنك - لا تحزن - لا تخف] نهي، وصورة النهي قول القائل : لا تفعل، فلا يخلو أن يكون الحزن والخوف وقع من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام طاعة أو معصية، فإن كان طاعة فإن الله عزوجل لا ينهى عن الطاعات بل يأمر بها ويدعو إليها، وإن كان معصية فقد نهاهم عزوجل عنها، وقد شهدت الآيات بعصيانهم بدليل أن الله عزوجل نهاهم؟!
فتدبر ما سيئول إليه منطق القوم!!
ولم يشأ القوم أن يتركوا القصة تنتهي إلى هنا، بل جعلوا نهاية رحلة الهجرة بالصورة التي توضحها هذه الرواية.
تقول الرواية : إن أبا بكر لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قباء فنزل بهم ينتظر قدوم علي، قال أبو بكر : انهض بنا إلى المدينة فإن القوم قد فرحوا بقدومك، وهم يتريثون إقبالك إليهم، فانطلق بنا ولا تقم ههنا تنتظر علياً، فما أظنه يقدم إليك إلى شهر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلاماً أسرعه : ولست أريم حتى يقدم ابن عمي وأخي في الله عزوجل، وأحب أهل بيتي إلي، فقد وقاني بنفسه من المشركين. قال : فغضب عند ذلك أبو بكر واشمأز وداخله من ذلك حسد لعلي، وكان ذلك أول عداوة بدت منه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علي، وأول خلاف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فانطلق حتى دخل المدينة وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقباء حتى ينتظر علياً([630]).
وعلى ذكر لقب الصديق، فقد قلب القوم هذه المنقبة إلى مثلبة، فقد أنكر بعضهم كلياً أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقَّب أبا بكر بالصديق، وأقر آخرون بذلك ولكن جعلوها هكذا كما تقول رواية خالد بن نجيح، قال : قلت لأبي عبدالله : جعلت فداك! سمَّى رسول الله أبا بكر بالصديق؟ قال : نعم، قال : فكيف؟ قال : حين كان معه في الغار، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني لأرى سفينة جعفر بن أبي طالب تضطرب في البحر ضالة، قال : يا رسول الله! وإنك لتراها؟ قال : نعم، قال : فتقدر أن ترينيها؟ قال : ادن مني، قال : فدنا منه، فمسح على عينيه، ثم قال : انظر، فنظر أبو بكر فرأى السفينة وهي تضطرب في البحر، ثم نظر إلى قصور أهل المدينة، فقال في نفسه : الآن صدقت إنك ساحر، فقال رسول الله : أنت الصديق([631]).
وهكذا، وكأنهم بهذا يفتحون الباب لمبغضي الأمير علي رضي الله عنه لأن يقولوا : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره بالمبيت على فراشه ليلة الهجرة إلا ليقتله المشركون ظناً منهم أنه النبي فيستريح منه، ولو علم فيه خيراً لاصطحبه معه.
ولو قيل بأن العبرة في ذلك : أنه رضي الله عنه قد افتدى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه، فيقال : ليس في الأمر افتداء، وذلك أن الأمير - كما يرى القوم - سيكون خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأمر موته مستبعد هنا؛ فتنتفي الفضيلة المنسوبة إليه، وإن قالوا : إن احتمال الموت قائماً فقد أبطلوا القول بإمامته.
وهكذا تؤول سائر فضائله رضي الله عنه، فيقال –مثلاً- في قوله صلى الله عليه وآله وسلم له : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. لو علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صحبته خيراً أو لرأيه ومشورته منفعة لاصطحبه معه في تلك الغزوة - أي : غزوة تبوك - ففي هذه الغزوة لم يأذن لأحدٍ بالتخلف عنها وهي آخر مغازيه، ولم يجتمع معه أحد كما اجتمع له فيها، فلم يتخلف عنه إلا النساء والصبيان أو من هو معذور لعجزه عن الخروج أو من هو منافق، ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم كما كان يستخلف في كل مرة، بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة؛ لأنه لم يبق في المدينة رجال من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم أحد كما كان يُبقي في جميع مغازيه، وقد اصطحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يعظم انتفاعه به ومعاونته له، ويحتاج إلى مشاورته والانتفاع برأيه ولسانه ويده وسيفه، والمتخلف إذا لم يكن له في المدينة سياسة كثيرة لا يحتاج إلى هذا كله.
وقد أدرك علي رضي الله عنه ذلك - أي : أنه لا فائدة ترجى من ورائه إن بقي - فأخذ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، وتواتر قوله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله! تخلفني مع النساء والصبيان؟ وفي بعض الروايات : أنه لحق به فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يا علي ألم أخلفك على المدينة؟ فما زال يعارض ذلك حتى استرضاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال له : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؛ ويؤول هذا - أيضاً - بأن المراد بالمنزلة التخلف والمكث عند من بقي من النساء والصبيان فحسب، كما تخلف هارون على من بقي لما خرج موسى للقاء ربه.
وهذه أيضاً لا تخلو من معارضتها لعقيدة العصمة، فلا بد أن يكون ما اتخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم صواباً وذلك لعصمته، أو خلاف ذلك بدلالة اعتراض الأمير على ذلك.
بل ويمكن القول بأنه صلى الله عليه وآله وسلم أراد الإشارة إلى خلافة الصديق رضي الله عنه، فمعلوم أن من خرج في صحبة موسي عليه السلام في رحلته هو يوشع بن نون، ومن بقي هو هارون عليه السلام، وكذلك من خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رحلته هو الصديق رضي الله عنه ومن بقي : علي رضي الله عنه، ومعلوم أيضاً أن وصي موسى كان يوشع، فتأمل!!
والقول في المسألة كثير وطويل!!
وكذا شجاعته رضي الله عنه يمكن أن تؤول بأن ذلك إنما كان ملك على صورته، وليس هو علي رضي الله عنه، وقد روى القوم بأن أمير المؤمنين عليه السلام كان أشجع البرية، وأنه بلغ من بأسه وخوف الأعداء منه عليه السلام أن جعل الله عزوجل الملائكة على صورته، ليكون ذلك أرعب لقلوبهم([632]).
إذ ربما يكون ما ظهر منه هنا أو هناك من شجاعة وبطولة إنما كان من هذا الملك أو ذاك.
وإن رُد على ذلك بأن نزول الملائكة على صورته في ذاته فضيلة له، رُد على ذلك بأن الملائكة بل وجبرئيل عليه السلام أعظم الملائكة كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحياناً على صورة دحية الكلبي رضي الله عنه([633])، وهكذا.
حتى في أبسط المسائل كدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم له : أعلى الله كعبك يا علي([634]).
فيمكن أن يؤوله الناصبة على أن ذلك إنما كان دعاءً عليه لا له، فإعلاء الكعب كناية عن الصلب.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : يا علي! أقر الله عينك([635])، دعاء له بالعمى، فأقر الله عينك أي : أسكنها عن الحركة وإذا سكنت العين عن الحركة عميت.
من شبهات النواصب
وقد أعجبني ما سطره شيخنا محمد سالم الخضر في كتابه القيم : (ثم أبصرت الحقيقة)، في هذا الباب، وها أنا أنقله بتمامه، ولتقرأ معي ما سيقوله الناصبي الحاقد بتمعن وإنصاف لترى كيف يُمكن للنظرية الشيعية أن تنسف نفسها بنفسها!
على أني منذ البداية أبرأ إلى الله من الطعن في الإمام علي صراحة أو ضمناً، فالإمام علي إمام هدى، وله من المكانة والتقدير في قلوبنا ما يستحقه أمثاله من أرباب المناقب والمآثر العظيمة إلى جانب قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا نرتضي فيه طعناً أو انتقاصاً كما لا نرتضي ذلك في باقي الصحابة.
لكني أريدك أيها القارئ الكريم أن تستشعر معي ظلم الشيعة الإثنى عشرية لأبي بكر وعمر وعثمان وباقي الصحابة، وتتلمس كيف يُمكن أن ينقلب هذا الظلم ظلماً لعلي بن أبي طالب كذلك حينما تكون الكلمة للناصبي والعدو المستهدف هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
يقول الناصبي : لقد رأيت في علي بن أبي طالب مثالاً للإحداث بعد رسول الله، ولهذا أبغضته وتبرأت منه!
ترك الإمامة وهي أعظم أركان الدين، والتي وردت فيها روايات شيعية كثيرة في بيان منزلتها وكونها أصلاً للدين لا يقوم إلا به!
وتخلى عن الزهراء‘ يوم أن ضُربت وصُبّت عليها المصائب!
ولم يقدّم تجاه قضية فدك المغصوبة أي شيء، فلم ينتصر لبنت رسول الله!
وحكّم الرجال في كتاب الله وكل من شارك في التحكيم كافر علي وأبو موسى الأشعري ومعاوية وعمرو بن العاص.
وحجتي في الحديث ظاهرة، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قال في نص الحديث : فأقول : يا رب! مني ومن أمتي؟، وفي هذا دلالة قاطعة على أنّ المراد بالحديث هو علي بن أبي طالب؛ فإنكم تروون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في علي بن أبي طالب : علي مني وأنا من علي، وتلك قرينة!
وقرينة أخرى أستدل بها على أنّ المراد بالحديث علي بن أبي طالب : هي إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المبدّلين من بعده بقوله : أمراء يكونون من بعدي فمن غشي أبوابهم فصدّقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد عليّ الحوض، وقد غشي علي بن أبي طالب الظلمة أبا بكر وعمر وعثمان وكان مستشاراً ووزيراً لهم كما تشهد بذلك كتب الشيعة الإثني عشرية من أولها إلى آخرها.
وقد توعده النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث بسحب المنزلة التي أُعطيت له بقوله فليس مني ولست منه، ولا يرد عليّ الحوض؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كان يعلم بما سيحدثه من بعده من الركون للظلمة، وحب الدنيا والأُعطيات والامتيازات.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : فإذا جئتم قال الرجل : يا رسول الله، أنا فلان بن فلان فأقول : أما النسب فقد عرفته، ولكنكم أخذتم بعدي ذات الشمال وارتددتم على أعقابكم القهقرى، يؤكد تماماً أنّ المراد بالحديث هو علي بن أبي طالب لا غيره!!
فالرجل الذي أتى رسول الله لم يقل له أنا فلان بن فلان، لتعريف النبي صلى الله عليه وآله وسلم به؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد صرّح بالحديث ذاته بمعرفته له ولمن معه فقال : أما النسب فقد عرفته. وقال : أعرفهم ويعرفوني، لكن الرجل أراد الإشارة إلى نسبه وقربه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ظناً أنّ ذلك سيشفع له، فيجيبه الرسول بقوله : أما النسب فقد عرفته؛ أي : إنّ النسب والقرابة لها مقامها لكن ليس مع الإحداث من بعدي، وهذا ما حصل حين تركت ابنتي تُضرب ولم تفعل شيئاً، وحين فعلت كذا وكذا.
ويقول الناصبي : وما يؤكد أنّ ذاك الرجل هو علي بن أبي طالب هو صدر حديث المذادة عن الحوض، حيث يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : تزعمون أنّ قرابتي لا تنفع قومي والله إنّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، إذا كان يوم القيامة يُرفع لي قوم يُؤمر بهم ذات اليسار، فيقول الرجل : يا محمد! أنا فلان بن فلان، ويقول الآخر : أنا فلان بن فلان، فأقول : أما النسب قد عرفت، ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم على أعقابكم القهقرى.
وفي رواية المفيد والطوسي في أماليهما عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول على المنبر : ما بال أقوام يقولون : إنّ رحم رسول الله لا ينفع يوم القيامة؟ بلى والله! إنّ رحمي لموصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس! فرطكم يوم القيامة على الحوض، فإذا جئتم قال الرجل : يا رسول الله! أنا فلان بن فلان، فأقول : أما النسب فقد عرفته، لكنكم أخذتم بعدي ذات الشمال، وارتددتم على أعقابكم القهقرى.
فالرجل قد جاء متصوراً أنّ رحمه وقرابته ونسبه سيشفعان له إحداثه وتبديله لدين المصطفى، فقرر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الرواية الشيعية أنّ القرابة شافعة، لكنها لن تنفع من أحدث وارتد على عقبيه.
ومما يؤكد أنّ المراد هنا علي بن أبي طالب هو ما ورد في كتب الشيعة الإثني عشرية من أحاديث كثيرة تفيد أنّ الناس يُدعون يوم القيامة بأسماء أمهات، لكن الرجل الذي أخبر عنه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم هو من رحم رسول الله، وقد أخبر الرسول الكريم بكل صراحة أنّ هذا الرجل سيقول أنا فلان بن فلان لا فلان بن فلانة.
ويكمل الناصبي كلامه قائلاً : فإن حاولت الدفاع عن علي بن أبي طالب واستشهدت بحديث لعمار أو سلمان أو المقداد فأخبرك منذ البداية أنهم ممن انقلبوا على أعقابهم مع علي بن أبي طالب والحديث يشملهم فارتضاؤهم له وتزكيتهم له وقبولهم لإمامته كافٍ لاستحقاقهم المصير ذاته.
فإن قلت : وأين الأحاديث التي وردت في فضل علي وعمار وفلان وفلان؟
أجبتك بأنّ فضائل أبي بكر وعمر وفلان وفلان لم تشفع لهم عندكم بل قلتم بانقلابهم على أعقابهم وشككتم بتلك الفضائل، وكذلك الحال في علي بن أبي طالب ولا فرق!
هذا بعض ما يُمكن أن يقوله الناصبي في الإمام علي بن أبي طالب والمقربين منه.
أقول مخاطباً أرباب الضمائر الحية : هكذا تنسف النظرية الشيعية نفسها بنفسها.. ولن يستطيع الرد على هذا الناصبي الحاقد إلا أهل السنة الذين عرفوا لصحابة رسول الله حقهم وفضائلهم، وأدركوا أبعاد أحداث الفتنة وأسبابها، وقالوا للناصبي وللشيعي الإمامي : على رسلكما... إنّ الذين أحدثوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فئة ارتدت عن الإسلام... قاتلها أبو بكر وعلي والصحابة... فلقي حتفه من تلك الفئة من لقي وهو على الكفر، ليذاد يوم القيامة عن الحوض والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول : أصحابي أصحابي) والملائكة تجيبه إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
ما أجمل الإنصاف وأندره!! وما أجمل أن يدرك المرء المعاني الجليلة التي يذكرها هذا الحديث!! لكن ماذا تفعل مع التعصب وأهله؟!.. انتهى كلامه حفظه الله([636]).
يقول : رؤية ناصبي للإمام علي :
لنفترض الآن أنّ ذاك الناصبي بدأ ينقب في كتب الشيعة الإثنى عشرية دون غيرها، ويتصيد العثرات ويعنون لكل ما يسطره من روايات بعناوين توحي بمضامينها حسب فهمه، فإنّ ما سيجده هو الآتي :
1- الإمام علي والدّين :
فمن الأمور التي سيقف عليها هذا الناصبي الخبيث المتصيّد للعثرات، حديث رواه الحر العاملي في وسائل الشيعة 18/317. عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : أعوذ بالله من الكفر والديّن، قيل : يا رسول الله! أتعدل الدّين بالكفر؟ قال : نعم.
فيأتي برواية شيعية أخرى رواه الحر العاملي عن علي بن طاووس بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : قُبض علي عليه السلام وعليه دين ثمانمائة ألف درهم، فباع الحسن عليه السلام ضيعة له بخمسمائة ألف، فقضاها عنه، وباع بيعة له بثلاثمائة ألف فقضاها عنه.
ويقول لك الناصبي : انظر.. هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعدل الديّن بالكفر، وهذا علي يموت وعليه دين، بالضبط كما يفعل الشيعة الإثنا عشرية عادة مع أبي بكر وعمر وباقي الصحابة، لا يريد المرء منهم أن يتفهم النصوص، ولا أن يجمع بينها، ولا يتأكد من ثبوتها، ولا أن يُحسن الظن، ولا أن يعرف لهؤلاء الصحابة فضلهم، ويعلم أنهم بشر يخطئون ويصيبون.
فأما الشيعي الإثنا عشري فسيقف مبهوتاً أمام هذا الناصبي الخبيث.. كل ما سيفعله أحد أمرين : إما تكذيب الروايات السابقة منها واللاحقة) أو شتم الناصبي ولعنه؛ لأنه لن يستطيع الطعن في منهجية ذاك الناصبي، فالمنهجية بينهما مشتركة، هذا يطعن في علي ويستخدم النصوص بغير حق، وذاك يطعن في أبي بكر وعمر والبقية ويستخدم النصوص بغير حق فيهم!
فإن قال له الشيعي : الإمام علي له من الفضائل كذا وكذا، فكيف تقول عنه هذا وتحمّل النصوص ما لا تحتمل.
فسيقول له الناصبي : ليست مشكلة، أنتم تناسيتم فضائل أبي بكر وعمر وطعنتم فيهما، ولم تجدوا حرجاً في ذلك، فما الحرج في فعلي؟ وعلي عندي ممن أحدثوا في الدين من بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أم أنكم تكيلون خصومكم بغير ما تكيلون به أنفسكم؟
2- إهانة اسم الله!
وسيستدل الناصبي بما رواه شيخ القميين عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الإسناد ص154 عن جعفر الصادق عن أبيه الباقر قال : كان نقش خاتم أبي محمد بن علي (ع) : العزة لله جميعاً، وكان في يساره يستنجي بها، وكان نقش خاتم علي (ع) : الملك لله، وكان في يده اليسرى يستنجي بها.
ويُلحق هذه الرواية بتعليق المحقق الأردبيلي عليها والذي يقول فيه : ويمكن استفادة استحباب التختم باليسار منهما، وعدم تحريم التنجيس أيضاً إلا أن يكون ذلك ثابتاً بالإجماع ونحوه، أو يحمل على عدم وصول النجاسة إليه.
فيقول : انظر.. هذا هو إمامكم علي يهين اسم الله بهذه الصورة، يستنجي باليد التي وضع فيها خاتماً عليه الملك لله! وهذا هو الكفر بعد الإيمان.
أما الشيعي الإثنا عشري فلن يستطيع أن يرد على هذا الناصبي إلا بتكذيبه للرواية وشتمه للناصب.
وسيرد عليه الناصبي قائلاً : سبحان الله! ها أنتم تقبلون كل الروايات التي تطعن فينا نحن النواصب، وتقبلون كذلك الروايات التي تطعن في أهل السنة وغيرهم من الفرق، وتقبلون قبل كل هذا الروايات الطاعنة في أبي بكر وعمر وعثمان والزبير وطلحة وغيرهم، فما الذي جعل الروايات الطاعنة في علي دائماً ضعيفة مكذوبة، والروايات الطاعنة فينا وفي غيرنا دائماً صحيحة، اللهم إلا الهوى!
وهكذا يفعل الهوى في أصحابه، ولو التزم الفريقان الإنصاف وتقوى الله في تحري الحق ودراسة أسانيد الروايات حق الدراسة، لما وجدنا من يطعن في صحابي.
3 - النظرة السلبية للمرأة :
قال الناصبي : لقد كرّم الله تعالى المرأة، وقرر مساواتها للرجل في أصل الخلق، وفي التكاليف، وفي الجزاء، فقال عزّ من قائل : $pkš‰r'¯»tƒ â¨$¨Z9$# (#qà)®?$# ãNä3­/u‘ “Ï%©!$# /ä3s)n=s{ `ÏiB <§øÿ¯R ;oy‰Ïnºur t,n=yzur $pk÷]ÏB $ygy_÷ry— £]t/ur $uKåk÷]ÏB Zw%y`͑ #ZŽÏWx. [ä!$|¡ÎSur (#qà)¨?$#ur ©!$# “Ï%©!$# tbqä9uä!$|¡s? ¾ÏmÎ/ tP%tnö‘F{$#ur ¨bÎ) ©!$# tb%x. öNä3ø‹n=tæ $Y6ŠÏ%u‘ ÇÊÈ [النساء : 1] وقال : ¨bÎ) šúüÏJÎ=ó¡ßJø9$# ÏM»yJÎ=ó¡ßJø9$#ur šúüÏZÏB÷sßJø9$#ur ÏM»oYÏB÷sßJø9$#ur tûüÏGÏs)ø9$#ur ÏM»tFÏs)ø9$#ur tûüÏ%ω»¢Á9$#ur ÏM»s%ω»¢Á9$#ur tûïΎÉ9»¢Á9$#ur ÏNºuŽÉ9»¢Á9$#ur tûüÏèϱ»y‚ø9$#ur ÏM»