آخر تحديث للموقع :

الأحد 28 صفر 1444هـ الموافق:25 سبتمبر 2022م 10:09:40 بتوقيت مكة

جديد الموقع

نكسة العرب السنة في العراق.. حتى لا تتحول نكبة دائمة ..
الكاتب : رشيد حسن

يعيش العرب السنة في عراق ما بعد صدام ظرفا لم يواجهوا مثله في التاريخ الحديث. اذ أدت الحملة التي قادتها الولايات المتحدة لإطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين إلى تبديلات تفوق في نتائجها الفجائية آثار الزلزال المدمر. وأدى أنهيار النظام البعثي وقرار الإدارة الأميركية الموقتة تفكيك الدولة العراقية, بخاصة حل الجيش والقوى الأمنية من دون تعويضات ومطاردة حزب البعث والتنظيمات المتفرعة منه وأجهزة الاستخبارات, إلى توجيه ضربات في الصميم ليس فقط لبنية سياسية كانت الطائفة العربية السنية تمثل عمادها الأول, بل إلى ضربات اقتصادية واجتماعية أفقرت العراقيين عموما لكنها أصابت أكثر ما أصابت العديد من المدن والحواضر السنية وجففت مصادر عيش المواطنين فيها, والذين كان معظمهم إن لم تكن غالبيتهم الساحقة تعتمد في معيشتها على جهاز الدولة. واستفاق السنة ذات يوم ليروا أن العراق الذي عرفوه لقرون طويلة وعاشوا فيه باعتبارهم أهله ونخبته الحاكمة والقاعدة الرئيسية للدولة وشرعيتها اختفى بالكلية ليحل محله وضع كابوسي يتمثل في انهيار البلاد واحتلالها من جيوش غريبة وتقلد الأحكام من أشخاص تربى معظمهم في المنفى, ولا تربطهم, بالتالي, بالقاعدة الاجتماعية السابقة للنظام (العشائرية في قسم كبير منها) أي علاقات مودة أو حتى صلات اجتماعية تقليــدية.

لكن على رغم الآلام الشديدة التي يعيشها قسم كبير من سنة العراق جراء الآثار المباشرة للغزوة الأميركية - الغربية, فإن هذه الآلام تكاد لا تمثل شيئا إذا ما قيست بالنكبة السياسية التي ألمّت بهم. وقد ينظر البعض إلى التدمير الوحشي للفلوجة والقمع الشرس الذي يلاحق بعض المدن العاصية الأخرى في "المثلث السني" باعتبارها صورة صادمة لهذه النكبة, لكن مأساة الفلوجة ليست سوى إحدى النتائج الظاهرة والمتمادية للنكبة الحقيقية, وهي الشلل شبه التام الذي يسيطر على سنة العراق بتأثير الصدمة التي زلزلت أوضاعهم وعدم تمكنهم حتى الآن من استجماع قواهم الحية والفاعلة والعودة إلى الساحة لصون وجودهم ودورهم في العراق الجديد.

هذا العراق الجديد, أي عراق ما بعد صدام حسين, أصبح الآن أمرا واقعا, ومهما كانت المرارة التي يشعر بها العراقيون, خصوصاً السنة بسبب الاحتلال أو بسبب تدمير الدولة العراقية والنظام السياسي السابق فإن أكثريتهم أيضا تقر الآن, كما يقر معظم العرب والمسلمين بأن من المستحيل العودة بالوضع إلى الوراء لأن الاحتلال, وما تبعه من تصرفات, وبغض النظر عن مشاعر الكراهية التي يثيرها هنا وهناك, كان من النوع الكاسح الذي يمحو نظاما كاملا من الوجود ويخلق مكانه واقعا جديدا, وهذا الواقع لا بد للسنة في العراق قبل غيرهم من التعامل معه بطريقة أو بأخرى. والمقصود بالتعامل هنا هو العمل السياسي ذو الاستراتيجيات والأهداف المحددة وليس نماذج الشكوى الصاخبة وردود الفعل المحزنة التي رأيناها حتى اليوم.

 إن الخطر الأكبر الذي يحيق بسنة بلاد الرافدين باعتبارهم مؤسسي العراق الحديث وخلفاء أبطال الفتح والخلافة والممالك الإسلامية المجيدة هي أنهم وقعوا فجأة في حال مذهلة من انعدام الوزن, وغياب الموقف والأرادة السياسية الواضحة, كما أنهم, وهذا أكثر ما يقلق فعلا, عجزوا على رغم النوائب التي تتهددهم, عن توليد قيادة تاريخية يمكن أن تساعدهم على اجتيار المحنة. وكم هي ماسة الآن الحاجة إلى توليد هذه القيادة الرشيدة القادرة على تحليل التغييرات الهائلة التي حصلت وتويم الموازين الجديدة المحلية والدولية, ثم بعد ذلك وضع استراتيجية انقاذ للوضع السني - والعراقي الوطني - من الانهيار الذي يتعرض له الآن, ولا يتم ذلك إلا عبر وضع برنامج سياسي وتحديد مواقف متكاملة من قضايا الانتقال من النظام السابق إلى النظام الجديد. وهذا النظام الجديد لن ينتظر, لأن الفراغ الذي احدثه تدمير النظام السابق لا بد أن يتم سده بطريقة أم بأخرى, عبر صيغة يفترض أن تضمن مصالح جميع الأطراف وتمهد بالتالي لإحلال السلام الأهلي وعودة الحياة الطبيعية إلى البلاد. ولن يمكن للعراقيين الانتظار طويلا, وما لم يفرض العرب السنة سريعا دورهم كأحد المكونات الأساسية للشعب العراقي ويساهموا في توليد المواثيق الجديدة, فإن النتيجة قد تكون تطور العملية السياسية من دون مشاركة حقيقية منهم وفي طريق غير مرض لهم, وقد ينجم عن ذلك مزيد من التهميش والشعور بالغبن والتوتر الأهلي والمصادمات وبالتالي المزيد من التفكك والفتن والفقر والمآسي الإنسانية. وبالعكس من ذلك فإن إنجاز مهمة الانتقال يمكن في اعتقاد فريق كبير من العراقيين أن تضع أسس الاستقرار والسلم الأهلي وتعزز بالتالي فرصة إنهاء مبررات استمرار الاحتلال وإخراجه من البلاد.

لكن, بدلا من بروز هذه القيادة التاريخية وجدنا المجتمع السني يسقط في حال مرعبة من الفوضى هيمنت فيها على القرار السني - بل نكاد نقول مصير السنة - جماعات مسلحة أو بعض مشايخ الدين (والعشائر) الذين يمتلكون الحمية والنية الطيبة ولا شك, لكنهم ليسوا سياسيين بدليل أنهم استدرجوا مع شبابهم المتحمس والمستميت إلى مواقف عصيان ورفض مسلح أمكن عزلها ومن ثم قمعها بلا هوادة. صحيح أن العديد من هذه المواقف يندرج في جانب منه تحت شعار مقاومة الاحتلال والرد على مظالمه, لكن سنة العراق لا يمكنهم أن يقاتلوا وحدهم وأن يتجاهلوا بالتالي أن المجموعات الأخرى (الأكثرية الكبرى) من العراقيين لا تشارك في هذه الأعمال, بل تبدو أكثر اهتماما بالعملية السياسية وحماية مواقعها ضمن النظام الجديد. وهذا التباين في الأهداف وفي فهم الأولويات أو وسيلة التخلص من الاحتلال, ترافقه وتعبر عنه بالأحرى التفجيرات اليومية العشوائية والاعتداءات على عناصر الشرطة ومراكز المحافظات أو مراكز الأحزاب الكردية أو تدمير أنابيب النفط أو خطف الصحافيين والعاملين الأجانب في المشاريع المدنية مثل شركات إعادة الإعمار وإصلاح شبكات المياه والكهرباء أو حتى قتل العاملين في الجمعيات الإنسانية, وهذه الأعمال تشهد في الحقيقة على نزعة "قرمطية" يائسة وعمى سياسي مذهل وإن كان الكثير منها يدفع إلى الظن أنه من تدبير أجهزة خارجية لها أهدافها في تمزيق العراق ومنعه من النهوض مجددا كدولة. لكن بغض النظر عن حقيقة الفاعلين فإن هذه الأعمال لا تلقى إلا نادرا إدانة غير ملتبسة من القيادات السنية الحالية بحيث غالبا ما يتم التسليم الضمني بأنها من أعمال "المقاومة". وهذا الخلط المقصود أو غير المقصود يهدد بتشويه صورة المجتمع السني وإظهاره في مظهر من لا يعبأ بالمشاعر والقيم الإنسانية (كليشيه "الإسلام الإرهابي" مجددا) أو مظهر من يعارض المجموعات الوطنية الأخرى ويقاوم بالتالي العملية الديمقراطية أو عودة الحياة الطبيعية لشعب أنهكته الحروب وسنوات القمع والحصار الظالم والفقر والمرض ولم يعد في إمكانه بالتالي احتمال المزيد.

ومن الملفت أن يكون التهديد بقتل المرشحين والناخبين وإحراق مراكز الاقتراع الذي حدث الكثير منه إبان التحضير للانتخابات الأفغانية بتدبير من "طالبان" و"القاعدة" بدأ يظهر أيضا في العراق عبر بيانات لـ"أنصار السنة" أو جماعة الزرقاوي. كل هذه الظواهر قد تعطي الانطباع بأن قيادة الشارع السني العراقي الذي يضم مئات الألوف من المثقفين والحزبيين والأكاديميين وأصحاب التجربة السياسية جرى خطفها من قبل عناصر أقل ما يقال فيها أنها إما غير مؤهلة لتمثيل سنة العراق في هذا الظرف الصعب أو أن معظمها يدين بالولاء الحقيقي لجهات أو تنظيمات خارجية لها أجندتها الخاصة التي لا علاقة لها بحماية مصالح السنة في العراق ناهيك بمصلحة الوطن العراقي.

وإن من أخطر ما يواجه العرب السنة في العراق في هذا الظرف التاريخي الحرج هو نسيان تاريخهم وموقعهم والسقوط في عقدة الأقلية أو الاستسلام لعقدة الهزيمة, أي اعتبار أنهم سقطوا أو هزموا لا محالة بمجرد سقوط النظام السابق الذي استخدم العصبية السنية كقاعدة للحكم وساهم بالتالي كما لم يساهم أي حكم عراقي سابق في الحط من الموقع التاريخي للسنة كرواد للوطنية الجامعة كما ساهم في تخريب النسيج الوطني العراقي, ومن الخطر أيضا أن يسقطوا في حمى التعصب والإنكار على إخوتهم العراقيين أكرادا وتركمان وشيعة ومسيحيين حقهم في المواطنة الكريمة وقدرتهم على أن يكونوا في طليعة البنائين لعراق ديمقراطي تعددي وجديد. وقد كانت هذه الوحدة الوطنية والديمقراطية قائمة بكل مظاهرها في ظل الملكية الدستورية الهاشمية والتي أظلت العراقيين جميعهم بمظلة الوحدة الوطنية وحكم القانون والرفاه ومواكبة العصر إلى أن أطيح بها في انقلاب عسكري متوحش عام 1958 وهو انقلاب يمكن القول أن محنة العراق الرهيبة بدأت به ولم تنته حتى الآن.

إن عقدة الأقلية لا تنجم بالضرورة عن العدد (والسنة بسبب كونهم التيار المهيمن على عالم الإسلام يجب أن يكونوا غريبين بطبيعتهم عن عقد الأقليات) بل هي حالة نفسية أو ثقافية. إن سنة العراق يمكنهم بل يجب عليهم أن يكونوا في طليعة الساعين مع بقية المجموعات العراقية لإخراج البلد من محنتي الاحتلال والانهيار الوطني. وهذا الدور محفوظ لهم لأن العراق الجديد لا يمكن أن يقوم من دونهم أو على تجاهلهم, لكنه دور لا يمكن القيام به من الجماعات العديمة التجربة السياسية أو الفوضوية التي تدير الآن دفة الأمور على الأرض برضى السنة العراقيين أو بالرغم منهم على الأرجح, بل هو دور يبحث عن بطل حقيقي وقيـــادة تاريخية لا بد من إنتاجها وإبــرازها في أسرع وقت إذا كان للعراق أن ينجو من الهاوية العميقة التي يتجه إليها أو يتم دفعه دفعا إلى حافتها.

كلمة أخيرة لا بد منها: إن العديد من الأوساط الدينية والسياسية في العالم العربي تتحمل تبعات كبيرة في هذا النطاق. ذلك أن هذه الأوساط لم تستطع أن تفهم حقيقة ظروف العرب السنة العراقيين في ظل الأوضاع الجديدة وطبيعة الدعم الذي يحتاجونه, فراهنت تحت وطأة الانفعالات على القوى أو القيادات الخطأ ودعمت الأعمال الخطأ وبالتبرير الخطأ, ربما بدافع الحمية أو الغيرة المفهومة أو إرضاء للشارع الغاضب, لكنها بذلك وطدت السيطرة للشراذم التي تتحكم الآن بالشارع السني وأقرتها في دعواتها وفكرها وأساليبها وأجهضت بالتالي أي فرصة لبروز القيادة الكفؤة المطلوبة, والنتيجة أنها ساهمت بالتالي في تعميق وتمديد محنة السنة في العراق وعزلتهم في وطنهم وليس في التخفيف منهما.

____________________________

الحياة 2004/11/30

عدد مرات القراءة:
2151
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :