آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 8 ربيع الأول 1444هـ الموافق:4 أكتوبر 2022م 03:10:49 بتوقيت مكة

جديد الموقع

ثورة العشرين 1920 والأمر لمن له الأمر ..

بعد أن دنس الغزاه بغداد ، بدأ التفكير بتأسيس إدارة إستعمارية وكان هناك تياران داخل الحكومة البريطانية :

أراد الكولونيل أرنولد ولسن "نائب الحاكم المدني العام في العراق" وضع العراق تحت الإدارة الإستعمارية المباشرة ، وجند بعض العملاء المحليين لتأييد وجهة نظرة. واعتقد اخرون أن أفضل طريقة لإستعمار العراق تكمن في تنصيب  إدارة غير المباشرة .

وأعلنت الإدارة العسكرية البريطانية في 30 تشرين الثاني 1918  عن عزمها القيام باستفتاء يتضمن االأسئلة التالية :

1 ـ هل يرغب العراقيون في قيام دولة عربية واحدة ، تحت الوصاية البريطانية

 2 ـ هل يرغبون ، في هذه الحالة ، في رئيس عربي بالإسم يرأس هذه الدولة الجديدة ؟

حاول ولسن تجنيد بعض العوام لتأييد موقفه . وأصدر أوامره إلى ضباط الإرتباط في المدن العراقية بعدم قبول غير الأجوبة المرضية والملائمة للإنجليز .

 وبعد حملة واسعة من الإبتزاز والتضليل إستطاع ضباط جيش الإحتلال البريطاني جمع بعض التواقيع لدعم الإحتلال:

وقع بعض أهالي كربلاء مضبطة جاء فيها:

( إجتمعت أفكارنا عموماً ، وصار نظرنا على ما فيه صلاح العموم ، بأن نكون تحت ظل حكومتنا العطوفة الرؤوفة البريطانية العظمى مدة من الزمان لترقي العراق خصوصاً ممالكنا وتعمير بلادنا ويكون بذلك مصلحة العموم)

وفي الموصل إجتمع بعض العلماء والأشراف ، ووقعوا على مضبطة كتبها القاضي أحمد أفندي الفخري هذا نصها :

(نعرض الشكر لدولة بريطانيا العظمى على إنقاذنا من الأتراك ، وتخليصنا من الهلاك ، وإعطائنا الحرية والعدالة ، والسعي في ترقي ولايتنا بالتجارة والزراعة والمعارف ، ونشر الأمن في جميع الأطراف . ونؤمل من الدولة المشار إليها أن تحسن علينا بحمايتنا ، وإدارة شؤون ولايتنا إلى زمن يمكن فيه أن نفوز بالنجاح ، ويحصل لنا الترقي والصلاح ، ونسترحم إبلاغ معروضاتنا هذه من سعادتكم إلى عرش الملك جورج الأعظم ، والأمر لمن له الأمر .

حرر في 10 كانون الثاني 1919)

 بذل الإنجليز سعيهم من أجل جمع تواقيع شيوخ العشائر لصالح الحكم البريطاني ، وخاصة في المدن الكبرى كالبصرة ، حيث كان ملاك الأرض مستفيدين من الإحتلال البريطاني ، وأغلبهم أعلن عن تأييده الحكم البريطاني المباشر . وفي الموصل صدرت عشرة إعلانات (مضابط) موقعة من ممثلي المؤسسات الدينية ، سبعة منها تعود لغير المسلمين الذين طالبوا بالحكم البريطاني المباشر او الحماية البريطانية . وبيانان للمسلمين وآخر للأكراد الذين أصروا على أنهم لن يعيشوا تحت حكم عربي أبداً ، وطالب اليزيدية بذلك أيضاً .

 أما أغلبية الشعب العراقي فقد رفضت الإحتلال والحكم البريطاني فقد أصدر المرجع الديني الشيخ محمد تقي الشيرازي فتوى بصدد الإستفتاء جاء فيها :

ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين.

