آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 8 ربيع الأول 1444هـ الموافق:4 أكتوبر 2022م 03:10:49 بتوقيت مكة

جديد الموقع

السنّة في جنوب العراق قلقون من "مخطط" لتهجيرهم ..

يرسم عراقيون يترددون بين البصرة والكويت صورة قاتمة عن أوضاع السنّة في المحافظات العراقية الجنوبية, إذ في حين تتركز الاضواء الاعلامية الاجنبية والعربية على أنشطة متطرفين ومقاومين من السنّة في وسط العراق وغربه, يقول هؤلاء إن الميليشيات الشيعية في الجنوب تباشر "حملة للتطهير الطائفي أدواتها الاغتيالات والخطف ومصادرة المساجد والأوقاف السنية وادارة مؤسسات الدولة وعلى رأسها الاجهزة الامنية على اساس مذهبي وحزبي".

وبحسب معلومات استقتها "الحياة" من ناشطين سنّة فإن الفترة منذ دخول القوات الاميركية والبريطانية العراق وحتى الآن شهدت اغتيال عشرات من وجهاء السنة من شيوخ عشائر وأئمة مساجد ومثقفين وتجار وأطباء ممن لا صلة لهم بنظام صدام حسين, وتمت الاغتيالات على يد فرق قتل مدربة لا تترك خلفها اي آثار. لكن بصمات الميليشيات المدعومة من ايران واضحة عليها.

كذلك استولت الميليشيات على 40 مسجداً سنياً في محافظات الجنوب وصادرت مبنى الاوقاف السنية في البصرة وكثيراً من وثائقه. وهيمنت هذه الميليشيات على الدوائر الرسمية كافة وأقصت معظم القياديين السنة عنها ولا سيما المدارس, وصبغت مدن الجنوب بساحاتها وشوارعها ومبانيها بشعارات وأسماء وصور ذات لون مذهبي وحزبي فاقع.

وقال "أبو محمد", وهو من مثقفي السنة في البصرة, لـ"الحياة" ان هذه الممارسات "لا يمكن ان تكون عشوائية او فردية, بل تبدو مخططاً لها وهدفها تفريغ الجنوب من السنة واجبارهم على النزوح عنه". وأضاف: "لا الحكومة المركزية في بغداد مهتمة بمواجهة هذه التجاوزات ولا الحكومات العربية مدركة لهذا الوضع ولا وسائل الاعلام منتبهة لما يحدث". وكشف عن شكوك لدى السنة في الجنوب في فائدة المشاركة في الانتخابات المقبلة "فالدوائر التي ستشرف على الانتخابات كلها في يد الميليشيات ولا ضمانات تذكر بسلامة تلك الانتخابات ونزاهتها خصوصاً مع استمرار التوتر الامني".

أقليات مهمة

وخلافاً للاعتقاد السائد خارج العراق بأن محافظات الجنوب شيعية خالصة, فإن التقديرات الاحصائية تكشف عن وجود مهم للسنة في عدد من المحافظات والمدن. ففي مدينة البصرة لا تقل نسبة السنة عن 35 في المئة, وهم في الزبير نحو 45 في المئة, وفي الفاو 40 في المئة وفي الناصرية نحو 17 في المئة, وحتى في النجف وكربلاء, المدينتين الاقدس عند الشيعة, هناك اقلية سنية تتراوح بين 5 و10 في المئة. وكانت محافظة البصرة حتى قبل نحو خمسين عاماً سنية بمعظمها لكن هجرة كثير من السنة الى دول الخليج واوروبا ونزوح الشيعة من ارياف جنوب العراق وحتى من ايران الى البصرة طلباً للعمل قلبا المعادلة السكانية.

ويصف "ابو محمد" ما يتردد من انه كانت للسنة حظوة ومكانة في ظل نظام صدام حسين بأنها "خرافة اختلقتها بعض احزاب المعارضة", وقال: "نظام البعث بدأ استبداده عام 1968 بضرب التيار الاسلامي السني وعلى رأسه الاخوان المسلمون وأغلق جمعياتهم والمدارس الدينية السنية قبل الشيعية, وكان اول من اعدم من رجال الدين عالماً سنياً هو الشيخ عبدالعزيز البدري عام 1970, ثم وجه اجرامه نحو الاخوة الاكراد خلال السبعينات, ولم يظهر قمعه للشيعة الا بعد قيام الثورة الايرانية والحرب مع ايران". وتابع: "صدام حسين ليس طائفياً بل دينه الولاء, فمن والاه كان على دينه ومن عارضه سحقه سواء كان شيعياً او سنياً او مسيحياً", ويدلل على ذلك بأنه "حتى لحظة سقوط النظام عام 2003 كان كثير من قيادات النظام في الجنوب من الشيعة, فمثلاً مدير أمن الزبير ويسمونه الاستاذ سعد كان شيعياً, ومسؤول حزب البعث في الزبير وينادى الاستاذ خلف كان شيعياً مع ان السنة يشكلون نصف سكان هذه المدينة, ومدير غرفة تجارة وصناعة البصرة ابان النظام واسمه غالب كبة كان شيعياً, ومدير التربية في البصرة كان الاستاذ احمد جاسم وهو شيعي, بل لم يعين نظام البعث طوال حكمه احداً من سنة البصرة في منصب محافظ او مساعد محافظ البصرة فيما عين مساعدين للمحافظ من شيعة المدينة, وكان الشيعة يمثلون 58 في المئة من الكوادر الحزبية للبعث في المحافظات الجنوبية".

ويصف ابو عبدالله - الذي طلب عدم ذكر اسمه - وهو تاجر من سنة البصرة لـ"الحياة" تسلسل الاحداث منذ سقوط النظام فيقول: "بعد دخول القوات البريطانية البصرة صارت الحدود مع ايران من غير رقابة, وخلال اسابيع بدأت عناصر من قوات بدر وميليشيات شيعية اخرى تتوافد من هناك الى البصرة وهي مشحونة بنفس طائفي غير موجود اساساً بين سكان البصرة, واستولت هذه الميليشيات المسلحة على الدوائر الحكومية المهجورة وبدأت بادارتها باسم الدولة العراقية ولكن على اساس اجندتها الطائفية والحزبية". ويضرب مثالاً على ذلك مقر مديرية التربية في حي الخليج "اذ اقتحم شخص معمم قادم من ايران يدعى احمد المالكي مع مسلحين المقر وعين نفسه مديراً عاماً للتعليم لشهور عدة وأقصى من يريد اقصاءهم من مديري المدارس وأكثريتهم من السنة وامتنع عن تعيين اي مدرس سني طوال فترة سيطرته على المديرية الى ان ابعد وتولى مكانه مدير آخر ينتمي لحزب الدعوة وكان اكثر اعتدالاً, لكن التمييز ضد المدرسين السنة استمر, بل ان التعيين في الوظائف الحكومية عموماً صار يتطلب احضار تزكية من الحوزة الشيعية او من يمثلها في المدينة".

ويضيف ابو عبدالله: "جرى تغيير اسماء المدارس الى اسماء ذات لون مذهبي فاقع مثل مدرسة كربلاء المقدسة او الزهراء او اسماء قيادات الاحزاب الشيعية, وكذلك الامر مع الشوارع والساحات والمرافق العامة التي غطتها جداريات وصور لقادة التيارات الشيعية, وجرى احضار مقرئين ومقرئات الى المدارس لقراءة المراثي الحسينية على الطلبة مع انه لا علاقة لها بالمنهج الدراسي".

أما الاجهزة الامنية فكانت هدفاً اول للميليشيات, "فجهاز استخبارات الشرطة في البصرة تديره الآن عناصر من المجلس الاعلى للثورة الاسلامية - "قوات بدر" التي اعادت بناء قوة الامن بحسب توجهاتها. ولا يزيد عدد المنتسبين لقوة الشرطة حالياً من السنة عن سبعة في المئة, وهذه النسبة الصغيرة للسنة تحققت فقط بعدما اصبح التعيين في الوظائف الحكومية مركزياً من بغداد, ولكن بعد ماذا؟ بعدما آلت قيادة وادارة كل الدوائر الحكومية للميليشيات التي صارت ترتدي رداء الدولة وتنطق باسمها". ولكن ماذا عن القوات البريطانية؟ يجيب ابو عبدالله: "البريطانيون يعلمون بكل ما يجري وأحياناً يتدخلون عندما تقع ممارسات خارجة عن الحدود, لكنهم لا يتدخلون في ما يحدث داخل الاجهزة الرسمية العراقية وهم اختاروا غض النظر عن تصرفات الميليشيا وسير عناصرها في الشوارع بسيارات مسلحة".

اغتيالات مبرمجة!

غير ان أخطر ما يرويه سنة البصرة من تجاوزات يتعلق بمسلسل الاغتيالات التي قالوا انها بدأت بعد ثلاثة اشهر من سقوط النظام ولم تتوقف حتى الآن. ويقول ابو عبدالله: "ان اول موجة من الاغتيالات كانت موجهة ضد المتدينين السنة على الطريقة السلفية ممن يطلقون لحاهم ويلبسون "دشاديش" قصيرة بعدما اصدر بعض المعممين القادمين من ايران فتوى بتكفير هؤلاء واستحلال دمهم, "ومن اول ضحايا هذه الفتوى عائلة من عشيرة بن حسين في مدينة ابو الخصيب مع اقرباء لهم من عشيرتي الغانم والدواسر دخل عليهم مسلحون من الميليشيات واعتقلوهم واقتادوهم الى مكان مجهول وتأكدنا بعد ذلك من قتلهم. وكذلك استهدفت التصفيات بعض الشيعة الذين تحولوا الى المذهب السني باختيارهم وقتل شابان في الزبير بسبب ذلك احدهما يدعى عباس والآخر محمود, علماً ان الانتساب المذهبي مختلط جداً في جنوب العراق وأحياناً داخل العشيرة والعائلة الواحدة ولم نكن نستشعر هذه المذهبية قبل ان تدخل علينا الميليشيات من ايران". ويتابع: "بعد ذلك بدأت الاغتيالات تستهدف البعثيين السابقين ولاحظنا ان اكثر المستهدفين بالقتل كانوا من البعثيين السنة مع انهم اقلية في فروع الحزب في الجنوب, وفي كل الاحوال كان كثير من البعثيين سنة وشيعة منتمين للحزب كرهاً لا عن رغبة منهم ولم يكن هناك مبرر لاستهدافهم ولكنها كانت حجة لقتل السنة, وان كانت التهمة انهم بعثيون فلم لم يحاكموا".

_____________________________

الكويت - حمد الجاسر الحياة 6/12/2004

عدد مرات القراءة:
3424
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :