آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 12 جمادى الأولى 1444هـ الموافق:6 ديسمبر 2022م 09:12:22 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الإمبراطورية الفارسية.. تقوم على أنقاض الجمهورية العراقية!
الكاتب : محمود قابل

15 أكتوبر "تشرين الأول" 2005، يوم لن ينساه العراقيون لأنه في هذا التاريخ سيتحدد مستقبل بلادهم؛ إما عراق واحد أو دولة مجزأة تحكمها فيدرالية مفككة! نحن لا نريد أن ننفخ في النار ليشتعل الحريق،بل نكتب لنكشف حقائق الأرض ومن يقف وراء مخطط التفكيك الذي سيأكل الأخضر واليابس وبعدها لن تنفع صيحة التحذير.

سؤال يتكرر على ألسنة العراقيين: هل الأفضل للسُنة الأخذ بمسودة الدستور المقترحة عبر إجراء استفتاء وطني أم الأفضل أن يجري التصويت ضد تلك المسودة؟ الخيار ليس مريحا على الإطلاق فهناك فئات عراقية كثيرة لا تخفي عدم ارتياحها تجاه هذه المسودة، البعض يقول إن إقرارها سيساعد في منع تفكك العراق والبعض الآخر يقول إن رفضها يعطي فرصة لكتابة مسودة جديدة تكون مناسبة لقطاعات أكبر في المجتمع العراقي.
والشيء المحزن في هذا الدستور الجديد هو توجه الشيعة للعمل على تقويض سلطة بغداد والتصميم على مطالبهم التي تركز على إنهاء سيطرة الحكومة المركزية، واللافت للانتباه ذلك الهوس المفاجئ الذي سيطر عليهم بإقامة وطن خاص بهم في الجنوب بشكل دولة ولكن دون إشهار الاسم! والأسوأ في السيناريو الحالي هو أن يمضي الشيعة والأكراد في دستورهم دون تقديم تنازلات على الرغم من المعارضة السنية التي تسعى حاليا إلى إقناع الناخبين بالعمل على إلحاق الهزيمة بمسودة الدستور من خلال التصويت، وهذا يعني أن تجري انتخابات جديدة مع نهاية هذا العام لاختيار جمعية وطنية جديدة لكتابة دستور جديد.
وقراءة في حقائق الأرض تؤكد أن المعركة ليست سهلة لأن الغنيمة ليست يسيرة، وهذا ما يؤكده أحمد عبد الغفور السامرائي رئيس ديوان الوقف السني، الذي علق على دعوة السيستاني والحكيم الشيعة العراقيين إلى التصويت على الدستور، بقوله: إن ذلك ما هو إلا خطوة جديدة في اتجاه تفتيت العراق من أجل تسليمه بالكامل إلى إيران! كما يشير إلى الاتفاقية الجعفرية ـ الإيرانية الرامية لتوطين مليونين من الإيرانيين العراقيين في جنوب العراق، مؤكدا أنها خطوة أخرى في اتجاه هذا المشروع الشيعي الفارسي، والذي يبدو أن الدول العربية لم تنتبه له إلا وهو على وشك تدشينه وخصوصا بعد فتوى المرجع  الشيعي علي السيستاني التي طالب فيها الحكومة العراقية والتجار العراقيين بمقاطعة دول الجوار العراقية اقتصادياً! وهو ما تأتي نتائجه لصالح الاقتصاد الإيراني وتدعم نفوذه في العراق.
والتوغل الإيراني في العراق بدأ بعد سقوط نظام صدام حسين في أبريل "نيسان" العام 2003 حيث تتخذ إيران من هذا البلد ورقة سياسية في سوق المساومات على الساحة الدولية، ويقول مصدر عراقي في ديوان الوقف السني إن إيران لها مشروعها النووي الطموح، ولها كذلك مشروعها الإمبراطوري، ولن تتخلى عنهما بسهولة؛ ولذلك تسعى بكل قوة لامتلاك أوراق على الساحة الدولية تقايض بها استمرارها في هذين المشروعين، ومنذ الاحتلال الأميركي للعراق سعت إلى اعتبار دعمها للإدارة الأميركية ودورها في العراق ورقة للمساومة مع الأميركيين.
الأحلام الفارسية
والنفوذ الإيراني في العراق لم يكن ليزداد لولا الدعم الأميركي، ووفقا للتصور الأميركي فإن دور إيران هو ضبط الطائفة الشيعية وجعلها تدور في الحظيرة الأميركية لا تبتعد عنها بحيث لا يقتصر دورها فقط على خدمة المصالح الإيرانية بل يجب أن تخدم أيضا الأجندة الأميركية، ويمثل العراق بالنسبة للشيعة بصفة عامة ولإيران بصفة خاصة أهمية كبيرة وذلك للأسباب الآتية:
ـ المزارات والأماكن الشيعية المقدسة لديهم في جنوب ووسط العراق حيث يعتقد معظمهم أن الحج إليها لا يقل عن الحج إلى مكة المكرمة، ولن يقر لهم قرار ما دامت هذه الأماكن لا تخضع لسلطانهم، بل إن بعض أئمتهم طالب بعد سقوط نظام صدام حسين بنقل رفات الخميني إلى مدينة النجف ودفنه هناك وذلك لما لهذه المدينة من قدسية وأهمية لدى الشيعة.
ـ السيطرة على العراق هو مفتاحهم للسيطرة على بقية دول الخليج ومن ثم بقية العالم العربي، كما أن خروج العراق عن سيطرتهم يجعل منه عازلا يعزل أهل إيران عن النصيريين في سورية، وعن الشيعة في جنوب لبنان.
ـ تاريخ العراق متداخل مع تاريخ الفرس لأن الأكاسرة "أكاسرة الفرس الذين ينحدر منهم الإيرانيون" كانوا يعتقدون بأن العراق امتداد طبيعي لبلادهم، ويرون أن العرب ضعاف أذلة لم يخلقهم الله إلا لخدمة الفرس، لذلك فإن إيران ترى أن العراق يجب أن يكون إقليماً من أقاليمها.
أما بالنسبة للخطط الأميركية فإن تقسيم دول العالم الإسلامي ومن بينه العراق ليس وليد الوقت الحاضر، بل هي مشاريع حاضرة في مراكز الأبحاث الأميركية وأذهان السياسيين الأميركيين منذ القديم، حتى أن هنري كيسنجر كتب في مذاكرته أن من يريد السيطرة على الأمة العربية والإسلامية عليه أن يدمر إرادة الأمة العراقية، وفي الثامن من مارس "آذار" العام 2004 أعلن عبر برنامج حوار(Hart Toke) في هيئة الإذاعة البريطانية BBC أن العراق يسير باتجاه مصير يوغسلافيا السابقة، ودعا إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات: كردية في الشمال،وسنية في الوسط وشيعية في الجنوب، أما من الناحية الرسمية للإدارة الأميركية الحالية فقد أكد بول بريمر إبان توليه الحكم الأميركي للعراق أن مشروع الفيدرالية هو من الأولويات التي تسعى واشنطن لتحقيقها في العراق، وبالتأكيد فإن هذه الفيدرالية لا يقصد منها في حقيقة الأمر إلا تقسيم العراق.
الزعامة الإسلامية
والدور الذي تلعبه إيران في العراق حاليا يرتبط ارتباطا وثيقا بالحلم الفارسي لتأسيس الإمبراطورية الشيعية وزعامة العالم الإسلامي، وقد عبرت عن ذلك صحيفة كيهان(الدنيا) الناطقة بلسان مرشد الثورة ومجموعة المحافظين، وذكرت الصحيفة أن العالم الإسلامي يعيش حالة من الاضطراب ويبحث المسلمون والأمة الإسلامية (وليس الحكام أو الحكومات التي تسيطر عليهم) عن زعامة سياسية ومعنوية ذات بصيرة وذات فكر ثاقب، ومن الممكن أن تتبوأ إيران منصب الزعامة في العالم الإسلامي، ويجب أن يتم هذا الأمر من خلال تبني سياسة خارجية وعالمية مبتكرة، ولو أهدرت هذه الفرصة والمهمة التاريخية التي لا يخفى الاحتياج إليها على أحد فإن نظام الجمهورية الإسلامية سيتعرض والثورة الإيرانية لأخطار بالغة بعدما أصبح على مدى ربع قرن سبباً في صحوة ويقظة مسلمي العالم(!)
وإيران بهذا التوجه الإقليمي وسعيها الدؤوب نحو تشكيل إمبراطورية فارسية سيجعل منها قوة ضاربة لها قاعدتها الاقتصادية تسعى للبحث عن أسواق جديدة لتصدير أفكارها ومنتجاتها بحيث تكون لها الزعامة على العالم الإسلامي وهو ما تخطط له منذ عقود وتدعمها في ذلك الاستراتيجية الأميركية الجديدة!
_______________________
الوطن العربي ـ العدد 1493ـ 14/10/2005
عدد مرات القراءة:
2383
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :