آخر تحديث للموقع :

الأربعاء 9 ربيع الأول 1444هـ الموافق:5 أكتوبر 2022م 05:10:31 بتوقيت مكة

جديد الموقع

السيستاني.. الصامت الأكبر ..

أبو الهول العراقي.. شيخ قديم لعراق جديد

جذور العائلات الشيعية الكبرى

 تعود جذور معظم العائلات الشيعية الكبرى ذات السيادة المرجعية في العراق إلى أرض فارس. ومن بين هذه العائلات الكبرى، هناك عائلتان فقط من أصل عربي عراقي وهما: عائلة الحكيم وعائلة الصدر. فالطبطبائي والشيرازي تتحدران من شيراز والخوئي تتحدر من تبريز وعائلة الحائري تنتمي إلى يزد في وسط إيران وعائلة القزويني تعود بأصولها إلى منطقة بحر قزوين. ولا شك أن السيستاني تنتمي إلى سيستان قرب مشهد بإيران.

ويمكن القول إن أبرز العائلات التي وضعت نفسها في المشهد السياسي لما بعد صدام حسين هي: السيستاني والخوئي والحكيم والصدر. وإذ اختفى عبد المجيد الخوئي من الوجود بعد أسبوع من عودته من لندن على طائرة أمريكية، فإن باقر الحكيم زعيم حزب الدعوة، العائد من إيران لحقه إلى مثواه الأخير بعد مدة قصيرة في حادث تفجير أمام العتبات المقدسة عند الشيعة.

ولقد بدا واضحا في الإبان أن المستفيدين الأوائل من اختفاء الخوئي والحكيم، هما نجل آية الله العظمى صادق الصدر، الشاب مقتدى الصدر الذي تزعم تيار المحرومين الراديكاليين والذي امتنع عن الدخول إلى حلبة الانتخابات، ثم آية الله العظمى علي السيستاني الذي استطاع أن يدير العملية السياسية بحذق من داخل صومعته بالنجف الأشرف. وباعتباره المرجع الرئيسي الأكبر والذي لا تشق صوته أية أصوات أخرى، فقد تمكن من إقامة المعادلة الصعبة لما بعد صدام حسين. فالذي يلقب بأبي الهول الشيعي ظل يراقب الأحوال والمسارات رافضا التحدث مباشرة مع الأمريكان والإفصاح عن رأيه، واضعا شروطه على جميع الفاعلين والناشطين، باسطا جناحيه على المشهد السياسي برمته ودافعا برجاله إلى مقدمة المسرح.

جسر الخلاص أو الهلاك

منذ أن نطق السيستاني بكلمة انتخابات أمام الأخضر الإبراهيمي ثم أعقبها بكلمة " دستور" حتى بات اسمه مرادفا للديمقراطية أو رديفا للفوضى.. فقد أدرك الأمريكان مبكراً أن هذا الشيخ النحيل يمكن أن يكون جسر الخلاص إذا ما استمعوا إليه جيداً كما يمكن أن يكون جسر الهلاك إذا ما استعصوا أوامره.

ويكفي أن ينقل عنه أنصاره كلمة واحدة لتكتسح شوارع العراق الشيعي مئات الآلاف من متظاهرين في استعراض مثير للقوة وهم يلوحون بصوره إلى جانب صور علي والحسن والعباس أشهر شهداء المذهب الشيعي... ولعل موقف المرجعيات الثلاث الأخرى كفيل بإقناع من يشككون بعد في هذه الحقيقة. فقد أضطر فياض والنجفي والحكيم ثم الصدر، الواحد بعد الآخر وبصورة طوعية إلى حد ما إلى الاعتراف بالزعامة غير المرئية لهذا الرجل البالغ من العمر أربعة وسبعين عاما والذي يجسد انبعاث الحركة الشيعية العراقية من جديد.

وعلى غرار روح الله الخميني، قبل أكثر من ثلاثة عقود، فإن آية الله السيستاني اليوم هو أيضاً قليل الكلام وأقل من كلامه استقباله للزوار. وقد دأب على أن يحيط نفسه وحياته بالغموض. فمنذ سنوات وباستثناء سفرته المفاجئة للندن في العام الماضي لم يجتز تقريباً عتبة بيته المتواضع والمحروس حراسة مشددة، والواقع بحي الرسول في مدينة النجف الأشرف حيث توجد الحوزة، أي مجلس المدارس الدينية الشيعية الذي يمارس عليه سلطة مطلقة.

خارج البيت يتكدس كل صباح العشرات من الأشخاص، ورجال دين ،رؤساء قبائل، رجال سياسة، صحفيون، فقراء عاديون في انتظار مقابلة قد تتحقق. وقد لا تتحقق(وهو حلم شبه مستحيل) لمعظم الناس إلا إذا كان طالب المقابلة يدعى موفق الربيعي أو أحمد الجلبي أو واحداً من الناطقين باسمه الرئيسيين كالشيخ عبد المهدي الكربلائي أو حجة الإسلام علي عبد الحكيم أو محمد رضا نجله الأكبر وعضده الأيمن كما يتردد. فهم وحدهم القادرون على نقل التصريحات الغامضة أحيانا لآية الله العظمى السيستاني وفك شفرتها التي دأبت الصحف اليومية في العراق، على نشرها بانتظام على شكل بيانات.

قلة الكلام وغموضه

إذا كان كلام آية الله العظمى قليلا وغامضا أحيانا، فإن الرسالة التي يبثها من موقعه تزداد قوة يوما بعد آخر ووضوحاً. فلأول مرة في تاريخ العراق لم يدع زعماء الدين الشيعة إلى حمل السلاح ضد الغزو الأجنبي وهو هنا غزو أمريكي. وذلك لسبب بسيط: فقد توصل السيستاني وكبار رجال الدين الآخرين إلى نتيجة مؤداها بأن الغرب الذي أبقى على صدام حسين في السلطة كان قادرا على طرده منها وبعد عام من ذلك الرحيل رأى السيستاني بأن المجلس التأسيسي الانتقالي المكون من شخصيات عيّنها مجلس الحكم والجماعات المحلية لا تملك أية شرعية تذكر. وبالتالي لا بد من الانتخابات الحرة بالاقتراع العام الذي يجب أن ينظم في أسرع وقت ممكن تحت رعاية الأمم المتحدة ووفق مبدأ "رجل وصوت"، ثم بعد ذلك يتم نقل السيادة إلى العراقيين، أي بعبارة أخرى منح السلطة للأغلبية الشيعية (..) وليس لأي حكومة يعينها الأمريكان الذين عليهم أن يتركوا البلاد.

وهذا يناقض تماما مخطط بريمر، المدروس بعناية والقائم على توازن نفوذ الطوائف الثلاث: الكردية والسنية والشيعية قصد الحفاظ على وصاية واشنطن على هذا البلد الذي "استثمر" فيه دافعو الضرائب الأمريكان حوالي 200 مليار دولار في غضون عامين من الاحتلال.

بدايات السيستاني

ولد هذا الرجل الذي لا يفاوض ولا يسعى إلى المساومة وإنما يملي قوانين لا يجرؤ أي شيعي على معارضتها، سواء كان رئيس قبيلة أم عضو مجلس الحكم، في "مشهد" بإيران غير بعيد عن الحدود مع أفغانستان وتركمانستان في نهاية عام 1930 لعائلة من رجال الدين المعروفين. بدأ حفظ القرآن وهو في الخامسة من عمره ثم التحق بالمدارس الدينية في قم. وعند بلوغه العشرين سافر إلى النجف الأشرف، العاصمة الدينية والعلمية للشيعة. وقد ورث علي السيستاني من أصوله الفارسية لكنة واضحة لكن دون أي حنين أو ولاء يذكر.

وقد تجاوز المذهب الشيعي العابر للحدود بطبيعته، أصول هذا الرجل الذي لم يبد أي تعاطف خاص تجاه إيران موطن أجداده ثم هو ليس عالم الدين الوحيد "الدخيل" الذي تعترف به، دون تحفظ، الطائفة الشيعية في العراق: فمن آيات الله الكبار الثلاثة، اثنان منهم: فياض والنجفي ولدا خارج العراق، الأول في أفغانستان والثاني في باكستان.

وعلى عكس خصمه الكبير آية الله محمد باقر الحكيم القتيل، فضل السيستاني البقاء في العراق. ظل صامتا لكنه كان حاضراً في الوقت نفسه دون أن يجازف بمجابهة النظام، فقد أراد لنفسه أن يكون حارس المعبد في انتظار نهضة الشيعة. وها هو اليوم يجني ثمار هذا الموقف.

ومنذ أبريل (نيسان) 2003، حرص الأمريكان على عدم مواجهة هذا "الحليف الموضوعي". وهكذا تجنب عسكريو التحالف التمركز داخل المناطق الشيعية الأكثر حساسية كالنجف وكربلاء والعمارة والكوت أو الكوفة، مكتفين بالدخول العابر لها. وقد سلمت السلطة في هذه المناطق إلى بعض الأعيان لتتم مراقبتهم من بعيد.

وقد لا يرغب الشيعة العراقيون في إقامة جمهورية إسلامية على الطريقة الإيرانية. فمبدأ الجمهورية الإسلامية مخالف لتقاليد النجف وكربلاء الصوفية والسياسية التي تدعو إلى فصل الدين عن السياسي. ومع ذلك فإن تداخل التيارات والطموحات والمناورات الخارجية والداخلية قد يدفع إلى العكس. فبعد رحيل صدام حسين انفجر الألم الشيعي الدفين في وضح النهار والتقى بالطموحات الأمريكية والمناورات الإيرانية من أجل بناء كيان عراقي جديد يكون فيه الشيعة هم أصحاب القرار الكبير، تكفيرا عن ذنوب ارتكبوها خلال تاريخهم القديم والحديث. فالشيعة يشعرون بذنب مزدوج:

 الأول تخليهم عن الإمام الحسين بن علي ليموت عطشا في أرض كربلاء المقفرة خلال ما بعد الصراع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. والثاني لتخليهم عن مكاسبهم ومواقفهم أثناء تركيب العراق الحديث في سنوات العشرين.

وقد ظل الشيعة يندبون حظهم ويطلبون الصفح ويلومون قياداتهم إلى حين ظهرت لهم فرصة القصاص من التاريخ الظالم والأليم. وقد بدا هذا الحماس الديني الجماعي سواء في الالتفاف على مشروع العراق الجديد أو في عودة المظاهر الاحتفالية ذات المنحى البكائي كنوع من تطهير النفس من التقصير والمخاوف والمعاناة الدفينة.

ولقد برهنت الحركة الشيعية، بكل تفرعاتها وحسب قراءاتها المتعددة لفوضى ما بعد صدام، وذلك في أوضاع جد معقدة بأن قدرتها على تنظيم نفسها ما زالت كاملة، بل هي أفضل من قدرات غيرهم وبأن النخب الشيعية لا تزال تنبض بالحركة والطموح رغم سياسة الاستبعاد والاقصاء التي مورست ضدهم خلال حقب طويلة.

الصوفية الشيعية

إذا كان صدام حسين قد أبقى على الزعيم الديني الكبير آية الله السيستاني فلأن هذا الأخير كان يمثل الصيغة الصوفية للمذهب الشيعي الذي يدعو إلى الفصل بين ما هو ديني وبين ما هو سياسي، ثم لأن صدام  كان يحتفظ به كورقة سياسية معارضة للخميني وبالتالي لاجتهادات قم، بيد أن هذه القراءة التصوفية لمرجعية السيستاني لا تقل حيوية وأصالة عن قراءة المرجعية الخمينية.

فقد استطاعت أفكار السيستاني حول مبدأ الانتخاب والدستور والديمقراطية وعدم إقحام الشعائر والاجتهادات الدينية في السياسة أن تضع نفسها بجدارة في حركة المخاض التي يمر بها العراق الجديد. ومهما كانت مآخذ البعض على السيستاني المتهم بالصمت وحتى بالتواطؤ مع الخارج، فإن هناك من شهد له بالأصالة والالتزام بمذهبه الصوفي... وإذ وجد دائما من يحاول أن يزج باسمه أو يستظل بخيمته أو يستخدم بعض فتاويه وهي قليلة، فإن السيستاني كان حريصا جداً على الابتعاد عن كل المطبات والانزلاقات التي قد تخدم الأمريكيين وغيرهم.

_________________________

مجلة المجلة العدد 1310

26/3/2005

الصافي سعيد

عدد مرات القراءة:
2998
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :