آخر تحديث للموقع :

الخميس 3 ربيع الأول 1444هـ الموافق:29 سبتمبر 2022م 07:09:11 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الدوافع الخفية للفيدرالية الشيعية في العراق ..
الكاتب : عبد الزهرة الركابي

لم تكن دعوة عبد العزيز الحكيم رئيس ما يسمى "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" مفاجئة أو غير متوقعة، بالنسبة إلى إنشاء فدرالية شيعية في منطقتي الفرات الأوسط والجنوب، لأن المتابعين للشأن العراقي قد أشروا الخط البياني لاجتماعات  تمهيدية للدعوة المذكورة عقدت في جنوب العراق، إذ إن تلك الاجتماعات عقدتها بعض الجماعات المنضوية في قائمة الائتلاف الشيعية ودعت فيها إلى إنشاء فدراليتين طائفيتين في المنطقتين المذكورتين، وعلى غرار الفدرالية الكردية الشوفينية  في شمال العراق.

 لكن دعوة الحكيم في هذا الصدد، كانت بمثابة التمهيد لتضمين ذلك في الدستور الذي كان في طور الإعداد، ومهب ريح الخطر يكمن في الدعوة إلى قيام فدرالية شيعية في كون مثل هذه الفدرالية في حال الأخذ بها، تعني إطلاق رصاصة الرحمة على كيان العراق، نظراً لما تتمتع به تلك الفدرالية من إمكانات ومقومات اقتصادية وديموغرافية ومزايا لوجستية وجغرافية، تجعلها تمتلك كل صفات الدولة على صعيد الإمكانات والمزايا التي أسلفنا في ذكرها، خصوصاً أن نسبة 70 في المائة من إنتاج النفط العراقي تكمن في منطقة الجنوب، كما أن العامل الديموغرافي يصل تعداده في منطقتي الجنوب والفرات الأوسط إلى ما يقارب 15 مليوناً.

لا شك أن الجماعات الشيعية المنخرطة في عملية وآلية الاحتلال من جهة والتي لها علاقات وارتباطات إيرانية من جهة أخرى، بالإضافة إلى الجماعتين الكرديتين في شمال العراق، راحت تؤدي دور إنهاء الدولة العراقية، على اعتبار أن الفدرالية الشيعية في الفرات الوسط والجنوب سوف تتحكم بها الجماعات الشيعية الموالية لإيران، من على منوال جماعة  الحكيم (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) وجماعة الشيخ غير المعمم الأشيقر، أو إبراهيم الجعفري (حزب الدعوة الإسلامية).

 وعلى الرغم من أن الأخير من ذوي الأصول الباكستانية، فإن قيادته بتلاوينها العرقية، يظل هواها إيرانياً، لاعتبارات طائفية وأخرى تتعلق بهيمنة الحلقات القيادية الإيرانية على قيادته وبخاصة ذات النفوذ المالي، ناهيك بأن تلك الجماعات تعود بسياساتها، بدءاً ومنتهى، إلى المرجعية الشيعية التي تتكون من مراجع أربعة ليس بينهم عراقي واحد (علي السيستاني ومحمد سعيد الحكيم: إيرانيان، بشير النجفي: باكستاني، إسحاق الفياض: أفغاني).

إذا كانت أميركا وإيران تلتقيان في هدف واحد ...، وهو هدف إلغاء العراق من الوجود كدولة قائمة وموحدة، أو على أقل الاستهدافات إضعافه، فإن هذا الالتقاء، كان يدور في إطاره صراع بينهما إلى حد ترك بصمات كل منهما على الساحة العراقية، ولاسيما أن الإيرانيين استثمروا الساحة العراقية في ظل الاحتلال أفضل استثمار، حتى أن أميركا فوجئت أن بعض التوجهات الإيرانية في الشأن العراقي تلتقي مع توجهاتها، وهي توجهات تخدم الأغراض الإيرانية مثلما تخدم الأغراض الأميركية في آن، على الرغم من أن كلا الطرفين يختلفان في تفسير مصالحهما.

 وقد كانت الساحة العراقية في الوقت نفسه تشهد حرباً مخابراتية بين الطرفين المذكورين، كان من نتيجة هذه الحرب اكتشاف إيران أن شيفرة الاتصالات لمخابراتها في العراق، أصبحت تحت متناول المخابرات الأميركية بعدما استطاعت حل رموزها، لكن إيران لم تسلم من الضربات في الجانب المخابراتي عندما تمت تصفية مدير محطة مخابراتها في العراق.

أميركا استشعرت بمخاطر الدور الإيراني في العراق واحتفظت بأكثر من ورقة في مواجهة مثل هذا الدور، وقد تكون إثارة موضوع الملف النووي الإيراني، ورقة نقل الكرة إلى الملعب الإيراني، في حين ظلت أوراق أخرى قيد الاحتياط والمناورة، ولاسيما في ما يخص ورقة منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية التي تم جمع عناصرها في معسكرات خاصة وتحت حراسة الجيش الأميركي في العراق.

وحتى على صعيد الانتخابات، رمت واشنطن بثقلها وراء الأكراد كي يحصلوا على المركز الثاني وبالتالي يحكمون بيدهم على صمام المساومات والصفقات، في مقابل لائحة الائتلاف التي ينضوي في صفوفها أكثر من طرف مؤيد لإيران، أو يحظى بالدعم الإيراني، بل إن أميركا لم تترك الساحة العراقية لإيران كي تتحرك على هواها على الصعيد الإعلامي، بحيث تعاملت معها بمعادلة صحيفة مقابل صحيفة، ومحطة تلفازية فضائية إيرانية موجهة للعراق، تقابلها أيضاً محطة تلفازية أميركية موجهة للعراق، وعلى هذا المنوال تترى التقابلات والتداخلات مختلف الصعد والجوانب التي غدت آثارها وملامحها في هذا الخصوص معروفة للمراقبين.

ولئن استخدمت إيران المجال الطائفي لتنشيط وتفعيل دورها في العراق المحتل، عبر سياسة ذات أبعاد استراتيجية بالنسبة إلى السياسة الإيرانية في المنطقة، فقد بات واضحاً أن الوضع الحالي والراهن للعراق يخدم المصلحة الإيرانية إلى أبعد حد، إذ إن مثل هذا الوضع والحال للعراق يبعد عن إيران أقوى منافس إقليمي لها في المنطقة والذي شكل عامل توازن للقوى يقف في مقابلها، وإن إدامة واستمرار وضع العراق على ما هو سائد الآن، يصبان في خدمة ومصلحة إيران في كل الأحوال، كما أن مستقبل العراق ظل مجهولاً، خصوصاً أن أميركا لم تصرح يوماً عن موعد، أو جدول لانسحابها من العراق.

لهذا فإن من الطبيعي لإيران أن ترمي بثقلها في العراق من خلال دور يستمد تحركه وفاعليته من عوامل عدة، بما فيها العامل الطائفي، الذي ذكرناه سابقاً والذي هو أهم العوامل التي يستمد منها وقوده وفعاليته، لكن الجانب الشيعي في حقيقة الأمر لم يكن مجمله مؤيداً لإيران والسياسة الإيرانية، إذ إن هنالك قسماً كبيراً منه ينظر بعين الريبة وعدم الثقة إلى هكذا دور، أو إلى السياسة الإيرانية عموماً في العراق والمنطقة، وهو من هذا المنطلق يشيح بوجهه عن العامل الطائفي ويتبنى الأصل الوطني الذي يعتبره فوق كل العوامل والاعتبارات الطائفية.

وعلى هذا الواقع الآنف، يظل الدور الإيراني لاعباً مؤثراً في الساحة العراقية في المرحلة الراهنة إلى جانب الدور الأميركي المباشر والإسرائيلي المستتر، وتكمن خطورة الدور الإيراني، حتى لو لم يكن مباشراً في جانب مهم، هو تقابله مع الدور العراقي الوطني الذي يتقابل أساساً مع الدورين الأميركي والإسرائيلي، وهو ما يعني أن معركة الدور العراقي الوطني، هي في حقيقتها مباشرة مع أميركا وإسرائيل وحلفائهما المحليين.

 وكذلك فإن الدور المذكور يخوض أيضاً معركة مع الدور الإيراني من خلال الدور الذي تقوم به الجماعات الشيعية والموالية لإيران، أو بالأحرى ذات الامتدادات الإيرانية مثلما هو معروف، لكن الدور العراقي الوطني يعتمد أولاً على استراتيجية مقاومة الاحتلال بشتى أساليبها، كي يتسنى له إنهاء هذا الاحتلال، وهذا الإنهاء سوف يقضي أو يحد من الدور الإيراني، على اعتبار أن الجماعات الشيعية ذات الارتكازات الإيرانية سينتهي دورها بانتهاء الدور الأميركي والإسرائيلي في العراق، وهو ما يعني أتوماتيكياً انتهاء الدور الإيراني، أو على الأقل تقليم أظافره في العراق.

الحضور الإيراني بعد الاحتلال

الوجود أو الحضور الإيراني في العراق بعد احتلاله، يعد أكبر وجود إقليمي يؤسس له قواعد وجسور سياسية واجتماعية وأمنية وعسكرية، وهو من هذه الكثافة والكيفية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن محافظ البصرة ثاني أكبر المدن العراقية، الذي هو أيضاً مسؤول "فيلق بدر" التابع لجماعة الحكيم (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) في مدينة البصرة يقضي نهاية عطلة الأسبوع مع عائلته في إيران وتحديداً في مدينة عبادان، كما أن هادي العامري، مسؤول الفيلق المذكور هو في الوقت نفسه رئيس "لجنة النزاهة" في البرلمان الذي تشكل في ظل الاحتلال وفق مسرحية الانتخابات المعروفة.

وللتعريف بكثافة وكيفية هذا الحضور يقول تقرير في هذا الصدد: خلال السنوات الثلاث الماضية، ظلت إيران اللاعب الرئيسي في العراق لأسباب عدة، علماً بأن الجميع يتحدثون عن التدخل الإيراني في العراق وانتشار عملاء الاستخبارات الإيرانية وعناصر الحرس بشكل مكثف في الجنوب، ورمزي في الشمال، وسري في بغداد.

أ ـ لقد أرسلت إيران وفقاً لبعض الوثائق إلى جانب إفادات العقيد إسماعيل.. من قادة فيلق القدس الذي هرب من إيران، والرائد ياسر، من استخبارات الحرس، ومسؤول كبير في مكتب المرشد خامنئي، طلب عدم ذكر اسمه، أرسلت ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف من رجال الحرس وفيلق القدس ووزارة الاستخبارات إلى العراق منذ احتلال العراق ضمن حوالي 14 ألفاً من رجال فيلق بدر والمتطوعين العراقيين في الباسيج وأبناء الأسر الإيرانية المبعدة من العراق ممن تلقوا تدريبات ليست عسكرية فحسب، بل في مختلف مجالات الحياة.. من قراءة الموشحات الدينية إلى تقديم برامج إذاعية وتلفزيونية وإصدار الصحف وإدارة الحسينيات والمكتبات والمطاعم وشبكات توزيع النفط واللحم والمخدرات.

ب ـ كما اشترت الاستخبارات الإيرانية وأجرت ما يزيد عن خمسة آلاف بيت وشقة ودكان ومستودع ومكتبة ومسجد ومطعم ومحطة بترول و... في البصرة والديوانية والعمارة والكوفة والنجف وكربلاء والكاظمية وبغداد، ليقيم ويعمل فيهما ومنها، عناصر استخباراتها ورفاقهم البدريون وفصيل من حزب "الدعوة" المعارض للدكتور إبراهيم الجعفري.

ج ـ توجه بتشجيع ودعم مكتب المرشد ومنظمة الدعاية ـ تبليغات ـ الإسلامية أكثر من ألفي طالب ورجل دين إيراني وأفغاني وباكستاني (من الدارسين في حوزة قم بمنحات من مكتب المرشد) إلى النجف وكربلاء خلال العامين الماضيين، ثلثهم من الطلبة ورجال الدين المرتبطين بأجهزة الاستخبارات الإيرانية.

واستكمالاً لما ورد في التقرير آنفاً، صرح ضابط في شرطة حماية ميناء أبو فلوس (جنوبي البصرة) النهري لوكالة "آكي" الإيطالية للأنباء، بأنه لوحِظ، في الآونة الأخيرة، وصول كميات من الأسلحة وصواريخ كاتيوشا قادمة من الأراضي الإيرانية محمولة على زوارق وسفن عبر شط العرب إلى ميناء أبو فلوس، وأكد الضابط، الذي فضل عدم ذكر اسمه، في تصريح خاص، أن سيارات ومسلحين تابعين لمنظمة بدر يأتون بانتظام لاستلام تلك الأسلحة. وأشار المسؤول الأمني في ميناء أبو فلوس إلى أن عمليات جلب الأسلحة هذه بدأت منذ فترة طويلة ومنذ أن كان حسن الراشد، قائد قوات بدر في البصرة، يشغل منصب المحافظ، ولكنها ازدادت في الآونة الأخيرة.

وفي السياق السالف نقلت كل من صحيفتي "الواسنطن تايمز" و "الصاندي تلغراف" عن ضابط استخبارات كبير في الجيش البريطاني قوله، إن الحرس الثوري الإيراني مسؤول عن تدريب ومساعدة أعضاء من الجماعات الشيعية المسلحة والتي تشارك في العمل السياسي.

ومن المفيد الإشارة إلى أن وزارة الداخلية يهيمن عليها وزير من جماعية الحكيم كان يدعي أيام  المعارضة السابقة أن اسمه بيان جبر، ولكن بعد توزيره ضمن فاعلية وآلية الاحتلال، ادعى أن اسمه الحقيقي هو باقر صولاغ. كما أن عرقه أو قوميته، لم تعرف إلى حد الآن بشكل حاسم، إذ كنا نعتقد في السابق أنه من الأكراد الفيلية، لكن من مدلول اسمه الأخير، يتضح أنه تركماني القومية.

 ومع ذلك فإن التركمان الشيعة، لا تربطهم علاقات ودية مع جماعة الحكيم، على الرغم من أن الجماعة المذكورة تضم في قيادتها أكثر من تركماني،مع التنويه إلى أن ميليشيات فيلق بدر غالبية عناصرها هم من الأكراد الفيلية، الذين ترجع أصول عشائرهم إلى إقليم عيلام الإيراني، وهم في الوقت الحاضر يشكلون قوات الشرطة والحرس الوطني التابعة لوزارة الداخلية، وكثيراً ما احتمت تلك الميليشيات بالقوات الأميركية خلال المواجهات المسلحة التي دارت بين أنصار الصدر وقوات الاحتلال الأميركي.

هذا وقد بلغ المد الطائفي والشوفيني للجماعات الطائفية والكردية حداً لا يمكن السكوت عليه خلال أحداث مدينة تلعفر الأخيرة، التي تقع على مسافة قريبة من مدينة الموصل، وفي هذا الصدد تقدم وجهاء ومشايخ محافظة نينوى (الموصل) بمذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة والمجتمع الدولي، طالبوا خلالها التدخل ووقف الممارسات الإجرامية واللاإنسانية التي تقوم بها الميليشيات الكردية وميلشيات فيلق بدر بحق أبناء مدينة الموصل.

 ومما ورد في المذكرة: "نطالب بإقالة محافظ نينوى دريد كشمولة العاجز عن فعل أي شيء من شأنه مساعدة أبناء المحافظة، ولسكوته على الاغتيالات التي تقوم بها العصابات الكردية وقوات بدر لأبناء المدينة ووجهاء المدينة، ولعجزه وسكوته عن وقف الامتداد الكردي ليشمل كل قرى المحافظة، فالعصابات الكردية قد نصبت نفسها مسؤولة عن السيطرة على كل المدن والقرى والقصبات المحيطة بالموصل، فكل من هو غير عربي، حتى لو لم يكن كردياً، كاليزيدية والآشوريين والشبك، قد اعتبر كردياً، بالإكراه، وتم تنصيب مسؤولين حزبيين لتلك القرى وأنزلت الأعلام العراقية عنها لترفع بدلاً منها الأعلام الكردية".

______________________

بتصرف: من مجلة حِوار العَرب ديسمبر 2005

عدد مرات القراءة:
2399
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :