جديد الموقع

ثروة الإيرانيين بالخارج ..

تعدد إيران من جملة الدول النامية التي تعاني من ظاهرة هجرة النخب والكوادر العلمية المتخصصة إلى الخارج، الأمر الذي يمثل إهدار كبيرا للموارد البشرية والمالية الإيرانية، وتتنوع أسباب هذا الهجرة ما بين أسباب اقتصادية خاصة بتطلع هذه النخب للحصول على ثروات مالية من خلال استثمار أموالهم في الدول المتقدمة، وبين أسباب سياسية تتعلق برغبتهم في الابتعاد عن ساحة الصراعات السياسية في إيران.

وقد أعلن على يونسي وزير الاستخبارات في لقاء مع كبار رجال الأعمال والتجارة الإيرانيين في الغرفة التجارية الإيرانية أن متوسط قيمة رؤوس أموال الإيرانيين المقيمين بالخارج تتراوح بين 600ـ 800 مليار دولار.

هذا الرقم يثير تساؤلا هاما مفاده: ما هو معدل رأس المال الحقيقي الذي خرج من الدولة؟

يمكن التعرف على أحوال الإيرانيين في خارج كالتالي:

1ـ الولايات المتحدة:

يبلغ عدد الإيرانيين المقيمين الآن في الولايات المتحدة أكثر من 3 ملايين نسمة منهم 50% على الأقل ولدوا بها وتصل ثروات الإيرانيين المقيمين في الولايات المتحدة إلى 400 مليار دولار.

هذه الإحصاءات أعلنت منذ ثلاث سنوات في اجتماع ضم وزير الشئون الاقتصادية والمالية السابق مع رجال الصناعة وأصحاب رؤوس الأموال الإيرانيين المقيمين في واشنطن، وهي الإحصاءات التي ثبتت مصداقيتها من جانب هيئة الخريجين الإيرانيين في الولايات المتحدة التي تعرف بـ "ام. آى. تى" فوفقا لهذه الإحصاءات أسس الإيرانيين المقيمون بالولايات المتحدة 280 شركة أخرى، هذا بخلاف توليهم رئاسة أو إدارة ألف شركة أخرى نافذة في المجالات المختلفة.

وتصل نسبة الحاصلين على درجة الليسانس من الإيرانيين المقيمين بالولايات المتحدة 26% ليحتلوا بذلك المرتبة الأولى من بين جملة المهاجرين إلى الولايات المتحدة بالنسبة للتعليم العالي وما فوقه.

من ناحية أخرى، يعمل 43% من الإيرانيين المقيمين في الولايات المتحدة في مواقع مهنية وإدارية مختلفة، ويعمل 25% في القطاعات الفنية والتنفيذية و10% منهم يعملون في قطاع الخدمات.

2ـ الإمارات العربية المتحدة:

تفيد الإحصاءات الموثقة أن الإيرانيين المقيمين في دولة الإمارات العربية المتحدة يشكلون 23% من إجمالي عدد سكان الإمارات من الأجانب، و90% منهم يقيمون في دبي، وبذلك يحتلون المرتبة الثانية بعد العنصر القادم من جنوب آسيا الذي يشغل 50% من الأجانب المقيمين في الإمارات. كما أن أكثر من 40 ألف شركة إيرانية مسجلة في دبي وحدها.

وبافتراض أن الحد الأدنى لرأس مال كل شركة من هذه الشركات هو 100 ألف دولار فإن النتيجة المباشرة هي أن اجمالي ثروة هؤلاء الإيرانيين هي 4 مليارات دولار.

3ـ ألمانيا:

يبلغ حجم رؤوس أموال المقيمين في ألمانيا سواء المنقولة أو الثابتة نحو 43 مليار دولار، أي نحو 50% من جملة ثروات الإيرانيين في بالخارج.

4ـ بريطانيا:

تعد بريطانيا من الدول الرئيسية التي يقيم فيها إيرانيين مهاجرون ويمتلكون ثروات ضخمة، ويبلغ إجمالي ثروة الإيرانيين المقيمين في بريطانيا في أقل تقدير لها 40 مليار دولار.

في الوقت ذاته يوجد إيرانيون آخرون يعيشون في دول أخرى متعددة يمتلكون قدرات مالية كبيرة، حيث يبلغ إجمالي الثروات المالية للإيرانيين المقيمين في كندا، ونيوزيلاندا واستراليا، وفرنسا، وتركيا، بل واليابان عشرات المليارات من الدولارات.

وتكشف هذه التصريحات الأخيرة لعلي يونسي وزير الاستخبارات عن اهتمام خاص من جانب كبار المسئولين في الدولة للعمل على إعادة الثروة المالية والبشرية الإيرانية المهاجرة، وهو الأمر الذي إن أخذ بجدية ـ بالفعل ـ من جانب الحكومة سوف يهيئ المناخ اللازم لعودة الإيرانيين المهاجرين، والمستثمرين، والخبراء، والمتخصصين إلى إيران ووفقاً لقول وزير الاستخبارات فإن عدداً يتراوح بين 200 إلى 300 ألف عقل إيراني ممن ينتمون إلى النخب المختلفة الفكرية والمالية يوجد خارج إيران.

من المؤكد أن طرح هذه القضايا من جانب أحد كبار مسئولي الدولة يعد مؤشراً دالاً على انتهاج سياسة جديدة للتعامل مع قضية هجرة الإيرانيين وضرورة الاستفادة من جميع قدرات الدولة بهدف تدعيم عملية التنمية في المجالات المختلفة خاصة الاقتصادية.

ووفقاً للإحصاءات الصادرة من الإدراة العامة لجمرك إيران فإن حوالي مليون و374 ألف فرد قد غادروا إيران خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الإيراني الحالي (مارس ـ يوليو 2004) بزيادة بلغت 19.1% تقريباً عن عدد المسافرين خلال نفس الفترة من العام الماضي.

هذا الأمر يكشف عن اهتمام عدد كبير من الإيرانيين بالسفر إلى الخارج خلال السنوات الماضية. لكن الظاهرة اللافتة للانتباه في هذا الصدر أن عدداً من هؤلاء يفضلون عدم العودة ويظلون خارج الدولة كمهاجرين سواء تم ذلك بشكل قانوني أو في إطار عمليات التهريب المنظمة.

إن الهجرة لا تعتبر ظاهرة حديثة، بل هي موجودة منذ قديم الزمان، لكن ما صار حديثاً الآن هو أن المسيرة التي بدأت منذ زمن طويل زادت وتيرتها الآن  وصارت أكثر حدة خاصة وأنها قد أخذت تجذب العقول والنخب الإيرانية.

ويعيش حوالي 3 ملايين إيراني الآن خارج الوطن، حيث اتخذوا من الخارج مأوى لهم، هذه الهجرة لم تقتصر على طبقة خاصة مثل المستثمرين، المتخصصين والخبراء ولكنها طالت طبقات أخرى أيضاً.

أتباع الطريق العصامى:

وفقا لما ذكرته مجلة صانداي تايمز البريطانية التي نشرت قائمة بأغنى أغنياء بريطانيا يأتي المهاجر الإيراني جاك دلال المعروف بجاك سياه (أي جاك الأسود) في المرتبة الرابعة والستين في تلك القائمة، وهو أغنى إيراني في بريطانيا، حيث قدرت ثروته بـ 590 مليون جنية استرليني ويبلغ من العمر 90 سنة، وهو يهودي الديانة، وقد بدأت ثروته في النمو منذ سبعينيات القرن الماضي وكان جاك دلال قد باع بنك دالتون بارتون الذي كان يملكه بـ 58 مليون جنيه استرليني ثم أخذ يستثمر هذه النقود في شراء العقارات، ومن أنجح صفقاته في هذا المجال شراؤه عمارة بوش هاوس حيث باع هذا العقار بعد ستة أشهر فقط من شرائه في عام 1978 بزيادة في السعر تقدر بـ 75 مليون جنيه استرليني.

وعندما تصل إلى المرتبة رقم 101 في قائمة الصنداي تايمز سوف نجد الأخوين جنكيز أصحاب شركة راتش وتبلغ ثروتهما 400 مليون جنيه استرليني، وهما من أسرة يهودية إيرانية وبعد الثورة هاجر كلاهما مع الأب والأم إلى بريطانيا وغيرا إسميهما إلى روبرت ووينسنت واختارا لنفسيهما اسم جنكيز كإسم رسمي لأسرتيهما.

أما ناصر داود خليلي وهو إيراني يهودي آخر هاجر إلى بريطانيا فيحتل المرتبة 143 في القائمة وتشكل مجموعة من الآثار الفنية الإيرانية ـ الإسلامية الجزء الرئيس من ثروته والتي يقيمها هو بنفسه بأكثر من مليار جنيه استرليني. لكن الصنداي تايمز تؤكد أنه لو باع كل مجموعته الأثرية فإن نصيبه فيها لن يزيد عن 250 مليون جنيه استرليني بعد استبعاد العجز الضريبي الذي يعاني منه. بالإضافة إلى هذا فإن بقية ممتلكاته عبارة عن أملاك وممتلكات نفيسة.

ووفقاً لتقرير الصانداي تايمز فإن جاك دلاك، والأخوان جنكيز وناصر داود خليلي كلا من هؤلاء منفرداً أغنى من ملكة بريطانيا لأن ثروتها لا تتجاوز بأي حال من الأحوال 250 مليون جنية استرليني.

ويحتل السير داود أكيانس المرتبة 198 في القائمة وتبلغ ثروته حوالي 218 مليون جنيه استرليني. ويلاحظ هنا أنه الإيراني الوحيد الذي حصل على لقب سير لأنه استثمر ثروته في صناعة النسيج واختار الإقامة في مانشستر.

مراحل الهجرة من إيران:

يقول الدكتور محمد على زاده أستاذ الدراسات الاجتماعية بجامعة طهران أن "إحدى مراحل الهجرة من إيران (في العصر الحديث) ترتبط بفترة ما قبل الثورة وكذلك بدايات الثورة نفسها ولكنها مختلفة من حيث ماهيتها وطبيعتها بشكل كامل. آنذاك ـ كما تبين الوثائق ـ فإن عملية الهجرة ضمت التكنوقراطيين، والأقليات الدينية، وأصحاب رؤوس الأموال وهم من الذين كانوا على رأس السلطة في الدولة. آنذاك أيضاً كانت الهجرة تشمل جميع أفراد الأسرة وربما العائلة وقد ظل هذا الوضع قائما حتى بداية الحرب المفروضة (الحرب العراقية ـ الإيرانية)، وأثناء الحرب، تقلص عدد المهاجرين وكانت معظم حالات الهجرة فردية. في هذه المرحلة ظهر نوع جديد من الهجرة. فبسبب الرغبة في الهروب من الصراعات السياسية، الحرب والمخاطر... خاصة الذكور منهم ـ والذي كان يطلب للمشاركة في مراحل القتال المختلفة ولهذا السبب نفسه تراوحت أعمار معظم المهاجرين من 15 ـ 30 سنة. وقد استمر الأمر بهذا الشكل حتى نهاية الحرب".

أما الدكتور محمد همايون فيقول: "مع بداية الثورة حدثت هجرة داخلية وأخرى خارجية، بالنسبة للنوع الأول يمكن القول أن هجرة القرويين أخذت في التصاعد بهدف التوجه نحو المدن وهو ما أفرز أبعاداً ونتائج مختلفة على صعيد القضايا الاجتماعية. طوال هذه الفترة والتي استمرت ربع قرن ـ أي من بداية الثورة وحتى الآن ـ انخفض عدد القرى من 60 ألف قرية إلى 40 ألف قرية فقط، كما انخفض عدد الشباب بالقرى بسبب رغبتهم في الهجرة إلى المدينة الأمر الذي كاد أن يقضي على المجتمع القروي بأسره. أما فيما يتعلق بالنوع الثاني والمتمثل في الهجرة الخارجية فينقسم إلى قسمين رئيسيين القسم الأول خاص بهجرة النخب أو الدارسين، أما القسم الثاني فيتعلق بهجرة عامة الشعب. المؤكد أن هجرة العوام من الشعب ليست خطيرة للغاية، لأنهم ذهبوا إلى الدول الأخرى بقدرات علمية وتخصصات متوسطة فقط بهدف البحث عن فرصة عمل. لكن الأمر المهم هنا يتعلق بهجرة النخب التي تذكر إصطلاحاً بقرار العقول، وقد بدأت هذه القضية تدرس من جانب المجلس السادس بحساسية كبيرة. وقد بلغ الأمر ذروته عندما قام صندوق النقد الدولي في العام الماضي بنشر اسم إيران ـ في إحصاءاته السنوية ـ على رأس قائمة الدول النامية التي تعني من هجرة العقول، ونشر الصندوق في هذا الصدد نفسه إحصائية مفادها أن "القيمة الدولارية للموجة الأولى من هجرة العلماء الإيرانيين في عام 1985 تبلغ الآن 400 مليار دولار".

في هذا الصدد يقول الدكتور على زاده الذي يعد أحد المتابعين الدائمين لعملية هجرة العلماء والنخب: "وفقاً لما نشره بنك المعلومات العلمية للمتخصصين في مكتب الهجرة بالولايات المتحدة فإن 37 ألفا و362 فرداً من الجيل الأول من المهاجرين إلى الولايات المتحدة هم من الإيرانيين الحاصلين على ليسانس فما فوق، وقد وصل هذا الرقم إلى 220 ألفا في عام 1995، ومن المؤكد أن هذه الأرقام موضع شك لأن أكثر من 230 ألف إيراني كانوا يقيمون في كاليفورنيا وحدها في ذلك العام. لكن إذا سلمنا بهذا التقييم الرقمي الأمريكي فإن ذلك يعني أن 70% من هذا الرقم ـ أي 220 ألف إيراني ـ هم من الحاصلين على تعليم فوق المتوسط فما فوق وهو ما يعد في حد ذاته إهداراً للثورة البشرية الإيرانية لأن تكلفة الفرد وتعلميه في الدول النامية لا تقل بأي حال من الأحوال عن 20 ألف دولار. ووفقاً للمعلومات والإحصاءات الأمريكية ذاتها فإن 5500 طبيب إيراني و 650 متخصصاً في العلوم البحتة والتطبيقية، يعملون ويقيمون في الولايات المتحدة. من المسلم به أن الأعداد التي تذكر في الصحف بشأن هذه القضية تعد في جزء كبير منها جزافية، كما أن هناك تقديرات أخرى تكشف عن هجرات تتم بشكل غير قانوني. لكن استناداً لما ذكر فعلاً من جانب المصادر الدولية في هذا الصدد فإنه من كل خمسة إيرانيين يعيشون في الولايات المتحدة يدخل واحد منهم على الأقل في فئة النخبة أو أحد الكوادر المتخصصة والنادرة وهو معدل يفوق المعدلات الخاصة ببقية الجنسيات المهاجرة إلى الولايات المتحدة، ومما لاشك فيه أن تكلفة العقول الإيرانية المهاجرة إلى الخارج لا تقل عن 200 مليار دولار". 

_____________________________

صحيفة إيران  6ـ 7/9/ 2004

نقلا عن مختارات ايرانية
عدد 52 نوفمبر 2004
عدد مرات القراءة:
2486
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :