آخر تحديث للموقع :

الأحد 28 صفر 1444هـ الموافق:25 سبتمبر 2022م 10:09:40 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الإبن المدلل للبنتاغون والخميني ما زال مفضلاً لقيادة العراق في أوساط اليمين الأميركي ..
الكاتب : مهند الحاج علي

الابن المدلل للبنتاغون والخميني ما زال مفضلاً لقيادة العراق في أوساط اليمين الأميركي

  كيف جمع أحمد الجلبي بين صقور واشنطن وملالي طهران؟

بعدما «حُجم» زعيم «المؤتمر الوطني العراقي» أحمد الجلبي في الحكومة العراقية الانتقالية وأصدر قاض عراقي مذكرة توقيف في حقه وابن شقيقه سالم الجلبي سحبت في وقت لاحق ثم تحالفه مع تيارات قريبة من ايران وموالية لها، وصولاً الى «الكباش» الدائر بينه وبين وزير الدفاع الموقت حازم الشعلان، ما زال منظرو «المحافظين الجدد» متمسكين بمن كان يسمى «الطفل المدلل» لوزارة الدفاع الأميركية. فكيف تمكن هذا السياسي «الذكي»، كما يُجمع معظم معارفه ومنهم خصومه، من التحالف مع ضدين لا يمانعان شراكتهما فيه، بل يشيدان «بضرورتها»؟

لم يبرز نجم المعارضين العراقيين الذين لا يتمتعون سوى بدعم خارجي وإرث سياسي قديم، إلا بعد غزو الكويت والحرب التي تلتها واستدعت تدخلاً اميركياً لدرس بدائل لنظام الرئيس صدام حسين. ظهر الجلبي في تلك الفترة كأحد رموز ما سماه مسؤول بارز في أحد الأحزاب الاسلامية الشيعية في حديث الى «الحياة» بـ«حركات 2 آب» او «الحركات المجهرية» التي لم يكن لها نفوذ أو تاريخ في العمل السياسي المعارض داخل العراق. وسُجلت المشاركة السياسية العلنية الأولى للجلبي في مؤتمر بيروت للمعارضة العراقية عام 1991 الذي تمخضت عنه لجنة للعمل المشترك اختير عضواً فيها. لكن اللجنة كانت بعيدة نسبياً عن التأثيرات الخارجية غير الاقليمية، اذ نالت حصة الأسد فيها الأحزاب الخمسة التقليدية في العراق، الحزب الشيوعي العراقي و«المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق» و«حزب الدعوة الاسلامية» والحزبان الكرديان الرئيسيان «الديموقراطي الكردستاني» بقيادة مسعود البارزاني و«الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة جلال الطالباني.

بعد شهور على مؤتمر بيروت، قاد الجلبي ما يُشبه «انقلاباً» على هذه القوى التقليدية

ولجنة العمل المشترك التي كانت اتخذت من دمشق مقراً لها وكان لها فرع في لندن، فموّل مؤتمراً للمعارضة في فيينا لم تشارك فيه قوى ذات وزن ما عدا الحزبين الكرديين. وتولى الجلبي، يعاونه المعارض العراقي ليث كبة ورجل الدين الشيعي محمد بحر العلوم، تنظيم هذا المؤتمر الذي كان مصدر تمويله أحد أكثر الأمور المثيرة للجدل. ويقول أحد منظمي المؤتمر إن «الجلبي دفع تكاليفه من ماله الخاص، لكنه عاد وحصّل الأموال من وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي اي) بعد انتهائه، اذ يبدو أنها اشترطت عليه اثبات نجاح المؤتمر (وربما نجاحه هو أيضاً)، لتمويله». لكن مصدراً قريباً من الجلبي أكد أن تمويل مؤتمر فيينا كان أميركياً «منذ البداية» ولم تكن هناك شروط سوى «حجب المعلومات عن هذا الدعم عن ليث كبة وغيره من المعارضين العراقيين لئلا يتسبب ذلك في فشل المؤتمر الذي عقدت عليه آمال كبيرة».

شكل مؤتمر فيينا بداية جديدة للجلبي، اذ أن تقديمه كصاحب المال ومفتاح الدعم الخارجي، مهدا لرئاسته المجلس التنفيذي لـ«المؤتمر الوطني العراقي» المنبثق من اجتماع فيينا، والذي اكتسب أهميته من وجود الحزبين الكرديين على رأس قائمة أعضائه. ولم تستمر «حال الفراق» بين الأحزاب التقليدية ومؤتمر فيينا طويلاً، فعقد مؤتمر شامل في صلاح الدين (شمال العراق) عام 1992، ضم غالبيتها. وتلى المؤتمر الذي اكتسى تسمية جديدة هي «المؤتمر الوطني العراقي الموحد» تشكيل قوة عسكرية خاضعة لامرة الجلبي يديرها آراس كريم الكردي الفيلي (شيعي) الذي أوصى به الحزب الديموقراطي الكردستاني (يعتبر والده حبيب أحد رموزه). وعلى رغم صعوبة التأكد من الاتهامات والاشاعات حول قرب آراس من ايران وولائه لها، يُجمع الكثيرون على علاقته المتينة برجال الاستخبارات الايرانية الناشطين «جداً»، كما يؤكد مساعدون للجلبي، في شمال العراق.

«المحافظون الجدد»

«كان أراس الرجل الوحيد في فريق الجلبي الذي تمتع بعلاقات واسعة ومستقلة عن زعيم المؤتمر»، بحسب أحد المسؤولين في حزب اسلامي كان لديه وجود عسكري وأمني في شمال العراق. ولم تكن علاقة أراس، الذي اتهمته الاستخبارات الأميركية بالعمالة لايران، بالجلبي ميدانية فحسب بل طغى الجانب الشخصي و«الأبوي» عليها، كما يفيد قريبون من الزعيم الشيعي الليبيرالي. فالجلبي الذي تعرف الى وكالة الاستخبارات المركزية عبر ديفيد ماك الديبلوماسي السابق في بغداد والمدير السابق لمعهد دراسات شرق أوسطي مرموق في واشنطن، وبدأ يوطد علاقاته مع مجموعة من المحافظين في ادارة الرئيس السابق جورج بوش الأب، كان يحتاج الى من يترجم علاقاته الرفيعة مع أجهزة الاستخبارات الى تعاون فعلي على الأرض ووجد في آراس من يحقق له هذا الغرض.

كانت احدى الوسائل التي عمل من خلالها الجلبي لتوثيق علاقاته بدوائر القرار في واشنطن محاباة أنصار الدولة العبرية الأقوى والأكثر تأثيراً في الادارة الأميركية. يقول دانيال بايبس الكاتب اليميني وعضو مجلس أمناء معهد واشنطن للسلام (وزارة الخارجية) ومؤسس منتدى الشرق الأوسط (معهد دراسات) لـ«الحياة» إنه التقى بالجلبي في «مناسبات عدة»، كما ألقى الأخير كلمات في ثلاث زيارات الى معهده المعروف بعدائه للمسلمين والعرب. وبايبس أحد الأمثلة فقط على علاقة وثيقة بناها الجلبي مع عدد من معاهد البحوث اليمينية الاميركية على رأسها «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» ومعهد «أميركان انتربرايز»، معقل «المحافظين الجدد».

توطدت علاقات الجلبي مع اللوبي اليميني أو الاسرائيلي بخطوات جريئة اتخذها. ففي مقابلة مع صحيفة «جيروزالم بوست» اليمينية الاسرائيلية عام 1998، وصف الجلبي الصراع العربي - الاسرائيلي بأنه «مواجهة محدودة باتت بديلاً للتقدم الحقيقي في اتجاه الديموقراطية وحقوق الإنسان في العراق». وقال للصحيفة اليمينية التي وصفته بأنه «ثوري أنيق يملك رؤية للسلام» ان خط أنابيب النفط بين كركوك وحيفا الذي ألغي عام 1948 لدى قيام الدولة العبرية، يمثل «رمزاً» للتعاون المستقبلي بين اسرائيل والعراق.

والى جانب علاقاته المتينة مع المحافظين من أنصار الدولة العبرية، لوح الجلبي بورقة النفط العراقي وباستبدال الشركات الفرنسية والروسية العاملة في عراق صدام حسين بشركات أميركية، وقال في تصريح شهير الى «واشنطن بوست» إن «الشركات الأميركية سيكون لها نصيب كبير من النفط العراقي».

وبعد انطلاق الحملة الأخيرة ضد الجلبي، وجه كتاب «المحافظين الجدد» ومنظروهم انتقادات الى طريقة ادارة واشنطن للعملية السياسية في العراق، متسلحين بملفين دافع زعيم «المؤتمر» عنهما: «اجتثاث البعث» و«النفط مقابل الغذاء». فهؤلاء وعلى رأسهم بيرل اعتبروا ان الجلبي سقط ضحية توجه الادارة الى محاولة تخفيف خسائرها في العراق ومشاركة الأمم المتحدة في ادارة ملفه. ويرى مايكل روبين، أحد منظري «المحافظين الجدد» والباحث في «أميركان انتربرايز»، أن ما حدث أخيراً للجلبي من إصدار مذكرة توقيف «فوري» في حقه، جاء في اطار «ورقة خيارات» تحت عنوان «تهميش الجلبي» وضعها نائب مستشارة الأمن القومي روبرت بلاكويل الذي استقال في «حملة التنظيف» اليمينية في الولاية الثانية من رئاسة بوش. وقال روبين لـ«الحياة» إن الجلبي «راح ضحية» خيارات أركان الادارة، اذ تبحث وكالة الاستخبارات المركزية عن «سفاحين» فيما تريد وزارة الخارجية «العدو التقليدي للجلبي» الاستقرار «بأي ثمن»، لافتاً الى ان زعيم «المؤتمر» دفع ثمن علاقاته الشخصية «بدلاً من مبادئه». ويعزو روبين ما حدث الى وقوف زعيم «المؤتمر» وراء «اجتثاث البعث» ودفاعه المستميت عن متابعة التحقيق في قضية «النفط مقابل الغذاء» التي يتهم مسؤولون في الأمم المتحدة بأنهم تلقوا أموالاً من النظام المخلوع في اطارها.

وفيما دافع أركان التيار اليميني عن الجلبي ووصفوا الاتهامات التي وجهت اليه والى ابن شقيقه بأنها «سياسية»، رأى مسؤول سابق في الادارة الأميركية أن علاقات الجلبي مع هذا التيار تعود الى نحو عقد من الزمن وتحول بعضها الى شخصية، وأنها قائمة على «أفكار وليس علاقات تجارية، كما يحلو للبعض تبريرها». ويزيد المسؤول السابق في الخارجية الأميركية جون الترمان أن المحافظين الجدد كانوا دائماً ينظرون بشك الى الأمم المتحدة منذ الحرب الباردة. ويحدد الترمان «أهم أسباب استهداف هذه المجموعة المنظمة الدولية» واستعانتها بالجلبي في ذلك قرار الجمعية العامة الذي اعتبر «الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية»، ما شكل، بحسب الترمان، انتكاسة في علاقة الدولة العبرية وأنصارها ومن ضمنهم المحافظون الجدد بالأمم المتحدة.

وترى أوساط سياسية عراقية أن صعود الجلبي ونجاحه في تقديم نفسه منسقاً للمعارضة في المنفى نتج من مزيج من قدرته على المناورة وايهام رفاقه بأنه يتمتع بصلات واسعة مع الاستخبارات الاميركية وأيضاً تجيير المعارضة العراقية أميركياً، بعيداً من المؤثرين التقليديين فيها: سورية وايران. ويروي أحد المشاركين في مؤتمر لندن في الأيام الأولى من تعرفه الى الجلبي: «كان يحمل جهازاً تلفونياً كبير الحجم ويخرج بين الفينة والأخرى ليتحدث الى من كان يوهمنا بأنهم أصدقاؤه الأميركيون. انطلت علينا تلك الأمور. ربما كان يتصل بهم حقاً، لكن في كل الأحوال كنا نحتاج الى من يتصل بهم». لكن المناورات السياسية للجلبي، التي كانت تجمع بين الحقيقة وحيلة تميزت بها شخصيته القوية، لم تكن حكراً عليه في العائلة التي يقول عنها الباحث الشهير حنا بطاطو: «عبر ترجمة القوة الاقتصادية الى تأثير سياسي ثم التأثير السياسي الى قوة اقتصادية، صعد آل الجلبي من درجة في الثراء الى أخرى».

ملالي طهران و«المحافظون الجدد»

في الطرف أو النقيض الآخر، كانت للجلبي علاقة مميزة مع ايران خصوصاً التيار المحافظ والنافذ فيها المرتبط بالسيد علي الخامنئي المرشد الروحي للجمهورية الاسلامية. يقول مسؤول حزبي عراقي شارك في مؤتمرات المعارضة ان علاقة زعيم «المؤتمر» بايران ترجع الى أيام الشاه محمد رضا بهلوي، اذ لعب دور الوسيط مع رئيس الوزراء العراقي السابق عبد الغني راوي صاحب خطة الانقلاب ضد النظام البعثي بقيادة أحمد حسن البكر وقتها، لكن سقوط الشاه لم يقطع علاقات ايران كلياً بالجلبي، فالأخير، بحسب أحد القريبين منه، لعب دوراً في المفاوضات بين حركة «أمل» و«حزب الله» الشيعيين اثناء تقاتلهما في نهاية الثمانينات، كما أوفد وقتها ابن شقيقه سالم الجلبي الى طهران للتوسط بين الطرفين، الأمر الذي نفاه بقوة هيثم جمعة المسؤول في الحركة في اتصال مع «الحياة».

كما كانت صحيفة أميركية نقلت عن أحد المعاونين السابقين للجلبي أنه يحتفظ بمصحف «ثمين» يحمل اهداء زعيم الثورة الايرانية روح الله الخميني وتوقيعه بخط يده بالكلمات الآتية: «الى ابني أحمد» كان الزعيم الايراني قدمه الى الجلبي تقديراً لمساعدته الاستخبارات الايرانية أثناء حرب الخليج الأولى.

وشملت علاقة الجلبي بايران، بحسب أحد القريبين منه، «تعاوناً ميدانياً» أثناء وجود هذا الحزب عسكرياً وسياسياً في شمال العراق. فـ«ايران دولة براغماتية تبحث عن مصالحها وعلاقاتها مع الجلبي محكومة بهذه المعايير»، كما يقول مسؤول سابق في «المؤتمر». أما تمارا ويتس، الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط في معهد «بروكينغز» فترى أن الجلبي كان ذا فائدة قبيل الحرب على العراق بالنسبة الى الادارة الاميركية خصوصاً في ما يتعلق باتصالاته مع ايران. وتقول إن هذه الادارة استفادت جداً من شبكة علاقاته، مضيفة أنه زار طهران في وقت كان يتمتع بارتباطات قوية مع مجموعات المصالح وجهات معينة في الحكومة الأميركية. وأشارت الى أن «لا حاجة هنا الى القول إن الجلبي نقل رسائل بين البلدين»، لكن كان هناك «تفاهم مشتركا وليس سراً ان طهران تعاونت مع الادارة الأميركية خصوصاً في الحرب على أفغانستان»، في اشارة الى لعبه دوراً فيها.

ويدعم نظرية ويتس القائلة ان الجلبي احدى حلقات التعاون الايراني - الأميركي، أن مصاريف مكتبه الفخم في ايران تكفلت بها الخارجية الأميركية، وذلك بحسب اعترافه الصريح في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في 28 كانون الثاني (يناير) 2003. لكن روبين «الصقر» لا يرى أي «عيب» سياسياً في هذه العلاقات، اذ ان ايران «من دول الجوار، ما يُحتم على كل مسؤول عراقي التعاون معها».

وعكف الجلبي على العمل مع تنظيمات استبعدت من العملية السياسية على رغم شعبيتها، خصوصاً تيار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي خاض مواجهات ضارية مع القوات الأميركية. فتقرب منه عبر «البيت الشيعي» الذي يضم كافة الفصائل والشخصيات السياسية الشيعية و«المجلس السياسي الشيعي» الذي يرأسه. كما تمكن أخيراً عبر مفاوضات خاضها الى جانب التيار الصدري من ضمان مشاركته في موقع متقدم في لائحة «الائتلاف العراقي الموحد» المدعومة من المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني.

فهل يعود الجلبي الى مركز «الرجل الأول للادارة» في العراق ويكون «سلم نجاة» المشروع الأميركي المحافظ في حال فشل الحكومة الحالية انتخابياً؟ أم يبقي على تقاربه مع الأحزاب القريبة من ايران؟ الجواب تحمله التطورات في الأسابيع المقبلة.

________________________

شبكة البصرة

مهند الحاج علي - الحياة
الجمعة 17 ذي الحجة 1425 / 28 كانون الثاني 2005
عدد مرات القراءة:
1983
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :