آخر تحديث للموقع :

السبت 27 صفر 1444هـ الموافق:24 سبتمبر 2022م 10:09:08 بتوقيت مكة

جديد الموقع

هل حقاً غسل مقتدى الصدر عار شيعة العراق بنضاله ضد المحتل وعملائه الطائفيين؟! ..
الكاتب : د. أحمد راسم النفيس

هذه وجهة نظر لمتشيع مصر من أجل أن يعرف كثير من السنة حقيقة موقف الشيعة وأنهم يرفضون المقاومة ديناً وعقيدة. وأنهم يتبرءون من مقاومة الصدر وبذلك يكون الشيعة في العراق بين طرفين طرف يقاتل على الباطل (مقتدى الصدر) وطريق يسكت مع الباطل وهم المراجع!؟ وهنا من الشيعة نفسها وليس السنة..................الراصد.

هل حقا خان شيعة العراق خط أهل البيت وتعاليم الإمام الحسين عندما لم يعلنوا الجهاد ضد القوات الأمريكية الغازية لحظة دخولها العراق كما تكرر بعض الأبواق وأن "مقتدى الصدر" الذي أعلن أن لا سياسة مع الاحتلال ثم عاد وأعلن وقف القتال والدخول في العملية السياسية هو من غسل عار الشيعة بنضاله ضد هذا المحتل وعملائه الطائفيين!! إلى آخر تلك المعزوفة التي حفظها جمهورنا عن ظهر قلب؟.

ليست هذه السطور تأصيلا فقهيا لموقف الشيعة في العراق مما جرة ويجري بل لبيان أن الجهاد في الإسلام هو مفاضلة بين خيارات بعضها سلمي تفاوضي والبعض الآخر حربي وربما استشهادي ولكنه يقوم على تقدير دقيق لموازين القوى ويبقى كل ذلك خاضعا لمعيار وحيد وثابت هو الحفاظ على مصالح الأمة الإسلامية أيا كانت مذاهبها الفقهية أو طوائفها العرقية. فقد فتح الإسلام الباب أمام الخيار السلمي.

والقرآن الكريم عندما دعا وحض على الجهاد في سبيل الله لم يغلق الأبواب أمام الوسائل السلمية لحل النزاعات وأوكل إلى القيادة مهمة تقدير الموفق.

ونحن الآن أمام خطاب تهييجي أو تحريضي إحراجى تطلقه زعامات مبتسرة أدمنت الفشل والتبرير وسوق الأمة إلى الهزائم والنكبات من دون أن تلقي بالا لأمانة الكلمة ومسئوليتها ومما يؤسف له أن بعض مصدري الفتاوى يضبطون كلماتهم على وقع هذا الإعلام الغوغائي ولا يحرصون إلا على دغدغة مشاعر الجماهير الثائرة على طريقة قل كلمتك في الفضائيات وامض ولا تخف حسابا لا من الله ولا من الجماهير التي لم تحاسب يوما أحدا ممن احلوا قومهم دار البوار.

ومن حقنا أن نتساءل: ما سبب هذا الحماس المفاجئ الذي انتاب هؤلاء السادة لمشروع الاستشهاد الحسيني واقتطافه كأنموذج وحيد لا بد أن يقتدي به الشيعة في حين أن أدبيات هؤلاء السادة الأصلية ما زالت مصرة على اعتبار مشروع الاستشهاد الحسيني تمردا غير مشروع على الدولة الإسلامية الأموية اليزيدية المشروعة!!

حق الأمة في الاختيار

والشاهد أن الثورة الحسينية شكلت تمسكا بثوابت الدين في قضية بالغة الأهمية وهي حق الأمة في اختيار من يحكمها عن طريق الشورى ولم تكن الأمة الإسلامية قد عرفت قبل هذا ملكا وراثيا عائليا وبقى هذا الموقف الحسيني حجة على الذين زيفوا وغيروا ثوابت دينهم ولا زالوا مصرين على ذلك بل وادعوا أن التغلب والاستيلاء هو إحدى طرائق الحصول على الشرعية الإسلامية الكاملة ومن ثم فلم يكن هناك تناقض حقيقي بين موقف الإمام الحسين المصمم والمصر على إعلان حق الأمة في اختيار الحاكم الصالح وليس إعلان القتال وبين موقف الإمام الحسن بن على الذي قبل باتفاق سلام مع معاوية بن أبي سفيان يتم بموجبه تسليم السلطة إلية على أن يعود الأمر شورى بين المسلمين بعد هلاكه وكما يروى الشيخ الصدوق في كتاب (علل الشرائع) قال: (بايع الإمام الحسن بن علي معاوية على ألا يسميه أمير المؤمنين ولا يقيم عنده شهادة، وعلى ألا يتعقب على شيعة علي شيئا وعلى أن يفرق في أولاد من قتل مع أبيه يوم الجمل وأولاد من قتل مع أبيه بصفين ألف ألف درهم وعلى أن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد) أي أن الإمام الحسن تعامل مع شرعية الأمر الواقع وفي حدود ضرورات الواقع دون أن يسبغ عليه شرعية إسلامية كاملة.

مباركة سرية

تعددت الثورات بعد ذلك ضد هذه النظم الجائرة في العهدين العباسي والأموي ويمكننا تقسيم هذه الثورات من وجهة نظر مدرسة أهل البيت إلى قسمين: قسم باركه الأئمة سرا مثل ثورة المختار وثورة زيد بن على وقسم آخر وقفوا منه موقف الرفض المطلق مثل التحرك العباسي.

أما عن القسم الأول ونظرا لظروف الحصار والتهديد بالقتل الموجه بصورة متواصلة لهؤلاء الأئمة ولعلمهم أن هذه التحركات ومهما بلغ جلال القائمين عليها وعظمة دورهم فإنها لن تقود إلى تحقيق هدف العدل المنشود فقد اكتفوا بدعمها سرا ويكفي أن نطلع على ما أوردته كتب التاريخ والسير من ثناء الإمام الصادق على المختار بن أبي عبيد وعلى عمه زيد بن على الذي انتسبت إليه الزيدية  بعد ذلك لنعرف أن هذا التحرك جاء من أجل تحقيق هدف مشروع حتى ولو لم يتحقق الهدف النهائي الذي تحلم به جموع المظلومين من أبناء هذه الأئمة حيث يقول (عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له وانظروا لأنفسكم فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي فإذا وجد رجلا هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها والله لو كانت لأحدكم  نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ثم كانت الأخرى باقية يعمل على ما قد استبان لها ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم إن أتاكم أت منا فانظروا على أي شئ تخرجون؟؟ ولا تقولوا خرج زيد فإن زيدا كان عالما صدوقا ولم يدعكم إلى نفسه وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد ولو ظهر لوفي بما دعاكم إليه إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه فالخارج منا إلى أي شئ يدعوكم؟ إلى الرضا من آل محمد فنحن نشهدكم أنا لسنا نرضى به وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد وهو إذا كانت معه الرايات والألوية أجدر ألا يسمع منا.. إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه..) الكافي.

استدراج الإمام

ثم كان موقف الإمام الصادق بعد ذلك من محاولة العباسيين استدراجه لدعمهم في معركتهم من أجل الاستيلاء على السلطة ويكفي أن يدعمهم الإمام ولو معنويا لتصطف الجماهير من خلفهم وقد ذكر المؤرخون (أن جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء وفيهم أبو جعفر المنصور وعبد الله بن الحسن وابناه محمد وإبراهيم فقال صالح بن على قد علمتم أنكم الذين يمد الناس إليهم أعينهم وقد جمعكم الله في هذا الموضع فاعقدوا بيعة لرجل منكم تعطونه إياها من أنفسكم وتواثقوا على ذلك حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين فقال عبد الله بن الحسن قد علمتم أنّ ابنى هذا هو المهدي فهلم فلنبايعه قال أبو جعفر لأيِّ شئٍ تخدعونَ أنفسكم؟ واللهِ لقد علمتمٍ ما الناسُ إلى أحد أصور أعناقاً ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى ـ يريد به محمد بن عبد الله قالوا: قد ـ والله ـ صدقت إنّ هذا الذي نعلمُ  فبايعوا محمداً جميعاً ومسحوا على يدِه وجاءَ جعفرُ بن محمد الصادق فقال لا تفعلوا، فإن هذا الأمر لم يأتِ بعدُ إن كنت ترى ـ يعني عبد الله ـ أن ابنك هذا هو المهديُ فليس به ولا هذا أوانهُ وان كنت إنما تريد أن تخرجه غضبا لله وليأمر بالمعروف وينه عن المنكر، فإنا والله لا ندعُك ـ وأنت شيخنا ـ ونبايع ابنك في هذا الأمر فغضب عبد الله وقال: لقد علمتٌ خلاف ما تقول ووالله ما أطلعك الله على غيبه ولكنه يحملك على هذا الحسد لابني فقال والله ما ذاك يحملني ولكن هذا واخوته وأبناؤهم دونكم وضرب بيده على ظهر (أبى العباس) ثم ضرب بيده على كتف عبد الله ابن حسن وقال: إنها ـ والله ـ ما هي إليك ولا إلى ابنيك ولكنها لهم وأن ابنيك لمقتولان ثم نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري فقال: أرأيت صاحب الرداء الأصفر؟ يعني (أبا جعفر) فقال له نعم فقال إنا والله نجده يقتله قال له عبد العزيز: أيقتل محمداً؟ قال نعم قال: ثم والله ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتلهما قال: فلما قال جعفر ذلك ونهض القوم وافترقوا، تبعه عبد الصمد وأبو جعفر فقالا يا أبا عبد الله أتقول هذا؟ قال نعم أقوله ـ والله وأعلمُه.

ثم تكررت المحاولة العباسية لاستدراج الإمام عن طريق أبى سلمة الخلال تارة وعن طريق أبى مسلم الخراساني تارة أخرى وكان الرد حازما على محاولات استدراج الإمام ليصبح أداة يتلاعب بها الطامحون للسلطة (ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني) فهذا الصنف من طلاب الزعامة ما إن تصبح له الرايات والألوية حيى يعيث في الأرض فسادا وتصبح الكلمة العليا للقهر والقوة وتنكشف حقيقة الوجوه الشائهة؟

ولذا ترى الإمام الصادق يؤكد في اكثر من موضع على أن (من ضرب الناس بسيفه ودعاهم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضال متكلف).

والخلاصة أنه إذا كان البعض الآن يصر على استدراج شيعة العراق إلى معركته هو من خلال أساليب النفخ والتهييج واستثارة الحمية فإننا نعتقد أن هذا الأسلوب لن يجدي نفعا وسيبقى باب الاحتمالات مفتوحا لكل الخيارات ومن بينها الخيار الحسيني الاستشهادي كون أصحاب القرار ولا نعني بهم تلك الحكومة المؤقتة قد تسلحوا بخبرة تزيد على أكثر من عشرة قرون اجتمعت فيها ثورة الحسين واستشهاده الواعي والحكيم مع تجربة الصادق السياسية الواعية وتفويته الفرصة على من أراد جره لصبح مجرد ترس في آلة الصعود العباسي السلطوي (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)؟!___________________________

القاهرة 7/9/2004

عدد مرات القراءة:
2224
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :