آخر تحديث للموقع :

السبت 22 رجب 1442هـ الموافق:6 مارس 2021م 05:03:45 بتوقيت مكة

جديد الموقع

التقية.. الوجه الآخر ..

تاريخ الإضافة 2012/12/11م

الكاتب : فيصل نور ..

فهرس المحتويات

الباب الأول التعريف والمشروعية. 
مشروعية التقية من الكتاب والسنة. 
أقوال علماء أهل السُنة في التقية. 
التقية عند بقية فرق المسلمين. 
أقوال علماء الشيعة في التقية. 
أقوال الشيعة في مجالات التقية. 
ادعاء بعض الشيعة أنه لا مكان للتقية في زماننا هذا. 
حقيقة التقية عند الشيعة ومنزلتها. 
روايات من طرق الشيعة في الترهيب من ترك التقية. 
مهدي الشيعة في تقية. 
مشروعية التقية عند الشيعة في الأمن ودون توافر أسبابها. 
نماذج من روايات الشيعة المحمولة على التقية. 
الحوادث التاريخية التي وقعت في عصر الأئمة. 
العلة من ذكر هذه الحوادث وعلاقتها بالتقية. 
بيان أنه ليس هناك ما يقتضي لجوء الشيعة وأئمتهم للتقية. 
اشتهار الشيعة بالتقية واعتراف علمائهم بذلك. 
تبريرات الشيعة لاشتهارهم بالتقيـة دون سائر فـرق المسلمين. 
تفنيد القول باقتصار وقوع الظلم على الشيعة دون سائر المسلمين، وأن ذلك كان سبب اشتهارهم بالتقية: 
نماذج من علماء أهل السُنة تعرضوا لتنكيل الحكام. 
سيرة الأئمة والقول بالتقية صورتان متضادتان. 
هل تجور التقية على النبي ص؟. 
بيان أن الأئمة نصّبوا لبيان الشرائع والأحكام بزعم الشيعة، فلو أخذوا بالتقية انتفت الفائدة من نصبهم: 
زعم الشيعة أن أصحاب الأئمة يسألون أئمتهم أن يجيبوهم دون تقية. 
روايات من طرق الشيعة تدل على أن النبي ص كان في تقية. 
تتمة ذكر سير الأئمة وما ينافي أخذهم بالتقية. 
التقية لم تعرف طريقها إلى سائر أهل البيت رحمهم الله. 
سيرة أصحاب الأئمة أيضاً تنافي القول بالتقية. 
اضطراب الشيعة في تأويل تعارض مواقف أصحاب الأئمة في مبدأ التقية. 
استعمال الشيعة للتقية مع أهل السُنة. 
قول بعض علماء الشيعة بجواز التقية على الأئمة حتى في غياب المخالفين وبيان علة ذلك.
روايات من طرق الشيعة تؤيد القول بجواز التقية على الأئمة حتى في غياب المخالفين.
معارضة بعض علماء الشيعة للقول بجواز التقية على الأئمة حتى في غياب المخالفين. 
تكفير الشيعة للمخالفين. 
الأسباب الحقيقة للجوء الشيعة إلى الأخذ بالتقية. 
اعتقاد الشيعة بأن القرآن الموجود في أيدينا محرف. 
ذكر أقوال أبرز علماء الشيعة القائلين بتحريف القرآن. 
حقيقة قول المنكرين للتحريف. 
اعتراف علماء الشيعة بأن إنكارهم تحريف القرآن صدر منهم تقية لمصالح كثيرة. 
إنكار بعض المتأخرين من الشيعة لعقيدة تحريف القرآن. 
نماذج لتناقض بعض هؤلاء المنكرين، حيث نفوا التحريف في مواضع من كتبهم وأقراوا به في مواضع أخرى.
عقيدة الشيعة في السنة النبوية. 
اعتقاد الشيعة بردة الصحابة رضي الله عنهم. 
إثبات أن إنكار الشيعة لتكفير الصحابة إنما هو على سبيل التقية. 
نماذج من روايات الشيعة في تكفير الشيخين رضي الله عنهما. 
دعاء صنمي قريش ومنزلته عند الشيعة. 
إنكار بعض المعاصرين من الشيعة تكفيرهم للصحابة. 
قول علماء الشيعة: إن روايات مدح الأئمة للصحابة جاءت على سبيل التقية. 
الشيعة ينفون الطعن في الصحابة في مواضع من كتبهم ويقرون بها في أخرى. 
غلو الشيعة في الأئمة. 
الباب الثاني نقد روايات التقية ودراسة أسانيده.
آيات وروايات في الحث على قول الحق وذم كتمانه. 
الروايات الواردة في ذم الكذب. 
روايات في ذم ذي الوجهين واللسانين. 
نقد عقيدة التقية عند الشيعة. 
دعوة الأئمة إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة عند تعارض الأخبار. 
ذكـر بعـض الرواة الكـذابـين والمـذمومـين عنـد الشيعـة. 
عقيدة أئمة أهل البيت رحمهم الله هي عين عقيدة أهل السنة. 
اعتراف بعض علماء الشيعة بضياع أكثر أحكام مذهب أهل البيت بسبب التقية. 
خلاصة البحث.
أهم مصادر الكتاب.
فهرس المحتويات.


الإهــــداء
شـر الأزمنـة أن يتبجّـح الجـاهـل، ويسكـت العـاقـل،
ولكنَّ القبة الجوفاء لا ترجع غير الصدى..
فإلى القبـاب غيـر الجوفـاء أهـدي هـذا الكتـاب...


  بسم الله الرحمن الرحيم


          الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.

     أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ص، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

     قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ...[المائدة : 82].

          فمنذ أن قدَّم الله عزوجل اليهود على الذين أشركوا في عداوتهم للمسلمين عرفنا أنه لا بد من أن يقف اليهود -ومن ورائهم كل قوى الظلام المنضوية تحت راياتهم من مجوس وهندوس وغيرهم من ملل الشرك- في صف أعداء الإسلام ليطفئوا نوره.

     ولم يتوان هؤلاء عن إظهار عداوتهم، فقد فعلها طلائعهم في مهد الإسلام، فهذا حُيَيّ بن أخطب أحد زعماء اليهود نظر إلى رسول الله ص وهو يقدم للقتل فيمن قتل من يهود بني قريظة، وقال: أما والله ما لُمتُ نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يُخذل.

     عرفها ابن أخطب وعرفها أذنابه يوم أن انتكست راياتهم تحت سيوف الرعيل الأول من المسلمين.وعرفها بعد ذلك المنضوون تحت رايات الشرك يوم أن انكسرت شوكتهم وتوالت هزائمهم في القادسية واليرموك، وفتح مصر وشمال أفريقيا وفارس وغيرها، عرفوا أن هذا النور لن توقفه جحافلهم مهما بلغت، ولن تصمد أمامه جيوشهم مهما قويت، فرأوا أن الكيد للإسلام بالحيلة أنجح، فبدءوا مخططاتهم في الخفاء؛ فكانت أول النشائج استشهاد الفاروق عمر، وعثمان ذي النورين، وعلي المرتضى ي أجمعين، تلك النجوم الزاهرة من قادة الفتح الذين أذلوهم وأزالوهم وحضارتهم بأمجادها الزائلة بعد أن كانوا سادة الدنيا.

      ثم عمدوا إلى النَّيْل من هذا الدين لإطفاء نوره، وأنى لهم ذلك والله يقول: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة : 32]؟!

      فشرعوا في تشكيك المسلمين وفتنتهم عن دينهم، فكان أيسر السبل إلى ذلك هو النفاق، بضاعتهم التي اشتهروا بها، فأظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، قال تعالى: {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران : 72]، فكان لهم إلى حد بعيد ما أرادوه، ومازال كيدهم في هذا الاتجاه يؤتي أكله، ولكن إلى حين.

     وقد انضوى تحت نهجهم هذا كل الموتورين والحاقدين على هذا الدين، فاستمرءوا الانحراف، قال تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة : 14]، فانطلت أباطيلهم في هذا المنوال على بعض ضعاف النفوس الذين لم تتشرب نفوسهم حقيقة هذا الدين، فأخرجوا من أخرجوا عن دائرة الإسلام، واجتهدوا في إبقاء من عجزوا عن الكيد به بمنأى عن سائر المسلمين، فأصّلوا لهم أصولاً، وقعّدوا لهم قواعد، ووضعوا لهم عقائد ما أنزل الله بها من سلطان؛ فميزتهم عن سائر بني جلدتهم، وشذوا بها عنهم.كل ذلك من خلال إظهار الإيمان وإبطان خلافه تارة، ومن خلال تقنعهم بولاءات شتى باسم الدين تارة أخرى، كالتشيّع لآل بيت النبي ص، حيث وجدت هذه الدعوات صدى عند الكثيرين من الذين صادفت أهواءهم وأغراضهم.

     فلما وجد أعداء الإسلام أن الكثير من عقائد المسلمين قد تسربت إلى هؤلاء الذين راموا إخراجهم عن دائرة الإسلام؛ عمدوا إلى صرف كل ما تعارض مع مخططاتهم مما صدر عن الأئمة الذين تشيعوا لهم باسم الإسلام، بحجة أن ذلك كان منهم تقيةً مبعثها القهر والظلم والاستبداد الذي حاق بهم من الحكام الذين تولّوا إمرة المؤمنين عبر التاريخ.

     فكان أن بقيت هذه الطوائف -بسبب عقيدة التقية- بعيدة عن إخوانها في الدين، فالتبس عليها أمر دينها، واختلط الحق بالباطل في أحكامها، فضاعت معالم دينها، وترسخت بمرور الزمن العقائد الباطلة فيها لتقاعس علمائها، فغدت ملاذاً آمناً لطلاب الدنيا الذين جعلوا هذه الرخصة هي جُل الدين؛ لتيّسر لهم الأرضية التي تضمن بقاءهم، ومعها مصالحهم من حطام الدنيا الزائلة.

     ونحن -إن شاء الله تعالى- في هذا الكتاب سنتناول مسألة التقية عند المسلمين عامة وعند الشيعة خاصة، باعتبار أنها من ضروريات مذهبهم، ونبين حقيقتها، وذلك في بابين:


     الباب الأول: تعريف التقية ومشروعيتها من الكتاب والسنة، وأقوال علماء المسلمين من شيعة وسنة فيها، ثم بيان حقيقة التقية عند الشيعة ومنزلتها وجذورها التاريخية، ثم ذكر نماذج للتطبيقات العملية في ذلك.


     والباب الآخر: في دراسة الأسس الروائية لمبدأ التقية عند الشيعة، وبيان تهافت أسانيدها، ومن ثم تهافت الأصول التي بنى عليها علماء مذهب التشيع هذا المبدأ، ثم بيان تعارض وخلاف تقية الشيعة مع الكتاب والسنة.


ونسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

فيصل نور
1998م - 1419 هـ

الباب الأول

التعريف والمشروعية
جاء في لسان العرب - مادة (وقى)-: اتّقيت الشيءَ وتقَيْتُه أتّقيه، وأتْقيه تقًى وتُقاة: حذِرته([1]).
ويقول ابن الأثير: وأصل (اتقى): (اوتقى)، فقلبت الواو ياء للكسرة قبلها، ثم أبدلت تاء وأدغمت، ومنه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أي: جعلناه وقاية من العدو([2]).
وقال الراغب الأصفهاني: الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، يقال وقيت الشيء أقيه وقاية ووقاء. ([3])
وفي المعجم الوسيط: ووقى الشيء وقيا ووقاية: صانه عن الأذى وحماه، والتقية: الخشية والخوف([4]).
ويقول ابن حجر: ومعنى التقية: الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير، وأصله وقية بوزن حمزة، فعلة من الوقاية([5]).
مشروعية التقية من الكتاب والسنة:
وأصل مشروعية التقية مأخوذ من كتاب الله عز وجل وسنة نبيهصلى الله عليه وآله وسلم.
يقول الله عز وجل: ((لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ)) [آل عمران:28].
ويقول تعالى: ((مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) [النحل: 106].
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله وضع - وفي لفظ: تجاوز - عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ([6]).
 
أقوال علماء أهل السُنة في التقية:
يقول ابن كثير في تفسير الآيات: أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم -أي: الكافرين- فله أن يتقيهم بظاهره، لا بباطنه ونيته... وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل، إنما التقية باللسان... وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه: قول الله تعالى: (( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ))[النحل:106]^ ([7]).
 وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ((إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)): فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهاً لما ناله من ضرب وأذى وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله، وقد روى العوفي عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه حين عذبه المشركون ليكفر بمحمدصلى الله عليه وآله وسلم، فوافقهم على ذلك مكرهاً، وجاء معتذراً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله هذه الآية.
وهكذا قال شعبة وقتادة وأبو مالك، وقال ابن حرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه، حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئناً بالإيمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن عادوا فعد.
ولهذا اتفق العلماء على أن من أُكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاءً لمهجته، ويجوز له أن يأبى كما كان بلالرضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، ويأمرونه بالشرك بالله، فيأبى عليهم وهو يقول: أحد أحد. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فقال: نعم. فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فكان يقول: لا أسمع، فلم يزل يقطعه إرباً إرباً وهو ثابت على ذلك([8]).
ويقول الشوكاني في قوله تعالى: (( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ))[آل عمران:28]^: وفي ذلك دليل على جواز الموالاة لهم مع الخوف منهم، ولكنها تكون ظاهراً لا باطناً، وخالف في ذلك قوم من السلف فقالوا: لا تقية بعد أن أعز الله الإسلام([9]).
ويقول القرطبي: قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم، وقال ابن عباس: هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن، ولا يقتل ولا يأتي مأثماً. وقال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل.
وقال رحمه الله: وقيل: إن المؤمن إذا كان قائماً بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان.
والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم، ومن أُكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر([10]).
وقال: أجمع أهل العلم على أن من أُكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي، غير محمد بن الحسن، فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتداً في الظاهر، وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام، وتبين منه امرأته، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلماً. وهذا قول يرده الكتاب والسنة([11]).
وقال: ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة فيه، مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله، أو الصلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم أو ضربه، أو أكل ماله، أو الزنى أو شرب الخمر، أو أكل الربا، يروى هذا عن الحسن البصري والأوزاعي وسحنون من علمائنا... وقالت طائفة: الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان.
وقال: أجمع العلماء على أن من أُكره على الكفر فاختار القتل أنه عظم أجراً عند الله ممن اختار الرخصة([12]).
ويقول الخازن: والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل مع سلامة النية، قال الله تعالى: ((إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ))، ثم هذه التقية رخصة، فلو صبر على إظهار إيمانه حتى قتل كان له بذلك أجر عظيم([13]).
ويقول الزمخشري: رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة مخالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع([14]).
ويقول البغوي: في قوله تعالى: ((إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)): يعني: إلا أن تخافوا منهم مخافة...ومعنى الآية أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم، إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعاً عن نفسه، من غير أن يستحل دماً حراماً أو مالاً حراماً أو يظهر الكفار على عورة المسلمين، والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية، قال الله تعالى: ((إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)) ثم هذا رخصة، فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم، وأنكر قوم التقية اليوم: فقال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله عز وجل الإسلام، فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم. وقال يحيى البكاء: قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج: إن الحسن كان يقول لكم: التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان. قال سعيد: ليس في الإسلام تقية، إنما التقية في أهل الحرب([15]).
ويقول الواحدي: (( إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً))؛ أي: تقية. هذا في المؤمن إذا كان في قوم كفار وخافهم على ماله ونفسه، فله أن يخالفهم ويداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعاً عن نفسه، قال ابن عباس: يريد: مداراة ظاهرة([16]).
وقد روي: أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. تقية منه، فخلى سبيله، ثم قال للآخر: أتشهد أن محمد رسول الله؟ فقال: نعم نعم نعم. قال: أتشهد أني رسول الله، فقال: أنا أصم، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله، فذكر درجة الذي صبر على القتل، وقال: إن الأول أخذ برخصة الله([17]).
وقد صح عن رسول الله: أنه قال: {أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر}([18]).
ويقول ابن عطية: وذهب جمهور المفسرين إلى أن معنى الآية: إلا أن تخافوا منهم خوفاً. وهذا هو معنى التقية([19]).
واختلف العلماء في التقية ممن تكون؟ وبأي شيء تكون؟ وأي شيء تبيح؟
فأما الذي تكون منه التقية فكل قادر غالب مكره يخاف منه، فيدخل في ذلك الكفار إذا غلبوا وجورة الرؤساء والسلابة وأهل الجاه في الحواضر، قال مالك رحمه الله: وزوج المرأة قد يكره.
وأما بأي شيء تكون التقية ويترتب حكمها؛ فذلك بخوف القتل، وبالخوف على الجوارح، وبالضرب بالسوط، وبسائر التعذيب، فإذا فُعِل بالإنسان شيء من هذا أو خافه خوفاً متمكناً فهو مكره، وله حكم التقية، والسجن إكراه، والتقييد إكراه، والتهديد والوعيد إكراه، وعداوة أهل الجاه الجورة تقية، وهذه كلها بحسب حال المكره، وبحسب الشيء الذي يكره عليه، فكم من الناس ليس السجن فيهم بإكراه، وكذلك الرجل العظيم يكره بالسجن والضرب غير المتلف ليكفر، فهذا لا تتصور تقيته من جهة عظم الشيء الذي طلب منه، ومسائل الإكراه هي من النوع الذي يدخله فقه الحال.
وأما أي شيء تبيح، فاتفق العلماء على إباحتها للأقوال باللسان من الكفر وما دونه، ومن بيع وهبة وطلاق،  وإطلاق القول بهذاكله، ومن مداراة ومصانعة. وقال ابن مسعود: مامن كلام يدأ عني بسوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلماً به.
واختلف الناس في الأفعال، فقال جماعة من أهل العلم - منهم الحسن ومكحول ومسروق -: يفعل المكره كل ما حمل عليه مما حرم الله فعله وينجي نفسه بذلك. وقال مسروق: فإن لم يفعل حتى مات دخل النار. وقال كثير من أهل العلم - منهم سحنون -: بل إن لم يفعل حتى مات فهو مأجور، وتركه ذلك المباح أفضل من استعماله .... وقال جمع كثير من العلماء: التقية إنما هي مبيحة للأقوال، فأما الأفعال فلا. روي ذلك عن ابن عباس والربيع والضحاك، وروي ذلك عن سحنون، وقال الحسن في الرجل يقال له: اسجد لصنم وإلا قتلناك، قال: إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد يجعل نيته لله، فإن كان إلى غير القبلة فلا وإن قتلوه، قال ابن حبيب: وهذا قول حسن([20]).
ويقول ابن الجوزي: قوله تعالى: (( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً )) قرأ يعقوب والمفضل عن عاصم «تقية» بفتح التاء من غير ألف، قال مجاهد: إلا مصانعة في الدنيا. قال أبو العالية: التقاة باللسان، لا بالعمل.
ثم قال: والتقية رخصة، وليست بعزيمة، قال الإمام أحمد وقد قيل: إن عرضت على السيف تجيب؟ قال: لا. وقال: إذا أجاب العالم تقية والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟!
 وقال: الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها، وفي الإكراه المبيح لذلك عن أحمد روايتان: إحداهما: أنه يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمر به.
والثانية: أن التخويف لا يكون إكراها حتى ينال بعذاب.
وإذ ثبت جواز «التقية» فالأفضل ألا يفعل، نص عليه أحمد في أسير خير بين القتل وشرب الخمر، فقال: إن صبر على القتل فله الشرف، وإن لم يصبر فله الرخصة. فظاهر هذا الجواز. وروى عنه الأثرم أنه سئل عن التقية في شرب الخمر فقال: إنما التقية في القول. فظاهر هذا أنه لا يجوز له ذلك.
فأما إذا أُكره على الزنا لم يجز له الفعل، ولم يصح إكراهه، نص عليه أحمد، فإن أُكره على الطلاق لم يقع طلاقه، نص عليه أحمد، وهو قول مالك والشافعي([21]).
ويقول الرازي: اعلم أن للتقية أحكاماً كثيرة، ونحن نذكر بعضها:
الحكم الأول: أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار، ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز - أيضاً - أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط أن يضمر خلافه، وأن يعرض في كل ما يقول؛ فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب.
الحكم الثاني للتقية: هو أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل، ودليله ما ذكرناه في قصة مسيلمة.
الحكم الثالث للتقية: أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة، وقد تجوز - أيضاً - فيما يتعلق بإظهار الدين، فأما ما يرجع ضرره إلى الغير - كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين - فذلك غير جائز البتة.
الحكم الرابع: ظاهر الآية يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين، إلا أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس.
الحكم الخامس: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال، يحتمل أن يحكم فيها بالجواز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد»، ولأن الحاجة إلى المال شديدة، والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء، وجاز الاقتصار على التيمم دفعاً لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز ههنا؟! والله أعلم.
الحكم السادس: قال مجاهد: هذا الحكم كان ثابتا في أول الإسلام لأجل ضعف المؤمنين، فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا.
 وروى عوف عن الحسن أنه قال: التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة. وهذا القول أولى؛ لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان([22]).
ويقول الألوسي في قوله تعالى: ((إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً)): في الآية دليل على مشروعية التقية، وعرفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء، والعدو قسمان: الأول من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين، كالكافر والمسلم، والثاني من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية، كالمال والمتاع والملك والإمارة، ومن هنا صارت التقية قسمين: أما القسم الأول: فالحكم الشرعي فيه: أنَّ كل مؤمن وقع في محل لا يمكن أن يظهر دينه لتعرض المخالفين وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه، ولا يجوز له أصلاً أن يبقى هناك ويخفي دينه ويتشبث بعذر الاستضعاف، فإن أرض الله تعالى واسعة.
نعم. إن كان ممن لهم عذر شرعي في ترك الهجرة كالصبان وانساء والعميان والمحبوسين، والذين يخوفهم المخالفون بالقتل أو قتل الأولاد أو الآباء أو الأمهات تخويفاً يظن معه إيقاع ما خوفوا به غالباً، سواء كان هذا القتل بضرب العنق، أو بحبس القوت، أو بنحو ذلك؛ فإنه يجوز له المكث مع المخالف، والموافقة بقدر الضرورة، ويجب عليه أن يسعى في الحيلة للخروج أو الفرار بدينه، ولو كان التخويف بفوات المنفعة أو بلحوق المشقة التي يمكن تحملها - كالحبس مع القوت، والضرب القليل الغير مهلك- لا يجوز له موافقتهم.
وفي صورة الجواز أيضاً: موافقتهم رخصة، وإظهار مذهبه عزيمة، فلو تلفت نفسه لذلك فإنه شهيد قطعاً.
ثم قال: وأما القسم الثاني فقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمها فيه([23]).
ويقول محمد رشيد رضا: وقد استدل بعضهم بالآية على جواز التقية، وهي مايقال أو يفعل مخالفا للحق لأجل توقي الضرر، ولهم فيها تعريفات وشروط وأحكام، وقيل: إنها مشروعة للمحافظة على النفس والعرض والمال. وقيل: لا تجوز التقية لأجل المحافظة على المال، وقيل: إنها خاصة بحال الضعف. وقيل: بل عامة، وينقل عن الخوارج أنهم منعوا التقية في الدين مطلقاً وإن أكره المؤمن وخاف القتل؛ لأن الدين لا يقدم عليه شيء، ويرد عليهم قوله تعالى: (( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ))، وقصارى ما تدل عليه الآية أن للمسلم أن يتقي ما يتقى من مضرة الكافرين، وقصارى ماتدل عليه آية سورة النحل (( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ )) ما تقدم آنفاً، وكل ذلك من باب الرخص لأجل الضرورات العارضة، لا من أصول الدين المتبعة دائماً، ولذلك كان من مسائل الإجماع وجوب الهجرة على المسلم من المكان الذي يخاف فيه إظهار دينه ويضطر فيه إلى التقية([24]).
ويقول المراغي: ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال، إلا في حال الخوف من شيء تتقونه منهم، فلكم حينئذ أن تتقوهم بقدر ما يبقى ذلك الشيء؛ إذ القاعدة الشرعية: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح([25]).
ويقول في قوله تعالى: (( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ))، ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة.
وعلى هذه الأقوال سار بقية المفسرين والعلماء من أهل السُنة والجماعة في القديم والحديث.
إذاً فالتقية رخصة يلجأ اليها المسلم إذا وقع تحت وطأة أحوال عصيبة جداً تصل به إلى حد القتل والإيذاء العظيم فيضطر إلى إظهار خلاف ما يبطن، وهي غالباً ما تكون مع الكفار، واتفقوا على هذا التصور العام، على خلاف يسير في بعض ما يتعلق بالمسألة، كالقول بزوالها بعد عزة الإسلام، أو جوازها إلى يوم القيامة، وأفضلية اختيار العزيمة عليها في مواطن الإكراه، وكونها جائزة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بينهم الحالة بين المسلمين والكافرين، وغيرها مما مر بك، وهي لا تخرج في جميع أحوالها عن كونها رخصة في حال الضرورة، وعن كونها تتعلق بالظاهر لا بما تكنه القلوب.
التقية عند بقية فرق المسلمين:
وعلى هذا  أيضاً -أو قريب منه- سارت بقية فرق السلمين، كالمعتزلة، حيث أجازوا التقية عند الخطر المهلك وعند خوف تلف النفس، وفي ذلك يقول أبو الهذيل العلاف: إن المكره إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما أكره عليه، فله أن يكذب، ويكون وزر الكذب موضوعاً عنه([26]).
وأما الخوارج فانقسموا في هذا، فقسم - وهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق - منعوا التقية، ونددوا بمن يعمل بها بشدة، وكفروا القاعدين عن الثورة في وجه الظلم والظالمين، وفي ذلك يقول نافع بن الأزرق: التقية لا تحل والقعود عن القتال كفر واضح؛ لقوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أو أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً)) [النساء: 77]، ولقوله تعالى: ((يجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ)) [المائدة: 54].
والقسم الثاني - وهم النجدات أتباع نجدة بن عويمر - أجازوا التقية في القول والعمل ولو أدى ذلك إلى قتل النفس التي حرم الله.
والقسم الثالث - وهم الصفرية أتباع زياد بن الأصفر - صاروا وسطاً بين هؤلاء وهؤلاء فأجازوها في القول دون الفعل.
أقوال علماء الشيعة في التقية:
وننتقل الآن إلى ذكر أقوال علماء الشيعة في تفسير الآيات السابقة، ثم نشرع في بيان المقصود:
يقول القمي: وقوله: (( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ))[آل عمران:28]^؛ فإن هذه الآية رخصة ظاهرها خلاف باطنها، يدان بظاهرها ولا يدان بباطنها، إلا عند التقية، إن التقية رخصة للمؤمن أن يراه الكافر فيصلي بصلاته ويصوم بصيامه إذا اتقاه في الظاهر، وفي الباطن يدين لله بخلاف ذلك([27]).
ويقول الطوسي: فالتقية: الإظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب؛ للخوف على النفس إذا كان ما يبطنه هو الحق، فإن كان ما يبطنه باطلا كان ذلك نفاقاً([28]).
والتقية عندنا واجبة عند الخوف على النفس، وقد روي رخصة في جواز الإفصاح بالحق عندها([29]).
ويقول الطبرسي في قوله تعالى: ((إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)): والمعنى: أن يكون الكفار غالبين والمؤمنون مغلوبين، فيخافهم المؤمن إن لم يظهر موافقتهم ولم يحسن العشرة معهم، فعند ذلك يجوز له إظهار مودتهم بلسانه ومداراتهم تقية منه ودفعاً عن نفسه من غير أن يعتقد ذلك.
 وفي هذه الآية دلالة على أن التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس، وقال أصحابنا: إنها جائزة في الأحوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح، وليس تجوز في الأفعال في قتل المؤمن، ولا فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه استفسار في الدين([30]).
وقال في جوامع الجامع: وهذه رخصة في موالاتهم – أي: الكفار- عند الخوف، والمراد بهذهالموالاة: المخالفة الظاهرةوالقلب مطمئن بالعداوة([31]).
ويقول الكاشاني: منع من موالاتهم ظاهرا وباطنا في الأوقات كلها إلا وقت المخافة، فإن إظهار الموالاة حينئذ جائز بالمخالفة([32]).
ويقول شبر: ((إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)): تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه ورخص لهم إظهار موالاتهم إذا خافوهم مع إبطان عداوتهم، وهي التقية التي تدين بها الإمامية([33]).
ويقول الجنابذي: إن خاف أحد من الكافرين على نفسه أو ماله أو عياله أو عرضه أو إخوانه المؤمنين جاز له إظهار الموالاة مع الكافرين مخالفة لما في قلبه، لا أنه يجوز موالاتهم حقيقة؛ فإن التقية المشروعة المأمور بها أن تكون على خوف من معاشرك إن اطلع على ما في قلبك فتظهر الموافقة له بما هو خلاف ما في قلبك([34]).
ويقول الشهيد الأول: التقية: مجاملة الناس بما يعرفون وترك ما ينكرون حذراً من غوائلهم([35]).
وقال في قواعده: التقية تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة:
 فالواجب إذا علم أو ظن نزول الضرر بتركها به أو ببعض المؤمنين.
والمستحب: إذا كان لا يخاف ضررا عاجلا ويتوهم ضررا آجلا أو ضررا سهلا، أو كان تقية في المستحب، كالترتيب في تسبيح الزهراء عليها السلام وترك بعض فصول الأذان.
والمكروه: التقية في المستحب حيث لا ضرر عاجلا ولا آجلا، ويخاف منه الالتباس على عوام المذهب.
والحرام: التقية حيث يؤمن الضرر عاجلاً وآجلاً، أو في قتل مسلم، قال أبو جعفر عليه السلام: إنما جعلت التقية ليحقن بها الدماء، فإذا بلغ الدم فلا تقية.
والمباح التقية في بعض المباحات التي ترجحها العامة ولا يحصل بتركها ضرر.
وقال: التقية تبيح كل شئ حتى إظهار كلمة الكفر، ولو تركها حينئذ أثم، إلا في هذا المقام ومقام التبري من أهل البيت؛ فإنه لا يأثم بتركها، بل صبره إما مباح أو مستحب، وخصوصا إذا كان ممن يقتدى به([36]).
ويقول الحائري: مثل أن يكون المؤمن بينهم – أي: الكافرين - ويخاف منهم، فإن كانت الموالاة حينئذ مع اطمئنان النفس بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع؛ فحينئذ لا بأس، وهذه رخصة، فلو صبر حتى قتل كان أجره عظيماً([37]).
ويقول الطباطبائي في قوله تعالى (( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)): والاستثناء منقطع فإن التقرب من الغير خوفاً بإظهار آثار التولي ظاهراً من غير عقد القلب على الحب والولاية ليس من التولي في شيء ... وفي الآية دلالة ظاهرة على الرخصة في التقية على ما روي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، كما تدل عليه الآية النازلة في قصة عمار وأبويه ياسر وسمية، وهي قوله تعالى: (( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ))[النحل:106]^ ([38]).
ويقول السبزواري: إن من خالط الكفار وعايشهم لا بأس له بأن يظهر مودتهم بلسانه ومداراتهم تقية منهم ودفعاً لضررهم عن نفسه من غير عقيدة بهم وبطريقتهم ومسلكهم. وقيل: التقية رخصة، والإفصاح بالحق فضيلة، وإن قتل القائل، يشهد على ذلك قصة عمار ووالديه([39]).
ويقول عبد الحميد المهاجر: الآية صريحة في أن الإسلام لا يسمح لك أن تتخذ الكافر وليا من دون المؤمنين، إلا إذا وجدت نفسك في مأزق لا تستطيع الخروج منه بغير إعلان التقية، وهي أنك تقول شيئا أو تفعل شيئا بخلاف ما تعتقد من أجل الحفاظ على نفسك والإبقاء على حياتك([40]).
ويقول ناصر مكارم: (( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً))، هذا استثناء من الحكم المذكور، وهو إذا اقتضت الظروف، فللمسلمين أن يظهروا الصداقة لغير المؤمنين الذين يخشون منهم على حياتهم. وقال: أما إذا كانت التقية سبباً في ترويج الباطل وضلالة الناس وإسناد الظلم فهي هنا حرام([41]).
ويقول الروحاني في تعريف التقية والمراد بها ههنا: الإتيان بعمل لا يهدم حقا ولا يبني باطلاً، مخالف للحق، أو ترك عمل موافق للحق، أو كتمان المذهب تحفظاً عن ضرر الغير على الشخص، أو الإسلام، أو التشيع، أو إعزازاً للدين وإعلاءً لكلمة الإسلام والمسلمين، وتقوية لشوكتهم. وتفصيل هذا التعريف الجامع: أنه ربما يخاف على النفس أو العرض من إتيان العمل الموافق لمذهب الحق، أو ترك ما يخالفه، أو إظهار ما يعتقده، وربما لا يخاف على ذلك.
 والأول على قسمين؛ إذ الخوف قد يكون مع سبق الاكراه، وقد يكون بدونه، والثاني أيضا على قسمين: إذ ربما يترتب على التقية إعلاء كلمة الإسلام، وقد لا يترتب عليها، والأخير خارج عن التقية، وما قبله من أقسام التقية، وعليه فتنقسم التقية إلى أقسام أربعة: التقية الخوفية، والتقية الاكراهية، والتقية الكتمانية، والتقية المداراتية([42]).
ويقول كاشف الغطاء: والعمل بالتقية له أحكامه الثلاثة: فتارة يجب، كما إذا كان تركها يستوجب تلف النفس من غير فائدة، وأخرى يكون رخصة،كما لو كان في تركها والتظاهر بالحق نوع تقوية له، فله أن يضحي بنفسه، وله أن يحافظ عليها، وثالثة يحرم العمل بها، كما لو كان ذلك موجبا لرواج الباطل وإضلال الخلق، وإحياء الظلم والجور، ومن هنا تنصاع لك شمس الحقيقة ضاحية، وتعرف أن اللوم والتعيير بالتقية - إن كانت تستحق اللوم والتعيير - ليس على الشيعة، بل على من سلبهم موهبة الحرية، وألجأهم إلى العمل بالتقية([43]).
وعلى هذا المنوال سار بقية المفسرين والعلماء من الشيعة في بيان المسألة، ويظهر مما سبق أنهم لا يختلفون مع أهل السُنة والجماعة في مفهوم التقية كما مر ذكره.
أقوال الشيعة في مجالات التقية:
وأضاف آخرون من القوم أن مجال التقية إنما هو حدود القضايا الشخصية الجزئية عند وجود الخوف على النفس والنفيس([44]).
وزعم البعض أن التقية لا تدخل في باب العقائد عندهم؛ لأنها إذن ورخصة تباح في بعض الحالات الخاصة التي حددتها كتب الفقهاء، ويعدون التقية من الفروع، ولا ينزلونها منزلة العقائد؛ لأنها رخصة([45]).
ادعاء بعض الشيعة أنه لا مكان للتقية في زماننا هذا:
وادعى آخرون منهم أنه لا مكان للتقية في زماننا هذا، ولا مسوغ لها ولا مبرر، وأنها أصبحت في خبر كان([46]).
ويقولون: اذهب الآن إلى أين شئت من بلاد الشيعة، فلن تجد للتقية عندهم عيناً ولا أثراً، ولو كانت ديناً ومذهباً في كل حال لحافظوا عليها محافظتهم على تعاليم الدين ومبادئ الشريعة([47]).
حقيقة التقية عند الشيعة ومنزلتها:
إن حقيقة التقية ومقاصدها عند الشيعة تختلف تماما عما مر بك آنفا، فبيانهم وتفسيرهم للتقية بهذه الصورة هو في ذاته أول تطبيق عملي للتقية، فهي تقية مركبة إن صح التعبير، وإليك بيان ذلك:
يعتقد الشيعة - خلافاً لما مر - أن التقية واجبة لا يجوز تركها إلى يوم القيامة، وأن تركها بمنزلة ترك الصلاة، وأنها تسعة أعشار الدين، ومن ضروريات مذهب التشيع، ولا يتم الإيمان إلا بها، وليست رخصة في حال الضرورة كما مر، بل هي ضرورة في ذاتها، وإنما تكون من مخالفيهم في المذهب.
يقول الصدوق: اعتقادنا في التقية أنها واجبة، من تركها بمنزلة من ترك الصلاة.
وقال: والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة([48]).
ويقول صاحب الهداية: والتقية واجبة لا يجوز تركها إلى أن يخرج القائم، فمن تركها فقد دخل في نهي الله عز وجل ونهي رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- والأئمة صلوات الله عليهم([49]).
ويقول عباس القمي: التقية فريضة واجبة علينا في دولة الظالمين، فمن تركها فقد خالف دين الإمامية وفارقه([50]).
ويقول العاملي: الأخبار متواترة صريحة في أن التقية باقية إلى أن يقوم القائم([51]).
وجعلوا تركها من الموبقات التي تلقي بصاحبها في قعر جهنم، كما ذكر ذلك الخميني في المكاسب المحرمة، وروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: أن من صلى الخمس كفر الله ذنوبه ولم يبق عليه شيء من الذنةب إلا الموبقات، وهي جحد النبوة أو الإمامة أو ظلم إخوانه أو ترك التقية([52]).
ثم ناقض الخميني نفسه في موضع حيث قال: إن التقية حرام، وإظهار الحقائق واجب مهما كانت النتيجة([53]).
وقد وضعوا على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه وبقية أئمة أهل البيت رحمهم الله ما يؤيد هذا الاعتقاد:
 فرووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: تارك التقية كتارك الصلاة([54]).
ومثله عن الصادق رحمه الله أنه قال: لو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً([55]).
ورووا: تارك التقية كافر([56]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: « التقية من دين الله، ولا دين لمن لا تقية له، والله لو لا التقية ما عبد الله» ([57]).
ورووا عن علي رضي الله عنه أنه قال: « التقية ديني ودين أهل بيتي» ([58]).
وعن الباقر رحمه الله أنه قال: «التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان - وفي لفظ ولا دين -لمن لا تقية له» ([59]).
وعن الصادق رحمه الله أنه قال: «إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له» ([60]).
وعنه أيضاً أنه قال: «إن التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له» ([61]).
وقوله: «لا خير فيمن لا تقية له، ولا إيمان لمن لا تقية له» ([62]).
وقوله: «أبى الله عز وجل لنا ولكم في دينه إلا التقية» ([63]).
وقوله: «التقية من دين الله عز وجل، قلت - أي: الراوي-: من دين الله؟ قال: أي والله من دين الله» ([64]).
وقوله: «لا دين لمن لا تقية له، وإن التقية لأوسع مما بين السماء والأرض. وقال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يتكلم في دولة الباطل إلا بالتقية» ([65]).
وقوله: «يغفر الله للمؤمنين كل ذنب ويطهر منه الدنيا والآخرة، ما خلا ذنبين: ترك التقية، وتضيع حقوق الإخوان» ([66]).
ورووا عن الرضا رحمه الله أنه قال: «لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، إن أكرمكم عند اللهعز وجل أعملكم بالتقية» ([67]).
ولم يقتصر الأمر على هذا، بل وضعوا روايات ترغب في العمل بالتقية، فرووا عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: مثل مؤمن لا تقية له كمثل جسد لا رأس له([68]).
وعن علي رضي الله عنه أنه قال: «التقية من أفضل أعمال المؤمنين» ([69]).
وعن زين العابدين رحمه الله أنه سئل: «من أكمل الناس في خصال الخير؟ قال: أعملهم بالتقية» ([70]).
وعن الباقر أنه قال للصادق رحمهما الله: «ما خلق الله شيئاً أقر لعين أبيك من التقية، والتقية جنة المؤمن» ([71]).
وعنه أيضاً أنه قال: «أشرف أخلاق الأئمة والفاضلين من شيعتنا التقية» ([72]).
وعن الصادق عليه السلام أنه قال: «ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخبء. قيل: وما الخبء؟ قال: التقية» ([73]).
وعن سفيان بن سعيد عن الصادق عليه السلام قال: «يا سفيان! عليك بالتقية؛ فإنها سنة إبراهيم الخليل عليه السلام» ([74]).
وعنه أيضاً قال: «إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله» ([75]).
وعن حبيب بن بشير عن الصادق قال: « سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إلي من التقية، يا حبيب! إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب! من لم يكن له تقية وضعه الله» ([76]).
وقال: «استعمال التقية في دار التقية واجب، ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقية» ([77]).
وقال: «إن التقية واسعة، وليس شئ من التقية إلا وصاحبها مأجور عليها» ([78]).
وعنه أيضاً أنه قال: «يؤتى بالواحد من مقصري شيعتنا في أعماله بعد أن صان الولاية والتقية وحقوق إخوانه، ويوقف بازائه ما بين مائة وأكثر من ذلك إلى مائة ألف من النصاب - أي: أهل السُنة - فيقال له: هؤلاء فداؤك من النار. فيدخل هؤلاء المؤمنون الجنة وأولئك النصاب النار» ([79]).
بلزعموا أن ذلك تُرك إلى أهواء الناس دون ضوابط، فرووا عن الصادق رحمه الله أنه قال: «التقية في كل ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به. وفي رواية: التقية في كل شئ مضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله» ([80]).
ثم جعلوا العامل بها خيراً من أصحاب مهديهم المنتظر، فرووا عن الصادق عليه السلام أنه قال وقد سُئل: «أيهما أفضل: نحن أو أصحاب القائم عليه السلام؟ قال: فقال لي: أنتم أفضل من أصحاب القائم، وذلك أنكم تمسون وتصبحون خائفين على إمامكم وعلى أنفسكم من أئمة الجور، إن صليتم فصلاتكم في تقية، وإن صمتم فصيامكم في تقية، وإن حججتم فحجكم في تقية، وإن شهدتم لم تقبل شهادتكم، وعد أشياءً من نحو هذا مثل هذه. فقلت: فما نتمنى القائم عليه السلام إذا كان على هذا. قال: فقال لي: سبحان الله! أما تحب أن يظهر العدل ويأمن السبل وينصف المظلوم([81]).
روايات من طرق الشيعة في الترهيب من ترك التقية:
ثم وضع القوم روايات عديدة ترهب من ترك التقية قبل خروج المهدي المنتظر:
فعن الصادق عليه السلام أنه قال: «ليس منا من لم يلزم التقية» ([82]).
وقال: «إذا قام قائمنا سقطت التقية» ([83]).
وعن الرضا أنه قال: «من ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا» ([84]).
مهدي الشيعة في تقية:
والطريف أن مهدي القوم نفسه في تقية كما يزعمون([85])، بل ويروون النهي عن تسميته وذكره خوفاً وتقيةً، كروايتهم عن أبي عبد الله الصالحي قال: سألني أصحابنا بعد مضي أبى محمد (ع) أن أسأل عن الاسم والمكان، فخرج الجواب: إن دللتم على الاسم أذاعوه، وإن عرفوا المكان دلوا عليه([86]).
وعن محمد بن عثمان العمري - في حديث - أنه قال له: أنت رأيت الخلف بعد أبي محمد عليه السلام؟ قال: أي والله... إلى أن قال: فالاسم؟ قال: محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول ذلك من عندي، فليس لي أن أحلل ولا أحرم، ولكن عنه (ع)؛ فإن الأمر عند السلطان أن أبا محمد مضى ولم يخلف ولداً... إلى أن قال: وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتقوا الله وأمسكوا عن ذلك([87]).
وعن علي بن عاصم الكوفي قال: خرج في توقيعات صاحب الزمان: ملعون ملعون من سماني في محفل من الناس([88]).
وعن محمد بن عثمان العمري قال: خرج توقيع بخط أعرفه: من سماني في مجمع من الناس فعليه لعنة الله([89]).
وعن أبي خالد الكابلي قال: لما مضى علي بن الحسين (ع) دخلت على محمد بن علي الباقر (ع) فقلت: « جعلت فداك، قد عرفت انقطاعي إلى أبيك وأنسي به ووحشتي من الناس. قال: صدقت يا أبا خالد، تريد ماذا؟ قلت: جعلت فداك، قد وصف لي أبوك صاحب هذا الأمر بصفة لو رأيته في بعض الطرق لأخذت بيده: قال: فتريد ماذا يا أبا خالد؟ قال: أريد أن تسميه لي حتى أعرفه باسمه. فقال: سألتني - والله - يا أبا خالد عن سؤال مجهد، ولقد سألتني بأمر ما لو كنت محدثاً به أحداً لحدثتك، ولقد سألتني عن أمر لو أن بني فاطمة عرفوه حرصوا على أن يقطعوه بضعة» ([90]).
والروايات في هذا الباب كثيرة، رغم ذكرهم لعشرات الروايات المصرحة باسمه وأنه محمد بن الحسن العسكري.
وعلى أية حال فإنَّ الروايات السابقة لم تخل من أخرى معارضة لها، كشأن جميع عقائدهم، ولكن ليس هذا مكان بسطها.
ثم يزعمون أنه لا فرق بين غيبة الإمام وحضوره في زمان التقية، لاستوائهما في كونه عليه السلام موجوداً ممنوعاً من التصرف، والأخبار وكلام الأصحاب يومئ إلى ذلك، وإباحتهم - عليهم السلام - لشيعتهم إنما وقع في زمانهم عليهم السلام، وكذا الأمر في الجمعة، وقد احتج الأصحاب بذلك، بثبوتهما في زمان الغيبة، وفي الواقع لا فرق بينهما([91]).
وبهذا نكون قد وقفنا على شيء من حقيقة التقية ومنزلتها عند الشيعة، ولاشك في أنك لن تجد أحداً من القوم يذكر عند كلامه عن التقية هذه الحقائق، فغالبا ما تراهم يرددون أقوال أهل السُنة في المسألة ويظهرونها بأنها من المسلمات عند الفريقين، وأنهم - أي: الشيعة - لا يختلفون عن سائر فرق المسلمين في التقية بأنها رخصة وقتية يلجأ اليها المسلم في حال الضرورة لرفع ضرر كبير يقع عليه ويودي به إلى النطق بكلمة الكفر أو إظهار خلاف ما يبطن، شريطة أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان.
مشروعية التقية عند الشيعة في الأمن ودون توافر أسبابها:
 
إذاً فالقوم لا يرون في التقية أنها مشروعة في حال الضرورة، لذا تراهم قد وضعوا روايات تحث عليها من دون أن تتوافر أسبابها، كالخوف أو الإكراه، حتى تكون بذلك مسلكاً فطرياً عند الشيعة في حياتهم تصاحبهم حيث ذهبوا.
فرووا - مثلاً - عن الصادق رحمه الله أنه قال: «عليكم بالتقية؛ فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجيته مع من يحذره» ([92]).
بل رووا: «اتق حيث لا يتقى» ([93]).
ويذكر الخميني في معرض كلامه عن أقسام التقية أن منها التقية المداراتية، وعرفها بقوله: والمراد بالتقية مداراة أن يكون المطلوب فيها نفس شمل الكلمة ووحدتها بتحبيب المخالفين وجر مودتهم من غير خوف ضرر، كما في التقية خوفاً([94]).
فهو يؤكد خلاصة عقيدة التقية عند القوم، وهي أنها لا تعلق لها بالضرر أو الخوف الذي من أجله شرعت التقية، بل قال صراحةً: ثم إنه لا يتوقف جواز هذه التقية، بل وجوبها على الخوف على نفسه أو غيره، بل الظاهر أن المصالح النوعية صارت سبباً لإيجاب التقية عن المخالفين، فتجب التقية وكتمان السر ولو كان مأموناً وغير خائف على نفسه وغيره([95]).
ويضيف آخر: وقد تكون التقية مداراة من دون خوف وضرر فعلي بأن يكون المقصود منها هو جلب مودة العامة والتحبيب بيننا وبينهم([96]).
ويقول آخر: ومنها: التقية المستحبة، وتكون في الموارد التي لا يتوجه فيها للإنسان ضرر فعلي وآني، ولكن من الممكن أن يلحقه الضرر في المستقبل، كترك مداراة العامة ومعاشرتهم([97]).
يضيف مكارم الشيرازي في معرض كلامه عن التقية وغاياتها: وقد يتبين مما ذكر أن غاية التقية لا تنحصر في حفظ الأنفس ودفع الخطر عنها أو عمَّا يتعلق بها من الأعراض والأموال، بل قد يكون ذلك لحفظ وحدة المسلمين وجلب المحبة ودفع الضغائن فيما ليس هناك دواع مهمة إلى إظهار العقيدة والدفاع عنها، كما أنه قد يكون لمصالح أخر من تبليغ الرسالة بنحو أحسن... فهي - بمعناها الوسيع - تكون على أقسام: التقية الخوفية، والتقية التحبيبية، والتقية لمصالح أخر مختلفة، وغير خفي أنها بأجمعها تشترك في معنى واحد وملاك عام، وهو إخفاء العقيدة أو إظهار خلافها لمصلحة أهم من الإظهار... من غير فرق بين أن تكون المصلحة التي هي أهم حفظ النفوس أو الأعراض والأموال، أو جلب المحبة ودفع عوامل الشقاق والبغضاء، أو غير ذلك مما لا يحصى([98]).
فبالغوا في هذا الباب حتى انقلب السحر على الساحر، فرووا عن الصادق عليه السلام  أنه قال: « وايم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتم: لا نفعل، إنما نتقي، ولكانت التقية أحب إليكم من آبائكم وأمهاتكم، ولو قد قام القائم ما احتاج إلى مساءلتكم عن ذلك، ولأقام في كثير منكم من أهل النفاق حد الله» ([99]).
وهكذا نجد أن شروط المشروعية كالخوف أو الضرر قد سقطت، وهي أصل جواز التقية، لنتبين شيئاً فشيئاً اختلاف تقية القوم عن مفهومها عند غيرهم من المسلمين.
وبعد هذه المقدمة الموجزة في بيان مفهوم التقية ومنزلتها عند الشيعة والجهة التي تجوز منها وأسبابها، وقبل الشروع في نقد هذه العقيدة وبيان فسادها؛ نذكر بعض النماذج التطبيقية من كتب الشيعة في بعض أبواب الفقه وغيرها، ثم نتكلم في المطلوب.
نماذج من  روايات الشيعة المحمولة على التقية:
 عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: « قال علي بن أبي طالب عليه السلام في قول الله عز وجل: ((ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)) [التكاثر: 8]، قال: الرطب والماء البارد. قال المجلسي: لعله محمول على التقية» ([100]).
وعن الصادق عليه السلام: « في قوله تعالى: ((حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا)) [يوسف: 110]، قال: وكلهم الله إلى أنفسهم فظنوا أن الشيطان قد تمثل لهم في صورة الملائكة». قال المجلسي: لعل هذا الخبر محمول على التقية، أو على أنه يسأل المخالفون عنها لا المؤمنون([101]).
وعنه - أيضاً - قال: «إن حواء خلقت من ضلع آدم، وفي رواية: خلقت حواء من جنب آدم وهو راقد». قال المجلسي: الأخبار السابقة محمولة على التقيةكما عرفت..([102]).
وعنه - أيضاً - قال: «إن آدم نزل بالهند». قال المجلسي: يمكن حمل هذه الرواية على التقية([103]).
وعن طاووس اليماني أنه سأل الباقر: « هل تعلم أي يوم مات ثلث الناس؟ فقال: يا أبا عبد الرحمن! لم يمت ثلث الناس قط، بل إنما أردت ربع الناس، قال: وكيف ذلك؟ قال: كان آدم وحواء وقابيل وهابيل، فقتل قابيل هابيل، فذلك ربع الناس». قال المجلسي: عدم ذكر اختيهما محمول على التقية([104]).
وفي قوله تعالى: (( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً )).. الآية - [الأنعام:74]، قال المجلسي: الأخبار الدالة على أنه كان أباه حقيقة محمولة على التقية([105]).
وعن الصادق قال: « إن إسماعيل عليه السلام توفي وهو ابن مائة وثلاثين سنة، قال المجلسي: الخبر محمول على التقية» ([106]).
وفي روايات الأئمة في أن الذبيح هو إسحاق وليس إسماعيل عليهما السلام. قال المجلسي: يمكن حمل هذه الأخبار على التقية([107]).
وعن الحلبي قال: « سألت أبا الحسن عليه السلام عن قوله تعالى: ((وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ..)) [الأنبياء: 78]، قال: كان حكم داود عليه السلام رقاب الغنم، والذي فهم الله عز وجل سليمان أن يحكم لصاحب الحرث باللبن والصوف ذلك العام كله». قال المجلسي: هذا الخير محمول على التقية([108]).
ويقول المجلسي: الجمع بين الأخبار الدالة عى تقديم وفاة يحيي عليه السلام على رفع عيسى عليه السلام، وبين ما دل على تأخرها عنه مشكل، إلا أن يحمل بعضها على التقية([109]).
وعن الباقر قال: « كان يحيى عليه السلام ابن خالة مريم. قال المجلسي: لعل الخبر محمول على التقية» ([110]).
وفي بعض الروايات: « أن مريم كانت أخت أم يحيى». ولعل أحدهما محمول على التقية([111]).
وعن الباقر قال: «يوم عاشوراء هو اليوم الذي ولد فيه عيسى بن مريم عليه السلام». قال المجلسي: لعل الخبر محمول على التقية([112]).
يقول المجلسي: وفي أخبار ملاقاة داود دانيال، وكون بختنصر متصلاً بزمان سليمان عليه السلام، وكونه خرج بعد يحيى عليه السلام لا يبعد كون بختنصر معمراً، وكذا دانيال قد أدرك الوقتين، ويمكن أن يكون إحداهما محمولة على التقية([113]).
ويقول: الأخبار الدالة على أن الذي أماته الله مائة عام هو عزير محمولة على التقية([114]).
ويقول: الأخبار في اختلاف مدة مكث يونس في بطن الحوت يشكل رفعه، ولعل بعضها محمولة على التقية([115]).
ويروون عن الصادق عليه السلام أنه قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما حج نزل بالأبطح، ودعا أباه وأمه وعمه إلى الإسلام، فخرجوا من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم وأجابوه إلى الإسلام»، قال المجلسي: هذا الخبر محمول على التقية ([116]).
وعنه قال: « إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يكتحل بالإثمد إذا آوى إلى فراشه وتراً وتراً»، قال المجلسي: الخبر محمول على التقية([117]).
وعن الرضا قال: « في شهر رمضان نبىء محمد صلى الله عليه وآله وسلم». قال المجلسي: الرواية محمولة على التقية([118]).
وعن الصادق عليه السلام قال في رواية طويلة: « إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذهب إلى زيد في منزله يسأل عنه، فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيباً بفهر لها، فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الباب فنظر إليها - وكانت جميلة حسنة - فقال: سبحان الله خالق النور وتبارك الله أحسن الخالقين، ثم رجع إلى منزله ووقعت زينب في قلبه وقوعاً عجيباً... » إلى آخر القصة السخيفة. قال المجلسي: لعل الخبرمحمول على التقية([119]).
وعن أبي سماك قال: روينا عن أبي عبد الله عليه السلام: « أن الإمام لا يغسله إلا الإمام، فسألت الرضا عن ذلك فقال: إن الذي بلغك حق. فقلت له: أبوك من غسله؟! ومن وليه؟! فقال: لعل الذين حضروه أفضل من الذين تخلفوا عنه. قلت: ومن هم؟! قال: حضروه الذين حضروا يوسف عليه السلام: ملائكة الله ورحمته». وفي رواية: « الذين حضروا يوسف في الجب حين غاب عنه أبواه وأهل بيته». قال المجلسي: لعل الخبرين محمولان على التقية، إما من أهل السُنة، أو من نواقص العقول من الشيعة([120]).
وعن الصادق قال: « زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا فاطمة على جرد برد ودرع وفراش من إهاب كبش». وفي رواية: « درع حطمية تساوي ثلاثين درهماً». قال المجلسي: الرابع : أن يكون في وجوه الجمع بين الروايات المختلفة بعض الأخبار محمولاً على التقية([121]).
وسئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الأيام وما يجوز فيها من العمل، فقال: « يوم السبت يوم مكر وخديعة، ويوم الأحد يوم غرس وبناء، ويوم الإثنين يوم سفر وطلب ». قال المجلسي: يمكن حمل ما ورد في الإثنين على التقية ([122]).
وعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: « خمس خصال تورث البرص: النورة يوم الجمعة والأربعاء... ». قال المجلسي: سيأتي عدم كراهة النورة يوم الجمعة وأن أخبار النهي محمولة على التقية. ([123]).
وعن الباقر عليه السلام قال: « يوم الخميس يوم يحبه الله ورسوله، وفيه ألان الله الحديد». قال المجلسي: هذا يخالف ظاهر ما مر من أن إلانة الحديد كانت يوم الثلاثاء، ويمكن حمل الرواية على التقية؛ لأن راويه من العامة([124]).
ويقول في رواية ذم فيها الكاظم عيد النيروز: إنها محمولة على التقية([125]).
وعن الصادق قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحتجم يوم الإثنين بعد العصر». وفي رواية: « الحجامة يوم الإثنين من آخر النهار تسل الداء سلاً من البدن». قال المجلسي: لا يبعد كون أخبار الإثنين محمولة على التقية لكثرة الأخبار الواردة في شؤمه..([126]).
وفي روايات: كراهة أن يسافر الرجال في محاق الشهر، وإذا كان القمر في العقرب.
قالوا: ويمكن حمل أمثال هذه الروايات على التقية على ما قيل([127]).
ويروون عن الصادق عليه السلام أنه قال: « لا بأس بكواميخ المجوس، ولا بأس بصيدهم للسمك». قال المجلسي: ... ويمكن حمله على التقية ...([128]).
وعن أبي الحسن عليه السلام قال: « المسوخ اثنا عشر». وذكر: «أن الفيل كان ملكاً زناءً لوطياً، والدب كان أعرابياً ديوثاً، والأرنب امراة تخون زوجها، والوطواط لأنه كان يسرق تمور الناس، وسهيل لأنه كان عشاراً باليمن، والزهرة كانت امرأة فتن بها هاروت وماروت، أما القردة والخنازير فلأنهم قوم من بني إسرائيل اعتدوا يوم السبت، أما الجري والضب ففرقة من بني إسرائيل حين نزلت المائدة على عيسى عليه السلام لم يؤمنوا به، فتاهوا فوقعت فرقة في البحر وفرقة في البر، أما العقرب فإنه كان رجلاً نماماً، وأما الزنبور فكان لحاماً يسرق من الميزان». قال المجلسي: وسائر الاختلاف في تلك الأخبار يمكن حمل بعضها على التقية، وبعضها على تعدد وقوع النسخ([129]).
وعن علي رضي الله عنه: « الفهد من الجوارح». قال المجلسي: الخبر بظاهره يدل على حل صيد الفهد وحمل على التقية..([130]).
وعن علي رضي الله عنه: « لا بأس بذبيحة المرأة». قال المجلسي: وفيها دلالة على المرجوحية والكراهية في الجملة إن لم تكن محمولة على التقية([131]).
وعن الصادق عليه السلام: « أنه سئل عن البقر: ما يصنع بها؟ تنحر أو تذبح؟ قال: السنة أن تذبح وتضجع للذبح، ولا بأس إن نحرت». قال المجلسي: قوله: (لا بأس إن نحرت) محمول على التقية([132]).
وفي ذبائح أهل الكتاب قال السبزاوي: وللجمع بينهما طريقان إحداهما: حمل أخبار الحل على التقية([133]).
وعن الصادق عليه السلام أنه قال: « أطلق في الميتة عشرة أشياء وذكر منها الإهاب»، قال المجلسي: وعلى التقديرين الإهاب محمول على التقية لذهاب أكثر العامة إلى جواز استعماله بعد الدباغة وإن كان من الميتة([134]).
وعن الصادق أنه قال: « مح البيض خفيف والبياض ثقيل». قال المجلسي: ... أو يكون الخبر الأول محمولاً على التقية([135]).
وعن ابن الكواء أنه سأل علياً عليه السلام: « إني وطئت دجاجة ميتة فخرجت منها بيضة، أفآكلها؟ قال: لا». قال المجلسي: والحديث عامي ويمكن حمل النهي على الكراهة أو التقية([136]).
ويقول المجلسي: أحاديث ذم اللحم محمولة على التقية([137]).
وعن موفق مولى أبي الحسن عليه السلام قال: « كان إذا أمر بشيء من البقل يأمر بالإكثار من الجرجير». قال المجلسي: يحتمل حمل هذه الأخبار على التقية([138]).
وذكر للرضا عليه السلام الوضوء قبل الطعام، فقال: « ذلك شيء أحدثته الملوك». قال المجلسي: يمكن حمل الخبر على التقية([139]).
وعن الصادق قال: « ثلاثة أنفاس في الشرب أفضل من نفس واحد في الشرب». قال المجلسي: يمكن كون التعدد محمولاً على التقية([140]).
وعن عبد الملك القمي أنه سأل الصادق: « أشرب وأنا قائم؟ فقال: إن شئت. قال: فأشرب بنفس واحد حتى أروى؟ قال: إن شئت». قال المجلسي: بعض الأخبار تشير إلى أن أخبار المنع محمولة على التقية([141]).
وعن الصادق عليه السلام: « أنه سئل عن الرجل يحلي أهله بالذهب؟ قال: نعم، النساء والجواري، وأما الغلمان فلا». قال المجلسي: يمكن حمل النهي على التقية([142]).
وسئل الكاظم عليه السلام: « عن جنب أصابت يده من جنابته، فمسحه بخرقه ثم أدخل يده في غسله قبل أن يغسلها، هل يجزيه أن يغتسل من ذلك الماء؟ قال: ان وجد ماءً غيره فلا يجزيه أن يغتسل منه». قال المجلسي: يمكن حمله على التقية([143]).
وعن الصادق عليه السلام أنه سئل: « هل على المرأة غسل من جنابتها إذا لميأتها الرجل؟ قال: لا. ...». قال العاملي: يمكن حمله على التقية([144]).
وعن الرضا عليه السلام: « أنه سئل عن الجنب ينام في المسجد، فقال: يتوضأ، ولا بأس أن ينام في المسجد ويمر فيه». قال العاملي: محمول على التقية لموافقته لبعض العامة([145]).
وعن الباقر عليه السلام: « أنه سئل عن الجنب كيف يصنع؟ قال: اغسل كفيك وفرجك وتوضا وضوء الصلاة ثم اغتسل». قال العاملي: محمول على التقية([146]).
وعن الصادق عليه السلام: « أنه سئل عن المرأة حاضت ثم طهرت في سفر فلم تجد الماء يومين أو ثلاثة، هل لزوجها أن يقع عليها؟ قال: لا». قال العاملي: هذا محمول على التقية لموافقته الكثير من العامة بعد حصول التنبيه والإشعار بالتحريم([147]).
وعن إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام في طعام أهل الكتاب فقال: « لا تأكله. ثم سكت هنيئة ثم قال: لا تأكله. ثم سكت هنيئة ثم قال: لا تأكله ولا تتركه تقول: إنه حرام، ولكن تتركه تنزهاً عنه». قال المجلسي نقلاً عن البهائي: قوله: (لا تأكله ولا تتركه) محمول على التقية([148]).
وسئل الكاظم عليه السلام  عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء: أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: « لا، إلا أن يضطر إليه».  حمل المجلسي الاضطرار على التقية فقال: الجواب الثاني: إلا أن يحمل الاضطرار على التقية أو لغير الطهارة...([149]).
وعن ابن رئاب قال: سألت الصادق عن الخمر والنبيذ والمسكر يصيب ثوبي أأغسله وأصلي فيه؟ قال: « صل فيه، إلا أن تقذره فتغسل منه موضع الأثر، إن الله تبارك وتعالى إنما حرم شربها». قال المجلسي: .... وحمله القائلون بالنجاسة على التقية([150]).
وعن الصادق عليه السلام: « أنه سئل عن ذرق الدجاج: تجوز الصلاة فيه؟ قال: لا». قال الطوسي: يجوز أن يكون محمولاً على ضرب من الاستحباب أو محمولاً على التقية؛ لأن ذلك مذهب كثير من العامة([151]).
وعنه أيضاً: « أنه سئل عن بول السنور والكلب والحمار والفرس، فقال: كأبوال الإنسان». قال الطوسي: ... ويجوز أن يكون الوجه في هذه الأحاديث أيضاً ضرباً من التقية؛ لأنها موافقة لمذاهب بعض العامة([152]).
وعنه أيضاً عن الباقر قال: « لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف». قال الطوسي: فالوجه في هذه الرواية أن نحملها على ضرب من التقية لأنها مخالفة لأصول المذهب([153]).
وعن الكاظم عليه السلام: « أنه سئل عن الرجل يرقد وهو قاعد، هل عليه وضوء؟ فقال: لا وضوء عليهما دام قاعداً». قال الحر العاملي: هذا محمول على التقية لما مر([154]).
وسئل الكاظم عليه السلام: « عن الرجل يجامع ويدخل الكنيف وعليه الخاتم فيه ذكر الله والشيء من القرآن، أيصلح ذلك؟ قال: لا». قال المجلسي والطوسي: الظاهر أنه محمول على التقية.
وعن الباقر: « كان نقش خاتم أبي محمد بن علي عليه السلام: (العزة لله جميعاً)، كان في يساره يستنجي بها، وكان نقش خاتم علي عليه السلام: (الملك لله)، وكان في يده اليسرى يستنجي بها». قال المجلسي: الظاهر أنه محمول عى التقية كما حمله الشيخ في التهذيب([155]).
وهنا أقول: لم أقف على علة حمل أمثال هذه الرواية على التقية، فهل كان في بيوت خلاء الأئمة من يخشونهم فيتقونهم؟
وعن العسكري قال: « أمرناكم بالتختم في اليمين، والآن نأمركم بالتختم في الشمال». قال العاملي: هذه الأحاديث محمولةإما على....  أو على التقية؛ لأن الاقتصار على التختم على اليسار سنة معاوية وبني أمية([156]).
وعن الرضا عليه السلام : « ليس عليك وضوء من مس الفرج ولا من مس الذكر». قال المجلسي: والأخبار الدالة على نقضها محمولة على التقية، وبعضهم حملوها على الاستحباب ([157])
وعن الصادق عليه السلام: « أنه سئل عن الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط. قال: كل شيء يابس زكى». قال العاملي: أقول: هذا محمول على التقية([158]).
وعن الكاهلي: « سألت العبد الصالح عليه السلام عن الرجل يخفق وهو جالس في الصلاة، قال: لا بأس بالخفقة، مالم يضع جبهته على الأرض أو يعتمد عليها». قال المجلسي والنوري: لعله محمول على التقية([159]).
وعن زرارة وأبي حمزة عن الباقر عليه السلام في حديث كيفية الوضوء، ذكر فيه: « وضع يده في الاناء فمسح رأسه ورجليه». قال المجلسي: ما في الخبر من وضع اليد في الإناء للمسح محمول على التقية([160]).
وعن الصادق عليه السلام: « أنه سئل عن مسح الرأس ببلل اليد؟ قال: خذ لرأسك ماءً جديداً». قال الطوسي: محمول التقية([161]).
وعنه أيضاً: أنه قال: « امسح الرأس على مقدمه ومؤخره». قال الطوسي: محمولان على التقية([162]).
وعنه أيضاً: في رجل يتوضأ كله إلا رجليه ثم يخوض بهما في الماء. قال: « أجزأه ذلك». قال الطوسي: الخبر محمول على التقية([163]).
وعنه أيضاً:  « في الرجل يمسح رأسه من خلفه وعليه عمامة بإصبعه: أيجزيه ذلك؟ فقال: نعم». قال الطوسي: يحتمل أن يكون الخبر خرج مخرج التقية([164]).
وعنه أيضا: «إذا توضأت فامسح قدميك ظاهرهما وباطنهما». قال الطوسي: الخبر محمول على التقية([165]).
وعن زيد بن علي عن آبائه عن علي رضي الله عنه قال: « جلست أتوضأ وأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين ابتدأت في الوضوء.. إلى أن قال: وغسلت قدمي، فقال لي: يا علي! خلل ما بين الأصابع». قال الطوسي: هذا الخبر ورد مورد التقية؛ لأنه موافق للعامة([166]).
وسئل الصادق عليه السلام: « عن الرجل يمسح وجهه بالمنديل. قال: لا بأس به». وفي رواية: « أن الصادق توضأ للصلاة ثم مسح وجهه بأسفل قميصه، ثم قال: افعل هكذا؛ فإني هكذا أفعل». قال المجلسي والعاملي: يمكن حمل تلك الأخبار على التقية([167]).
وعن الكاظم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « افتحوا عيونكم عند الوضوء؛ لعلها لا ترى النار». وفي رواية: « أشربوا أعينكم الماء». قال المجلسي: لا يبعد حمل الخبرين على التقية([168]).
وعنه - أيضاً - « أنه سئل عن رجل توضأ ونسي غسل يساره. قال: يغسل يساره وحدها ولا يعيد وضوء شيء غيرها». قال المجلسي: ربما يحمل على التقية([169]).
وعن الصادق عن الباقر عن علي رضي الله عنه في الذي يخرج من دبره الدود، قال: «يتوضأ». قال النوري: قلت: لابد من حمله على التقية([170]).
وعنه أيضاً: « أن أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر في حجة الوداع، فأمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تقعد ثمانية عشر يوماً، فأيما امرأة طهرت قبل ذلك فلتغتسل ولتصل». قال المجلسي: ربما تحمل أخبار الثمانية عشر على النسخ أو على التقية.([171]).
ويقول المجلسي بعد أن ذكر إجماع الشيعة على أنه لا يجتمع حيض مع حمل: إن أخبار الاجتماع محمولة على التقية([172]).
وعن الصادق أنه قال في كفارة من جامع في الطمث: « إنه يتصدق إذا كان في أوله بدينار، وفي أوسطه نصف دينار، وفي آخره ربع دينار». قال المجلسي: يمكن حمل أخبار الكفارة على التقية([173]).
وعن علي رضي الله عنه قال: « لا تسجد الحائض إذا سمعت السجدة». قال المجلسي: الأظهر حمل الرواية على التقية، وكذا قال العاملي؛ لأن أكثر العامة ذهبوا إلى المنع([174]).
وعن الصادق: « أنه سئل عن النفساء: كم تقعد حتى تصلي؟ قال: ثماني عشر، سبع عشر، ثم تغتسلوتحتشي وتصلي». قال العاملي: محمول على التقية([175]).
وعن الصادق عن الباقر عن علي رضي الله عنه قال: « تقعد النفساء أربعين يوماً». قال النوري: الخبر محمول على التقية([176]).
ويقول المجلسي بعد أن ذكر اختلاف الشيعة في عدد الضربات في التيمم: الأصوب عندي حمل أخبار الضربتين على التقية([177]).
وعن الصادق: « أنه سئل عن التيمم، فوضع يده على الأرض فمسح بها وجهه وذراعيه إلى المرفقين». قال الطوسي: فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على ضرب من التقية؛ لأنه موافق لمذاهب العامة. وكذا قال العاملي([178]).
وقال الطوسي في روايات جواز إقعاد الميت عند غسله: إنها محمولة على التقية([179]).
وعن زيد بن علي عن آبائه عن علي رضي الله عنهم قال: « الغسل من سبعة: من الجنابة وهو واجب، ومن غسل الميت، وإن تطهرت أجزأك». قال الطوسي: قوله: (وإن تطهرت أجزأك)، محمول على التقية([180]).
وعن الصادق: « أنه نفض المسك عن الكفن وقال: ليس هذا من الحنوط في شيء». قال المجلسي: ما روي من تحنيط النبي صلى الله عليه وآله وسلم إما محمول على التقية أو مخصوص به([181]).
وعن علي رضي الله عنه قال: « لا تجمروا الأكفان». قال المجلسي والطوسي: لا يبعد حمل الأخبار الواردة بالجواز على التقية([182]).
وعن الصادق عن الباقر عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « نعم الكفن الحلة». قال الطوسي: فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على التقية؛ لأنه موافق لمذاهب العامة([183]).
وعن الباقر: « أنه قال في أحق الناس بالصلاة على المرأة إذا ماتت: زوجها». قال المجلسي: الروايات بأن الأخ أولى من الزوج محمولة على التقية. وكذا قال الطوسي؛ لأنها موافقة لمذهب العامة([184]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: « لا تصلوا على جنازة مرتين». قال المجلسي والعاملي: الأظهر عندي حمل أخبار المنع على التقية([185]).
وعن الرضا أنه قال: « إذا صليت على جنازة مؤمن فقف عند صدره أو عند وسطه، وارفع يديك بالتكبير الأول». قال المجلسي: الأخبار الدالة على عدم استحباب رفع اليدين في الجميع محمولة على التقية([186]).
وعن الصادق في كيفية الصلاة على الميت قال بعد أن ذكر الكيفية: « فإذا فرغت سلمت عن يمينك». قال الطوسي: قوله (فإذا فرغت سلمت عن يمينك) فإنه خرج مخرج التقية؛ لأنها موافقة لمذهب العامة([187]).
وعن الرضا في الصلاة على الجنائز: « تقرأ في الأولى بأم الكتاب، وفي الثانية تصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتدعو في الثالثة للمؤمنين والمؤمنات، وتدعو في الرابعة لميتك، والخامسة تنصرف بها». قال الطوسي: لو صح الخبر لكان محمولاً على ضرب من التقية؛ لأنه موافق لمذهب العامة([188]).
وعن الباقر: « أنه سئل عن التكبير على الجنازة: هل فيه شيء مؤقت أو لا؟ قال: لا. كبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد عشر وتسعاً وسبعاً وخمساً وستاً وأربعاً». قال الطوسي: ماتضمن هذا الخبر من زيادة التكبير على الخمس مرات متروك بالإجماع - أي: عند الشيعة - أما ما يتضمن من الأربع تكبيرات فمحمول على التقية؛ لأنه مذهب المخالفين([189]).
وعن الكاظم: « أنه سئل عن الصلاة على الجنازة إذا احمرت الشمس: أتصلح؟ قال: لا صلاة إلا وقت صلاة، فإذا وجبت الشمس فصل المغرب ثم صل على الجنازة». قال المجلسي والنوري: الرواية محمولة على التقية([190]).
وعن الصادق قال: « تكره الصلاة على الجنائز حين تصفر الشمس وحين تطلع». قال الطوسي: يمكن أن يكون وجه الكراهة في ذلك أنه مذهب بعض العامة، فخرج مخرج التقية([191]).
وعن الصادق قال: « ينبغي لمن شيع جنازة أن لا يجلس حتى توضع في اللحد». قال المجلسي: لا يبعد أن يكون خبر النهي محمولا على التقية([192]).
ويقول الطوسي: يجوز أن ينزل القبر بالخفين عند الضرورة والتقية ([193])
وعن علي رضي الله عنه: « أن قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفع من الأرض قدر شبر وأربع أصابع، ورش عليه الماء. قال علي: والسنة أن يرش على القبر الماء». قال المجلسي: لعل زيادة الأربع أصابع محمولة على التقية([194]).
وعن الصادق قال: « كان المؤذن يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحر في صلاة الظهر، فيقول له رسول الله: أبرد أبرد». قال المجلسي: حمله بعضهم على التقية([195]).
وعن الصادق قال: « لا صلاة بعد العصر حتى تصلي المغرب، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس». قال الطوسي: فالوجه في هذه الأخبار وما جانسها أن تكون محمولة على التقية([196]).
وعن الصادق: « وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها». قال المجلسي: الأخبار المعتبرة الكثيرة تدل على القول الثاني، وهو استتار القرص، ولعل الأكثر إنما عدلوا عنها لموافقتها لمذهب العامة، فحملوها على التقية([197]).
وعن سماعة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام في المغرب: إنا ربما صلينا ونحن نخاف أن تكون الشمس خلف الجبل أو قد سترها الجبل. فقال: « ليس عليك صعود الجبل». قال المجلسي والعاملي: الأولى حمل الخبر على التقية([198]).
وعن الصادق قال: « من أخّر المغرب حتى تشتبك النجوم من غير علة فأنا إلى الله منه بريء». قال المجلسي: يمكن حملها على التقية أيضاً([199]).
وعن أبي العرندس: « أنه رأى الكاظم في رمضان حين قال المؤذن: (الله أكبر) صب له غلامه فناوله وشرب». قال المجلسي: يمكن حمله على التقية([200]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى آخر الليل». قال المجلسي: يمكن حمله على التقية([201]).
وسئل الصادق: « عن الصلاة في لباس الفراء والسنور والسنجاب والثعالب وجميع الجلود، قال: لابأس بالصلاة به». قال الطوسي والعاملي: محمول على التقية؛ لأنه تضمن على ذكر الثعالب والسنور([202]).
وعن داود الصرمي: « سألت الصادق عن الصلاة في الخز يغشى بوبر الأرانب، فكتب: يجوز ذلك». قال الطوسي والمجلسي: الأظهر حمله على التقية([203]).
وعن الصادق قال: « قال الله عز وجل لموسى عليه السلام: (فاخلع نعليك)؛ لأنها كانت من جلد حمار ميت». قال المجلسي: يظهر أن الخبر محمول على التقية. وكذا قال العاملي([204]).
وعن الباقر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً، فإن الله عز وجل لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قال المجلسي: لا يبعد حمل أخبار المنع على التقية([205]).
وعن الصادق أنه قال: « الأذان (الله أكبر الله أكبر)، في آخره: (لا إله إلا الله) مرة». قال المجلسي والعاملي: يمكن حمل وحدة التهليل في الأذان على التقية([206]).
وعن علي رضي الله عن قال: « يستقبل المؤذن القبلة في الأذان والاقامة، فإذا قال: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) حول وجهه يميناً وشمالاً». قال المجلسي: لعل الالتفات محمول على التقية([207]).
وعن الصادق قال: « لا بأس بالتطريب في الأذان إذا أتم وبين بالألف والهاء». قال المجلسي: لعله محمول على التقية([208]).
وعن الباقر قال: « كان أبي ينادي في بيته الصلاة خير من النوم، ولو رددت ذلك لم يكن به بأس». قال الطوسي والمجلسي: حمله الأصحاب على التقية([209])، فلا أدري بمن كان يخشى الإمام في عقر داره في الفجر؟!
وعن الصادق قال: « الإقامة مرة مرة، إلا قوله: (الله أكبر) فإنه مرتين». وفي رواية: « الأذان مثنى مثنى، والإقامة واحدة واحدة». قال الطوسي: فالوجه في هذين الخبرين ضرب من التقية؛ لأنهما موافقان لمذاهب بعض العامة([210]).
وعن الصادق عن أبيه قال: « صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة وجهر فيها بالقراءة. فلما انصرف قال لأصحابه: هل أسقطت شيئاً في القرآن؟ فسكت القوم، فقال النبي: أفيكم أبي بن كعب؟ فقالوا: نعم. فقال: هل أسقطت فيها شيئاً؟ قال: نعم يا رسول الله، إنه كذا وكذا». قال المجلسي: يمكن حملها على التقية([211]).
فلا أدري بعلة حمل هذه الرواية على التقية، أهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نُسِّى وأسقط آيات من القرآن تقية؟! ثم التقية ممن؟
أم أن الصادق رحمه الله قد اختلق هذه الرواية تقية؟!
وعن الصادق: « في رجل عطس في الصلاة فشمَّته رجل. قال: فسدت صلاة ذلك الرجل». قال المجلسي والعاملي: لعل هذا الخبر محمول على التقية([212]).
وعن الباقر: « إذا أرادت المرأة الحاجة وهي في صلاتها صفقت بيدها». قال المجلسي: يتوهم التقية في الخبر([213]).
وعن الكاظم: « أنه سئل عن الرجل في الصلاة فيسلم عليه الرجل، هل يصلح له أن يرد؟ قال: نعم، يقول: السلام عليك. فيشير عليه بإصبعه». قال المجلسي والعاملي: أما الإشارة فيمكن أن تكون محمولة على التقية([214]).
وعن الباقر قال: « لا تسلموا على المصلي؛ لأن المصلي لا يستطيع أن يرد السلام». قال المجلسي: الظاهر أن النهي عن التسليم محمول على التقية([215]).
وعن الصادق: « في رجل صلى صلاة فريضة وهو معقوص الشعر. قال: يعيد صلاته». قال المجلسي: لا يبعد حملها على التقية([216]).
وعن الصادق: « في الرجل يضع يده على ذراعه في الصلاة؟ قال: لا بأس؛ إن بني إسرائيل كانوا إذا دخلوا في الصلاة دخلوا متماوتين كأنهم موتى». قال المجلسي: يحتمل أن يكون الخبر بتمامه محمولاً على التقية([217]).
وعن الكاظم عليه السلام عن رجل قرأ سورتين في ركعة، قال: « إذا كانت الصلاة نافلة فلا بأس فأما الفريضة فلا يصلح». قال المجلسي: يمكن حمل أخبار الجواز على التقية([218]).
وعن الصادق عليه السلام: « أنه سئل عن السورة أيصلي الرجل بها في الركعتين من الفريضة؟ قال: نعم». قال الطوسي: فهذا الخبر محمول على ضرب من التقية؛ لأنه موافق لمذهب العامة([219]).
وعن الكاظم عليه السلام: « أنه سئل عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة النجم، أيركع بها أو يسجد ثم يقوم فيقرأ بغيرها؟ قال: يسجد ثم يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب ويركع، ولا يعود يقرأ في الفريضةبسجدة». قال المجلسي: يمكن حمل الرواية على التقية([220]).
ويقول المجلسي فيما ورد من تجويز ترك البسملة في غير الفاتحة: محمول على التقية([221]).
وعن الصادق عليه السلام في الرجل يكون إماماً فيستفتح بالحمد ولا يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال: « لا يضره ولابأس به». قال الطوسي: محمول على التقية([222]).
وعنه - أيضاً - في قول الناس في الصلاة جماعة حين تقرأ فاتحة الكتاب: (آمين)، قال: ما «أحسنها، واخفض الصوت بها». قال الطوسي: لو صح هذا الخبر لكان محمولاً على التقية([223]).
وعن الرضا: « أنه نهى عن قراءة المعوذتين في صلاة الفريضة، ولا بأس في النوافل؛ لأنها من الرقية، ليستا من القرآن، أدخلوها في القرآن». قال المجلسي: النهي عن قراءة المعوذتين في الفريضة محمول على التقية([224]).
وقال صاحب دعائم الإسلام: روينا عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وعن علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد عليهم السلام: « أنهم كانوا يجهرون بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) فيما يجهر فيه بالقراءة من الصلوات في أول فاتحة الكتاب وأول السورة في كل ركعة، ويخافتون بها فيما يخافت من السورتين جميعاً. قال الحسن بن علي عليه السلام: اجتمعنا ولد فاطمة على ذلك». قال المجلسي: الإخفات بالبسملة في الإخفاتية محمول على التقية([225]).
وعن المهدي المنتظر: « أنه سئل عن القراءة أفضل في الركعتين الأخيرتين أم التسبيح، فجاء الجواب بالقراءه». قال العاملي: هذه يمكن حملها على التقية([226]).
ويقول المجلسي: أجمع الأصحاب على أنه لا يجوز السجود على ما ليس من الأرض ولا نباتها، والأخبار الدالة على الجواز محمولة على التقية([227]).
وعن الكاظم: « أنه سئل عن الرجل هل يجزيه أن يسجد في السفينة على القر؟ قال: لا بأس». قال المجلسي: يمكن حمل الخبر على التقية([228]).
وقال ابن إدريس في معرض كلامه عن سجود التلاوة: إنه يجب على السامع السجود. وذكر انه إجماع الأصحاب، قال المجلسي: يمكن حمل ما دل على عدم الوجوب على التقية([229]).
وعن الصادق قال: « القنوت في الوتر في الركعة الثالثة». قال المجلسي: يمكن حمله على التقية([230]).
وعن الباقر قال: « القنوت قبل الركوع، وإن شئت فبعده». قال الطوسي: قوله: (وإن شئت فبعده) محمول على التقية لأنه مذهب العامة([231]).
وعن الصادق: «أنه سئل عن القنوت في أي الصلوات؟ فقال: لا تقنت إلا في الفجر». قال الطوسي: محمول على التقية؛ لأن من العامة من يذهب إلى ذلك([232]).
وعن الصادق: « أنه سئل عن القنوت في الجمعة، فقال: ليس فيها قنوت». قال الطوسي: محمول على التقية([233]).
وعن أبي الحسن: « أنه سئل عن رجل نسي القنوت في المكتوبة، قال: لا إعادة عليه». قال الطوسي: إنما أراد: لا إعادة عليه إذا كانت الحال حال التقية([234]).
وعن الرضا: « أنه سئل عن سجدة الشكر، فقال: أي شيء سجدة الشكر؟! فقيل: يسجدون بعد الفريضة سجدة واحدة ويقولون هي سجدة الشكر. فقال: إنما الشكر إذا أنعم الله تعالى على عبده النعمة». قال الطوسي: هذا الخبر محمول على التقية([235]).
وعن هارون بن خارجة: « أنه رأي الصادق وهو ساجد وقد رفع قدميه من الأرض وإحدى قدميه على الأخرى». قال العاملي: حمله بعضهم على التقية([236]).
وعن زرارة قال: « رأيت الصادق والباقر إذا رفعا رؤسهما من السجدة الثانية نهضا ولم يجلسا». قال العاملي: يمكن حمل الخبر على التقية([237]).
وعن زين العابدين: « أنه إذا سافر صلى ركعتين ثم ركب راحلته وبقي مواليه يتنفلون فيقف ينتظرهم، فقيل: ألا تنهاهم؟ فقال: إني أكره أن أنهى عبداً إذا صلى، والسنة أحب إلي». قال المجلسي: عدم نهيه وقوله: (السنة أحب إلي) محمولان على التقية([238]).
وعن علي رضي الله عنه قال: « كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بعد كل صلاة ركعتين». قال المجلسي: يمكن حمله على التقية([239]).
وعن الصادق قال: « إن الرب تبارك وتعالى ينزل في كل ليلة جمعة إلى السماء الدنيا من أول الليل، وكل ليلة في الثلث الأخير - وفي بعض النسخ وأمامه ملكان - ينادي: هل من تائب فيتاب عليه؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ هل من سائل فيعطى سؤله. فإذا طلع الفجر عاد الرب إلى عرشه فقسم الأرزاق بين العباد». قال المجلسي: محمول على التقية([240]).
وعنه - أيضاً - قال: « قنوت الوتر بعد الركوع في الثالثة». قال المجلسي: محمول على التقية([241]).
وعنه - أيضاً - عن الباقر عن آبائه عن علي رضي الله عنه قال: « من صلى بالناس وهو جنب أعاد هو والناس صلاتهم». قال المجلسي: هذا الخبر يمكن حمله على التقية([242]).
ويقول المجلسي: أخبار البناء - في الشك والسهو في الصلاة- على الأقل محمولة على التقية([243]).
وقال المجلسي: إن روايات سجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم للسهو محمولة على التقية([244]).
فهل افتعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته ما استوجب سجود السهو من أجل التقية؟!
وقال في روايات اختصاص الإمام بسجدتي السهو دون المأمومين بأنه يمكن حملها على التقية([245]).
« وسئل الصادق عن رجل نسي المغرب حتى صلى ركعتين من العشاء، قال: يتم صلاته ثم يصلي المغرب بعد». قال المجلسي: يمكن حمله على التقية([246]).
وعن الرضا في سجدتي السهو قال: « إذا نقصت فقبل التسليم وإذا زدت فبعده».
وعن الصادق أنه سئل: « متى أسجد سجدتي السهو؟ قال: قبل التسليم». قال الطوسي: الخبران محمولان على ضرب من التقية؛ لأنهما موافقان لمذاهب كثير من العامة([247]).
وعن الباقر: « قال في الرجل إذا جلس للتشهد فحمد الله: أجزأه». قال الطوسي: قال محمد بن الحسن: الوجه في هذا الخبر التقية؛ لأنه مذهب العامة([248]).
وعن الصادق: « أن علياً رضي الله عنه صلى بالناس على غير طهر، وكانت الظهر، ثم دخل فخرج مناديه: إن أمير المؤمنين صلى على غير طهر، فأعيدوا، فليبلغ الشاهد الغائب». قال العاملي: الحديث محمول على التقية([249]).
فمن أين أتت التقية في هذه القصة؟! هل زعم أمير المؤمنين رضي الله عنه أنه كان جنباً تقيةً؟! أم أن الصادق رحمه الله اختلق هذه الرواية من أجل التقية، كما مر بنا في روايات شبيهة؟!
ألا تتعارض هذه الرواية وأمثالها مع القول بعصمة الأئمة؟!
وقال المجلسي في الاختلاف في مسافة القصر في الصلاة بين الأربعة والثمانية فراسخ - بعد أن رجح الأربعة - ومنهم من قال بالثمانية، فالتعبير عن الأربعة بالثمانية يمكن أن يكون لنوع من التقية([250]).
وعن الصادق قال: « كان أبي يقضي نوافل النهار في الليل». قال المجلسي: الأظهر عندي حملها على التقية([251]).
وعن الصادق قال: « فرض الله على كل خائف ركعة». قال المجلسي: يمكن حمله على التقية([252]).
وعن الصادق: «أنه سئل عن الجمعة، قال: أذان وإقامة، يخرج الإمام بعد الأذان فيصعد المنبر». قال المجلسي: يمكن حمله على التقية([253]).
وقال المجلسي في الاختلاف في جواز تخطي الرقاب يوم الجمعة من عدمه: يشكل حمله على التقية؛ لعدم المعارض([254]).
وعن الباقر عن أبيه: « أن علياً رضي الله عنه كان يكره رد السلام والإمام يخطب». قال المجلسي: كراهة رد السلام لعلها محمولة على التقية([255]).
وعن الصادق: « ليس على أهل القرى جماعة ولا خروج في العيدين». قال الطوسي: الرواية محمولة على التقية([256]).
وعن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي رضي الله عنهم قال: « لا جمعة إلا في مصر تقام فيه الحدود». قال الطوسي: هذا الخبر ورد مورد التقية؛ لأنه مذهب بعض العامة([257]).
وعن الباقر قال: « لا بأس بأن تصلي خلف الناصب - أي: السني - ولا تقرأ فيما يجهر فيه؛ فإن قراءته تجزيك إذا سمعتها». قال الطوسي: هذا الخبر محمول على التقية([258]).
وقال المجلسي في تعارض روايات تكبيرات العيدين وكونها قبل القراءة أو بعدها: روايات التكبيرات قبل القراءة ينبغي حملها على التقية، وكذا قال الطوسي؛ لأنها موافقة لمذهب بعض العامة([259]).
وعن الكاظم: « أنه سئل عن التكبير في أيام التشريق، قال: إلى آخر أيام التشريق من صلاة العصر». قال المجلسي عن التكبير بعد الظهرين في اليوم الثالث: يمكن حمله على التقية([260]).
وعنه أيضاً عن آبائه عن علي رضي الله عنه: « أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى الكسوف بالناس.. إلى أن قال: فمضت السنة أن صلاة الكسوف ركعتان فيها أربع ركعات وأربع سجدات». قال الطوسي: محمول على التقية؛ لأنهها موافقة لمذهب بعض العامة([261]).
وعن الصادق في ليلة السابع والعشرين من رمضان قال: « وفيه ليلة القدر». قال المجلسي: محمول على التقية([262]).
وعنه - أيضاً - في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان، قال: « عليه قضاؤه». قال الطوسي: يمكن حمله على التقية؛ لأنه موافق لمذهب بعض العامة([263]).
وعنه - أيضاً - في رجل صائم اغتمس في الماء متعمداً، أعليه قضاء ذلك اليوم؟ قال: « ليس عليه قضاء، ولا يعودَنَّ». قال الطوسي: الوجه في هذه الأخبار حملها على التقية؛ لأن ذلك موافق للعامة([264]).
وعن الرضا في رجل أصابتة جنابة في شهر رمضان فنام متعمداً حتى أصبح، أي شيء عليه؟ قال: « لا يضره هذا ولا يفطر ولا يبالي». قال الطوسي: نحمله على التقية؛ لأن ذلك رواية العامة عن عائشة. وكذا قال العاملي([265]).
وعنه - أيضاً - والباقر أنهما قالا: « زكاة الفطر صاع من تمر أو زبيب أو شعير، أو نصف ذلك كله حنطة أو دقيق أو سويق أو ذرة أو سلت ... ». قال الطوسي: هذه الأخبار وما يجري مجراها خرجت مخرج التقية([266]).
وعن الرضا أنه سئل: « هل تجوز شهادة النساء في التزويج من غير أن يكون معهن رجل؟ قال: لا، هذا لا يستقيم». قال الطوسي: الخبر ورد مورد التقية؛ لأن ذلك مذهب العامة([267]).
وعن زيد بن علي عن آبائه عن علي رضي الله عنهم قال: « حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة». قال الطوسي: هذه الرواية وردت مورد التقية، وعلى ما يذهب إليه مخالفوا الشيعة([268]).
وعن الصادق أنه سئل: « جارية بكر بين أبويها تدعوني إلى نفسها سراً من أبويها، أفأفعل ذلك؟ قال: نعم، واتق موضع الفرج. قال: وإن رضيت بذلك؟ قال: وإن رضيت بذلك؛ فإنه عار على الأبكار». وفي رواية: « لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت من غير إذن وليها». قال الطوسي في أخبار النهي عن التمتع بالبكر: إن الأخبار في ذلك خرجت مخرج التقية([269]).
وعن الباقر: « أنه سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية؟ قال: لا بأس». قال الطوسي: ما جرى مجري هذه الأخبار مما تضمن إباحة نكاح اليهوديات والنصرانيات فإنها تحتمل أن تكون خرجت مخرج التقية؛ لأن كل من خالفنا يذهب إلى إباحة ذلك([270]).
وعن أبي الحسن: « أنه سئل عن الذي يحرم من الرضاع، فقال: قليله وكثيره حرام». قال الطوسي: هذا الخبر يجوز أن يكون خرج مخرج التقية؛ لأنه موافق لمذهب العامة([271]).
وعن الصادق قال: « الرضاع بعد الحولين قبل أن يفطم يحرم». قال الطوسي: لأن هذا الخبر موافق للعامة خرج مخرج التقية([272]).
وعنه أيضاً: « أنه سئل عن إتيان النساء في أعجازهن؟ قال: ليس به بأس، وما أحب أن تفعله». قال الطوسي في أخبار النهي عن إتيان النساء في أدبارهن: يحتمل أنها وردت مورد التقية([273]).
وعنه أيضاً: «في الرجل يأتي أهله من خلفها قال: هو أحد المأتيين، فيه الغسل». قال الطوسي في ذلك: يمكن أن يكون الخبر ورد مورد التقية؛ لأنه لا غسل على المرأة إذا أتيت في دبرها([274]).
وعن أبي الحسن: «أنه سئل عن قناع النساء الحرائر من الخصيان، فقال: كانوا يدخلون على بنات أبي الحسن عليه السلام ولا يتقنعن». قال الطوسي: هذا الخبر خرج مخرج التقية([275]).
وعن الصادق عن علي رضي الله عنه: « أن امرأة سألته: إن زوجي طلقني. قال: غسلت فرجك؟ قالت: لا، قال: فزوجك أحق ببضعك ما لم تغسلي فرجك. وفي رواية: إذا طلق الرجل المرأة فهو أحق بها مالم تغتسل من الثالثة». قال الطوسي: الخبران خرجا مخرج التقية([276]).
وعنه - أيضاً - أنه قال: « عدة التي تحيض ويستقيم حيضها ثلاثة اقراء، وهي ثلاث حيض». قال الطوسي: الوجه في هذه الأخبار أن تكون محمولة على التقية([277]).
وعنه - أيضاً - عن الباقر قال: « قال علي رضي الله عنه: لا وصية لوارث». قال الطوسي: هذا الخبر ورد مورد التقية؛ لأنة موافق لمذاهب جميع العامة([278]).
وعن زرارة: « أن الصادق أراه صحيفة الفرائض، فإذا فيها: لا ينقص الجد من السدس شيئاً، ورأيت سهم الجد فيها مثبتاً». قال الطوسي: فالوجه في هذه الأخبار أنها وردت مورد التقية لموافقتها لبعض العامة([279]).
وعن الصادق أنه سئل: « ما تقول في زيارة قبر الحسين رضي الله عنه؛ فإنه بلغنا عن بعضكم أنه تعدل حجة وعمرة؟ قال: ما أضعف هذا الحديث! ما تعدل هذا كله، ولكن زوروه ولا تجفوه؛ لأنه سيد شباب أهل الجنة». قال المجلسي والعاملي: الأظهر أنه محمول على التقية([280]).
وعنه أيضاً: « أنه سئل إذا أتى قبر الحسين رضي الله عنه، أأجعله قبلة إذا صليت؟ قال: تنح هكذا ناحية». قال المجلسي: لعل الأمر بالتنحي محمول على التقية([281]).
وعنه أيضاً: « أنه سئل عن زيارة قبر الحسين رضي الله عنه فقال: زره ولا تتخذه وطناً». قال المجلسي: لعل النهي عن اتخاذه وطنا محمول على التقية([282]).
وعنه أيضاً عن الباقر: « أن علياً رضي الله عنه لم يكن ينسب أحداً من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكنه كان يقول هم إخواننا بغوا علينا». قال العاملي: هذا محمول على التقية([283]).

ولا شك في أن القارئ قد مل، وهو يظن أننا قد أطلنا عليه، ولكن حقيقة الأمر أننا لو أردنا نقل كل ما ورد في هذا الباب لاحتاج الأمر إلى مجلد أو أكثر.

الحوادث التاريخية التي وقعت في عصر الأئمة
أخي القارئ الكريم! إن المسائل التي مرت بك - أو جلها - كانت - بزعم الشيعة - لأئمة أهل البيت رحمهم الله الذين عاصروا حُكَّام بني أمية وبني العباس، من مروان بن عبد الملك الأموي إلى المأمون العباسي؛ أي: الإمام زين العابدين، والباقر، والصادق، والكاظم، والرضا رحمهم الله، وفي هذه الفترة مرت على الدولتين من الحوادث ما يحتاج بيانه إلى مجلدات، ولكن لا بأس بأن نمر على شيء منها على عجالة شديدة توطئة لبيان المقصود.
فمن هذه الحوادث:
 وثوب عمرو بن سعيد بن العاص على دمشق في غيبة عبد الملك بن مروان، وأراد الخلافة، فجاء عبد الملك وجرى بينهما قتال وحصار، ثم نزل إليه بالأمان.
ومنها: ما كان بين الأزارقة وبين المهلب من حرب شديدة، فقد دام القتال أشهراً.
 وفي سنة سبعين ثارت الروم ووثبوا على المسلمين، فصالح عبد الملك بن مروان ملك الروم على أن يؤدي إليه في كل جمعة ألف دينار خوفاً منه على المسلمين، حتى قالوا في ذلك: هذا أول وهن دخل على الإسلام، وما ذاك إلا لاختلاف الكلمة، ووجود خليفتان يتنازعان الأمر، فما شاء الله كان.
ومنها: الوقعة الهائلة بالعراق حيث تجهز عبد الملك وطلب العراق، وسار مصعب بن الزبير - أيضاً - يقصد الشام، فالتقى الجمعان، فخان مصعباً بعض جيشه، وأفلت زياد بن عمرو ومالك بن مسمع وطائفة ولحقوا بعبد الملك، وكان عبد الملك قد كتب إليهم يعدهم ويمنيهم حتى أفسدهم، وجعل مصعب كلما قال لمقدم من أمرائه: تقدم، لا يطيعه، واستظهر عبد الملك فأرسل إلى مصعب يبذل له الأمان، فقال: إن مثلي لا ينصرف عن هذا الموطن إلا غالباً أو مغلوباً، ثم إنهم أثخنوه بالرمي، ثم شدَّ عليه زائدة فطعنه وقال: يا لثارات المختار، وقتل مع مصعب ولداه عيسى وعروة، وإبراهيم بن الأشتر سيد النخع وفارسها، ومسلم بن عمرو الباهلي، واستولى عبد الملك على العراق وما يليها، فأمَّر أخاه بشراً على العراق وبعث الأمراء على الأعمال، وجهز الحجاج إلى مكة لحرب ابن الزبير.
وفيها: نازل الحجاج ابن الزبير فحاصره، ونصب المنجنيق على أبي قبيس، ودام القتال شهراً إلى أن قتل عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه.
وفيها وجه الحجاج زائدة بن قدامة الثقفي ابن عم المختار لحرب شبيب والخوارج، فالتقوا، فاستظهر شبيب وقتل زائدة، واستفحل أمر شبيب وهزم العساكر مرات.
ومنها: بعث الحجاج لحرب شبيب عندما قتل عثمان الحارثي عتاب بن ورقاء الخزاعي الرباحي، فلقي شبيباً بسواد الكوفة فقتل أيضاً عتاب، وهزم جيشه، فجهز الحجاج لقتاله الحارث بن معاوية الثقفي، فالتقوا، فقتل الحارث، فوجه الحجاج أبا الورد النضري فقتل، فوجه طهمان مولى عثمان فقتل، ففرق الحجاج وسار بنفسه، فالتقوا واشتد القتال، وسار شبيب إلى ناحية الأهواز وبها محمد بن موسى بن طلحة التيمي، فخرج لقتال شبيب، ثم بارزه فقتله شبيب، وسار إلى كرمان فتقوى ورجع إلى الأهواز، فبعث الحجاج لحربه سفيان الأبرد الكلبي وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي، فالتقوا على جسر دجيل، واشتد القتال حتى حجز بينهم الظلام، ثم ذهب شبيب وعبر على الجسر فقطع به، فغرق، وكان إليه المنتهى في الشجاعة والبأس، وأكثر ما يكون في مائتي نفس من الخوارج فيهزمون الألوف، وفيها غزا عبد الملك بنفسه، فدخل الروم وافتتح مدينة هرقلة.
ومن الحوادث: ما أصاب أهل الشام من طاعون كادوا يفنون من شدته.
وفي السنة التالية: بعث الحجاج على سجستان عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي، فلما استقر بها خلع الحجاج وخرج، ثم كانت بينهما حروب يطول شرحها، وفيها قام مع ابن الأشعث عامة أهل البصرة من العلماء والعُبَّاد، فاجتمع له جيش عظيم، والتقوا بعسكر الحجاج يوم الأضحى، فانكشف عسكر الحجاج وانهزم هو، وتمت بينهما بعد ذلك عدة وقعات، حتى قيل: كان بينهما أربع وثمانون وقعة على الحجاج، والآخرة كانت له.
ومنها: الحروب التي استعرت بالعراق بين الحجاج وابن الأشعث، وكاد ابن الأشعث أن يغلب على العراق، وبلغ جيشه ثلاثة وثلاثين ألف فارس ومئة وعشرين ألف راجل، ولم يتخلف عنه كثير، قاموا معه على الحجاج لله.
وفيها وقعة دير الجماجم، وكان شعار الناس: (يا ثارات الصلاة)؛ لأن الحجاج - قاتله الله كان يميت الصلاة ويؤخرها حتى يخرج وقتها.
ومنها: غزو محمد بن مروان بن الحكم لأرمينية، وفيها كانت وقعة بين المسلمين والروم بطوانة أصيب فيها المسلمون واستشهد نحو الألف.
ومنها: الملحمة الهائلة بناحية بخارى بين قتيبة والكفار، وفيها فتحت سردانية من المغرب.
ومنها زحف الترك وأهل فرغانة والصغد وعليهم ابن أخت ملك الصين في جمع لم يسمع بمثله. يقال: كانوا مائتي ألف، فلقيهم قتيبة بن مسلم فهزمهم.
 وفيها زحفت الروم في جمع عظيم، فلقيهم مسلمة فكسرهم أيضاً، وافتتح مسلمة حرثومة وطوانة، وفيها جهز موسى بن نصير ولده عبد الله، فافتتح جزيرتي ميورقة ومنورقة، وجهز ولده الآخر مروان، فغزا السوس الأقصى، وبلغ السبي أربعين ألفاً، وغزا مسلمة عمورية، فلقي الروم وهزمهم.
وفيها غزا قتيبة وردان خداه الغزوة الثانية، فاستصرخ عليه بالترك، فلقيهم قتيبة وكسرهم.
وفيها غزا مسلمة سورية وافتتح الحصون الخمسة، وفيها غدر ملك الطالقان واستعان بترك طرخان على قتيبة، ثم ظفر قتيبة بأهل الطالقان فقتل منهم صبراً مقتلة لم يسمع بمثلها، وصلب منهم سماطين طول كل سماط أربعة فراسخ في نظام واحد.
ومنها فتح إقليم الأندلس على يد طارق مولى موسى، فتحه في سنة ثلاث.
ومنهار فتح قتيبة لعدة فتوح، وهزم الترك، ونزل سمرقند في جيش عظيم، ونصب المنجنيق فجاءت نجدة الترك، فأكمن لهم كميناً فالتقوا في منتصف الليل، فاقتتلوا قتالاً عظيماً، ولم يفلت من الترك إلا اليسير.
وافتتح قتيبة سمرقند صلحاً، وبنى بها الجامع والمنبر، وأما الباهليون فيقولون: صالحهم على مئة ألف فارس، وعلى بيوت النار، وعلى حلية الأصنام، فسلبت ثم وضعت قدامه، فكانت كالقصر العظيم - أي: الأصنام - فأمر بتحريقها، ثم جمعوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال، واستعمل على البلد ابنه عبد الله، ورجع إلى مرو.
ومنها كانت الفتوح بأرض المغرب والأندلس وبأرض الروم وبأرض الهند، ولم يفتتح المسلمون منذ خلافة عثمان مثل هذه الفتوح التي جرت بعد التسعين شرقاً وغرباً.
ومنها: غزو قتيبة بن مسلم لفرغانة، فافتتحها بعد قتال عظيم، وبعث جيشاً فافتتحوا الشاش، وفيها افتتح مسلمة من أرض الروم سندرة.
ومنها غزو المسلمون لقسطنطينية، وعلى الناس مسلمة، وفيها افتتح يزيد بن المهلب بن أبي صفرة جرجان.
ومنها: وقعة بهرازان دون الباب بفرسخين، التقى المسلمون وعليهم الجراح الحكمي بالخاقان، فهزموه بعد قتال عظيم، وقتل في هذه الوقعة خلق كثير من الكفار.
ومنها: معارك الجراحِ الحكَمي وخاقان ملك الترك، ودام الحرب أياماً، ثم نصر الله دينه، وهزم الترك شر هزيمة، وكان المصاف بناحية أرمينية.
ومنها غزو المسلمون فرغانة، والتقوا بالترك، فقتل في الوقعة ابن خاقان، وفيها غزا الجراح الحكَمي وتوغل في بلاد الخزر، فصالحوه وأعطوه الجزية.
ومنها غزو أسد بن عبد الله القسرِِيّ أمير خراسان، فلقيه الغوز في جمع عظيم فهزمهم. وفيها زحف ابن خاقان إلى أذربَيجان وحاصر مدينة (ديان كذا) ونصَب عليها المجانيق، فسار إليه المسلمون فهزموه، وقتلوا من جيشه خلقاً كثيراً، ولكن استشهد أميرهم الحارث بن عمرو.
ومنها: فتح معاوية بن هشام قلعتين من أرض الروم، وفيها كانت وقعة الطين التي التقى فيهما مسلمة وطاغية الخزر بقرب باب الأبواب، فاقتتلوا أياماً كثيرةَ، ثم كان النصر - ولله الحمد - في جُمادى الآخرة، وفيها كانت وقعة بالمغرب أسر فيها بطريقُ المشركين.
ومنها: عزل مسلمة عن أَذرَبيجان، وأعيد الجراح الحكَمي، فافتتح مدينة البيضاء التي للخزر، فجمع ابن خاقان جمعاً عظيماً وسار فنزل أردبيل.
ومنها: مسير مسلمة في شدة البرد والثلج في بلاد الترك حتى جاوز الباب، وافتتح مدائن وحصوناً كثيرة، وافتتح معاوية بن هشام خرشنة من ناحية ملطية، وفيها زحف الجراح الحكمي من برذعة إلى ابن خاقان وهو محاصر أردبيل، فالتقى الجمعان واشتد القتال، فكسر المسلمون وقتل الجراح الحَكمي اليماني رضي الله عنه، وغلبت الخزر على أذربَيجان، وبلغت خيولهم إلى الموصل، وكان بأساً شديداً على الإسلام.
وفيها أخذت الخَزَزُ أردَبيل بالسيف، فبعث هشام إلى أذربيَجان سعيدَ بن عمرو الجرشي، فلقي الخزر وهزمهم واستنقذَ شيئاً كثيراً وغنائم ولَطفَ الله وسلَّم.
ومنها: لقاء المسلمون بالترك بظاهر سمرقَند، فاستشهد أميرهم وعامة أصحابه، وهو الأمير َسوْرَةُ بن أَبجر الدارمي عامل سمرقند، ثم لقيهم الجُنيد المرّي فهزمهم، وفيها أعيدَ مَسْلَمة إلى ولاية أذربيجان وأرمينية، فلقي خاقان، واقتتلوا قتالاً عظيماً وتحاجزوا، ثم التقوا بعدها فانهزم خاقان. وفيها غزا المسلمون، وهم ثمانية آلاف وعليهم مالك بن شبيب الباهلي، فتوغل بهم في أرض الروم فحشدوا لهم، والتقوا، فانكسر المسلمون وقتل أميرهم مالك، وقتل معه عبد الوهاب بن بخت مولى بني مروان، وكان موصوفاً بالشجاعة والإقدام، وكان معه الأمير أبو محمد البطال، واسمه عبد الأنطاكي أحد الشجعان الذين يضرب بهم المثل، وله مواقف مشهودة، وكان طليعةَ جيش مسلمة.
ومنها: ثورة الترك بخراسان، وانضم إليهم الحارث بن أبي شريح الخارجي، فالتقوا وجاوزوا نهر جيحون، وأغاروا على مرو الروذ، فسار إليهم أسد بن عبد الله القسري، فالتقَوا، فقتلهم المسلمون قتلاً ذريعاً، وفيها افتتح مروان الحمار ثلاثةَ حصون، وأسر الملك تومان شاه، وبعث به إلى هشام، فمنَّ عليه وأعاده إلى ملكه.
ومنها غزو مروان، فأتى قلعة بيت السرير فقتل وسبى، ثم دخل حصن (غومشكذا)، وفيه سريرُ مُلكِهم، فهرب منه الملك، ثم إن مروان صالحهم في العام على ألف رأس ومئة ألف مديٍ، ثم إنه سار حتى دخل أرض أرز ونطران (كذا)، فصالحوه، وصالحه تومان شاه على بلاده، ثم سار حتى نازل حمرين (كذا) وحاصرها شهرين، ثم صالحهم، وافتتح مسدارة صُلحاً، وتهيأ لمروان في هذه السنة من الفتوحات أمرٌ عظيم، ووقع في قلوب الترك والخَزَر منه رعبٌ شديد.
ومنها ما كان في المغرب، حيث حصلت حروب مزعجة وملاحم، وخرجت طائفة كبيرة وبايعوا عبد الواحد الهواريَ، والتف عليه أممٌ من البربر، ثم نصر عليهم المسلمون وقتلوا منهم خلقاً.
ومنها في المغرب - أيضاً - قتل كْلثوم بن عياض القشيري في عدة من أمرائه، واستبيح عسكره ومُزقوا، هَزمهم أبو يوسف الأزري رأس الصُفرية، وكَان كلثوم قد ولي دمشق لهشام، ثم ولاه غزو الخَوارج بالمغرب، واتبعت الصفرية من انكسر من المسلمين، فثبت لهم بلجٌ القشَيري ابن عم كُلثوم، وكان النصر وللَه الحمد.
ومنها الوقعةٌ الكبيرة بالمغرب مع الصفرية، ورأسهم َمْيسَرَةُ الحقير، وذاق المسلمون منهم مشاقاً وبلاءً شديداً.
ومنها: أنه لما بلغ مروان بن محمد بن مروان وفاة يزيد الناقص سار من أرمينية في جيوشه يطلب الأمر لنفسه، فجهّز إبراهيم الخليفة أخويه بشراً ومسروراً في جيش، فكسرهما مروان وحبسهما، ثم نزل بمرج دمشق، فحاربه سليمان بن هشام بن عبد الملك، ثم انهزم عسكر الخليفة إبراهيم بن الوليد، فخلع نفسه وبايع مروان.
ومنها: ظهور الضحّاكُ بن قَيس الخارجي، قَتل متولّي الموصل، واستولى عليها، وكثرت جموعه، وأغار على البلاد، وخافه مروان، فسار إليه بنفسه، فالتقى الجيشان بنصيبين، وكان قد أشار على الضحّاك أمراؤه أَن يتقهقر، فقال: ما لي في دنياكم من حاجة، وقد جعلتُ لله علي إن رأيت هذا الطاغية أن أحمل عليه حتى يحكم الله بيننا، وعلي دينٌ سبعةُ دراهم، معي منها ثلاثة دراهم، ودام الحرب إلى آخر النهار، فقتل الضحاك في المعركة في نحو ستة آلاف من الفريقين أكثرهم من الخوارج، وانهزم مروان، ولكن ثبت أمير الميمنة، وجاء الخبيريّ فملك مخيم مروان وقعد على سريره، فعطف نحو ثلاثة آلاف فأحاطت بالخبيري فقُتل، وقام بأمر الخوارج شيبان فتحيّز بهم، وخندقوا على نفوسهم، وجاءَ مروان فنازلهم وقاتلهم عشرة أشهر، وفي كل يوم كانت رايةُ مروان مهزومة، وكانت فتنةً هائلة تُشبه فتنة ابن الأشعث مع الحجاج، ثم رحل شيبان على حمية نحو شهرزور، ثم توجه إلى كَرمان ناحية البحرين فقتل هناك.
وفيها خرج بسطام بن الليث بأذربيجان، ثم قدم بلد نصيبين في نيف وأربعين رجلاً، فنهض لحربه عسكر الموصل، فبيتهم وأصاب منهم، ثم عاث بنصيبين، ثم قتل.
وفيها: استيلاء أبو مسلم الخراساني على ممالك خراسان، وهَزم الجيوش، وبدأت دولة بني العباس، وَولت الدنيا عن بني أمية.
وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة: ابتدأ أمر دولة بني العباس، وبويع السفاح بالكوفة، وِجهز عمه عبدَ الله بن علي لمحاربة مروان، فزحف مروان إليه في مئة ألف إلى أن نزل بالزاب دون الموصل، فالتقوا في جمادى الآخرة، فانكسر مروان واستولى عبد الله على الجزيرة، وطلب الشام، فهرب مروان إلى مصر وخْذل، وانقضت أيامه، فنزل عبد الله على دمشق وحاصرها، وبها ابن عم مروان الوليد بن معاوية بن مروان، فأخذت بالسيف، وقتل بها من الأمويين عدة ألوف، منهم أميرها الوليد، وسليمان بن هشام بن عبد الملك.
وفيها: كانت وقعة المسناة، فقتل الأمير قحطبة بن شبيب الطائي المروزي أحد دعاة بني العباس، وتأمر على الجيش في الحال ولده.
وفيها: قتل مروان الخليفة الملقب بالجعدي وبالحمار، عبر النيل طالباً بلاد الحبشة، فلحقه صالح بن علي عم السفاح وبيتوه ببوصير، وقاتل حتى قتل، وقتل معه زبان أخو عمر بن عبد العزيز، وكان أحد الفرسان، ولكن تقنطر به فرسه فقتلوه.
وفيها: قتل سليمان بن كثير الخزاعي المروزي الأمير، أحد نقباء بني العباس، قتله أبو مسلم الخراساني.
ومنها منازلة طاغية الروم أليون بن قسطنطين ملطية، وألح عليهم بالقتال حتى سلموها بالأمان، فهدم المدينة والجامع، ووجه مع المسلمين عسكر حتى يبلغوهم مأمنهم.
وفي سنة ست وثلاثين ومائة في ذي الحجة مات أبو العباس السفاح، وكانت دولته دون الخمس سنين، وفي أيامه تفرقت الكلمة وخرج عن طاعته الناحية الغربية من بلاد السودان، وإقليم الأندلس، وتغلبت على هذه الممالك خوارج وجماعة، وولي بعده أخوه أبو جعفر المنصوِر.
وفي سنة سبع وثلاثين ومائة في أولها: بلغ عبد الله بن علي موت ابن أخيه السفاح، فدعا بالشام إلى نفسه، وعسكر بدابق، وزعم أن السفاح عهد إليه بالأمر، فجهز المنصور لحربه أبا مسلم الخراساني، فالتقى الجمعان بنصيبين في جمادى الآخرة، فاشتد القتال، ثم انهزم جيش عبد الله، وهرب هو إلى البصرة، وبها أخوه، وحاز أبو مسلم خزائنه، وكانت شيئاً عظيماً؛ لأنه استولى على جميع نعمة بني أمية، فبعث المنصور إلى أبي مسلم أن احتفظ بها في يدك، فصعب ذلك على أبي مسلم، وعزم على خلع المنصور، وسار نحو خراسان، فأرسل إليه المنصور يستعطفه ويمنيه، وما زال به حتى وقع في براثنه، فأقدم على قتله.
وفي شعبان قتل أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم صاحب دعوة بني العباس، ومنشىءُ دولتهم، وكان قد دخل خراسان على بهيمة، وهو شابٌّ طري له ذؤابة، فما زال يتحيل بإعانة وجوِه شيعة بني العباس ونقبائهم حتى توثب على مرو ومَلَكَهَا، وحاصل الأمر أنه خرج من خراسان بعد أَن حكم عليها وضبطها، فقاد جيشاً هائلاً ومهد لبني العباس، بعد أن قتل خلقاً لا يحصون محاربة وصبراً، وكَان حجاج زمانه.
وفي سنة ثمان وثلاثين ومائة أقبل طاغية الروم قسطنطين بن أليون بن قسطنطين في مائة ألف حتى نزل بدابق، فلقيه صالح بن علي عم المنصور فهزمه.
وفي سنة تسع وثلاثين ومائة سار عسكر المنصور فنزلوا مَلَطية، وهي خراب، فزرعوا أرضها وطبخوا كلساً لبنائها، ورجعوا فبعث طاغية الروم من حرق الزرع.
وفي سنة إحدى وأربعين ومائة ظهرت الريوندية، وهم قوم خراسانيون على رأي أبي مسلم صاحب الدعوة يقولون بتناسخ الأرواح، وبأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم المنصور، وبأن الهيثم بن معاوية جبريلُ، فأتوا قصر المنصور وطافوا به، فقبض على مائتين من كبارهم، فغضب الباقون وحفوا بنعشٍ وحملوا هيئة جنازة، ثم مروا بالسجن فشدوعلى الناس، وفتحوا السجن وأخرجوا أصحابهم، وقصدوا المنصور في ست مائة مقاتل، فأغلق البلد، وحاربهم العسكُر مع مَعْن بن زائدة، ثم وضعوا فيهم السيف، وأصيب عثمان بن نهيك الأمير، فاستعمل المنصور مكانه على الحرس أخاه عيسى، وكان ذلك بالهاشمية.
وفيها افتتح المسلمون طَبَرَسْتان بعد حروب طويلة.
وفي سنة ثلاث وأربعين ومائة ثارت الديلُم وقتلوا خلائق من المسلمين، فانتُدب الناس لغزوهم، وفيها سار الأمير محمد بن الأشعث إلى المغرب، فلقي الأباضية وهَزَمَهم، وقُتل زعيمهم أبو الخطاب في المصاف.
وفي سنة خمس وأربعين ومائة ظهر محمد بن عبد الله بن حسن، فخرح في مائتين وخمسين نفساً بالمدينة، وهو على حمار، وذلك في أول رجب، فوثب على متولي المدينة رباح وسجنه، وتتبع أصحاب رباح، ثم خطب الناس، وبايعه بالخلافة أهل المدينة قاطبةً طوعاً وكرهاً، وأظهر أنه قد خرج غضباً لله، وما تخلف عنه من الوجوه إلا نفر يسير، واستعمل على مكة عاملاً وعلى اليمن وعلى الشام، وندب المنصور لحربه ابن عمه عيسى بن موسى، وقال: لا أبالي أيهما قتل صاحبه؛ لأن عيسى كان ولي العهد بعد المنصور، عقد له ذلك السفاح، وكان المنصور يود هلاكه ليولي مكانه ولده المهدي.
وسار عيسى في أربعة آلاف، وكتب إلى الأشراف يستميلهم ويمنيهم، فتفرق عن محمد بن عبد الله ناس كثيرون، وأشير عليه باللحاق بمصر ليتقوى منها، فأبى وتحصن بالمدينة، وعمق خندقها، فلما أظله عيسى قال: قد أحللتكم من بيعتي، فإن هذا قد جاء في عَددٍ وعُددٍ، فتسللوا عن محمد وبقي في طائفة، فراسله عيسى يدعوه إلى الإنابة، ويبذل له الأمان فلم يسمع، ثم أنذر عيسى أهل المدينة ورغبهم ورهبهم أياماً، ثم زحف على المدينة فظهر عليها، وبادر محمداً وناشده الله، ومحمد لا يرعوي. قال عثمان بن محمد بن خالد: إني لأحسب محمداً قتل بيده يومئذ سبعين رجلاً، وكان معه ثلاثمائة مقاتل، ثم قتل في المعركة وبعث عيسى برأسه إلى المنصور.
وفيها خرج أخوه إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة، وكان قد سار من الحجاز إلى البصرة فدخلها سراً في عشر أنفس، فدعا إلى نفسه سراً بالبصرة حتى بايعه نحو أربعة آلاف، وجاءه خبر ظهور أخيه بالمدينة فوجم واغتم، ولما بلغ المنصور خروجه تحول فنزل الكوفة حتى يأمن غائلة أهلها، وألزم الناس بلبس السواد، وجعل يقتل كل من اتهمه أو يحبسه، وكان بالكوفة ابن ماعز يبايع لإبراهيم سراً، وتهاون متولي البصرة في أمر إبراهيم حتى اتسع الخرق.
وخرج إبراهيم أول ليلة من رمضان، وتحسس منه سفيان متولي البصرة، وأقبل الخلق إلى إبراهيم من بين ناصر وناظر، ونزل سفيان بالأمان ووجد إبراهيم في الحواصل ستمائة ألف، ففرضها لأصحابه خمسين خمسين، وبعث عاملاً على الأهواز ليفتحها، وبعث آخر إلى فارس، وآخر إلى واسط، فجهز المنصور لحربه خمسة آلافٍ عليهم عامر المسكي، فكان بين الفريقين عدة وقعات، وقتل خلق من أهل البصرة وواسط، وبقي إبراهيم سائر رمضان يفرق العمال على البلدان ليخرج على المنصور من كل جهة فتق، فأتاه مصرع أخيه بالمدينة قبل الفطر بثلاث، فعيد بالناس وهم يرون فيه الانكسار.
وكان المنصور في جمعٍ يسير، وعامة جيوشه في النواحي، فالتزم بعدها أن لا يفارقه ثلاثون ألفاً، فلم يبرح أن رد من المدينة عيسى بن موسى، فوجهه لحرب إبراهيم.
ومكث المنصور لا يقر له قرار، وجهز العساكر، ولم يأو إلى فراش خمسين ليلة، وكل يوم يأتيه فتق من ناحية، هذا ومائة ألف سيف كامنة بالكوفة، ولولا السعادة لثل عرشه بدون ذلك، وكان مع ذلك صقراً أحوذياً مشمراً ذا عزم ودهاء.
وعن داود بن جعفر قال: أحصي ديوان إبراهيم بالبصرة فبلغوا مائة ألف. وقال غيره: بل قام معه عشرة آلاف، فلو هجم على الكوفة لظفر بالمنصور، ولكنه كان فيه دين. قال: أخاف إن هجمت عليها أن يستباح الصغير والكبير، وكان أصحابه مع قلة رأيه يختلفون عليه، وكل يشير برأي، إلى أن التقى الجمعان بباخمرا على يومين من الكوفة، فاشتد الحرب، واستظهر أصحاب إبراهيم.
وكان على مقدمة جيوش المنصور حميد بن قحطبة، فانهزم، وجعل عيسى بن موسى يثبت الناس، وقد بقي في مائة من حاشيته، فأشاروا عليه بالفرار، فقال: لا أزول حتى أظفر أو أقتل، وكان يضرب به المثل في شجاعته، ثم دار أبناء سليمان بن علي في طائفة وجاءوا من وراء إبراهيم، وحملوا على عسكره، فاعترض لهم نهرٌ، ولم يجدوا مخاضة، فرجعوا، فوقعت الهزيمة على أصحاب إبراهيم، حتى بقي في سبعين، وأقبل حميد بن قحطبة فحمل بأصحابه، واشتد القتال حتى تفانى خلق تحت السيف طول النهار، وجاء سهم غرب لا يدرى من رمى به في حلق إبراهيم، فأنزلوه وهو يقول: (وكان أمر الله قدراً مقدوراً) أردنا أمراً وأراد الله غيره، واجتمع أصحابه يحمونه، وأنكر حميد اجتماعهم وحمل عليهم، فتفرقوا عن إبراهيم، فنزل جماعة واحتزوا رأسه، وبعث به إلى المنصور، وذلك في الخامس والعشرين من ذي القعدة، وعمره ثمان وأربعون سنة.
وفيها خرجت الترك والخزر بباب الأبواب وقتلوا واستباحوا بعض أرمينية.
وفي سنة سبع وأربعين ومائة: خرجت الكفرة الترك بناحية أرمينية وقتلوا أمماً، ودخلوا تفليس، فالتقى بهم المسلمون فلم ينصروا، وهرب أميرهم جبريل بن يحيى، وقتل مقدمه الآخر حرب الريوندي الذي تنسب إليه الحربية ببغداد.
وفي سنة تسع وأربعين ومائة غزا الناس بلاد الروم وعليهم العباس بن محمد، فمات في الغزاة أكبر أمرائه، محمد بن الأشعث الذي كان ولي إمرة مصر.
وفي سنة خمسين ومئة خرج أهل خراسان على المنصور مع الأمير أستاذ سيس، حتى اجتمع له - فيما قيل - ثلاثمائة ألف مقاتل ما بين فارس وراجل، سائرهم من أهل سجستان، واستولى على أكثر خراسان، وعظم الخطب، فنهض لحربه الأخثم المروروذي، فقتل الأخثم واستبيح عسكره، فسار حازم بن خزيمة في جيش عظيم بالمرة، فالتقى الجمعان وصبر الفريقان وقتل خلق كثير، حتى قيل: إنه قتل في هذه الوقعة سبعون ألفاً، وانهزم أستاذ سيس في طائفة إلى جبل.
هذه الوقعة من وقائع السنة الآتية فسقناها استطراداً.
ثم أمر حازم بالأسرى فضربت أعناقهم كلهم، وكانوا أربعة عشر ألفاً، ثم حاصر أستاذ سيس مدة، ثم نزل على حكمهم، فقيد هو وأولاده، وأطلق أصحابه، وكانوا ثلاثين ألفاً.
وفي سنة ثلاث وخمسين ومائة غلبت الخوارج الإباضية على إفريقية، وهزموا عسكرها، وقتلوا متوليها عمر بن حفص الأزدي، وكان على رأسهم ثلاثة: أبو حاتم الإباضي، وأبو محمد، وأبو قرة الصفري، وكان أبو قرة في أربعين ألفاً من الصفرية قد بايعوه بالخلافة، وكان أبو حاتم وصاحبه في مائتي ألف فارس وأمم لا يحصون من الرجالة.
وفي سنة أربع وخمسين ومائة أهم المنصور أمر الخوارج واستيلاؤهم على المغرب، فسار إلى الشام، وزار القدس، وجهز يزيد بن حاتم في خمسين ألف فارس، وعقد له على المغرب، فبلغنا أنه أنفق على ذلك الجيش ثلاثة وستين ألف ألف درهم، ومر بدمشق فاستعمل على قضائها يحيى بن حمزة، فبقي قاضياً ثلاثين سنة.
وفي سنة اثنتين وستين ومائة ظهرت المحمرة، ورأسهم عبد القاهر بن إبراهيم بن أدهم واستولوا على جرجان، وقتلوا خلائق، فقصده عمرو بن العلاء من طبرستان، فقتل عبد القاهر وخلق من أصحابه.
وفي سنة تسع وستين ومائة: خرج الحسين بن علي بن حسن بن حسن بن علي الحسيني بالمدينة، وتابعة عدد كثير، وحارب العساكر التي بالمدينة، وقتل مقدمهم خالد البربري، ثم تأهب وخرج في جمع إلى مكة، فالتف عليه خلق كثير، فأقبل عليه ركب العراق معهم جماعة من أمراء بني العباس بعدة وخيل، فالتقوا بفخ، فقتل الحسين في مائة من أصحابه، وقتل الحسن بن محمد بن عبد الله بن حسن الذي خرج أبوه زمن المنصور.
وفي سنة خمس وسبعين ومائة هاجت العصبية والأهواء بالشام بين القيسية واليمانية، ورأس القيسية يومئذ أبو الهيذام المري، وقتل منهم بشر كثير.
وفي سنة ست وسبعين ومائة افتتح المسلمون مدينة دبسة من أرض الروم بعد حرب طويلة.
وفيها اشتد البلاء والقتل بين القيسية واليمانية بالشام، واستمرت بينهم إحن وأحقاد ودماء يهيجون لأجلها في كل وقت وإلى اليوم.
وفي سنة ثمانين ومائة هاج الهوى والعصبية بالشام بين اليمانية والنزارية، وتفاقم الأمر واشتد الخطب.
وفيها كانت الزلزلة العظمى التي سقط منها رأس منارة الإسكندرية.
وفي سنة إحدى وثمانين ومائة: غزا الرشيد، وافتتح حصن الصفصاف من أرض الروم بالسيف.
وفي سنة ثلاث وثمانين ومائة خرج الخزرُ، ومن قصتهم: أن ستيت ابنة ملك الترك خاقان خطبها الأمير الفضل بن يحيى البرمكي وحُملت إليه في عام أول، فماتت في الطريق ببرذعة فرد من كان معها في خدمتها من العساكر، وأخبروا خاقان أنها قتلت غيلة، فاشتد غضبه وتجهز للشر وخرج بجيوشه من الباب الحديد، وأوقع بأهل الإسلام وأهل الذمة، وقتل وسبى، وبلغ السبي مائة ألف، وعظمت المصيبة على المسلمين، فانزعج هارون الرشيد واهتم لذلك، وجهز البعوث، فاجتمع المسلمون وطردوا العدو عن أرمينية ثم سدوا الباب الذي خرجوا منه.
وفي نة سبع وثمانين ومائة خلعت الروم من الملك الست زيني وهلكت بعد أشهر، وأقاموا عليهم نقفور، فكتب نقفور: هذا الكتاب من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها، وذلك لضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل قبلك وافتد نفسك، وإلا فالسيفُ بيننا.
فلما قرأ الرشيد الكتاب اشتد غضبه، وتفرق جلساؤه خوفاً من بادرة تقعُ منه، ثم كتب بيده على ظهر الكتاب: من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم: قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه.
ثم ركب من يومه وأسرع حتى نزل على مدينة هرقلة، وأوطأ الروم ذلاً وبلاءً، فقتل وسبى، وذل نقفور وطلب الموادعة على خراج يحملُه.
وفي سنة ثمان وثمانين ومائة غزا المسلمون الروم من درب الصفصاف، والتقوا، فجرح الملك نقفور ثلاث جراحات، وانهزم، وقتل من جيشه عدة ألوف.
وفي سنة تسعين ومائة فيها فتح هرقلة في شوال، وأمعن في بلاد الروم، فدخلها في مائة ألف وبضعة وثلاثين ألفاً، سوى المجاهدين تطوعاً، وبث جيوشه تغير وتغنم وتخرب، ولما افتتح هرقلة خربها وسبى أهلها، وكان مقامه عليها شهراً، وسارت فرقة فافتتحت حصن الصقالبة، وفرقة افتتحت حصن الصفصاف ومقدونية.
وركب حميد بن معيوف في البحر، فغزا قبرص فخرب وسبى وأحرق، وبلغ السبي من قبرص ستة عشر ألفاً، وكان فيهم أسقف قبرس، فنودي عليه فبلغ ألفي دينار، وبعث نقفور الجزية عن رأسه وامرأته وخواصه، فكان ذلك خمسين ألف دينار، وبعث إلى الرشيد يخضع له ويلتمس منه أن لا يخرب حصوناً سماها، فاشترط عليه الرشيد أن لا يعمر هرقلة، وأن يحمل في العام ثلاثمائة ألف دينار.
وفي سنة اثنتين وتسعين ومائة كان أول ظهور الخرمية المارقة بجبال أذربيجان، فغزاهم حازم بن خزيمة فقتل وسبى.
وفي سنة ثلاث وتسعين ومائة سار الرشيد إلى خراسان ليمهد قواعدها، وكان قد بعث في العام الماضي هرثمة بن أعين، فقبض له على الأمير عيسى بن ماهان بحيلة وخديعة، واستصفى أمواله وخزائنه، فبعث بها الرشيد - وهو بجرجان - على ألف وخمسمائة جمل، ثم سار إلى طوس في صفر وهو عليل، وكان رافع بن الليث قد استولى على ما وراء النهر وعصى، فالتقى جيشه وعليهم أخوه هرثمة فهزمهم، وقُتل أخو رافع، وملك هرثمة بخارى.
وفي سنة أربع وتسعين ومائة كان مبدأ الفتنة بين الأمين والمأمون، وكان الرشيد أبوهما قد عقد بالعهد للأمين، ثم من بعده للمأمون، وكان المأمون على إمرة خراسان، فشرع الأمين في العمل على خلع أخيه ليقدم ولده ابن خمس سنين، وأخذ يهدي الأموال للقواد ليقوموا معه في ذلك. ونصحه أولو الرأي فلم يرعو حتى آل الأمر إلى أن قتل.
وفي سنة خمس وتسعين ومائة تيقن المأمون أن الأمين خلعه، فتسمى بإمام المؤمنين وكوتب بذلك، وجهز الأمين علي بن عيسى بن ماهان في جيش عظيم أنفق عليهم أموالاً لا تحصى، فبلغ إلى لري، وأقبل طاهر بن الحسين الخزاعي في نحو أربعة آلاف، وبرز فارس من جند ابن ماهان فحمل عليه طاهر بن الحسين فقتله، وشد داود شباه على علي بن عيسى بن ماهان فطعنه وصرعه، وهو لا يعرفه، ثم ذبحه بالسيف، فانهزم جيشه وحمل رأسه على رمح، وندم المامون على خلع أخيه، وطمع فيه أمراؤه، ولقد فرق عليهم أموالاً لا تحصى حتى أفرغ الخزائن وما نفعوه، وجهز جيشاً فلقيهم طاهر - أيضاً - بهمدان، فقتل في المصاف خلق كثير من الفريقين، وانتصر طاهر بعد وقعتين أو ثلاث، وقتل مقدم الجيش الأمين عبد الرحمن الأساوي أحد الفرسان المذكورين، بعد أن قتل جماعة، وزحف طاهر حتى نزل بحلوان.
وفيها ظهر بدمشق أبو العميطر السفياني، فبايعوه بالخلافة، واسمه علي بن عبد الله بن خالد بن الخليفة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فطرد عاملها الأمير سليمان بن المنصور، فسير الأمين عسكراً لحربه، فنزلوا الرقة ولم يقدموا عليه.
وفي سنة ست وتسعين ومائة توثب الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان ببغداد، فخلع الأمين في رجب وحبسه، ودعا إلى بيعة المأمون فلم ينشب أن وثب الجند عليه فقتلوه، وأخرجوا الأمين، وجرت أمور طويلة وفتن كثيرة.
وفي سنة سبع وتسعين ومائة حوصر الأمين ببغداد وأحاط به طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين، وزهير بن المسيب في جيوشهم، وقاتلت مع الأمين الرعية، وقاموا معه قياماً لا مزيد عليه، ودام الحصار سنة، واشتد البلاء وعظم الخطب.
وفي سنة ثمان وتسعين ومائة في المحرم ظفر طاهر بن الحسين بعد أمور يطول شرحها بالأمين، فقتله ونصب رأسه على رمح.
وفي سنة تسع وتسعين ومائة ظهرت فتنة ابن طباطبا العلوي، وهو محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ظهر بالكوفة، وقام بأمره أبو السرايا السري بن منصور الشيباني، وأسرع الناس إلى ابن طباطبا، وغلب على الكوفة، وكثر جيشه، فسار لحربه زهير بن المسيب في عشرة آلاف، فالتقوا، فهُزم زهير واستبيح عسكره، وذلك في سلخ جمادى الآخرة، فلما كان من الغد أصبح ابن طباطبا ميتاً، فقيل: إن أبا السرايا سمه، لكونه لم ينصفه في الغنيمة، وأقام بعده في الحال محمد بن محمد بن زيد بن علي الحسيني، شاب أمرد.
ثم جهز الحسن بن سهل جيشاً عليهم عبدوس المروذي، فالتقوا، فقتل عبدوس، وأسر عمير، وقتل خلق من جيشه، وقوي العلويون.
ثم استولى أبو السرايا على واسط، فسار لحربه هرثمة بن أعين، فالتقوا، فقتل خلق من أصحاب أبي السرايا، وتقهقر إلى الكوفة، ثم التقوا ثانيةً وعظمت الفتنة، ولا سيما بالحجاز.
وفي سنة مائتين من الهجرة في أولها انحاز أبو السرايا والعلويون من الكوفة إلى القادسية وضعف سلطانهم، فدخل هرثمة الكوفة وأمَّن أهلها، ثم ظفر أصحاب المأمون بأبي السرايا وبمحمد بن محمد العلوي، فأمر الحسن بن سهل فقتل أبو السرايا في ربيع الأول، وبعث بمحمد إلى المأمون.
وخرج بالبصرة خارجي وبالحجاز آخر، فلم تقم لهما قائمة بعد فتن وحروب.
وفي سنة إحدى ومائتين عهد المأمون إلى علي بن موسى الرضا العلوي، فعهد إليه بالخلافة من بعده، وأمر الدولة بترك السواد ولبس الخضرة، وأرسل من العراق بهذا، فعظم هذا على بني العباس الذين ببغداد، ثم خرجوا عليه وأقاموا منصور بن المهدي، ولقبوه بالمرتضى، فضعف عن الأمر وقال: إنما أنا خليفة المأمون، فتركوه وعدلوا إلى أخيه إبراهيم بن المهدي الأسود، فبايعوه بالخلافة ولقبوه بالمبارك، وخلعوا المأمون، وجرت بالعراق حروب شديدة وأمور مزعجة.
وفيها أول ظهور بابك الخرمي، فعاث وأفسد وكان يقول بالتناسخ.
وفيها: قتل المسيب بن زهير أكبر قواد المأمون، وضععف أمر الحسن بن سهل بالعراق، وهزم جيشه مرات، ثم ترجح أمره، وحاصل القصة: أن أهل بغداد أصابهم بلاء عظيم في هذه السنوات حتى كادت تتداعى بالخراب، وجلا خلق من أهلها عنها بالنهب والسبي والغلاء وخراب الدور([284]).
العلة من ذكر هذه الحوادث وعلاقتها بالتقية:
وبعد.. فهذا إيجاز للحوادث التي مرت على الدولتين إبان حياة أئمة أهل البيت رحمهم الله، فهل ترى أن خلفاء بني أمية وبني العباس قد تركوا كل هذا - أي: شؤون الحكم، والجهاد ومقارعة الأعداء، وحفظ الثغور - واوقفوا الفتوحات الإسلامية، ومواجهة الكوارث والفتن والنزعات الانفصالية وغيرها، وشرّعوا سيوفهم وجندوا رجالهم ونشروهم في الطرقات والمساجد والأمصار وحلقات العلم، وأجروا عليهم الرواتب ليروا من مِن أئمة أهل البيت يتكلم في حواء أخلقت من ضلع آدم أم لا، وهل نزل آدم بالهند أم لا، وفي عمر إسماعيل عندما توفاه الله عز وجل، وكم مكث يونسعليه السلام في بطن الحوت، أو من يتكلم في أن النورة يوم الجمعة والأربعاء تورث البرص، أو من لا يقول: إن مح البيض خفيف وبياضه ثقيل، ومن يتكلم في حكم من وطئ دجاجة ميتة فخرجت منها بيضة، وحكم الإكثار من الجرجير، وذرق الدجاج وبول الحمير، وفتح العيون في الوضوء، ومسح الوجه بالمنديل، وحكم وضوء من يخرج الدود من دبره، ونزول القبر بالخف، وكون نعال موسى عليه السلام من جلد حمار ميت.. إلى آخر ما مر بك.
فهل يريد لنا القوم أن نعتقد ذلك، كما يروون بالفعل أن هارون الرشيد - مثلاً - ترك شؤون الخلافة والملك ليراقب ابن يقطين كيف يتوضأ، وهل سيغسل رجليه أم سيمسح عليهما، حيث أمر هارون بإحضاره ذات يوم وأشغله امتحاناً له في بعض بيوت دار الخلافة بأمر من الأمور طول اليوم، وكان ينظر إليه من كوة ذلك البيت سراً، حتى رأى أنه توضأ عند دخول وقت صلاة الظهر وغسل رجليه([285]).
بيان أنه ليس هناك ما يقتضي لجوء الشيعة وأئمتهم للتقية:
إذاً: فمن كل ذلك يتبين لنا أنه ليس هناك ما يقتضي اللجوء إلى التقية وجعلها بهذه المنزلة التي أوصلها القوم إليها، حتى اشتهروا بها، وعدها البعض من مختصاتهم ومتفرداتهم، وقد أقر بعضهم بهذا، وذلك يدل على أن تقية الشيعة مغايرة للتقية التي على فهمها سائر فرق المسلمين، وهي التي أقرها القرآن وأكدتها السنة.
اشتهار الشيعة بالتقية واعتراف علمائهم بذلك:
يقول النوري الطبرسي: وأنت خبير بأن علماء العامة لا يجوزون التقية، وينكرون على الشيعة قولهم بها([286]).
ويقول محمد رضا مظفر: لقد كانت – أي: التقية- شعاراً لآل البيت عليهم السلام... وما زالت سمة تعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأمم... ([287]).
تبريرات الشيعة لاشتهارهم بالتقيـة دون سائر فـرق المسلمين:
وقد تفطن القوم لهذا الأمر؛ إذ إن أمراً مشروعاً كهذا أصبح وبالاً عليهم ومطعناً فيهم، فكان من أمرهم أن اجتهدوا في التماس الأعذار وخلق الأسباب لإضفاء الشرعية على اشتهارهم بها دون غيرهم.
ومن ذلك:
يقول الأردبيلي: إن ظروف التقية الشديدة التي عاشها الأئمة عليهم السلام مما جعلهم يضطرون في بعض الأحايين إلى اتخاذ مواقف قولية أو عملية مخالفة لآرائهم؛ انسجاماً مع الوضع السائد وحفاظاً على وجود الشريعة ودعاتها([288]).
ويقول الشهيد الأول: وقد كانت الأئمة في زمن تقية واستتار من مخالفيهم، فكثيراً ما يجيبون السائل على وفق معتقده، أو معتقد بعض الحاضرين، أو بعض من عساه يصل إليه من المناوئين([289]).
ويقول رسول جعفريان: إن الضغوط السياسية كانت تمارس ضد الشيعة على يد بني أمية وبني العباس، حيث لم يكن يسمح لهم بالتعبير عن وجودهم([290]).
وأضاف محمد جواد مغنية بأن من هذا الضغط التزم الشيعة طريق التقية، ومعناها عندهم الحيطة والحذر من القوي الظالم الذي يأخذ المتهم دون أن يحاكمه ويأذن له بالدفاع عن نفسه، واليوم لا أثر للتقية عند الشيعة، حيث لا خوف عليهم ولا هم يرهبون([291]).
وقال مغنية: إن التقية كانت عند الشيعة حيث كان العهد البائد، عهد الضغط والطغيان، أما اليوم - حيث لا تعرض للظلم في الجهر بالتشيع - فقد أصبحت التقية في خبر كان([292]).
وأضاف غيره: إن السر يكمن في الأسس الفكرية للخط الشيعي الذي ينتهجه مذهب أهل البيت من حكام الجور والظلم، والذي يشكل طرفاً مضاداً للسلطة الطاغوتية الحاكمة التي نزت على الأمة بالقهر والغلبة وتسلطت على رقاب الناس بالحديد والنار، وهذا الموقف بنفسه يشكل نظرة عدائية لدى الحكام، فيفرغون جام غضبهم وحقدهم على الشيعة؛ لأنهم وحدهم الذين يكمن فيهم الخطر على ملكهم ودولتهم، فقد كان الحكام من الأمويين والعباسيين - بل العثمانيين - يتربصون بالشيعي لإهدار دمه، فقد كان الكفر والزندقة أخف بنظرهم من شيعة آل محمد([293]).
وقال شرف الدين الموسوي: ...ولا سيما الدولة الأموية فقد كان ملوكها وعمالها وعلماؤها ورؤساؤها والعامة بأجمعها لا يتحملون ولا يطيقون ذكر الشيعة، وكانت الكلمة متفقة على سحقهم ومحقهم، فلولا خلودهم إلى التقية ما بقيت منهم هذه البقية، فأي مسلم أو غير مسلم يرتاب في جوازها لهم؟!([294])
ويقول السبحاني: ... الذي دفع بالشيعة إلى التقية بين إخوانهم وأبناء دينهم إنما هو الخوف من السلطات الغاشمة، فلو لم يكن هناك من عصر الأمويين ثم العباسيين والعثمانيين أي ضغط على الشيعة كان من المعقول أن تنسى الشيعة كلمة التقية وأن تحذفها من ديوان حياتها، وإن الشيعة تتقي الكفار في ظروف خاصة لنفس الغاية التي لأجلها يتقيهم السني، غير أن الشيعي - ولأسباب لا تخفى - يلجأ إلى اتقاء أخيه المسلم، لا قصور في الشيعي، بل في أخيه الذي دفعه إلى ذلك؛ لأنه يدرك أن الفتك والقتل مصيره إذا صرح بمعتقده الذي هو موافق لأصول الشرع الإسلامي وعقائده([295]).
وأضاف: ومن المعلوم أن الإمامية وأئمتهم لاقوا من ضروب المحن، وصنوف الضيق على حرياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أية طائفة، أو أمة أخرى، فاضطروا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية في تعاملهم مع المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر عقائدهم، وأعمالهم المختصة بهم عنهم، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدنيا، ولهذا السبب امتازوا بالتقية وعرفوا بها دون سواهم([296]).
ويقول: إن كثيراً من إخوانهم - أي: السنة - كانوا أداة طيعة بيد الأمويين والعباسيين الذين كانوا يرون في مذهب الشيعة خطراً على مناصبهم، فكانوا يؤلبون العامة من أهل السنة على الشيعة يقتلونهم ويضطهدونهم وينكلون بهم، ولذا ونتيجة لتلك الظروف الصعبة لم يكن للشيعة - بل لكل من يملك شيئاً من العقل - وسيلة إلا اللجوء إلى التقية، أو رفع اليد عن المبادئ المقدسة التي هي أغلى عنده من نفسه وماله([297]).
ويناقض نفسه في مكان آخر فيقول: إن تاريخ الخلفاء الأمويين والعباسيين زاخر بالظلم والعسف والحيف والجور، ففي تلك الأيام لم يكن الشيعة وحدهم هم المطرودون والمحجور عليهم بسبب إظهار عقائدهم، بل سلك أغلب محدثي أهل السُنة في عصر المأمون - أيضاً - مسلك التقية في محنة «خلق القرآن»، ولم يخالف المأمون في خلق القرآن وحدوثه بعد صدور المرسوم الخليفي العام سوى شخص واحد، وقصته معروفة في التاريخ، وعامة المحدثين تظاهروا بالوفاق تقية([298]).
ولا يختلف بقية القوم عن تكرار هذه المزاعم لتبرير اشتهار القوم بالتقية.
تفنيد القول باقتصار وقوع الظلم على الشيعة دون سائر المسلمين وأن ذلك كان سبب اشتهارهم بالتقية:
لا شك أن القول بالاضطهاد الذي وقع إبّان حكم الأمويين والعباسيين لا يخلو من الصحة، وإنما مجانبة الصواب هو القول باقتصار ذلك على الشيعة كما يدعى بعضهم، بل وقال بأن أهل السنة والجماعة كانوا بعيدين عن ذلك البلاء؛ لأنهم كانوا في معظم عهودهم على وفاق تام مع الحكام، فلم يتعرضوا لقتل ولا لنهب ولا لظلم([299])، كما زعم ذلك التيجاني، فهذا القول غير صحيح، فإن كثيراً من علماء أهل السُنة قد تعرضوا لشتى انواع التنكيل والتعذيب، وعلى رأسهم أئمة المذاهب الذين ضربوا أروع الأمثلة في التصدي للباطل وإحقاق الحق ولم تأخذهم في الله لومة لائم فلم يأخذوا يالتقية المشروعة فضلاً عن تقية القوم.
نماذج من علماء أهل السُنة تعرضوا لتنكيل الحكام:
فهذا أبو حنيفة النعمان رحمه الله عذب حتى قيل: إنه قتل في سجن المنصور؛ لأن هواه كان مع أهل البيت رحمهم الله، وكان مؤيداً لخروج زيد بن علي رحمه الله على الأمويين.
ويروى أنه قال لما بلغه خروج زيد: ضاهى خروجه خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. فقيل له: لم تخلفت عنه؟ فقال: حبسني عنه ودائع الناس، عرضتها على ابن أبي ليلى فلم يقبل، فخفت أن أموت مجهلاً.
وكان رحمه الله يحث الناس على نصرة الإمام زيد، كما أمده بمعونة مالية بلغت ثلاثين ألف درهم يستعين بها على عدوه، كما ذكرت بعض المصادر.
ومن بعده تأييده لخروج النفس الزكية محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنه على الخليفة العباسي المنصور في عام (145 هـ)، وكذلك موقفه من خروج أخيه إبراهيم، حيث أفتى الإمام أبو حنيفة بالخروج مع إبراهيم، وكان المحدث الفقيه شعبة بن الحجاج يحث الناس على اتباعه، ويقول: ما يقعدكم؟! هي بدر الكبرى. كما أمده الإمام أبو حنيفة بأربعة آلاف درهم، وكتب إليه أنه لم يكن عنده غيرها.
وروي أن امرأة أتت أبا حنيفة فقالت: إنك أفتيت ابني بالخروج مع إبراهيم، فخرج فقتل، فقال لها: ليتني كنت مكان ابنك.
وكتب أبو حنيفة إلى إبراهيم يقول: أما بعد: فإني جهزت إليك أربعة آلاف درهم، ولم يكن عندي غيرها، ولولا أمانات للناس عندي للحقت بك.
ويقال: إن هذا الكتاب وقع في يد أبي جعفر المنصور، وكان سبب تغيره على أبي حنيفة([300]).
وكذلك الإمام مالك رحمه الله ضرب بالسياط حتى خلعت كتفه، بسبب التأييد نفسه، ولما سئل: هل يجوز قتال الخارجين على الخلفاء؟ أجاب: يجوز إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز.
وهو يؤكد بهذا شرعية خروج جميع من خرج على الخلفاء. ولما قيل: فإن لم يكونوا مثل عمر بن عبد العزيز؟ قال: دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما.
وأكثر من هذا: أنه رحمه الله كان يحث الناس على الخروج مع النفس الزكية على العباسيين،وكان أهل المدينة قد استفتوه في الخروج مع محمد (النفس الزكية) وقالوا: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر! فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليسعلى مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته([301]).
وهذه المسائل من أعظم الأسباب التي تبرر اللجوء إلى التقية، وهي هدف الحكام لإيقاع أشد أنواع التنكيل بقائليها أو متبنيها، ومع ذلك لم يذكر لنا التاريخ مصانعتهم للحكام فيها أو لجوءهم إلى جحور التقية هرباً بجلودهم؛ لأنهم كانوا قدوة للناس، فكان الأولى بهم الأخذ بالعزيمة.
وكذلك محنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله المشهورة في كتب التاريخ أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل في مسألة خلق القرآن، وقد مات بسببها الكثيرون، كمحمد بن نوح، فقد مات في قيده وهو مرافق لابن حنبل حين أعيدا إلى بغداد، فمات في الطريق، ونعيم بن حماد الفقيه المحدث، ويوسف بن يحيى البوطي المصري صاحب الشافعي وخليفته على حلقته اللذان ماتا في السجن، والعالم الجليل أحمد بن نصر الخزاعي الذي قتله الواثق بنفسه بحد سيفه.
وسرد قصص البلاء والمحن التي نزلت بهؤلاء وغيرهم من علماء أهل السُنة فيها طول قد يخرجنا عن خطة الكتاب.
فالمقصود هنا: أن إيهام الشيعة للعامة والسذج من بني جلدتهم أو غيرهم بأن أسباب اشتهار الشيعة بهذة العقيدة هو وقوع الظلم والاضطهاد عليهم، أو اقتصاره عليهم دون بقية الفِرق والطوائف هو المردود والمجانب للحق والصواب؛ لأنك لن تجد أحداً من المسلمين يختلف مع الشيعة في مشروعية التقية لهم إذا كانت أسبابها بالشكل الذي يرددونه.
سيرة الأئمة والقول بالتقية صورتان متضادتان:
ثم اعلم أن سيرة الأئمة رحمهم الله أبداً لم تكن شاهدةً على من وضع هذه العقيدة ونسبها إليهم، فقد كانوا مثالاً للجهر بالحق والصدع به ومقارعة الظلم، وفي كتب التاريخ - بل وفي كتب القوم أنفسهم - ألف شاهد على ذلك؛ ليتبين مرة أخرى ما ذكرناه من أن الذين وضعوا مذهب التشيع لا صلة لهم في الحقيقة بأئمة أهل البيت عليهم السلام، بل هو من وضع زنادقة تستروا بحب آل البيت رحمهم الله.
هل تجور التقية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
كيف وهم القائلون بأنهم - رحمهم الله - حجة مثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟! وكما لا تجوز عليه التقية فكذا الإمام، فكيف يجوزون عليه التقية فيما لا يعرف الا من جهته؟!
إلا أنهم يقولون: لما كان صلى الله عليه وآله مؤسساً للأحكام الشرعية، لم يجز في فعله احتمال التقية؛ لمنافاة التقية لمنصبه، وكونها إغراء بالقبيح، وأما الإمام عليه السلام فهو حافظ للسنة وحاكٍ لها، فجازت عليه التقية...نعم لو فرض حدوث ما لم يعلم جهته إلا منه عليه السلام؛ كان كالنبي صلى الله عليه وآله في عدم جواز التقية عليه([302]).
بيان أن الأئمة نصّبوا لبيان الشرائع والأحكام بزعم الشيعة، فلو أخذوا بالتقية انتفت الفائدة من نصبهم:
لذا نعيب على القوم هذا الأمر، ونقول: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام - في اعتقادكم - نُصبوا لبيان الشرائع والأحكام، فلو اتقوا من الأعداء ولم يبينوا بقيت الأحكام مستورة غير معلومة، وانتفت الفائدة من نصبهم، وأيضاً: لم يبق اعتماد على أقوالهم وأحكامهم؛ إذ تحتمل التقية بيان خلاف الواقع، وأنتم تقولون: إن الإمام يجب أن يكون معصوماً من الخطأ؛ ليكون قوله حجة، والتقية مثل الخطأ أو أشنع، إذ توجب عدم الاعتماد عليهم.
زعم الشيعة أن أصحاب الأئمة يسألون أئمتهم أن يجيبوهم دون تقية:
بل ذكروا روايات فيها أن السائل يرجو إمامه أن يجيب دون تقية، كرواية يحيى بن أبي عمران أنه قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام في السنجاب والفنك والخز، وقلت: جعلت فداك، أحب ألا تجيبني بالتقية في ذلك([303]).
والطريف أن أمثال هذه الرويات حملوها على التقية. يقول القمي: إن السائل ربما سأل عن حال شيء وقال: «أجب لي بغير تقية»، وقال: «ما حكم هذا من دون تقية»، فأجابوا عليهم السلام بأنه هكذا، وهو أيضاً موافق للتقية([304]).
فأي خير يرتجى ممن هكذا مذهبه؟!
روايات من طرق الشيعة تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في تقية:
حتى هذا القول لم يسلم من التناقض كشأنهم في جُل أقوالهم وعقائدهم، فقد قالوا: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في تقية، كروايتهم عن الرضا رحمه الله أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في تقية، حتى نزل قول الله عز وجل: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)) [المائدة: 67]([305])
وقولهم: إنه صلى الله عليه وآله وسلم سلك مسلك التقية، حيث لم يصرح بعدم صلاح الجبتين للخلافة الحقيقية والرسالة الدينية والدنيوية([306]).
ورووا عن الباقر عليه السلام أنه قال: « أوما علمت أن أنبياء الله وأوصياءهم في تقية إلى وقتنا هذا» ([307])؟!
تتمة ذكر سير الأئمة وما ينافي أخذهم بالتقية:
على أي حال نعود إلى ما كنا فيه، وننقل مقتطفات من سير الأئمة عليهم السلام بما يناسب المقام:
فهذا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، وهارون عليه السلام لم تمنعه التقية من التصريح بالحق ودعوة الناس إلى نفسه والمنع من متابعة غيره، فلو كان الصحابة رضي الله عنهم على خطأ لوجب عليه - رضي الله عنه - أن يفعل ما فعله هارون عليه السلام، وأن يصعد على المنبر من غير تقية وخوف، وأن يقول: ((وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي)) [طه: 90]، فما الذي كان يخشاه؟!
 ألم يُذكر من سيرته رضي الله عنه: « أنه كان إذا خرج خرج غلامه قنبر على إثره بالسيف، فرآه ذات ليلة فقال: يا قنبر مالك؟ قال: جئت لأمشي خلفك؛ فإن الناس كما تراهم يا أمير المؤمنين، فخفت عليك. قال: ويحك! أمن أهل السماء تحرسني أم من أهل الأرض؟! قال: لا، بل من أهل الأرض. قال: إن أهل الأرض لا يستطيعون بي شيئاً إلا باذن الله عز وجل من السماء، فارجع. فرجع» ([308]).
فأي خوف وتقية تفترض من رجل هذا يقينه حتى يقولون فيه: إنه رضي الله عنه عاش بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعاً وعشرين سنة وستة أشهر ممنوعاً من التصرف، مستعملاً التقية والمداراة ([309]).
 وإن تزويجه ابنته أم كلثوم لعمر إنما كان تقية ([310]).. إلخ؟! كيف هذا وهو الذي يروون عنه قوله رضي الله عنه: « والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها» ([311]).
وقوله: « إني - والله - لو لقيتهم واحداً وهم طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت» ([312]).
وهو القائل رضي الله عنه: « والله ما يبالي ابن أبي طالب أوقع على الموت أم وقع الموت عليه» ([313]).
وهذا ابنه الحسن رضي الله عنه كما يروي القوم: « أن معاوية قال له: أنا خير منك يا حسن. قال: وكيف ذاك يا ابن هند؟! قال: لأن الناس قد أجمعوا علي ولم يجمعوا عليك. قال: هيهات هيهات! لشر ما علوت يا ابن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان: بين مطيع ومكره، فالطائع لك عاص لله، والمكره معذور بكتاب الله، وحاشا لله أن أقول: أنا خير منك، فلا خير فيك، ولكن الله برأني من الرذائل، كما برأك من الفضائل» ([314]).
وروى القوم أن معاوية صعد المنبر وجمع الناس، فخطبهم وقال: إن الحسن بن علي رآني أهلاً للخلافة ولم ير نفسه لها أهلاً، وكان الحسن عليه السلام أسفل منه، فلما فرغ من كلامه قام وقال فيما قاله: إن معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلاً ولم أر نفسي لها أهلا، فكذب معاوية؛ نحن أولى الناس بالناس([315]).
ويروون أن معاوية لما قدم المدينة صعد، فخطب ونال من أمير المؤمنين علي عليه السلام، فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: « إن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا جعل له عدواً من المجرمين، قال الله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ..)) [الفرقان: 31] فأنا ابن علي وأنت ابن صخر، وأمك هند وأمي فاطمة، وجدتك نثيلة وجدتي خديجة، فلعن الله ألأمنا حسباً وأخملنا ذكراً، وأعظمنا كفراً، وأشدنا نفاقاً. فصاح أهل المسجد: آمين آمين، وقطع معاوية خطبته ودخل منزله» ([316]).
وروى القوم أنه عليه السلام قال في حضرة معاوية وعمرو بن عثمان بن عفان وعمرو بن العاص وعتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة بن أبي معيط والمغيرة بن شعبة: « إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن أبا سفيان في سبعة مواطن، وإن أبا سفيان قال لعثمان لما بويع: تداولوا الخلافة يا فتيان بني أمية، فوالذي نفس أبي سفيان بيده ما من جنة ولا نار» ([317]).
وهذا الحسين رضي الله عنه يروي القوم أنه خطب بمنى أيام معاوية في أكثر من ألف رجل قائلاً: إن هذا الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم. ثم أخذ في ذكر ما أنزل الله في أهل البيت وما قاله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، وأمرهم بأن يحدثوا بها عند رجوعهم إلى أوطانهم([318]).
وروى القوم أن معاوية قال له: هل بلغك ماصنعنا بحجر بن عدي وأصحابه شيعة أبيك؟ فقال الحسين رضي الله عنه: وما صنعت بهم؟ قال: قتلناهم وكفناهم وصلينا عليهم. فضحك الحسين فقال: خصمك القوم يا معاوية، لكنا لو قتلنا شيعتك لما كفناهم ولا غسلناهم ولا صلينا عليهم ولا دفناهم([319]).
وقال له مروان بن الحكم يوماً: لولا فخركم بفاطمة بم كنتم تفتخرون علينا؟! فوثب الحسين عليه السلام - وكان شديد القبضة - فقبض على حلقه ولوى عمامته على عنقه حتى غشي عليه، ثم تركه، ثم أقبل على جماعة من قريش فقال فيما قاله: « لا أعلم في الأرض ملعوناً ابن ملعون غير هذا وأبيه، طريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم» ([320]).
ويروون أنه لما كان مروان على المدينة خطب الناس فوقع في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فلما نزل عن المنبر أتى الحسين بن علي عليهما السلام المسجد، فقيل له: إن مروان قد وقع في علي. قال: فما كان في المسجد الحسن عليه السلام؟! قالوا: بلى. قال: فما قال له شيئاً؟! قالوا: لا. فقام الحسين مغضباً حتى دخل على مروان فقال له: يا ابن الزرقاء، ويا ابن آكلة القمل! أنت الواقع في علي؟! قال له مروان: إنك صبي لا عقل لك. فقال له الحسين: ألا أخبرك بما فيك وفي أصحابك وفي علي؟ قال: فإن الله تبارك وتعالى يقول: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا )). فذلك لعلي وشيعته (( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ )). فبشر بذلك النبي صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام: ((وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا)) فذلك لك ولأصحابك([321]).
وفي الرواية فوائد أخرى لا تخفى على اللبيب، منها ما يعارض عقيدة العصمة، ففعل الحسين رضي الله عنه يناقض فعل أخيه الحسن رضي الله عنه، بل أكدوا ذلك بروايتهم في سياق هذه القصة: « ثم دخل على الحسن فقال: تسمع هذا يسب أباك فلا تقول له شيئاً؟! فقال: وما عسيت أن أقول لرجل مسلط يقول ما شاء ويفعل ما شاء» ([322]).
وفي رواية شبيهة تناقض التقية والعصمة أن مروان بن الحكم - وكان والياً على المدينة - بعث إلى الحسن عليه السلام فقال له: يقول لك مروان: أبوك الذي فرق الجماعة، وقتل أمير المؤمنين عثمان، وأباد العلماء والزهاد - يعني الخوارج - وأنت تفخر بغيرك، فإذا قيل لك: من أبوك؟ تقول خالي الفرس. فجاء الرسول إلى الحسن فقال له: يا أبا محمد! إني أتيتك برسالة ممن يخاف سطوته ويحذر سيفه، فإن كرهت لم أبلغك إياها ووقيتك بنفسي. فقال الحسن: لا، بل تؤديها ونستعين عليه بالله. فأداها. فقال: تقول لمروان: إن كنت صادقاً فالله يجزيك بصدقك، وإن كنت كاذباً فالله أشد نقمة، فخرج الرسول من عنده فلقيه الحسين فقال: من أين أقبلت؟ فقال: من عند أخيك الحسن. فقال عليه السلام: وما كنت تصنع؟ قال: أتيت برسالة من عند مروان. فقال: وما هي؟ فامتنع الرسول من أدائها، فقال: لتخبرني أو لأقتلنك. فسمع الحسن فخرج وقال لأخيه: خل عن الرجل. فقال: لا - والله - حتى أسمعها، فأعادها الرسول عليه فقال: قل له: يقول لك الحسين بن علي ابن فاطمة: يا ابن الزرقاء الداعية إلى نفسها بسوق ذي المجاز، صاحبة الراية بسوق عكاظ! ويا ابن طريد رسول الله ولعينه! اعرف من أنت ومن أمك ومن أبوك. فجاء الرسول إلى مروان فأعاد عليه ما قالا، فقال له: ارجع إلى الحسن وقل له: أشهد أنك ابن رسول الله، وقل للحسين: أشهد أنك ابن علي بن أبي طالب([323]).
ومنها: أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - والوليد يومئذ أمير على المدينة أمَّره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان - منازعة في مال كان بينهما بذي المروة، فكأن الوليد تحامل على الحسين عليه السلام في حقه لسلطانه، فقال له الحسين عليه السلام: أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ثم لأدعون بحلف الفضول، قال: فقال عبد الله بن الزبير - وهو عند الوليد حين قال الحسين عليه السلام ما قال - : وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعاً، قال: فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فقال مثل ذلك، فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي([324]).
وفي رواية: أنه كان بين الحسين وبين الوليد بن عتبة منازعة في ضيعة، فتناول الحسين عليه السلام عمامة الوليد عن رأسه وشدها في عنقه، وهو يومئذ والٍ على المدينة، فقال مروان: بالله ما رأيت كاليوم جرأة رجل على أميره! فقال الوليد: والله ما قلت هذا غضباً لي، ولكنك حسدتني على حلمي عنه، وإنما كانت الضيعة له، فقال الحسين عليه السلام: الضيعة لك يا وليد، وقام([325]).
وفى رواية: خرج الحسين عليه السلام من عند معاوية، فلقي عبد الله بن الزبير، والحسين مغضب، فذكر الحسين أن معاوية ظلمه في حق له، فقال الحسين: أخيره في ثلاث خصال، والرابعة الصيلم: أن يجعلك أو ابن عمر بيني وبينه، أو يقر بحقي ثم يسألني فأهبه له، أو يشتريه مني، فإن لم يفعل فوالذي نفسي بيده لأهتفن بحلف الفضول. قال ابن الزبير: والذي نفسي بيده لئن هتفت به وأنا قاعد لأقومن، أو قائم لأمشين، أو ماش لأشتدن، حتى تفنى روحي مع روحك أو ينصفك([326]).
وكتب مروان بن الحكم إلى معاوية - وكان عامله على المدينة - إن رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يجتمعون إلى الحسين بن علي. وذكر أنه لا يأمن وثوبه، فكتب معاوية إلى الحسين رضي الله عنه يذكر ذلك ويحذره، فكتب إليه الحسين رضي الله عنه: أما بعد: فقد بلغني كتابك تذكر فيه أنه قد بلغك عني أمور أنت لي عنها راغب وأنا بغيرها عندك جدير... إلى أن قال له: ألست القاتل حجراً والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ولا يخافون في الله لومة لائم، ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة؟! أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه، بعدما أمّنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربك واستخفافاً بذلك العهد؟! أولست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، فتركت سنة رسول الله تعمداً وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثم سلطته على العراقين يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم ويسمل أعينهم ويصلبهم على جذوع النخل كأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك؟! أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية أنهم على دين علي صلوات الله عليه فكتبت إليه: أن اقتل كل من كان على دين علي، فقتلهم ومثل بهم بأمرك ... إلى أن قال: وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها، ولا أعلم نظراً لنفسي ولديني ولأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم علينا أفضل من أن أجاهدك؛ فإن فعلت فإنه قربة إلى الله، وإن تركت فإني أستغفر الله لذنبي... فأبشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أن لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وليس الله بناس لأخذك بالظنة وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك لهم من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك الناس ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الخمر ويلعب بالكلاب، لا أعلمك إلا وقد خسرت نفسك وبترت دينك وغششت رعيتك وأخزيت أمانتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت الورع التقي لأجلهم، والسلام([327]).
وكتب مروان بن الحكم إلى معاوية: إني لست آمن أن يكون حسين مرصداً للفتنة، وأظن أن يومكم من حسين طويلاً. فكتب معاوية إلى الحسين: إن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء، وقد أنبئت أن قوماً من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهل العراق من قد جربت، قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتق الله واذكر الميثاق؛ فإنك متى تكدني أكدك. فكتب إليه الحسين عليه السلام: أتاني كتابك، وأنا بغير الذي بلغك عني جدير، والحسنات لا يهدي لها إلا الله، وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافاً، وما أظن أن لي عند الله عذراً في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة([328]).
ويروون أنه عليه السلام: كتب إلى معاوية كتاباً يقرعه فيه ويبكته بأمور صنعها، وكان فيه: « .. ثم وليت ابنك وهو غلام يشرب الشراب ويلهو بالكلاب، فخنت أمانتك وأخزيت رعيتك، ولم تؤد نصيحة ربك، فكيف تولي على أمة محمد من يشرب المسكر وشارب المسكر من الفاسقين، وشارب المسكر من الأشرار؟! وليس شارب المسكر بأمين على درهم، فكيف على الأمة؟! فعن قليل ترد على عملك حين تطوى صحائف الاستغفار... »([329]).
ويروون أن سكينة بنت الحسين رحمها الله كانت تجيء يوم الجمعة فتقوم بإزاء ابن مطير إذا صعد المنبر، فإذا شتم علياً شتمته هي وجواريها، وكانت إذا لعن مروان جدها علياً لعنته وأباه وأبا أبيه([330]).
وهذا الصادق يروي القوم: « أنه كان في عرفة ينادي بأعلى صوته: أيها الناس! إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان الإمام، ثم كان علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم هه، أي أنا» ([331]).
وهذا شيبة بن غفال، ولاَّه المنصور على المدينة، وحضرت الجمعة، فصار إلى مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرقى المنبر فأخذ يطعن في علي رضي الله عنه ويقول بأنه أراد شق عصا المسلمين وحارب المؤمنين وأراد الأمر لنفسه ومنعه أهله. فلم يجسر أحد على الرد عليه، فقام إليه الإمام الصادق فقال: « أما ما قلت من سوء فأنت وصاحبك به أولى وأحرى، يا من ركب غير راحلته، وأكل غير زاده! ارجع مأزوراً. ثم أقبل على الناس فقال: ألا أنبئكم بأخف الناس يوم القيامة ميزاناً وأبينهم خسراناً؟ من باع آخرته بدنيا غيره، وهو هذا الفاسق» ([332]).
فأين هذا من قولهم عنه رحمه الله: «إني لأسمع الرجل يسب علياً فأستتر منه بالسارية، وإذا فرغ أتيته فصافحته» ([333]).
وقال المنصور وقد وقع عليه ذباب فذبه عنه ثم وقع عليه فذبه عنه ثم وقع عليه فذبه عنه فقال: يا أبا عبد الله لأي شيء خلق الله عز وجل الذباب؟ قال: « ليذل به الجبارين» ([334]).
بل كان المنصور يتودد إليه ويسعى في استمالته وجذب عطفه للنظام، فقد كتب إليه مرة: لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟! فأجابه: « ليس لنا ما نخافك من أجله ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنئك، ولا تراها نقمة فنعزيك بها، فما نصنع عندك؟ فكتب إليه: تصحبنا لتنصحنا. فأجابه: من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك» ([335]).
وكان عليه السلام كثيراً ما ينصح الحكام، فعن الربيع صاحب المنصور قال: قال المنصور للصادق: حدثني عن نفسك بحديث أتعظ به، ويكون لي زاجر صدق عن الموبقات. فقال الصادق عليه السلام: « عليك بالحلم فإنه ركن العلم، واملك نفسك عند أسباب القدرة؛ فإنك إن تفعل ما تقدر عليه كنت كمن شفى غيظاً، أو تداوى حقداً، أو أحب أن يذكر بالصولة، واعلم بأنك إن عاقبت مستحقاً لم تكن غاية ما توصف به إلا العدل، ولا أعرف حالاً أفضل من حال العدل، والحال التي توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر. فقال المنصور: وعظت فأحسنت، وقلت وأوجزت» ([336]).
وعن يونس بن يعقوب عن الصادق قال: « قال لي أبي: يا جعفر! قف من مالي كذا وكذا لنوادب يندبنني عشر سنين بمنى أيام منى»([337]).
قالوا في شرح الرواية: والمراد بذلك تنبيه الناس على فضائله وإظهارها ليقتدى بها، ويعلم ما كان عليه أهل هذا البيت لتقتفى آثارهم، وعدم انقطاع ذكره والتسليم عليه، وإن في ذلك إظهاراً لما خفي من علو شأنهم في زمن زين العابدين عليه السلام، ونقصاً لظالميهم وتشييداً لمعرفتهم وحبهم([338]).
وهذا الكاظم رحمه الله روى عنه القوم: « أن الرشيد لما حج وابتدأ بالطواف ومنعت العامة من ذلك لينفرد وحده ابتدر أعرابي البيت وجعل يطوف معه، فقال الحاجب: تنح يا هذا عن وجه الخليفة. فإنتهرهم الاعرابي وقال: إن الله ساوى بين الناس في هذا الموضع، فقال: ((سواءً العاكف فيه والباد))، فأمر الحاجب بالكف عنه، فكلما طاف الرشيد طاف الأعرابي أمامه، فنهض إلى الحجر الأسود ليقبله، فسبقه الأعرابي إليه والتثمه، ثم صار الرشيد إلى المقام ليصلي فيه فصلى الأعرابي أمامه، فلما فرغ هارون من صلاته استدعى الأعرابي، فقال الحجاب: أجب أمير المؤمنين، فقال: ما لي إليه حاجة فأقوم إليه، بل ان كانت الحاجة له فهو أولى بالقيام إلي، فمشى إليه وسلم عليه ورد السلام، فقال هارون: أجلس يا أعرابي؟ فقال: ما الموضع لي فتستأذننى فيه بالجلوس، إنما هو بيت الله نصبه لعباده؛ فإن أحببت أن تجلس فاجلس، وإن أحببت أن تنصرف فانصرف، فدار بينهما حوار إلى أن انصرف الأعرابي، فسأل هارون عن اسم الأعرابي فإذا هو موسى الكاظم» ([339]).
وفي موطن آخر روى القوم أنه لما أدخل عليه قال له هارون: ماهذه الدار؟ فقال: هذه دار الفاسقين. فقال له: فنحن كفار؟ قال: لا، ولكن كما قال الله: ((أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ)) [إبراهيم: 28]، فغضب الرشيد عند ذلك وغلظ عليه، فقد لقيه أبو الحسن عليه السلام بمثل هذه المقالة وما رهبه، وهذا خلاف قول من زعم أنه هرب منه من الخوف([340]).
وكذا ذمه للشاعر الكميت لما مدح بني أمية، فعن درست بن أبي منصور قال: «كنت عند أبي الحسن موسى (ع) وعنده الكميت بن زيد، فقال للكميت: أنت الذي تقول: فالآن صرت إلى أمية، والأمور لها إلى مصائر؟! قال: قلت ذلك وما رجعت عن إيماني، وإنى لكم لموال ولعدوكم لقالٍ، ولكني قلته على التقية، قال: أما لئن قلت ذلك إن التقية تجوز في شرب الخمر»([341])!
وهذا يدل على اعتراض الإمام عليه السلام على «كميت» في شعره الذي معناه «الآن رجعت إلى أمية وأمورها الآن ترجع» فإنه مدح بالغ لهم ودليل على رجوعه إليهم بعد أن كان معروفاً بالموالاة لائمة أهل البيت عليهم السلام، ولكن الكميت الناصر لأهل البيت بقلبه وبلسانه اعتذر بأنه إنما قالها بلسانه تقية وحفظاً لظواهر الأمور، وأما الإمام فلم يقنع بعذره فأجابه بأن باب التقية لو كان واسعاً بهذا القدر لجاز في كل شئ حتى في شرب الخمر، مع أنه لا يجوز.
فهو دليل على عدم جواز التقية بمثل هذا المدح البالغ لبني أمية الجائرين أو إظهار المحبة لهم، وهذا من مثل الكميت الشاعر البارع المشهور بحبه للأئمة (ع) قد يوجب تقوية لدعائم الكفر والضلال، وتأييداً لبقية أحزاب الجاهلية وأشياعهم، فلا يجوز له، ولو جاز فإنما جاز في شرائط وظروف([342]).
وهذا الإمام الرضا رحمه الله يروي عنه القوم أنه كتب للمأمون محض الإسلام، فذكر فيما كتبه له أن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي رضي الله عنه، ثم ذكر بقية الأئمة، وقال: « وكل من خالفهم ضال مضل تارك للحق والهدى، وإنهم المعبرون عن القرآن والناطقون عن الرسول بالبيان، من مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية، ويجب البراءة منهم، وعلى رأسهم الشيخان وذو النورين وعائشة رضي الله عنهم أجمعين» ([343]).
يقول ابن أبي الحديد: ومن العجب أن يقول المرتضى: إنه لأجل التقية وافق على الرضا بالشورى! فهلا اتقى القوم وقد ذكروا له سيرة الشيخين فأباها وكرهها؟! ومن كان يخاف على نفسه أن لو أظهر الزهد في الخلافة والرغبة عن الدخول في أمر الشورى؛ كيف لم يخف على نفسه وقد ذكرت له سيرة الشيخين فتركها، ولم يوافق عليها، وقال: لا، بل علي أن أجتهد رأيي([344]).
وروى القوم عن صفوان بن يحيى قال: « لما مضى أبو إبراهيم عليه السلام وتكلم أبو الحسن عليه السلام خفنا عليه من ذلك، فقيل له: إنك أظهرت أمراً عظيماً، وإنا نخاف عليك هذه الطاغية، قال: ليجهد جهده، فلا سبيل له علي. وقال صفوان: فحدثني الثقة أن خالد بن يحيى البرمكي قال لهارون الرشيد: هذا علي بن موسى الرضا قد تقدم وادعى الأمر لنفسه، فقال هارون: يكفينا ما صنعنا بأبيه، تريد أن نقتلهم جميعاً»؟([345])!
وهذا العسكري يروي أن سلمان الفارسي رضي الله عنه ضربه اليهود بالسياط وعذبوه وأمروه أن يكفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يفعل، وسأل الله تعالى الصبر على أذاهم، فقالوا: أوليس محمد قد رخص لك أن تقول من الكفر به ما تعتقد ضده للتقية من أعدائك؟! فما بالك لا تقول ما نقترح عليك للتقية؟! فقال سلمان: « إن الله قد رخص لي في ذلك ولم يفرضه علي، بل أجاز لي ألا أعطيكم ما تريدون وأحتمل مكارهكم، وجعله أفضل المنزلتين، وأنا لا أختار غيره» ([346]).
فهل ترى أن العسكري وبقية الأئمة رحمهم الله يروون مثل هذا ولا يعملون به؟!
ومثل ذلك رواية الصادق عن سلمان رضي الله عنه أيضاً: « أن رجلاً دخل الجنة في ذباب وآخر دخل النار في ذباب، فقيل له: وكيف ذاك يا أبا عبد الله؟ قال: مرا على قوم في عيد لهم وقد وضعوا أصناماً لهم لا يجوز بهم أحد حتى يقرب إلى أصنامهم قرباناً قل أم كثر، فقالوا لهما: لا تجوزا حتى تقربا كما يقرب كل من مر، فقال أحدهما: ما معي شيء أقربه، وأخذ ذباباً فقربه، ولم يقرب الآخر، فقال: لا أقرب إلى غير الله عز وجل شيئاً، فقتلوه فدخل الجنة، ودخل الآخر النار» ([347]).
فهل ترى الصادق رحمه الله - وهو يروى هذه الرواية - يقول بالتقية كما أرادها القوم.
مرويات الشيعة في كرامان ومعجزات الأئمة:
أما مرويات الشيعة فيما يتعلق بكرامات الأئمة ومعجزاتهم بزعمهم فحدث ولا حرج، فمعها لا ينبغي أن تجد مكاناً للتقية، ولكن لا بأس بالاستئناس ببعضها:
فعن الربيع صاحب المنصور قال: « كنت رأيت جعفر بن محمد عليهما السلام حين دخل على المنصور يحرك شفيته، فكلما حركهما سكن غضب المنصور حتى أدناه منه، وقد رضي عنه، فلما خرج أبو عبد الله من عند أبي جعفر اتبعته فقلت له: إن هذا الرجل كان من أشد الناس غضبا عليك، فلما دخلت عليه دخلت وأنت تحرك شفتيك، وكلما حركتهما سكن غضبه، فبأي شئ كنت تحركهما؟ قال: بدعاء جدي الحسين بن علي عليهما السلام، قلت: جعلت فداك، وما هذا الدعاء؟ قال: يا عدتي عند شدتي، ويا غوثي عند كربتي، احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام. قال الربيع: فحفظت هذا الدعاء، فما نزلت بي شدة قط إلا دعوت به ففرج عني» ([348]).
وعنه - أيضاً - قال: بعث المنصور إلى الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام يستقدمه لشيء بلغه عنه، فلما وافى بابه خرج إليه الحاجب فقال: أعيذك بالله من سطوة هذا الجبار؛ فإني رأيت حرده عليك شديداًَ. فقال الصادق عليه السلام: « علي من الله جنة واقية تعينني عليه إن شاء الله، استأذن لي عليه» ([349]).
وعن علي بن ميسر قال: لما قدم أبو عبد الله عليه السلام على أبي جعفر أقام أبو جعفر مولى له على رأسه وقال له: إذا دخل علي فاضرب عنقه، فلما دخل أبو عبد الله عليه السلام نظر إلى أبي جعفر، وأسر شيئاً بينه وبين نفسه لا يدرى ما هو، ثم أظهر: (يا من يكفي خلقه كلهم، ولا يكفيه أحد، اكفني شر عبد الله بن علي) فصار أبو جعفر لا يبصر مولاه وصار مولاه لا يبصره، قال: فقال أبو جعفر: يا جعفر بن محمد! قد أتعبتك في هذا الحر فانصرف. فخرج أبو عبد الله عليه السلام من عنده، فقال أبو جعفر لمولاه: ما منعك أن تفعل ما أمرتك به؟! فقال: لا - والله - ما أبصرته، ولقد جاء شئ حال بيني وبينه. فقال أبو جعفر: والله لئن حدثت بهذا الحديث لأقتلنك([350]).
وروي: « أن داود بن علي بن عبد الله بن عباس قتل المعلى بن خنيس مولى جعفر بن محمد عليهما السلام، وأخذ ماله، فدخل عليه جعفر عليه السلام وهو يجر رداءه، فقال له: قتلت مولاي وأخذت مالي، أما علمت أن الرجل ينام على الثكل، ولا ينام على الحرب؟! أما والله لأدعون الله عليك، فقال له داود: أتهددنا بدعائك - كالمستهزئ بقوله - فرجع أبو عبد الله عليه السلام إلى داره، فلم يزل ليله كله قائماً وقاعداً حتى إذا كان السحر سُمع وهو يقول في مناجاته: يا ذا القوة القوية، ويا ذا المحال الشديد، ويا ذا العزة التي كل خلقك لها ذليل، اكفني هذه الطاغية وانتقم لي منه. فما كان إلا ساعة حتى ارتفعت الأصوات بالصياح، وقيل: قد مات داود بن علي الساعة» ([351]).
وغيرها كثير.
التقية لم تعرف طريقها إلى سائر أهل البيت رحمهم الله:
والروايات في الباب كثيرة كلها تدل على أن التقية هذه لم تعرف طريقها إلى الأئمة رحمهم الله كما صورها من وضعوا بذور التشيع باسم أهل البيت عليهم السلام.
بل ولم تعرف طريقها إلى سائر أهل البيت رحمهم الله، وكتب القوم شاهدةٌ على ذلك، فمن أراد المزيد فعليه بسيرة زيد الشهيد بن الامام علي زين العابدين رحمه الله، وابنه أبي محمد يحيى، وعبد الله بن الامام الباقر، وعبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الامام زين العابدبن، وعبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط، وابنه محمد النفس الزكية قتيل أحجار الزيت، وابنه - أيضاً - إبراهيم قتيل باخمرى، وابنه - أيضاً - موسى، وابنه - أيضاً - موسى، وابنه - أيضاً - سليمان، وعلي العابد الصالح بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى، وأخوه عبد الله بن الحسن المثلث، وأخوه العباس بن الحسن المثلث، وإسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى، وأخوه محمد بن إبراهيم، وعلي بن محمد النفس الزكية، وأخوه عبد الله الأشتر الكابلي صاحب الحروب والغزوات، وحمزة بن إسحاق بن علي الزينبي بن عبد الله بن جعفر الطيار، وعلي بن العباس بن الحسن المثلث، والحسين صاحب الفخ بن على الصالح بن الحسن المثلث، والحسن بن النفس الزكية، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى، ويحيى صاحب الديلم بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى، وأخوه إدريس بن المحض، وعبد الله بن الحسن الأفطس ابن على الأصغر بن الإمام زين العابدين، ومحمد بن يحيى بن عبد الله المحض، والعباس أبو الفضل بن محمد بن عبد الله الباهر بن الإمام زين العابدين، وإسحاق بن الحسن بن زيد بن الإمام الحسن السبط، ومحمد بن محمد بن زيد الشهيد، والحسن بن الحسين بن زيد الشهيد، والحسين بن إسحاق بن الحسين بن زيد الشهيد، ومحمد بن الحسين بن الحسن الأفطس بن على الأصغر بن الإمام زين العابدين، وعلي بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي الزينبي بن عبد الله بن جعفر الطيار، ومحمد بن القاسم بن علي بن عمر الأشرف بن الإمام زين العابدين، والقاسم بن عبد الله بن الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين، وأبو الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد، والحسين الحرون بن محمد بن حمزة بن عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين، ومحمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن المثنى، وإسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله المحض ابن الحسن المثنى، وأخوه الحسن بن يوسف، وجعفر بن عيسى بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي الزينبي بن عبد الله بن جعفر الطيارن وأحمد بن عبد الله بن موسى بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى، وعيسى بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي الزينبي، وجعفر بن محمد بن جعفر بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن الإمام زين العابدين، وإبراهيم بن محمد بن عبد الله بن عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس ابن أمير المؤمنين على رضي الله عنه، وأحمد بن محمد بن يحيى بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى، وعلي بن زيد بن الحسين بن عيسى بن زيد الشهيد، والطاهر بن محمد بن القاسم بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس الشهيد، والطاهر بن أحمد بن القاسم بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الإمام الحسن، وعلي بن عبد الرحمان بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الإمام الحسن، ومحمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن الحسن بن زيد بن الامام الحسن، وجعفر بن إسحاق بن الإمام موسى الكاظم، وموسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله المحض ابن الحسن المثنى بن الإمام الحسن، وموسى بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي الزينبي بن عبد الله بن جعفر الطيار، ومحمد بن عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي الزينبي بن عبد الله بن جعفر الطيار، وعلي بن موسى بن موسى بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الإمام الحسن، ومحمد بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الإمام الحسن، وعلي بن موسى بن إسماعيل بن الإمام موسى الكاظم، وإبراهيم بن موسى بن موسى بن عبد الله بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى، وعبد الله بن محمد بن يوسف بن موسى بن عبد الله المحض، وأحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى، وعبد الله بن علي بن عيسى بن يحيى بن الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد، وعلي بن إبراهيم بن علي بن عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين، ومحمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن عمر الأطرف بن على رضي الله عنه، وحمزة بن عيسى بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الإمام الحسن رضي الله عنه، والحسن بن محمد بن زيد بن عيسى بن زيد بن الإمام الحسن، ومحمد بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الإمام الحسن رضي الله عنه، وموسى بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى، ومحمد بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الإمام الحسن السبط الداعي الشهير صاحب طبرستان، ومحمد بن حمزة بن عبيد الله بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإسحاق بن العباس بن إسحاق الشهير بالمهلوس العلوي، والحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى، وعبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن المثنى، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي العريضي بن جعفر الصادق، والقاسم بن زيد بن الحسن الأفطس بن علي الأصغر، والقاسم بن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي الزينبي بن عبد الله بن جعفر الطيار، وعبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عيسى بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي الزينبي بن عبد الله بن الطيار، ومحمد بن جعفر بن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى، وأحمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم بن عمر بن محمد بن عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعلي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن حمزة بن إسحاق بن علي الزينبي بن عبد الله بن الطيار، والحسين بن إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن الشجري الحسنى ومحمد بن جعفر بن الحسن الشجري الحسنى، والحسن بن عبد الله الأشتر بن النفس الزكية بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى، والحسين بن محمد بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى، وإدريس بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى، والعباس بن محمد الأرقط بن عبد الله الباهر بن زين العابدين، وجعفر بن إسحاق بن الإمام موسى الكاظم، وجعفر بن علي بن الحسن بن الأفطس، وأحمد بن الحسين العمري من ذرية عمر الأطرف، والحسن بن محمد العقيقي من ذرية زيد الشهيد، وأحمد بن علي بن محمد بن عون من ذرية محمد بن الحنفية، وعلي بن محمد الأكبر الجواني بن عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين، ويحيى بن أبي الحسين علي العاثر بن زيد بن أحمد بن يحيى بن الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد، ومحمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والشريف عبد الرحيم بن أحمد بن حجون بن محمد بن حمزة بن جعفر بن إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، وموسى علي بن الحسن بن جعفر الخواري بن الإمام موسى الكاظم،،والحسين أبو عبد الله بن جعفر الحجة بن الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين، والحسين بن عبد الله بن العباس بن عبد الله الشهيد بن الحسن الأفطس بن علي الأصغر بن الإمام زين العابدين، وموسى بن أحمد بن محمد بن القاسم بن حمزة بن الإمام موسى الكاظم، وأبو الفاتك عبد الله بن داود بن سليمان بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط رضي الله عنه، وعبيد الله أبو الحسن بن محمد أبي عمر بن عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعيسى بن عبد الله بن عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب، وبن أبي جعفر أحمد زبارة بن محمد الأكبر بن عبد الله المفقود بن الحسن المكفوف بن الحسن الأفطس بن علي الأصغر بن الإمام زين العابدين، وأبو القاسم علي نزيل طوس بن أحمد بن موسى بن أحمد بن أبي يعلى محمد الأعرج بن أحمد أبي علي بن أبي جعفر موسى المبرقع بن الإمام محمد الجواد، ومحمد بن علي بن الحسن المحدث بن الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين، والقاسم الأشج بن إبراهيم العسكري بن موسى أبي سبحة بن إبراهيم المرتضى بن الإمام موسى الكاظم... إلخ
وحصر أسماء هؤلاء رحمهم الله وقصصهم فيه طول، وقد يخرجنا عن خطة الكتاب.
فهل عمل هؤلاء بالتقية؟ وهل اعتقدوا فيها كما يقول الصدوق: « اعتقادنا في التقية أنها واجبة، من تركها بمنزلة من ترك الصلاة»([352]).
ويقول أيضاً:  « والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله وعن دين الإمامية وخالف الله ورسوله والأئمة»([353]).
وقال صاحب الهداية: والتقية واجبة لا يجوز تركها إلى أن يخرج القائم، فمن تركها فقد دخل في نهي الله عز وجل ونهي رسوله والأئمة صلوات الله عليهم([354]).
وقول الخميني: فإن الظاهر أن جعل ترك التقية من الموبقات وقريناً لجحد النبوة والإمامة ليس لمحض حفظ مال المؤمن أو عرضه مثلاً، بل لما كان تركها في تلك الأزمنة موجباً لفساد الدين أو المذهب صار بتلك المنزلة([355]).
وهل اعتقدوا أصلاً أن تارك التقية كتارك الصلاة كما يروون عن إمامهم الصادق عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو قوله: « التقية من دين الله، ولا دين لمن لا تقية له، والله لو لا التقية ما عبد الله»([356]). وقول الصادق رحمه الله: « إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له»([357])، وغيرها من الروايات التي ذكرنا في مقدمة الكتاب؟!
سيرة أصحاب الأئمة أيضاً تنافي القول بالتقية:
ولقد ضرب أصحاب الأئمة رحمهم الله في ذلك من الأمثال ما يزيد الأمر يقينا بمقصودنا، وتعقيداً لمرادهم:
فهذا رُشَيد الهجَري روى عنه القوم: أن زياد بن أبيه دعاه إلى البراءة من علي رضي الله عنه، فأبى فقال: قدموه واقطعوا يده ورجله واتركوا لسانه. فقطعوه ثم حملوه إلى منزله، فأخذ يملي على أصحابه فضائل علي رضي الله عنه، فبلغ ذلك ابن زياد، فأرسل إليه الحجام حتى قطع لسانه فمات من ليلته([358]).
وهذا قنبر - رحمه الله - ذكر عنه القوم: أن الحجاج بن يوسف قال ذات يوم: أحب أن أصيب رجلاً من أصحاب أبي تراب فأتقرب إلى الله بدمه. فقيل له: ما نعلم أحداً كان أطول صحبة لأبي تراب من قنبر مولاه، فبعث في طلبه فأتي به، فقال له: ابرأ من دينه. قال: فإذا أنا برئت من دينه تدلني على دين غيره أفضل منه؟ قال: إني قاتلك فاختر أي قتلة أحب إليك؟ قال: قد صيرت ذلك إليك، فأمر به فذبح([359]).
ورووا: أنه أدخل على الحجاج بن يوسف، فقال له: ما الذي كنت تلي من أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ قال: كنت أوضيه. فقال له: ما كان يقول إذا فرغ من وضوئه؟ قال: كان يتلو هذه الآية: (( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ))[الأنعام:44]^(( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))[الأنعام:45]^، فقال الحجاج: كان يتأوله علينا؟ فقال: نعم. فقال ما أنت صانع إذا ضربت علاوتك؟ قال: إذاً أسعد وتشقى أنت. فأمر به فقتله([360]).
وهذا يحيى بن أم الطويل وقف بالكناسة ثم نادى بأعلى صوته: معشر أولياء الله! إنا برآء مما تسمعون، من سب علياً عليه السلام فعليه لعنة الله، ونحن برآء من آل مروان وما يعبدون من دون الله، ثم يخفض صوته فيقول: من سب أولياء الله فلا تقاعدوه، ومن شك فيما نحن فيه فلا تفاتحوه([361]).
وروي عن أبى جعفر عليه السلام: أن الحجاج طلبه وقال: تلعن أبا تراب. وأمر بقطع يديه ورجليه وقتله([362]).
وهذا ميثم التمار رحمه الله روى القوم عنه أنه أخذ وصلب على يد عبيد الله بن زياد، وكان - وهو على هذا الحال - يحدث بفضائل بني هاشم ومخازي بني أمية وهو مصلوب على الخشبة، فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد. فقال: ألجموه. فألجم، فكان أول خلق الله ألجم في الإسلام، فلما كان في اليوم الثاني فاضت منخراه وفمه دماً، فلما كان في اليوم الثالث طعن بحربة فمات([363]).
وكان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قد قال له -كما في روايات القوم- كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعي بني أمية - عبيد الله بن زياد - إلى البراءة منى؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! أنا - والله - لا أبرأ منك. قال: إذاً - والله - يقتلك ويصلبك، قلت: أصبر، فداك في الله قليل. فقال: يا ميثم! إذاً تكون معي في درجتي... الحديث([364]).
ورووا أنه أتى دار أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فقيل له: إنه نائم، فنادى بأعلى صوته: انتبه أيها النائم، فوالله لتخضبن لحيتك من رأسك. فانتبه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أدخلوا ميثماً، فقال له: أيها النائم! والله لتخضبن لحيتك من رأسك. فقال: صدقت، وأنت - والله - لتقطعن يداك ورجلاك ولسانك، ولتقطعن النخلة التي بالكناسة فتشق أربع قطع، فتصلب أنت على ربعها وحجر بن عدي على ربعها، ومحمد ابن أكثم على ربعها، وخالد بن مسعود على ربعها...([365]).
وهذا شريك بن شداد الحضرمي عرض على القتل هو وأصحابه، وقيل لهم: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له، فإن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم. فقالوا: لسنا فاعلي ذلك، فقتلوا...([366]).
وهذا أبو بحر الأحنف صخر بن قيس التميمي، وكان من أصحاب أمير المؤمنين رضي الله عنه، دخل وجماعة من أهل العراق يوماً على معاوية، فقال له معاوية: أنت الشاهر علينا السيف يوم صفين، ومخذل الناس عن أم المؤمنين؟ فقال له: يا معاوية! لا تذكر ما مضى منا، ولا ترد الأمور على أدبارها، والله إن القلوب التي أبغضناك بها يومئذ لفي صدورنا، وإن السيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، والله لا تمد إلينا شبراً من غدر إلا مددنا إليك ذراعاً من ختر([367]).
ومثله صعصعة بن صوحان العبدي، حيث قدم وفد أهل العراق على معاوية، فقال: مرحباً بكم يا أهل العراق قدمتم أرض الله المقدسة منها المنشر وإليها المحشر، قدمتم على خير أمير، يبر كبيركم ويرحم صغيركم، ولو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء وعقلاء. فأشار الناس إلى صعصعة بن صوحان، فقام فحمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أما قولك - يا معاوية -: إنا قدمنا الأرض المقدسة؛ فلعمري ما الأرض تقدس الناس، ولا يقدس الناس إلا أعمالهم، وأما قولك: إن منها المنشر وإليها المحشر، فلعمري ما ينفع قربها كافراً ولا يضر بعدها مؤمناً، وأما قولك: لو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماً وعقلاء، فقد ولدهم من هو خير من أبي سفيان آدم صلى الله عليه وسلم فمنهم الحليم والسفيه والجاهل والعالم. فقال له معاوية: والله لأجفينك عن الوساد، ولأشردن بك في البلاد. فقال له صعصعة: والله إن في الأرض لسعة، وإن في فراقك لدعة. فقال له معاوية: والله لأحبسن عطاءك. قال: إن كان ذلك بيدك فافعل، إن العطاء وفضائل النعماء في ملكوت من لا تنفد خزائنه، ولا يبيد عطاؤه، ولا يحيف في قضيته. فقال له معاوية: لقد استقتلت. فقال له صعصعة: مهلاً، لم أقل جهلاً ولم أستحل قتلاً، لا تقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن قتل مظلوماً كان الله لقاتله مقيماً، يرهقه أليماً ويجرعه حميماً ويصليه جحيماً. فقال معاوية لعمرو بن العاص: اكفناه. فقال له عمرو: وما تجهمك لسلطانك؟ فقال له صعصعة: ويلي عليك يا مؤوى مطردي أهل الفساد، ومعادي أهل الرشاد، فسكت عنه عمرو([368]).
وهذا صيفي بن فسيل الشيباني من أصحاب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، قال له زياد: يا عدو الله! ما تقول في أبي تراب؟ قال: ما أعرف أبا تراب! قال زياد: ما أعرَفَك به! قال: ما أعرفه. قال: أما تعرف علي بن أبي طالب؟ قال: بلى. قال: فذاك أبو تراب! قال: كلا فذاك أبو الحسن والحسين. فقال له صاحب الشرطة: يقول لك الأمير: هو أبو تراب، وتقول أنت: لا. قال: وإن كذب الأمير، أتريد أن أكذب وأشهد له على باطل كما شهد؟! قال زياد: وهذا - أيضاً - من ذنبك، علي بالعصا، فأتي بها، فقال زياد: ما قولك في علي؟ قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين. قال زياد: اضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالأرض، فضرب حتى لزم الأرض، ثم قال: اقلعوا عنه، إيه! ما قولك في علي؟ قال: والله لو شرحتني بالمواسي والمدى ما قلت إلا ما سمعت مني. قال زياد: لتلعننه أو لأضربن عنقك. قال: إذاً تضربها والله قبل ذلك، فإن أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله وشقيت أنت. قال زياد: ادفعوا في رقبته، ثم قال: أوقروه حديداً وألقوه في السجن. ثم إن زياداً أرسله مع حجر وأصحابه إلى معاوية، ولما بعث اليهم معاوية أن يبرأوا من علي، فإن فعلوا تركوهم، وأبوا أن يتبرءوا من علي، فقتل صيفي فيمن قتل([369]).
وهذا رجل من دهاقين أسفل الفرات قد أسلم وصلى يقال له: زاذان فروخ، أقبل من عند أخوال له فلقوه فقالوا له: أمسلم أنت أم كافر؟ قال: بل مسلم. قالوا: فما تقول في علي؟ قال: أقول فيه خيراً. أقول: إنه امير المؤمنين وسيد البشر ووصي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: كفرت يا عدو الله. ثم حملت عليه عصابة فقطعوه بأسيافهم([370]).
وهذا دعبل الخزاعي كان يقول: إني أحمل خشبتي عن ظهري منذ أربعين سنة، فلم أجد من يصلبني عليها، وكان قد هجا الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم ومدح الصادق([371]).
وهذا الشاعر الفرزدق روي: أنه لما حج هشام بن عبد الملك في أيام أبيه طاف بالبيت وجهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه فلم يقدر على ذلك لكثرة الزحام، فنصب له كرسي وجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه جماعة من أعيان أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين رحمه الله، وكان من أجمل الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً، فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم الحجر، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه. مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضراً، فقال: أنا أعرفه. فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟
فقال الفرزدق:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته           والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم                هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله           بجده أنبياء الله قد ختموا
والأبيات طويلة، فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة، وبلغ ذلك زين العابدين، فبعث إليه باثني عشر ألف درهم وقال: أعذر يا أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به. فردها الفرزدق وقال: يا ابن بنت رسول الله! ما قلت الذي قلت إلا غضباً لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وما كنت لآخذ عليه شيئاً. فقال: شكر الله تعالى لك ذلك، غير أنا أهل بيت إذا أنفذنا أمراً لم نعد فيه. فقبلها وجعل يهجو هشاماً وهو في الحبس، فبعث إليه هشام وأخرجه من السجن ببركة الإمام زين العابدين([372]).
وهذا ابن السكيت، سأله المتوكل: أيهما أحب إليك: ابناي هذان أم الحسن والحسين؟! فقال ابن السكيت: والله إن قنبراً خادم علي بن أبي طالب عليه السلام خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل للأتراك: سلوا لسانه من قفاه. ففعلوا فمات([373]).
وهذا سديف بن مهران بن ميمون المكي مولى زين العابدين رحمه الله، قال بعض المؤرخين: إن سبب قتله مدحه الطالبيين وهجوه العباسيين([374]).
وغيرهم كثير، كحجر بن عدي، وهاني بن عروة، وسعيد بن حبيب، وعبد الله بن عفيف وأصحابهم، وكذلك جميع من قتلوا دون الحسين رضي الله عنهم.
وذكر قصص هؤلاء الرجال من الرعيل الأول عند الشيعة تطول، وكلهم لم تعرف التقية اليهم سبيلاً، لعلمهم بأن التقية لا تشرع أبداً عندما يكون الإسلام في خطر حسب رؤيتهم، بل وليست مشروعةً أيضاً بالصورة التي وضعها الذين أرادوا الكيد لهذا الدين.
يقول الإمام الخوئي: والصحيح أن يمثل التقية المحرمة بالقتل كما مر، وبما إذا كانت المفسدة المترتبة على فعل التقية أشد وأعظم من المفسدة المترتبة على تركها، أو كانت المصلحة في ترك التقية أعظم من المصلحة المترتبة على فعلها، وكما إذا علم بأنه إن عمل بالتقية ترتب عليه اضمحلال الحق واندراس الدين الحنيف وظهور الباطل وترويج الجبت والطاغوت، وإذا ترك التقية ترتب عليه قتله فقط أو قتله مع جماعة آخرين، ولا إشكال حينئذ في أن الواجب ترك العمل بالتقية، وتوطين النفس للقتل؛ لأن المفسدة الناشئة عن التقية أعظم وأشد من مفسدة قتله. نعم ربما تكون المفسدة في قتله أعظم وأكثر، كما إذا كان العامل بالتقية ممن يترتب على حياته ترويج الحق بعد الاندراس وإنجاء المؤمنين من المحن بعد الابتلاء ونحو ذلك، ولكنه أمر آخر، والتقية بما هي تقية متصفة بالحرمة في تلك الصورة كما عرفت، ولعله من هنا أقدم الحسين سلام الله وصلواته عليه وأصحابه رضوان الله عليهم لقتال يزيد بن معاوية وعرضوا أنفسهم للشهادة وتركوا التقية عن يزيد، وكذا بعض أصحاب أمير المؤمنين (ع) بل بعض علمائنا الأبرار قدس الله أرواحهم وجزاهم عن الإسلام خيراً كالشهيدين وغيرهما([375]).
وقال الشريف الرضي: وقد ذهب المحققون من العلماء إلى أن من أُكره على الكفر فلم يفعل حتى قتل، أنه أفضل ممن أظهر الكفر لسانه وان أضمر الإيمان بقلبه، وقالوا: قد أسر المشركون بمكة خبيب بن عدي، وطالبوه بإظهار كلمة الكفر أو العرض على القتل، فلزم الحنيفية، ولم يعط التقية، حتى قتل على ذلك، وكان عند المسلمين أفضل من عمار بن ياسر حين أعطى التقية، وأظهر كلمة الكفر عند الالحاح عليه بالعذاب، من جره على الرمضاء وتحريقه بالنار، وإن كان قلبه مطمئنا بالايمان، ويستدلون بذلك على أن إعطاء التقية رخصة، وأن الأفضل ترك إظهارها، وكذلك قالوا في كل أمر كان فيه إعزاز الدين، فإقامة المرء عليه حتى يقتل أفضل من الأخذ بالرخصة في العدول عنه حتى يسلم([376]).
فكان أن لبّس موقف هؤلاء الأمر على الذين وضعوا مبدأ التقية، حتى اضطربت أقوالهم في تأويلها، فنسبوا إلى الصادق رحمه الله أنه قال في أمثال هؤلاء: ما منع ميثماً من التقية؟ فوالله لقد علم أن هذة الآية نزلت في عمار وأصحابه: (( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ))([377]) ثم اضطربوا في تأويل أمثال هذه المقولة([378]).
اضطراب الشيعة في تأويل تعارض مواقف أصحاب الأئمة في مبدأ التقية:
ولم يستقيم هذا القول عند البعض، فزعموا - كما قال المجلسي - أن هؤلاء الأجلاء من خواص أصحاب الأئمة عليهم السلام كانوا مأذونين من قبل الأئمة عليهم السلام بترك التقية لمصلحة خاصة خفية، أو أنهم كانوا يعلمون أنه لا ينفعهم التقية، وأنهم يقتلون على كل حال بأخبار المعصوم أو غيره، والتقية إنما تجب إذا نفعت، مع أنه يظهر من بعض الأخبار أن التقية إنما تجب إبقاءً للدين وأهله، فإذا بلغت الضلالة حداً توجب اضمحلال الدين بالكلية فلا تقية حينئذ وإن أوجب القتل، كما أن الحسين عليه السلام لما رأى انطماس آثار الحق رأساً ترك التقية والمسالمة([379]).
ولا أدري إن كان مفهوم المخالفة لهذا القول أن بقية الأئمة رحمهم الله لم يروا من خلفاء عصرهم طمساً لآثار الحق، فتأمل!!
والكلام في هذا يطول، ونعود إلى ما كنا فيه.
استعمال الشيعة للتقية مع أهل السُنة:
ومن الأقوال والروايات السابقة نتبين - أيضاً - حقيقة أخرى، وهي الجهة التي تجوز منها التقية عند القوم، فقد ذكرنا عند كلامنا في الآيات الواردة في مشروعية التقية أنها وردت في الكافرين لصريح منطوق الآية؛ لقوله عز وجل: ((لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ)) [آل عمران: 28].
فقد ذكر الطبري في تفسيره: أن هذه الآية إنما هي تقية من الكفار لا من غيرهم([380]).
وإن كان البعض قد تجاوز ورأى أنها تنسحب على المسلمين إذا شابهت الحالة بينهم الحالة بين المسلمين والكافرين، إلا أن التقية عند القوم غالباً ما تكون من العامة أو المخالفين لهم في المذهب، وفي العادة ما يطلقون هذه المصطلحات على أهل السُنة والجماعة كما رأيت وسترى.
ولبيان أوضح لكون التقية عند الشيعة إنما تكون من أهل السُنة نورد أقوالاً أخرى زيادة على ما مر بك([381]):
يقول الشيخ المفيد: التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا([382]).
ويقول أيضاً: ... لأن التقية تدعوهم بالضرورة إلى مظاهرة العامة بما يذهبون إليه من أئمتهم، وولاة أمرهم؛ حقنا لدمائهم، وستراً على شيعتهم([383]).
ويقول التستري: التقية: إخفاء الحق وإظهار غيره؛ خوفاً من المخالفين([384]).
ويقول التبريزي: التقية والتحفظ من شرور المخالفين إنما تكون فيما هو بمرأى ومنظر من المخالفين، وأما في بيته أو في مكان لا سبيل للمخالفين إليه فلا يجري عليه حكم التقية، فلا تجوز الموافقة للعامة في صلاته وتركه لما يعتبر فيها عنده في بيته المستور عن أنظار العامة، وكذا سائر أعماله الشرعية إجماعاً([385]).
ويقول الخوئي: (الجهة الرابعة): فيمن يتقى منه: لا ينبغي التردد في أن التقية المحكومة بالوجوب أو الجواز لا تختص بالعامة على وجه الخصوص، بل تعم كل ظالم وجائر إذا خيف ضرره، وهو مورد للتقية الواجبة أو الجائزة...([386]).
وفي موضع آخر يقول: وفيه: أن مجرد الموافقة مع العامة لا يقتضي الحمل على التقية، ما لم يكن ثمة معارض([387]).
ويضيف مكارم الشيرازي فيقول: لا شك في أن أكثر روايات الباب ناظرة إلى حكم التقية عن المخالفين، وقد يوجب هذا توهم اختصاص حكمها بهم فقط، ولا تجرى في غيرهم([388]).
ويقول الأنصاري: ويشترط في الأول - يعنى الأدلة الدالة على إذن الشارع بالتقية - أن تكون التقية من مذهب المخالفين؛ لأنه المتيقن من الأدلة الواردة في الإذن في العبادات على وجه التقية؛ لأن المتبادر من التقية التقيةُ من مذهب المخالفين، فلا يجرى في التقية عن الكفار أو ظلمة الشيعة([389]).
وهكذا.. الأمر الذي يدل على أن أهل السُنة الأصل في الجهة التي ينبغي التقية منها.
قول بعض علماء الشيعة بجواز التقية على الأئمة حتى في غياب المخالفين وبيان علة ذلك:
وهذه المسألة من المسلمات عند القوم، حتى كان الخلاف بينهم في جوازها لم يحضر أحداً منهم:
يقول البحراني: ... فصاروا صلوات الله عليهم – محافظة على أنفسهم وشيعتهم- يخالفون بين الأحكام وإن لم يحضرهم أحد من أولئك الأنام ([390]).
 وقال: ولعل السر في ذلك: أن الشيعة إذا خرجوا عنهم مختلفين كل ينقل عن إمامة خلاف ما ينقله الآخر سخف مذهبهم في نظر العامة، وكذبوهم في نقلهم ونسبوهم إلى الجهل وعدم الدين، وهانوا في نظرهم، بخلاف ما إذا اتفقت كلمتهم وتعاضدت مقالتهم؛ فإنهم يصدقونهم ويشتد بغضهم لهم ولإمامهم ومذهبهم، ويصير ذلك سببا لثوران العداوة، والى ذلك يشير قولهعليه السلام: « ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا» ([391]).
وقال في موضع آخر: إن الحمل على التقية لا يختص بوجود القائل من العامة([392]).
أقول: ويحضرني هنا - أيضاً - سبب آخر فيه طرافة: فقد روى القوم عن الصادق عليه السلام أنه قال: « إن لنا أعداء من الجن يخرجون حديثنا إلى أعدائنا من الإنس، وإن الحيطان لها آذان كآذان الناس» ([393])!
ويقول الجواهري في معرض كلامه في إحدى المسائل الخلافية عندهم: اللهم إلا أن يكتفى في التقية بمجرد وقوع الخلاف بين الشيعة، كي لا يعرفوا فيؤخذوا([394]).
روايات من طرق الشيعة تؤيد القول بجواز التقية على الأئمة حتى في غياب المخالفين:
وإذا عدنا إلى قول البحراني فسترى من قوله هذا: أن الأصل في مشروعية التقية عندهم هو وجود أحد من المخالفين الذين عرفت أن المقصود بهم أهل السُنة والجماعة، ولا بأس بأن نورد روايات أخرى تؤكد عدم شرط وجود أحد من المخالفين لحمل الأخبار على التقية، وذلك يؤكد لك أن الأصل هو وجودهم:
فعن زرارة عن أبي جعفر قال: سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاء رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله! رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان، فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه! فقال: يا زرارة! إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم. قال: ثم قلت لأبي عبد الله عليه السلام: شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين؟ قال: فأجابني بمثل جواب أبيه([395]).
وعن موسي بن أشيم قال: كنت عند أبي عبد الله، فسأله رجل عن آية من كتاب الله عز وجل فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر به الأول، قال: فدخلني من ذلك ما شاء الله، حتى كأن قلبي يشرح بالسكاكين، فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطئ في الواو وشبهة، وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كله، فبينا أنا كذلك اذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية، فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي. فسكنت نفسي، فعلمت أن ذلك منه تقية([396]).
وعن عمر بن رياح أنه سأل الباقر عن مسألة فأجابه فيها بجواب، ثم عاد إليه في عام آخر فسأله عن تلك المسألة بعينها فأجابه فيها بخلاف الجواب الأول، فقال لأبي جعفر: هذا خلاف ما أجبتني في هذه المسألة العام الماضي. فقال له: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية. فشك في أمره وإمامتة، فلقي رجلاً من أصحاب أبي جعفر يقال له: محمد بن قيس، فقال له: إني سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني فيها بجواب، ثم سألته عنها في عام آخر فأجابني بخلاف جوابه الأول، فقلت له: لم فعلت ذلك؟! فقال: فعلته للتقية. وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به وقبوله والعمل به، فلا وجه لاتقائه إياي وهذه حالي. فقال محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتقاه. فقال: ما حضر مجلسه في المسألتين غيري، لا، ولكن جوابيه جميعاً خرجا على وجه التبخيت، ولن يحفظ ما أجاب به العام الماضي فيجيب بمثله. فرجع عن إمامته وقال: لا يكون إمام من يفتي بالباطل على شيء بوجه من الوجوه ولا حال من الأحوال، ولا يكون إماماً من يفتي تقية بغير ما يجب عند الله، ولا من يرخي ستره ويغلق بابه ولا يسع الإمام إلا الخروج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمال بسببه إلى قول البترية ومال معه نفر يسير([397]).
فهذه الرويات وغيرها استند عليها البحراني وغيره في عدم ضرورة وجود أحد من أهل السُنة للقول بالتقية، وهو يدل - كما ذكرنا مراراً - على أن أهل السنة هم الأصل في القول بالتقية لدى القوم، وقد كان هذا الأمر مثار خلاف بين الشيعة أنفسهم.
معارضة بعض علماء الشيعة للقول بجواز التقية على الأئمة حتى في غياب المخالفين:
يقول البهبهاني: اعلم أن كون الحكم تقية إنما هو إذا كان موافقا لمذهب العامة كلهم أو بعضهم، على ما هو المعروف من الأصحاب القدماء والمتأخرين، إلا أنه توهم بعض الأخباريين فجوز كونه تقية، وإن لم يكن موافقاً لمذهب أحد من العامة، بل لمجرد تكثير المذهب في الشيعة، كي لا يعرفوا فيؤخذوا ويقتلوا، وهذا التوهم فاسد من وجوه:
الأول: أن الحكم إذا لم يكن موافقاً لمذهب أحد من العامة يكون رشداًَ وصواباً، لما ورد في الأخبار، (فإن الرشد في خلافهم) وفيما لم يذهبوا إليه، فكيف يكون مثل هذا تقية؛ لأن المراد من الرشد والصواب ما هو في الواقع رشد وصواب، لا من جهة التقية ودفع الضرر، وإلا فجميع ما ذهب إليه العامة يصير رشداً وصواباً، وأيضاً: إذا كان رشداً وصواباً فلم حكمت بأنه تقية ومخالف لمذهب الشيعة؟!
الثاني: أنه غير خفي على من له أدنى اطلاع وتأمل أن العامة بأدنى شيء كانوا يتهمون الشيعة بالرفض، وأذيتهم للشيعة إنما كانت بالتهمة غالباً، وهذه كانت طريقتهم المستمرة في الأعصار والأمصار، فكيف يكون الحال إذا رأوا أنهم يفعلون فعلاً لا يوافق مذهباً من مذاهبهم ولا يقول به أحد منهم؟! إذ لا شبهة في أنهم كانوا يتهمون بذلك، بل بمثل ترك التكتف في الصلاة كانوا يتهمون، مع أنه مذهب مالك رئيسهم الأقدم الأعظم في ذلك الزمان وغيره، والأئمة عليهم السلام كانوا يأمرون بمثل التكتف وأدون منه كما لا يخفى على متتبع الأخبار، وكانوا يبالغون في احترازهم عن أسباب التهمة، فكيف كانوا يأمرون بما لم يوافق مذهباً من مذاهبهم؟!
بل غير خفي أن العامة ما كانوا مطلعين على مذهب الشيعة في ذلك الزمان من الخارج إلا نادراً، وكانوا كلما يرون مخالفاً لمذهبهم يعتقدون أنه مذهب الشيعة، ويبادرون بالأذية، وما كانوا يصبرون إلى أن يروا ما يخالف ذلك منه أو من غيره من الشيعة، مع أن رؤيته من غيره كيف تنفع؟! هذا سيما إذا كان موافقاً لمذهب أهل السُنة كلهم أو بعضهم، بل لو كان الكل مخالفاً لمذهبهم ورأوه منه لا ينفع؛ لأن الكل خلاف الحق عندهم، وهم ربما كانوا يؤذون من هو سني عندهم جزماً بمخالفته للحق، فكيف غيره؟!
الثالث: أن الحق عندنا واحد، والباقي باطل: (( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ))، وفي المثل: (الكفر ملة واحدة) فأي داع إلى مخالفة التقية، وارتكاب الخطر الذي هو أعظم لأجل تحقق التقية التي هي أخف وأسهل؟ فتأمل!!
الرابع: أن التقية اعتبرت لأجل ترجيح الخبر الذي هو الحق على الذي ليس بحق ورشد على ما يظهر من الأخبار وما عليه الفقهاء في الأعصار والأمصار، وهذا الفاضل المتوهم أيضاً اعتبر ما ادعاه من التقية التي توهمها لأجل الترجيح، وبنى عليه المسألة الفقهية، فإذا لم يكن موافقاً لمذهب أحد من العامة، فبأي نحو يعرف أنه هو التقية حتى يعتبر في مقام الترجيح، ويقال: إن معارضه حق وهو مذهب الشيعة؟ فإن قلت: إذا رأينا المعارض مشتهراً بين الأصحاب يحصل الظن بأنه مذهب الشيعة. قلت: على تقدير التسليم يكفي مجرد الشهرة، فلا حاجة إلى اعتبار التقية؛ لأن المفروض ظهور مذهب الشيعة، والشهرة مرجح على حدة، فعلى هذا لو لم يوجه الخبر الذي توهم منه ما توهم لا يضر، فتأمل!
ومضمون الخبر: أني أوقعت الخلاف بين شيعتي؛ إذ لو كانوا على طريقة واحدة لعرفوا وأخذوا([398]).
 والكلامفي الباب يطول.
والغريب بعد كل هذا - والذي يناسب ذكره هنا - أن الأمور التي تعرف بها الشيعة كعدم جواز المسح على الخفين، والجهر بالبسملة الذي هو شعار الشيعة وقد عرفوا به، حتى قالوا هم في ذلك: إن المشهور من شعار الشيعة الجهر بالبسملة([399])، وقال الصدوق: من دين الإمامية الإقرار بأنه يجب الجهر بالبسملة عند افتتاح الفاتحة، وعند افتتاح السورة وبعدها([400]).
ورووا أن الرضا كتب إلى المأمون: من محض الإسلام الإجهار بـ«بسم الله الرحمن الرحيم» في جميع الصلوات([401]).
ويقول الميرزا القمي: وروي عن كشف الغمة: عن جابر قال: أجمع آل الرسول صلى الله عليه وآله على الجهر بـ«بسم الله الرحمن الرحيم» وأن لا يمسحوا على الخفين. ونقل عن ابن خالويه: إن هذا مذهب الشيعة، ومذهب أهل البيت عليهم السلام، وهو المنقول من فعل الرضا عليه السلام في جميع صلواته بالليل والنهار([402]).
وغيرها من أقوال في كون الجهر بالبسملة من شعار مذهب آل البيت.
أقول: الغريب أنهم لا يرون ولا يجوزون التقية فيها، حتى قال ابن أبي عقيل: تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام أن لا تقية في الجهر بالبسملة([403]).
ورووا عن الباقر رحمه الله أنه قال: « التقية ديني ودين آبائي، ولا تقية في ثلاث: شرب المسكر، والمسح على الخفين، وترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» ([404]).
وكذلك ما جاء في التكبيرات على الميت، حيث جعلوها خمساً بحسب أركان الإسلام، حيث يرون أن الإمامة منها، فقد رووا عن الرضا عليه السلام أنه سئل: هل يجوز لنا أن نكبر أربعاً تقية؟ فقال: « لا. بل خمس لا تقية فيهن» ([405]).
فكيف يستقيم كل هذا وغيره مع ما ذكروه آنفا؟! أليست هذه الأمور أولى بالتقية فيها بعد اشتهار الشيعة بها، وبعضها يتكرر يومياً بعدد الصلوات؟!
 إنها تناقضات لا تنتهي!!
هذا مع قولهم: إن التقية في كل شيء إلا في الدماء كما مر بك!
والطريف هنا: أن هذه المسائل - أيضاً - لم تسلم من التناقض، فذكروا أن التقية تجوز في شرب الخمر، وأن روايات أصحابهم وأقوالهم في جواز التقية في شرب الخمر وعدمها مختلفة، فالصدوقان رضوان الله تعالى عليها قالا بالمنع، فعندهما لا تقية في شرب الخمر، ولا في المسح على الخفين، ولا في متعة الحج، كما لا تقية في الدماء، والشيخ وأتباعه قالوا بالجواز عند مخافة القتل، قال الشيخ الشهيد في الذكرى: قال الصدوقان عن العالم عليه السلام: ثلاث لا أتقي فيهن أحداً، شرب المسكر والمسح على الخفين ومتعة الحج. وهو في الكافي والتهذيب بسند صحيح عن زرارة قال: قلت له: أفي مسح الخفين تقية؟ قال: ثلاث لا أتقي فيهن أحداً: شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحج. وتأوله زرارة بنسبته إلى نفسه عليه السلام، ولم يقل: الواجب عليكم ألا تتقوا فيهن أحداً. وتأوله الشيخ بالتقية لأجل مشقة يسيرة لا تبلغ إلى الخوف على النفس أو المال، لما مر من جواز ذلك للتقية([406]).
ورووا عن الكاظم عليه السلام أنه قال: إن التقية تجوز في شرب الخمر([407]).
أقول: ولم يقتصر الأمر بالجهر بالمعتقدات الآنفة الذكر التي عرفوا بها دون تقية، بل ذكروا أن أبا جعفر المنصور قال للصادق عليه السلام: يا أبا عبد الله! ما بال الرجل من شيعتكم يستخرج ما في جوفه في مجلس واحد، حتى يعرف مذهبه؟! فقال: ذلك لحلاوة الايمان في صدورهم، من حلاوته يبدونه تبدياً([408]).
فهذا القول من خليفة المؤمنين للإمام رحمه الله وعن شيعته، فماذا يقول القوم بعد هذا؟! وكيف يستقيم القول بالتقية مع كل هذا؟!
تكفير الشيعة للمخالفين:
وهنا سؤال يضع نفسه: لماذا انصبّت جُل روايات الشيعة التي وردت في التقية في المخالفين - أي أهل السُنة - على وجه الخصوص كما رأيت؟!
الجواب على هذا: هو أن الشيعة يرون أن كل من لا يعتقد بإمامة أئمتهم الإثني عشر فهو كافر، ومن ثم فكافة المسلمين - سوى الشيعة الإمامية الإثني عشرية - كفار، ومن كان هذا حكمه فالتقية منه مشروعة.
وإليك بيان موجز لعقيدتهم فيمن سواهم من المسلمين:
روى القوم عن الصادق عليه السلام أنه قال: « إن أول ما يسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جل جلاله: عن الصلوات المفروضات، وعنالزكاة المفروضة، وعن الصيام المفروض، وعن الحج المفروض، وعن ولايتنا أهل البيت، فإن أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، وإن لم يقر بولايتنا بين يدي جل جلاله لم يقبل الله منه شيئاً من أعماله» ([409]).
وعنه - أيضاً - أنه قال: « نزل جبرائيل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد! السلام يقرئك السلام، ويقول: خلقت السموات السبع ومافيهن والأرضين السبع ومن عليهن، وما خلقت موضعاً أعظم من الركن والمقام، ولو أن عبداً دعاني هناك منذ خلقت السموات والأرضين ثم لقيني جاحدا لولاية علي لأكببته في سقر».
وفي رواية: « لو جاء أحدكم يوم القيامة بأعمال كأمثال الجبال ولم يجيء بولاية علي بن أبي طالب لأكبه الله عز وجل في النار».
 وفي رواية عن زين العابدين: « أن أفضل البقاع ما بين الركن والمقام، ولو أن رجلاً عمر ما عمر نوح في قومة - ألف سنة إلا خمسين عاماً - يصوم النهار ويقوم في ذلك الموضع، ثم لقي الله بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئاً».
وعن جده علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: « لو أن عبداً عبد الله ألف سنة لا يقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت، ولو أن عبداً عبد الله ألف سنة وجاء بعمل اثنين وسبعين نبيا ما يقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت، وإلا أكبه الله على منخريه في نار جهنم».
وفي رواية: « والله لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا».
وفي أخرى: « أما - والله - لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية وليي ما كان له علىالله حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان» ([410]).
ورووا عن الباقر رحمه الله أنه قال: « إن الله عز وجل نصَّب علياً عليه السلام علماً بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً، ومن جهله كان ضالاً» ([411]).
وعنه - أيضاً - قال: « إن علياً عليه السلام باب من أبواب الجنة، فمن دخل بابه كان مؤمناً، ومن خرج من بابه كان كافراً».
وفي رواية: « إن علياً عليه السلام باب فتحه الله، من دخله كان مؤمناً ومن خرج منه كان كافراً» ([412]).
ونسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: « التاركون ولاية علي خارجون عن الإسلام» ([413]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « من ناصب علياً الخلافة بعدي فهو كافر، وقد حارب الله ورسوله، ومن شك في علي فهو كافر» ([414]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « من أنكر إمامة علي بعدي كمن أنكر نبوتي في حياتي، ومن أنكر نبوتي كان كمن أنكر ربوبية ربي عز وجل» ([415]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « يا علي! ما من عبد لقي الله يوم يلقاه جاحداً لولايتك إلا لقى الله بعبادة صنم أو وثن» ([416]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « إن حجة الله عليكم بعدي علي بن أبي طالب، الكفر به كفر بالله، والشرك به شرك بالله، والشك فيه شك في الله، والإلحاد فيه إلحاد في الله، والإنكار له إنكار لله» ([417]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « التاركون ولاية علي عليه السلام المنكرون لفضله المظاهرون أعداءه خارجون عن الإسلام من مات منهم على ذلك» ([418]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « الأئمة بعدي اثنا عشر، أولهم علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم... إلى أن قال: المقر بهم مؤمن، والمنكر لهم كافر» ([419]).
ونسبوا إلى الصادق - أيضاً - قوله: « الجاحد لولاية علي كعابد وثن» ([420]).
والراويات في الباب كثيرة لا يسعنا حصرها، وحتى لا يؤخذ علينا الاقتصار على الاستدلال بالروايات التي هي قابلة للنقد والتضعيف، فلا أرى بأساً بذكر أقوال علماء الشيعة في المسألة فهي صريحة في الدلالة على المقصود ولا يمكن صرفها:
فهذا الشيخ المفيد: يحكي إجماع الإمامية على أن من أنكر إمامة أحداً من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار([421]).
ويرى المفيد: أن ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: «من مات وهو لا يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية» صريح في أن الجهل بالإمام يخرج صاحبه عن الإسلام([422]).
ونقل المحقق الأردبيلي عن المفيد قوله: ولا يجوز لأحد من أهل الايمان أن يغسِّل مخالفاً للحق في الولاية ولا يصلي عليه. وكذا نقله غير واحد من علمائهم([423]).
وقال المفيد أيضاً: واجتمعت الشيعة على الحكم بكفر محاربي علي، ولكنهم لم يخرجوهم بذلك عن حكم ملة الإسلام؛ إذ كان كفرهم من طريق التأويل كفر ملة، ولم يكفروا كفر ردة عن الشرع مع إقامتهم على الجملة منه وإظهار الشهادتين، والاعتصام بذلك عن كفر الردة المخرج عن الإسلام، وإن كانوا بكفرهم خارجين من الإيمان مستحقين اللعنة والخلود في النار حسب ما قدمناه([424]).
وينقل البحراني عن علم الهدى الشريف المرتضى قوله: إنهم كفار مخلدون في النار. ثم نقل بعض الأخبار في ذلك، وقال: والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، وليس هنا موضع ذكرها، وقد تعدت عن حد التواتر، وعندي أن كفر هؤلاء من أوضح الواضحات في مذهب أهل البيت عليهم السلام([425]).
ويقول الشريف المرتضى أيضاً: مما يدل - أيضاً - على تقديمهم عليهم السلام وتعظيمهم على البشر: أن الله تعالى دلنا على أن المعرفة بهم كالمعرفة به تعالى في أنها إيمان وإسلام، وأن الجهل والشك فيهم كالجهل به والشك فيه في أنه كفر وخروج من الإيمان..([426]).
وقال عنه الصدوق: واختار السيد المرتضى - على ما هو المحكي عنه - كفر المخالفين وارتدادهم عن الملة([427]).
ويقول الصدوق: من جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده؛ فإنه بمنزلة من جحد نبوة الأنبياء([428]).
ونقل العاملي في الانتصار عن الكاشاني قوله: من جحد إمامة أحدهم فهو بمنزلة من جحد نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام([429]).
ونقل البحراني عن أبي الحسن الشريف قوله: ليت شعري! أي فرق بين من كفر بالله سبحانه تعالى ورسوله وبين من كفر بالأئمة عليهم السلام، مع أن كل ذلك من أصول الدين... إلى أن قال: ولعل الشبهة عندهم زعمهم كون المخالف مسلماً حقيقة، وهو توهم فاسد مخالف للأخبار المتواترة، والحق ما قاله علم الهدى من كونهم كفاراً مخلدين في النار، والمفهوم من الأخبار المستفيضة هو كفر المخالف الغير المستضعف ونصبه ونجاسته.
 وممن صرح بالنصب والنجاسة - أيضاً - جمع من أصحابنا المتأخرين، منهم شيخنا الشهيد الثاني في بحث السؤر من الروض، حيث قال بعد ذكر المصنف نجاسة سؤر الكافر والناصب ما لفظه: والمراد به من نصب العداوة لأهل البيت عليهم السلام أو لأحدهم... في بعض الأخبار «أن كل من قدم الجبت والطاغوت فهو ناصب»، واختاره بعض الأصحاب؛ إذ لا عداوة أعظم من تقديم المنحط عن مراتب الكمال وتفضيل المنخرط في سلك الأغبياء والجهال على من تسنم أوج الجلال حتى شك في أنه الله المتعال([430]).
ونقل البحراني أيضاً عن ابن نوبخت - وهو من متقدمي الشيعة -  قوله: دافعو النص كفرة عند جمهور أصحابنا. كما نقله غير واحد من علمائهم([431]).
ويقول الحلي كما نقل عنه المحقق البحراني: أما دافعو النص على أمير المؤمنين عليه السلام بالإمامة فقد ذهب أكثر أصحابنا إلى تكفيرهم؛ لأن النص معلوم بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وآله، فيكون ضرورياً أي: معلوماً من دينه ضرورة، فجاحده يكون كافراً، كمن يجحد وجوب الصلاة وصوم شهر رمضان. واختار ذلك في المنتهى، فقال في كتاب الزكاة في بيان اشتراط وصف المستحق بالإيمان ما صورته: لأن الإمامة من أركان الدين وأصوله، وقد علم ثبوتها من النبي صلى الله عليه وآله ضرورة، والجاحد لها لا يكون مصدقاً للرسول في جميع ما جاء به، فيكون كافراً([432]).
ويقول التستري: من المعلوم أن الشهادتين بمجردهما غير كافيتين إلا مع الالتزام بجميع ما جاء به النبي صلى الله على وآله من أحوال المعاد والإمامة، كما يدل عليه ما اشتهر من قوله صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يعرف إما زمانه مات ميتتة جاهلية» ولا شك أن المنكر لشيء من ذلك ليس بمؤمن ولا مسلم؛ لأن الغلاة والخوارج وإن كانوا من فرق المسلمين - نظراً إلى الإقرار بالشهادتين - إلا أنهما من الكافرين، نظراً إلى جحودهما ما علم من الدين، وليكن منه - بل من أعظم أصوله - إمامة أمير المؤمنين عليه السلام([433]).
ويقول محمد صالح المازندراني في شرح أصول الكافي: ومن أنكرها - يعني الولاية - فهو كافر؛ حيث أنكر أعظم ما جاء به الرسول وأصلاً من أصوله([434]).
ويقول يوسف البحراني: إنك قد عرفت أن المخالف كافر لا حظ له في الإسلام بوجه من الوجوه، كما حققناه في كتاب الشهاب الثاقب([435]).
ويضيف: والحكم بإسلام المخالفين إنما وقع في كلام جملة من المتأخرين غفلة عن التعمق في الأخبار والنظر فيها بعين الفكر والاعتبار([436]).
ويقول: ... وهذا أيضاً هو الموافق للأخبار المستفيضة الدالة على أن الناس في زمانهم عليهم السلام على أقسام ثلاثة: مؤمن وكافر وضال، والمراد بالضال الشكاك والمستضعفون، وقد نقلناها في كتابنا الشهاب الثاقب المتقدم ذكره، وهي صريحة في كفر المخالفين كما عليه جل علمائنا المتقدمين حسب أوضحناه في الكتاب المشار إليه([437]).
وقال أيضاً: المشهور في كلام أصحابنا المتقدمين هو الحكم بكفرهم - أي المخالفين - ونصبهم ونجاستهم، وهو المؤيد بالروايات الإمامية([438]).
وأقواله في الباب كثيره، وتكفيره لأهل السُنة من الأمور المعروفة عند أقرانه.
ويقول الخوئي: وأما الصلاة على المخالف فقد ذهب صاحب الحدائق «قده» إلى عدم وجوب الصلاة عليه كالكافر، ونسبه إلى بعضهم، وهذا يبتني على مسلكه من كُفْر المخالفين، وإنما أمرنا بالمعاشرة معهم تقية([439]).
وأما الجواهري فيقول: ... كم أن المحدث البحراني بعد أن ذهب إلى كفر المخالفين وعدم مشروعية الصلاة عليهم إلا تقية قال هنا: إنه متى صلى كان مخيراً بين الدعاء عليهم بعد كل تكبيرة.. إلخ([440]).
ويقول: وكذا ما في السرائر بعد اختياره ما في المقنعة، ويعضده قوله تعالى: (( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا))، يعني الكفار،  والمخالف لأهل الحق كافر بلا خلاف بيننا، ومذهب المرتضى في ذلك مشهور في كتب الأصحاب محتمل لإرادة نفي الخلاف.
وقال: كيف تتصور الأخوة بين المؤمن والمخالف بعد تواتر الروايات وتظافر الآيات في وجوب معاداتهم والبراءة منهم([441]).
ويقول: فلعل ما ورد في الأخبار الكثيرة من تكفير منكر علي عليه السلام - بل هو المعلوم من مذهب الشيعة، كما علم منه ثبوت كفرين عندهم دنيوي وأخروي، وخلاف نادر منهم - لو تحقق غير قادح، أو محمول على إرادة تنزيله منزلة الكافر فيما يتعلق بالأمور الأخروية من شدة العذاب والخلود فيه([442]).
ويقول: .. وعلى كل حال فمنشأ هذا القول من القائل به استفاضة النصوص وتواترها بكفر المخالفين، وأنهم مجوس هذه الأمة وشر من اليهود والنصارى التي قد عرفت كون المراد منها بيان حالهم في الآخرة لا الدنيا، كما تقدم الكلام فيه مفصلاً في كتاب الطهارة([443]).
ويقول الشهيد الثاني: واعلم أن جمعاً من علماء الإمامية حكموا بكفر أهل الخلاف، والأكثر على الحكم بإسلامهم، فإن أرادوا بذلك كونهم كافرين في نفس الأمر لا في الظاهر ...ولذا نقلوا الإجماع على دخولهم النار ([444]).
وقال شبر: وقد دلت أخبار كثيرة على كفر المخالفين، يحتاج جمعها إلى كتاب مفرد، والجمع بينها وبين ما علم من أحوالهم عليهم السلام من معاشرتهم ومؤاكلتهم ومجالستهم ومخالطتهم يقتضي الحكم بكفرهم وخلودهم في الآخرة، وجريان حكم الإسلام عليهم في الدنيا رأفة ورحمة بالطائفة المحقة؛ لعدم إمكان الاجتناب عنهم([445]).
وقال الطوسي: ... فالوجه فيه: أن المخالف لأهل الحق كافر، فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار، إلا ما خرج بالدليل، وإذا كان غسل الكافر لا يجوز فيجب أن يكون غسل المخالف - أيضاً - غير جائز([446]).
وكذا قال ابن إدريس في السرائر كما نقله عنه محسن الحكيم في مستمسك العروة: والمخالف لأهل الحق كافر بلا خلاف بيننا([447]).
ويقول زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني: قد عرفت مما تقدم أن التصديق بإمامة الأئمة عليهم السلام من أصول الايمان عند الطائفة من الإمامية، كما هو معلوم من مذهبهم ضرورة... فيلزم الحكم بكفر من لم يتحقق له التصديق المذكور وإن أقر بالشهادتين، وأنه مناف أيضاً للحكم بإسلام من لم يصدق بإمامة الأئمة الإثني عشر عليهم السلام([448]).
ويقول المجلسي: المخالفون ليسوا من أهل الجنان ولا من أهل المنزلة بين الجنة والنار، وهي الأعراف، بل هم مخلدون في النار، ولو قام القائم بدأ بقتل هؤلاء قبل الكفار([449]).
وقال: ويظهر من بعض الأخبار - بل من كثير منها - أنهم في الدنيا - أيضاً - في حكم الكفار، لكن لما علم الله أن أئمة الجور وأتباعهم يستولون على الشيعة، وهم يبتلون بمعاشرتهم ولا يمكنهم الاجتناب عنهم وترك معاشرتهم ومخالطتهم ومناكحتهم؛ أجرى الله عليهم حكم الإسلام توسعة، فإذا ظهر القائم عليه السلام يجري عليهم حكم سائر الكفار في جميع الأمور، وفي الآخرة يدخلون النار ماكثين فيها أبداً مع الكفار([450]).
وقال في معرض شروحه على بعض الأقوال والروايات: ويدل الخبر على كفر المخالفين وخلودهم في النار([451]).
وقال في موضع آخر: وقوله: (ومن زعم): يدل على أن القول بعدم كفر المخالف كفر أو قريب منه([452]).
ورد على من قال بعدم خلودهم في النار: بأن هذا القول منهم بعدم خلودهم في النار نشأ من عدم تتبعهم للأخبار، والأحاديث الدالة على خلودهم متواترة أو قريبة منها، نعم الاحتمالان الأخيران آتيان في المستضعفين منهم كما ستعرف، والقول بخروج غير المستضعفين من النار قول مجهول القائل، نشأ بين المتأخرين الذين لا معرفة لهم بالأخبار ولا بأقوال القدماء الأخيار([453]).
ويقول نصير الدين الطوسي: إن الإمامية قد تفردوا بأن دخول الجنة والنجاة لا يكون إلا بعد ولاية آل محمد عليهم السلام واعتقاد إمامتهم([454]).
وقال المازندراني: ومن أنكرها - يعني الولاية - فهو كافر؛ حيث أنكر أعظمما جاءبه الرسولوأصلاً من أصوله([455]).
ويقول المامقاني: وغاية ما يستفاد من الأخبار: جريان حكم الكافر والمشرك في الآخرة على كل من لم يكن إثنى عشرياً([456]).
ويقول الأنصاري: الحاصل أن ثبوت صفة الكفر لهم مما لا إشكال فيه ظاهراً كما عرفت من الأصحاب، ويدل عليه أخبار متواترة.. نذكر بعضها تيمناً وتشريفاً للكتاب.
فذكر بعض الروايات في الباب، ثم قال: ... إلى غير ذلك مما لا يطيق مثلي الإحاطة بعشر معشاره، بل ولا بقطرة من بحاره، إلا أن المستفاد من مجموع الأخبار وكلمات الأخيار أن المراد بهذا الكفر المقابل للإيمان الذي هو أخص من الإسلام([457]).
ويقول النراقي: ودعوى الإيمان والأخوة للمخالف مما يقطع بفساده، وتؤكده النصوص المتواترة الواردة عنهم في طعنهم ولعنهم وتكفيرهم، وأنهم شر من اليهود والنصارى وأنجس من الكلاب، فتأمل!([458]).
ويقول شرف الدين: إن عندنا صحاحاً أخر فزنا بها من طريق أئمتنا الإثني عشر، رواتها هداة قولهم وحديثهم: روى جدنا عن جبرائيل عن الباري، فهي السنة التالية للكتاب، وهي الجنة الواقية من العذاب، وإليكها في أصول الكافي وغيره تعلن بالبشائر لأهل الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر لكنها تخصص ما سمعته من تلك العمومات المتكاثرة بولاية آل رسول الله وعترته الطاهرة([459]).
ويعتقدون أن الإيمان لا يحصل إلا بواسطة ولاية علي وأوصيائه من المعصومين الطاهرين عليهم السلام، بل لا يقبل الإيمان بالله ورسوله من دون الولاية.
قال كما نقله عنه السيد هاشم الهاشمي في حوار مع فضل الله: ولاية أهل البيت عليهم السلام شرط في قبول الأعمال عند الله سبحانه، بل هو شرط في قبول الإيمان بالله والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم([460]).
ويقول الخوئي: الصحيح الحكم بطهارة جميع المخالفين للشيعة الإثني عشرية وإسلامهم ظاهراً، بلا فرق في ذلك بين أهل الخلاف وبين غيرهم، وإن كان جميعهم في الحقيقة كافرين، وهم الذين سميناهم بمسلم الدنيا وكافر الآخرة([461]).
وهكذا تحدث الروحاني عن النصوص المستفيضة أو المتواترة الدالة على كفر المخالفين، وأنه لم يظفر للمخالف بما يمكن أن يستدل به له إلا البناء على كفر المخالف للمذهب([462]).
ومثله الرحماني، حيث قال: المخالفون لولاية أمير المؤمنين عليه السلام معزولون عن الإسلام وإن أقروا بالشهادتين، وإن جمعاً من علماء الإمامية حكموا بكفر المخالفين لولاية أمير المؤمنين والأئمة المعصومين، لكن الأكثر منهم قالوا: إنهم كافرون في الباطن ونفس الأمر، ومسلمون في الظاهر امتيازاً للشهادتين وعناية وتخفيفا للمؤمنين لمسيس الحاجة إلى معاشرتهم ومخالطتهم في الأماكن المشرفة، كالكعبة المعظمة والمدينة المنورة، وإن كانوا يوم القيامة أشد عقابا من الكفار والمشركين([463]).
وأقوالهم في الباب كثيرة يطول ذكرها.
وقد ظهر هذا جلياً في جُل أبواب الفقه عندهم، وإليك بعضاً من ذلك:
يقول المفيد: ولا يجوز لأحد من أهل الإيمان أن يغسل مخالفاً للحق في الولاء، ولا يصلي عليه إلا أن تدعوه ضرورة إلى ذلك من جهة التقية، فيغسله تغسيل أهل الخلاف، ولا يترك معه جريدة، وإذا صلى عليه لعنه في صلاته ولم يدع له فيها([464]).
وقال شيخ الطائفة الطوسي في شرح كلام المفيد: فالوجه فيه أن المخالف لأهل الحق كافر، فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار إلا ما خرج بالدليل، وإذا كان غسل الكافر لا يجوز فيجب أن يكون غسل المخالف - أيضاً - غير جايز، وأما الصلاة عليه فتكون على حد ما كان يصلي النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام على المنافقين([465]).
يقول ابن إدريس: لا تجب الصلاة إلا على المعتقدين للحق، أو كان بحكمهم من أطفالهم الذين بلغوا ست سنين على ما قدمناه، ومن المستضعفين، وقال بعض أصحابنا: تجب الصلاة على أهل القبلة، ومن يشهد الشهادتين. والأول مذهب شيخنا المفيد، والثاني مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله، والأول الأظهر في المذهب، ويعضده القرآن، وهو قوله تعالى: (( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا )) يعني الكفار، والمخالف للحق كافر بلا خلاف بيننا([466]).
ويقول الشهيد الأول: وقال أبو الصلاح: لا تجوز الصلاة على المخالف بجبر، أو تشبيه، أو اعتزال، أو خارجية، أو إنكار إمامة، إلا لتقية، فإن فعل لعنه بعد الرابعة.
وقال المفيد: ولا يجوز أن يغسل مخالفاً للحق في الولاء، ولا يصلي عليه، إلا أن تدعوه ضرورة إلى ذلك من جهة التقية، فيلعنه في صلاته، مع أنه جوز الصلاة على المستضعف، وشرط سلار في الغسل اعتقاد الميت للحق، ويلزمه ذلك في الصلاة، وابن إدريس قال: لا تجب الصلاة إلا على المعتقد للحق، ومن بحكمه، كابن ست أو المستضعف، محتجاً بكفر غير المحق([467]).
ويقول العاملي: قوله: (وكل مظهر للشهادتين وإن لم يكن معتقداً للحق يجوز تغسيله، عدا الخوارج والغلاة). خالف في ذلك المفيد - رحمه الله - في المقنعة، فقال: ولا يجوز لأحد من أهل الإيمان أن يغسل مخالفاً للحق في الولاية، ولا يصلي عليه، إلا أن تدعوه ضرورة إلى ذلك من جهة التقية، واستدل له الشيخ في التهذيب بأن المخالف لأهل الحق كافر، فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار إلا ما خرج بالدليل، وإذا كان غسل الكافر لا يجوز فيجب أن يكون غسل المخالفين أيضاً غير جائز.
ثم قال: والذي يدل على أن غسل الكافر لا يجوز إجماع الأمة؛ لأنه لا خلاف بينهم في أن ذلك محظور في الشريعة، والمسألة قوية الإشكال، وإن كان الأظهر عدم وجوب تغسيل غير المؤمن([468]).
والجدير بالذكر هنا - ونحن نتكلم عن غسل الميت والصلاة عليه - أن عدم جواز دفن الشيعة في مقابر أهل السُنة والعكس من المسلمات عند القوم، بل وبلغ الأمر عندهم وجوب نقل الموتى إذا دفنوا في مقابر المسلمين تقية.
 يقول المامقاني وهو يتحدث عن المحقق الحلي: إن قبره في الحلة كما ذكره، إلا أن المطلع على سيرة القدماء يعلم أنهم من باب التقية من العامة كانوا يدفنون الميت ببلد موته، ثم ينقلون جنازته خفية إلى مشهد من المشاهد، وقد دفنوا الشيخ المفيد (ره) في داره ببغداد، ثم حمل بعد سنين إلى الكاظمية ودفن عند قولوية تحت رجل الجواد عليه السلام، ودفنوا السيد الرضي والمرتضى وأباهما بالكاظمين، ثم نقلوهم خفية إلى كربلاء ودفنوهم بجنب قبر جدهم السيد إبراهيم الذي هو في رواق سيد الشهداء كما صرح بذلك العلامة الطباطبائي (ره) في رجاله، وكذا صرح في حق المحقق على ما يبالي بنقل جنازته بعد حين إلى النجف الأشرف. وقبره هنا وإن كان غير معروف، إلا أن المنقول عن بحر العلوم أنه كان يقف بين باب الرواق وبابي الحرم المطهر في وسط الرواق، فسئل فقال إني أقرأ الفاتحة للمحقق؛ فإنه مدفون هنا. أي: في وسط الرواق بين الباب الأولى وبين الأسطوانة التي بين بابي الحضرة المقدسة، والله العالم([469]).
وسيمر بنا لاحقاً موقف بعض فقهاء الشيعة الذين استنكروا هذا الفعل، ورد فعل العوام على ذلك.
وإذا عدنا إلى ما كنا فيه، فسنعود إلى مسألة: الصلاة خلف أهل السنة:
يقول الطوسي: ولا تصل خلف الناصب، ولا خلف من يتولى أمير المؤمنين إذا لم يتبرأ من عدوه، إلا في حال التقية، ولا تجوز الصلاة خلف من خالف في إمامة الإثني عشر من الكيسانية والناووسية والفطحية والواقفة وغيرهم من فرق الشيعة([470]).
وقالوا: الاقتداء في الصلاة بالمخالفين على سبيل التقية كان شائعاً في زمن الأئمة عليهم السلام([471]).
وفي الزكاة يقول المحقق الحلي في مستحق الزكاة: وكذا لا يعطى غير الإمامي وإن اتصف بالإسلام. ونعني به كل مخالف في اعتقادهم الحق، كالخوارج والمجسمة وغيرهم من الفرق الذين يخرجهم اعتقادهم عن الإيمان، وخالف جميع الجمهور في ذلك واقتصروا على اسم الإسلام.
 لنا أن الإيمان هو تصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما جاء به، والكفر جحود ذلك، فمن ليس بمؤمن فهو كافر، وليس للكافر زكاة... إلى أن قال: فرع: وإذا لم يوجد المؤمن هل يصرف إلى غيرهم؟ فيه قولان؛ أشبههما أن زكاة المال لا تدفع إلى غير أهل الولاية. أقول: الظاهر كون المراد بالمخالف في خصوص هذه الأخبار أعم من الناصب المعاند للحق بعد وضوحه له، أعني مطلق المخالف لنا في المذهب، وهم المنحرفون الناكبون عن الصراط النواصب وغيرهم كما يأتي([472]).
وفي جواز اغتيابهم قال يوسف البحراني: إن الآية التي دلت على تحريم الغيبة - وإن كان صدرها مجملاً - إلا أن قوله - عز وجل - فيها: (( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ))، مما يعين الحمل على المؤمنين، فإن إثبات الأخوة بين المؤمن والمخالف له في دينه لا يكاد يدعيه من شم رائحة الإيمان ولا من أحاط خبراً بأخبار السادة الأعيان لاستفاضتها بوجوب معاداتهم والبراءة منهم([473]).
ويقول: من أوضح الواضحات في جواز غيبة المخالفين: طعن الأئمة عليه السلام بأنهم أولاد زنا([474]).
ويقول الأنصاري: يجوز اغتياب المخالف كما يجوز لعنه، وتوهم عموم الآية كبعض الروايات لمطلق المسلم مدفوع بما علم بضرورة المذهب من عدم احترامهم وعدم جريان أحكام الإسلام عليهم، إلا قليلاً مما يتوقف استقامة نظم معاش المؤمنين عليه([475]).
ويقول العاملي: لا ريب في اختصاص تحريم الغيبة بمن يعتقد الحق، كما في مجمع البحرين والرياض: وهو ظاهر عبارات الأصحاب في المقام، والمخالف ليس مؤمناً ولا أخاً له، مضافاً إلى الأخبار المتضافرة الواردة بلعن المخالفين، وأنهم أشر من النصارى وأنجس من الكلاب، فإنها تدل على الجواز صريحاً أو فحوى، كالنصوص المطلقة للكفر عليهم، وهي كثيرة جداً، فهي تدل من جهة الفحوى ومن أن إطلاق الكفر عليهم إما لكفرهم حقيقة أو لاشتراكهم مع الكفار في أحكامهم التي منها ما نحن فيه([476]).
ويقول الطباطبائي: وظاهر العبارة ونحوها وصريح جماعة اختصاص التحريم بالمؤمن والأخ المؤمن في الدين، فتجوز غيبة المخالف، ولا ريب فيه، ودعوى الإيمان والأخوة للمخالف مما يقطع بفساده، والنصوص المستفيضة - بل المتواترة - ظاهرة في رده، مضافاً إلى النصوص المتواترة الواردة عنهم عليهم السلام بطعنهم ولعنهم، وأنهم أشر من اليهود والنصارى، وأنجس من الكلاب، لدلالتها على الجواز صريحا، أو فحوى كالنصوص المطلقة للكفر عليهم، مع زيادة لها في الدلالة بوجه آخر، وهو استلزام الإطلاق أما كفرهم حقيقة، أو اشتراكهم مع الكفار في أحكامهم([477]).
يقول الخوئي: إنه ثبت في الروايات والأدعية والزيارات جواز لعن المخالفين، ووجوب البراءة منهم، وإكثار السب عليهم واتهامهم، والوقيعة فيهم أي غيبتهم، لأنهم من أهل البدع والريب، بل لا شبهة في كفرهم؛ لإنكار الولاية والأئمة عليهم السلام - حتى الواحد منهم - والاعتقاد بخلافة غيرهم([478]).
ويقول الخوئي أيضاً: المستفاد من الآية والروايات هو تحريم غيبة الأخ المؤمن، ومن البديهي أنه لا أخوة ولا عصمة بيننا وبين المخالفين، وهذا هو المراد - أيضاً - من مطلقات أخبار الغيبة، لا من جهة حمل المطلق على المقيد؛ لعدم التنافي بينهما، بل لأجل مناسبة الحكم والموضوع، على أن الظاهر من الأخبار الواردة في تفسير الغيبة هو اختصاص حرمتها بالمؤمن فقط، وسيأتي، فتكون هذه الروايات مقيدة للمطلقات، فافهم.
وقد حكي عن المحقق الأردبيلي تحريم غيبة المخالفين، ولكنه لم يأت بشئ تركن إليه النفس([479]).
ويقول الخميني: فيكون خطاب (يأيها الذين آمنوا) متوجهاً إلى المؤمنين الواقعيين وإن اختلفت أركانه بحسب الأزمان، من غير أن يكون الخطاب من أول الأمر متوجهاً إلى الشيعة حتى يستبعد.... سيما إذا كان المراد بالمؤمن: الشيعة الإمامية الإثني عشرية.
 وأما الأخبار فما اشتملت على المؤمن فكذلك، وما اشتملت على الأخ لا تشملهم أيضاً، لعدم الأخوة بيننا وبينهم بعد وجوب البراءة عنهم وعن مذهبهم وعن أئمتهم، كما تدل عليه الأخبار واقتضته أصول المذهب.
وقال: فإنها في مقام تفسيرها اعتبرت الأخوة فيها، فغيرنا ليسوا بإخواننا وإن كانوا مسلمين فتكون تلك الروايات مفسرة للمسلم المأخوذ في سائرها بأن حرمة الغيبة مخصوصة بمسلم له أخوة إسلامية إيمانية مع الآخر، ومنه يظهر الكلام في رواية المناهي وغيرها، والإنصاف أن الناظر في الروايات لا ينبغي أن يرتاب في قصورها عن إثبات حرمة غيبتهم، بل لا ينبغي أن يرتاب في أن الظاهر من مجموعها اختصاصها بغيبة المؤمن الموالي لأئمة الحق (ع) مضافاً إلى أنه لو سلم إطلاق بعضها وغض النظر عن تحكيم الروايات التي في مقام التحديد عليها فلا شبهة في عدم احترامهم، بل هو من ضروري المذهب كما قال المحققون، بل الناظر في الأخبار الكثيرة في الأبواب المتفرقة لا يرتاب في جواز هتكهم والوقيعة فيهم، بل الأئمة المعصومون أكثروا في الطعن واللعن عليهم، وذكر مساوئهم.
وقال: قيام السيرة المستمرة بين عوام الشيعة وعلمائهم على غيبة المخالفين، بل سبهم ولعنهم في جميع الأعصار والأمصار، بل في الجواهر أن جواز ذلك من الضروريات([480]).
ويقول في شرح كلام الشيخ: والإنصاف أن الناظر في الروايات لا ينبغي أن يرتاب في قصورها عن إثبات حرمة غيبتهم، بل لا ينبغي أن يرتاب في أن الظاهر من مجموعها اختصاصها بغيبة المؤمن الموالي لأئمة الحق.. إلى أن قال: فلا شبهة في عدم احترامهم، بل هو من ضروري المذهب كما قال المحققون، بل الناظر في الأخبار الكثيرة في الأبواب المتفرقة لا يرتاب في جواز هتكهم والوقيعة فيهم، بل الأئمة المعصومون أكثروا في الطعن واللعن عليهم وذكر مساوئهم. فعن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: إن بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم، فقال: الكف عنهم أجمل. ثم قال: يا أبا حمزة! الناس كلهم أولاد بغاة ما خلا شيعتنا. والظاهر منها جواز القذف والافتراء عليهم([481]).
ويقول الحكيم: ومن الظاهر أنه لا احترام ولا ولاية ولا حق لغير المؤمن، بل هو في حيز الأعداء، بل ما ورد من لعن المخالفين وسبهم والبراءة منهم يقتضي جواز غيبتهم بالأولوية العرفية. ومنه يظهر ضعف ما  حكى عن المقدس الأردبيلي وظاهر صاحب الكفاية من أن الظاهر عموم الأدلة للمخالفين([482]).
وعلى أي حال فالروايات والأقوال في الباب تطول ولا يمكن حصرها، حتى عقد بعضهم أبواباً خاصة في بيان هذه المسألة، منها: (باب أنه لا تقبل الأعمال إلا بالولاية)([483])، و(باب كفر المخالفين والنصاب)([484]).
بل حتى روايات التقية في بلوغ الدم التي ملئوا كتبهم بها، كروايتهم عن الباقر رحمه الله أنه قال: «إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا أبلغ الدم فليس تقية». ورواية الصادق رحمه الله: إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية([485]). فهي خاصة بالشيعة، ولا تشمل المخالفين.
يقول الأنصاري: ومما ذكرنا يظهر سكوت الروايتين عن دماء أهل الخلاف؛ لأن التقية إنما شرعت لحقن دماء الشيعة، فحدها بلوغ دمهم، لا دم غيرهم .... وهذا كله في غير الناصب، وأما الناصب فليس محقونَ الدم، وإنما منع منه حدوث الفتنة، فلا إشكال في مشروعية قتله للتقية([486]).
ويقول الخميني: وأيضاً: ظاهر أدلة التقية أنها شرعت لحفظ دماء الشيعة وأعراضهم وأموالهم من غير خصوصية للمتقي...([487]).
ويقول الخوئي: وقد أشرنا آنفاً إلى أن الغرض الأقصى من التقية هو حفظ دماء الشيعة...وعليه فحكم قتل المخالفين بالتقية أو بالاكراه حكم سائر المحرمات التي ترتفع حرمتها بهما([488]).
ويقول الروحاني تحت باب (حكم قتل المخالف): الفرع الثاني: في أنه إذا أُكره على قتل المخالف فهل يجوز ذلك أم لا؟ فقد اختار الشيخ (ره) وتبعه الأستاذ الأعظم أنه يجوز مع التقية أو بالاكراه، واستدل له بأن النصوص الدالة على أن حد التقية هو الدم مختصة بدماء الشيعة؛ إذ الغرض من التقية هو حفظها، وعليه فلا مخصص لعمومات التقية ونفي الإكراه.
وفيه:إن ما ذكر من أن التقية إنما شرعت لحفظ دماء الشيعة مسلم، كما أن ما ذكر من اختصاص نصوص المقام بها لا كلام فيه، ولكن بما أن أدلة التقية ونفي الإكراه إنما وردت في مورد الامتنان، وشمولها للمقام مناف له، فلا تشمل قتل المخالفين، فهو باق على حكمه الأولي، وهو عدم الجواز ما لم يزاحم هذا الحكم حكم أهم، اللهم إلا أن يقال: إن أدلة التقية إنما وردت في مقام الامتنان على الشيعة لا على الأمة، كما هو الشأن في دليل رفع الإكراه، وعلى ذلك فهي تشمل قتل المخالفين وترتفع الحرمة بها([489]).
وقد أسهبنا بعض الشيء في بيان كل هذا لسببين:
أولهما: بيان كفر أهل السُنة عند الشيعة، وعلى هذا تكون التقية منهم مشروعة.
والآخر: بيان أن إنكار المعاصرين لهذه العقيدة - أي: كفر المخالفين - وغيرها هو في ذاته تطبيق عملي للتقية.
يقول شرف الدين الموسوي في أجوبة مسائل جار الله، عند جوابه على المسألة السادسة: نعوذ بالله من تكفير المسلمين، والله المستعان على كل معتد أثيم، هماز مشاء بنميم، كيف يجوز على الشيعة أن تكفر أهل الشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج والإيمان باليوم الآخر..([490])؟!
وقال في موضع آخر في رده على من قال بتكفير الشيعة للمخالفين: زعم أن الشيعة كفروا كل من لم يوافقهم على هواهم. قلت: هذه إفكة أفاك، وفرية صواغ يدس النمائم، ويبس العقارب، نعوذ بالله من سماسرة الشقاق، وزراع العداوات ظلماً وعدواناً، ونبرأ إلى الله من تكفير أحد من أهل الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، والصلوات الخمس إلى القبلة، والزكاة المفروضة وصوم الشهر وحج البيت([491]).
ويقول الوائلي: إن الشيعة لا يخرجون من يخالفهم بذلك عن الإسلام، خلافاً لموقف غير الشيعة من الشيعة([492]).
وبهذا تقف أيها القارئ الكريم على سبب كون جل - إن لم تكن كل - مرويات التقية عند الشيعة إنما وردت في مخالفيهم من أهل السُنة على وجه الخصوص، وقد أقر بذلك صراحةً بعض أساطينهم، وبل وكان الخلاف بينهم في مشروعيتها من غير المخالف ولو كان كافراً.
فهذا العاملي يقول: قلت: التقية لا تنحصر في القول بما يوافق علماء العامة، بل ربما يدعو إليها إصرار الجهلاء من أصحاب الشوكة على أمر وولوعهم به، فلا يمكن إشاعة ما يتضمن تقبيحه ويؤذن بالإزراء بهم على فعله، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن أكثر أمراء بني أمية وبني العباس كانوا مولعين بمزاولة الخمر وشربه، وعدم التحرز عن مباشرته، بل ربما أم بعض أمراء بنى أمية بالناس وهو سكران، فضلاً عن أن يكون ثوبه ملوثاً به([493]).
ويقول الأنصاري: ولا ريب أن التقية من غير المخالف - كالكافر الحربي أو المِلِّي أو الموافق للمذهب المعاند للحق - ليس مورداً للنص الخاص ولا العام، أما النص الخاص فواضح، وأما النص العام فلأن النصوص الآمرة بالتقية وأنها دين ظاهرة في التقية عن المخالفين، لا عن مطلق العدو المانع عن موافقة الحق للعمل([494]).
وقال الأصفهاني: إن التقية التي هي موضوع الآثار هل التقية بالمعنى الأخص - وهي التقية من المخالف في الأمور المذهبية - أو بالمعنى الأعم، وهي التقية من غير المخالف؟ إلى أن قال: إلا أن غالب أخبار التقية موردها المخالف دون غيره([495]).
ويقول الحكيم: الظاهر عدم الفرق في مشروعية التقية بين المخالف وغيره، ولإطلاق نصوصها، والانصراف إلى المخالفين غير ظاهر بنحو يعتد به في رفع اليد عن الإطلاق، نعم الظاهر من النصوص صورة الاختلاف في المذهب([496]).
وسنطلعك على المزيد مما ورد في هذا الباب فضلاً عن بعض التطبيقات العملية للتقية من قبل علماء القوم المعاصرين تجاه أهل السُنة.
الأسباب الحقيقة للجوء الشيعة إلى الأخذ بالتقية:
ثم إن المرء ليتساءل هنا: ما هذه العقائد التي لو أظهروها لاستوجبت غضب الحكام الأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم، بل حتى سلاطين الشيعة - كما قال الخميني([497])- فيصبوا بسببها جام غضبهم عليهم، ويتربصون بالشيعي لإهدار دمه، حتى كان الكفر والزندقة أخف بنظرهم من شيعة آل محمد، حتى اضطروهم بسبب ذلك إلى اللجوء إلى هذه التقية التي شذوا بها عن غيرهم؟!
أهو خلاف ما عليه إجماع المسلمين؟ أم موافق لأصول الشرع الإسلامي وعقائده كما قال السبحاني في قوله الآنف الذكر؟!
أو كما قال الطباطبائي: وكان موقف أئمة أهل البيت عليهم السلام مما يثار من الخلافات في هذه الفتنة موقفاً حكيماً، فقد كانوا يجارون الفقه الرسمي الذي تتبناه السلطة ما تسعهم المجاراة؛ لئلا يزيد الشرخ في هذه الأمة، فإذا خلوا إلى أصحابهم بينوا لهم وجه الحق فيما يختلف فيه الناس، وأمروهم بالكتمان والسر ما وسعهم ذلك، وحتى يقضي الله ما هو قاض، وهذا هو ما يعرف عند الإمامية ب«التقية»، ولم تكن الغاية منها المحافظة على النفوس والدماء من إرهاب السلطة، وإنما كانت الغاية منها كثيراً هي المحافظة على وحدة كيان الأمة من التصدع والتفرق قدر الامكان، على أن أهل البيت عليهم السلام لم يفرطوا في بيان أحكام الله وحدوده بسبب التقية وقد أساء كثير من الناس فهم التقية وتحاملوا على الشيعة بسببها، ولو عرفوا منطلقات التقية وحدودها من مصادرها الصحيحة لم يجدوا بداً منها في هذه الفترة الدقيقة والصعبة من تاريخ الإسلام([498]).
ويقول مكارم الشيرازي:إن كثيراً من عوام الشيعة - أو بعض خواصها - كانوا يقومون في وجه الحكومات والنظامات الفاسدة الأموية والعباسية بلا عدة ولا تخطيط صحيح، كأنهم يرون إعلان عقيدة الحق - ولو لم يكن نافعاً واجباً - وإخفائها - ولو لم يجلب إلا الوهن والضرر على المذهب ومقدساته - حراماً([499]).
ويقول: إن كثيراً من عوام الشيعة وبعض خواصهم كانوا يتركون العشرة مع غيرهم من المسلمين من أهل السُنة؛ لأنهم إن أظهروا عقيدتهم الحق ربما وقعوا في الخطر والضرر وجلب البغضاء والعداوة، وإن أخفوه كانوا مقصرين في أداء ما عليهم من إظهار الحق، مرتكبين للأكاذيب، فيرون الأرجح ترك العشرة معهم وعدم إلقاء أنفسهم في أحد المحذورين([500]).
وغيرها من أقوال شبيهة.
أقول: لا شك، بل من المحال أن يكون ما عليه الشيعة موافقاً لعقائد سائر المسلمين، وإلا لانتفت مسألة التقية من أصلها، وقد رأيت ما يضحك الثكلى من الروايات والأقوال التي ذكرناها في معظم أبواب الفقه وغيرها التي حملها القوم على التقية.
إذاً: لا بد من القول بخلاف ذلك،والأمر في حقيقته كذلك، فإن كثيراً من عقائد القوم هي خلاف ما عليه إجماع المسلمين، حتى اضطرهم هذا إلى إخفائها تحت ستار التقية والتذرع بمشروعيته بالخوف من سيوف بني أمية والعباس مما يستوجب الأمر منا إقامة البينة ورفع الالتباس.
فأقول: لعل أقدم نص وقفت عليه في أسباب التقية عند القوم ما أورده النوبختي، وهو من علماء الشيعة في القرن الثالث الهجري حيث يقول في كتابه (فرق الشيعة) في معرض كلامه عن الاختلاف بين الشيعة بعد وفاة الباقر: إن بعضهم مال إلى قول سليمان بن جرير، وهو الذي قال لأصحابه: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبداً، وهما القول بالبداء وإجازة التقية، أما التقية فإنه لما كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم في الحلال والحرام وغير ذلك من صنوف أبواب الدين فأجابوا فيها وحفظ عنهم شيعتهم جواب ما سألوهم وكتبوه ودونوه، ولم يحفظ ائمتهم تلك الأجوبة لتقادم العهد وتفاوت الأوقات؛ لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد، ولا في شهر واحد بل في سنين متباعدة وأشهر متباينة، وأوقات متفرقة، فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة، وفي مسائل مختلفة أجوبة متفقة، فلما وقفوا على ذلك منهم ردوا إليهم هذا الاختلاف والتخليط في جواباتهم وسألوهم عنه وأنكروه عليهم، فقالوا: من أين هذا الاختلاف؟ وكيف جاز ذلك؟! قالت لهم أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية، ولنا أن نجيب بما أجبنا وكيف شئنا، لأن ذلك إلينا، ونحن نعلم بما يصلحكم وما فيه بقاؤنا وبقاؤكم وكف عدوكم عنا وعنكم. فمتى يظهر من هؤلاء على كذب ومتى يعرف لهم حق من باطل؟! فمال إلى سليمان بن جرير هذا لهذا القول جماعة من أصحاب أبي جعفر وتركوا القول بإمامة جعفر عليه السلام([501]).
فهذه الرواية تفيد في بيان أحد أسباب القول بالتقية عند القوم، ولكن لا بد من بيان أمر هام قبل كل شيء: وهو أننا ننزه أئمة أهل البيت رحمهم الله عما في الرواية وأمثالها من مآخذ ومطاعن، ولكن إيرادنا لها هو لبيان أن قضية المساوئ المترتبة على القول بالتقية قديمة جداً، وإن كان لا بد من حمل هذا الخبر على شيء فهو بيان أن أئمة أهل البيت وعلماء الرافضة - كما في صدر الخبر - يسيران في خطين متوازيين لا يلتقيان.
فالذين وضعوا مذهب التشيع لأهل البيت بعيداً عن أئمة أهل البيت - رحمهم الله - اضطربت عليهم الكثير من العقائد التي بنوها على الأصل القائل بوجوب الإمامة بالنص من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي هو أساس الخلاف بين السنة والشيعة، كالقول بوجوب العصمة للإمام وغيرها من العقائد.
وحيث إن الأمر قد بلغ في الكثير من المسائل عند القوم إلى حد التناقض ولا بد؛ لقوله تعالى: ((وَلَوْ كان من عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)) [النساء: 82]، وخالفت الكثير منها واقع المسلمين، وهو محال باعتبار أن القوم يرون العصمة في أئمتهم مما يتحتم نفي التعارض فيما يصدر من معين واحد، بسبب ذلك لجئوا إلى حمل جميع أمثال هذه الروايات المضطربة على القول بالتقية.
فهذه أحد الأسباب التي مهدت لترسيخ مبدأ التقية ورفع منزلتها إلى الحد الذي رأيت. وأسسوا بذلك أرضية خصبة ومساحة كافية لتحرك الوضاعين من خلالها؛ ليضعوا ما تهواه أنفسهم على لسان الأئمة، ويصرفوا كل ما يتعارض مع مخططهم من أقوال أو أفعال قد تكون صدرت حقاً عن الأئمة رحمهم الله، وبالأخص تلك التي توافق ما عليه إجماع المسلمين.
ولا شك في أن هذه الأسباب لا يمكن التغافل عنها، فهي مدعومة بشواهد كثيره، ولكن نريد التركيز هنا على السبب الرئيس من وراء وضع مبدأ التقية عند الشيعة بالصورة التي مرت بك: والسبب هذا هو تمزيق وحدة المسلمين بإبعاد من يستطيعون إبعاده عن الإسلام وعن سائر المسلمين، فمن يستقرئ تاريخ الشيعة وعقائدهميجد أن من وضع أسسها وأقام بنيانها إنما أراد بها أن يبعد الشيعة عن سائر المسلمين، وأن يجعلوهم يشذون بعقائدهم عنهم، فهم يعرفون حق المعرفة أن واقع المسلمين وتاريخهم لا يتفق مع العقائد التي أرادوها لهذه الطائفة، فأحوال الأئمة رحمهم الله بدءاً من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسائر أهل بيته عليهم السلام - من أقوال وأفعال تتعارض تماماً مع هذه العقائد التي وضعوها، إذ كيف يستقيم للشيعة - مثلاً أن ينادوا بأن الصحابة رضوان الله عليهم وسائر المسلمين قد خالفوا أمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن الأئمة والإمامة، وأنهم اغتصبوا حقوق من نص الله ورسوله عليهم، بينما نجد أن الواقع يختلف تماماً عن كل هذا، فالقرآن يمدحهم ويثني عليهم، والعلاقة الحميمة هي التي كانت تجمع بين علي وبنيه رضي الله عنهم وسائر الصحابة، وعلى رأسهم الشيخان وذو النورين رضي الله عنهم أجمعين، فقد كانت بينهم ألفة واضحة، حتى إن كثيراً من أهل البيت عليهم السلام سموا أبناءهم وبناتهم بأسماء الخلفاء الثلاثة، وعلى رأس هؤلاء الأمير والسبطان رضي الله عنهم، والمصاهرات بينهم مسطورة في كتب الفريقين، كزواج الفاروق عمر من أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.
وكذا كان الحال في سائر شؤونهم، كالصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وثناؤهم عليهم، وإقرارهم بفضلهم ومعرفة مكانتهم([502])، فضلاً عن تلك المئات من الأقوال المروية عن أهل البيت عليهم السلام التي توافق ما عليه سائر المسلمين من عقائد.
فأمام عجزهم عن تغيير هذا الواقع لم يكن من بد لهم سوى اللجوء إلى حيلة التقية، فقالوا مثلاً: إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان في تقية على عهد الثلاثة([503])؛ لأنهم وجدوا أن أفعاله وأقواله تتعارض مع ما يزعمون.
ولما آل الأمر إليه بعد مقتل ذي النورين رضي الله عنهم - وكان الأمر - أيضاً - خلافاً لمدعى القوم - قالوا: إن الأمير عليه السلام لما جلس على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن - غير المحرف بزعمهم- وإخفاء هذا؛ لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه، كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى، وكما لم يقدر على إجراء المتعتين متعة الحج ومتعة النساء، وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاة ومعاوية عن الإمارة([504]).
فكما ترى، فإن الواقع يختلف تماماً عن عقائد القوم، فكان لزاماً على هؤلاء أن يجدوا المخرج من هذا المأزق الذي يتعارض مع مزاعمهم المذكورة، فكان أن وضعوا عقيدة التقية بالصورة التي بيناها كمخرج لصرف جميع تلك النصوص وغيرها التي تصب في اتجاه التوفيق بين الشيعة وسائر المسلمين عن ظاهرها،وهوّلوا من شأن هذه العقيدة كما مر، ورهّبوا من تركها حتى يخلقوا بيئة مواتية يتحركون من خلالها إلى تحقيق مقاصدهم التي تلقفها الكثير من طلاب الدنيا عند القوم عبر التاريخ، فأصلوها وجعلوها من أركان الدين التي لا يتم الإيمان إلا بها، حتى جعلوها تسعة أعشار الدين، وضيقوا الأمر على المخلصين من أتباع المذهب الذين حاولوا تنقيته مما شابه من ترهات وعقائد ما أنزل الله بها من سلطان كما سترى، وبهذا ضمنوا إبقاء الطائفة الشيعية بمنأى عن سائر فرق المسلمين إلى أبد الآبدين.
ولا بد لنا من بيان موجز لهذه القضية، وكيف كان سيرهم العملي في هذا الاتجاه، وفيه بيان لعقائدهم التي خالفوا فيها المسلمين، فلجئوا إلى إخفائها تحت ستار التقية.
اعتقاد الشيعة بأن القرآن الموجود في أيدينا محرف:
اول ما اصطدم به اعداء الإسلام في طريقهم إلى تفريق وحدة المسلمين هو القرآن الكريم مصدر التشريع الأول، إذ لم يتأت لهم النفاذ إليه من باب التقية لتعطيل أحكامه، فكان أن عمدوا إلى فرية القول بتحريف القرآن.
فقد أجمع أئمة التشيّع - سوى من لا يعتد بخلافه - في هذه المسألة عندهم - على أن القرآن الموجود بين الدفتين ليس هو ذلك القرآن الذي أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا القرآن الموجود بين أيدينا قد حذفت منه آيات كثيرة - بل وسور - فيها ذكر الإمامة وآل محمد واسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالبرضي الله عنه، وكذلك فضائح المهاجرين والأنصار وغيرهم بزعمهم، وأن القرآن كما أنزل إنما جمعه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، ثم توارثه الأئمة من بعده، وهو عند المهدي الآن، وسيظهره عند خروجه.
وأيدوا أقوالهم هذه بروايات وضعوها على ألسنة الأئمة، ذكرنا بعضا منها في كتابنا (الإمامة والنص) من سلسلة (الحقائق الغائبة) التي بين يديك، ولا بأس هنا بذكر بعض من أقوال علماء الشيعة في القرآن:
ذكر أقوال أبرز علماء الشيعة القائلين بتحريف القرآن:
يقول الشيخ المفيد: إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان([505]).
وقال: اتفقت الامامية على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن، وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم([506]).
وقال: إن الذي بين الدفتين من القرآن جميعه كلام الله تعالى وتنزيله، وليس فيه شيء من كلام البشر، وهو جمهور المنزل والباقي مما أنزله الله تعالى قرآناً عند المستحفظ للشريعة المستودع للأحكام لم يضع منه شيء، وإن كان الذي جمع ما بين الدفتين الآن لم يجعله - أى عثمان - في جملة ما جمع لأسباب دعته إلى ذلك، منها قصوره عن معرفة بعضه، ومنه ما شك فيه، ومنه ما عمد بنفسه، ومنه ما تعمد إخراجه منه، وقد جمع أمير المؤمنين القرآن من أوله إلى آخره وألّفه بحسب ماوجب من تأليفه([507]).
ويقول الكاشاني في تفسيره بعد أن أورد الكثير من الروايات الدالة على التحريف: المستفاد من مجمع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمدصلى الله عليه وآله وسلم، بل منه ما هو خلاف ما أنزل، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها اسم علي في كثير من المواضع، ومنها غير ذلك، وأنه ليس - أيضاً - على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وآله وسلم([508]).
وقال في موضع آخر: كما أن الدواعي كانت متوافرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين، كذلك كانت متوافرة على تغييره من المنافقين المبدلين للوصية المغيرين للخلافة؛ لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم، والتغيير فيه إن وقع فإنما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الآن([509]).
وخلص إلى هذا التسائل وهو القول بأنه على هذا التقدير لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن؛ إذ على هذا تحتمل كل آية منه أن تكون محرفة ومغيرة على خلاف ما أنزل الله، فلم يبق لنا في القرآن حجة أصلاً، فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتباعه والوصية بالتمسك به.. إلى غير ذلك، فرده بالقول: ويخطر بالبال في دفع هذا الاشكال والعلم عند الله أن يقال : إن صحت هذه الأخبار فلعل التغيير إنما وقع فيما لا يخل بالمقصود كثير إخلال كحذف اسم علي وآل محمد ( صلى الله عليهم ) ، وحذف أسماء المنافقين عليهم لعائن الله فإن الانتفاع بعموم اللفظ باق وكحذف بعض الآيات وكتمانه فان الانتفاع بالباقي باق مع أن الأوصياء ([510]).
ويقول المجلسي في معرض شرحه للكافي في رواية هشام بن سالم عن الصادق: (إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبع عشرة ألف آية): الخبر صحيح، ولا يخفى أن هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار فـي هـذا البـاب متواترة معنى، وطـرح جميعها يوجب رفع الاعتماد على الأخبار رأساً، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن الأخبار في الإمامة، فكيف يثبتونها بالخبر([511])؟!
وقال: إن عثمان حذف من هذا القرآن ثلاثة أشياء: مناقب أمير المؤمنين علي وأهل بيته، وذم قريش والخلفاء الثلاثة، مثل آية: (يا ليتني لم اتخذ أبا بكر خليلاً)([512]).
كذلك أورد في تذكرته، بتمام سورة الولاية التي يدعي كشأن أضرابه أن عثمان - رضي الله عنه - قد حذفها من القرآن([513]).
ويقول المازندراني في قول صاحب إكمال الإكمال شارح مسلم نقلاً عن الطبرسي: إن آي القرآن ستة آلاف وخمسمائة، منها خمسة آلاف في التوحيد، وبقيتها في الأحكام والقصص والمواعظ: أقول: كان الزائد على ذلك مما في الحديث سقط بالتحريف، وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنى، كما يظهر لمن تأمل في كتب الأحاديث من أولها إلى آخرها.([514]).
ويقول نعمة الله الجزائري في أنواره: إنه قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين بوصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم،فبقي بعد موته ستة أشهر مشتغلاً بجمعه، فلما جمعه كما أنزل أتى به إلى المتخلفين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لهم: هذا كتاب الله كما أنزل، فقال عمر بن الخطاب: لا حاجة بنا إليك ولا إلى قرآنك، عندنا قرآن كتبه عثمان. فقال لهم علي: لن تروه بعد هذا اليوم، ولا يراه أحد حتى يظهر ولدي المهدي. وفي ذلك القرآن زيادات كثيرة، وهو خال من التحريف([515]).
وقال في موضع آخر: ولا تعجب من كثرة الأخبار الموضوعة؛ فإنهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد غيروا وبدلوا في الدين ما هو أعظم من هذا، كتغييرهم القرآن وتحريف كلماته وحذف ما فيه من مدائح آل الرسول والأئمة الطاهرين وفضائح المنافقين وإظهار مساوئهم([516]).
ويقول: وأخبارنا متواترة بوقوع التحريف والسقط منه، بحيث لا يسعنا إنكاره، والعجب العجيب من الصدوق وأمين الإسلام الطبرسي والمرتضى في بعض كتبه كيف أنكروه وزعموا أن ما أنزله الله تعالى هو هذا المكتوب، مع ان فيه رد متواتر الأخبار([517]).
ونقل عنه النوري الطبرسي قوله: إن الأخبار الدالة على التحريف تزيد على ألفي حديث([518]).
ويقول العاملي: اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه - بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها - أن القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء من التغيرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيرا من الكلمات والآيات، وأن القرآن المحفوظ عما ذكر الموافق لما أنزله تعالى ما جمعه علي وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن، وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم، وهو اليوم عنده صلوات الله عليه([519]).
وفي موضع آخر قال بعد ان أسهب في إثبات هذه المسألة، وأورد أسماء من قال به ممن سبقوه، وفند أقوال من ظن أنهم منكروه، قال: وعندي من وضوح صحة هذا القول بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع، وأنه من أكبر مفاسد غصب الخلافة، فتدبر([520]).
ويقول البحراني في معرض إنكاره لمسألةالقراءات السبع: ومما يدفع ما ادعوه - أى تواترها - أيضاً استفاضة الأخبار المتكاثرة بوقوع النقص في القرآن والحذف منه، كما هو مذهب جملة من مشايخنا المتقدمين والمتأخرين([521]).
وفي موضع آخر في تعليقه على قراءة آية الوضوء، (( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ))، على النصب قال: وليس بالبعيد أن هذه القراءة كغيرها من المحدثات في القرآن العزيز؛ لثبوت التغيير والتبديل فيه عندنا زيادة ونقصانا، وإن كان بعض أصحابنا ادعى الإجماع على نفي الأول، إلا أن في الأخبار ما يرده، كما أنهم تصرفوا في قوله تعالى في آية الغار لدفع العار عن شيخ الفجار([522])، حيث إن الوارد في أخبارنا أنها نزلت: ((فأنزل الله سكينته على رسوله وأيده بجنود لم تروها))، فحذفوا لفظ (رسوله) وجعلوا محله الضمير، ويقرب بالبال كما ذكر - أيضاً - بعض علمائنا الأبدال أن توسيط آية ((إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت))، في خطاب الأزواج من ذلك القبيل([523]).
أقول: يقصد بقوله: (كما ذكر بعض علمائنا الأبدال)، المجلسي صاحب البحار، حيث قال: فلعل آية التطهير - أيضاً - وضعوها في موضع زعموا أنها تناسبه، أو أدخلوها في سياق مخاطبة الزوجات لبعض مصالحهم الدنيوية، ولو سلم عدم التغيير في الترتيب فنقول: سيأتي أخبار مستفيضة بأنه سقط من القرآن آيات كثيرة، فلعله سقط مما قبل الآية وما بعدها آيات([524]).
ويقول سلطان محمد بن حيدر الخرساني: اعلم أنه قد استفاضت الأخبار عن الأئمة الأطهار بوقوع الزيادة والنقيصة والتحريف والتغيير فيه، بحيث لا يكاد يقع شك في صدور بعضها منهم، وتأويل الجميع بأن الزيادة والنقيصة والتغيير إنما هي في مدركاتهم من القرآن لا في لفظ القرآن كلغة، ولا يليق بالكاملين في مخاطباتهم العامة... إلى أن قال: كما كانت الدواعي متوافرة في حفظه، كذلك كانت متوافرة من المنافقينفي تغييره([525]).
والطهراني في كتابه (محجة العلماء)، تناول مسألة التحريف بإسهاب وتوسع، إذ نقل إجماع الشيعة على القول بهذه المسألة، وذكر أقوالهم، وفند - على حد زعمه - أقوال أهل السُنة في كون القرآن الموجود بين الدفتين هو القرآن بتمامه، كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما زيف أقوال أضرابه المنكرين للتحريف وطعن فيهم، وخلص إلى القول بإجماع الشيعة على هذه المسألة، بل وكونه من ضروريات مذهبهم([526]).
أما النوري الطبرسي فقد صنف كتاباً مستقلاً في المسألة، قال في مقدمته: هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان، وسميته: (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب)([527]).
وكتابه هذا زهاء أربعمائة صفحة، أورد فيه كل ما وقف عليه من أخبار وأقوال ونصوص بلغت المئات، كلها في إثبات مسألة التحريف، وعند طبعه عام (1298) للهجرة ثارت حوله ضجة عند القوم لافتضاح معتقدهم في هذه المسألة، فلم يقف المصنف أمامها مكتوف اليدين، بل صنف رسالة في دفع الشبهات التي أثيرت حوله([528]).
ويقول السيد عدنان: إن القول بالتحريف والتغيير من المسلمات عند الفرقة المحقة، وكونه من ضروريات مذهبهم، وبه تظافرت أخبارهم([529]).
وخلص إلى القول -بعد أن أورد الروايات الدالـة علـى التحريـف وتفنيـد أقوال المنكرين- إلى أن الأخبار من طريق أهل البيت كثيرة - إن لم تكن متواترة - على أن القرآن الذي بأيدينا ليس هو القرآن بتمامه كما انزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو محرف ومغير، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها اسم علي في كثير من المواضع، ومنها لفظة (آل محمد) ومنها أسماء المنافقين، ومنها غير ذلك، وأنه ليس على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، كما في تفسير علي بن إبراهيم([530]).
حقيقة قول المنكرين للتحريف:
وكما ذكرنا فإن هذة المسألة محل إجماع عند القوم كما رأيت من بعض النقول السابقة،وقد أوردنا هنا بعضا من أقوالهم في المسألة وبإيجاز لسببين متعلقين بموضوع كتابنا:
الأول: الكلام في أسباب التقية، حيث ذكرنا أن الذين وضعوا هذة العقيدة إنما أرادوا أن يبعدوا الشيعة عن سائر المسلمين، فكان لا بد لهم من الطعن في المصدر الأول في مصادر التشريع لدى المسلمين، لتعطيل العمل بأحكامه.
والسبب الآخر المتعلق بموضوع الباب: هو قطع الطريق على أي صوت يصدر من علماء القوم ينادي برفع عزلة هذه الطائفة عن المسلمين بنبذ هذه العقائد التي ما أنزل الله بها من سلطان، ففي موضوع القرآن - مثلاً - لم يشذ عن القول بالتحريف على الراجح سوى أربعة، ولا عبرة بمتأخري القوم، فهم لن يغيروا من الأمر شيئاً، فالمذهب قائم من قبل أن يولدوا، وهؤلاء الاربعة هم: الشريف المرتضى، الشيخ الصدوق، شيخ الطائفة الطوسي، والطبرسي.
وكل من أراد من القوم نفي هذه الفرية عنهم يحيلنا إلى أقوال هؤلاء، وهؤلاء الأربعة إنما أرادوا بنفيهم لعقيدة التحريف القول بأن الشيعة كسائر المسلمين يعتقدون بهذا القرآن؛ لعلمهم بأن الاعتقاد بكونه محرفاً يخرج بقائله عن الإسلام والمسلمين.
وبغض النظر عن حقيقة أقوال هؤلاء والاضطراب في ذلك، حيث إن بعضهم أورد في مصنفاته ما يدل على القول بالتحريف، وكذلك كون بعضهم شيخاً للبعض ومن تلاميذ آخرين، كالشيخ المفيد الذي مر قوله وإقراره بالتحريف، فهو من تلاميذ الشيخ الصدوق، ومن شيوخ المرتضى علم الهدى، وشيخ الطائفة الطوسي، وهؤلاء - كما عرفت - أنكروا التحريف؛ فإن هذا يضع امامنا علامة استفهام كبيرة لحقيقة الأمر، ولما إذا كانت أقوالهم هذه صدرت على وجه التقية أم على خلافه، وهو موضوع الباب، وإليك بيان ذلك:
اعتراف علماء الشيعة بأن إنكارهم تحريف القرآن صدر منهم تقية لمصالح كثيرة:
يقول الجزائري: والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة، منها: سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها، وسيأتي الجواب عن هذا، كيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخباراً كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن، وأن الآية هكذا نزلت ثم غيرت إلى هذا([531])؟!
ويقول النوري الطبرسي: لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هؤلاء المشايخ الأربعة، وما حكى عنهم المفيد، ثم شاع هذا المذهب بين الأصوليين من أصحابنا واشتهر بينهم، حتى قال المحقق الكاظمي في شرح الوافية: إنه حكى عليه الإجماع. وبعد ملاحظة ما ذكرناه تعرف أن دعواه جرأة عظيمة، وكيف يمكن دعوى الإجماع - بل الشهرة المطلقة - على مسألة خالفها جمهور القدماء وجل المحدثين وأساطين المتأخرين، بل رأينا كثيراً من كتب الأصول خالية عن ذكر هذه المسألة، ولعل المتتبع يجد صدق ما قلناه ونقلناه([532]).
وقال في موضع آخر في معرض رده على المرتضى: كيف وقد عد هو في (الشافي من مطاعن عثمان): أن من عظيم ما أقدم عليه جمعه الناس على قراءة زيد وإحراقه المصاحف وإبطاله ما لا شك أنه من القرآن، ولولا جواز كون بعض ما أبطله أو جميعه من القرآن لما كان ذلك طعنا([533]).
وفي رده على الطوسي قال: لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان - وهو الكتاب الذي ادعى فيه الطوسي بأن القرآن غير محرف - أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين؛ فإنك تراه اقتصر في تفسير الآيات على نقل كلام الحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن جريج والجبائي والزجاج وابن زيد وأمثالهم، ولم ينقل عن أحد من مفسري الإمامية، ولم يذكر خبراً عن أحد من الأئمة عليهم السلام، إلا قليلا في بعض المواضع لعله وافقه في نقله المخالفون، بل عد الأولين في الطبقة الأولى من المفسرين الذين حمدت طرائقهم ومدحت مذاهبهم وهو بمكان من الغرابة، فلو لم يكن على وجه المماشاة فمن المحتمل أن يكون هذا القول منه نحو ذلك، ومما يؤكد كون وضع هذا الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجليل علي بن طاوس في سعد السعود، وهذا لفظه: نحن نذكر ما حكاه جدي أبو جعفر بن الحسن الطوسي في كتاب (التبيان) وحمله التقية على الاقتصار عليه من تفصيل المكي من المدني والخلاف في أوقاته([534]).
ويقول الطهراني: وكيف كان، فالمتتبع هو البرهان لا الأساطين والأعيان، ولا يعرف لهؤلاء موافق إلى ذلك الزمان، وإنما شاع بعد عصر الطبرسي، مع أن إسناده إلى الشيخ والطبرسي في غاية الإشكال، فدعوى الإجماع على عدم التحريف عجيبة، حيث لا يعرف سوى الصدوق والمرتضى إلى عصر متأخر المتأخرين، وقد عرفت الذاهبين إلى الحق([535]).
وهكذا حمل أقوالهم على التقية سائر من رد عليهم ممن اعتقد بالتحريف من بني جلدتهم، وأهل مكة أدرى بشعابها.
والغريب بعد كل هذا أن يأتي من القوم من يتهمنا بأننا نحن الذين حملنا أقوال هؤلاء المنكرين للتحريف على التقية.
يقول السبحاني: إن من العجيب جداً أن يحمل بعض المغرضين الذين أيسوا من الأساليب الأخرى كل هذه التصريحات القاطعة من قبل علماء الشيعة الإمامية بعدم تحريف القرآن الكريم على «التقية»! فإنه يقال لهؤلاء بأن «التقية» ترتبط بأحوال شخص يكون في ظروف الخوف والخطر، وهؤلاء العلماء الكبار لم يكونوا يخافون أحداً حتى يضطروا إلى ممارسة «التقية»، ثم إن هذه الكتب قد ألفها علماء الإمامية - في الأساس - لأتباع المذهب الشيعي، والهدف منها هو تعليم عقائد الشيعة لأتباع ذلك المذهب، ولهذا فإن من الطبيعي أن تحتوي هذه الكتب على العقائد الحقيقية([536]).
إنكار بعض المتأخرين من الشيعة لعقيدة تحريف القرآن:
ولا زال أذناب هؤلاء في أيامنا هذه ينتهجون مناهجهم وهم يرون في التقية فسحة وملاذاً آمناً، فهذا شرف الدين الموسوي يقول: نُسب إلى الشيعة القول بالتحريف بإسقاط كلمات وآيات، فأقول: نعود بالله من هذا القول، ونبرأ إلى الله من هذا الجهل، وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفتر علينا؛ فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته([537]).
وهذا لطف الله الصافي يقول رداً على محب الدين الخطيب رحمه الله:فانظر ما في كلامه هذا من الكذب الفاحش والافتراء البين، ليس في فصل الخطاب لا في ص (180) ولا في غيرها من أول الكتاب إلى آخره - ذكر لهذه السورة المكذوبة على الله تعالى، التي يقول الخطيب: إن الشيعة تسميها سورة الولاية مذكورة فيها ولاية على([538]).
وأنا هنا لا أزيد سوى القول بأن السورة مذكورة كما قال الخطيب في فصل الخطاب للطبرسي، وفي الصفحة نفسها، ومن أراد المزيد فالكتاب منشور في موقعنا([539]).
وهذا آخر - هو الأميني - يقول: ليت هذا المجترئ - أي: ابن حزم - أشار إلى مصدر فريته من كتاب للشيعة موثوق به أو حكاية عن عالم من علمائهم تقيم له الجامعة وزناً، أو طالب من رواد علومهم ولو لم يعرفه أكثرهم، بل نتنازل معه إلى قول جاهل من جهالهم أو قروي من بسطائهم أو ثرثاراً كمثل هذا الرجل يرمي القول على عواهنه، لكن القارئ إذا فحص ونقب لا يجد في طليعة الإمامية إلا نفاة هذه الفرية، كالشيخ الصدوق في عقائده، والشيخ المفيد، وعلم الهدى، وشيخ الطائفة الطوسي، في التبيان وأمين الإسلام في مجمع البيان، وهذه فرق الشيعة في مقدمتهم الإمامية مجمعة على أن ما بين الدفتين هو ذلك الكتاب لا ريب فيه([540]).
فانظر أخي القارئ! إلى مساوئ التقية وكيف أنها توصل بصاحبها إلى هذا الدرك من فساد العقيدة وخبث السريرة واستحلال التلبيس على عباد الله، فهل كان يرى أن عقائد أضرابه بمنأى عن غيره حتى يجد لنفسة هذه الحرية في الإنكار والتقية؟!
 فهل القمي والصفار والكليني والمفيد - الذي نسبه إلى المنكرين للتحريف - والعياشي وفرات والطبرسي صاحب الاحتجاج، والكاشاني، والمجلسي، والجزائري، والبحراني، والعاملي، والخراساني، والطهراني، والنوري الطبرسي، والسيد عدنان، وغيرهم ممن ذكرناهم أو لم نذكرهم، هل هؤلاء من أساطين القوم الذين أسسوا بنيان التشيع وقعدوا قواعده وأصلوا أصوله، أم أنهم من جهالهم أو قروييهم أو ثرثارييهم؟!
نماذج لتناقض بعض هؤلاء المنكرين، حيث نفوا التحريف في مواضع من كتبهم وأقراوا  به في مواضع أخرى:
الطريف أن الأميني في الكتاب نفسه - وهو في فورة حماسه في حشد كل ما يراه طعناً في الخلفاء من روايات موضوعة أو لا تخدم غرضه - أقر من حيث يشعر أو لا يشعر بالتحريف، حيث قال: إن بيعة الصديق رضي الله عنه قد عمت بشؤمها الإسلام، وزرعت في قلوب أهلها الآثام، وعنفت سلمانها وطردت مقدادها ونفت جندبها وفتقت بطن عمارها، وحرفت القرآن وبدلت الأحكام وغيرت المقام([541]).
تماًما كما فعل آخر - وهو الخوئي - في بيانه، حيث نفى التحريف أولاً ثم قال من حيث أراد أو لم يرد: إلا أن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين عليهم السلام، ولا أقل من الإطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر([542]).
وهكذا نرى أول تطبيق عملي للتقية من جهة أنها وضعت لعزل الشيعة عن سائر المسلمين، وكيف أنهم حجّروا واسعاً في أمر كان فيه خلاصهم من قبل هؤلاء الذين أرادوا إخراج القوم من مستنقع القول بالتحريف الذي يخرجهم عن دائرة الإسلام، هذا إن صحت نياتهم - ولا أظن - ليؤكدوا للعالم بأنهم لا يؤمنون بمصدر التشريع الأول للمسلمين، وأن على هذا إجماع الطائفة، وأنها من ضروريات مذهب التشيع، ومن شذ عن ذلك إنما كان منه تقية؛ لأن سيوف الأمويين والعباسيين ومن بعدهم العثمانيين كانت على رقابهم، فاضطرتهم إلى الأخذ بالتقية؛ لإخفاء معتقدهم الذي هو موافق لأصول الشرع الإسلامي وعقائده كما زعم بعضهم، نعم هكذا يريد القوم أن يصوروا لنا أسباب لجوئهم إلى التقية.
عقيدة الشيعة في السنة النبوية:
إذا علمت بأن القوم قد تبنوا هذا الاعتقاد في القرآن الكريم، وصرفوا جميع الأصوات التي شذت عن معتقدهم فيه بحجة التقية، فإن الأمر كان أيسر عليهم فيما عدا ذلك، فإكمالاً لمخططهم الذي من أجله وضعوا مبدأ التقية - وهو إبعادهم عن سائر المسلمين - عمدوا إلى السنة المطهرة المصدر الثاني من مصادر التشريع عند المسلمين - لإسقاطها، وحيث إن الأمر لم يكن باليسير عليهم أن يردوا كل هذه الألوف المؤلفة من أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصرفها عن ظاهرها، ذهبوا إلى القول بارتداد جل الصحابة رضي الله عنهم؛ ليضمنوا بهذا رد جميع مروياتهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بحجة عدم جواز أخذ الأحاديث عن غير المؤمنين العدول، حتى قال كاشف غطائهم بأن ما يرويه مثل أبي هريرة، وسمرة بن جندب، ومروان بن الحكم، وعمران بن حطان الخارجي، وعمرو بن العاص، ونظائرهم، ليس له عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة([543]).
اعتقاد الشيعة بردة الصحابة رضي الله عنهم:
تبدأ هذه الفرية بالقول بأن الصحابة رضوان الله عليهم قد ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الدين، فقد رووا عن الباقر أنه قال: إن الناس عادوا بعد ما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل جاهلية([544]).
وقال - كما يزعمون - الناس صاروا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة من اتبع هارون عليه السلام ومن اتبع العجل([545]).
ثم جاءت روايات أخرى أكثر دقة، حيث استثنت البعض من إطلاقات وعموميات هذه النصوص، فرووا عن الصادق أنه قال: الولاية للمؤمنين الذين لم يغيروا ولم يبدلوا بعد نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم واجبة، مثل سلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري والمقداد بن الأسود الكندي وعمار بن ياسر وجابر بن عبد الله الأنصاري وحذيفة بن اليمان وأبي الهيثم بن التيهان وسهل بن حنيف وأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن الصامت وعبادة بن الصامت وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي سعيد الخدري ومن نحا نحوهم وفعل مثل فعلهم([546]).
ثم جاءت روايات استثنت الكثير ممن ورد ذكرهم في الروايات السابقة، حيث عز على واضعيها ان يجدوا هذا العدد من الصحابة رضـي الله عنهم لا زال على الإيمان، فقلصوا العدد إلى أربعة، وهم المقداد بن الأسود، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر رضي الله عنهم([547]).
ثم أسقط عمار بن ياسر رضي الله عنه، فرووا عن الباقر أنه قال: كان الناس أهل ردة. وفي رواية: ارتد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ثلاثة. فقال الراوي: ومن الثلاثة؟ قال: المقداد، وأبو ذر، وسلمان الفارسي([548]).
وعن المفضل قال: عرضت على أبي عبد الله أصحاب الردة، فكلما سميت إنساناً قال: اعزب، حتى قلت: حذيفة؟ قال: اعزب، قلت: ابن مسعود؟ قال: أعزب، ثم قال: إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فعليك بهؤلاء الثلاثة: أبو ذر وسلمان والمقداد([549]).
وعن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر: جعلت فداك، ما أقلنا، لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها. فقال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك؟! المهاجرين والأنصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثة. فقلت: جعلت فداك، ما حال عمار؟ قال: رحم الله عماراً أبا اليقظان بايع وقتل شهيداً، فقلت في نفسي: ما شيء أفضل من الشهادة؟ فنظر إلي فقال: لعلك ترى أنه مثل الثلاثة؟ هيهات، هيهات([550])!
ثم أُسقط الجميع سوى المقداد، فرووا عن الباقر أنه قال: إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد، وفي رواية: ما بقي أحد إلا وقد جال جولة إلا المقداد بن الاسود، فإن قلبه كان مثل زبر الحديد. وفي رواية: فأما الذي لم يتغير منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى فارق الدنيا طرفة عين فالمقداد بن الأسود([551]).
والطريف أن المقداد رضي الله عنه أيضاً لم يسلم، وإن شئت فقل: لم يشأ القوم أن يروا أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم على شيء من الإيمان، فقد ذكروا أنه لو علم أحدهم بعلم الآخر أو صبره لقتله، فعن جعفر عن أبيه قال: ذكرت التقية يوماً عند علي بن الحسين عليه السلام فقال: والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله([552]).
وعن الصادق قال: علم سلمان علماً لو علمه أبو ذر كفر([553]).
وعنه - أيضاً - أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسلمان: يا سلمان! لو عرض علمك على مقداد لكفر، يا مقداد! لو عرض صبرك - وفي رواية: علمك - على سلمان لكفر([554]).
ورووا أن سلمان دعا أبا ذر رضي الله عنهم إلى منزله، فقدم إليه رغيفين فأخذ أبو ذر الرغيفين يقلبهما، فقال له سلمان: يا أبا ذر لأي شيء تقلب هذين الرغيفين؟ قال: خفت أن لا يكونا نضيجين. فغضب سلمان من ذلك غضباً شديداً، ثم قال: ما أجرأك حيث تقلب هذين الرغيفين؟! فو الله لقد عمل في هذا الخبز الماء الذي تحت العرش، وعملت فيه الملائكة حتى ألقوه إلى الريح، وعملت فيه الريح حتى ألقته إلى السحاب، وعمل فيه السحاب حتى أمطره إلى الأرض، وعمل فيه الرعد والبرق والملائكة حتى وضعوه مواضعه، وعملت فيه الأرض والخشب والحديد والبهائم والنار والحطب والملح، وما لا أحصيه أكثر، فكيف لك أن تقوم بهذا الشكر؟! فقال أبو ذر: إلى الله أتوب وأستغفر مما أحدثت، وإليك أعتذر مما كرهت. قال: ودعا سلمان أبا ذر رضي الله عنهم ذات يوم إلى ضيافة، فقدم إليه جرابه من كسراً يابسة وبلها من ركوته، فقال أبو ذر: ما أطيب هذا الخبز لو كان معه ملح، فقام سلمان وخرج فرهن ركوته بملح وحمله إليه، فجعل أبو ذر يأكل ذلك الخبز ويذر عليه ذلك الملح ويقول: الحمد لله الذي رزقنا هذه القناعة. فقال سلمان: لو كانت قناعة لم تكن ركوتي مرهونة([555]).
وقد نقلنا الرواية بأكملها لما فيها من فوائد لا تخفى على المتدبر. فتأمل!

إثبات أن إنكار الشيعة لتكفير الصحابة إنما هو على سبيل التقية:
مما سبق يتبين لنا أن ليس للشيعة معتقد في الصحابة - وعلى رأسهم الشيخان - رضوان الله عليهم سوى هذا القول، وما سواه من المكتوب في مصنفاتهم، وما يرددونه من أقوالهم ليس سوى تطبيق عملي للتقية، وإليك بعضاً منها مع جذورها التاريخية:
روى القوم: « أن الصادق رحمه الله سئل في مجلس الخليفة عن الشيخين، فقال: هما إمامان عادلان قاسطان، كانا على الحق فماتا عليه، عليهما رحمة الله يوم القيامة. فلما قام من المجلس تبعه بعض أصحابه فقال: يا ابن رسول الله! قد مدحت أبا بكر وعمر هذا اليوم! فقال: أنت لا تفهم معنى ما قلت. فقال: بينه لي؟ فقال: أما قولي: (هما إمامان)، فهو إشارة إلى قوله تعالى: ((وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النَّارِ)) [القصص: 41]، وأما قولي: عادلان)، فهو إشارة إلى قوله تعالى: ((والذين كفروا بربهم يعدلون)) [الأنعام:1]، وأما قولي: (قاسطان)، فهو المراد من قوله عز وجل: ((وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً)) [الجن: 15]، وأما قولي: (كانا على الحق)، فهو من المكاونة أو الكون ومعناه أنهما كاونا على حق غيرهم؛ لأن الخلافة حق علي بن أبي طالب، وكذا ماتا عليه، فإنهما لم يتوبا بل استمرا على أفعالهم القبيحة إلى أن ماتا، وقولي: (عليهما رحمة الله)، المراد به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بدليل قوله تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)) [الأنبياء: 107]، فهو القاضي والحاكم والشاهد على ما فعلوه يوم القيامة. فقال: فرجت عني فرج الله عنك» ([556]).
ويروون عن الحسن العسكري رحمه الله أنه قال: « قال بعض المخالفين بحضرة الصادق لرجل من الشيعة: ما تقول في العشرة من الصحابة؟ قال: أقول فيهم الخير الجميل، الذي يحط الله به سيئاتي ويرفع لي درجاتي. قال السائل: الحمد لله على ما أنقذني من بغضك، كنت أظنك رافضياً تبغض الصحابة. فقال الرجل: ألا من أبغض واحداً من الصحابة فعليه لعنة الله، قال: لعلك تتأوّل، ما تقول فيمن أبغض العشرة؟ فقال: من أبغض العشرة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فوثب فقبل رأسه وقال: اجعلني في حل مما قذفتك به من الرفض قبل اليوم. قال: أنت في حل يا أخي. ثم انصرف السائل، فقال الصادق: جودت لله درك، لقد أعجبت الملائكة من حسن توريتك، وتلفظك بما خلصك ولم تثلم دينك، زاد الله في مخالفينا غماً إلى غم، وحجب عنهم مراد منتحلي مودتنا في بقيتهم. فقال بعض أصحاب الصادق: يا ابن رسول الله! ما عقلنا من كلام هذا إلا موافقته لهذا المتعنت الناصب، فقال الصادق: لئن كنتم لم تفهموا ما عنى فقد فهمناه نحن، وقد شكر الله له، وإن ولينا الموالي لأوليائنا المعادي لأعدائنا إذا ابتلاه الله بمن يمتحنه من مخالفيه وفقه لجواب يسلم معه دينه وعرضه، ويعظم الله بالتقية ثوابه، إن صاحبكم هذا قال: (من عاب واحداً منهم فعليه لعنة الله) أي: من عاب واحداً منهم هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وقال في الثانية: (من عابهم وشتمهم فعليه لعنة الله)، وقد صدق لأن من عابهم فقد عاب علياً عليه السلام لأنه أحدهم؛ فإذا لم يعب علياً ولم يذمه فلم يعبهم، وإنما عاب بعضهم» ([557]).
وعن الرضا: « أن رجلاً قال له: يا ابن رسول الله! لقد رأيت اليوم شيئاً عجبت منه: رجل كان معنا يظهر لنا أنه من الموالين لآل محمد المتبرئين من أعدائكم، ورأيته اليوم وعليه ثياب قد خلعت عليه وهو ذا يطاف به ببغداد وينادي المنادون بين يديه: معاشر الناس! اسمعوا توبة هذا الرافضي، ثم يقولون له: قل. فقال: خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أبا بكر، فإذا فعل ذلك ضجوا وقالوا: قد تاب وفضل أبا بكر على علي بن أبي طالب. فقال الرضا: إذا خلوت فأعد علي هذا الحديث. فلما خلا أعاد عليه، فقال: إنما لم أفسر لك معنى كلام هذا الرجل بحضرة هذا الخلق المنكوس، كراهة أن ينقل إليهم فيعرفوه ويؤذوه، لم يقل الرجل: (خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر فيكون قد فضل أبا بكر على علي بن أبي طالب، ولكن قال: خير الناس بعد رسول الله (أبا بكر)، فجعله نداء لأبي بكر ليرضى من يمشي بين يديه من بعض هؤلاء ليتوارى من شرورهم، إن الله تعالى جعل هذه التورية مما رحم به شيعتنا» ([558]).
وقال رجل لمحمد بن علي: « يا ابن رسول الله! مررت اليوم بالكرخ فقالوا: هذا نديم محمد بن علي إمام الرافضة، فاسألوه: من خير الناس بعد رسول الله؟ فإن قال: علي، فاقتلوه، وإن قال: أبو بكر فدعوه، فانثال علي منهم خلق عظيم وقالوا لي: من خير الناس بعد رسول الله؟ فقلت مجيباً: أخير الناس بعد رسول الله أبو بكر وعمر وعثمان، وسكت ولم أذكر علياً. فقال بعضهم: قد زاد علينا، نحن نقول ههنا: وعلي. فقلت: في هذا نظر، لا أقول هذا، فقالوا بينهم: إن هذا أشد تعصباً للسنة منا قد غلطنا عليه، ونجوت بهذا منهم. فهل علي يا ابن رسول الله في هذا حرج؟ وإنما أردت (أخير) الناس، أي أنه (أخير) استفهاماً لا إخباراً. فقال محمد بن علي: قد شكر الله لك بجوابك هذا لهم، وكتب لك أجره وأثبته لك في الكتاب الحكيم، وأوجب لك بكل حرف من حروف ألفاظك بجوابك هذا لهم ما تعجز عنه أماني المتمنين ولا يبلغه آمال الآملين([559]).
وعن أبي يعقوب وعلي قالا: حضرنا عند الحسن بن علي العسكري فقال له بعض أصحابه: جائني رجل فقال من إخواننا الشيعة من قد امتحن بجهالة العامة يمتحنونه في الإمامة، ويحلفونه، فقال لي: كيف أصنع معهم حتى أتخلص؟ فقلت له: كيف يقولون؟ قال: يقولون لي: أتقول إن فلاناً هو الإمام بعد رسول الله؟ فلا بد لي أن أقول نعم، وإلا أثخنوني ضرباً، فإذا قلت: نعم، قالوا: قل: والله، فقلت له: قل: نعم. وأريد به نعماً من الإبل والبقر والغنم، فإذا قالوا: قل والله، فقل: والله وأريد به وليي في أمر كذا، فإنهم لا يميزون، وقد سلمت. فقال لي: فإن حققوا علي، وقالوا: قل: والله وبيِّن الهاء؟ فقلت: قل: (والله) وارفع الهاء؛ فإنه لا يكون يميناً إذا لم يخفض الهاء. فذهب، ثم رجع إلي فقال: عرضوا علي وحلفوني وقلت كما لقنتني. فقال الحسن عليه السلام: أنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الدال على الخير كفاعله)، وقد كتب الله لصاحبك بتقيته بعدد كل من استعمل التقية من شيعتنا وموالينا ومحبينا حسنة، وبعدد من ترك منهم التقية حسنة، أدناها حسنة لو قوبل بها ذنوب مائة عام لغفرت، ولك - لإرشادك إياه - مثل ما له([560]).
والروايات في الباب تطول، وكأنهم بها يؤكدون أن كفر الصحابة رضوان الله عليهم أمر مسلم به لا يجوز كتمانه إلا تقية، بل وإن خلاف هذا القول يعد نفاقا، وكفر الصحابة - وعلى رأسهم الشيخان - رضي الله عنهم أجمعين من المسلمات عند الذين وضعوا مذهب التشيع لأهل البيت رحمهم الله، ولعل في سردنا لروايات أخرىزيادة بيان:
نماذج من روايات الشيعة في تكفير الشيخين رضي الله عنهما:
روى القوم عن الباقر عليه السلام: أنه سئل عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقال: « ما أهريق محجمة من دم، ولا أخذ مال من غير حله، ولا قلب حجر على حجر، إلا ذاك في أعناقهما» ([561]).
وقال: « ضربوكم على عثمان ثمانين سنة وهم يعلمون أنه كان ظالماً، فكيف إذا ذكرتم صنميهم» ([562]).
وقال: « ما مات منا ميت إلا ساخطاً عليهما، وما منا اليوم إلا ساخطٌ عليهما، يوصي بذلك الكبير منا الصغير أنهما ظلمانا حقنا، ومنعانا فيئنا، والله ما أسست من بلية ولا قضية تجري علينا أهل البيت إلا هما أسسا أولها، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» ([563]).
وقال: «إن الشيخين فارقا الدنيا ولم يتوبا، ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين عليه السلام، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» ([564]).
وعن الصادق عليه السلام أنه قال في قوله تعالى: ((رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ)) [فصلت: 29]، قال: « هما - :أي أبو بكر وعمر - ثم قال: وكان فلان - أي: عمر - شيطاناً» ([565]).
وقال: « إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة لسبعة نفر: أولهم ابن آدم الذي قتل أخاه، ونمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، واثنان في بني إسرائيل هَوَّدا قومهما ونَصَّراهما، وفرعون الذي قال أنا ربكم الأعلى، واثنان من هذه الأمة - أحدهما شرهما - في تابوت من قوارير تحت الفلق في بحار من نار» ([566]).
وقال: « إن لله خلف مغربكم هذه لتسعة وتسعين مغرباً أرضاً بيضاء مملؤة خلقاً يستضيئون بنورها لم يعصوا الله طرفة عين، لا يدرون أخلق الله آدم أم لم يخلقه، يبرؤون من فلان وفلان وفلان» ([567]).
وعن زين العابدين: « أنه سئل عن أبي بكر وعمر فقال: عليهما لعائن الله بلعناته كلها، كانا - والله - كافرين مشركين بالله العظيم» ([568]).
وعنه أنه سئل عنهما فقال: « كافران كافر من أحبهما» ([569]).
وعن الباقر: « أنه رمى بمنى الجمرات، ثم رمى بخمس بعد ذلك: ثلاث في ناحية، وثنتان في ناحية، فسئل عن ذلك فقال: إنه إذا كان كل موسم أخرج الفاسقين - أبو بكر وعمر - غضين طريين، فصلبا هاهنا، لا يراهما إلا إمام عدل، فرميت الأول بثنتين والآخر بثلاث؛ لأن الآخر أخبث من الأول» ([570]).
وقال: «إن من وراء شمسكم هذه أربعين عين شمس، ما بين عين إلى عين شمس أربعون عاماً، فيها خلق كثير ما يعلمون أن الله خلق آدم أم لم يخلقه، وإن من وراء قمركم هذا أربعين قرصاً بين القرص إلى القرص أربعون عاماً، فيها خلق كثير لا يعلمون أن الله عز وجل خلق آدم أو لم يخلقه، قد ألهموا - كما ألهمت النحلة - لعنة الأول والثاني في كل الأوقات، وقد وكل بهم ملائكة متى لم يلعنوا عذبوا» ([571]).
دعاء صنمي قريش ومنزلته عند الشيعة:
ونسبوا إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه كان يقنت في صلاته بالدعاء المعروف بدعاء صنمي قريش، وهو الذي فيه: اللهم صل على محمد وآل محمد، والعن صنمي قريش، وجبتيها، وطاغوتيها، وإفكيها، وابنتيهما، اللذين خالفا أمرك، وأنكرا وحيك، وجحدا إنعامك، وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرفا كتابك، وأحبا أعداءك، وجحدا آلاءك وعطلا أحكامك، وأبطلا فرائضك.. إلخ.
وقالوا: إن هذا الدعاء رفيع الشأن عظيم المنزلة، وإن الداعي به كالرامي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بدر وأحد وحنين بألف ألف سهم، وبلغت شروحه بالعشرات، ولا يكاد يخلو منه كتابُ أو بابُ الأدعية([572]).
والروايات في الباب كثيرة جداً، وكنت قد جمعت منها المئات من كتاب (تسديد الإصابة لمن أنكر تكفير الشيعة للصحابة)، وما أوردناه نزر يسير مما يتعلق بالشيخين رضي الله عنهما؛ لتقف على القول - من خلالها على عقيدتهم - فيمن سواهم من الصحابة رضوان الله عليهم.
إنكار بعض المعاصرين من الشيعة تكفيرهم للصحابة:
رغم هذا ينكر الكثير من المعاصرين - تقيةً بطبيعة الحال - وجود أمثال هذه الروايات عند الشيعة، بل وينكرون مشروعية السب، فهذا الخنيزي يقول:
فـلا نسب عمراً كلا ولا   عثمـان والـذي تَـولَّ أولاً
ومن تـولى سبهم فاسـق    حُكْمٌ به قضى الإمام الصادقُ([573])
وآخر يقول: إن من نَسَب إليهم ذلك فهو إما أن يكون خصماً سيء النية، وإما لم يطلع على مذهب الشيعة إلا من خلال كتب خصومها، ولم يتمكن من الاطلاع على كتب أصحاب المذهب([574]).
وثالث يرى أن الشيعة تترضى على عمر وتثني عليه، وإنما الملعون في أمثال هذه الروايات هو عمر بن سعد قاتل الحسين رضي الله عنه، وليس عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإن أفراداً بالأمس من سواد الشيعة وبسطائها لا يفرقون بين هذين الاسمين، بل لا يعرفون أن في دنيا التاريخ الإسلامي عمرين تقياً وشقياً([575]).
ورابع يقول: إن اتهام الشيعة بسب الصحابة وتكفيرهم أجمع إنما هو اتهام بالباطل ورجمٌ بالغيب وخضوعٌ للعصبية وتسليمٌ لنزعة الطائفية([576]).
وقال: إن فكرة اتهام الشيعة بسب الصحابة وتكفيرهم كونتها السياسة الغاشمة، وتعاهد تركيزها مرتزقة باعوا ضمائرهم بثمن بخس، وتمرغوا على أعتاب الظلمة يتقربون إليهم بذم الشيعة([577]).
ثم ختم بهذا التساؤل: أين هذه الأمة التي تكفر جميع الصحابة وتتبرأ منهم؟([578]).
وآخر يقول: لا نسوغ لأحد أن يسبهما، ولا أن يتحامل على مقامهما، ولا أفتينا لأحد بجواز سبهما، فلهما عندنا من المقام ما يقتضي الإجلال والاحترام([579]).
وقال شرف الدين رداً على جار الله:  قال كتب الشيعة تكفر عامة الصحابة كافة... إلى آخر هذيانه في عدوانه، فأقول: نعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ومن كل معتد أثيم، ونبرأ إليه تعالى من تكفير المؤمنين، والسلف الصالح من المسلمين، لعل الرجل رأى في كتب الشيعة سننا لم يفقهها، وحديثا متشابها لم يعرف مرماه، فاضطره الجهل إلى هذا الإرجاف([580]).
وآخر ينكر نيل الشيعة من الصحابة، ويستدل بما جاء في الصحيفة السجادية لزين العابدين رحمه الله، وفيها: اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته، يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس لهم - اللهم - ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك، وبما حاشوا الخلق عليك، وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم، اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10]، خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم، وتحروا وجهتهم في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم والائتمام بهم، يدينون بدينهم ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم.
وعقب قائلاً: هذه المناجاة جاءت في الصحيفة السجادية التي تعظمها الشيعة وتقدس كل حرف منها، وهي رد مفحم لمن قال: إن الشيعة ينالون من مقام الصحابة([581]).
وهذا آية الله العلامة السبحاني يقول لما سئل عن دعاء صنمي قريش: أنا شيعي، وقد ناهزت من العمر ثلاثة وسبعين عاماً، وألفت ما يفوق المائة كتاب، فلم أجد تلك الكلمة في كتاب، وإنما سمعتها من شيخ سعودي كان ينسبها إلى الشيعة([582]).
قول علماء الشيعة: إن روايات مدح الأئمة للصحابة جاءت على سبيل التقية:
وعلى أي حال فإن كل ما مر - وعشرات غيره - إنما هو تطبيق عملي للتقية.
يقول المجلسي بعد أن أورد الكثير من روايات المدح في المهاجرين والأنصار ودعاء زين العابدين السابق: وينبغي أن تعلم أن هذه الفضائل إنما هي لمن كان مؤمناً منهم، لا للمنافقين كغاصبي الخلافة وأضرابهم وأتباعهم، ولمن ثبت منهم على الإيمان واتباع الأئمة الراشدين، لا للناكثين الذين ارتدوا عن الدين([583]).
وقال آخرون: إن روايات الأئمة - المادحة للصحابة وعلى رأسهم الشيخان رضي الله عنهم أجمعين - إنما جاءت على سبيل التقية([584]).
الشيعة ينفون الطعن في الصحابة في مواضع من كتبهم ويقرون بها في أخرى:
لذا فليس بالمستغرب أن نرى هؤلاء ينكرون الطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقيةً كما مر، ثم نراهم يطعنون فيهم في مواضع أخرى من كتبهم.
فهذا مغنية الذي مر بك قوله نراه يطعن في عمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم أجمعين ([585])، وكذا فعل الرفاعي ([586])، فضلاً عما فعله الكثير من علمائهم المعاصرين، كتوثيق محسن الحكيم والخوئي والخميني وشريعتمدري وأبي الحسن الأصفهاني والشابرودي وغيرهم لدعاء صنمي قريش، والذي فيه نصوص صريحة في لعن أبي بكر وعمر وعائشة وحفصة رضي الله عنهم، واتهامهم بتحريف القرآن([587]).
وكذا قول الخراساني في كتاب أهداه إلى دار التقريب بأن تجويز الشيعة للطعن فيهما إنما هو أسوة برسول الله واقتفاءً لأثره([588]).
وقول متزعم آخر للوحدة بين الشيعة والسنة في رده على القول بأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما من أهل بيعة الرضوان: لو أنه قال: لقد رضي الله عن الذين يبايعونك تحت الشجرة لكان في الآية دلالة على الرضى عن كل من بايع، ولكن لما قال: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةً)) [الفتح: 18]، فلا دلالة فيها إلا على الرضى عمن محض الإيمان([589]).
ويقول آخر أما براءتنا من الشيخين فذاك من ضرورة ديننا، وهي إمارة شرعية على صدق محبتنا لإمامنا وموالاتنا لقادتنا عليهم السلام، وقد صدقت في قولك: إنهم يعتقدون أن الولاية لعلي لا تتم إلا بالبراءة من الشيخين، ذلك لأن الله سبحانه يقول: ((فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [البقرة:256] فكما أن الإيمان بالله وحده لا يجدي صاحبه شيئا ما لم يكفر بكل معبود وإله سواه، كذلك الاعتقاد بالولاية للإمام (ع) لا تتم إلا بالبراءة ممن ادعى الإمامة باطلاً ونصب نفسه للناس عَلَمَاً، وإنما نتبرأ منهما لأمور كثيرة، منها: مخالفتهما لصريح حكم القرآن ولسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، ومنها: ظلمهما لعلي أمير المؤمنين (ع) وغصبهما حقه من الخلافة وتقدمهما عليه، ومنها: إيذاؤهما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وبضعته والوديعة في أمته حتى ماتت وهي واجدة عليهما([590]).
ثم يعتبون علينا إن قلنا: إنّ التقية تشكّل مانعاً حقيقياً عن التجاوب مع الشيعة، كما قال السبحاني: إنّه من المؤسف جدّاً أن يتّهم السُّنّي أخاه الشيعي بالكذب والنفاق والمخادعة، خصوصاً فيما يتعلق بدعوة علماء الشيعة إلى ضرورة التقريب بين وجهات النظر بين علماء المذاهب الإسلامية، والدعوة إلى التفاهم تحت ظلّ راية الإسلام الخالدة، وتفويت الفرصة على أعداء هذا الدين العظيم، ومن ثمّ ادّعاء أنّ التقية تشكّل مانعاً حقيقياً عن التجاوب مع الشيعة، لاحتمال أن تكون رغبة الشيعة في التقارب تقية!([591]).
فهذه هي حقيقة موقف القوم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم اعلم أن التصريح بالطعن في الشيخين وسائر الصحابة رضي الله عنهم علناً خلاف منهج القوم، فعندما كان الشيخ الكركي في الدولة الصفوية أيام السلطان طهماسب لا يركب ولا يمضي إلى موضع إلا والسباب يمشي في ركابه مجاهراً بلعن الشيخين ومن على طريقتهما، استنكر عليه بعض علماء مذهبه سلوكه هذا.
يقول يوسف البحراني في شأن الكركي هذا: ترك التقية والمجاهرة بسب الشيخين خلاف ما استفاضت به الأخبار عن الأئمة الأخيار الأبرار عليهم السلام([592]).
ورد عليه آخر قائلاً: قال بعض الأجلة: إن ما نقله عن الشيخ المذكور من ترك التقية والمجاهرة بسب الشيخين خلاف ما استفاضت به الأخبار عن الأئمة الأبرار عليهم السلام، وهي غفلة من شيخنا المشار إليه إن ثبت النقل المذكور. ثم قال: نقل السيد المذكور أن علماء الشيعة الذين كانوا في مكة المشرفة كتبوا إلى علماء أصفهان من أهل المحاريب والمنابر أنكم تسبون أئمتهم في أصفهان ونحن في الحرمين نعذب بذلك اللعن والسب. انتهى. ثم قال: وهو كذلك، ولكن الأحقر يقول: إن فعل الشيخ من ترك التقية والمجاهرة بالسب لعله كان واجباً أو مندوباً في زمانه، والتقية لازمة مع الخوف، وهو غير منظور في حقه، مع كمال السلطنة والاستيلاء، خصوصاً مع إطاعة سلطان الزمان له بلا شبهة، ووجود الضرر على الساكنين في الحرمين على فرض التسليم للزوم إخفاء المذهب في تلك البلاد وأمثالها لا يوجب التزام من كان في غيرها من بلاد الشيعة على التقية، وهي حكم مخالف للأصل لا نعلم شمول أدلتها للمقام، كيف ومن الجائز عدم اطلاعه على الأذى بالنسبة إلى ساكنيها؟!([593]).
أقول: بل إن الجهر بسائر المعتقدات خلاف ما عليه القوم، ويدخل في هذا الإطار - بزعمهم - ما كان يحدث به الأئمة أصحابهم من بعض الأحكام الشرعية التي كانت تخالف آراء الفقهاء الذين كانت تسندهم السلطة.
فقد روى القوم عن الصادق أنه قال: « ما قتلنا من أذاع حديثنا قتل خطأ، ولكن قتل عمد» ([594]).
وعن الصادق - أيضاً - أنه قال: « من استفتح نهاره بإذاعة سرنا سلط الله عليه حر الحديد وضيق المحابس» ([595]).
ورووا عنه - أيضاً - أنه قال في تفسير قوله تعالى: (( وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ))[آل عمران:112]^: « أما - والله - ما قتلوهم بأسيافهم، ولكن أذاعوا سرهم وأفشوا عليهم فقتلوا» ([596]).
وعن معلى بن خنيس قال: قال أبو عبد الله: « يا معلى! اكتم أمرنا ولا تذعه؛ فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله في الدنيا، وجعل له نوراً بين عينيه في الآخرة يقوده إلى الجنة، يا معلى! من أذاع حديثنا وأمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا، ونزع النور من بين عينيه في الآخرة، وجعل له ظلمة تقوده إلى النار، يا معلى! إن التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له، يا معلى! إن الله يحب أن يعبد في السر كما يجب أن يعبد في العلانية، يا معلى! إن المذيع لأمرنا كالجاحد به» ([597]).
في وصية الصادق عليه السلام لأبي جعفر محمد بن النعمان الأحول: « يا ابن النعمان إنى لأُحدِّث الرجل منكم بحديث فيتحدث به عنى فأستحل بذلك لعنته والبراءة منه، فإنَّ أبى كان يقول: وأي شئ أقر للعين من التقية؟! إن التقية جنة المؤمن، ولولا التقية ما عبد الله وقال الله عز وجل» ([598]).
وعن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر يقول: « يحشر العبد يوم القيامة وما ندى دماً، فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك. فيقال له: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: يا رب! إنك لتعلم أنك قبضتني وما سفكت دماً، فيقول: بلى، سمعت من فلان رواية كذا وكذا، فرويتها عليه فنقلت حتى صار إلى فلان الجبار فقتله عليها، وهذا سهمك من دمه» ([599]).
وعن الصادق قال: «من أذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة من جحدنا حقنا» ([600]).
والروايات في الباب كثيرة.
غلو الشيعة في الأئمة:
ومن هذه العقائد التي بسببها أخذوا بالتقية: غلوهم في الأئمة، حتى فضلوهم على سائر الخلق، بل وجعلوهم علة الخلق وسببه:
رووا عن الرضا رحمه الله أنه قال: « إن آدم لما أكرمه الله - تعالى ذكره - بإسجاد ملائكته له وبإدخاله الجنة، قال في نفسه: هل خلق الله بشراً أفضل مني؟! فعلم الله عز وجل ما وقع في نفسه، فناداه: ارفع رأسك يا آدم، فانظر إلى ساق عرشي، فرفع آدم رأسه فنظر إلى ساق العرش، فوجد عليه مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. فقال آدم عليه السلام: يا رب! من هؤلاء؟! فقال عز وجل: هؤلاء من ذريتك، وهم خير منك ومن جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنة والنار ولا السماء والأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فأخرجك عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد وتمنى منزلتهم، فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها، وتسلط على حواء لنظرها إلى فاطمة بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم منها، فأخرجهما الله عز وجل من جنته وأهبطهما عن جواره إلى الأرض» ([601]).
وعن الصادق قال: « إن الله أخذ ميثاق الخلائق ومواثيق الأنبياء والرسل لمحمد بالنبوة، ولعلي بن أبي طالب بالولاية» ([602]).
وعنه - أيضاً - قال: « إن أمرنا صعب مستصعب، لا يقر به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل» ([603]).
وعنه - أيضاً - قال: « إن الله حمل دينه وعلمه الماء قبل أن تكون أرض أو سماء أو جن أو إنس أو شمس أو قمر، فلما أراد أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه، فقال لهم: من ربكم؟ فكان أول من نطق رسول الله وأمير المؤمنين والأئمة، فقالوا: أنت ربنا. فحملهم العلم والدين، ثم قال للملائكة: هؤلاء حملة علمي وديني وأمنائي في خلقي، وهم المسؤولون» ([604]).
وعن الباقر قال: « أخذ الله الميثاق على النبيين، فقال: ألست بربكم، وأن هذا محمداً رسول الله، وأن هذا علياً أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى، فثبتت لهم النبوة، وأخذ الميثاق على أولي العزم: إني ربكم، ومحمد رسول الله، وعلي أمير المؤمنين، وأوصياؤه من بعده ولاة أمري، وخزان علمي، وإن المهدي أنتصر به لديني، وأظهر به دولتي، وأنتقم به من أعدائي، وأُعبد به طوعاً وكرهاً. قالوا: أقررنا وشهدنا يا رب، ولم يجحد آدم ولم يقر، فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به، وهو قولـه تعالى: ((وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)) [طه:115]، إنما يعني: فترك» ([605]).
وعن أبي الحسن: « ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث الله نبياً إلا بنبوة محمد وولاية وصيه علي» ([606]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يا علي! ما بعث الله نبياً إلا وقد دعاه إلى ولايتك طائعاً أو كارهاً» ([607]).
وعن الباقر: « إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق النبيين على ولاية علي، وأخذ عهد النبيين بولاية علي» ([608]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما تكاملت النبوة لنبي في الأظلة حتى عرضت عليه ولايتي وولاية أهل بيتي ومثلوا له، فأقروا بطاعتهم وولايتهم» ([609]).
وعن الصادق: «ما نبئ نبي قط إلا بمعرفة حقنا وبفضلنا على من سوانا» ([610]).
وعن الباقر: « ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبياً قط إلا بها» ([611]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لما أسري بي أتاني ملك، فقال: يا محمد! سل من أرسلنا قبلك من رسلنا علام بعثوا؟ فقلت: معاشر الرسل والنبيين! علام بعثكم الله قبلي؟! قالوا: على ولايتك يا محمد، وولاية علي بن أبي طالب» ([612]).
وعن الصادق قال: « علم النبي صلى الله عليه وسلم علم النبيين بأسره، وأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فجعله محمد عند علي، فقال رجل: فعلي أعلم أو بعض الأنبياء؟! فنظر الصادق إلى بعض أصحابه فقال: إن الله يفتح مسامع من يشاء، أقول له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ذلك كله عند علي، فيقول: علي أعلم أو بعض الأنبياء؟!» ([613]).
وعن سيف التمار قال: « كنا مع أبي عبد الله في الحجر، فقال: علينا عين؟ فالتفتنا يمنة ويسرة، وقلنا: ليس علينا عين. فقال: ورب الكعبة، ورب الكعبة، ورب الكعبة، إني لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما» ([614]).
أقول: الروايات في الباب كثيرة جداً، ولا يسعنا حصرها، ولعلَّ في سردنا لبعض الأبواب التي وضعها القوم في المقام كفاية لمن أراد المزيد، فانظر مثلاً:
باب: تفضيلهم على الأنبياء وعلى جميع الخلق، وأخذ ميثاقهم عنهم وعن الملائكة وعن سائر الخلق، وأن أولي العزم إنما صاروا أولي العزم بحبهم([615]).
باب: أنهم أعلم من الأنبياء([616]).
باب: أن عندهم جميع علم الملائكة والأنبياء، وأنهم أعطوا ما أعطاه الله الأنبياء عليهم السلام، وأن كل إمام يعلم جميع علم الإمام الذي قبله([617]).
باب: أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بهم صلوات الله عليهم([618]).
باب: أنهم يقدرون على إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وجميع معجزات الأنبياء([619]).
باب: أنهم يظهرون بعد موتهم ويظهر منهم الغرائب، وتأتيهم أرواح الأنبياء عليهم السلام، وتظهر لهم أرواح الأموات من أوليائهم وأعدائهم([620]).
وكذلك صنفوا في ذلك تصانيف مستقلة، ومن ذلك:
- (تفضيل الأئمة على الأنبياء)، لهاشم البحراني.
- (تفضيل الأئمة على غير جدهم من الأنبياء)، للمولى كاظم الهزاز.
- (تفضيل أمير المؤمنين على من عدا خاتم النبيين)، للمجلسي. والاسم ذاته للسيد دلدار اللكهنوي.
- (تفضيل علي على أولي العزم من الرسل)، لهاشم البحراني أيضاً، وغيرها.
يقول الصدوق في اعتقاداته: ويجب أن يُعتقد أن الله عز وجل لم يخلق خلقاً أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم والأئمة، وأنهم أحب الخلق إلى الله عز وجل وأكرمهم، وأولهم إقراراً به لما أخذ الله ميثاق النبيين في الذر، وأن الله تعالى أعطى كل نبي على قدر معرفته بنبينا صلى الله عليه وسلم وسبقه إلى الإقرار به، ويُعتقدَ أن الله تعالى خلق جميع ما خلق له ولأهل بيته، وأنه لولاهم ما خلق السماء ولا الأرض ولا الجنة ولا النار ولا آدم ولا حواء ولا الملائكة ولا شيئاً مما خلق([621]).
وأكد المجلسي قول الصدوق وأيده، وقال: اعلم أن ما ذكره - رحمه الله - من فضل نبينا وأئمتنا صلوات الله عليهم على جميع المخلوقات، وكون أئمتنا أفضل من سائر الأنبياء؛ هو الذي لا يرتاب فيه من تتبع أخبارهم على وجه الإذعان واليقين، والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، وإنما أوردنا في هذا الباب قليلاً منها([622])، وهي متفرقة في الأبواب، لاسيما باب: صفات الأنبياء وأوصافهم، وباب: أنهم كلمة الله، وباب: بدو أنوارهم، وباب: أنهم أعلم من الأنبياء، وأبواب فضائل أمير المؤمنين وفاطمة صلوات الله عليهم، وعليه عمدة الإمامية، ولا يأبى ذلك إلا جاهل بالأخبار([623]).
وقال المفيد: قد قطع قوم من أهل الإمامة بفضل الأئمة من آل محمد على سائر من تقدم من الرسل والأنبياء سوى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم([624]).
ويروي القوم أن عدد الأنبياء والأوصياء مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، ومائة ألف وصي وأربعة وعشرون ألف وصي.
وفي رواية: مائة ألف نبي وأربعة وأربعون نبياً، ومثلهم أوصياء([625]). وغيرها من روايات في شأن تفضيلهم على الأنبياء.
أما روايات كونهم علة خلق الكون فإليك بعضاً منها:
فمن ذلك قولهم: « إن الله عز وجل قال لآدم: فوعزتي وجلالي لولا عبدان أريد أن أخلقهما في آخر الزمان ما خلقتك. فقال آدم: يا رب! بقدرهم عندك ما اسمهم؟ فقال تعالى: يا آدم! انظر نحو العرش، فإذا بسطرين من نور: أول السطر: لا إله إلا الله، محمد نبي الرحمة، وعلي مفتاح الجنة، والسطر الثاني: آليت على نفسي أن أرحم من والاهما، وأعذب من عاداهما» (([626])).
وهنا - أيضاً - تجاوز خلق آدم إلى سائر الموجودات، فذكروا في رواية أن الله عز وجل قال لآدم عليه السلام: « لولاهما ما خلقت خلقي».
وفي أخرى: « لولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنة والنار ولا السماء والأرض».
وفي أخرى: « لولاهم لما خلق الله الأفلاك».
وفي رواية أخرى: قال لآدم وحواء: « لولاهم ما خلقتكما».
وفي أخرى: « لولاهم ما خلقتك، ولا خلقت الجنة ولا النار، ولا العرش ولا الكرسي، ولا السماء ولا الأرض، ولا الملائكة، ولا الجن ولا الإنس» ([627]).
ونسبوا إلى زين العابدين قولـه: « لولا نحن لم يخلق الله أرضاً ولا سماءً، ولا جنةً ولا ناراً، ولا شمساً ولا قمراً، ولا براً ولا بحراً، ولا سهلاً ولا جبلاً، ولا رطباً ولا يابساً، ولا حلواً ولا مراً، ولا ماءً ولا نباتاً ولا شجراً، اخترعنا الله من نور ذاته، لا يقاس بنا بشر» ([628])... وغير هذه الروايات([629]).
وذكروا أن تسمية علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأمير المؤمنين كان وآدم بين الروح والجسد([630]).
وهنا -أيضاً- لم يرضَ البعض بهذا، وقال: بل كان ذلك لما خلق الله السموات والأرض، إذ نادى منادٍ: علي أمير المؤمنين([631]).
وعلى أي حال فالكلام في الباب يطول، ولا بأس بأن نمر بعجالة على ذكر عنواين بعض أبواب الغلو المسطورة في مصنفات القوم، فذكرها يغني عن سرد محتوياتها، فمنها:
باب: أن الناس لا يهتدون إلا بهم، وأنهم الوسائل بين الخلق وبين الله، وأنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم([632]).
باب: عرض الأعمال عليهم، وأنهم الشهداء على الخلق([633]).
باب: تأويل المؤمنين والإيمان والمسلمين والإسلام بهم وبولايتهم، والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغوت واللات والعزى والأصنام بأعدائهم ومخالفيهم([634]).
باب: أنهم الأبرار والمتقون والسابقون والمقربون، وشيعتهم أصحاب اليمين، وأعداءهم الفجار والأشرار وأصحاب الشمال([635]).
باب: أنهم النجوم والعلامات، وغرائب التأويل فيهم وفي أعدائهم([636]).
باب: أنهم الصافون والمسبحون، وأصحاب المقام المعلوم وحملة عرش الرحمن، وأنهم السفرة الكرام البررة([637]).
باب: أنهم البحر واللؤلؤ والمرجان([638]).
باب: أنهم الماء المعين، والبئر المعطلة، والقصر المشيد، وتأويل السحاب والمطر والظل والفواكه وسائر المنافع الظاهرة بعلمهم وبركاتهم([639]).
باب: في تأويل النحل بهم([640])، وأنهم السبع المثاني([641]).
باب: أنهم وولايتهم العدل والمعروف والإحسان والقسط والميزان، وترك ولايتهم وأعداؤهم الكفر والفسوق والعصيان والفحشاء والمنكر والبغي([642]).
باب: تأويل الأيام والشهور بالأئمة([643]).
باب: أنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات، وأعداؤهم الفواحش والمعاصي في بطن القرآن([644]).
باب: جهات علومهم وما عندهم من الكتب، وأنه ينقر في آذانهم وينكت في قلوبهم([645]).
باب: أنهم يزدادون، ولولا ذلك لنفد ما عندهم، وأن أرواحهم تعرج إلى السماء في ليلة الجمعة([646]).
باب: أنهم خزان الله على علمه وحملة عرشه([647]).
باب:أنهم لا يحجب عنهم علم السموات والأرض والجنة والنار، وأنه عرض عليهم ملكوت السموات والأرض، ويعلمون علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة([648]).
باب: أنهم يعرفون الناس بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق، وعندهم كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأسماء شيعتهم وأعدائهم، وأنه لا يزيلهم خبر مخبر عما يعلمون من أحوالهم([649]).
باب: أن الله يرفع للإمام عموداً ينظر به إلى أعمال العباد([650]).
باب:أنه لا يحجب عنهم شيء من أحوال شيعتهم، وما تحتاج إليه الأمة من جميع العلوم، وأنهم يعلمون ما يصيبهم من البلايا ويصبرون عليها، ولو دعوا الله في دفعها لأجيبوا، وأنهم يعلمون ما في الضمائر، وعلم البلايا، وفصل الخطاب، والمواليد([651]).
باب: في أن عندهم كتباً فيها أسماء الملوك الذين يملكون في الأرض([652]).
باب: أن عندهم جميع علم الملائكة والأنبياء، وأنهم أعطوا ما أعطاه الله الأنبياء عليهم السلام، وأن كل إمام يعلم جميع علم الإمام الذي قبله.
باب: في أن عندهم صلوات الله عليهم كتب جميع الأنبياء، يقرؤونها على اختلاف لغاتها([653]).
باب: أنهم يعلمون جميع الألسن واللغات ويتكلمون بها([654]).
باب: أنهم أعلم من الأنبياء عليهم السلام([655]).
باب: تفضيلهم على الأنبياء وعلى جميع الخلق، وأخذ ميثاقهم عنهم وعن الملائكة وعن سائر الخلق، وأن أولي العزم إنما صاروا أولي العزم بحبهم صلوات الله عليهم([656]).
باب: أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بهم صلوات الله عليهم([657]).
باب: أن الملائكة تأتيهم وتطأ فرشهم، وأنهم يرونهم صلوات الله عليهم أجمعين([658]).
باب: أن الجن خدامهم يظهرون لهم ويسألونهم عن معالم دينهم([659]).
باب: أن عندهم الاسم الأعظم، وبه يظهر منهم الغرائب([660]).
باب: أنهم يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء([661]).
باب: أنهم سخر لهم السحاب ويسر لهم الأسباب([662]).
باب: أنهم الحجة على جميع العوالم وجميع المخلوقات([663]).
باب: ما ينفع حبهم فيه من المواطن، وأنهم يحضرون عند الموت وغيره، وأنه يسأل عن ولايتهم في القبر([664]).
باب: أنهم يعلمون منطق الطيور والبهائم([665]).
باب: أنهم يعلمون متى يموتون، وأنه لا يقع ذلك إلا باختيارهم([666]).
باب:أنهم يظهرون بعد موتهم، ويظهر منهم الغرائب، ويأتيهم أرواح الأنبياء عليهم السلام، وتظهر لهم أرواح الأموات من أوليائهم وأعدائهم([667]).
باب: أنهم شفعاء الخلق، وأن إياب الخلق إليهم وحسابهم عليهم، وأنه يسأل عن حبهم وولايتهم في يوم القيامة([668]).
باب: ما عند الأئمة من سلاح رسول الله صلى الله عليه وسلم وآيات الأنبياء، مثل: عصا موسى، وخاتم سليمان، والطست، والتابوت، والألواح، وقميص آدم([669]).
باب: أنهم يعرفون الإضمار وحديث النفس قبل أن يخبروا به([670]).
باب: أنهم يخبرون شيعتهم بأفعالهم وسرهم وأفعال غيبهم وهم غيب عنهم([671]).
باب: أنهم يعلمون من يأتي أبوابهم ويعلمون بمكانهم من قبل أن يستأذنوا عليهم([672]).
باب: أنهم يعرفون آجال شيعتهم وسبب ما يصيبهم([673]).
وغيرها من أبواب، ولا شك في أنك علمت أن من يملك شيئاً مما مر فهو أبعد ما يكون عن الأخذ بالتقية أو الحاجة إليها، ولكن مرادنا من ذكر ذلك هنا - كما علمت - بيان أسباب لجوئهم إلى التقية، وهي إخفاء أمثال هذه العقائد التي تخرج بقائلها عن دائرة الإسلام، فكان لزاماً عليهم إخفاؤها.
القول بالرجعة عند الشيعة:
وهذا فضلاً عن عقائد أخرى ما أنزل الله بها من سلطان، كالقول بالرجعة:
 فقد قال المفيد: اتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة([674]).
ويقول الصدوق: واعتقادنا في الرجعة أنها حق([675]).
ويقول المجلسي: اعلم - يا أخي - أني لا أظنك ترتاب بعد ما مهدت وأوضحت لك في القول بالرجعة التي أجمعت الشيعة عليها في جميع الأعصار، واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار، حتى نظموها في أشعارهم، واحتجوا بها على المخالفين في جميع أمصارهم، وشنع المخالفون عليهم في ذلك، وأثبتوه في كتبهم وأسفارهم...وكيف يشك مؤمن بحقية الأئمة الأطهار عليهم السلام فيما تواتر عنهم في قريب من مائتي حديث صريح، رواها نيف وأربعون من الثقات العظام، والعلماء الأعلام، في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم، كثقة الإسلام الكليني، والصدوق محمد ابن بابويه، والشيخ أبي جعفر الطوسي، والسيد المرتضى، والنجاشي، والكشي، والعياشي، وعلي بن إبراهيم، وسليم الهلالي، والشيخ المفيد، والكراجكي والنعماني، والصفار... إلخ.
وذكر عشرات الأسماء، ثم قال: وإذا لم يكن مثل هذا متواتراً ففي أي شئ يمكن دعوى التواتر، مع ما روته كافة الشيعة خلفاً عن سلف([676]).
وعقيدة الرجعة عند الشيعة بإيجاز شديد هي: أن الله سيعيد عند قيام القائم قوماً ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته، ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد - أيضاً - قوماً من أعدائه لينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب بالقتل على أيدي شيعته، وليبتلوا بالذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته([677]).
ويروون عن الصادق رحمه الله قوله: ليس أحد من المؤمنين قتل إلا سيرجع حتى يموت، ولا أحد من المؤمنين مات إلا سيرجع حتى يقتل([678]).
والأمر فيه طول، ولا يسعنا تفصيله هنا، وهي كبقية العقائد التي يتكتمون عليها تقيةً، حتى رووا عن الأئمة أنهم قالوا في ذلك صراحةً: لا تقولوا الجبت والطاغوت، وتقولوا الرجعة، فإن قالوا: قد كنتم تقولون! فقولوا: الآن لا نقول، وهذا من باب التقية التي تعبد الله بها عباده في زمن الأوصياء([679]).
القول الشيعة بالبداء على الله:
وكذلك قولهم بالبداء على الله، حيث رووا في ذلك روايات عدة، كروايتهم عن الأئمة: (ما عبد الله بشيء مثل البداء). ورواية: (ما عُظِّم الله عز وجل بمثل البداء)([680]). ورواية: (ولو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما افْتَرُّوا من الكلام فيه)([681])، ورواية: (وما بعث الله نبيًا قط إلا بتحريم الخمر، وأن يقر لله بالبداء)([682]).
والبداء بإيجاز: هو الظهور بعد الخفاء. أو: نشأة الرأي الجديد، وهما محالان على الله عز وجل؛ لأنهما يستلزمان الجهل قبل العلم بهما.
وفي روايات القوم عن أبي حمزة الثمالي: قال: قال أبو جعفر عليه السلام وأبو عبد الله عليه السلام: يا أبا حمزة! إن حدثناك بأمر أنه يجيء من هاهنا فجاء من هاهنا؛ فإن الله يصنع ما يشاء، وإن حدثناك اليوم بحديث وحدثناك غداً بخلافه، فإن الله يمحو ما يشاء ويثبت([683]).
ومن التطبيقات العملية لهذه العقيدة رواياتهم المزعومة عن الصادق رحمه الله أنه قد نص لهم على ابنه إسماعيل وأشار في حياته إلى أنه الإمام من بعده، ثم إن إسماعيل مات في حياته أبيه، فقال الصادق: ما بدا لله بداء كما بدا له في إسماعيل ابني. يقول: ما ظهر لله أمر كما ظهر له في إسماعيل ابني، إذ اخترمه قبلي ليعلم بذلك أنه ليس بإمام بعدي. وقوله: ما بدا لله بداء كما بدا له في إسماعيل أبي، إذ أمر أباه إبراهيم بذبحه ثم فداه بذبح عظيم([684]).
وكذلك عقيدة الطينة: حيث وضعوا فيها عشرات الروايات، حتى قال في ذلك الجزائري: إنّ أصحابنا قد رووا هذه الأخبار بالأسانيد المتكثّرة في الأصول وغيرها، فلم يبق مجال في إنكارها، والحكم عليها بأنّها أخبار آحاد، بل صارت أخبارًا مستفيضة، بل متواترة([685]).
وهي من العقائد الخطيرة التي تحث الشيعة على فعل المنكرات وإفساد المجتمعات، ومن ثم تحثهم على نسبة وإرجاع كل هذه الموبقات إلى صحيفة السني يوم القيامة، ولعل ذكرنا بعض الروايات في الباب يإيجاز يوضح هذه العقيدة، وفيها - أيضاً - بيان لأخلاق الشيعة باعترافهم.
فعن أبي إسحاق الليثي قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام: يا بن رسول الله! أخبرني عن المؤمن المستبصر إذا بلغ في المعرفة وكمل هل يزنى؟ قال: اللهم لا، قلت: فيلوط؟ قال: اللهم لا، قلت: فيسرق؟ قال: لا، قلت: فيشرب الخمر؟ قال: لا، قلت: فيأتي بكبيرة من هذه الكبائر أو فاحشة من هذه الفواحش؟ قال: لا. قلت: فيذنب ذنباً؟ قال: نعم. هو مؤمن مذنب ملم، قلت: ما معنى (ملم)؟ قال: الملم بالذنب لا يلزمه ولا يصير عليه. قال: فقلت: سبحان الله! ما أعجب هذا لا يزنى ولا يلوط ولا يسرق ولا يشرب الخمر ولا يأتي بكبيرة ولا فاحشة! فقال: لا عجب من أمر الله، إن الله تعالى يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون فمم عجبت يا إبراهيم؟ قلت: يا ابن رسول الله! إني أجد من شيعتكم من يشرب الخمر ويقطع الطريق ويخيف السبل ويزني ويلوط ويأكل الربا ويرتكب الفواحش ويتهاون بالصلاة والصيام والزكاة ويقطع الرحم ويأتي الكبائر، فكيف هذا، ولم ذاك؟! فقال: يا إبراهيم! هل يختلج في صدرك شئ غير هذا؟ قلت: نعم يا ابن رسول الله، أخرى أعظم من ذلك! فقال: وما هو يا أبا إسحاق؟ قال: فقلت: يا ابن رسول الله! وأجد من أعدائكم ومناصبيكم من يكثر من الصلاة ومن الصيام، ويخرج الزكاة، ويتابع بين الحج والعمرة، ويحرص على الجهاد، ويأثر على البر وعلى صلة الأرحام، ويقضي حقوق إخوانه ويواسيهم من ماله، ويتجنب شرب الخمر والزنا واللواط وسائر الفواحش، فمم ذاك؟! ولم ذاك؟! فَسِّره لي يا ابن رسول الله وبرهنه وبينه؛ فقد - والله - كدر فكري وأسهر ليلي وضاق ذرعي. قال: فتبسم الباقر صلوات الله عليه، ثم قال: يا إبراهيم! إن الله تعالى خلق أرضاً سبخة خبيثة منتنة، ثم فجر منها ماء أجاجاً آسناً مالحاً فعرض عليها ولايتنا - أهل البيت - فلم تقبلها، فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيام حتى طبقها وعمها، ثم نضب ذلك الماء عنها، ثم أخذ من ذلك الطين فخلق منه الطغاة وأئمتهم، ثم مزجه بثفل طينتكم، ولو ترك طينتهم على حالها ولم يمزجها بطينتكم لم يشهدوا الشهادتين ولا صلوا ولا صاموا ولا زكوا ولا حجوا ولا أدوا الأمانة ولا أشبهوكم في الصور، وليس شيء أكبر على المؤمن من أن يرى صورة عدوه مثل صورته. قلت: يا ابن رسول الله! فما صنع بالطينتين، قال: مزج بينهما بالماء الأول والماء الثاني، ثم عركهما عرك الأديم، ثم أخذ من ذلك قبضة، فقال: هذه إلى الجنة ولا أبالي، وأخذ قبضة أخرى، وقال: هذه إلى النار ولا أبالي، ثم خلط بينهما، فوقع من سنخ المؤمن وطينته على سنخ الكافر وطينته، ووقع من سنخ الكافر وطينته على سنخ المؤمن وطينته، فما رأيته من شيعتنا من زنا أو لواط أو ترك صلاة أو صوم أو حج أو جهاد أو خيانة أو كبيرة من هذه الكبائر فهو من طينة الناصب وعنصره الذي قد مزج فيه؛ لأن من سنخ الناصب وعنصره وطينته اكتساب المآثم والفواحش والكبائر، وما رأيت من الناصب من مواظبته على الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وأبواب البر فهو من طينة المؤمن وسنخه الذي قد مزج فيه؛ لأن من سنخ المؤمن وعنصره وطينته اكتساب الحسنات واستعمال الخير واجتناب المآثم، فإذا عرضت هذه الأعمال كلها على الله تعالى قال: أنا عدل لا أجور، ومنصف لا أظلم، وحكم لا أحيف ولا أميل ولا أشطط، الحقوا الأعمال السيئة التي اجترحها المؤمن بسنخ الناصب وطينته، وألحقوا الأعمال الحسنة التي اكتسبها الناصب بسنخ المؤمن وطينته، ردوها كلها إلى أصلها. خذها إليك يا أبا إسحاق، فوالله إنه لمن غرر أحاديثنا وباطن سرائرنا ومكنون خزائننا، وانصرف ولا تطلع على سرنا أحداً إلا مؤمناً مستبصراً؛ فإنك إن أذعت سرنا بليت في نفسك ومالك وأهلك وولدك([686]).
وعن عبد الله بن كيسان قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخالط الناس في التجارات وغير ذلك، فأرى الرجل حسن السمت وحسن الخلق والأمانة، ثم أفتشه فأفتشه عن عداوتكم، وأخالط الرجل فأرى فيه سوء الخلق وقلة أمانة وزعارة، ثم أفتشه فأفتشه عن ولايتكم، فكيف يكون ذلك؟! قال: فقال لي: أما علمت - يا ابن كيسان - أن الله تبارك وتعالى أخذ طينة من الجنة وطينة من النار فخلطهما جميعاً، ثم نزع هذه من هذه، فما رأيت من أولئك من الأمانة وحسن السمت وحسن الخلق فمما مستهم من طينة الجنة، وهم يعودون إلى ما خلقوا منه، وما رأيت من هؤلاء من قلة الأمانة وسوء الخلق والزعارة فمما مستهم من طينة النار، وهم يعودون إلى ما خلقوا منه([687]).
وفي رواية أنه سئل: أرى الرجل من أصحابنا ممن يقول بقولنا خبيث اللسان، خبيث الخلطة، قليل الوفاء بالميعاد، فيغمني غماً شديداً، وأرى الرجل من المخالفين علينا حسن السمت، حسن الهدي، وفياً بالميعاد، فأغتم لذلك غما شديدا، فقال: أو تدرى لم ذاك؟! قلت: لا. قال: إن الله تبارك وتعالى خلط الطينتين فعركهما، وقال بيده هكذا راحتيه جميعاً واحدة على الأخرى، ثم فلقهما، فقال: هذه إلى الجنة، وهذه إلى النار، ولا أبالي، فالذي رأيت من خبث اللسان والبذاء وسوء الخلطة وقلة الوفاء بالميعاد من الرجل الذي هو من أصحابكم يقول بقولكم فبما التطخ بهذه من الطينة الخبيثة، وهو عائد إلى طينته، والذي رأيت من حسن الهدي وحسن السمت وحسن الخلطة والوفاء بالميعاد من الرجال من المخالفين فبما التطخ به من الطينة الطيبة. فقلت: جعلت فداك، فرجت عني فرج الله عنك([688]).
وقد تفطن الشيعة إلى خطورة عقائد الزنادقة هذه، فالتمسوا الأعذار في علة إخفائها، بدلاً من إنكارها، حتى قال الجزائري في قول الصادق رحمه الله الآنف الذكر (ولا تطلع على سرنا أحداً). إنه يجوز أن يكون تقية - أو إتقاءً - على الشيعة، فإن عوامهم إذا سمعوا بمثل هذا أقبلوا على الإتيان بأنواع المحارم والذنوب، لعلمهم بأن وبالها الأخروي إنما هو على غيرهم([689]).
والحق أننا قد أعرضنا عن تفصيل بيان هذه العقائد وذكر غيرها، خشية خروجنا عن موضوع الكتاب؛ فإن بيانها يتطلب مجلدات، ومن أراد التفصيل فعليه بطلبها في مظانها، وفيما ذكرناه كفاية لمعرفة علة أخذ القوم بالتقية؛ فإن أمثال هذه العقائد لا علاقة لها بالإسلام، فوجب على القائلين بها إخفاؤها وسترها، خشية أخذهم بها بحجة الزندقة والإلحاد، ومن ثم حملوا هذا الإخفاء على مبدأ التقية، الذي قد عرفت أنه إظهار الكفر عند الضرورة مع إبطان الإيمان، وليس العكس، فتأمل!

الباب الثاني
نقد روايات التقية ودراسة أسانيدها
ذكرنا في غير هذا الكتاب أن هناك آلاف الروايات حوتها مصادر المسلمين في شتى العلوم، كلها موضوعة على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومنسوبة إليه وإلى صحابته رضوان الله عليهم وإلى الأئمة رحمهم الله.
ووضع الحديث عادة قديمة، وقد اختلفت مشارب هؤلاء الوضَّاعين بين زنادقة أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ووضعوا الأحاديث استخفافاً بالدين وتلبيساً على المسلمين، وبين أصحاب أهواء وعصبيات ومذاهب، يضعون ما ينتصرون به لمذاهبهم، وبين من وضع ذلك ترغيباً في فضائل الأعمال وترهيباً من النار... إلى غير ذلك مما ذكره واتفق عليه كل من تكلم في هذا الباب.
وكان لانتشار هذه الروايات في كتب الفقه والتفسير والتاريخ والسير والمغازي وغيرها أثر سيء في نشوء عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، أدت بدورها إلى ظهور فرق ومذاهب باطلة،  جل بنيانها على هذه الموضوعات، ولم يكن أصحابها يتورعون أن يصيروا كل ما هوته قلوبهم وأنفسهم حديثاً.
وكان المسلمون الأوائل لا يسألون عن الإسناد، حتى وقعت الفتن بينهم، فكانوا يسألون عن الرجل، فإن كان من أهل السُنة أخذوا حديثه، وإن كان من أهل البدعة تركوا حديثه، فصار الإسناد المتصل إلى الرسول أو الأئمة عندهم هو السبيل إلى معرفة الشرائع والأحكام، فتشددوا في معرفة حال كل من وقع في إسناد حديث، حتى قيل لهم: أتريدون أن تزوجوه؟!
وكان ابن عباس رضي الله عنهم يقول: « إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم».
وكان من هدي الرعيل الأول أن يأتوا بالإسناد قبل الحديث، ويقولون: لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة، وقالوا: ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد، وإنما تعلم صحة الحديث من الإسناد، وإن الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟! وإن الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، ومثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرقى السطح بلا سلم، ومثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب فيها أفعى وهو لا يدري. وغيرها من أقوال بينوا فيها أهمية الإسناد.
فكان أن ظهر علم الرجال الذي يبحث في أحوال رجال الأسانيد المنتهية إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الصحابة رضي الله عنهم أو الأئمة رحمهم الله؛ لمعرفة صحة نسبة هذا الحديث أو ذاك إليهم من حيث خلو إسنادها من وضاعين... إلى غيرها من علل وشذوذ.
وقد أورد الشيعة من طرقهم: حث الأئمة رحمهم الله على التثبت في نقل الأخبار بعد أن هالهم حجم الكذب عليهم:
فعن الصادق رحمه الله قال: « إنَّا أهل بيت صادقون لا نخلوا من كذاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس» ([690]).
وقال رحمه الله: « إن الناس قد أولعوا بالكذب علينا، وإني أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غير تأويله، وذلك أنهم كانوا لا يطلبون بأحاديثنا ما عند الله، وإنما يطلبون الدنيا، وكل يحب أن يُدعى رأساً» ([691]).
وقال: « لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق الكتاب والسنة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة؛ فإن المغيرة بن سعيد دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا محمد؛ فإنا إذا حدثنا قلنا: قال الله عز وجل، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم» ([692]).
وعن يونس بن عبد الرحمن قال: وافيت العراق فوجدت جماعة من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، وعرضتها من بعد على أبي الحسن، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أصحاب أبي عبد الله، وقال: « إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله، لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون من هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن» ([693]).
وعنه - أيضاً - قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: « كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي، ثم يدفعها إلى أصحابه، فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكل ما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم» ([694]).
وعن إبراهيم بن أبي محمود قال: فقلت للرضا: « يا ابن رسول الله إن عندنا أخباراً في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وفضلكم - أهل البيت - وهي من رواية مخالفيكم، ولا نعرف مثلها عندكم، أفندين بها؟ فقال: يا ابن أبي محمود! إن مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام: أحدها: الغلو، وثانيها: التقصير في أمرنا، وثالثها: التصريح بمثالب أعدائنا، فإذا سمع الناس الغلو فينا كفروا شيعتنا ونسبوهم إلى القول بربوبيتنا وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا، وقد قال الله عز وجل: (( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ )) يا ابن أبي محمود! إذا أخذ الناس يميناً وشمالاً فالزم طريقتنا؛ فإنه من لزمنا لزمناه، ومن فارقنا فارقناه، إن أدنى ما يخرج به الرجل من الإيمان أن يقول للحصاة: هذه نواه، ثم يدين بذلك ويبرأ ممن خالفه، يا ابن أبي محمود! احفظ ما حدثتك به، فقد جمعت لك خير الدنيا والآخرة» ([695]).
ولهذا كله وضع القوم شروطاً لقبول الحديث، وهو مـا اتصل سنده إلى الإمام المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات. وزاد البعض: أن يكون العدل ضابطاً، وألا يعتريه شذوذ، وألا يكون معللاًّ([696]).
ووضعوا معايير علمية تثبت بها الوثاقة أو الحسن، منها: نص أحد أئمتهم المعصومين، أو نص أحد أعلامهم المتقدمين، كالبرقي، وابن قولويه، والكشي، والصدوق، والمفيد، والنجاشي، والطوسي، وأضرابهم، أو نص أحد أعلامهم المتأخرين، كمنتجب الدين، وابن شهرأشوب، أو دعوى الإجماع من قبل الأقدمين([697]).
وقد اتفق المسلمون على حرمة نقل الحديث إذا كان موضوعاً لكونه إعانة على الإثم وإشاعة للفاحشة وإضلالاً للمسلمين، وأن من أراد أن يروي حديثاً ضعيفاً أو مشكوكاً في صحته بغير إسناد، فإنه يقول: روي، أو: بلغنا، أو: ورد، أو: جاء، أو: نقل، ونحوها من صيغ التمريض، ولا يذكره بصيغة الجزم، كـ(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم). ولو أتى بالإسناد مع المتن لم يجب عليه بيان الحال؛ لأنه قد أتى به عند أهل الاعتبار([698]).
ولا شك في أن قولهم: إن الإتيان بالخبر مع الإسناد يغني عن بيان الحال صحيح على نحو ما، فإن كثيراً من كتب المسلمين مليئة بالروايات الموضوعة بأسانيدها، ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أن علماءنا الأوائل مروا بمراحل في التأليف، بدءاً بالجمع والذكر لكل ما سمعوه في المقام، وانتهاء بتحقيق الروايات لتمييز الغث من السمين، وقد يقتصر أكثرهم على الأول، أي: الجمع والذكر لكل ما سمعوه، معتقدين براءة ذمتهم ما داموا قد ذكروا الإسناد الذي يمكن من خلاله معرفة صدق الخبر من كذبه، وذلك لاستحالة تحقيق كل خبر في حينه لاعتبارات عدة، كأن يكون للحديث المذكور طرق أخرى ينجبر بها، أو أن ضعف بعض الرواة لم يثبت عندهم، وغيرها، وأضف إلى ذلك عدم اشتراطهم لذكر الحديث أن يكون صحيحاً، كما صرحوا بذلك في مقدمة مصنفاتهم، ومع هذا لم يجز العلماء رواية أمثال هذه الموضوعات دون بيان وضعها، وعدوا من فعل ذلك مذنباً عليه التوبة.
ونحن في هذا الباب - إن شاء الله - سنورد جميع ما وقفنا عليه من روايات في باب التقية من طرق الشيعة، ثم ننظر في أسانيدها لنرى هل يصح منها شيء باعتبارات الصحة التي مرت بك آنفاً، ناهيك عن وجوب التواتر الذي يراه الشيعة في مرويات عقائدهم.
الرواية الأولى: الكليني: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم وغيره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: ((أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا..)) [القصص:54]، قال: « بما صبروا على التقية ((وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ)) [القصص:54]، قال: الحسنة التقية، والسيئة الإذاعة» ([699]).
وعلي بن إبراهيم هو صاحب التفسير، وأما والده إبراهيم بن هاشم، فمع كل ما قيل فيه، لم يصرح أحد بتوثيقه، حتى قال الحلي في ذلك: لم أقف لأحد من أصحابنا على قول في القدح فيه، ولا تعديل بالتنصيص، والروايات عنه كثيرة، والأرجح قبول روايته([700]).
وقد استمات الخوئي وغيره([701])في إثبات توثيقه ضاربين بعرض الحائط كل الامور التــي تثبت بها الوثاقة أو الحسن، كنص أحد المعصومين، أو نص أحد الأعلام المتقدمين، أو نص أحد الأعلام المتأخرين، أو دعوى الإجماع من قبل الأقدمين، وغيرها من الأصول التي وضعوها في ذلك، وجاءوا بأمور لا تخلو من إشكال، منها قول القمي نفسه بصحة كل ما ورد في تفسيره، ومنها وقوعه في إسناد كامل الزيارات.
ولا شك في أن الخوئي وغيره معذورون في ذلك؛ لأن رواياته تبلغ ستة آلاف ومائتين وأربعة عشر مورداً، فعز عليهم إسقاط كل ذلك، ولكن الذي ينبغي ألا نعذر فيه الخوئي ولا غيره على اجتهادهم في إثبات صحة هذا التفسير، هو تلك المصائب التي ملأ بها القمي تفسيره، كالقول بتحريف القرآن، والطعن في الصحابة، وقذف أمهات المؤمنين بالفاحشة، وغير ذلك،ولهذا طعن بعض المحققين ([702]) من القوم في نسبة التفسير إلى القمي، أو القول بأن التفسير ليس للقمي وحده، وإنما هو ملفق مما أملاه القمي علي تلميذه أبي الفضل العباس الذي ليس له ذكر في الاصول الرجالية ولا يعرف من هو، وما رواه التلميذ بسنده الخاص عن أبي الجارود عن الإمام الباقر، ويتبين ذلك بجلاء في موارد عدة من التفسير من التعابير التالية: رجع إلى تفسير علي بن إبراهيم. أو: رجع إلى رواية علي بن إبراهيم. أو رجع الحديث إلى على بن إبراهيم ومعه يحصل علم إجمالي بكونه خليطاً من تفسيره وتفسير غيره، وحيث لا يمكن التمييز فيسقط جميعه عن الاعتبار كما رأى البعض([703]).
ومن الذين فصلوا القول في هذا: الشيخ جعفر السبحاني، حيث خلص إلى القول بأنه: كيف يمكن الاعتماد على ما ذكر في ديباجة الكتاب ([704]) لو ثبت كون الديباجة لعلي بن إبراهيم نفسه؟! وقال: ثم إن الاعتماد على هذا التفسير بعد هذا الاختلاط مشكل جداً، خصوصاً مع ما فيه من الشذوذ في المتون([705]).
هذا ما كان من أمر القمي وأبيه، وهشام بن سالم رغم توثيقه لم يسلم من رواية في ذمه على لسان الرضا؛ لأنه قال: إن لله عز وجل صورة، وإن آدم خلق على مثل الرب فنصف هذا ونصف هذا، ردها الخوئي([706]).
الرواية الثانية: الكليني: ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عمر الأعجمي قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: « يا أبا عمر! إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء» ([707]).
وقد مر الكلام في هشام بن سالم، والأعجمي مجهول الحال([708]).
الرواية الثالثة: الكليني: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد والحسين بن سعيد جميعاً، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن حسين بن أبي العلاء، عن حبيب بن بشر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: « سمعت أبي يقول: لا - والله - ما على وجه الأرض شيء أحب إلي من التقية، يا حبيب إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب! من لم تكن له تقية وضعه الله» ([709]).
قال الخوئي: روى الكليني عن الحسين بن محمد عن الخيراني عن أبيه رواية تدل على ذم أحمد بن محمد بن عيسى، وأنه كان شديد التعصب في العروبة، ولكن ردها بجهالة الخيراني وأبيه([710]).
 ومحمد بن خالد البرقي مختلف فيه ([711])، وكذا حال ابن أبي العلاء ([712])، وحبيب بن بشر مجهول الحال([713]).
الرواية الرابعة: الكليني: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: ((وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ)) [فصلت:34]، قال: « الحسنة: التقية، والسيئة: الإذاعة، وقوله عز وجل: ((ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [فصلت:34]، قال: التي هي أحسن التقية» ([714]).
مر الكلام في القمي صاحب التفسير وأبيه، وحماد هو ابن عيسى الجهني، وثقه القوم، إلا أنه ورد فية ذم لمخالفته أمر الإمام الجواد، ولكن الخوئي رد رواية ذمه هذه، ولا بد؛ فالرجل وقع في إسناد أكثر من ألف وست وثلاثين رواية([715]).
وحريز بن عبد الله السجستاني ذكره ابن داود في القسم الثاني من رجاله الذي جعله للمجروحين والمجهولين، حيث لم تثبت وثاقته عنده، وذكره بلفظ: قيل: ثقه([716])، وردت فيه رواية صححها الخوئي تدل على جفاء الصادق له وحجبه عنه([717])، ثم إن السند فيه مبهم وهو عمن أخبره عن الصادق رحمه الله.
الرواية الخامسة: الكليني: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن هشام الكندي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: « ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخبء. قلت: وما الخبء؟ قال: التقية» ([718]).
مر بعض رجال السند، والكندي مجهول الحال([719]).
الرواية السادسة: الصدوق: أبي رحمه الله قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن هشام بن سالم، قال: سمعت الصادق عليه السلام قال: « ما عبد الله بشيء أحب إلي من الخبء. قلت: وما الخبء؟ قال: التقية» ([720]).
الصدوق نفسه لم يسلم من الطعن فيه، والخلاف في توثيقه، حتى توقف فيه البعض بحجة أنه لم يصرح بتوثيقه أحد من علماء الرجال([721]).
علي بن إبراهيم مر ذكره، ومحمد بن عيسى اليقطيني ضعفه البعض، وقيل: إنه يذهب مذهب الغلاة، ومن وثقه رد رواياته عن يونس كروايتنا هذه ([722])، ويونس هذا وردت فيه روايات متعارضه([723]).
الرواية السابعة: الكليني: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي عمرو الكناني قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: « أبى الله عز وجل لنا ولكم في دينه إلا التقية» ([724]).
مر ذكر بعض رجال السند، والكناني مجهول الحال([725]).
الرواية الثامنة: الكليني: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن القيام للولاة، فقال: قال أبو جعفر عليه السلام: « التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له» ([726]).
وقد مر ذكر بعض رجال السند.
الرواية التاسعة: الكليني: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن يحيى عن حريز عن معلى بن خنيس قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:« يا معلى! أكتم أمرنا ولا تذعه؛ فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا وجعله نوراً بين عينيه في الآخرة يقوده إلى الجنة، يا معلى! من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا ونزع النور من بين عينيه في الآخرة، وجعله ظلمة تقوده إلى النار. يا معلى! إن التقية من ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له» ([727]).
مر ذكر معظم رجال السند، وعبد الله بن يحيى لم يمكن تمييزه ([728])، وابن خنيس اختلفت الأقوال فيه، حيث ذهب إلى ضعفه النجاشي والغضائري وغيرهما، وتوقف فيه الحلي([729]).
الرواية العاشرة: أبان بن عياش عن سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له في حديث طويل جداً: « والتقية من دين الله، ولا دين لمن لا تقية له» ([730]).
أبان بن أبي عياش، تابعي ضعيف كما قال الطوسي، وقال فيه ابن الغضائري: ضعيف لا يلتفت اليه، وينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه([731]).
وسليم نفسه اضطربت أقوال القوم فيه وفي كتابه الذي حوى مسائل تخالف التاريخ وما عليه القوم، مثل جعله الأئمة ثلاثة عشر، وقصة وعظ محمد بن أبي بكر أباه عند موته مع أن عمر محمد وقتئذ كان أقل من ثلاث سنين، حتى نسب البعض وضع الكتاب إلى أبان بن أبي عياش كما مر بك، أو القول بأنه لا يعرف ولا ذكر في خبر، أو أن كتابه هذا موضوع لا مرية فيه، وأن تاريخ وضعه ربما يكون في أواخر الدولة الأموية، إلى آخر ما قيل فيه([732]).
الرواية الحادية عشرة: البرقي: عن عبد الله بن يحيى، عن حريز بن عبد الله السجستاني، عن معلى بن خنيس، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: « يا معلى! إن التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له» ([733]).
مر الكلام في رجال سند هذه الرواية.
الرواية الثانية عشرة: الكليني: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن عثمان بن عيسي، عن سماعة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: « التقية من دين الله، قلت: من دين الله؟! قال: إي - والله - من دين الله» ([734]).
مر الكلام في بعض رجال السند، وعثمان بن عيسى قال فيه الخوئي: لا ينبغي الشك في أنه كان منحرفاً عن الحق ومعارضاً للرضا عليه السلام وغير معترف بإمامته، وقد استحل اموال الإمام عليه السلام، وأما توبته ورده الأموال بعد ذلك فلم تثبت فإنها رواية نصر بن الصباح ، وهو ليس بشئ ، ولكنه مع ذلك كان ثقة ([735]).
وسماعة بن مهران - مع توثيق النجاشي له - ضعفه أضرابه، وذكروه تحت قسم من لا يعتمد على رواياتهم([736])، وفي أبي بصير وردت روايات متعارضة بين مادحة فيه وأخرى ذامة([737]).
الرواية الثالثة عشرة: الصدوق: حدثنا المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي رضي الله عنه، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود، عن أبيه قال: حدثنا محمد بن أبي نصر قال: حدثني أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: « التقية دين الله... » فذكر الرواية السابقة([738]).
المظفر مجهول الحال وإن كان من مشايخ الصدوق ([739])، والعياشي - وإن كان ثقة في نفسه - يروي عن الضعفاء كثيراً([740])، وابن أبي نصر مجهول الحال ([741])، وبقية السند مر الكلام في رجاله.
الرواية الرابعة عشرة: الصدوق: حدثنا المظفر بن جعفر العلوي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود، عن أبيه قال: حدثنا إبراهيم بن علي قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، عن يونس بن عبد الرحمن، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: « لا خير فيمن لا تقية له» ([742]).
مر ذكر بعض رجال السند في الرواية السابقة، وإبراهيم بن علي لم أقف له على ترجمة، وكذلك حال إبراهيم بن إسحاق، فإن كان الأحمري النهاوندي فهو ضعيف ومتهم في حديثه ودينه([743])، وعلي بن أبي حمزة البطائني كذاب متهم([744]).
الرواية الخامسة عشرة: الكليني: أبو علي الأشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن العباس بن عامر عن جابر المكفوف، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: « اتقوا على دينكم فأحجبوه بالتقية فإنه لا إيمان لمن لا تقية له» ([745]).
العباس بن عامر القصباني مجهول ([746])، والمكفوف لم يرد فيه ما يدل على وثاقته باعتبار معايير القوم([747]).
الرواية السادسة عشرة: الكليني: علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: « كان أبي عليه السلام يقول: وأي شيء أقر لعيني من التقية؟! إن التقية جنة المؤمن» ([748]).
مر الكلام في بعض رجال السند، وابن مروان لم يمكن تمييزه.
الرواية السابعة عشرة: الكليني: علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن إسماعيل الجعفي ومعمر بن يحيى بن سام ومحمد بن مسلم وزرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر عليه السلام يقول: « التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له» ([749]).
مر الكلام في بعض رجال السند، ورجال بقية السند اضطربت الأقوال فيهم، فقد ورد أكثرهم في رواية ذمهم فيها الصادق، حيث قال: هلك المترئسون - وفي نسخه: المستريبون - في أديانهم، منهم: زرارة وبريد ومحمد بن مسلم وإسماعيل الجعفي([750]).
الرواية الثامنة عشرة: الكليني: على بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: « التقية ترس الله بينه وبين خلقه» ([751]).
مر الكلام في جل رجال السند.
الرواية التاسعة عشرة الصدوق: حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد قال: قال علي بن موسي الرضا عليه السلام: « لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، إن أكرمكم عند الله عز وجل أعملكم بالتقية، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا» ([752]).
القمي ووالده مر الكلام فيهما، وابن معبد مجهول ([753])، والحسين بن خالد الصيرفي لم تثبت وثاقته([754]).
الرواية العشرون: المجلسي: وجدت في بعض الكتب مروياً عن أحمد بن محمد الكوفي عن حنان بن سدير عن أبيه سدير الصيرفي عن أبي إسحاق الليثي عن الباقر عليه السلام أنه قال: « إن التقية من ديننا ودين آبائنا، ومن لا تقية له فلا دين له، ولو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً» ([755]).
الكوفي لم يمكن تمييزه، وحنان بن سدير مهما يكن فهو واقفي([756])، وأبوه وردت في ذمه روايات ([757])، ولم أقف على ترجمة لأبي إسحاق الليثي.
الرواية الحادية والعشرون: داود الصرمي قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: « يا داود! لو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً» ([758]).
الصرمي مجهول([759])، والسند غير مكتمل.
الرواية الثانية والعشرون: الصدوق: عن ابن مسرور عن ابن عامر عن عمه عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن الصادق عليه السلام أنه قال: « لا دين لمن لا تقية له، ولا إيمان لمن لا ورع له» ([760]).
ابن مسرور هو جعفر بن محمد بن مسرور، وليس هو بن قولويه كما توهم البعض، والرجل لم تثبت وثاقته، وقد ضعف الإمام الخوئي الطريق([761]).
الرواية الثالثة والعشرون: حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور (ره) قال: حدثنا الحسين بن محمد بن عامر عن عمه عبد الله بن عامر عن محمد بن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: « لا دين لمن لا تقية له، ولا إيمان لمن لا ورع له».
هذا السند كسابقه.
الرواية الرابعة والعشرون: الحميري: حدثنا أحمد بن إسحاق بن سعد قال: حدثنا بكر بن محمد الأزدي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: « إن التقية ترس المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له» ([762]).
الأزدي مختلف فيه بين ثقة وآخر لم تثبت وثاقته، والكثير على أنه واحد([763])، وفي نسبة كتاب (قرب الإسناد) إلى عبد الله بن جعفر الحميري كلام.
الرواية الخامسة والعشرون: الصدوق: حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا أحمد بن إدريس عن محمد بن أبي الصهبان عن محمد بن أبي عمير عن جميل بن صالح عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: « يا محمد! كان أبي عليه السلام يقول: يا بني! ما خلق الله شيئاً أقر لعين أبيك من التقية» ([764]).
مر الكلام في بعض رجال السند.
الرواية السادسة والعشرون: الصدوق: حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا أحمد بن إدريس قال: حدثني أبو سعيد الآدمي قال: حدثنا الحسن بن الحسين اللؤلؤي عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن جندب عن أبي عمر العجمي قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: « يا أبا عمر! إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء» ([765]).
أبو سعيد الآدمي هو سهل بن زياد، قال فيه النجاشي: ضعيف شهد عليه بالكذب والغلو، وطرد من قم، وقال فيه الطوسي: ضعيف جداً، ونقل الكشي قول ابن شاذان فيه: هو الأحمق، وقال فيه الغضائري: ضعيف جداً فاسد الرواية والمذهب، أخرج من قم وأظهر البراءة منه، ونهي الناس عن السماع منه والرواية عنه، ويروي المراسيل ويعتمد المجاهيل. وقال فيه الخوئي: ضعيف جزماً ولم تثبت وثاقته([766])، وسهل هذا روى أكثر من ألفين وثلاثمائة رواية مبثوثة في كتب القوم، والعجمي مر ذكر جهالته.
الرواية السابعة والعشرون: الطوسي: أبو محمد الفحام قال: حدثني المنصوري قال: حدثني عم أبي موسي بن عيسى بن أحمد قال: حدثني الإمام علي بن محمد قال: حدثني أبي عن أبيه علي بن موسي قال: حدثني أبي موسى بن جعفر قال: قال الصادق عليه السلام: « عليكم بالتقية؛ فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه؛ لتكون سجيته مع من يحذره» ([767]).
المنصوري إن كان محمد بن أحمد العلوي الهاشمي فقد قال فيه الخوئي: لم تثبت وثاقته ([768]). وموسى بن عيسى بن أحمد لم أجد ترجمته.
الرواية الثامنة والعشرون: الصدوق: حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا الحسن بن علي السكري، قال: حدثنا محمد بن زكريا الجوهري، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن سفيان بن سعيد، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام يقول: « يا سفيان! عليك بالتقية؛ فإنها سنة إبراهيم الخليل عليه السلام، يا سفيان! من استعمل التقية في دين الله فقد تسنم الذروة العليا من العز» ([769]).
القطان قال فيه الخوئي: هو من مشايخ الصدوق، وتوهم بعضهم حسن الرجل من ترحم الصدوق عليه، وهو عجيب، كيف وقد ترحم الأئمة لعموم الزائرين لقبر الحسين، بل أفرط بعضهم فذكر أن الصدوق وصفه بـ(العدل)، وهذا أعجب؛ فإن الصدوق لم يصفه بالعدل، إنما ذكر أنه كان معروفاً بأبي علي بن عبد ربه (عبدويه) العدل، ومعنى هذا أن العدل كان لقباً له، وكلمة العدل، وكلمة الحافظ، والمقريء ونحوهما من الألقاب، وأين هذا من وصفه بالعدالة، ولا بعد في أن يكون الرجل من العامة، كما استظهر بعضهم ([770])، وبقية السند بين مجهول أو غير مترجم له، وابن سعيد غير ممدوح عند القوم([771]).
الرواية التاسعة والعشرون: البرقي: أبي عن ابن أبي عمير عن يونس بن عمار عن سليمان بن خالد قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: « يا سليمان! إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله» ([772]).
البرقي وأبوه مر الكلام فيهما، ويونس مجهول ([773])، وسليمان مختلف فيه([774]).
الرواية الثلاثون: البرقي: أبي عن حماد بن عيسى عن سماعة بن مهران عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: « لاخير فيمن لا تقية له، ولا إيمان لمن لا تقية له» ([775]).
مر الكلام في البرقي وأبيه وسماعة وأبي بصير.
الرواية الحادية والثلاثون: البرقي: عدة من أصحابنا النهديان وغيرهما عن عباس بن عامر القصباني عن جابر المكفوف عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: « اتقوا الله على دينكم واحجبوه بالتقية؛ فإنه لا إيمان لمن لا تقية له» ([776]).
مر الكلام في البرقي والقصباني والمكفوف.
الرواية الثانية والثلاثون: العياشي: عن الحسين بن زيد بن علي جعفر بن محمد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: « كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا إيمان لمن لا تقية له» ([777]).
العياشي نفسه - وإن كان ثقة - يروي عن الضعفاء كثيراً([778])، أما تفسيره فجل رواياته محذوفة الأسانيد، كحال روايتنا هذه([779]).
الرواية الثالثة والثلاثون: وعن أحمد بن محمد بن عيسى، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن المعلى بن خنيس قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: « يا معلي! أكتم أمرنا ولا تذعه، فإنه من كتم أمرنا ولا يذعه أعزه الله في الدنيا، وجعله نوراً بين عينيه يقوده إلى الجنة، يا معلي! إن التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له، يا معلى! إن الله يحب أن يعبد في السر كما يحب أن يعبد في العلانية، والمذيع لأمرنا كالجاحد له» ([780]).
مر ذكر بعض رجال السند، والمعلى اختلفوا في وثاقته، والأكثر على تضعيفه([781]).
الرواية الرابعة والثلاثون: محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يونس بن عمار، عن سليمان بن خالد، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: « يا سليمان! إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله».
مر ذكر جل رجال السند، وسليمان بن خالد مع توثيق البعض له - ذكره ابن داود في رجاله في القسم الثاني (قسم الضعفاء)، وفي المدارك في مسألة توجيه المحتضر إلى القبلة قال بعدم ثبوت وثاقة سليمان بن خالد، وكذلك ما رواه الكشي في ذمه قائلاً فيه وفي عبد السلام بن عبد الرحمن بن نعيم والفيض ابن المختار: ما أنا لهؤلاء بامام([782]).
الرواية الخامسة والثلاثون: الجعفريات: بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: « التقية ديني ودين أهل بيتي» ([783]).
السند منقطع.
الرواية السادسة والثلاثون: كتاب سليم بن قيس الهلالي عن الحسن البصري قال: سمعت علياً عليه السلام يقول يوم قتل عثمان: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (قال سمعته يقول): إن التقية من دين الله، ولا دين لمن لا تقية له، والله لولا التقية ما عبد الله في الأرض في دولة إبليس، فقال رجل: وما دولة إبليس؟! فقال: إذا ولي إمام هدى فهي في دولة الحق على إبليس، وإذا ولي إمام ضلالة فهي دولة إبليس» الخبر([784]).
مر الكلام في كتاب سُليم بن قيس.
الرواية السابعة والثلاثون: الطوسي، عن الحسين بن إبراهيم القزويني عن أبي عبد الله محمد بن وهبان الهنائي البصري عن أحمد بن إبراهيم بن أحمد عن الحسن بن علي الزعفراني، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)). قال: « أعملكم بالتقية» ([785]).
مر الكلام في بعض رجال السند، والبعض الآخر مجاهيل([786]).
الرواية الثامنة والثلاثون: الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول: عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال لأبي جعفر محمد بن النعمان في حديث: فإن أبي كان يقول: « وأي شئ أقر للعين من التقية؟! إن التقية جنة المؤمن، ولولا التقية ما عبد الله. وقال عز وجل: (( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ))[آل عمران:28]^» ([787]).
السند منقطع.
فهذه جل الروايات المسندة أو شبه المسندة التي وقفت عليها في الباب، وقد رأيت أنه لم يثبت منها شيء بمعايير القوم أنفسهم، وإن ثبت منها شيء نتيجة اشتباه وقعنا فيه أو تساهل فلن يتجاوز مرتبة الحسن عند القوم ولابد.
ناهيك عن عدم أخذنا في الاعتبار جوانب أخرى من شرائط الصحة، كخلو الإسناد من الشذوذ والعلل واتصاله وغيرها، فضلاً عن عدم تحقق شرط التواتر المطلوب في أمثال هذه العقائد التي أنزلها القوم المنزلة التي أوقفناك عليها في الباب الأول.
وناهيك - أيضاً - عن الاضطراب الحاصل عند القوم في الجرح والتعديل وعلوم الحديث، حتى قال الفيض الكاشاني: في الجرح والتعديل وشرائطهما اختلافات وتناقضات واشتباهات لا تكاد ترتفع بما تطمئن إليه النفوس([788]).
ويقول البحراني: وأنت خبير بأنا في عويل من أصل هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد أقرب من الصلاح، حيث إن اللازم منه - لو وقف عليه أصحابه - فساد الشريعة، وربما انجر إلى البدع الفظيعة؛ فإنه متى كان الضعيف باصطلاحهم مع إضافة الموثق إليه - كما جرى عليه في المدارك - ليس بدليل شرعي، بل هو كذب وبهتان، مع أن ما عداهما من الصحيح والحسن لا يفيان لهما إلا بالقليل من الأحكام؛ فإلام يرجعون في باقي الأحكام الشرعية، ولا سيما أصولها وفضائل الأئمة وعصمتهم وبيان فضائلهم وكراماتهم ونحو ذلك؟! وإذا نظرت إلى أصول الكافي وأمثاله وجدت جله وأكثره إنما هو من هذا القسم الذي اطرحوه، ولهذا ترى جملة منهم لضيق الخناق خرجوا من اصطلاحهم في مواضع عديدة، وتستروا بأعذار غير سديدة، وإذا كان الحال هذا في أصل الاصطلاح؛ فكيف الحال في اصطلاح صاحب المنتقى وتخصيصه الصحيح بما ذكره، ما هذه إلا غفلة ظاهرة، والواجب إما الأخذ بهذه الأخبار، كما هو عليه متقدمو علمائنا الأبرار، أو تحصيل دين غير هذا الدين وشريعة أخرى غير هذه الشريعة، لنقصانها وعدم تمامها لعدم الدليل على جملة من أحكامها، ولا أراهم يلتزمون شيئاً من الأمرين مع أنه لا ثالث لهما في البين، وهذا بحمد الله ظاهر([789]).
وهذا ليس بمستغرب ما داموا قد ذكروا روايات من أمثال: عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن بن أبي خالد شينولة قال: قلت لأبي جعفر الثاني عليه السلام: جعلت فداك، إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وكانت التقية شديدة، فكتموا كتبهم ولم ترو عنهم، فلما ماتوا صارت الكتب إلينا، فقال: حدثوا بها؛ فإنها حق([790]).
فأي علم حديث هذا، وأي جرح أوتعديل يفيد؟!
ثم اعلم أن جل رواة الشيعة ممن لا تحمد مذاهبهم، وقد أقر القوم بذلك، حيث قالوا: إن كثيراً من مصنفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة، وإن كانت كتبهم معتمدة([791]).
ولا أدري كيف يستقيم هذا؟
وليعلم القارئ الكريم! أن هذا العلم - أي: مصطلح الحديث والجرح والتعديل - أنما هو من علوم أهل السُنة، وقد اعترف القوم بذلك.
يقول الحائري: ومن المعلومات التي لا يشك فيها أحد أنه لم يصنف في دراية الحديث من علمائنا قبل الشهيد الثاني (965 هـ)، وإنما هو من علوم العامة([792]).
يقول الحر العاملي في هذا: والفائدة في ذكره - أي: السند - مجرد التبرك باتصال سلسلة المخاطبة اللسانية، ودفع تعيير العامة الشيعة بأن أحاديثهم غير معنعنة، بل منقولة من أصول قدمائهم.
وقال: الاصطلاح الجديد موافق لاعتقاد العامة واصطلاحهم، بل هو مأخوذ من كتبهم كما هو ظاهر بالتتبع، وكما يفهم من كلامهم الشيخ حسن وغيره، وقد أمرنا الأئمة عليهم السلام باجتناب طريقة العامة.
وقال: إنه يستلزم ضعف أكثر الأحاديث التي قد علم نقلها من الأصول المجمع عليها لأجل ضعف بعض رواتها أو جهالتهم أو عدم توثيقهم، فيكون تدوينها عبثاً، بل محرماً، وشهادتهم بصحتها زوراً وكذباً، ويلزم بطلان الإجماع الذي علم دخول المعصوم فيه أيضا كما تقدم، واللوازم باطلة، وكذا الملزوم، بل يستلزم ضعف الأحاديث كلها عند التحقيق؛ لأن الصحيح عندهم ما رواه العدل الإمامي الضابط في جميع الطبقات، ولم ينصوا على عدالة أحد من الرواة إلا نادراً، وإنما نصوا على التوثيق، وهو لا يستلزم العدالة قطعاً، بل بينهما عموم من وجه كما صرح به الشهيد الثاني وغيره، ودعوى بعض المتأخرين أن الثقة بمعنى العدل الضابط ممنوعة، وهو مطالب بدليلها، وكيف وهم مصرحون بخلافها؛ حيث يوثقون من يعتقدون فسقه وكفره وفساد مذهبه؟! وإنما المراد بالثقة من يوثق بخبره ويؤمن منه الكذب عادة، والتتبع شاهد به، وقد صرح بذلك جماعة من المتقدمين والمتأخرين، ومن المعلوم الذي لا ريب فيه عند منصف أن الثقة تجامع الفسق، بل الكفر، وأصحاب الاصطلاح الجديد قد اشترطوا في الراوي العدالة، فيلزم من ذلك ضعف جميع أحاديثنا لعدم العلم بعدالة أحد([793]).
واعتراف الحر العاملي هذا خطير جداً يهدد المذهب برمته، وقد طُعن في الشيعة بسبب ذلك بالقول: إن هذا النص يفيد أيضاً أن الاسناد عندهم غير موجود، وأن رواياتهم كانت بلا زمام ولا خطام، حتى شنع الناس عليهم بذلك فاتجهوا حينئذ لذكر الإسناد، فالأسانيد التي نراها في رواياتهم هي صنعت فيما بعد، وركبت على نصوص أخذت من أصول قدمائهم، ووضعت هذه الأسانيد لتوقي نقد أهل السُنة([794]).
والكلامفيهذاالبابيطول،وليسهذاالكتابمكانه،ولعلنانشبعالموضوعبحثاًفيكتابنا (علمالحديثوالرجالعندالشيعةفيالميزان) إنكانفيالعمربقيةإنشاءاللهتعالى.
وبهذا اتضح لنا جلياً فساد معتقد التقية بالصورة التي جعلها القوم لها، ومدى مجانبتها لمشروعيتها التي اتفق عليها علماء الأمة، وأوهم علماء القوم الغير بأنهم عليها سواء بسواء.
فإذا عرفت هذا - أي أن تقية الشيعة لا تعلق لها بأسباب مشروعيتها التي ذكرنا في مقدمة الباب السابق - عرفت أنها عقيدة مذمومة مكشوفة أسباب وضعها، وأنها تخالف ما عليه أصول الدين المستمدة من الكتاب والسنة؛ فإن اللجوء إلى التقية في كون حواء خلقت من ضلع آدم أم لا، ونزول آدم في الهند، وعمر إسماعيل عندما توفاه الله عز وجل، ومدة مكوث يونس عليه السلام في بطن الحوت، وكون النورة يوم الجمعة والأربعاء تورث البرص، وكون مح البيض خفيفاً وبياضه ثقيلاً، وحكم الإكثار من الجرجير، وذرق الدجاج وبول الحمير، وفتح العيون في الوضوء، ومسح الوجه بالمنديل، وحكم وضوء من يخرج الدود من دبره، ونزول القبر بالخف، وكون نعال موسى عليه السلام من جلد حمار ميت، وقول الإمام الصادق لأبي حنيفة: أصبت والله، وحقيقة قصده إصابة الخطأ، إن كل ذلك لدلائل جلية على بيان المقصود.
آيات وروايات في الحث على قول الحق وذم كتمانه:
وقد ورد في ذم أمثال هذه السلوكيات نصوص شتى من الكتاب والسنة، وقد حثت آيات وأحاديث عدة على الجهر بالحق ومقارعة الظلم والصدع بالحق وبيان العلم وذم كتمه، كقوله تعالى: ((يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)) [المائدة:67].
وقوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ))[التوبة:33]^.
وقوله تعالى: (( وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ))[الكهف:27]^.
وقوله تعالى: (( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ))[الحجر:94]^.
وقوله تعالى: ((الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ))[المائدة:3]^.
وقوله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ))[البقرة:159]^.
وقوله تعالى: (( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ))[البقرة:42]^.
وقولة تعالى: ((وَلاَ تَرْكَنُواْ إلى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)) [هود: 113].
وروايات الشيعة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة رحمهم الله في الباب أكثر من أن تحصى، ولا بأس بأن نذكر بعضاً منها لننظر إن كان يمكننا التوفيق بين مزاعمهم في تقية الأئمة وأقوالهم في ذم ذلك:
روى القوم عن أبي ذر رضي الله عنه: « أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال له: قل الحق وإن كان مراً، ولا تخف في الله لومة لائم» ([795]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « إن الله تبارك وتعالى ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا زبر له. وقال: هو الذي لا ينهى عن المنكر» ([796]).
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: « أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» ([797]). وفي رواية: « عند إمام جائر».
ورووا عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله: « لا ينبغي لنفس مؤمنة ترى من يعصي الله فلا تنكر عليه» ([798]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» ([799]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفع رزقاً، ولا يقرب أجلاً» ([800]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « يا أيها الناس! إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم» ([801]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « إذا لم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر ولم يتبعوا الأخيار من أهل بيتي؛ سلط الله عليهم شرارهم، فيدعوا عند ذلك خيارهم فلا يستجاب لهم» ([802]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم عذاب الله» ([803]).
وقوله صلى الله عليه وآله: « إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» ([804]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات، وسلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء» ([805]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا! اتق الله ودع ما تصنع؛ فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل... الآيات. ثم قال: كلا والله، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً» ([806]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « إن الأحبار من اليهود والرهبأن من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم، ثم عموا بالبلاء» ([807]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن الله عليكم العجم فليضربن رقابكم، وليكونن أشداء لا يفرون» ([808]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها، وترد عنهم العذاب والنقمة، ما لم يستخفوا بحقها. قالوا: يا رسول الله! وما الاستخفاف بحقها؟ قال: يظهر العمل بمعاصي الله، فلا ينكر ولا يغير» ([809]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « لا يحقرن أحدكم نفسه، قالوا: يا رسول الله! وكيف يحقر أحدنا نفسه؟! قال: يرى أن عليه مقالاً، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى» ([810]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « لا أعرفن رجلاً منكم علم علما فكتمه فرقاً من الناس» ([811]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم، فقد تودع منهم» ([812]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول الحق إذا رآه أو سمعه» ([813]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول الحق إذا رآه أن يذكر تعظيم الله، فإنه لا يقرب من أجل ولا يبعد من رزق» ([814]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « أوحى الله إلى أيوب عليه السلام: هل تدري ما ذنبك إلي حين أصابك البلاء؟ قال: لا، قال: إنك دخلت إلى فرعون فداهنت في كلمتين» ([815]).
وقوله صلى الله صلى الله عليه وآله وسلم: « تقربوا إلى الله تعالى ببغض أهل المعاصي، والقوهم بوجوه مكفهرة، والتمسوا رضا الله بسخطهم، وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم» ([816]).
وعن أمير المؤمنين علي رضي الله قال: « إن الله سبحانه لم يلعن القرون الماضية بين أيديكم إلا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلعن الله السفهاء لركوب المعاصي، والحلماء لترك التناهي» ([817]).
وعنه - أيضاً - رضي الله عنه قال: « إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق، وأفضل من ذلك كله كلمة عدل عند إمام جائر. وفي رواية: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق، لكن يضاعفان الثواب ويعظمان الأجر، وأفضل منهما كلمة عدل عند إمام جائر» ([818]).
وقال رضي الله عنه: « من آثر رضى رب قادر فليتكلم بكلمة عدل عند سلطان جائر» ([819]).
وقال رضي الله عنه في وصيته للحسنين - عليهما السلام - عند الشهادة: « لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم» ([820]).
وقال رضي الله عنه لكميل بن زياد: « يا كميل! قل الحقعلى كل حال» ([821]).
وقال رضي الله عنه: « أدنى الإنكار أن تلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة». وفي رواية: « خير العمل أن تلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة» ([822]).
وقال: « لتحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم، ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهونه مما يدخل به علينا الأذى والعيب عند الناس أن تأتوه فتأنبوه وتعظوه، وتقولوا له قولا بليغا؟! فقلت له: إذاً لا يقبل منا ولا يطيعنا. قال: فقال: فإذا فاهجروه عند ذلك، واجتنبوا مجالسته» ([823]).
وقال رضي الله عنه: « من رأى منكراً يعمل به ومنكراً يدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكر بلسانه فقد أجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بسيفه لتكون حجة الله العليا، وكلمة الظالمين السفلى؛ فذلك الذي أصاب سبيل الهدى، وقام على الطريق، ونور في قلبه اليقين» ([824]).
وعن الإمام الحسين رضي الله عنه قال: « لا تحل لعين مؤمنة ترى الله يعصى فتطرف حتى يغيره» ([825]).
وقال رضي الله عنه: « أيها الناس! ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول؛ كان حقا على الله أن يدخله مدخله» ([826]).
وعن الباقر رحمه الله قال: « من مشى إلى سلطان جائر فأمره بتقوى الله ووعظه وخوفه، كان له مثل أجر الثقلين من الجن والإنس ومثل أعمالهم» ([827]).
وعن الصادق رحمه الله قال: « إذا رأى المنكر فلم ينكره وهو يقدر عليه فقد أحب أن يعصى الله، ومن أحب أن يعصى الله فقد بارز الله بالعداوة» ([828]).
وعنه - أيضاً - أنه قال لقوم من أصحابه: « إنه قد حق لي أن آخذ البريء منكم بالسقيم، وكيف لا يحق لي ذلك وأنتم يبلغكم عن الرجل منكم القبيح ولا تنكرون عليه ولا تهجرونه ولا تؤذونه حتى يتركه؟!» ([829]).
وقال: « ما أقر قوم بالمنكر بين أظهرهم لا يغيرونه إلا أوشك أن يعمهم الله عز وجل بعقاب من عنده» ([830]).
وقال لما سئل عن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأمة جميعاً: « لا. فقيل: ولم؟ فقال: إنما هو على القوي المطاع العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعفة الذين لا يهتدون سبيلاً إلى أي من أي يقول، إلى الحق أم إلى الباطل، والدليل على ذلك من كتاب الله قول الله عز وجل: (( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ....)) » ([831]).
وقال في قوله تعالى: (( كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ...)): « أما إنهم لم يكونوا يدخلون مداخلهم، ولا يجلسون مجالسهم، ولكن كانوا إذا لقوهم ضحكوا في وجوههم وأنسوا بهم» ([832]).
وقال: « إن الله عز وجل بعث ملكاً إلى أهل مدينة ليقلبها على أهلها، فلما انتهى إلى المدينة وجد رجلاً يدعو الله ويتضرع، فعاد إلى الله، فقال: يا رب! إني انتهيت إلى المدينة فوجدت عبدك فلاناً يدعوك ويتضرع إليك، فقال: امض لما أمرتك به؛ فإن هذا رجل لم يتمعر وجهه غيظاً لي قط » ([833]).
وقال: « من طلب رضى الله بسخط الناس كفاه الله أمور الناس، ومن طلب رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس» ([834]).
وعن أبي الحسن الماضي رضي الله عنه قال: « قل الحق وإن كان فيه هلاكك؛ فإن فيه نجاتك، ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك؛ فإن فيه هلاكك» ([835]).
الروايات الواردة في ذم الكذب:
وكذا فيما ورد في ذم الكذب، حيث تبين لنا أن الأسس التي بنى عليها القوم هذا المعتقد لم تصمد أمام التحقيق، فأخرجه عن المشروعية إلى الكذب.
يقول الله عز وجل: ((إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً)) [الكهف: 5].
ويقول: ((وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)) [الحج: 30].
ويقول: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)) [الزمر: 3].
ويقول: ((فإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)) [غافر: 28].
ويقول: ((وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ)) [الجاثية: 7].
ويقول: ((فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ)) [التوبة: 77].
ويقول: ((فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ..)) [الأنعام: 144].
ويقول: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أو قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ..)) [الأنعام: 93].
ويقول: ((وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ)) [النحل: 116].
ويقول: ((وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) [آل عمران: 78].
ويقول: ((وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ)) [الزمر: 60].
ويقول: ((إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ)) [النحل: 105].
أما الأحاديث والروايات في الباب من طرق الشيعة فلا يمكن حصرها، ولعلنا نسرد بعضها سرداً دون ذكر مصادرها لشهرتها، فمن ذلك:
- كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق وأنت به كاذب.
- لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل، انظروا إلى صدق الحديث وأداء الامانة. وفي رواية: لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده؛ فإن ذلك شيء قد اعتاده، ولو تركه استوحش لذلك، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته.
- من علامات المؤمن الصدق عند الخوف.
- ينبغي للرجل المسلم ان يتجنب موآخاة الكذاب؛ فإنه يكذب حتى يجيء بالصدق فلا يصدق.
- لا يصلح من الكذب جد ولا هزل، ولا يَعِدْ أحدكم صبيه ثم لا يفي له، ان الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال أحدكم يكذب حتى يقال: كذب وفجر، وما يزال أحدكم يكذب حتى لا يبقى في قلبه موضع إبرة صدق، فيسمى عند الله كذاباً.
- إن أول من يُكَذِّب الكذابَ الله عز وجل، ثم الملكان اللذان معه، ثم هو يعلم أنه كاذب.
- شر الرواية رواية الكذب.
- يا علي! أنهاك عن ثلاث خصال عظام: الحسد والحرص والكذب.
- عليكم بصدق الحديث وأداء الامانة إلى البر والفاجر.
- تعلموا الصدق قبل الحديث.
- شر القول الكذب.
- أعظم الخطايا اللسان الكذوب.
- أعظم الخطايا عند الله اللسان الكذوب.
- علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك.
- إياكم والكذب؛ فإنه مع الفجور، وهما في النار.
- إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه.
- أربى الربا الكذب.
- إذا كذب العبد تباعد الملك عنه ميلاً من نتن ما جاء به.
- إن الكذب باب من أبواب النفاق.
- إن فيمن ينتحل هذا الأمر لمن يكذب حتى يحتاج الشيطان إلى كذبه.
- الكذب شين الأخلاق.
- تحفظوا من الكذب؛ فإنه من أدنى الأخلاق قدراً، وهو نوع من الفحش وضرب من الدناءة.
- أقبح شيء الإفك.
- أقبح الخلائق الكذب.
- شر الأخلاق الكذب والنفاق.
- شر الشيم الكذب.
- لا شيمة أقبح من الكذب.
- لا سوء أسوأ من الكذب.
- وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل: أيكون المؤمن جباناً؟ فقال: نعم، قيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟! قال: نعم، قيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟! قال: لا. وفي رواية أنه سأله أبو الدرداء: هل يسرق المؤمن؟! فقال: قد يكون ذلك، قال: فهل يزني المؤمن؟! قال: بلى وإن كره أبو الدرداء، قال: هل يكذب المؤمن؟ قال: إنما يفتري الكذب من لا يؤمن، إن العبد يزل الزلة ثم يرجع إلى ربه فيتوب فيتوب الله عليه.
- وعن الإمام الصادق رحمه الله أنه سأله الحسن بن محبوب: أيكون المؤمن بخيلا؟! قال: نعم، قلت: فيكون جباناً؟ قال: نعم، قلت: فيكون كذاباً؟ قال: لا، ولا خائناً، ثم قال: يجبل المؤمن على كل طبيعة إلا الخيانة والكذب.
- إياكم والكذب؛ فإن الكذب مجانب للإيمان.
- جانبوا الكذب؛ فإنه مجانب للإيمان.
- الصادق على شفا منجاة وكرامة، والكاذب على شرف مهواة ومهانة.
- إن الكذب هو خراب الإيمان.
- كثرة الكذب تذهب بالبهاء.
- وعنه صلى الله عليه وآله أنه (سأله رجل عن عمل الجنة: فقال: الصدق، إذا صدق العبد بر، وإذا بر آمن، وإذا آمن دخل الجنة. قال: يا رسول الله! وما عمل النار؟ قال: الكذب، إذا كذب العبد فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل النار.
- إن الله عز وجل جعل للشر أقفالاً، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب شر من الشراب.
- حطت الخبائث في بيت وجعل مفتاحه الكذب. وفي رواية: جعلت الخبائث كلها في بيت وجعل مفاتيحها الكذب.
- إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار.
- أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى الجنة، لمن ترك المراء وإن كان محقا، ولمن ترك الكذب وإن كان هازلا، ولمن حسن خلقه.
- لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده.
- إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا أن يعد الرجل ابنه ثم لا ينجز له، إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار.
- لا يصلح من الكذب جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيه ثم لا يفي له، إن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار.
- اتقوا الكذب الصغير منه والكبير، في كل جد وهزل؛ فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير.
- لا يكذب الكاذب إلا من مهانة نفسه عليه.
- علة الكذب أقبح علة.
- الكاذب مهان ذليل.
- الكاذب على شفا مهواة ومهانة.
- ما يزال أحدكم يكذب حتى لا يبقى في قلبه موضع إبرة صدق، فيسمى عند الله كذابا.
- ما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كذابا.
- ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا.
- لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب فتنكت في قلبه نكتة حتى يسود قلبه، فيكتب عند الله من الكاذبين.
- لا خير في علم الكذابين.
- ثمرة الكذب المهانة في الدنيا والعذاب في الآخرة.
- إن الكذب يسود الوجه.
- لا تكذب فيذهب بهاؤك.
- كثرة كذب المرء تذهب بهاءه.
- من كثر كذبه ذهب بهاؤه.
- كثرة الكذب تفسد الدين وتعظم الوزر.
- عاقبة الكذب الندم.
- الكذب فساد كل شئ.
- الكذب في العاجلة عار، وفي الآجلة عذاب النار.
- الكذب يؤدي إلى النفاق.
- الكذب يوجب الوقيعة.
- أقل الناس مروءة من كان كاذباً.
- من كذب أفسد مروءته.
- لا يجتمع الكذب والمروءة.
- من عرف بالكذب قلت الثقة به، من تجنب الكذب صدقت أقواله.
- ليست لبخيل راحة، ولا لحسود لذة، ولا لملوك وفاء، ولا لكذاب مروءة.
- فساد البهاء الكذب.
- الكذاب والميت سواء، فإن فضيلة الحي على الميت الثقة به، فإذا لم يوثق بكلامه فقد بطلت حياته.
- الكذاب متهم في قوله وإن قويت حجته وصدقت لهجته.
- لا تستعن بكذاب، فإن الكذاب يقرب لك البعيد، ويبعد لك القريب.
- يكتسب الكاذب بكذبه ثلاثاً: سخط الله عليه، واستهانة الناس به، ومقت الملائكة له.
- أبعد الناس من الصلاح الكذوب، وذو الوجه الوقاح.
- إن الرجل ليكذب الكذبة فيحرم بها صلاة الليل.
- الكذب ينقص الرزق.
- اعتياد الكذب يورث الفقر.
- شر القول ما نقض بعضه بعضاً.
- إنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله.
- لأن يخطفني الطير أحب إلي من أن أقول على رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يقل.
- فوالله لئن أخر من السماء أو تخطفني الطير أحب إلي من أن أكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله.
- إن الله أحب اثنين وأبغض اثنين: أحب الخطر فيما بين الصفين، وأحب الكذب في الإصلاح، وأبغض الخطر في الطرقات، وأبغض الكذب في غير الإصلاح.
- إن الله عز وجل أحب الكذب في الصلاح، وأبغض الصدق في الفساد.
روايات في ذم ذي الوجهين واللسانين:
وكذلك ما جاء في باب ذم ذي اللسانين والوجهين، وهو عين تقية القوم، فقد أوردوا في ذلك روايات عدة تغني شهرتها عن ذكر مصادرها، منها:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن من شر الناس عند الله عز وجل يوم القيامة ذا الوجهين.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يجيء يوم القيامة ذو الوجهين دالعا لسانه في قفاه وآخر من قدامه يتلهبا نارا حتى يلهبا جسده، ثم يقال له هذا الذي كان في الدنيا ذا وجهين ولسانين، يعرف بذلك يوم القيامة).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار).
وقال الله تبارك وتعالى لعيسى بن مريم عليه السلام: يا عيسى! ليكن لسانك في السر والعلانية لساناً واحداً، وكذلك قلبك، إني أحذرك نفسك وكفى بي خبيراً، لا يصلحلسانان في فم واحد، ولا سيفان في غمد واحد، ولا قلبان في صدر واحد، وكذلكالأذهان.
وعن الباقر رحمه الله قال: بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه شاهدا ويأكله غائبا، إن أعطي حسده وإن ابتلي خذله.
وعنه - أيضاً - قال: بئس العبد عبداً همزة لمزة يقبل بوجه ويدبر بآخر.
وعن الصادق رحمه الله: من لقي المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان من نار.
وعنه - أيضاً - عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مدح أخاه المؤمن في وجهه واغتابه من ورائه فقد انقطع ما بينهما من العصمة.
فانظر إلى أقوال أئمة أهل البيت رحمهم الله، ثم انظر إلى عقيدة من أوهم غيره أو توهم أنَّه متبع لنهجهم، فكيف توفق بينها؟! ثم انظر هل تجد مكاناً للكذب مع التقية؟!

نقد عقيدة التقية عند الشيعة:
ثم إن القوم يرون أن التقية كانت حتى زمن الإمام زين العابدين رحمه الله، ثم زالت أيام الإمامين الباقر والصادق رحمهما الله، فأظهرا العلم وحثا أصحابهما على كتابته ونشره.
والمعلوم أن جل روايات التقية التي عليها بنيان المذهب كانت منهما - أي: الباقر والصادق - رحمهما الله كما رأيت.
يقول الطبرسي: فقد ظهر عن الباقر والصادق عليهما السلام - لما تمكنا من الإظهار وزالت عنهما التقية التي كانت على زين العابدين عليه السلام - من الفتاوى في الحلال والحرام، والمسائل والأحكام، وروى الناس عنهما من علوم الكلام، وتفسير القرآن، وقصص الأنبياء، والمغازي، والسير، وأخبار العرب وملوك الأمم ما سمي أبو جعفر عليه السلام لأجله باقر العلم، وروى عن الصادق عليه السلام في أبوابه من مشهوري أهل العلم أربعة آلاف إنسان، وصنف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب هي معروفة بكتب الأصول، رواها أصحابه وأصحاب أبيه من قبله، وأصحاب ابنه أبي الحسن موسى عليهم السلام، ولم يبق فن من فنون العلم إلا روي عنه عليه السلام فيه أبواب([836]).
ويقول اللواساني: وقد برز منه - أي: الباقر عليه السلام _ من أنواع العلوم في الفقه، والحكمة والكلام وغيرها ما ملأ الخافقين، ولذلك انتشرت جل الأحكام الشرعية - لو لم نقل كلها - منه عليه السلام ومن ابنه الصادق عليه السلام، وذلك لما صادف لهما في عصرهما من الفسحة عن التقية، من جهة اشتغال الفريقين المعاديين لأهل البيت - وهم بنو أمية وبنو العباس - بالحرب بينهم على الملك والسلطنة، ولذلك خص عليه السلام باللقب المذكور دون آبائه وأبنائه المعصومين، مع استوائهم في العلم والفضل وسائر المكارم، واشتراك جميعهم في النور والروح والطينة([837]).
يقول أحدهم في هذا الباب: إن بني أمية وبني العباس كانوا مشغولين بأنفسهم في المحاربة، وأوائل زمان الصادق عليه السلام - أيضاً - كان كذلك([838]).
ويقول آخر: ... لأن الأزمنة كانت أزمنة تقية وخوف، وكان تركهم لذلك - أي وجوب الجمعة -، ولما علم عليه السلام في خصوص هذا الزمان كسر سورة التقية؛ لأن دولة بني أمية زالت ودولة بني العباس لم تستقر بعد، فلذا أمره بفعلها([839]).
وقال آخر في سياق رفع التناقض في إحدى المسائل: أن أبا بصير كان قد سمع الباقر عليه السلام في عصره، وسمع الصادق عليه السلام في أوائل عهده يأمران بكل ذبائح أهل الكتاب، وحيث إن في تلك الفترة كان الوضع مواتياً للأئمة عليهم السلام أن يعلنوا عن الحقائق الدينية باعتبارها فترة ضعف بني أمية وانشغالهم عن مسائل الدين بأنفسهم، فلم يكن ذلك العهد عهد تقية أو خوف، بل عهد نشر العلم والإعلان (عن مر الحق) كما في بعض النصوص([840]).
ويروون عن الصادق رحمه الله قوله: « كان أبي يفتي في زمن بني أمية: أن ما قتل الباز والصقر فهو حلال، وكان يتقيهم، وأنا لا أتقيهم، فهو حرام ما قتل، وقال: كان أبي يفتي وكنا نحن نفتي ونخاف في صيد البزاة والصقور، فأما الآن فإنا لا نخاف، ولا يحل صيدها» ([841]).
ويقول آخر: على أن بعض النصوص السابقة من الباقر (ع) الذي كانت التقية في زمانه في غاية الضعف.. إلى أن قال: ولذا ضعفت التقية في زمانه، مع أن بني أمية وبني العباس كان بعضهم مشغولاً ببعض([842]).
ثم بدأ التناقض كشأنهم في جل أقوالهم، فقالوا بكثرة وقوع التقية من الصادق عليه السلام، بخلاف الباقر عليه السلام([843]).
ثم ازدادت زمن الكاظم رحمه الله، يقول أحدهم: روايات الكاظم عليه السلام أقرب إلى التقية من روايات الباقر، بل الصادق عليهما السلام، فتحمل حينئذ على التقية([844]).
وقال: إن في زمن الكاظم عليه السلام كانت التقية في زمانه في غاية الشدة([845]).
وقال آخر: فيظهر منه أن روايته عن الكاظم عليه السلام كان تقية، ويؤيده نهاية شدة التقية في زمانه عليه السلام، ولذا قد كثر منه ما يوافق التقية([846]).
وجاء آخر وهو يتكلم عن علة عدم اشتهار كتاب فقه الرضا، فقال: ومن البعيد جداً أن تكون التقية مانعة من ظهور هذا الكتاب، لأن الإمام كان في عصر المأمون في حرية من نشر أفكاره نوعاً ما وخصوصاً في مناظراته مع علماء الأمصار، علما بأن قم كانت آنذاك منبع الشيعة، وفيها علماء عظام يظهرون رأيهم في كل صغيرة وكبيرة، فلا يعقل أن يكون إخفاؤه من باب التقية، فتأمل، بعكس عصر الأئمة الذين سبقوه في الدولة الأموية، وردحاً من زمان العباسيين([847]).
وقال آخر: فشتان ما بين عصر المأمون الذي يجيز مادحي أهل البيت، ويكرم العلويين، وبين عصر المتوكل الذي يقطع لسان ذاكرهم بفضيلة([848]).
ثم يجيء آخر ليقول: أكثر الأخبار المروية عن الرضا عليه السلام ظاهرة في التقية، لأنه - عليه السلام - كان في خراسان، وفي أكثر الأوقات كان في مجلسه جماعة من رؤسائهم كما هو الشائع من الآثار([849]).
فهذا ينكر أسباب التقية في زمن الباقر والصادق رحمهما الله لانشغال الأمويين والعباسيين بأنفسهم، وذلك يؤكده في زمانهما وزمان الكاظم، ويرفعه في زمن الرضا، ثم يأتي آخر ليؤكدها في زمن الرضا ليقول بأنها كانت في أهل بيته إلى أواخر زمان السابع من الأئمة كاظمهم عليه السلام، ثم اشتدت التقية في آخر زمانه وحيل بينهم بعد ذلك وبين الأمة بالحبس، أو ما يقوم مقامه من التقية الشديدة([850]).
واعلم أن علماء الشيعة الذي أسسوا بنيان التشيع ووضعوا قواعده كانوا في عز الدول الشيعية، وذلك مما يستحيل معه القول بالتقية، ويستفاد من كتب التاريخ أن حكام بني بويه استولوا على إيران وبغداد سنة (334هـ)، فمنحهم الخليفة المستكفي بالله العباسي الولاية على ما بأيديهم من إيران والعراق، وبقي ملكهم على العراق حتى سنة (447هـ) حين استولى عليها السلاجقة، ولما استولت الدولة البويهية على العراق وقبض ملوكها بأزمة الأمور - وهم شيعة إماميون إثنا عشريون - قوي أمر الشيعة، وتحرروا في شعائرهم الدينية ومراسيمهم المذهبية، وكانت الرئاسة الدينية للشيعة في ذلك العهد منتهية إلى الشيخ المفيد، وقد سعى زعماء هذه السلالة في نشر مذهب التشيع، وجاء في كتب التاريخ - أيضاً - أن بعض حكام بني بويه كانوا يقيمون مجالس المناظرة والاحتجاج بين علماء الأديان والمذاهب، ويتطرقون إلى بحث المسائل الأساسية التي أدت إلى اختلاف المسلمين وفرقتهم، وتأييد من يظهر على غيره بالدليل العقلي والنقلي، وتأييد من يكون الحق إلى جانبه، فعلى سبيل المثال يمكن الإشارة إلى مناظرات متعددة كانت للشيخ الصدوق في مجلس ركن الدولة، وما حظي به من ثناء من قبل ركن الدولة، وقد سعى معظم حكام بني بويه إلى أن يختاروا وزراءهم من العلماء ومن المؤالفين لمذهب التشيع بقدر الإمكان، فمن وزرائهم برز علماء كبار، مثل أبي الفضل محمد بن العميد وزير ركن الدولة، والصاحب بن عباد وزير مؤيد الدولة وفخر الدولة، وأبي علي ابن سينا وزير شمس الدولة، فقد حرص أكثر بني بويه - ولا سيما زعماء هذه السلالة - على إحياء عقائد الشيعة، ففي محرم من عام (352هـ) كان معز الدولة من جملة الخارجين في بغداد للعزاء والنوح على الحسين رضي الله عنه، واستمر الحال كذلك لسنوات طويلة كما نقل ابن كثير في البداية والنهاية، وأبو الفرج في المنتظم.
وفي الثامن عشر من شهر ذي الحجة للسنة نفسها (352هـ) أقاموا المهرجانات بشكل رسمي بمناسبة عيد غدير خم، واستمروا على ذلك سنين مديدة، وفي عام (363هـ-974م) أمر عضد الدولة بنصب لوح على تخت جمشيد خطت عليه أسماء الأئمة الإثني عشر مع عبارات السلام والتحيات عليهم، وجسد ميوله الشيعية من خلال بنائه لمرقد أمير المؤمنين الإمام علي رضي الله عنه في النجف، ومرقد الإمام الحسين رضي الله عنه في كربلاء، ولما توفي دفن إلى جوار مرقد الإمام علي رضي الله عنه.
ويعترفون بأن أهم ما كسبه الشيعة في عهد بني بويه هو التجاهر بمعتقداتهم دون اللجوء إلى التقية.
وفي هذه الحقبة اتخذ مذهب الدولة طابع التشيع دون الإعلان عن ذلك رسمياً، وقد استقطب ذوي العلم والفكر إليه، لا سيما التجار وكبار المسؤولين وعمال الدولة الذين كانوا يسكنون جانب الكرخ، وعمال دار الحكومة، بل حتى الذين يعملون في دار الخلافة.
ويقولون: إن عزيمة أقطاب هذه السلالة وحزمهم في الدعوة إلى الحق وتعلقهم بأهل البيت عليهم السلام وحسن سيرتهم مع الرعية وما رافق ذلك من همة عالية لكبار علماء الشيعة أمثال الشيخ الصدوق رحمه الله والشيخ المفيد رحمه الله، وما شهده ذلك العصر من مناظرات بين علماء المذاهب الإسلامية، كل ذلك يعد من مفاخر هذه السلالة، ففي ذلك العصر الذي اتسم بالحرية استطاع الشيخ الصدوق والشيخ المفيد وسائر العلماء توطيد أركان المذهب الشيعي والترويج له، فشق طريقه إلى سائر الأمصار الإسلامية بقوة.
وكذلك في زمن العلامة الحلي، فقد قالوا: إن العلماء استطاعوا أن يأخذوا حريتهم لنشر المعارف وترويجها، وذلك لوجود السلطان محمد خدابنده، الذي اختار مذهب الإمامية بفضل العلامة الحلي، وبعد ما استبصر هذا السلطان لم يرض بمفارقة العلامة، بل طلب منه أن يكون دائماً معه، وأسس له المدرسة السيارة ليكون هو وتلاميذه دائما معه، وفي عصر العلامة أرجعت الحلة إلى مكانتها العلمية، فصارت محورا رئيساً للعلم والعلماء، ومركزا للشيعة، وازدهر العلم في زمنه، وكثر العلماء في شتى العلوم، حتى نقل المولى الأفندي أنه كان في عصره في الحلة أربعمائة وأربعون مجتهداً، وهذا - وإن لم يرتضه سيد الأعيان - إلا أن الشيخ (آقا بزرك) قال في طبقاته (الحقائق الراهنة في المائة الثامنة): وأما تلاميذه فكثير ممن ترجمته في هذه المائة كانوا من تلاميذه والمجازين منه أو المعاصرين المستفيدين من علومه، فليرجع إلى تلك التراجم حتى يحصل الجزم بصدق ما قيل من أنه كان في عصره في الحلة أربعمائة مجتهد، ونقل السيد الصدر أنه تخرج من عالي مجلس تدريس العلامة خمسمائة مجتهد، ويؤيد هذا أنا لو تفحصنا في كتب التراجم لوجدنا أن جل علماء الشيعة كانوا في زمن العلامة ما بين القرن السابع والثامن، وهذه البرهة من الزمن بها تم تثبيت قواعد التشيع أكثر من سابقها([851]).
لذا فهم يقرون بعدم صدور أي كتاب من كتب الشيعة عبر التاريخ على سبيل التقية، يقول السبحاني: ولكن لا تجوز التقية مطلقاً في بيان معارف الدين وتعليم أحكام الإسلام، مثل أن يكتب عالم شيعي كتاباً على أساس التقية، ويذكر فيه عقائد فاسدة، وأحكاماً منحرفة على أنها عقائد الشيعة وأحكامهم، ولهذا فإننا نرى علماء الشيعة أظهروا في أشد الظروف والأحوال عقائدهم الحقة، ولم يحدث طيلة التاريخ الشيعي - ولا مرة واحدة - أن أقدم علماء الشيعة على تأليف رسالة أو كتاب على خلاف عقائد مذهبهم بحجة التقية، وبعبارة أخرى: أن يقولوا شيئاً في الظاهر، ويقولوا في الباطن شيئاً آخر، ولو أن أحداً فعل مثل هذا العمل وسلك مثل هذا المسلك أخرج من مجموعة الشيعة الإمامية([852]).
والمعلوم أن كثيراً من كتب الشيعة - خلافاً لما قاله السبحاني - قد وضعت على التقية، ككتاب التبيان للطوسي مثلاً، حيث قالوا: لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين؛ فإنك تراه اقتصر في تفسير الآيات على نقل كلام الحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن جريج والجبائي والزجاج وابن زيد وأمثالهم، ولم ينقل عن أحد من مفسري الإمامية، ولم يذكر خبراً عن أحد من الأئمة عليهم السلام إلا قليلاً في بعض المواضع لعله وافقه في نقله المخالفون، بل عد الأولين في الطبقة الأولى من المفسرين الذي حمدت طرائقهم ومدحت مذاهبهم، وهو بمكان من الغرابة لو لم يكن على وجه المماشاة، فمن المحتمل أن يكون هذا القول منه نحو ذلك، ومما يؤكد كون وضع هذا الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجليل علي بن طاوس في سعد السعود وهذا لفظه: نحن نذكر ما حكاه جدي أبو جعفر بن الحسن الطوسي في كتاب التبيان، وحملته التقية على الاقتصار عليه من تفصيل المكي من المدني والخلاف في أوقاته([853]).
وكذلك كتابيه (الاستبصار) و(التهذيب) حيث قالوا: إنه سلك في الكتابين مسلك العامة تقية واصطلاحاً ومماشاة لهم، حيث شنعوا على فضلاء الشيعة بأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد والاستنباط، وليس لهم قدرة على التفريع والاستدلال([854]).
وكتاب (كشف الغمة في معرفة الأئمة) للإربلي، حيث قالوا: كما فعل الإربلي على سبيل المثال في (كشف الغمة)، وقد ذكرنا أنه كان يستخدم التقية في كتابه([855]).
وغيرهما كثير فكيف يزعمون أنه لم يُصنَّف كتاب من قبل علمائهم على سبيل التقية؟!
أما نحن فنعلم لأي شيء حملوا هذين الكتابين وغيرهما على التقية وناقضوا أنفسهم فيهما؛ فالأول أنكر التحريف في القرآن، والآخر ذكر العديد من روايات المدح في الصحابة، وكأن الأصل في الاعتقاد هو القول بالتحريف والطعن في الصحابة رضي الله عنهم، وسيأتي تفصيل أكثر لهذا، فتأمل!
وقد أورد القوم ما يسقط ما نسب إليهما، حيث ذكروا عن الصادق أنه قال: إن الله أنزل وصيته من السماء على محمد كتاباً وعليها خواتيم لكل إمام، وكان فيما يخص خاتم زين العابدين أن: اصمت واطرق لما حجب العلم، فلما توفي ومضى دفعه إلى محمد بن علي عليهما السلام، ففتح الخاتم الخامس فوجد فيها أن: فسر كتاب الله تعالى، وصدق أباك، وورث ابنك، واصطنع الأمة، وقم بحق الله، وقل الحق في الخوف والأمن، ولا تخش إلا الله. ففعل، وفي رواية: أن خاتم زين العابدين فيه: أن اطرق والزم منزلك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. ففعل، ثم دفعه إلى الباقر، ففك خاتماً فوجد فيه أن: حدث الناس وأفتهم، ولا تخافن إلا الله عز وجل؛ فإنه لا سبيل لأحد عليك ففعل، ثم دفعه إلى ابنه الصادق ففك خاتما فوجد فيه حدث الناس وأفتهم، وانشر علوم أهل بيتك، وصدق آباءك الصالحين، ولا تخافن إلا اللهعز وجل، وأنت في حرز وأمان، ففعل([856]).
فانظر كيف توفق بينهما، ثم أضف إلى ذلك أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأن ذلك إليهم كما يعتقد القوم، وعقدوا لذلك أبواباً مستقلة من مصنفاتهم، كباب: (أن الأئمة عليهم السلام يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا بإختيار منهم)، و(باب في الأئمة أنهم يعرفون متى يموتون ويعلمون ذلك قبل أن يأتيهم الموت)، ولا بأس بذكر بعض روايات هذه الأبواب:
فعن الصادق أنه قال: « أي إمام لا يعلم ما يصيبه وإلى ما يصير فليس ذلك بحجة لله على خلقه».
وعن الباقر: « أنه أتى علي بن الحسين عليهما السلام ليلة قبض فيها بشراب فقال: يا أبت! اشرب هذا. فقال: يا بني! ان هذه الليلة التي أقبض فيها».
وعن الصادق قال: «قال أبي لي ذات يوم: إنما بقي من أجلي خمس سنين، فحسبت فما زاد ولا نقص» ([857]).
بل إن ذلك إلى آحاد أصحاب الأئمة كما يروي القوم، كحال رشيد الهجري الذي كان يلقى الرجل ويقول له: يا فلان بن فلان! تموت ميتة كذا، وانت - يا فلان - تقتل قتلة كذا، فيكون الأمر كما قال.
وعن إسحاق قال: سمعت العبد الصالح أبا الحسنعليه السلام ينعى إلى رجل نفسه، فقلت في نفسي: وإنه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته؟! فقال شبه الغضب: قد كان رشيد الهجري يعلم علم المنايا والبلايا، فالإمام أولى بذلك. وفي رواية: فأضمرت في نفسي كأنه يعلم آجال شيعته، قال: يا إسحاق! وما تنكرون من ذلك وقد كان رشيد الهجري مستضعفاً وكان يعلم علم المنايا والبلايا؟! فالإمام أولى بذلك. ثم قال: يا إسحاق تموت إلى سنتين([858]).
وأضف إلى ذلك ما دلت عليه هذه الرواية الاخيرة من علم الأئمة لضمائر العباد، وقد جعلوا لذلك وأمثاله أبواباً أيضاً، كباب: (أنهم يعرفون الإضمار وحديث النفس قبل أن يخبروا به)([859]).
وباب: (أنهم يخبرون شيعتهم بأفعالهم وسرهم وأفعال غيبهم وهم غيب عنهم)([860]).
وباب: (أنهم يعلمون من يأتي أبوابهم ويعلمون بمكانهم من قبل أن يستاذنوا عليهم)([861]).
وباب: (أنهم يعرفون آجال شيعتهم وسبب ما يصيبهم)([862]).
فكيف يتقي من كان هذا حاله وشأنه؟!
وما دمنا هنا بصدد ذكر ما ينافي القول بالتقية فإنا نورد في عجاله ما يفيد من أمثال هذه الأبواب، فمن ذلك:
باب: أنهم عرض عليهم ملكوت السموات والأرض، ويعلمون علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة([863]).
باب: أنهم يعرفون الناس بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق، وعندهم كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأسماء شيعتهم وأعدائهم، وأنه لا يزيلهم خبر مخبر عما يعلمون من أحوالهم([864]).
باب: أنه لا يحجب عنهم شيء من أحوال شيعتهم وما تحتاج إليه الأمة من جميع العلوم، وأنهم يعلمون مايصيبهم من البلايا ويصبرون عليها، ولو دعوا الله في دفعها لأجيبوا، وأنهم يعلمون ما في الضمائر وعلم البلايا وفصل الخطاب والمواليد([865]).
باب: أن عندهم الاسم الأعظم، وبه يظهر منهم الغرائب([866]).
باب: أنهم يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء([867]).
باب: أنهم سخر لهم السحاب ويسر لهم الأسباب([868]).
وغيرها من الأبواب.
وأنت ترى كيف أن هذه المعتقدات ينتقض بعضها بعضاً، كالباطل الذي يحطم بعضه بعضاً، فبحسب أي امرئ أن يملك أحدها حتى يكون أبعد ما يكون عن الأخذ بالتقية، فكيف بمن ملكها جميعاً،ناهيك عن أن يكون ممن نصبه الله علما لعباده.
والغريب أنهم يرون ذلك في ردهم على القول بأنه لو جازت التقية مع فقد أسباب التقية لم نأمن في أكثرها مما ظهر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون على سبيل التقية، قالوا: هذا باطل؛ لأنا قد بينا ان اسباب التقية كانت ظاهرة لم تكن مفقودة، فأما الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنما لم تجز التقية عليه لأن الشريعة لا تعرف إلا من جهته، ولا يوصل إليها إلا بقوله، فمتى جازتالتقية عليه لم يكن لنا إلى العلم بما كلفناه طريق([869]).
بينما يقول آخر: إن حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحكم الإمام سيان في التقية..([870]).
فهم يرون أن الإمامة - كالنبوة - لطف من الله عز وجل، فلا يجوز أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض الطاعة منصوب من الله تعالى، فقد رووا عن الصادق أنه قال: « إن الله لا يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان، فإذا زاد المؤمنونشيئاً ردهم وإذا نقصوا أكمله لهم فقال: خذوه كاملاً ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين أمرهم ولم يفرق بين الحق والباطل» ([871]).
وقوله: « .... ولا تبقى الأرض يوماً واحداً بغير إمام منا تفزع إليه الأمة» ([872]).
بل ولا ساعة، فعن الباقر: « لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله» ([873]).
و قوله: « لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت» ([874]).
بل ولا أقل من ذلك، حيث ذكروا أن الرضا سئل عن ذلك فقال: « لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها» ([875]).
وعن الصادق قال: « لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام، وإن آخر من يموت الإمام، لئلا يحتج أحدهم على الله عز وجل تركه بغير حجة» ([876]).
فشابه الأمر بذلك قولهم في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم آنف الذكر.
فأمام كل هذا الاضطراب في التقية الذي خلقه المندسون في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ووضعوا مذهب التشيع الذي ينتمي إليه جل الشيعة ونسبوه إلى الأئمة، حتى رووا في ذلك أن زرارة قال للباقر: « إن في حديث الشيعة ما هو أعجب من أحاديث بني إسرائيل، فقال: فأي شيء هو يا زرارة؟ قال: فاختلس في قلبي، فمكثت ساعة لا أذكره ما أريد، فقال: لعلك تريد التقية؟ قال: نعم، قال: صدق بها؛ فإنها حق» ([877]).
فأمام كل هذا الدسحسم أئمة أهل البيت ذلك بالدعوة إلى رد كل ما خالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
فعن الباقر قال: « كل من تعدى السنة رد إلى السنة. وفي رواية: من جهل السنة رد إلى السنة» ([878]).
وعن الصادق قال: «كل شيء مردود إلى كتاب الله والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف» ([879]).

دعوة الأئمة إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة عند تعارض الأخبار:
عن اليقطيني عن يونس بن عبد الرحمن: « أن بعض أصحابنا سأله وأنا حاضر فقال له: يا أبا محمد ما أشدك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على رد الحديث؟! فقال: حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة؛ فإن المغيرة بن سعيد - لعنه الله - دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنةنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السلام، ووجدت أصحاب أبي عبد الله عليه السلام متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم، فعرضتها بعد على أبي الحسن الرضا عليه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد الله عليه السلام، وقال لي: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله عليه السلام، لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنا إن تحدثنا حدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة، إنَّا عن الله وعن رسول الله نحدث، ولا نقول: قال فلان وفلان فيتناقض كلامنا، إن كلام آخرنا مثل كلام أولنا، وكلام أولنا مصداق لكلام آخرنا، وإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه وقولوا: أنت أعلم وما جئت به، فإن مع كل قول منا حقيقة وعليه نور، فما لا حقيقة معه ولانور عليه فذلك قول الشيطان»([880]).
وعن الصادق رحمه الله قال: « كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبيعليه السلام ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبيعليه السلام، ثم يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكل ما كان في كتب أبيعليه السلام من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم» ([881]).
وعن الفيض بن المختار أنه قال للصادق: « جعلني الله فداك، ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم؟! قال: وأي الاختلاف يا فيض؟ فقال له الفيض: إني لأجلس في حلقهم بالكوفة فأكاد أن أشك في اختلافهم في حديثهم حتى أرجع إلى المفضل بن عمر فيوقفني من ذلك على ما تستريح إليه نفسي ويطمئن إليه قلبي، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أجل، هو كما ذكرت يا فيض، إن الناس أولعوا بالكذب علينا، إن الله افترض عليهم لا يريد منهم غيره، وإني أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غير تأويله، وذلك أنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله، وإنما يطلبون الدنيا، وكل يحب أن يدعى رأساً، فإذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس - وأومأ بيده إلى رجل من أصحابه - فسألت أصحابنا عنه، فقالوا: زرارة بن أعين» ([882]).
ذكـر بعـض الرواة الكـذابـين والمـذمومـين عنـد الشيعـة:
والطريف أن هذه الرواية - وهي تؤكد وقوع الكذب على نطاق واسع على الأئمة - كل من ذكروا فيها هم من المذمومين أو المختلف فيهم، بدءاً براوي الحديث الفيض بن المختار الذي وردت في ذمه رواية([883]).
والمفضل بن عمر روى القوم عن الصادق قوله فيه: يا كافر يا مشرك. وجوز لعنه والبراءة منه، وذمه الرجاليون الشيعة ونعتوه بـ(فاسد المذهب)، (مضطرب الرواية)، (لا يعبأ به)، (ضعيف)، (متهافت)، (مرتفع القول)، (لا يجوز أن يكتب حديثه)، إلى آخر هذه الأوصاف([884]).
وعن الكشي عن الحماني أنه قال: قلت لشريك: إن أقواماً يزعمون أن جعفر بن محمد ضعيف الحديث؟! فقال: أخبرك القصة، كان جعفر بن محمد رجلاً صالحاً مسلماً ورعاً، فاكتنفه قوم جهال يدخلون عليه ويخرجون من عنده، ويقولون: حدثنا جعفر بن محمد، ويحدثون بأحاديث كلها منكرات كذب موضوعة على جعفر ليستأكلوا الناس بذلك ويأخذوا منهم الدراهم، فكانوا يأتون من ذلك بكل منكر، وسمعت العوام بذلك منهم، فمنهم من هلك ومنهم من أنكر، وهؤلاء مثل المفضل بن عمر وبنان وعمرو النبطي وغيرهم([885]).
وآخرهم هو زرارة بن أعين الذي قال فيه الصادق - كما يروي القوم -: زرارة شر من اليهود والنصارى ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة. وقال: لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة. وغيرها من روايات ذامة([886]).
ومرويات زرارة عند القوم بلغت ألفين وأربعاً وتسعين رواية، فليس بمستغرب - إذاً - أن يعترف القوم بأن جل رواتهم ورد فيهم الذم من الأئمة([887]).
عقيدة أئمة أهل البيت رحمهم الله هي عين عقيدة أهل السنة:
فبهذا تتكشف لك حقيقة هامة، وهي أن الأئمة رحمهم الله - وقد هالهم كثرة الكذب عليهم - قد دعوا إلى الأخذ بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن تعرض أقوالهم على هذين المصدرين، وهذا عين عقيدة أهل السُنة والجماعة.
فمرويات الصحابة رضوان الله عليهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي أحالنا إليها الأئمة هي مصدر التشريع الثاني.
ولا يسعف القوم حمل هذا القول على روايات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقط، حيث رووا عن الصادق أنه قال: « ما جاء به علي عليه السلام آخذ به، وما نهى عنه أنتهي عنه» ([888]).
ذلك أن رواياته رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تتجاوز الستمائة حديث، ولم يصح منها - على قول بعض أهل العلم - سوى ما يقرب من خمسين حديثاً، فلن تكون هذه هي السُنة بأكملها.
أما الذين أسسوا مذهب التشيع لآل البيت وقالوا بأن القرآن محرف ومبدل لا يمكن الاعتماد عليه، والسنة مردودة بارتداد ناقليها؛ قد اختلقوا ديناً آخر ثم أيدوه بأمثال روايات المغيرة وأصحابه، وزرارة، وجابر بن يزيد الجعفي الذي روى وحده سبعين ألف حديث عن الباقر، مع قول الصادق - رحمه الله - فيه: « ما رأيته عند أبي قط إلا مرة واحدة، وما دخل علي قط» ([889]). إلى سائر من روى عنهم فبلغ عددهم الألوف المؤلفة، إذا علمت أن من روى عن الصادق فقط أربعة آلاف انسان ([890])، جلهم أخرجهم الصادق عن دائرة التوثيق بقوله، كما يروي القوم عن المفضل بن قيس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كم شيعتنا بالكوفة؟ قال: خمسون ألفاً. قال: والله لوددت أن يكون بالكوفة خمسة وعشرون رجلاً يعرفون أمرنا الذي نحن عليه ولا يقولون علينا إلا الحق([891]).
وهذاشأن أصحابه من أهل الكوفة التي روى القوم فيها: الكوفة جمجمة العرب، ورمح الله تبارك وتعالى، وكنز الإيمان. وعن الصادق: ما من البلدان أكثر محباً لنا من أهل الكوفة، لا سيما هذه العصابة، إن الله هداكم لأمر جهله الناس، فأحببتمونا وأبغضنا الناس، وتابعتمونا وخالفنا الناس، وصدقتمونا وكذبنا الناس، فأحياكم الله محيانا وأماتكم مماتنا، فأشهد على أبي أنه كان يقول: ما بين أحدكم وبين أن يرى ما تقر به عينه أو يغتبط إلا أن تبلغ نفسه هكذا - وأهوى بيده إلى حلقه. وقال: من كان له دار في الكوفة فليتمسك بها. وعن الحسن قال: لموضع الرجل في الكوفة أحب إلي من دار في المدينة([892]).
كما رووا عن الصادق قوله: « أما والله لو أني أجد منكم ثلاثة مؤمنين يكتمون حديثي ما استحللت أن أكتمهم حديثاً» ([893]).
وعن حمران بن أعين قال: « قلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك، ما أقلنا، لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها، قال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك؟! المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا ثلاثة» ([894]).
وعن أبي الحسن قال: « لو ميزت شيعتي لم أجدهم إلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد، ولو غربلتهم غربلة لم يبق منهم إلا ما كان لي، إنهم طالما اتكئوا على الأرائك فقالوا: نحن شيعة علي، إنما شيعة علي من صدق قوله وفعله» ([895]).
وعن سدير الصيرفي: « أن الصادق نظر إلى غلام يرعى جداء، فقال: والله - يا سدير - لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود. قال سدير: فعددتها فإذا هي سبعة عشر» ([896]).
لذا قال الرضا: « ليس كل من يقول بولايتنا مؤمناً» ([897]).
فانظر إلى هؤلاء الأربعة آلاف الذين اندسوا في مدرسة الصادق رحمه الله وحده، وألوف غيرهم في حلقات بقية الأئمة، وأي جرم أحاقوه بفقه أهل البيت عليهم السلام؟!
وقد اعترف القوم بهذا، فيقول أحدهم: وكان من أخطر الدخلاء على التشيع جماعة تظاهروا بالولاء لأهل البيت واندسوا بين الرواة وأصحاب الأئمة عليهم السلام مدة طويلة من الزمن استطاعوا خلالها أن يتقربوا من الإمامين الباقر والصادق، واطمأن إليهم جمع من الرواة، فوضعوا مجموعة كبيرة من الأحاديث ودسوها بين أحاديث الأئمة وفي أصول كتب الحديث، كما تشير إلى ذلك بعض الروايات، وقد اشتهر من هؤلاء محمد بن مقلاص الأسدي، والمغيرة بن سعيد، ويزيع بن موسى الحائك، وبشار الشعيري، ومعمر بن خيثم، والسري، وحمزة اليزيدي، وصائد النهدي، وبيان بن سمعان التميمي، والحرث الشامي، وعبد الله بن الحرث، وغير هؤلاء ممن لا يسعنا استقصاؤهم.
وتؤكد المرويات الصحيحة عن الإمام الصادق عليه السلام وغيره من الأئمة أن المغيرة بن سعيد وبياناً وصائداً النهدي وعمر النبطي والمفضل وغيرهم من المنحرفين عن التشيع والمندسين في صفوف الشيعة وضعوا بين المرويات عن الأئمة عدداً كبيراً في مختلف المواضيع.
وجاء عن المغيرة أنه قال: وضعت في أخبار جعفر بن محمد اثني عشر ألف حديث، وظل هو وأتباعه زمناً طويلاً بين صفوف الشيعة يترددون معهم إلى مجلس الأئمة عليهم السلام، ولم ينكشف حالهم إلا بعد أن امتلأت أصول كتب الحديث الأولى بمروياتهم([898]).
ويقول في هذا: وبعد التتبع في الأحاديث المنتشرة في مجاميع الحديث - كالكافي والوافي وغيرهما - نجد أن الغلاة والحاقدين على الأئمة والهداة لم يتركوا باباً من الأبواب إلا دخلوا منه لإفساد أحاديث الأئمة والإساءة إلى سمعتهم، وبالتالي رجعوا إلى القرآن الكريم لينفثوا عن طريقه سمومهم ودسائسهم؛ لأنه الكلام الوحيد الذي يحتمل ما لا يحتمله غيره، ففسروا مئات الآيات بما يريدون، وألصقوها بالأئمة الهداة زوراً وتضليلاً، وألف علي بن حسان وعمه عبد الرحمن بن كثير وعلي بن أبي حمزة البطائيني كتباً في التفسير كلها تخريف وتضليل لا تنسجم مع أسلوب القرآن وبلاغته وأهدافه، وليس بغريب على من ينتحل البدع أن يكون في مستوى المخرفين والمهوشين، إنما الغريب أن يأتي شيخ المحدثين بعد جهاد طويل بلغ عشرين عاماً في البحث والتنقيب عن الحديث الصحيح فيحشد في كتابه تلك المرويات الكثيرة، في حين أن عيوبها متناً وسنداً ليست خفية بنحو تخفى على من هو أقل منه علماً وخبرةً بأحوال الرواة([899]).
وقال: وقد أحصى المجلسي في كتابه (مرآة العقول) أكثر من ثلثي مرويات الكافي من النوع الذي لا يجوز الاعتماد عليه إذا لم يكن مدعوما ببعض القرائن التي ترجح صدروه عن الأئمة بعد التحقيق الذي أجراه في أسانيدها مع العلم أن الكافي من أوثق الكتب الأربعة([900]).
وقال: وكم كنت أتمنى أن يقيض الله سبحانه من يعلق على الطبعة الحديثة ويضع إشارة على كل رواية لم يستوف شروطها([901]).
أقول: ومن يجرؤ على ذلك؟! ولعل صاحبنا نسي أو تناسى موقف قومه من العلامة الحلي، وهو أول من قام من الشيعة بهذا العمل، حيث تعرض لأسانيد روايات الشيعة بالدراسة والتخريج، وكان من نتائج ذلك أن سقط ثلثا روايات الكافي، فتعرض لهجوم عنيف من طائفته بسبب ما قام به، حتى قالوا فيه: هُدم الدين مرتين: إحداهما يوم السقيفة، ويوم أحدث العلامة الحلي الاصطلاح الجديد في الأخبار. أو قول البعض: وثانيهما يوم ولد العلامة الحلي..([902]).
ولا شك في أن قولهم هذا في الحلي صحيح باعتبار أن ما قام به يعد هدماً لدين الإمامية([903]).
وقد انقسم القوم بعد ذلك إلى طائفتين: أخبارية وأصولية على ما نراهم اليوم، والأخبارية هم الذين لا يرون الأدلة الشرعية إلا الكتاب والحديث، وكل ما نقل عن الأئمه فهو حديث عندهم، وهو حجة؛ لأنه نقل عن معصومين، وما نقل عنهم فهو حجة على اليقين، ولا ينظر إلى هذا الحديث ما منزلته وشأنه ما دام قد وجد في الأصول الأربعة([904]).
والأصولية هم الذين يلجئون في مقام استنباط الأحكام الشرعية إلى الأدلة الأربعة من الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل([905]).
وقد شنع كل فريق منهم على الآخر وحمل عليه، ووضع للرد عليه مصنفات، واتهمه بالخروج عن التشيع الصحيح، حتى بلغ بهم الأمر - كما قال الطالقاني -: إلى أن أوغل الأخباريون في الازدراء بالأصوليين إلى درجة عجيبة، حتى إننا سمعنا من مشايخنا والأعلام وأهل الخبرة والاطلاع على أحوال العلماء أن بعض فضلائهم كان لا يلمس مؤلفات الأصوليين بيده تحاشياً من نجاستها، وإنما يقبضها منوراء ملابسه([906]).
وأفتى بعضهم بعدم جواز الصلاة خلف البعض الآخر([907]).
ولما اتسعت دائرة الخلافات بينهما حتى افتضح أمرهما عند محالفيهم، ظهرت أصوات تنادي بغلق هذا الباب، كما قال شيخ الأخباريين يوسف البحراني: إن الذي ظهر لنا بعد اعطاء التأمل حقه في المقام وإمعان النظر في كلام علمائنا الأعلام هو الإغماض عن هذا الباب، وإرخاء الستر دونه والحجاب([908])... إلى آخر ذلك.
والحال أن الأمر فيه طول قد يخرجنا عما نحن فيه، وإنما مقصودنا بيان هول الاضطراب الذي وقع - أو أوقع القوم أنفسهم فيه - حتى حملوا كل ما يؤدي إلى إسقاط رواياتهم باعتبار الذم الوارد في ناقيليها على التقية، كقول الصادق رحمه الله: لعن الله بريداً، ولعن الله زرارة. وقوله: لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة ثلاث مرات.
 وقوله: ما أحدث أحد في الإسلام ما أحدث زرارة من البدع، عليه لعنة الله. وقوله لبعض أصحابه: متى عهدك بزرارة؟ قال: ما رأيته منذ أيام قال: لا تبال وإن مرض فلا تعده، وإن مات فلا تشهد جنازته. قال: قلت: زرارة متعجبا مما قال. قال: نعم، زرارة شر من اليهود والنصارى ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة. وقوله: إن قوماً يعارون الايمان عارية ثم يسلبونه، يقال لهم يوم القيمة: (المعارون)، أما ان زرارة بن أعين منهم. وقوله في جارية مرت في جانب الدار على عنقها قمقم قد نكسته: فما ذنبي أن الله قد نكس قلب زرارة كما نكست هذه الجارية هذا القمقم. وقوله وقد استأذن زرارة بن أعين وأبو الجارود للدخول عليه: يا غلام! أدخلهما؛ فإنهما عجلا المحيا وعجلا الممات. وقوله وقد قيل له: إن زرارة يدعى أنه آخذ عنك الاستطاعة، فقال لهم: عفواً كيف أصنع بهم، وهذا المرادي بين يدي وقد أريته وهو أعمى بين السماء والأرض فشك فأضمر أني ساحر، فقلت: اللهم لو لم تكن جهنم الا أسكرجة لوسعها آل أعين بن سنسن. قيل: فحمران؟ قال: حمران ليس منهم. وقوله لعبد الرحيم القصير: ائت زرارة وبريداً فقل لهما: ما هذه البدعة التي ابتدعتماها؟ أما علمتما أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كل بدعة ضلالة؟! قلت له: إنى أخاف منهما، فأرسل معي ليثاً المرادي، فأتينا زرارة فقلنا له ما قال أبو عبد الله (ع) فقال: والله لقد أعطاني الاستطاعة وما شعر، فأما بريد فقال: لا والله لا أرجع عنهما أبداً. وقوله: (ليس من ديني ولا من دين آبائي)؟ قال: إنما أعني بذلك قول زرارة وأشباهه. وقول ابن مسكان: سمعت زرارة يقول: رحم الله أبا جعفر عليه السلام، وأما جعفر عليه السلام فإن في قلبي عليه لفتة، فقلت له: وما حمل زرارة على هذا؟ قال: حمله على هذا أن أبا عبد الله عليه السلام أخرج مخازيه. وغيرها كثير([909]).
فقد حملوا أمثال هذه الروايات على أنها وردت عن الأئمة على سبيل التقية صيانة وستراً لهم، حيث قد اشتهروا بين الشيعة وغيرهم باختصاصهم بآل محمد عليهم السلام وبعظم منزلتهم عندهم، فخافوا عليهم القتل فأبدوا فيهم اللعن والشتم صيانة وسترا لهم حيث عرفوا أنهم يحبهونهم ويقربونهم([910]).
وكان الأولى بهم أن يسقطوا رواياتهم التي أساءت إلى مدرسة آل البيت رحمهم الله وعلومهم.
والغريب أنهم يقرون هذا في موطن وينفونه في آخر، كقولهم عن الصادق رحمه الله: إن سعيد بن جبير كان يأتم بعلي بن الحسين، وكان علي عليه السلام يثني عليه، وما كان سبب قتل الحجاج له إلا على هذا الأمر، وكان مستقيماً([911]).
فهل يريدون بقولهم هذا أن زين العابدين رحمه الله هو الذي قتل سعيد بن جبير رحمه الله وهو من هو في الفضل والعلم، حتى قال فيه الإمام ابن حنبل رحمه الله: قَتل الحجاج سعيد بن جبير وما على وجه الارض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. لأنه شهّر به ولم يذمه كما فعل الصادق رحمه الله مع زرارة.
وأعجب من هذا كله أن الإمام زين العابدين رحمه الله نفسه لم يكن هدف الولاة، بل كان ذا حضوة ومنزلة عظيمة عندهم، فعن الزهري قال: دخلت مع علي بن الحسين عليه السلام على عبد الملك بن مروان - وكان الحجاج واليه على العراق - قال: فاستعظم عبد الملك ما رأى من أثر السجود بين عيني علي بن الحسين، فقال: يا أبا محمد! لقد بين عليك الاجتهاد، ولقد سبق لك من الله الحسنى، وأنت بضعة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قريب النسب، وكيد السبب، وإنك لذو فضل على أهل بيتك، وذوي عصرك، ولقد أوتيت من الفضل والعلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثلك ولا قبلك، إلا من مضى من سلفك. وأقبل عبد الملك يثني عليه ويقرظه، قال: فقال علي بن الحسين: «كل ما ذكرته ووصفته من فضل الله سبحانه وتأييده وتوفيقه، فأين شكره على ما أنعم يا أمير المؤمنين؟ كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقف في الصلاة حتى تورم قدماه، ويظمأ في الصيام حتى يعصب فوه، فقيل له: يا رسول الله! ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: أفلا أكون عبداً شكوراً. الحمد لله على ما أولى وأبلى، وله الحمد في الآخرة والأولى، والله لو تقطعت أعضائي، وسالت مقلتاي على صدري، لن أقوم لله عز وجل بشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه التي لا يحصيها العادون، ولا يبلغ حد نعمة منها علي جميع حمد الحامدين، لا والله، أو يراني الله لا يشغلني شيء عن شكره وذكره في ليل ولا نهار، ولا سر ولا علانية، ولولا أن لأهلي علي حقا، ولسائر الناس من خاصهم وعامهم علي حقوقا لا يسعني إلا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أؤديها إليهم؛ لرميت بطرفي إلى السماء، وبقلبي إلى الله، ثم لم أردهما حتى يقضي الله على نفسي وهو خير الحاكمين، وبكى عليه السلام، وبكى عبد الملك وقال: شتان بين عبد طلب الآخرة وسعى لها سعيها، وبين من طلب الدنيا من أين أجابته ماله في الآخرة من خلاق. ثم أقبل يسأله عن حاجاته، وعما قصد له، فشفعه فيمن شفع، ووصله بمال([912]).
وبهذا يتأكد عندك ما أسلفنا ذكره من أن الذين أرادو الكيد للشيعة صرفوا كل ما من شأنه أن يعيدهم إلى إخوانهم في الدين بإسقاطهم هذا العدد الكبير من مرويات أهل البيت عليهم السلام التي توافق ما عليه سائر المسلمين، بينما كان الأولى هو اسقاط معتقد التقية الذي وضعه الزنادقة ونسبوه إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي بينا فساده، هذا من جانب، ورد مرويات الزنادقة الذين اندسوا في مدارس أهل البيت عليهم السلام من جانب آخر.
والروايات و الأقوال في الباب كثيرة، وهكذا نجد أن معالم الدين عند القوم قد ضاعت، وأن أحكامه قد ذهبت واندثرت حتى لم يبق في أيديهم من فقه آل البيت عليهم السلام الذي يدعون عملهم به، ويدعون الآخرين إلى التمسك به لشدة الاضطراب الواقع فيه حتى أقروا بذلك.
يقول المفيد: إن أحاديث الأحكام الواردة تقية لا يمكن أن ترد بطرق معروفة([913]).
والمعلوم أن جل روايات الشيعة إنما وردت على جهة التقية.

اعتراف بعض علماء الشيعة بضياع أكثر أحكام مذهب أهل البيت بسبب التقية:

يقول الشهيد الأول: فتاوى أهل البيت عليهم السلام مشحونة بالتقية، وهو أعظم أسباب اختلاف الأحاديث([914]).
ويقول يوسف البحراني: ان الكثير من أخبار الشيعة وردت على جهة التقية التي هي على خلاف الحكم الشرعي واقعاً([915]).
وقال في موضع آخر: فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل، لامتزاج أخباره بأخبار التقية، كما اعترف بذلك ثقة الإسلام وعلم الأعلام محمد بن يعقوب الكليني نور الله مرقده في جامعه الكافي، حتى إنه - قدس سره - تخطا العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الأخبار، والتجأ إلى مجرد الرد والتسليم للأئمة الأبرار([916]).
ويقول: إن جل الاختلاف الواقع في أخبارنا - بل كله - عند التأمل والتحقيق إنما نشأ من التقية، ومن هنا دخلت الشبهة على جمهور متأخرى أصحابنا رضوان الله عليهم، فظنوا أن هذا الاختلاف إنما نشأ من دس أخبار الكذب في أخبارنا، فوضعوا هذا الاصطلاح ليميزوا به صحيحها عن سقيمها وغثها من سمينها([917]).
ويقول السبحاني: عندما نطالع كتابي الوسائل والمستدرك مثلاً؛ نرى أنهما من باب من أبواب الفقه إلا وفيه اختلاف في رواياته، وهذا مما أدى إلى رجوع بعض ممن استبصروا عن مذهب الإمامية([918]).
ويقولون: إن جملة من الأخبار التي صدرت تقية عن أهل البيت عليهم السلام لم يصل إلينا إعلام منهم عليهم السلام بأنها كانت كذلك، وإن كان المقطوع به أنهم أعلموا المقربين إليهم بواقع الحال،لكنه لم يصل هذا الإعلام إلينا([919]).
وقبله صنف الحلي كتاباً في الاختلاف قال في مقدمته: أما بعد: فإني لما وقفت على كتب أصحابنا المتقدمين رضوان الله عليهم ومقالات علمائنا السابقين في علم الفقه وجدت بينهم خلافاً في مسائل كثيرة متعددة، ومطالب عظيمة متبددة، فأحببت إيراد تلك المسائل في دستور يحتوي لى ما وصل إلينا من اختلافهم في الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية دون ما اتفقوا عليه؛ إذ جعلنا ذلك موكولا إلى كتابنا الكبير المسمى بـ«منتهى المطلب في تحقيق المذهب»، فإنه جمع بين مسائل الخلاف والوفاق([920]).
والكتاب دورة فقهية استدلالية من الطهارة إلى الديات، ومن مزاياه أنه حفظ آثار علماء الشيعة السابقين أمثال: ابن الجنيد، وابن أبي عقيل، والصدوق الأول وغيرهم، ولولاه لاندثرت آثارهم، وقد شرع في تأليفه قبل سنة (699هـ)، وانتهى منه في الخامس عشر من ذي القعدة في ثمان وسبعمائة، أي: قبل وفاته بثمان عشرة سنة، ومن فوائد هذا الكتاب العلم بالمسائل الخلافية وتميزها عن المجمع عليها، فربما يدعى الإجماع في مسألة ولها مخالف أو مخالفان يعلم من الرجوع إلى ذلك الكتاب([921]).
والقول قديم في هذه المسألة عند الشيعة، فهذا الفيض الكاشاني يقول: تراهم يختلفون في المسألة الواحدة إلى عشرين قولاً، أو ثلاثين قولاً، أو أزيد، بل لوشئت أقول لم تبق مسألة فرعية لم يختلفوا فيها أو في بعض متعلقاتها([922]).
ويقول الشاخوري: لو نظرنا إلى فتاوى علمائنا المعاصرين فسوف نجد أنهم كلهم خارجون عند ائرة المذهب الشيعي، وخذ مثالاً على ذلك، فالمقارنة بين كتاب الشيخ الصدوق (الهداية) أو الشيخ المفيد في الفقه (المقنعة) وكتاب (منهاج الصالحين) للسيد الخوئي،حيث ستجد أن هناك عشرات المسائل التي خالف فيها السيد الخوئي مشهور القدامى، ولو أن الشيخ الصدوق قد قدر له مطالعة كتاب المسائل المنتخبة للسيد الخوئي لأصيبب الدهشة... إلى أن قال: ولو أردنا أن نستوعب ماخالف فيه السيد الخوئي المشهور أو الإجماع لبلغ بنا الرقم إلى مئتين أو ثلاثمائة فتوى، وهكذاحال الخميني والحكيم و غيرهما من المراجع.
وسوفي صدر لنا قريباً كتاب خاص عددنا فيه لأبرز مراجع الشيعة من الشيخ الصدوق، والمفيد، مروراً بالعلامة الحلي، وانتهاء بالسيد الخوئي، والسيد السيستاني وغيرهم العشرات من الفتاوى الشاذة لكل واحد منهم.
وقال: إن مخالفة المشهور كثيرة جداً، خاصة بعدما شاعت عادة تغليف الفتاوى بالاحتياطاتا لوجوبية([923]).
بل إن هذه المسألة كانت سبباً في خروج الكثير من التشيع كما نقلنا آنفا عن جعفر السبحاني.
وهذا آخر يقول: إن دأب شيخ الطائفة في التهذيبين الجميع بين الأحاديث المختلفة مهما أمكن، لدفع شبهة كثرة التعارض في أحاديث أهل البيت التي أدت بأحد الأشراف إلى الخروج من المذهب كما صرح بذلك في مقدمة الكتابين([924]).
وقول شيخ الطائفة الطوسي المذكور هو ماذكره في تهذيبه، حيث قال: إن أحاديث أصحابنا فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا... إلى أن قال: إن بسبب ذلك رجع جماعة عن اعتقاد الحق، ومنهم أبو الحسين الهاروني العلوي، حيث كان يعتقد الحق ويدين بالإمامة، فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث وترك المذهب ودان بغيره([925]).
وقال: ومن قال عند ذلك: إني متى عدمت شيئاً من القرائن حكمت بما كان يقتضيه العقل. يلزمه أن يترك أكثر الاخبار وأكثر الأحكام، ولا يحكم فيها بشيء ورد الشرع به، وهذا حد يرغب أهل العلم عنه، ومن صار إليه لا يحسن مكالمته؛ لأنه يكون معولا على ما يعلم ضرورة من الشرع خلافه، ومما يدل - أيضاً - على جواز العمل بهذه الأخبار التي أشرنا إليها ما ظهر بين الفرقة المحقة من الاختلاف الصادر عن العمل بها؛ فإني وجدتها مختلفة المذاهب في الأحكام، يفتي أحدهم بما لا يفتي به صاحبه في جميع أبواب الفقه من الطهارة إلى أبواب الديات من العبادات، والأحكام، والمعاملات، والفرائض، وغير ذلك، مثل اختلافهم في العدد والرؤية في الصوم، واختلافهم في أن التلفظ بثلاث تطليقات هل يقع واحدة أم لا، ومثل اختلافهم في باب الطهارة وفي مقدار الماء الذي لا ينجسه شيء، ونحو اختلافهم في حد الكر، ونحو اختلافهم في استئناف الماء الجديد لمسح الرأس والرجلين، واختلافهم في اعتبار أقصى مدة النفاس، واختلافهم في عدد فصول الأذان والإقامة وغير ذلك في سائر أبواب الفقه، حتى إن باباً منه لا يسلم إلا (وقد) وجدت العلماء من الطائفة مختلفة في مسائل منه أو مسألة متفاوتة الفتاوى، وقد ذكرت ما ورد عنهم عليهم السلام من الأحاديث المختلفة التي تختص الفقه في كتابي المعروف ب(الاستبصار) وفي كتاب (تهذيب الأحكام) ما يزيد على خمسة آلاف حديث، وذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها، وذلك أشهر من أن يخفى، حتى إنك لو تأملت اختلافهم في هذه الأحكام وجدته يزيد على اختلاف أبي حنيفة والشافعي ومالك، ووجدتهم مع هذا الاختلاف العظيم لم يقطع أحد منهم موالاة صاحبه، ولم ينته إلى تضليله وتفسيقه والبراءة من مخالفه، فلولا أن العمل بهذه الأخبار كان جائزاً لما جاز ذلك، وكان يكون من عمل بخبر عنده أنه صحيح يكون مخالفه مخطئاً مرتكباً للقبيح يستحق التفسيق بذلك، وفي تركهم ذلك والعدول عنه دليل على جواز العمل بما عملوا به من الأخبار، فان تجاسر متجاسر إلى أن يقول: كل مسألة مما اختلفوا فيه عليه دليل قاطع، ومن خالفه مخطئ فاسق يلزمه أن يفسق الطائفة بأجمعها، ويضلل الشيوخ المتقدمين كلهم، فإنه لا يمكن أن يدعى على أحد موافقته في جميع أحكام الشرع([926]).
والأمر كما قال شيخ الطائفة وغيره، ولا بد؛ لقوله تعالى: ((وَلَوْ كان من عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)) [النساء: 82].
وعن الصادق رحمه الله أنه قال: « إن مما أعان الله به على الكذابين: النسيان» ([927]).
فإنك لا تجد عند القوم مسألة لا تسلم من الاضطراب، ومن راجع مسائل القوم في جميع الأبواب فإنه لا بد من أن يجد قولان أو أكثر في المسألة الواحدة، وكلها منسوبة إلى الأئمة، بل وإلى الإمام نفسه، حتى إنهم رووا عن الباقر أنه يتكلم على سبعين وجهاً([928]).
والمعلوم عند القوم أن الأخبار التي خرجت على طريق التقية لموافقتها لمذهب العامة لا يجب العمل بها([929]).
ولذا لا بد من الاجتهاد في معرفة الأحكام التي صدرت عن الأئمة دون تقية حتى يعمل بها، ودون ذلك خرط القتاد لمن تدبر، وقد اعترف القوم بذلك كما ذكرنا آنفاً عن المفيد الذي قال: إن أحاديث الأحكام الواردة تقية لا يمكن أن ترد بطرق معروفة. اهـ.
فواحد يرجح هذا القول ويسقط الآخر وآخر يرجح قول آخر ويسقط غيره، وآخر يرجح غيرهما ويسقط ما سواه، وكل هذا بحجة التقية.
 ومثال ذلك: نجاسة الخمر، فمن قال بنجاسته  - كشيخ الطائفة - حمل روايات الطهارة على التقية، ومن أفتى بالطهارة - كالصدوق ووالده والخوانساري والمحقق الأردبيلي وغيرهم - حملوا روايات النجاسة على التقية، وهكذا..
بل إن الواحد منهم يختار قولاً في كتاب له ويخالفه في كتاب آخر، وقد أدت هذه الحقيقة بدورها إلى بروز ظاهرة المرجعية عند الشيعة وما صاحبها من سلبيات ومساوئ إلى يومنا هذا ليس هذا الكتاب محل بيانها.
هذا فضلاً عن القول بعدم وصول الكثير من فقه أهل البيت رحمهم الله بذات العذر، أي: التقية، كما قال الفيض الكاشاني: ولعله مما برز وظهر لم يصل إلينا الأكثر؛ لأن رواته كانوا في محنة من التقية وشدة([930]).
وقد فوّت علماء الشيعية الكثير من الخير على أتباعهم بسبب هذا المعتقد، إذ أبعدوا طائفتهم عن سائر المسلمين بسبب حملهم كل ما وافق قول أهل السُنة والجماعة من أقوال الأئمة رحمهم الله على التقية، فيترتب عليه عدم جواز العمل به، كما فعل شيخ الطائفة الطوسي مثلاً في مصنفاته، حتى أثار بمبالغاته في حمل الروايات على التقية دون توافر أسبابها - حسب معتقدهم - حفيظة أضرابه.
يقول الخوئي في بعض مسائله: وقد حمل الشيخ - رحمه الله - الروايات الدالة على اعتبار الخمس على التقية، ولا نعرف لهذا الحمل وجهاً؛ فإنه لم ينقل من العامة قول باعتبار الخمس([931]).
وقال آخر: فحمل أخبار الربع على التقية أولى من حمل أخبار الخمس على التقية كما فعله الشيخ في التهذيب([932]).
وقال آخر: وأجاب عنه الشيخ قدس سره بحمله على التقية، وأورد عليه في المسالك بأن العامة مختلفون في ذلك كالخاصة، فلا وجه للحمل على التقية([933]).
ويقول البحراني: إن الشيخ رحمه الله في كتابي الأخبار جمع بين الأخبار لقصد رفع التنافي بينها بوجوه عديدة، وإن كانت بعيدة، بل جملة منها غير سديدة([934]).
ويقول زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني: والشيخ حمل هذه - أي: إحدى مسائل الفقه - على التقية، وهو بعيد، لأن العامة مختلفون في ذلك، فلا وجه لتقية قوم دون قوم([935]).
وحقاً لقد أضاع شيخ الطائفة الطوسي بنهجه هذا المنهج الخير الكثير على الشيعة مما يقربهم إلى سائر طوائف المسلمين، فبدلاً من أن ينتصر لهذه الروايات الصادرة عن أئمة أهل البيت رحمهم الله التي توافق ما عليه أهل السُنة، عمد إلى صرفها بشتى الوسائل بحجة التقية، رغم أن مبعثه على تصنيفه للتهذيب والإستبصار هو رفع الاختلاف، فكان أن أثار عليه علماء مذهبه بنهجه وتناقضاته هذه، فكانوا بين راد عليه وآخر ملتمس له العذر.
قال صاحب طرئف المقال: وقد نقل شيخنا يوسف البحراني عن بعض معاصريه في بعض إجازاته أنه قال: وأما الشيخ الطوسي فهو شيخ الطائفة ورئيس المذهب وإمام في الفقه والحديث، إلا أنه كثير الاختلاف في الأقوال، وقد وقع له خبط عظيم في كتابي الأخبار في تمحله الاحتمالات البعيدة والتوجيهات الغير السديدة، وكانت له خيالات مختلفة في الأصول، ففي المبسوط والخلاف مجتهد صرف وأصولي بحت، بل ربما يسلك مسلك العمل بالقياس والاستحسان في كثير من مسائلها، كما لا يخفى على من أرخى عنان النظر في مجالهما، وفي كتاب النهاية سلك مسلك الأخباري الصرف، بحيث إنه لم يتجاوز فيها مضامين الأخبار ولم يتعد مناطيق الآثار، وهذه هي الطريقة المحمودة والغاية المقصودة.
وقد اعتذر بعض علمائنا بأنه إنما سلك في الكتابين مسلك العامة تقية واصطلاحاً ومماشاة لهم، حيث شنعوا على فضلاء الشيعة بأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد والاستنباط، وليس لهم قدرة على التفريع والاستدلال([936]).
ونقل صاحب الرسائل الرجالية كالم المجلسي فقال: ... ومنها ماذكره المؤلف التقي المجلسي في شرح مشيخة الفقيه في قوله: واعلم أن كل ما وقع من الشيخ الطوسي من السهو والغفلة باعتبار كثرة تصانيفه ومشاغله العظيمة فإنه كان مرجع فضلاء الزمان، وسمعنا من المشايخ وحصل لنا الظن من التتبع أن فضلاء تلامذته الذين كانوا من المجتهدين يزيدون على ثلاثمائة فاضل من الخاصة، ومن العامة ما لا يحصى، فإن الخلفاء أعطوه كرسي الكلام، وكان ذلك لمن كان وحيداً في ذلك العصر، مع أن أكثر التصانيف كان في أزمنة الخلفاء العباسية؛ لأنهم كانوا مبالغين في تعظيم العلماء والفضلاء من العامة والخاصة، ولم يكن إلى زمان الشيخ تقية كثيرة، بل كانت المباحثة في الأصول والفروع حتى في الإمامة في المجالس العظيمة، وذكر ابن خلكان جماعة كثيرة من أصحابنا في تاريخه، وكانوا بحيث لا يمكنهم إخفاء مذاهبهم، ومباحثات القاضي عبد الجبار والباقلاني وغيرهما مع المفيد والمرتضى وشيخ الطائفة مذكورة في تواريخ الخلفاء، فلهذه المشاغل العظيمة يقع منه السهو كثيرا([937]).
ومسألة حمل روايات الأئمة رحمهم الله على التقية أو التساهل في حملها عليها لمظنة موافقتها لأهل السُنة كانت سبب جدل كبير بين علماء الشيعة أنفسهم، وسنأتي على ذكر أمثلة على هذه الروايات، ولذلك فكثيراً ما تجد في كتب القوم عبارات من نحو قول بعضهم:
والشيخ حمل تلك الأخبار على التقية، واستشهد عليه بقوله عليه السلام: «ولو كان الأمر إلينا.... إلخ». وهذا الحمل إنما يتجه لو وجد لها معارض يصلح للاعتماد، وهو منتف من ذلك الجانب كما علمت([938]).
في موضع آخر قال: وحملها الشيخ على التقية، كما حمل الأخبار الدالة على عدم افتقار الخلع إليه، وليس بجيد؛ لأن المباراة لا تستعملها العامة، ولا يعتبرون فيها ما يعتبره أصحابنا([939]).
وقال: وحمل الشيخ الحديث على التقية، وفيه نظر؛ لأن العامة مختلفون في ذلك كالخاصة، فلا وجه للتقية في أحد القولين([940]).
وقال: واختلف تأويل الشيخ لهذه الأخبار، فتارة خصها بموردها وجوز صيد الفهد كالكلب، محتجا بأن الفهد يسمى كلباً في اللغة، وتارة حملها على التقية، وثالثة على حال الضرورة، ولا يخفى ضعف هذه التنزيلات الثلاثة([941]).
وقال: وأما حملها على التقية فلا يتم في جميعها([942]).
وقال: والمانعون حملوا أخبار الحل على التقية، وليس بجيد([943]).
وقال: وأجيب بحمل الرواية على التقية؛ لموافقتها لمذهب العامة، وفيه نظر؛ لضعف المعارض الحامل على حملها على خلاف الظاهر([944]).
وقال: وحملها الشيخ على التقية، أو على أنه لا يقتل إلا بعد أن يرد ما يفضل عن دية صاحبه، وكلاهما بعيد([945]).
وقال: ولا يقال: إنه يمكن حمله على التقية حيث إنه مذهب جميع العامة؛ لأن في الخبر ما ينافي ذلك([946]).
ويقول في كتاب آخر: وحمله على التقية ضعيف؛ لأن العامة لا يقولون بالتخيير([947]).
ويقول الأردبيلي: لا ينبغي حملها على التقية([948]).
ويقول العاملي: وأجاب الأولون عن هذه الأخبار بالحمل على التقية، جمعا بينها وبين ما تضمن الأمر بغسل الثوب منه، وهو مشكل([949]).
وقال: واستضعف المصنف في المعتبر هذين التأويلين فقال: والتأويلان ضعيفان، أما الإضمار فبعيد في التأويل، وأما التقية فكيف يحمل على التقية ما اختاره جماعة من محققي الأصحاب([950]).
وقال: ومن هنا يظهر فساد التأويل الثاني، وهو الحمل على التقية([951]).
وقال: نقل عن الشيخ في الاستبصار أنه حمل ذلك على التقية، وقال: لست أرى هذا التأويل شيئا([952]).
وقال آخر: فلا حاجة إلى الحمل على التقية كما فعله الشيخ([953]).
ويقول الخوئي: قال صاحب الوسائل بعد نقل الروايتين: أقول: الأقرب حمل الحديثين على التقية لموافقتهما لجميع العامة. انتهى، لكنه مشكل جداً؛ إذ لم ينسب القول بمضمونها - أعني البناء على الأكثر - إلى أحد من العامة([954]).
ويقول آخر: فهو أولى من حمل بعضها على التقية، وإن اتفق المخالفون على موافقته([955]).
ويقول: وأما ما ذكره في الوافي من اختيار حمل أخبار الجواز على التقية فالظاهر بُعده لما عرفت([956]).
ويقول: وحمله الأخبار على التقية، فاعترض على ذلك في المسالك، فقال بعد كلام في المقام: وكونه للتقية غير جيد([957]).
وقال: وهذا الحمل إنما يتم مع تعارض الروايات وتكافؤها من حيث السند، والأمر هنا ليس كذلك([958]).
ويقول البهبهاني: مضافاً إلى ما أشرنا إليه من أن خطبة «نهج البلاغة» مما لا يمكن حملها على التقية، فليلاحظ تلك الخطبة، وكذا بعض الأخبار والأدلة - أيضاً - مما لا يناسبه التقية، فليراجع وليتأمل([959]).
وفي كتاب آخر قال: لا يلائم الحمل على التقية كما لا يخفى([960]).
وقال آخر: قال: ويمكن حملها على التقية. أقول: ولعل حملها على الاستحباب أولى، كما يشهد به صحيحة ابن بزيع([961]).
ويقول آخر: ثم نفى الحمل على التقية لعدم الدليل([962]).
ويقول النراقي: وحمله على التقية بلا دليل لا وجه له([963]).
ويقول صاحب الجواهر: ومن الغريب حملها على التقية من بعضهم([964]).
ويقول آخر: وحمله على التقية مع أنه لا داعي إليه بعيد جدا([965]).
وقال آخر: حمل الحديثين على التقية لموافقتهما لجميع العامة لا يخلو عن غرابة([966]).
وقال آخر: والحمل على التقية لا يخلو من بعد([967]).
والأمر فيه طول، وفيما أوردناه كفاية، ونختم بما قاله البحراني: وأما ما ذكره المحقق - رداً على الشيخ في حمله صحيحة علي بن جعفر على التقية من أنه تحكم؛ لأن بعض الأصحاب ذهب إلى القول بمضمونها - ففيه أن ظاهر هذا الكلام يعطي أنه لا يصح حمل الخبر على التقية إلا إذا كان ذلك الخبر مطرحاً عند جميع الأصحاب، بحيث لا يقول به قائل في ذلك الباب، وهذا غريب من مثل هذا المحقق النحرير، وتحكم محض، بل سهو في هذا التحرير، ولعله لهذا اطرحوا قاعدة عرض الأخبار في مقام الاختلاف على التقية، مع أنها في اختلاف الأخبار هي أصل كل بلية كما نبهنا عليه في مقدمات الكتاب، ولا يخفى أن الأخبار الخارجة عنهم - عليهم السلام - بالاختلاف في الأحكام لا وجه للاختلاف فيها سوى التقية كما حققناه في مقدمات الكتاب، ولكن العامل بذلك الخبر الخارج مخرج التقية إنما عمل به من حيث ثبوته عنهم عليهم السلام، ولا علم له بكونه خرج مخرج التقية، ولهذا وردت الأخبار عنهم عليهم السلام، بالرخصة بالعمل بالأخبار الخارجة مخرج التقية حتى يعلم بأنها إنما خرجت كذلك، فيكون حينئذ مخاطباً بترك العمل بها إذا لم تلجئه التقية للعمل بها، وما نحن فيه من هذا القبيل، وبالجملة فإن الأخبار المستفيضة بالترجيح بمخالفة العامة في مقام اختلاف الأخبار أعم مما ذكره، فإنه متى ما وافق أحد الخبرين العامة وخالفهم الآخر وجب تركه علم به أو لم يعلم به، ولهذا ترى الأصحاب في مقام البحث والترجيح يستدل أحدهم بخبر ويجيب عنه الآخر بالحمل على التقية، والله العالم([968]).
والكلام في الباب يطول، حتى صار الحمل على التقية مسلكاً عند البعض دون اعتبار وجود قائل في المسألة من العامة - أي أهل السُنة - أو لمجرد شبهة وجود قائل فيها من أهل السُنة، أو كونها مذهباً لبعض أهل السُنة.
ومن أمثلة حمل الرويات على التقية لموافقتها لبعض العامة، ما يأتي:
يقول صاحب جواهر الكلام: واحتمل في الوسائل حملها على التقية لموافقتها لبعض مذاهب العامة([969]).
ويقول البهبهاني: ولهذا حمل بعض الأصحاب هذه الأخبار على التقية قائلا: (إنه لعله مذهب لبعض العامة)([970]).
ويقول الخوئي: ويكفي في الحمل على التقية موافقة الرواية لمذهب بعض العامة([971]).
والغريب أنه قال في كتاب آخر له: وحملها على التقية لموافقتها لبعض العامة. وهذا - أيضاً - بعيد؛ لعدم تأتي التقية لمجرد الموافقة لقول بعض العامة وإن كان شاذاً نادراً كما في المقام، بل لا بد من أن يكون معروفا عندهم كي يصدق عنوان الاتقاء كما لا يخفى([972]).
أما حمل الروايات على التقية دون وجود قائل بها من أهل السُنة، فمن أمثلته:
قول يوسف البحراني: ويمكن حملها على التقية وإن لم يعلم به قائل من العامة([973]).
وقوله: وإنما التقية المرادة هنا هي ما قدمنا ذكره في المقدمة الأولى من مقدمات الكتاب من إيقاعهم الاختلاف في الأحكام الشرعية تقية، وإن لم يكن ثمة قائل من العامة([974]).
ويقول: واحتمل في الوسائل حملها على التقية، ولعله الأقرب، وإن كان لا يحضرني الآن مذهب العامة في هذه المسألة؛ لما عرفت في مقدمات كتاب الطهارة من أن الحمل على التقية لا يتوقف على وجود القائل بذلك منهم([975]).
ولم يرض آخرون بهذا المنهج للبحراني أو غيره.
يقول الخوئي: وأما ما ذكره صاحب الحدائق (قده) من أن الحمل على التقية غير موقوف على المعارضة، بل ذكر في مقدماته أن الحمل على التقية غير موقوف على القول به من المخالفين لدلالة الأخبار على أنهم (ع) ألقوا الخلاف بين الناس حقنا لدماء الشيعة وتحفظا عليهم، (فما لا يصغى إليه) لحجية الظهور والسند، وهي تقتضي العمل بالرواية، إلا أن يكون لها معارض وتنتهي النوبة إلى الترجيح بموافقة العامة ومخالفتهم ليحمل الموافق على التقية ويؤخذ بالمخالف([976]).
ويقول الروحاني: وأما ما عن المجلسي - قدس سره - وجملة من المتأخرين من حمل هذه النصوص على التقية؛ فهو مبني على جواز حمل النصوص على التقية ولو لم يوجد القائل بما تضمنته من المخالفين، وهذا غير صحيح فإن الحمل على التقية إنما يكون عند التعارض وفقد جملة من المرجحات مع كون أحد المتعارضين موافقاً للعامة دون الآخر، وإلا فلا وجه للحمل عليها، فالصحيح أن نصوص الباب من الأخبار المتعارضة لا يمكن الجمع بينها بوجه، ولا بد من الرجوع إلى المرجحات، وأولها الشهرة، وهي توجب تقديم نصوص الاستئناف، فما عن المشهور من لزوم الاستئناف هو الأظهر([977]).
ويقول العاملي: ويرد عليه أن التخيير مع أفضلية القراءة أو التفصيل بين الإمام والمنفرد مما لم يقل به أحد من العامة، فلا تقبل الحمل على التقية([978]).
ويقول الحائري: والحمل على التقية أيضاً مشكل؛ فإن المستفاد من التذكرة أن العامة مجمعون على بطلان الصلاة إذا أحدث، وكذا إذا استدبر([979]).
والغريب حمل البعض لروايات الباقر والصادق على التقية بحجة موافقتها لقول الإمام الشافعي وابن حنبل مع أنهما ولدا بعد وفاة الباقر والصادق رحمهم الله جميعاً([980]).
ومع قولهم قبل هذا أو بعده: إن التقية لم تكن من الفقهاء والمفتين ولا لمصلحة الإمام عليه السلام، بل لحفظ الشيعة من شر السلاطين وحكام الجور([981]).
وأغرب من هذا كله قول البعض: إن مجرد الموافقة لأهل السُنة لا يوجب الحمل على التقية.
يقول الروحاني: إن الحمل على التقية إنما يجوز عند تعارض الخبرين وفقد جملة من المرجحات، وإلا فمجرد موافقة الخبر للعامة لا يصلح لذلك([982]).
ويقول: إن مجرد الموافقة لهم لا يوجب الحمل على التقية، بل هي من مرجحات إحدى الحجتين على الأخرى بعد فقد جملة من المرجحات([983]).
وفي موضع آخر قال: ومجرد الموافقة لمذهب العامة لا يصحح الحمل على التقية؛ لأن موافقة العامة من المرجحات لأحد الخبرين المتعارضين على الآخر بعد فقد جملة من المرجحات([984]).
وعلى أي حال فمقصودنا من ذلك كله بيان كيف أنهم أحكموا الخطة في معتقد التقية، وكيف أن أسبابها الحقيقية هي تمزيق وحدة المسلمين بتعطيل العمل بمصادرهم التشريعية وصرف كل ما يتعارض مع هذا الغرض من أقوال وافعال صدرت عن الأئمة رحمهم الله توافق ما عليه المسلمون.
فلا تعلق في الأمر - إذاً - بالكافرين، ولا بعمار بن ياسر المطمئن قلبه بالإيمان، ولا بزخرف القول الذي يدعونه ويكرورنه من اضطهاد وقع عليهم إبّان حكم الأمويين والعباسين ألجأهم إلى الأخذ بالتقية، واضطرهم إلى كتمان الدين الحق، والذي هو - بزعمهم - تعطيل العمل بالقرآن والسنة، والقول بعقائد ما أنزل الله بها من سلطان.
إذاً: فالتقية التي ينادي بها هؤلاء الذين وضعوا مذهب التشيع ونسبوه إلى أهل البيت عليهم السلام إنما هي عين الكذب والنفاق، ولا علاقة لها بالتقية التي شرعها الله للمضطر، وإليك رواية أخرى تزيد الأمر وضوحا:
عن محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعنده أبو حنيفة، فقلت له: جعلت فداك، رأيت رؤيا عجيبة، فقال لي: يا ابن مسلم! هاتها؛ فإن العالم بها جالس وأومأ بيده إلى أبي حنيفة. قال: قلت: رأيت كأني دخلت داري، وإذا أهلي قد خرجت علي فكسرت جوزاً كثيراً ونثرته علي فتعجبت من هذه الرؤيا، فقال أبو حنيفة: أنت رجل تخاصم وتجادل لئاماً في مواريث أهلك، فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها إن شاء الله. فقال: أبو عبد الله عليه السلام: أصبت - والله - يا أباحنيفة. قال: ثم خرج أبو حنيفة من عنده. فقلت: جعلت فداك، إني كرهت تعبير هذا الناصب. فقال: يا ابن مسلم لا يسوؤك الله، فما يواطيء تعبيرهم تعبيرنا ولا تعبيرنا تعبيرهم، وليس التعبير ما عبره، قال: فقلت له: جعلت فداك، فقولك: أصبت وتحلف عليه وهو مخطيء؟! قال: نعم، حلفت عليه أنه أصاب الخطأ([985]).
ومثله عن ابنه الكاظم رحمه الله، حيث سأله أبو حنيفة رحمه الله: أخبرني: أي شيء كان أحب إلى أبيك: العود أم الطنبور؟ قال: لا، بل العود، فسئل عن ذلك، فقال: يحب عود البخور ويبغض الطنبور. قالوا: يظهر للمتأمل في هذه الرواية شدة التقية في أمر هذه الآلات في ذاك الزمان([986]).
فأي تقية هذه التي ينادي بها القوم، فهل كان أبو حنيفة رحمه الله من خلفاء بني أمية أو بني العباس أو كان من رجالاتهم؟! وهل كان ذا سطوة أو بطش أو سلطان يتقى منه؟! كلا، فالرجل أبداً لم يكن من رجال السلاطين حتى يتقى، ولم يكن ذا قوة فيخشى، فهواه لآل البيت من أوضح سماته، وقد ذكرنا لك ذلك من قبل، فهل يريد هؤلاء أن يظهروا أئمة أهل البيت عليهم السلام بهذة الصورة، ينافقون الرجل في حضرته ويقسمون بأنه أصاب الحق، ثم يستهزئون به عند خروجه؟!
والغريب أننا ونحن نرى الإمام أبا حنيفة رحمه الله وهو يقارع الظلم الأموي ويناصر العلويين، نرى القوم يروون عن أبي عبد الله الصادق رحمه الله أنه قال: دخلت على أبي العباس في يوم شك وأنا أعلم أنه من شهر رمضان وهو يتغدى، فقال: يا أبا عبد الله! ليس هذا من أيامك، قلت: لم يا أمير المؤمنين؟ ما صومي إلا صومك ولا إفطاري إلا إفطارك. قال: أدن. قال: فدنوت وأكلت وأنا أعلم أنه من شهر رمضان([987]).
وفي رواية عن داود بن الحصين عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال وهو بالحيرة في زمان أبي العباس: إني دخلت عليه وقد شك الناس في الصوم، وهو - والله - من شهر رمضان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا عبد الله! أصمت اليوم؟ فقلت: لا. والمائدة بين يديه، قال: فادن فكل. قال: فدنوت فأكلت، قال: وقلت: الصوم معك والفطر معك، فقال الرجل لأبي عبد الله عليه السلام: تفطر يوماً من شهر رمضان؟! فقال: إي والله، إن أفطر يوماً من شهر رمضان أحب إلي من أن يضرب عنقي([988]).
بل ويزعمون أنه - رحمه الله - كان يجاريهم حتى في المباحات، كلبس السواد لموافقته لمذهب العباسيين المتسلطين في ذلك الزمان، مع نهيه عن السواد في روايات عدة، كرواية أنه لباس أهل النار، وأنه لباس فرعون، وأنه لباس أهل النار، وغيرها، ثم يروون عن داود الرقي قال: كانت الشيعة تسأل أبا عبد الله (ع) عن لبس السواد، قال: فوجدناه قاعداً عليه جبة سوداء وقلنسوة سوداء وخف أسود مبطن بسواد، قال: ثم فتق ناحية منه وقال: أما إن قطنه أسود. وأخرج منه قطناً أسود ثم قال: بيض قلبك والبس ما شئت([989]).
ويناقضون أنفسهم في هذا كشأنهم في جل عقائدهم وأقوالهم، ويذكرون ما يدل على مكانته رحمه الله عند خلفاء عصره، فقد رووا عن الرضا عن أبيه صلوات الله عليهما قال: أرسل أبو جعفر الدوانيقي إلى جعفر بن محمد عليهما السلام فلما دخل جعفر بن محمد عليهما السلام ونظر إليه من بعيد، تحرك أبو جعفر على فراشه، قال مرحباً وأهلا بك يا أبا عبد الله، ما أرسلنا إليك إلا رجاء أن نقضي دينك ونقضي ذمامك. ثم سأله مسألة لطيفة عن أهل بيته، وقال: وقد قضى الله حاجتك ودينك، وأخرج جائزتك... الخبر.
وفي رواية قال له المنصور: مرحبا بابن العم النسيب، وبالسيد القريب. ثم أخذ بيده وأجلسه على سريره وأقبل عليه، ثم قال: أتدري لم بعثت إليك؟ فقال عليه السلام: «وأنَّى لي العلم بالغيب؟! فقال: أرسلنا إليك لتفرق هذه الدنانير في أهلك، وهي عشرة آلاف دينار. فقال عليه السلام: ولها غيري. فقال: أقسمت عليك يا أبا عبد الله لتفرقنها على فقراء أهلك. ثم عانقه بيده وأجازه وخلع عليه..» الخبر([990]).
ويروي الكليني عن أبي أيوب النحوي قال: بعث إلي أبو جعفر المنصور في جوف الليل، فأتيته فدخلت عليه وهو جالس على كرسي وبين يديه شمعة وفي يده كتاب، قال: فلما سلمت عليه رمى بالكتاب إلي وهو يبكي، فقال لي: هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات، فإنا لله وإنا إليه راجعون - ثلاثاً - وأين مثل جعفر؟!([991]).
ويروون في الرضا رحمه الله راوي الحديث الآنف الذكر، قول هارون الرشيد له: يا ابن العم! إن أردت المقام عندنا ففي الرحب والسعة، وقد أمرنا لك ولأهلك بمال وثياب، فقال: لا حاجة في المال ولا الثياب، ولكن في قريش نفر يفرق ذلك عليهم، وذكر له قوماً، فأمر لهم بصلة وكسوة.. الخبر، وهكذا كان حاله (ع) في ولاية الرشيد، ومن بعده ابنه محمد الأمين الذي أنعم عليه، حتى قيل: إنه قال بإمامته وأمر باتباعه أهل مملكته([992]).
وأياً كانت تفسيراتهم وتأويلاتهم لهذه الروايات فبها يتحقق المراد من انتفاء أسباب التقية.
ويزعمون عن الصادق أنه رحمه الله قال: فوالله لربما سمعت من يشتم علياً (ع) وما بيني وبينه إلا أسطوانة، فاستتر بها، فإذا فرغت من صلاتي فأمر به فأسلم عليه وأصافحه. ومثله عن الباقر رحمه الله: إني لأسمع الرجل يسب علياً وأستتر منه بالسارية، فإذا فرغ أتيته فصافحته([993]).
كما زعموا ذلك عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، حيث رووا عن سفيان، عن فضيل بن الزبير قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فسأله عن قول الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)) فيمن نزلت؟ قال: ما تريد؟! أتريد أن تغري بي الناس؟! قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكن أحب أن أعلم. قال: اجلس. فجلس، فقال: اكتب عامراً، اكتب معمراً، اكتب عمراً، اكتب عماراً، اكتب معتمراً، في أحد الخمسة نزلت. قال سفيان: قلت لفضيل: أتراه عمر؟! قال: فمن هو غيره([994])؟!
ويروون أيضاً عن ابن أبي حازم قال: كنت عند جعفر الصادق يوما وإذا بسفيان الثوري بالباب، فقال: ائذن له. فدخل، فقال له جعفر: يا سفيان! إنك رجل يطلبك السلطان في بعض الأحيان، وتحضر عنده وأنا أتقي السلطان، فاخرج عني غير مطرود([995]).
ويروون عن الكاظم رحمه الله: أنه كتب إلى الخيزران يعزيها بموسى ابنها ويهنئها بهارون ابنها ويقول: بسم الله الرحمن الرحيم إلى الخيزران أم أمير المؤمنين من موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين: أما بعد: أصلحك الله، وأمتع بك، وأكرمك، وحفظك، وأتم النعمة والعافية في الدنيا والآخرة لك برحمته، ثم إن الأمور - أطال الله بقاءك - كلها بيد الله عز وجل يمضيها ويقدرها بقدرته فيها، والسلطان عليها توكل بحفظ ماضيها، وتمام باقيها، فلا مقدم لما أخر منها، ولا مؤخر لما قدم، استأثر بالبقاء، وخلق خلقه للفناء، أسكنهم دنيا سريعاً زوالها، قليلاً بقاؤها، وجعل لهم مرجعاً إلى دار لا زوال لها ولا فناء، لم يكن - أطال الله بقاءك - أحد من أهلي وقومك وخاصتك وحرمتك كان أشد لمصيبتك إعظاماً، وبها حزناً ولك بالأجر عليها دعاءً، وبالنعمة التي أحدث الله لأمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - دعاءً بتمامها ودوامها وبقائها ودفع المكروه فيها مني، والحمد لله لما جعلني الله عليه بمعرفتي بفضلك، والنعمة عليك، وبشكري بلاءك، وعظيم رجائي لك أمتع الله بك، وأحسن جزاك، إن رأيت - أطال الله بقاءك - أن تكتبي إلي بخبرك في خاصة نفسك، وحال جزيل هذه المصيبة وسلوتك عنها فعلت؛ فإني بذلك مهتم، وإلي ماجائني من خبرك وحالك فيه متطلع، أتم الله لك أفضل ما عودك من نعمته، واصطنع عندك من كرامته، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته([996]).
يقول المجلسي في تعليقه على هذه الرسالة: انظر إلى شدة التقية في زمانه عليه السلام حتى أحوجته إلى أن يكتب مثل هذا الكتاب لموت كافر لا يؤمن بيوم الحساب، فهذا يفتح لك من التقية كل باب([997]).
وكقول الإمام الصادق للمنصور - كما يروون - بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين. وكقول الإمام الرضا للمأمون مثل ذلك([998]).وغيرها كثير، ولا أدري كيف يستقيم هذا مع عشرات الروايات الذامة لهذا المنهج التي ملئوا بها مصنفاتهم، كروايتهم عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: « إن الله - تعالى ذكره - لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر» ([999]).
وعن الباقر: أنه قال: « أوحى الله تعالى إلى شعيب النبي (ع): إنى معذب من قومك مائة ألف، أربعون ألفاً من شرارهم وستون ألفاً من خيارهم. فقال: يا رب! هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟! فأوحى الله عز وجل إليه: داهنوا أهل المعاصي، ولم يغضبوا لغضبي» ([1000]).
وعنه - أيضاً - قال: « وجدنا في كتاب علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا لم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر ولم يتبعوا الأخيار من أهل بيتي سلط الله عليهم شرارهم، فيدعوا عند ذلك خيارهم فلا يستجاب لهم» ([1001]).
وعن الصادق رحمه الله قال: « إن الله تعالى أهبط ملكين إلى قرية ليهلكهم، فإذا هما برجل تحت الليل قائم يتضرع إلى الله تعالى ويتعبد، قال فقال أحد الملكين للآخر: إنى أعاود ربى في هذا الرجل. وقال الآخر: بل تمضي لما أمرت ولا تعاود ربي فيما أمر به قال: فعاود الآخر ربه في ذلك، فأوحى الله إلى الذي لم يعاود ربه أن أهلكه معهم، فقد حل به معهم سخطي؛ إن هذا لم يتمعر وجهه قط غضباً لي. والملك الذي عاود ربه فيما أمر سخط الله عليه، فأهبطه في جزيرة، فهو حي الساعة فيها ساخط عليه ربه» ([1002]).
وعنه - أيضاً - قال: « إن أباه كان يقول: من دخل على إمام جائر فقرأ عليه القرآن يريد بذلك عرضا من عرض الدنيا لعن القارئ بكل حرف عشر لعنات، ولعن المستمع بكل حرف لعنة» ([1003]).
وقال: « من مدح سلطاناً جائراً أو تخفف وتضعضع له طمعاً فيه كان قرينه في النار. وقال صلى الله عليه وآله: قال الله عز وجل: (( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)) » ([1004]).
وقبل هذا أو بعده قول الله عز وجل: ((وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) [الأنعام: 68]
إذاً: عرفت مما مر بك أنه لا تعلق لتقية القوم بالأسباب التي يذكرونها من وقوع الخوف والظلم عليهم من الحكام عبر التاريخ، ولا صلة لها بالمشروعية التي أقرها القرآن وأجمع عليها المسلمون، سوى القول بأن تتبع الحكام لهم وتقتيلهم إنما كان من باب أنهم زنادقة يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وذلك لقولهم بتحريف القرآن وكفر الصحابة وما سواهم من فرق المسلمين، وتبني عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، وهؤلاء لا يشك في كفرهم أحد.
ومما مر تبين لك صحة القول بأن من وضع مبدأ التقية إنما أراد بها عزل هذه الطائفة عن سائر إخوانهم من المسلمين، وذلك بصرف كل النصوص الواردة من طرق الأئمة رحمهم الله - سواء تلك التي يفتون بها في مجالسهم العامة أو الخاصة - التي توافق ما عليه معتقد أهل السُنة، حتى إنهم أعلنوها صراحة في رواية نسبوها إلى الصادق أنه قال لزرارة: ما سمعت مني يشبه قول الناس ففيه التقية، وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه([1005]).
فانظر كم هي تلك الروايات الثابتة عن الصادق وبقية أهل البيت رحمهم الله التي تشبه قول الناس صرفت عن الحق، وكم هي تلك التي وضعوها على ألسنتهم مما لا تشبه قول الناس ادعوا أنها الحق، إذا علمت أن راوي هذا الحديث - وهو زرارة بن أعين - روى ألفين وأربعاً وتسعين رواية عن الأئمة.
وعلى ضوء أمثال هذه الروايات وضع القوم أصلاً خطيراً من أصول مصادر تشريع الأحكام واستنباطها بعد كتاب الله عز وجل الذي قالوا بأنه مغير ومبدل ومحرف، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم التي ليس لها من الاعتبار مقدار بعوضة باعتبار أن ناقليها في حكم المرتدين كما عرفت.
هذا الأصل هو: (ما خالف العامة فيه الرشاد)، أي: عند اختلاف الأخبار والأحكام يجب الأخذ بما فيه خلاف أهل السُنة والجماعة([1006]).
فنسبوا إلى الصادق أنه قال: « إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم» ([1007]).
وعن الحسن بن جهم أنه سأل الرضا: « يروى عن الصادق شيء ويروى خلافه، فبأيهما نأخذ؟ قال: خذ بما خالف القوم، وما وافق القوم فاجتنبه» ([1008]).
وعن الصادق أنه قال: « إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على أخبار العامة؛ فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه» ([1009]).
وعنه أيضاً: « دعوا ما وافق القوم؛ فإن الرشد في خلافهم» ([1010]).
وفي رواية: « كيف يصنع بالخبرين المختلفين؟ فقال: إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فانظروا ما يخالف منهما العامة فخذوه، وانظروا ما يوافق أخبارهم فدعوه» ([1011]).
وعن سماعة بن مهران أنه سأل الصادق: « يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالعمل به والآخر ينهانا عن العمل به، ولا بد أن يعمل بأحدهما؟ قال: اعمل بما فيه خلاف العامة» ([1012]).
وعن زرارة: « أنه سأل الصادق عن الخبرين والحديثين المتعارضين فبأيهما يأخذ وكلاهما مشهوران مرويان مأثوران عن الأئمة؟ قال: انظر ما وافق العامة فاتركه، وخذ ما خالفه؛ فإن الحق فيما خالفهم» ([1013]).
وعن علي بن أسباط قال: قلت له - يعني الرضا -: « حدث الأمر من أمري لا أجد بداً من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك. فقال: ائت فقيه البلد، فإذا كان ذلك فاستفته في أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه، فإن الحق فيه» ([1014]).
بل ولا يجوز الاحتكام إليهم أصلاً، فعن عمر بن حنظلة قال: « سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينمها منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً وإن كان حقاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به. قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم روى حديثنا... إلى أن قال: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ فذكر له وجوب الأخذ بما خالف العامة؛ فإن فيه الرشاد، وإن كان الخبران وافقهما جميعا فينظر إلى ماهم اليه أمّيل، فيتركه ويأخذ بالآخر، وإن وافق الخبرين جميعاً فأرجه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» ([1015]).
وأصل كل هذه الروايات المكذوبة على الصادق وغيره من الأئمة رحمهم الله رواية هي الأخرى موضوعة ومنسوبة إليه، يقول فيها لأحد أصحابه: أتدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامة؟ فقلت: لا ندري. قال: ان عليا عليه السلام لم يكن يدين الله بدين إلا خالف عليه الأمة إلى غيره إرادةً لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنينعليه السلام عن الشيء الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضداً من عندهم ليلبسوا على الناس([1016]).
ثم وضعوا روايات أخرى على لسانه يحثهم فيها إلى مخالفتهم في كل شيء، حيث قال: « ما أنتم - والله - على شيء مما هم فيه ولا هم على شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم، فما هم من الحنيفية على شيء» ([1017]).
وفي بعض الأخبار: « والله لم يبق في أيديهم إلا استقبال القبلة» ([1018]).
لذا ترى مصادرهم الفقهية مليئة بروايات أئمة أهل البيت رحمهم الله المردودة بحجة أنها توافق ما عليه أهل السُنة والجماعة، من أمثال:
- هذا الخبر موافق للعامة وقد ورد مورد التقية.
- فالوجه فيه التقية؛ لأنه موافق للعامة.
- هذا الخبر موافق للعامة، ولسنا نعمل به.
- هذا الخبر موافق للعامة، ولسنا نأخذ به.
- هذا الخبر محمول على التقية؛ لأنه لا يوافقنا عليه أحد من العامة.
- هذا الخبر مذهب جميع من خالف الشيعة، وما هذا حكمه يجوز فيه التقية.
- هذا الخبر خرج مخرج التقية؛ لأن هذا الحكم لا يوافقنا عليه أحد من العامة.
- يحتمل أن يكون ورد مورد التقية؛ لأنه موافق للعامة، وما خالفهم لا يحتمل التقية. وغيرها([1019]).
بل وقدم البعض التقية عند الترجيح، وجعلها أقوى المرجحات، وأنكر القول بالدس في الأخبار رغم تواتر ذلك([1020]).
ولا زالت التطبيقات العملية للتقية قائمة في جميع الرسائل الفقهية المعاصرة، فلا يكاد يخلو باب من أبواب الفقه منها، بدءاً بالقول ببطلان الصلاة بقول (آمين) بعد الفاتحة ووضع اليمنى على اليسرى في حال القيام إلا تقية، إلى سائر ما جوز من المحظورات - بزعمهم - تقيةً، أو رد بحجة موافقته لما عليه أهل السُنة والجماعة.
ومن الطرائف في الأمر أن القول بالتقية لم يقتصر على كونها من المخالفين كما مر بك، بل طال ذلك الشيعة أنفسهم.
يقول الخميني في معرض كلامة حول أقسام التقية: ومنها: التقية من سلاطين الشيعة أو عوامهم([1021]).
ومن التطبيقات العملية لذلك - مثلاً - مسألة طهارة الكتابي عند الشيعة، حيث ذهب أكثر فقهائهم إلى نجاسة أهل الكتاب وحرموا طعامهم وشرابهم حتى الخبز والماء الذي باشروه، وفسروا الطعام بالحبوب في قوله تعالى: ((وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ)) [المائدة:5]. إلا ان الكثير من المراجع المعاصرين يرون طهارة الكتابي، ولكن تقيتهم من العوام تمنعهم من الإفتاء.
يقول مغنية في ذلك: إن كثيراً من المراجع الكبار على القول بطهارته، منهم السيد الحكيم والسيد الخوئي الذي أسر برأيه لمن يثق به.
وقال في موضع آخر بأنه عاصر ثلاثة من المراجع، الشيخ محمد رضا آل ياسين في النجف،والسيد صدر الدين الصدر في قم، والسيد محسن الأمين في لبنان، وقد أفتوا جميعهم بطهارة الكتابي وأسروا بذلك إلى من يثقون به، ولم يعلنوا ذلك خوفاً من المهوشين، وإن الكثير من الفقهاء يقولون بالطهارة، ولكنهم يخشون أهل الجهل، والله أحق أن يخشوه.
ومثل ذلك: القول في مراسم العزاء في عاشوراء وما يصاحبه من ضرب بالسلاسل حتى تسيل الدماء، يقول مغنية: ما يفعله بعض عوام الشيعة في لبنان والعراق وإيران من لبس الأكفان وضرب الرؤوس والجباه بالسيوف في اليوم العاشر من محرم عادة مشينة بدعة في الدين والمذهب، وقد أحدثها لأنفسهم أهل الجهالة دون أن يأذن بها إمام أو عالم كبير كما هو الشأن في كل دين ومذهب، ولم يجرؤ على مجابهتها أحد في أيامنا إلا قليل من العلماء، وفي طليعتهم المرحوم السيد محسن الأمين العاملي الذي ألّف رسالة خاصة في تحريم هذه العادة وبدعتها، وأسمى الرسالة (التنزيه لأعمال الشيعة)، والذي أعتقده أنها ستزول بمر الأيام([1022]).
وقد عانى السيد محسن الأمين من أولئك العاجزين عن مواجهة العوام، فبدلاً من أن يقفوا معه في محاربة هذه البدع وقفوا ضده، خوفاً وتقية، منهم عبد الحسين صادق في النبطية، والسيد عبد الحسين شرف الدين في صور، وصالح الحلي الخطيب المشهور، وآل كاشف الغطاء، والميرزا النائيني، ومرتضى آل المظفر، واحتدم النزاع واشتد الصراع، وحمي وطيس المعركة، فانقسم الناس إلى طائفتين على ما اصطلح عليه العوام، فصاروا (علويين) و(أمويين)، والأمويون هم أتباع السيد محسن الأمين، وقد كانوا أقلية لا يعتد بها، وأكثرهم كانوا متسترين خوفاً من الأذى، وقد تجاوز الصراع الحدود المألوفة إلى الخصومات والمهاترات والضرب والاعتداء، حتى قال الحلي في الأمين:
يا راكباً إما مررت بجلق                          فابصق بوجه أمينها المتزندق
وقال رضا الهندي:
ذرية الزهراء إن عددت يو             ماً لتحصي الناس فيها الثنا
فلا تعدوا محسنا منهمو                 لأنها قد أسقطت محسنا
وقال آخر:
وما معول النجدي أدهى مصيبة                من القلم الجاري بمنع المآتم
والموضوع فيه طول([1023]).
ويقول عالم شيعي آخر في هذا المقام: وهناك معاناة أخرى يعانيها الشيعة إثر تبعيتهم لأولئك الفقهاء الذين سكتوا عن الحق، انها المعاناة التي يعانيها الآلاف من الشيعة في يوم عاشوراء من ضرب السيوف على الرؤوس وضرب الأكتاف بالسلاسل، إن هذا العمل - بغض النظر عن المعاناة الجسدية - إنما هو تشويه لصورة الشيعة في العالم، وفي الوقت نفسه إضرار بالنفس ومناقض لكرامة الإنسان([1024]).
ويضيف شيعي آخر: والحق يقال، إن ما يفعله الشيعة من تلك الأعمال ليست هي من الدين في شيء، ولو اجتهد المجتهدون وأفتى بذلك المفتون ليجعلوا فيها أجراً كبيراً وثواباً عظيماً، فإنني لم أقتنع بتلك المناظر المنفرة التي تشمئز منها النفوس وينفر منها العقل السليم، وذلك عندما يعري الرجل جسمه ويأخذ بيده حديداً ويضرب نفسه في حركات جنونية صائحاً بأعلى صوته: حسين، حسين، حسين، حسين. والغريب في الأمر والذي يبعث على الشك أنك ترى هؤلاء الذين خرجوا عن أطوارهم وظننت بأن الحزن أخذ منهم كل مأخذ، تراهم بعد لحظات وجيزة من انتهاء العزاء يضحكون ويأكلون الحلوى ويشربون ويتفكهون وينتهي كل شيء بمجرد انتهاء الموكب، والأغرب من ذلك أن معظم هؤلاء غير ملتزمين بالدين، ولذلك سمحت لنفسي بإنتقادهم مباشرة عدة مرات، وقلت لهم بأن ما يفعلونه هو فلكلور شعبي وتقليد أعمى.. إلخ.
ثم ذكر أن محمد باقر الصدر الذي أفاده بأن ما يراه من ضرب الأجسام وإسالة الدماء هو من فعل عوام الناس وجهالهم، ولا يفعل ذلك أي واحد من العلماء، وقال: وقد حضرت بنفسي في مناسبات عديدة مختلفة وفي بلدان عديدة موكب عاشوراء، ولم أر أحداً من العلماء يفعل ذلك أبدا([1025]).
وقال في قضية أخرى - وهي التدخين في المساجد والمآتم عند الشيعة -: وإنني أستغرب من المراجع عند الشيعة الذين يحرمون اللعب بالشطرنج ولا يحرمون التدخين، وشتان بين ضرر كل منهما، وإنني كثيراً ما كنت ناقماً على هذا الوضع، وكثيراً ما أثرت هذه المسائل مع بعض العلماء فلم أجد من عنده الجرأة الكافية لمنعه وتحريمه، وأذكر أن الشهيد الصدر لم يكن يدخن أبداً، وقد سألته عن التدخين فقال: أنا لا أدخن وأنصح كل مسلم ألا يدخن، ولكني لم أسمع منه التحريم صراحةً، ويقال: إن بعض المراجع حرمه على المبتدئين وكرهه للمدخنين، وبعضهم يحرمه ولكن لا يجرؤ على التصريح بذلك خوفاً أن يتهم بأنه يعمل بالقياس، وعلى المراجع أن يقولوا فيه قولاً صريحاً ولا يخشون في الله لومة لائم، وعليهم أن يحرموه ولو اجتهاداً منهم، أما أن يسكت العلماء والمراجع لأن الناس لا يقبلون ذلك فهذه مشكلة، أو أنهم يخافون من ردة فعل المدخنين فلا يقولون بكراهته وقد سمعت بعضهم يجهد لإقناعي بأن فيه فوائد كثيرة، وهذا أمر خطير له أبعاده، وقد شجع شبان المسلمين الذين يعرفونه على مداومة التدخين([1026]).
وكتب ضد الشيخ الخالصي نحو خمسة عشر كتاباً؛ لأنه أبدى ملاحظات على الطقوس المذهبية الشيعية، ومن بينها: المجالس الحسينية، ومواكب العزاء، فانفجرت العامة في وجه الخالصي، وأصدر بعض العلماء الشيعة فتاوى بتكفيره، وتعرض لحملة ضارية، وأثار بعض المتحاملين الشيعة الصبية والأطفال للخروج في مظاهرات سخرية ضده.
وهذا آية الله النائيني صاحب كتاب (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) الذي أثبت فيه مشروعية الحركة الدستورية، حيث اضطر تحت تأثير العوام إلى جمع كل نسخ الرسالة من المكتبات وإتلافها، وكان يقوم بشراء نسخها من الأسواق مهما كانت قيمتها تجاوباً مع العوام.
وهذا السيد هبة الدين الشهرستاني في منتصف العقد الثاني من القرن الميلادي الحالي، أفتى بحرمة نقل الجنائز من الأماكن البعيدة إلى النجف الأشرف؛ لما يؤدي ذلك من أمراض على إثر تفسخ جثة الميت في الطريق، حيث إن وسائط النقل البدائية تتطلب زمناً طويلاً لإيصال الموتى إلى النجف، وخاصة بالنسبة للاماكن البعيدة، ومن الناحية الفقهية تعنون هذه الحالة بعنوان (هتك حرمة الميت)، وهذا أمر لا تجيزه الشريعة المقدسة، فقامت على إثر ذلك ضجة كبيرة تعرض أثناءها لمحاولة اغتيال فاشلة قام بها بعض العوام.
وهذا الشيخ عبد الكريم اليزدي مؤسس حوزة قم المقدسة يروي عنه آية الله المطهري في كتابه (الاجتهاد في الإسلام)، أنه طلب تدريس اللغات الأجنبية وبعض العلوم الحديثة كمقدمات في الحوزة؛ لكي يتمكن طلبتها من عرض الإسلام على الطبقات الحديثة وفي البلدان الاجنبية، ولكن ما إن انتشر الخبر حتى جاءت جماعات من الناس من طهران إلى قم قائلين: إنهم يدفعون الخمس لتدريس الفقه والأصول، فكيف تدرس به لغة الكفار؟! وإنهم سوف يفعلون كذا وكذا إذا نفذ هذا الاقتراح! فالغى الشيخ فكرته؛ لأن الموقف قد يؤدي إلى انهيار الحوزة الوليدة.
وهذا آية اللّه السيد البروجردي يروي عنه الشيخ المطهري - أيضاً - في كتابه السابق أنه ذكر في أثناء درسه الفقهي ذات يوم بمناسبة البحث في تقية الشيعي من الشيعي أنه - أي: السيد البروجردي- كان يظن أن عليه أن يستنبط الأحكام وعلى الناس العمل بها، لكنه وجد بعد ذلك أن الأمر معكوس، فالناس تريد منه دائماً أن يفتي بما يوافق رغباتهم.
ويروي الشيخ ناصر مكارم الشيرازي أن السيد البروجردي بعث إلى هيئات العزاء الحسيني توجيهاً يطلب منهم فيه ترك العادات المخلة وغير الصحيحة أثناء اقامة مراسم العزاء، فكان جوابهم: أننا نقلدك في أربعة وستين وثلاثمائة يوم من السنة، ولكننا في يوم عاشوراء لا نقلدك.
فهذه مجرد أمثلة، وهناك أمثلة أخرى في حياة الإمام الشهيد الصدر والإمام الخميني على دور العوام السلبي في سير المرجعية.
يقول آية اللّه المطهري في كتابه السابق: إن الآفة التي أصابت مجتمعنا الديني بالشلل وأقعدته عن العمل هي الإصابة بالعوام، إن منظومتنا الدينية على إثر إصابتها بهذه الآفة لا تستطيع أن تكون طليعة فتتحرك أمام قافلة، وأن تهدي القافلة بالمعنى الصحيح للهداية، إنها مضطرة للتحرك وراء القافلة.
ويقول أيضاً: إن حكومة العوام هي منشأ رواج الرياء والمجاملة والتظاهر وكتمان الحقائق والاهتمام بالمظاهر وشيوع الألقاب والمقامات والتطلع إلى المراكز العليا في مجتمعنا الديني مما لا نظير له في العالم.
ويقول أيضاً: إن حكومة العوام هي التي تدمي قلوب أحرارنا وطلاب الإصلاح فينا.
ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة أوجدت تذبذباً في حركة المصلحين، فنجد شخصية تقف إلى جانب الاصلاح في قضية إلى حد الزعامة، وفي الوقت نفسه تعارض الاصلاح في قضية أخرى إلى حد الزعامة أيضاً. فالشيخ محمد رضا المظفر الذي قاد حركة الإصلاح في مناهج الحوزة ومؤسساتها الدراسية حتى وصل إلى قضية الخطابة الحسينية، محاولاً برمجتها فأثيرت في وجهه ضجة عنيفة، كان قبل ذلك يصطف مع الخط المعارض لحركة السيد محسن العاملي بشأن إصلاح الشعائر الحسينية.
والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء الذي تزعم دوراً إصلاحياً في الجانبين السياسي والاجتماعي سجل معارضته لحركة السيد العاملي، والشيخ النائيني الذي وقف إلى جانب الإصلاح السياسي بقوة ختم حياته بمعارضة هذه الحركة أيضاً.
إن حكومة العوام، وعدم التنسيق والتخطيط، وقوة الجناح المحافظ، وتضارب أدوار المصلحين، عوامل سلبية أضعفت حركة الإصلاح في حياة المرجعية، وجعلتها أقل بكثير مما ينبغي([1027]).
وسيطرة العوام شديدة على كل رؤساء المذاهب الإسلامية بشكل عام، وتجرأ السيد هبة الدين الشهرستاني وقال بقدر كبير من الصراحة في الأربعينات من القرن الماضي في مجلته (العلم) في مقالة بعنوان: (علماؤنا والتجاهر بالحق) جاء فيها ما نصه: (وأما في القرون الأخيرة فالسيطرة أضحت للرأي العام على رأي الإعلام، فصار العالم والفقيه يتكلم من خوفه بين الطلاب غير ما يتلطف به بين العوام، وبالعكس، ويختار في كتبه الاستدلالية غير ما يفتي به في الرسائل العملية، ويستعمل في بيان الفتوى فنوناً من السياسة والمجاملة خوفاً من هياج العوام، حتى إنه بلغنا عن فقيه سأله أحد السوقيين عن يهودي بكى على الحسين (ع) فوقعت دمعته على ثوبي، هل نجس الثوب أم لا؟ فأجاب المسكين خوفاً منه: إن جواب هذه المسألة عند الزهراء (ع). وسأل سوقي آخر فقيهاً عمَّن شج رأسه للحسين (ع)، فأجابه كذلك، إلى غير ذلك، لكن هذه الحالة تهدد الدين بانقراض معالمه، واضمحلال أصوله؛ لأن جهّال الأمم يميلون من قلة علمهم، ونقص استعدادهم، وضعف طبعهم إلى الخرافات وبدع الأقوام والمنكرات، فإذا سكت العلماء ولم يزجروهم أو ساعدوهم على مشتهياتهم؛ غلبت زوائد الدين على أصوله، وبدعه على حقائقه، حتى يمسي ذلك الدين شريعة وثنية همجية تهزأ بها الأمم([1028]).
وأمثال هذه الحكايات كثيرة، ولكن أي خير يرتجى من علماء هذا مذهبهم، أو من مذهب هؤلاء علماؤه، لا يجرؤون على الإفتاء بطهارة الكتابي أو وقف الفلكاورات الشعبية أو منع التدخين في المآتم والمساجد وغيرها، ويبررون فعلهم هذا بالأخذ بالتقية؟!

خـلاصـة البـحــث

وبعد.. فقد تبين لنا بعد كل هذا ما يأتي:
1-      أن مفهوم التقية بين السنة والشيعة هو اشتراك في اللفظ واختلاف في المقاصد والغايات، بمعنى أن التقية عند المسلمين هي إظهار الكفر عند الضرورة، وإخفاء الإيمان، وأما تقية الشيعة فهي إظهار الإيمان وإخفاء العقائد الكفرية، كالشرك والغلو والقول بتحريف القرآن وتكفير الصحابة وغيرها من العقائد التي ما أنزل الله بها من سلطان.
2-      التقية عند الشيعة ليست استثناءً أو رخصة عند الضرورة، بل هي ضرورة في ذاتها وواجبة، وهي تسعة أعشار الدين، ومن تركها كمن ترك الصلاة، ولا يجوز رفعها إلى ظهور مهدي الشيعة، وقد اشتهروا بها دون سائر المسلمين.
3-      الأصل في التقية عند المسلمين أن تكون من الكفار، وأما الأصل في تقية الشيعة فأن تكون من أهل السُنة، وفي جوازها من الكفار خلاف بينهم.
4-      أن الذين وضعوا عقيدة التقية بالمفهوم الشيعي أرادوا إبعاد الشيعة عن سائر المسلمين بحمل كل ما جاء على لسان أئمة أهل البيت رحمهم الله مما يوافق ما عليه سائر المسلمين على التقية، أو حمل كل تناقض ورد في رواياتهم المنسوبة إلى الأئمة على التقية، وذلك لتعارض الاختلاف مع عقيدة العصمة.
5-      ذم كشف عقائد الشيعة ومدح كتمانها منهج خطه المندسون في مدرسة أهل البيت لتخفى حقيقتهم ويستتر باطلهم.
6-      روايات ذم الأئمة للزنادقة والكذابين المنُدسين في مدرسة أهل البيت رحمهم الله حملت على التقية بحجة أن هذه الذموم إنما صدرت عنهم لحمايتهم من المخالفين.
7-      سيرة الأئمة تتعارض مع القول بالتقية، فقد كانوا وسائر أهل البيت رحمهم الله مثالاً للجهر بالحق وإنكار المنكر، ولم يصح شيء من سيرتهم يؤيد معتقد التقية.
8-      لا يصح من روايات الترغيب في التقية أو الترهيب من تركها من طرق الإمامية شيء عند التحقيق.
9-      اعتراف الشيعة بأن روايات الأحكام الواردة على التقية لا يمكن أن ترد بطرقٍ معروفة.
10- اعترافهم بضياع أكثر أحكام مذهب أهل البيت بسبب التقية، واختلافهم في المسألة الواحدة إلى عشرين أو ثلاثين قولاً، أو أكثر من ذلك، وترك الكثير من الشيعة لمذهب التشيع بسبب هذه الاختلافات.
11- قولهم بأن الأخبار التي خرجت على طريق التقية لموافقتها لمذهب العامة لا يجب العمل بها.
12- قولهم بجواز التقية بين الشيعة أنفسهم.
وختاماً، هذا ما يسّر الله جمعه في عجالة لا تخلو من هفوات، وعذرنا فيها ضيق الأوقات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أهـم مصــادر الكتـاب

1. القرآن الكريم.
2. إثبات الهداة: محمد بن الحسن الحر العاملي - المطبعة العلمية - قم.
3. الاحتجاج: أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي - مؤسسة أهل البيت - بيروت.
4. اعلموا أني فاطمة: عبد الحميد المهاجر - دار الكتاب والعترة - بيروت.
5. أعيان الشيعة: محسن الأمين - دار التعارف للمطبوعات - بيروت - لبنان.
6. التقية: الشيخ الأنصاري - مهر - قم.
7. الحدائق الناضرة: يوسف البحراني - دار الأضواء - بيروت.
8. الاختصاص: محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالمفيد - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
9. الإرشاد:محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالمفيد - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
10. الاستبصار: محمد بن جعفر الطوسي، شيخ الطائفة - دار الأضواء - بيروت.
11. اختيار معرفة الرجال: الطوسي - بعثت - قم
12. كمال الدين: محمد بن علي بن بابويه القمي الصدوق - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
13. أمالي الصدوق: محمد بن علي بن بابويه القمي الصدوق - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
14. أمالي الطوسي: محمد بن الحسن الطوسي، شيخ الطائفة - مكتبة العرفان - الكويت.
15. أمالي المفيد: محمد بن محمد بن النعمان المفيد - دار التيار الجديد ودار المرتضى.
16. الأنوار النعمانية: نعمة الله الجزائري - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
17. أوائل المقالات: الشيخ المفيد - دار الكتاب الإسلامي - بيروت.
18. بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي - مؤسسة الوفاء - بيروت.
19. البرهان في تفسير القرآن، هاشم البحراني - مؤسسة الوفاء - بيروت.
20. البيان في تفسير القرآن: أبو القاسم الخوئي - دار الزهراء - بيروت.
21. تأويل الآيات الظاهرة:شرف الدين الحسيني الإسترابادي النجفي - مدرسة المهدي - قم.
22. التشيع، نشأته ومعالمه: هاشم معروف - الغدير - بيروت.
23. تفسير الجديد في تفسير القرآن: محمد السبزواري النجفي - دار التعارف - بيروت.
24. تفسير الأمثل: ناصر مكارم الشيرازي - مؤسسة البعثة - بيروت.
25. تفسير العسكري: المنسوب للإمام العسكري - مدرسة الإمام المهدي - قم.
26. تفسير الصافي: الفيض الكاشاني - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
27. تفسير العياشي: محمد بن مسعود بن عياش السمرقندي - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
28. تفسير فرات: فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي - مؤسسة النعمان - بيروت.
29. تفسير القمي: علي بن إبراهيم القمي - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
30. تفسير الكاشف: محمد جواد مغنية - دار العلم للملايين - بيروت.
31. تفسير الميزان: محمد حسين الطباطبائي - مؤسسة إسماعيليان - قم.
32. تفسير نور الثقلين: عبد علي بن جمعة العرسي الحويزي - مؤسسة إسماعيليان - قم.
33. تهذيب الأحكام: محمد بن جعفر الطوسي، شيخ الطائفة - دار الأضواء - بيروت.
34. جامع أحاديث الشيعة: محمد صادق الروحاني - مؤسسة دار الكتاب - قم.
35. الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة: محمد جواد مغنية - مؤسسة عزالدين - بيروت.
36. حق اليقين: السيد عبد الله شبّر - دار الأضواء - بيروت.
37. الحياة الفكرية والسياسية لأئمة أهل البيت - رسول جعفريان - دار الحق - بيروت.
38. الخصال: محمد بن علي بن بابويه القمي الصدوق - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
39. رجال النجاشي: أحمد بن علي النجاشي - دار الأضواء - بيروت.
40. رجال ابن داود: تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلي - منشورات الرضي - قم.
41. رجال الحلي: الحسن بن يوسف المطهر الحلي - دار الذخائر للمطبوعات - قم.
42. رجال الطوسي: محمد بن جعفر الطوسي، شيخ الطائفة - دار الذخائر للمطبوعات - قم.
43. رجال الكشي: محمد بن عمر الكشي.
44. الرسائل: آية الله العظمى الخميني - مؤسسة مطبوعات إسماعليان - قم.
45. عقائد الإمامية: محمد رضا المظفر - دار الصفوة - بيروت.
46. علل الشرائع: محمد بن علي بن بابويه القمي الصدوق - المكتبة الحيدرية - النجف.
47. عيون أخبار الرضا: محمد بن علي بن بابويه القمي - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
48. الغدير: عبد الحسين أحمد الأميني النجفي - دار الكتب الإسلامية - طهران.
49. غيبة النعماني: محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
50. غيبة الطوسي: محمد بن جعفر الطوسي، شيخ الطائفة - مكتبة الألفين - الكويت.
51. فرق الشيعة: الحسن بن موسى النوبختي - دار الأضواء - بيروت.
52. الفصول المختارة: محمد بن محمد بن النعمان المفيد - دار الأضواء - بيروت.
53. فقه الصادق: محمد صادق الروحاني - مؤسسة دار الكتاب - قم.
54. قرب الإسناد: عبد الله بن جعفر الحميري - مؤسسة آل البيت - بيروت.
55. فصل الخطاب: النوري الطبرسي - إيران.
56. الكافي: محمد بن يعقوب الكليني - دار الأضواء - بيروت.
57. كليات في علم الرجال: جعفر السبحاني - منشورات الحوزة العلمية - قم.
58. كشف الغمة: علي بن عيسى الإربلي - دار الأضواء - بيروت.
59. كنز الفوائد: محمد بن علي بن عثمان الكراجكي - دار الأضواء - بيروت.
60. كل الحلول عند آل الرسول: محمد التيجاني السماوي - دار المجتبى - بيروت.
61. مجمع البيان: الفضل بن الحسن الطبرسي - انتشارات ناصر خسرو - طهران.
62. مجمع الرجال: عناية الله علي القهبائي - مؤسسة إسماعليان - قم.
63. محجة العلماء - الطهراني - إيران.
64. مستدرك الوسائل: النوري الطبرسي - بيروت.
65. مستدرك سفينة البحار: علي النمازي الشاهرودي - مؤسسة النشر الإسلامي- قم
66. مستدركات علم رجال الحديث: علي النمازي الشاهرودي- شفق - طهران.
67. مشارق الشموس الدرية: السيد عدنان الموسوي البحراني - المكتبة العدنانية - البحرين.
68. مع الصادقين: محمد التيجاني السماوي - مؤسسة الفجر - لندن.
69. معاني الأخبار: محمد بن علي بن بابويه القمي الصدوق - مكتبة الصدوق - طهران.
70. معجم رجال الخوئي: أبو القاسم الخوئي - منشورات مدينة العلم - قم.
71. منتخب الأثر: لطف الله الصافي - مكتبة الصدر - طهران.
72. الموضوعات في الآثار والأخبار: هاشم معروف - دار الكتاب اللبناني - بيروت
73. موسوعة أحاديث أهل البيت (ع): هادي النجفي - دار إحياء التراث العربي - بيروت
74. موسوعة المصطفى والعترة (ع): الحاج حسين الشاكري - نشر الهادي - قم.
75. نقض الوشيعة: محسن الأمين - مؤسسة الأعلمي - بيروت.
76. نهج البلاغة: المنسوب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالبرضي الله عنه- دار الأندلس - بيروت.
77. وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: الحر العاملي - بيروت.
78. وغيرها من عشرات المصادر المذكورة في الحواشي.


([1]) انظر: لسان العرب لابن منظور (15/401).
([2]) انظر: النهاية في غريب الأثر لابن الأثير (5/484).
([3]) انظر: مفردات ألفاظ القرآن الكريم (2/530).
([4]) انظر: المعجم الوسيط (2/1029).
([5]) انظر: فتح الباري لابن حجر العسقلاني (19/398).
([6]) انظر: تفسير ابن كثير (2/775).
([7]) انظر: فتح القدير للشوكاني (1/452).
([8]) انظر: تفسير القرطبي (4/57).
([9]) انظر: تفسير القرطبي (10/182).
([10]) انظر: تفسير القرطبي (10/188).
([11]) انظر: تفسير الخازن (1/358).
([12]) انظر: تفسير الكشاف للزمخشري (1/265).
([13]) انظر: تفسير البغوي (2/26).
([14]) انظر: الوجيز للواحدي (1/205).
([15]) انظر: تفسير البغوي (2/26).
([16]) انظر: الوجيز للواحدي (1/205).
([17]) انظر: تفسير آيات الأحكام للصابوني (1/180).
([18]) انظر: المعجم الكبير للطبراني (7/327)، شعب الإيمان للبيهقي (7/52)، مسند أحمد (17/228).
([19]) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية (1/425).
([20]) انظر: المحرر الوجيز (1/420)، جامع لطائف التفسير للقماش (12/290).
([21]) انظر: زاد المسير لابن الجوزي (1/372).
([22]) انظر: مفاتيح الغيب للرازي (8/12)، وما بعدها.
([23]) انظر: روح المعاني للألوسي (2/121).
([24]) تفسير المنار (3/231).
([25]) تفسير المراغي (3/136).
([26]) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (1/48).
([27]) تفسير القمي لعلي بن إبراهيم القمي (1/108).
([28]) تفسير البيان (2/435).
([29]) تفسير التبيان (2/434).
([30]) مجمع البيان (2/273- 274).
([31]) جوامع الجامع (1/167).
([32]) تفسير تفسير الصافي للفيض الكاشاني (1/302).
([33]) تفسير شبر (1/53).
([34]) بيان السعادة في مقامات العبادة (1/255).
([35]) القواعد والفوائد للشهيد الأول (2/155).
([36]) القواعد والفوائد، للشهيد الأول (2/157- 158)، وانظر: بحار الأنوار للمجلسي (39/329، 72/435)، مستدرك سفينة البحار، للنمازي (10/419) وكلاهما قد نقلا عنه.
([37]) مقتنيات الدرر (2/182)
([38]) تفسير الميزان (3/153).
([39]) الجديد في تفسير القرآن (2/39).
([40]) اعلموا أني فاطمة (7/208).
([41]) الأمثل لمكارم الشيرازي (2/333).
([42]) فقه الصادق (ع)، لمحمد صادق الروحاني (11/392).
([43]) أصل الشيعة لكاشف الغطاء (315).
([44]) مع الشيعة الإمامية في عقائدهم (94).
([45]) تاريخ الإمامية (166)، شبهات حول الشيعة (25).
([46]) التفسير الكاشف (2/44) الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة (227)، مع الشيعة الإمامية في عقائدهم لجعفر السبحاني (95)، الشيعة في الميزان لمحمد جواد مغنية(52)، أضواء على عقائد الشيعة الإمامية لجعفر السبحاني (422)، الاعتصام بالكتاب والسنة لجعفر السبحاني (335).
([47]) الشيعة في الميزان (52).
([48]) الاعتقادات للمفيد (107- 108).
([49]) الهداية للصدوق (53)، وانظر: بحار الأنوار للمجلسي (72/421) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/254) مستدرك سفينة البحار للنمازي (10/416)
([50]) الكنى والألقاب لعباس القمي (1/141)
([51]) مرآة الأنوار للعاملي (337).
([52]) المكاسب المحرمة (2/163)
([53]) التقية في الفكر الإسلامي مركز الرسالة (103)، دروس في الجهاد والرفض (55).
([54]) بحار الأنوار للمجلسي (72/412).
([55]) الهداية للصدوق (251)، المكاسب المحرمة، للخميني (2/144)، القواعد الفقهية لناصر مكارم الشيرازي (1/490)، من لا يحضره الفقيه، للصدوق (2/127)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (7/94، 10/131، 16/211، 11/466)، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي (12/254)، مستطرفات السرائر، لابن إدريس الحلي (583)، بحار الأنوار للمجلسي (50/181، 64/103، 72/414، 421)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/513، 586)، مستدرك سفينة البحار، للنمازي (0/416، 420)، كشف الغمة، للإربلي (3/182)، الكنى والألقاب، لعباس القمي (1/142)
([56]) فقه الرضا، لعلي بن بابويه (338)، بحار الأنوار للمجلسي (75/347)، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي (10/417)
([57]) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/253)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/504)، فقه الصادق للروحاني (11/417 (ش))، كتاب سليم بن قيس (416).
([58]) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/252)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/504).
([59]) الكافي، للكليني (2/219)، مشكاة الأنوار، لعلي الطبرسي (90) دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي (1/110)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/204، 210، 236) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/255، 16/68) جامع الأخبار (95)، مفتاح الكرامة (12/379).
([60]) بحار الأنوار للمجلسي (66/486، 75/394، 399، 423، 79/172، 80/267)، الخصال، للصدوق (1/14) المحاسن، للبرقي (259)، الكافي، للكليني (1/217، 2/217)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/204، 215).
([61]) بحار الأنوار للمجلسي (75/394، 437)، قرب الإسناد للحميري (17) نور الثقلين للحويزي (3/89) الكافي للكليني (2/221) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/227).
([62]) بحار الأنوار للمجلسي (75/397) المحاسن للبرقي (257) العلل (51) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/254).
([63]) الكافي للكليني (2/218) بحار الأنوار للمجلسي (75/428)
([64]) علل الشرائع للصدوق (51) بحار الأنوار للمجلسي (75/425) الكافي للكليني (2/217)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/209، 215) مشكاة الأنوار (43).
([65]) بحار الأنوار للمجلسي (75/412) جامع الأخبار (95) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/256) مشكاة الأنوار (42).
([66]) بحار الأنوار للمجلسي (68/163، 74/229، 75/409، 415) تفسير الإمام العسكري (128) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/474، 16/223) جامع الأخبار (95).
([67]) بحار الأنوار للمجلسي (75/395) كمال الدين للصدوق (346) نور الثقلين للحويزي (4/47) منتخب الأثر (220).
([68]) تفسير الإمام العسكري (320) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/473) بحار الأنوار للمجلسي (74/229، 75/414) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (9/48) جامع الأخبار (110).
([69]) بحار الأنوار للمجلسي (75/414) تفسير الإمام العسكري (127) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/473، 16/222) جامع الأخبار (94).
([70]) بحار الأنوار للمجلسي (75/417) تفسير الإمام العسكري (128).
([71]) الخصال (1/14) بحار الأنوار للمجلسي (75/394، 398، 412، 432، 78/287) المحاسن للبرقي (258) جامع الأخبار (95) الكافي للكليني (2/220) التحف (307) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/204، 211) مشكاة الأنوار (43) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/257، 289).
([72]) بحار الأنوار للمجلسي (75/415) تفسير الإمام العسكري (127).
([73]) بحار الأنوار للمجلسي (75/396) معاني الأخبار (162) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/207، 219).
([74]) بحار الأنوار للمجلسي (13/135، 75/396) معاني الأخبار (386) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/208).
([75]) بحار الأنوار للمجلسي (75/397، 412) المحاسن للبرقي (257) جامع الأخبار (110) الكافي للكليني (2/222) الرسائل، للخميني (2/185).
([76]) بحار الأنوار للمجلسي (75/398، 426) المحاسن للبرقي (256) الكافي للكليني (2/217) مشكاة الأنوار (41).
([77]) بحار الأنوار للمجلسي (75/394، 395، 104/218) الخصال (2/153) عيون أخبار الرضا (2/124) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (15/49، 50، 16/210، 23/226).
([78]) الكافي، للكليني (3/380)، تهذيب الأحكام، للطوسي (3/51)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (8/405)، بحار الأنوار للمجلسي (85/69)، الخلاف، للطوسي (1/566)، المعتبر، للحلي (2/445)، تذكرة الفقهاء، للحلي (4/337)، منتهى المطلب، للحلي (1/383)، مجمع الفائدة، للأردبيلي3/330، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (6/418، 530).
([79]) بحار الأنوار للمجلسي (8/44) تفسير الإمام العسكري (242) البرهان (2/325).
([80]) شرح أصول الكافي للمازندراني (9/125)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (2/223، 9/397)، مفتاح الكرامة (12/378 (ش))، الرسائل للخميني (1/65)، بدائع الدر للخميني (134، 145).
([81]) الاختصاص للمفيد (20)، بحار الأنوار للمجلسي (52/144)، معجم أحاديث الإمام المهدي، للكوارني (3/404)، موسوعة شهادة المعصومين (417).
([82]) القواعد الفقهية، لناصر مكارم الشيرازي (1/410، 478)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/466)، الأمالي، للطوسي (281)، الصراط المستقيم، للعاملي (3/71)، بحار الأنوار للمجلسي (72/395)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (10/93).
([83]) إثبات الهداة (3/564)، بحار الأنوار للمجلسي (24/47)، كنزالفوائد، للكراجكي (282)، تأويل الآيات (2/540).
([84]) بحار الأنوار للمجلسي (75/411، 396) كمال الدين للصدوق (371)، وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (16/212)، كشف الغمة، للإربلي (3/331)، مشكاة الأنوار لعلي الطبرسي (90).
([85]) الفصول المختارة (76).
([86]) القواعد الفقهية لناصر مكارم الشيرازي (1/497)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/487).
([87]) الكافي، للكليني (1/330)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/487، 18/100)، الغيبة، للطوسي (360)، بحار الأنوار للمجلسي (51/348)، إعلام الورى، للطبرسي (2/219)
([88]) كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق (482)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/489)، بحار الأنوار للمجلسي (51/33، 53/184)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/561)، مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي (5/392)، معجم رجال الحديث، للخوئي (13/70).
([89]) القواعد الفقهية لناصر مكارم الشيرازي (1/495، 499)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/489)، بحار الأنوار للمجلسي (51/33، 53/184)، جامع أحاديث الشيعة للبرجرودي (14/561)، مستدرك سفينة البحار للنمازي (10/506).
([90]) القواعد الفقهية لناصر مكارم الشيرازي (1/499)، كتاب الغيبة، للنعماني (300)، بحار الأنوار للمجلسي (51/31، 52/98)، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)، للكوراني (3/229)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (2/44)، موسوعة شهادة المعصومين (ع)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع)،( 3/380).
([91]) الخراجيات، للكركي (60)، رسائل الكركي، للكركي (1/258).
([92]) بحار الأنوار للمجلسي (72/395)، الأمالي، للطوسي (293)، وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (16/212)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (2/225، 10/93).
([93]) فقه الرضا علي بن بابويه (338)، بحار الأنوار للمجلسي (75/347)، مستدرك سفينة البحار، للنمازي (10/417).
([94]) انظر: الرسائل للخميني (2/174) (حول أقسام التقية).
([95]) الرسائل للخميني (2/201).
([96]) بداية المعارف الإلهية، لمحسن الخرازي (181(هـ)).
([97]) أجوبة الشبهات، لدستغيب (159).
([98]) القواعد الفقهية، لمكارم الشيرازي (1/410- 411)
([99]) تهذيب الأحكام، للطوسي (6/172)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/483)، جواهر الكلام، للجواهري (21/392)، القواعد الفقهية لناصر مكارم الشيرازي (1/418)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/586)، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)، لعلي الكوراني (4/42)، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري (4/3654)، البيان في عقائد أهل الإيمان، للشريعتي الأصفهاني (96، 99).
([100]) بحار الأنوار للمجلسي (7/273).
([101]) بحار الأنوار للمجلسي (11/87).
([102]) بحار الأنوار للمجلسي (11/116، 222).
([103]) بحار الأنوار للمجلسي (11/180، 213).
([104]) بحار الأنوار للمجلسي (11/230 (ش) ).
([105]) بحار الأنوار للمجلسي (12/49).
([106]) بحار الأنوار للمجلسي (12/113).
([107]) بحار الأنوار للمجلسي (12/135).
([108]) بحار الأنوار للمجلسي (14/134).
([109]) بحار الأنوار للمجلسي (14/190).
([110]) بحار الأنوار للمجلسي (14/202).
([111]) بحار الأنوار للمجلسي (14/202).
([112]) بحار الأنوار للمجلسي (14/215).
([113]) بحار الأنوار للمجلسي (14/355).
([114]) بحار الأنوار للمجلسي (14/378).
([115]) بحار الأنوار للمجلسي (14/401).
([116]) بحار الأنوار للمجلسي (15/111).
([117]) بحار الأنوار للمجلسي (16/272).
([118]) بحار الأنوار للمجلسي (18/190).
([119]) بحار الأنوار للمجلسي (22/216).
([120]) بحار الأنوار للمجلسي (27/289).
([121]) بحار الأنوار للمجلسي (43/144).
([122]) بحار الأنوار للمجلسي (56/23).
([123]) بحار الأنوار للمجلسي (56/34، 89/362).
([124]) بحار الأنوار للمجلسي (56/47).
([125]) بحار الأنوار للمجلسي (59/101).
([126]) بحار الأنوار للمجلسي (59/109)، رمز الصحة (36 (هـ)).
([127]) ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري (3/2352).
([128]) بحار الأنوار للمجلسي (62/206).
([129]) بحار الأنوار للمجلسي (62/221)
([130]) بحار الأنوار للمجلسي (62/274).
([131]) بحار الأنوار للمجلسي (62/311).
([132]) بحار الأنوار للمجلسي (62/317).
([133]) كفاية الأحكام للسبزاوي (2/582).
([134]) بحار الأنوار للمجلسي (63/37).
([135]) بحار الأنوار للمجلسي (63/47).
([136]) بحار الأنوار للمجلسي (63/50).
([137]) بحار الأنوار للمجلسي (63/57، 70).
([138]) بحار الأنوار للمجلسي (63/237).
([139]) بحار الأنوار للمجلسي (63/357).
([140])بحار الأنوار للمجلسي (63/463).
([141]) بحار الأنوار للمجلسي (63/470).
([142]) بحار الأنوار للمجلسي (63/540).
([143]) بحار الأنوار للمجلسي (77/100).
([144]) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (2/192).
([145]) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (1/516).
([146]) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (2/565).
([147]) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (2/565).
([148]) بحار الأنوار للمجلسي (77/51).
([149]) بحار الأنوار للمجلسي (77/51).
([150]) بحار الأنوار للمجلسي (77/97).
([151]) الاستبصار للطوسي (1/178) وانظر: وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (3/412).
([152]) الاستبصار للطوسي (1/180) وانظر: وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (3/406).
([153]) الاستبصار للطوسي (1/188) وانظر: وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (3/413).
([154]) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (1/181)، وانظر:  كشف اللثام، للفاضل الهندي (1/17).
([155]) بحار الأنوار للمجلسي (77/201).
([156]) وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (5/81).
([157])بحار الأنوار للمجلسي (77/219).
([158])وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (1/351).
([159])بحار الأنوار للمجلسي (77/228)،مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (1/231).
([160])بحار الأنوار للمجلسي (77/273).
([161])تهذيب الأحكام للطوسي (1/59).
([162])تهذيب الأحكام للطوسي (1/59).
([163])تهذيب الأحكام للطوسي (1/66).
([164])تهذيب الأحكام للطوسي (1/91).
([165])تهذيب الأحكام للطوسي (1/92).
([166])تهذيب الأحكام للطوسي (1/93).
([167])بحار الأنوار للمجلسي (77/331) ،وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (1/475).
([168])بحار الأنوار للمجلسي (77/337).
([169])بحار الأنوار للمجلسي (77/358).
([170])مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (1/233).
([171])بحار الأنوار للمجلسي (78/81).
([172])بحار الأنوار للمجلسي (78/95، 105).
([173])بحار الأنوار للمجلسي(78/117).
([174])بحار الأنوار للمجلسي (78/118)،وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (2/342).
([175])وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (2/386).
([176])مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (2/48).
([177])بحار الأنوار للمجلسي (87/150).
([178])الاستبصار للطوسي (1/170)،وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (3/362، 365).
([179])تهذيب الأحكام للطوسي (1/446)بحار الأنوار للمجلسي (87/294)وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (2/484).
([180]) تهذيب الأحكام للطوسي (1/464).
([181])بحار الأنوار للمجلسي (78/311، 321).
([182])بحار الأنوار للمجلسي (78/313، 321)تهذيب الأحكام للطوسي (1/295)الاستبصار  للطوسي (1/210).
([183])الاستبصار للطوسي (1/211).
([184])بحار الأنوار للمجلسي (78/346)،تهذيب الأحكام للطوسي (3/205).
([185])بحار الأنوار للمجلسي (87/350)وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (3/87).
([186])بحار الأنوار للمجلسي (87/356).
([187])تهذيب الأحكام للطوسي (3/192)،الاستبصار للطوسي (1/478).
([188])تهذيب الأحكام للطوسي (3/193، 319)وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (3/89).
([189])تهذيب الأحكام للطوسي (3/316)،الاستبصار للطوسي (1/475)،وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (3/85، 107).
([190])بحار الأنوار للمجلسي (87/386)مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (2/283).
([191])تهذيب الأحكام للطوسي (3/321)الاستبصار للطوسي (1/470)،وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (3/109).
([192])بحار الأنوار للمجلسي (79/26).
([193])بحار الأنوار للمجلسي (79/30).
([194])بحار الأنوار للمجلسي (79/37).
([195])بحار الأنوار للمجلسي (80/16، 24، 42).
([196])الاستبصار للطوسي (1/291).
([197])بحار الأنوار للمجلسي (80/51).
([198])بحار الأنوار للمجلسي (80/85)وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (4/198).
([199])بحار الأنوار للمجلسي (80/60).
([200])بحار الأنوار للمجلسي (80/62).
([201])بحار الأنوار للمجلسي (80/64).
([202])تهذيب الأحكام للطوسي (2/211)،وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (4/350).
([203])بحار الأنوار للمجلسي (80/220، 224، 225)،تهذيب الأحكام للطوسي (2/213).
([204])بحار الأنوار للمجلسي (80/237)وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (4/344).
([205])بحار الأنوار للمجلسي (80/314).
([206])بحار الأنوار للمجلسي (81/119)وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (5/421).
([207])بحار الأنوار للمجلسي (81/158)
([208])بحار الأنوار للمجلسي (81/159)
([209])بحار الأنوار للمجلسي (81/168)،تهذيب الأحكام للطوسي (2/63)الاستبصار للطوسي (1/308).
([210])تهذيب الأحكام للطوسي (2/62).
([211])بحار الأنوار للمجلسي (81/242).
([212])بحار الأنوار للمجلسي (81/286)،وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (7/272).
([213])بحار الأنوار للمجلسي (81/292).
([214])بحار الأنوار للمجلسي (81/299)وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (7/269).
([215])بحار الأنوار للمجلسي (81/300).
([216])بحار الأنوار للمجلسي (81/309).
([217])بحار الأنوار للمجلسي (81/327).
([218]) بحار الأنوار للمجلسي (82/13).
([219]) تهذيب الأحكام للطوسي (2/294).
([220]) بحار الأنوار للمجلسي (82/171، 176).
([221]) بحار الأنوار للمجلسي (82/22).
([222]) تهذيب الأحكام للطوسي (2/68، 288) الاستبصار للطوسي (1/312) وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (6/62).
([223]) تهذيب الأحكام للطوسي (2/75) الاستبصار للطوسي (1/318) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (6/68)
([224]) بحار الأنوار للمجلسي (82/42).
([225]) بحار الأنوار للمجلسي (82/81).
([226]) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (6/127).
([227]) بحار الأنوار للمجلسي (82/146).
([228]) بحار الأنوار للمجلسي (82/156).
([229]) بحار الأنوار للمجلسي (82/176).
([230]) بحار الأنوار للمجلسي (82/209).
([231]) تهذيب الأحكام للطوسي (2/92) الاستبصار للطوسي (1/341).
([232]) تهذيب الأحكام للطوسي (2/91) الاستبصار للطوسي (1/340).
([233]) الاستبصار للطوسي (1/418).
([234]) تهذيب الأحكام للطوسي (2/161).
([235]) تهذيب الأحكام للطوسي (2/109).
([236]) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (6/344).
([237]) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (6/346).
([238]) بحار الأنوار للمجلسي (84/34).
([239]) بحار الأنوار للمجلسي (84/47).
([240]) بحار الأنوار للمجلسي (84/165).
([241]) بحار الأنوار للمجلسي (85/223).
([242]) بحار الأنوار للمجلسي (85/68).
([243]) بحار الأنوار للمجلسي (85/167، 168).
([244]) بحار الأنوار للمجلسي (85/219).
([245]) بحار الأنوار للمجلسي (85/254، 256).
([246]) بحار الأنوار للمجلسي (85/325).
([247]) تهذيب الأحكام للطوسي (2/195) الاستبصار للطوسي (1/380) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (8/208).
([248]) تهذيب الأحكام للطوسي (2/320) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (6/399).
([249]) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (8/373).
([250]) بحار الأنوار، للمجلسي (86/13).
([251]) بحار الأنوار للمجلسي (86/72).
([252]) بحار الأنوار للمجلسي (86/97، 114).
([253]) بحار الأنوار للمجلسي (86/150).
([254]) بحار الأنوار للمجلسي (86/175).
([255]) بحار الأنوار للمجلسي (86/176).
([256]) بحار الأنوار للمجلسي (86/210، 257).
([257]) تهذيب الأحكام للطوسي (3/239) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (7/307).
([258]) تهذيب الأحكام للطوسي (3/278) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (8/369).
([259]) بحار الأنوار للمجلسي (87/351)، تهذيب الأحكام للطوسي (3/131، 133).
([260]) بحار الأنوار للمجلسي (88/130).
([261]) تهذيب الأحكام للطوسي (3/292) بحار الأنوار للمجلسي (88/163) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (6/171).
([262]) بحار الأنوار للمجلسي (94/296).
([263]) الاستبصار للطوسي (2/79).
([264]) الاستبصار للطوسي (2/85).
([265]) الاستبصار للطوسي (2/88) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (10/59، 64).
([266]) تهذيب الأحكام للطوسي (4/82) الاستبصار للطوسي (2/48).
([267]) تهذيب الأحكام للطوسي (6/280، 281) الاستبصار للطوسي (3/25).
([268]) تهذيب الأحكام للطوسي (7/251) الاستبصار للطوسي (3/142) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (21/12).
([269]) تهذيب الأحكام للطوسي (7/255).
([270]) تهذيب الأحكام للطوسي (7/298) الاستبصار للطوسي (3/180).
([271]) تهذيب الأحكام للطوسي (7/317) الاستبصار للطوسي (3/197) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (20/377).
([272]) الاستبصار للطوسي (3/198) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (20/386).
([273]) تهذيب الأحكام للطوسي (7/416) الاستبصار للطوسي (3/244) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (20/142).
([274]) الاستبصار للطوسي (1/112) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (2/200).
([275]) تهذيب الأحكام للطوسي (7/480) الاستبصار للطوسي (3/252).
([276]) تهذيب الأحكام للطوسي (8/125) الاستبصار للطوسي (2/219) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (22/207).
([277]) تهذيب الأحكام للطوسي (8/126) الاستبصار للطوسي (3/330).
([278]) تهذيب الأحكام للطوسي (9/162، 200) الاستبصار للطوسي (4/113) الاستبصار للطوسي (4/127) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (19/295).
([279]) تهذيب الأحكام للطوسي (9/306) الاستبصار للطوسي (4/158).
([280]) بحار الأنوار للمجلسي (98/35) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (14/451).
([281]) بحار الأنوار للمجلسي (98/82).
([282]) بحار الأنوار للمجلسي (98/115).
([283]) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (15/82).
([284]) للاطلاع على الحوادث مفصلة انظر: العبر في أخبار من غبر للذهبي (1/ 77- 337).
([285]) الصوارم المهرقة، للتستري (240)، إثبات الهداة (3/194) قواعد الحديث (132) عوالي اللآلئ (1/433).
([286]) خاتمة المستدرك للنوري الطبرسي (2/377).
([287]) عقائد الإمامية لمحمد رضا المظفر (108).
([288]) مجمع الفائدة للأردبيلي (1/11).
([289]) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة للشهيد الأول (1/60).
([290]) الحياة الفكرية والسياسية للائمة أهل البيت لرسول جعفريان (1/285).
([291]) الشيعة في الميزان لمحمد جواد مغنيه (345).
([292]) الشيعة في الميزان، لمحمد جواد مغنية (52).
([293]) شبهات حول الشيعة (21).
([294]) أجوبة مسائل جار الله، لشرف الدين الموسوي (83).
([295]) مع الشيعة الإمامية في عقائدهم لجعفر السبحاني (87).
([296]) أضواء على عقائد الشيعة الإمامية لجعفر السبحاني (421)، عقائد الإمامية لمحمد رضا المظفر (84)، بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية لمحسن الخزازي (2/179)، مناظرات في العقائد والأحكام لعبد الله الحسن (2/221 (هـ)).
([297]) أضواء على عقائد الشيعة الإمامية، لجعفر السبحاني (417)، الاعتصام بالكتاب والسنة، لجعفر السبحاني (328).
([298]) العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت (ع)، لجعفر السبحاني (275).
([299]) مع الصادقين للتيجاني السماوي (187).
([300]) انظر: الإمامة وأهل البيت لمحمد بيومي مهران (1/214- 215).
([301])انظر: الإمامة وأهل البيت لمحمد بيومي مهران (1/215- 216).
([302]) انظر: دراسات في علم الدراية لعلي أكبر غفاري (16).
([303]) الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (7/62، 69)، مستند الشيعة، للنراقي (4/321)، جواهر الكلام، للجواهري (8/88، 98)، من لا يحضره الفقيه، للصدوق (1/262)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (3/253)
([304]) مناهج الأحكام، للميرزا القمي (47).
([305]) عيون أخبار الرضا (ع)، للصدوق (1/138)، الفصول المهمة في أصول الأئمة، للحر العاملي (1/664)، بحار الأنوار للمجلسي (16/221، 37/122)، مسند الإمام الرضا (ع)، لعزيز الله عطاردي (1/329).
([306]) كتاب الأربعين، للماحوزي (416).
([307]) كتاب الأربعين، للماحوزي (135).
([308]) التوحيد للصدوق (338) بحار الأنوار للمجلسي (42/122).
([309]) الإرشاد للمفيد (1/9).
([310]) بحار الأنوار للمجلسي (42/109).
([311]) نهج البلاغة، من كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري (73)، بحار الأنوار للمجلسي (21/26، 33/475، 40/342، 41/68) أمالي الصدوق (604).
([312]) نهج البلاغة (3/120) بحار الأنوار للمجلسي (33/597).
([313]) الأمالي، للصدوق (172)، بحار الأنوار للمجلسي (6/138، 32/599، 68/263، 74/382)، مستدرك سفينة البحار، للنمازي (/)، ميزان الحكمة، للريشهري (4/2969)، كشف الغمة، للإربلي (1/252).
([314]) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب (3/186)، بحار الأنوار للمجلسي (44/104)
([315]) الفصول المهمة في معرفة الأئمة، لابن الصباغ (2/729 (هـ))، غاية المرام، لهاشم البحراني (2/89، 3/208)
([316]) الاحتجاج، للطبرسي (1/420)، بحار الأنوار للمجلسي (44/90)، العدد القوية، لعلي بن يوسف الحلي (39)، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (ع)، لابن الدمشقي (2/215)، صحيفة الحسن (ع)، لجواد القيومي (200).
([317]) بحار الأنوار للمجلسي (44/79)، الإمام الحسين في أحاديث الفريقين للأبطحي (2/199 (هـ)).
([318]) الاحتجاج للطبرسي (2/19)، بحار الأنوار للمجلسي (44/127)، شجرة طوبى، لمحمد مهدي الحائري (1/58، 102)، موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع، 334)، جواهر التاريخ، للكوراني (3/389)، الأخلاق الحسينية، لجعفر البياتي (194).
([319]) الحدائق الناضرة ليوسف البحراني (3/412)، وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (2/515).
([320]) الاحتجاج، للطبرسي (2/23)، مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب (3 /209)، مدينة المعاجز، لهاشم البحراني (3/497)، بحار الأنوار للمجلسي (44/206)، مستدرك سفينة البحار، للنمازي (5/372، 7/594)، الدر النظيم، لابن حاتم العاملي (529)، جواهر التاريخ، للكوراني (3/371).
([321]) بحار الأنوار للمجلسي (44/211)، العوالم، الإمام الحسين (ع)، لعبد الله البحراني (89)، مستدرك سفينة البحار، للنمازي (7/594)، موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع) (259)، تفسير فرات الكوفي (253)، الشيعة في أحاديث الفريقين، لمرتضى الأبطحي (284).
([322]) مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب (3/184)، بحار الأنوار للمجلسي (43/344)، موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع) (259).
([323]) بحار الأنوار للمجلسي (44/109، 49/253)، موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع) (260)، جواهر التاريخ، لعلي الكوراني (3/435)، موسوعة كلمات الإمام الحسن (ع)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع) (106)، وانظر: شرح أحقاق الحق للمرعشي (33/632).
([324]) موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع) (261، 304)، الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ص)، لجعفر مرتضى (2/144)، جواهر التاريخ، لعلي الكوراني (3/379)، شرح إحقاق الحق، للمرعشي (33/632).
([325]) مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب (3/224)، العوالم، الإمام الحسين (ع)، لعبد الله البحراني (66)، جواهر التاريخ، لعلي الكوراني (3/379، 379)، من أخلاق الإمام الحسين (ع)، لعبد العظيم المهتدي البحراني (119)، شرح إحقاق الحق، للمرعشي (33/632).
([326]) موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع) (303)، جواهر التاريخ، لعلي الكوراني (3/255).
([327]) بحار الأنوار للمجلسي (44/214)، العوالم، الإمام الحسين (ع)، لعبد الله البحراني (91)، موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع، 314)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (1/252)، معجم رجال الحديث، للخوئي (19/213)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (1/582)، جواهر التاريخ، للكوراني (3/385)، الأخلاق الحسينية، لجعفر البياتي (196).
([328]) موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع) (293)، جواهر التاريخ، للكوراني (3/369)، شرح إحقاق الحق، للمرعشي (27/168، 516)، الإمام الحسين (ع) سماته وسيرته، لمحمد رضا الجلالي (114)، مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت (10/163).
([329]) دعائم الإسلام، للقاضي النعمان المغربي (2/133)، بحار الأنوار للمجلسي (63/495)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (18/522)، موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع)/317، 162).
([330]) أعيان الشيعة لمحسن الأمين (3/492).
([331]) الكافي، للكليني (4/466)، بحار الأنوار للمجلسي (47/58)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (7/131).
([332]) الأمالي، للطوسي (51)، بحار الأنوار للمجلسي (47/165)، موسوعة المصطفى والعترة (ع) لحسين الشاكري (10/191)، إثبات الهداة (1/485).
([333]) واقع التقية عند المذاهب، لثامر هاشم حبيب العميدي (35).
([334]) علل الشرائع، للصدوق (2/496)، بحار الأنوار للمجلسي (47/166، 61/312)، موسوعة المصطفى والعترة (ع)، للحاج حسين الشاكري (10/191).
([335]) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/307، 13/128)، بحار الأنوار للمجلسي (47/184)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/430، 17/280)، كشف الغمة، للإربلي (2/427)، موسوعة المصطفى والعترة (ع) لحسين الشاكري (9/429، 10/134).
([336]) الأمالي، للصدوق (711)، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي (11/287)، بحار الأنوار للمجلسي (10/218، 47/168)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/239)، مستدرك سفينة البحار، للنمازي (10/389)، موسوعة المصطفى والعترة (ع) لحسين الشاكري (10/202).
([337]) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة للشهيد الأول (2/59)، مسكن الفؤاد للشهيد الثاني (104)، بحار الأنوار للمجلسي (79/107).
([338]) مفتاح الكرامة، لمحمد جواد العاملي (12/183 (هـ)).
([339]) مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب (3/427)، بحار الأنوار للمجلسي (48/141)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (1/481)
([340]) الاختصاص للمفيد (262)، بحار الأنوار للمجلسي (48/156)، موسوعة المصطفى والعترة (ع)، للحاج حسين الشاكري (11/379)
([341]) القواعد الفقهية لمكارم الشيرازي (1/417)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/469)، جامع أجاديث الشيعة للبرجرودي (14/517)، اختيار معرفة الرجال للطوسي (2/465)، معجم رجال الحديث للخوئي (15/129).
([342]) القواعد الفقهية لناصر مكارم الشيرازي (1/416)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/517)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (2/465)، الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة، لعلى خان المدنى (579).
([343]) بحار الأنوار للمجلسي (10/353، 361، 65/262)، تحف العقول (415)، عيون أخبار الرضا (ع)، للصدوق (2/58)، كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق (337، 65/262)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (1/260، 4/205)، غاية المرام، لهاشم البحراني (1/114).
([344]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (12/274).
([345]) موسوعة المصطفى والعترة (ع) لحسين الشاكري (12/223)، عيون أخبار الرضا (ع)، للصدوق (1/246)، مدينة المعاجز، لهاشم البحراني (7/ 106)، مسند الإمام الرضا (ع)، لعزيز الله عطاردي (1/191)، معجم رجال الحديث، للخوئي (21/49)، إعلام الورى، للطبرسي (2/60)، كشف الغمة، للإربلي (3/ 109).
([346]) بحار الأنوار للمجلسي (72/413)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/576)، نفس الرحمن في فضائل سلمان، للنوري الطبرسي (354).
([347]) ثواب الأعمال، للصدوق (224)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/387)، الفصول المهمة في أصول الأئمة، للحر العاملي (1/241)، بحار الأنوار للمجلسي (3/252)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (23/146)، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي (3/422).
([348]) الإرشاد، للمفيد (2/184)، بحار الأنوار للمجلسي (47/175، 101/282)، الأنوار البهية، لعباس القمي (164)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (6/460)، كشف الغمة، للإربلي (2/382).
([349]) بحار الأنوار للمجلسي (47/167).
([350]) بصائر الدرجات، للصفار (514)،بحار الأنوار للمجلسي (47/169).
([351]) روضة الواعظين، للفتال النيسابوري (209)، خاتمة المستدرك للنوري الطبرسي (5/300)، الإرشاد، للمفيد (2/185)، مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب (3/357)، المجتنى من دعاء المجتبى، لابن طاوس (56، مدينة المعاجز، لهاشم البحراني (5/225)، بحار الأنوار للمجلسي (92/221)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (15/328)، معجم رجال الحديث، للخوئي (19/265)، المعلى بن خنيس، لحسين الساعدي (48)، كشف الغمة، للإربلي (2/383)، الإمام الصادق علم وعقيدة لرمضان لاوند (80).
([352]) اعتقادات الصدوق (107).
([353]) اعتقادات الصدوق (107).
([354]) الهداية للصدوق (53).
([355]) المكاسب المحرمة للخميني (2/163).
([356]) فقه الصادق للروحاني (11/114).
([357]) بحار الأنوار للمجلسي (66/486، 75/394، 399، 423، 79/172، 80/267)، الخصال، للصدوق (1/14) المحاسن، للبرقي (259)، الكافي، للكليني (1/217، 2/217)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/204، 215).
([358]) بحار الأنوار للمجلسي (42/122)، أمالي الطوسي (166) معجم رجال الحديث للخوئي (8/198)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (7/7)، بشارة المصطفى، للطبري الشيعي (152).
([359]) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/273)، الإرشاد، للمفيد (1/328)، بحار الأنوار للمجلسي (42/126)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/580)، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي (8/606)، كشف الغمة، للإربلي (1/281)، كشف اليقين، للحلي (78)، الكنى والألقاب، لعباس القمي (2/295).
([360]) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (1/322)، بحار الأنوار للمجلسي (64/200)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (2/264)، مواقف الشيعة للأحمدي (1/267).
([361]) دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري (2/255)، الكافي، للكليني (2/379)، بحار الأنوار للمجلسي (71/220)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (5/23)، نقد الرجال، للتفرشي (5/63 (هـ) )، قاموس الرجال، للتستري (11/30).
([362]) دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري (2/255)، الكافي، للكليني (2/380)، شرح أصول الكافي، للمازندراني (10/50)، بحار الأنوار للمجلسي (71/220)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (1/338)، معجم رجال الحديث، للخوئي (21/37)، قاموس الرجال، للتستري (11/30).
([363]) الغارات، للثقفي (2/799)، الإرشاد، للمفيد (1/325)، بحار الأنوار للمجلسي (41/345)، مستدرك سفينة البحار، للنمازي (9/330)، معجم رجال الحديث، للخوئي (20/111)، قاموس الرجال، للتستري (10/316)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (10/198)، إعلام الورى، للطبرسي (1/343).
([364]) الرسائل، للخميني (2/183 (هـ))، فقه الصادق (ع)، للروحاني (11/403 (ش))، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/477)، الهداية الكبرى، للخصيبي (132)، بحار الأنوار للمجلسي (42/130، 72/433)، شجرة طوبى، للحائري (1/79)، ميزان الحكمة، للريشهري (4/3653)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (1/295)، معجم رجال الحديث، للخوئي (20/106)، قاموس الرجال، للتستري (10/312).
([365]) روضة الواعظين، للفتال النيسابوري (288)، الاختصاص للمفيد (75 (هـ))، بحار الأنوار للمجلسي (42/131)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (1/297)، قاموس الرجال، للتستري (10/313)، سنن الإمام علي (ع)، لجنة الحديث بمعهد باقر العلوم (ع) (301).
([366]) أعيان الشيعة لمحسن الأمين (7/345).
([367]) أعيان الشيعة لمحسن الأمين (7/385)، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب في التاريخ والسنة للريشهري (51).
([368]) أعيان الشيعة لمحسن الأمين (7/387)، شرح الأخبار للقاضي النعماني المغربي (1/171 (هـ))، الغدير للأميني (10/174)، مواقف الشيعة للأحمدي (2/452).
([369]) الغدير، للأميني (11/45)، أحاديث أم المؤمنين عائشة، لمرتضى العسكري (1/377)، مستدركات علم رجال الحديث، لعلي النمازي (4/273)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (7/392)، الفصول المهمة في معرفة الأئمة، لابن الصباغ (1/523)، صلح الحسن (ع)، لشرف الدين (340).
([370]) الغارات لإبراهيم الثقفي (1/340)، بحار الأنوار للمجلسي (33/408)، نهج السعادة للمحمودي (5/176)، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (3/131)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (7/40).
([371]) بحار الأنوار للمجلسي (49/260)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (6/402)، العدد القوية للحلي (292)، حياة الإمام الرضا (ع) لباقر القرشي (2/126)، موسوعة المصطفى والعترة (ع) لحسين الشاكري (12/344)، أصل الشيعة وأصولها لكاشف الغطاء (208)، ديوان دعبل الخزاعي (9).
([372]) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (20/290)، مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (10/394)، الاختصاص للمفيد (191)، الخرائج والجرائح، للراوندي (1/267)، الصراط المستقيم، للعاملي (2/181)، مدينة المعاجز، لهاشم البحراني (4/284)، بحار الأنوار للمجلسي (46/125، 141)، الأنوار البهية، لعباس القمي (123)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (12/573)، مستدرك سفينة البحار، للنمازي (8/169)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (1/343)، كشف الغمة، للإربلي (2/291)، الكنى والألقاب، لعباس القمي (3/24).
([373]) الاحتجاج، للطبرسي (2/224) )، بحار الأنوار للمجلسي (50/164(هـ)، 75/344)، قاموس الرجال، لمحمد تقي التستري (11/128)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (10/306)، الكنى والألقاب، لعباس القمي (1/315)، موسوعة المصطفى والعترة (ع) لحسين الشاكري (14/448)، أصل الشيعة وأصولها لكاشف الغطاء (388).
([374]) أعيان الشيعة لمحسن الأمين (7/188)، موسوعة المصطفى والعترة (ع) لحسين الشاكري (8/435)، مختصر أخبار شعراء الشيعة، للمرزباني الخراساني (22، 81 (هـ)).
([375]) كتاب الطهارة، للخوئي (4/257 (هـ)).
([376]) حقائق التأويل، للشريف الرضي (75).
([377]) الكافي للكليني (2/220)، تفسير العياشي (2/271)، بحار الأنوار للمجلسي (42/126، 139، 75/432)، التقية للأنصاري (68)، رسائل فقهية للأنصاري (102).
([378]) بحار الأنوار للمجلسي (42/127، 75/432).
([379]) دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري (2/255)، الكافي، للكليني (2/380).
([380]) انظر جامع البيان لابن جرير الطبري (3/311).
([381]) انظر أيضاً: بحار الأنوار للمجلسي (75/427، 432) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/254) (باب: وجوب كف اللسان عن المخالفين وعن أئمتهم مع التقية) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/305) نفس الباب (باب: لا يجوز قتل النصاب في دار التقية)، بحار الأنوار للمجلسي (2/122، 10/226، 355، 79/195، 100/23) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (15/82، 16/210) الحدائق (18/156) الخصال (607) عيون أخبار الرضا (2/24).
([382]) تصحبح  اعتقادات الإمامية للمفيد (137).
([383]) جوابات أهل الموصل، للمفيد (48).
([384]) الصوارم المهرقة، للتستري (253).
([385]) تنزيه الشيعة الإثني عشرية عن الشبهات الألوهية، لأبي طالب التبريزي (1/52).
([386]) كتاب الطهارة، للخوئي (4/296).
([387]) كتاب الصلاة للخوئي (4/298 (هـ)).
([388]) القواعد الفقهية، لناصر مكارم الشيرازي (1/459).
([389]) التقية، للأنصاري (45).
([390])الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (1/5).
([391]) الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (1/6).
([392]) الحدائق الناضرة ليوسف البحراني (3/254).
([393]) تفسير فرات الكوفي، لفرات بن إبراهيم الكوفي (552)، بحار الأنوار للمجلسي (15/6 ، 25/2).
([394]) جواهر الكلام، للجواهري (8/98).
([395]) الكافي للكليني (1/65)، الحدائق الناضرة ليوسف البحراني (1/6)، وقال: لوكان الاختلاف إنما وقع لموافقة العامة لكفى جواب واحد لما هم عليه.
([396]) الكافي للكليني (1/265) الاختصاص للمفيد (330) بحار الأنوار للمجلسي (25/332، 47/50).
([397]) بحار الأنوار للمجلسي (37/33، 69/178)، تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي، لمحمد على الأبطحي (3/464).
([398]) الفوائد الحائرية، للوحيد البهبهاني (353 - 356).
([399]) مدارك الأحكام، للعاملي (3/360)، ذخيرة المعاد، للسبزواري (1) ق (2/278)، الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (8/167).
([400]) أمالي الصدوق (740)، غنائم الأيام، للميرزا القمي (2/540)، مناهج الأحكام، للميرزا القمي (272)، جواهر الكلام، للجواهري (9/389).
([401]) عيون أخبار الرضا (ع)، للصدوق (1/131)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (4/206)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (4/758)، غنائم الأيام، للميرزا القمي (2/540)، مناهج الأحكام، للميرزا القمي/272).
([402]) غنائم الأيام، للميرزا القمي (2/540).
([403]) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، للشهيد الأول (3/333)، مدارك الأحكام، لمحمد العاملي (3/ 360 (ش))، الحبل المتين، للبهائي العاملي (229)، حياة ابن أبي عقيل العماني، إعداد مركز المعجم الفقهي (189)، اثنا عشر رسالة، للداماد (2/188)، بحار الأنوار للمجلسي (82/74).
([404]) مفتاح الكرامة، للعاملي (7/204 (هـ))، مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (4/189)، بحار الأنوار للمجلسي (82/81).
([405]) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (2/259، 5/130)، مدينة المعاجز، لهاشم البحراني (7/677)، بحار الأنوار للمجلسي (78/397)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (3/310، 5/453)، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)، لعلي الكوراني (4/235).
([406]) اختيار معرفة الرجال، للطوسي (2/465).
([407]) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/469)، مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (13/128، 17/68)، بحار الأنوار للمجلسي (47/323)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/517)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (2/465)، معجم رجال الحديث، للخوئي (15/129).
([408]) صفات الشيعة، للصدوق (15)، بحار الأنوار للمجلسي (47/166، 65/64)، مستدرك سفينة البحار، للنمازي (1/205).
([409]) أمالي الصدوق (328) بحار الأنوار للمجلسي (27/167، 80/10)،  روضة الواعظين للفتال النيسابوري (318)، مستدرك الوسائل للميرزا النوري (1/152)، جامع أحاديث الشيعة للبرجرودي (1/429)، غاية المرام للبحراني (3/79).
([410]) انظر هذه الروايات وغيرها في: الكافي للكليني (1/372، 436، 2/18) أمالي الصدوق (190، 260، 290، 396) بحار الأنوار للمجلسي (2/30، 7/160، 176، 13/339، 23/221، 286، 294، 25/111، 113، 26/349، 27/167، 168، 171، 172، 173، 192، 36/216، 223، 245، 262، 302، 314، 315، 37/62، 42/143، 46/179، 47/357، 68/333، 72/133، 73/121، 78/225، 99/229) أمالي الطوسي (72، 104، 131، 253، 422) ثواب الأعمال للصدوق (189، 197) المحاسن للبرقي (90، 91، 224، 286) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (1/123، 16/76) نور الثقلين للحويزي (2/225، 261، 4/353، 534) أمالي المفيد (42) تفسير العياشي (1/286) منتخب الأثر (105، 117، 119) البرهان (1/279، 396، 3/40، 161) مقتضب الأثر (12) كمال الدين للصدوق (146) عيون الأخبار (34) الغيبة للطوسي (95) رجال الكشي (248) كنز جامع الفوائد (49) الروضة (226) تأويل الآيات (1/98، 106، 315، 2/522) إثبات الهداة (1/137، 2/178) الغيبة للنعماني (70).
([411]) الكافي، للكليني (2/388)، شرح أصول الكافي، للمازندراني (10/65)، بحار الأنوار للمجلسي (32/324)، الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (5/181، 10/363)، كتاب الطهارة، الأول، للگلپايگاني (313)، نتائج الأفكار، الأول، للگلپايگاني (234)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (26/41)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (2/390، 5/324، 9/374)، مشارق أنوار اليقين، لرجب البرسي (77)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (18/567).
([412]) انظر: الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (18/149)، كتاب الطهارة، للأنصاري (2/352)، كتاب الطهارة الأول، للگلپايگاني (313)، الكافي، للكليني (2/389)، شرح أصول الكافي، للمازندراني (10/65)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (26/42)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (9/374).
([413]) الأصول الستة عشر، لعدة محدثين (60)، المحاسن، للبرقي (1/89، 186)، مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (18/173)، بحار الأنوار للمجلسي (27/238، 39/302، 69/134)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (26/43)، الإمام علي بن أبي طالب (ع)، لأحمد الهمداني (187).
([414]) الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، لابن طاوس (23)، الصراط المستقيم، لعلي بن يونس العاملي (2/48)، كتاب الأربعين، للماحوزي (346)، الإمام علي بن أبي طالب (ع)، للهمداني (184)، مشارق أنوار اليقين، لرجب البرسي (79)، إحقاق الحق، لنور الله التستري (209)، غاية المرام، لهاشم البحراني (1/228)، شرح إحقاق الحق، للمرعشي (4/333، 7/331، 17/279)، مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت (21/426).
([415]) الأمالي، للصدوق (754)، بحار الأنوار للمجلسي (38/109)، الإمام علي بن أبي طالب (ع)، للهمداني (185)، فضائل أمير المؤمنين (ع)، لابن عقدة الكوفي (150)، غاية المرام، للبحراني (1/187).
([416]) الأمالي، للصدوق (392)، بحار الأنوار للمجلسي، ج (38/101، 42/143)، الإمام علي بن أبي طالب (ع)، أحمد الرحماني الهمداني (185)، غاية المرام، لهاشم البحراني (2/301).
([417]) الأمالي، للصدوق (264)، بحار الأنوار للمجلسي (38/97)، الإمام علي بن أبي طالب (ع)، لأحمد الهمداني (185)، مستدركات علم رجال الحديث، لعلي النمازي (1/606)، معارج اليقين في أصول الدين، للسبزواري (52)، غاية المرام، للبحراني (2/196).
([418]) بحار الأنوار للمجلسي (27/238)، الإمام علي بن أبي طالب (ع)، لأحمد الرحماني الهمداني (187).
([419]) كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق (259)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (28/347)، الصراط المستقيم، للعاملي (2/127)، بحار الأنوار للمجلسي (36/245)، الإمام علي بن أبي طالب (ع)، للهمداني (186)، سماء المقال في علم الرجال، لأبي الهدى الكلباسي (1/325)، معجم رجال الحديث، للخوئي (21/88)، كليات في علم الرجال، للسبحاني (253)، موسوعة المصطفى والعترة (ع)، للشاكري (8/394)، معارج اليقين في أصول الدين، لمحمد السبزواري (61).
([420]) بحار الأنوار للمجلسي (24/123، 27/181)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (1/448).
([421]) أوائل المقالات، للمفيد (44، 349).
([422]) الإفصاح، للمفيد (28).
([423]) انظر: مجمع الفائدة للأردبيلي (1/172 (هـ))، مدارك الأحكام، لمحمد العاملي (2/69، 4/151)، ذخيرة المعاد، للسبزواري (1/80، 327)، الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (3/405، 5/176، 10/360)، تهذيب الأحكام، للطوسي (1/335)، بحار الأنوار للمجلسي (78/299، 340)، الإمام علي بن أبي طالب (ع)، للهمداني (191)، جواهر الكلام، للجواهري (4/82)، مستمسك العروة، لمحسن الحكيم (4/66).
([424]) أوائل المقالات، للمفيد (151)، الجمل، للمفيد (30).
([425]) الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (3/406).
([426]) رسائل المرتضى، للشريف المرتضى (2/249).
([427]) من لا يحضره الفقيه، للصدوق (4/104 (هـ)).
([428]) الاعتقادات للصدوق (104) .
([429])انظر: الانتصار للعاملي (9/124)، منهاج النجاة (48).
([430]) الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (5/177).
([431]) انظر: الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (5/175، 10/360)، جواهر الكلام، للجواهري (6/61)، كتاب الطهارة، للأنصاري (2/352)، مستمسك العروة، لمحسن الحكيم (1/392)، الإمام علي بن أبي طالب (ع)، للهمداني (197).
([432]) الحدائق الناضرة ليوسف البحراني (5/175).
([433]) إحقاق الحق، لنورالله التستري (197).
([434]) شرح أصول الكافي للمازندراني (5/156).
([435]) الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (18/153)
([436]) الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (11/10).
([437]) الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (24/58).
([438]) الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (5/175).
([439]) كتاب الطهارة، للخوئي (9/93 (هـ)).
([440]) جواهر الكلام، للجواهري (12/89).
([441]) جواهر الكلام للجواهري (22/63).
([442]) جواهر الكلام، للجواهري (6/60 - 62).
([443]) جواهر الكلام للجواهري (36/93 - 94).
([444]) حقائق الإيمان للشهيد الثاني (132).
([445]) الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة (شرح آل كاشف الغطاء)، لعبد الله الشبر (150 (ش)).
([446]) تهذيب الأحكام، للطوسي (1/335).
([447]) مستمسك العروة لمحسن الحكيم (1/392 (ش)).
([448]) حقائق الإيمان، للشهيد الثاني (131).
([449]) بحار الأنوار للمجلسي (8/361).
([450]) بحار الأنوار للمجلسي (8/369، 29/39) مقدمة المحقق.
([451]) بحار الأنوار للمجلسي (23/360).
([452]) بحار الأنوار للمجلسي (65/281).
([453]) بحار الأنوار للمجلسي (8/365، 29، 36).
([454]) نور البراهين، لنعمة الله الجزائري (1/64 (ش)).