20 ربيع الأول 1337 (23 كانون الثاني 1919)

ااعتبر الشيخ محمد تقي الشيرازي كل من يرغب بحكومة غير مسلمة كافراً. تم استنساخ الفتوى وتوزيعها في المدن والمساجد والمراكز العامة . حسمت هذه الفتوى الموقف ، وأوضحت الموقف الشرعي تجاه الإستفتاء واختيار غير المسلم حاكماً على المسلم بإرادته ورغبته . تصاعد رفض المقترح البريطاني في أنحاء المدن العراقية بتأثير من المدن المقدسة ، النجف وكربلاء والكاظمية ، وبتأثير المجتهدين الذين أيدوا فتوى الشيرازي

 تضمن موقف الفقهاء والمجتهدين بعدين:

بعدا دينيا فقهيا ، إذ توجب الشريعة الإسلامية طاعة أولي الأمر من المسلمين لا سلطة الغزاة. يقول تعالى (اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (النساء : 59).

وبعدا سياسيا ، إذ كانت بريطانيا وفرنسا قد وعدتا "حلفائها"العرب بإنشاء دولة عربية بعد تلاشي النفوذ العثماني من المنطقة العربية . فقد جاء في البلاغ البريطاني ـ الفرنسي الصادر في 7 تشرين الثاني 1918 «أن الغرض الذي ترمي اليه كل من بريطانيا وفرنسا في الشرق ، هو تأسيس حكومات وإدارات وطنية ، تستمد سلطانها من تأييد رغبة السكان الوطنيين أنفسهم ، ومحض اختيارهم ، واعترافهما بهذه الحكومات» عندما يتم تأسيسها تأسيساً فعلياً 

جاءت فتوى الشيخ محمد تقي الشيرازي ترجمة لموقف سياسي ومطالب وطنية أجمع عليها الفقهاء والعلماء والأغلبية الساحقة من أبناء الشعب العراقي .

ففي «الكاظمية إجتمع العلماء والوجهاء والأشراف في اليوم الخامس من شهر ربيع الثاني 1337، الثامن من شهر كانون الثاني 1919 وأصدروا وثيقة جاء فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم

إننا نطلب أن يكون العراق ، حكومة عربية إسلامية يرأسها ملك عربي مسلم على أن يكون مقيداً بمجلس تشريعي وطني والله ولي التوفيق .

حرر يوم الأربعاء في 5 ربيع الثاني سنة 1337

وكان من  أبرز الموقعين:

محمد مهدي صدرالدين ، السيد أحمد السيد ، الحاج عبدالحسين الجلبي ، الشيخ عبدالحسين آل الشيخ ياسين ، السيد إبراهيم السلماسي ، السيد حسن الصدر والسيد محسن السيد حيدر .

 وفي النجف الأشرف عقدت سلسلة اجتماعات تم إثرها الموافقة على وثيقة أعدها السيد كاظم اليزدي طالبت أيضا بتكوين حكومة مستقلة إستقلالاً تاماً ناجزاً برئاسة ملك عربي مسلم مقيد بدستور ومجلس تشريعي منتخب 

وبدعوة من قاضي بغداد، إجتمع وجهاء وأشراف المدينة وأصدروا بياناً يتضمن المطالب المذكورة آنفاً 

 ولكن كان هنالك من سخر نفسة في خدمة الإحتلال مثل. « عبد الرحمن النقيب نقيب الأشراف ومتولي الحضرة القادرية الذي ردد أساطير الغزاة بأن البلاد لم تكن على درجة من النضوج تؤهلها لأي نوع من أنواع الحكم العربي . وكان يدعو إلى استمرار الإحتلال البريطاني وعلى الحاجة إلى وجود القوات البريطانية أنه وأعرب عن رفضة حتى لفكرة إستفتاء الرأي العام عن مستقبل البلاد».فكافئه المحتل برئاسة الحكومة العميلة

وكان ردعلماء السنة هو المزيد من التآلف والتعاون بين العلماء السنة والشيعة ، وتوقيع وثيقة مشتركة جاء فيها :

إننا ممثلو الإسلام من الشيعة والسنة من سكان مدينة بغداد وضواحيها ، بما أننا أمة عربية وإسلامية قد اخترنا أن تكون لبلاد العراق الممتدة من شمالي الموصل إلى الخليج  دولة عربية يرأسها ملك عربي مسلم مقيداً بمجلس تشريعي وطني مقره عاصمة العراق بغداد .

        حرر يوم الأربعاء 19 ربيع الآخر سنة 1337 الموافق 22 كانون الثاني 1919م

فشلت الإدارة البريطانية في إقناع العراقيين بالحكم المباشر ، رغم أن الخيار الآخر ليس بعيداً عن نفوذها ، فالملك فيصل بن الشريف حسين كان من رجالها وعلى علاقة وثيقة بها قبل سنوات عبر الجاسوس البريطاني لورنس الذي رتب الثورة العربية على تركيا.

في 2 آب 1919 إعتقلت سلطات الإحتلال البريطانية ستة من العاملين النشطين في مدينة كربلاء ، مما أثار المرجع الشيخ محمد تقي الشيرازي ، فهدد بالهجرة إلى إيران وإعلان الجهاد هناك ضد الإنجليز ،وشعر الإنجليز بخطورة الموقف فقرروا إطلاق سراحهم وذلك لأن موقف الشيرازي سيكون إلهاماً في تحرك الجمعيات والأحزاب السياسية في تصعيد المعارضة السياسية ضد الإحتلال البريطاني . وفي الأول من آذار 1920 أصدر الشيرازي فتوى حرم فيها العمل في الوظائف الحكومية تحت الإدارة البريطانية ، فأدت إلى موجة إستقالات بين الموظفين الشيعة . لقد أراد الشيرازي عزل سلطات الإحتلال عن أبناء البلاد .

في 25 نيسان 1920 أعلنت مقررات مؤتمر سان ريمو ، والتي تضمنت إعلان الإنتداب البريطاني على العراق وفلسطين ، والفرنسي على سوريا ولبنان . لقد كان القرار صدمة قوية للأوساط الشعبية والدينية . وكانت قد سبقته تحركات سياسية فجرها الإستياء من سوء معاملة الإدارة البريطانية للعراقيين عموماً . وكانت المرجعية تشرف على الإتصالات مع الأطراف الخارجية ، فقد كتبت رسالة شخصية في أوائل آب 1919 إلى الملك حسين في الحجاز ، فأجابها الأخير برسالة يعلن فيها تأييده لمطالب العراقيين في 16 نيسان 1920 عقد إجتماع في دار السيد علوان الياسري حضره عدد من العلماء ورؤساء العشائر ، وضم الميرزا

محمد رضا الشيرازي ، نجل المرجع الشيرازي . طرحت في الإجتماع فكرة الثورة لأول مرة ، وتم الإتفاق فيه على تصعيد المواجهة.

لم يكن الشيخ الشيرازي يميل للعنف والثورة المسلحة ، بل كان يريد أن تبقى الحركة الوطنية سلمية تكتفي بالمطالبة بحقوق البلاد المشروعة دون اللجوء إلى السلاح ، ولكن الذين خططوا للثورة ، ثم أصبحوا قادتها منهم عبدالكريم الجزائري وجعفر أبو التمن ونور الياسري وعلوان الياسري وعبدالواحد الحاج سكر ، إستطاعوا إقناعه ، وتبديد مخاوفه وتحفظاته . «إذ كان يخشى الفوضى ، ويعتبر حفظ الأمن أهم من الثورة بل أوجب منها ، فأجابوه بأنهم قادرون على حفظ الأمن والنظام ، وأن الثورة لابد منها وسوف يبذلون ما في وسعهم لحفظ النظام وتوفير راحة العموم . فقال لهم : إذا كانت هذه نياتكم وهذه تعهداتكم فالله في عونكم»

وبدأت التحركات السياسية بدعوة الناس للتظاهر سلمياً للمطالبة بالحقوق المشروعة ، فأصدر الشيخ الشيرازي بياناً يدعوهم فيه للتظاهر السلمي مع المحافظة على الأمن ، ثم يطلب منهم إرسال وفد يمثل كل منطقة إلى بغداد ، جاء فيه :

إلى إخواننا العراقيين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد فإن إخوانكم في بغداد والكاظمية والنجف وكربلاء وغيرها من أنحاء العراق ، قد اتفقوا فيما بينهم على الإجتماع والقيام بمظاهرات سلمية . وقد قامت جماعة كبيرة بتلك المظاهرات ، مع المحافظة على الأمن ، طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لإستقلال العراق إن

شاء الله بحكومة إسلامية ، وذلك أن يرسل كل قطر وناحية إلى عاصمة العراق (بغداد) وفداً للمطالبة بحقه ، متفقاً مع الذين سيتوجهون من أنحاء العراق عن قريب إلى بغداد .

فالواجب عليكم ، بل على جميع المسلمين ، الإتفاق مع إخوانكم في هذا المبدأ الشريف . وإياكم والإخلال بالأمن ، والتخالف والتشاجر بعضكم مع بعض ، فإن ذلك مضر بمقاصدكم

 في 25 نيسان 1920 أعلنت مقررات مؤتمر سان ريمو ، والتي تضمنت إعلان الإنتداب البريطاني على العراق وفلسطين ، والفرنسي على سوريا ولبنان . لقد كان القرار صدمة قوية للأوساط الشعبية والدينية . وكانت قد سبقته تحركات سياسية فجرها الإستياء من سوء معاملة الإدارة البريطانية للعراقيين عموماً . وكانت المرجعية تشرف على الإتصالات مع الأطراف الخارجية ، فقد كتبت رسالة شخصية في أوائل آب 1919 إلى الملك حسين في الحجاز ، فأجابها الأخير برسالة يعلن فيها تأييده لمطالب العراقيين. في 16 نيسان 1920 عقد إجتماع في دار السيد علوان الياسري حضره عدد من العلماء ورؤساء العشائر ، وضم الميرزا محمد رضا الشيرازي ، نجل المرجع الشيرازي . طرحت في الإجتماع فكرة الثورة لأول مرة ، وتم الإتفاق فيه على تصعيد المواجهة.

لم يكن الشيخ الشيرازي يميل للعنف والثورة المسلحة ، بل كان يريد أن تبقى الحركة الوطنية سلمية تكتفي بالمطالبة بحقوق البلاد المشروعة دون اللجوء إلى السلاح ، ولكن الذين خططوا للثورة ، ثم أصبحوا قادتها منهم عبدالكريم الجزائري وجعفر أبو التمن ونور الياسري وعلوان الياسري وعبدالواحد الحاج سكر ، إستطاعوا إقناعه ، وتبديد مخاوفه وتحفظاته . «إذ كان يخشى الفوضى ، ويعتبر حفظ الأمن أهم من الثورة بل أوجب منها ، فأجابوه بأنهم قادرون على حفظ الأمن والنظام ، وأن الثورة لابد منها وسوف يبذلون ما في وسعهم لحفظ النظام وتوفير راحة العموم . فقال لهم : إذا كانت هذه نياتكم وهذه تعهداتكم فالله في عونكم»

وبدأت التحركات السياسية بدعوة الناس للتظاهر سلمياً للمطالبة بالحقوق المشروعة ، فأصدر الشيخ الشيرازي بياناً يدعوهم فيه للتظاهر السلمي مع المحافظة على الأمن ، ثم يطلب منهم إرسال وفد يمثل كل منطقة إلى بغداد ، جاء فيه :

إلى إخواننا العراقيين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد فإن إخوانكم في بغداد والكاظمية والنجف وكربلاء وغيرها من أنحاء العراق ، قد اتفقوا فيما بينهم على الإجتماع والقيام بمظاهرات سلمية . وقد قامت جماعة كبيرة بتلك المظاهرات ، مع المحافظة على الأمن ، طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لإستقلال العراق إن شاء الله بحكومة إسلامية ، وذلك أن يرسل كل قطر وناحية إلى عاصمة العراق (بغداد) وفداً للمطالبة بحقه ، متفقاً مع الذين سيتوجهون من أنحاء العراق عن قريب إلى بغداد .

فالواجب عليكم ، بل على جميع المسلمين ، الإتفاق مع إخوانكم في هذا المبدأ الشريف . وإياكم والإخلال بالأمن ، والتخالف والتشاجر بعضكم مع بعض ، فإن ذلك مضر بمقاصدكم ومضيع لحقوقكم التي صار الآن أوان حصولها بأيديكم . وأوصيكم بالمحافظة على جميع الملل والنحل التي في بلادكم ، في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم ، ولا تنالوا أحداً منهم بسوء أبداً .

وفقكم الله لما يرضيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأحقر محمد تقي الحائري الشيرازي

9 ـ 10 رمضان 1338 (28 ـ 29 نيسان 1920)

وزع البيان في المساجد والمدن وسارت التظاهرات ، وكتبت البيانات ، وذهبت الوفود لكن كل ذلك لم يغير شيئاً من الموقف البريطاني . يقول فيليب إيرلاند وهو إنجليزي : «لقد فشلت المحاولة لجعل الإنتداب مقبولاً وأنه إلتزام فرض على بريطانيا من قبل عصبة الأمم ، حيث واجه رفض العراقيين سواء الإعتراف بسلطة عصبة الأمم التي منحت الإنتداب ، أو ما يتعلق بالإدعاء البريطاني بمسؤوليتها عن العراق وأنه رد فعل ودي تجاه عصبة الأمم . إن نظرة العرب العامة تجاه إعلان الإنتداب تشابه ما ذكره اللورد كورزنCurzon  Lord وزير الخارجية إذ قال : إنه من الخطأ الإفتراض أن عصبة الأمم أو أية هيئة أخرى هي التي تمنح الإنتداب . ليس ذلك بصحيح ، إنه يستند إلى أن القوى المنتصرة ، والتي فشلت في تقسيم الأراضي ، وجرى فرض الإنتداب البريطاني على العراق وفلسطين ، والإنتداب الفرنسي على سوريا».

لقد فشلت الجهود السلمية في إقناع الإدارة البريطانية بالإستجابة إلى مطالب الشعب العراقي ، وبدأت بتصعيد سياستها وممارساتها ضد المعارضين والناشطين . ففي 21 نيسان 1920 ألقى الميجر بولي القبض على إبن الشيرازي ، محمد رضا الشيرازي ، ثم نفي إلى جزيرة هنجام في الخليج] . لم يكن أمام الشيخ الشيرازي إلا تأييد الإتجاه الآخر ، أي الثورة ، فأصدر فتواه التي منحت الشرعية لحركة جهاد جديدة ضد الإحتلال البريطاني جاء فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم

مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين . ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن . ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنجليز عن قبول مطالبهم .

محمد تقي الحائري الشيرازي

أحدثت الفتوى هيجاناً عاماً في العراق ، وبات توقيت إعلان الثورة مجرد أيام ، فعقد علماء الدين والشخصيات ورؤساء العشائر إجتماعات للتداول واتخاذ الخطوات وتوزيع المهام ، حتى أعلنت الثورة يوم 30 حزيران 1920 . إستمرت الثورة لمدة خمسة أشهر ، تضمنت عمليات عسكرية ، ومواجهات مسلحة وقصف مدن بالطائرات وإحراق قرى ومزارع ، قتلى وجرحى وأسرى ، بشكل أربك الإدارة البريطانية . ولكن الثورة أصيبت بنكبة إثر وفاة قائدها الشيخ محمد تقي الشيرازي ، فتولى القيادة الشيخ فتح الله الأصفهاني المعروف بشيخ الشريعة . «وقد فقدت بريطانيا 426 قتيلاً و1228 جريحاً و615 أسيراً ومفقوداً ، إضافة إلى 8450 إصابة بين (المتمردين)»

لم تحقق الثورة كل أهدافها إلا أنها أسهمت في تغيير موقف الحكومة البريطانية والتخلي عن فكرة الحكم المباشر ، والإعتراف بتأسيس حكومة وطنية ، والإستقلال . وهذا ما سيؤثر على مستقبل الحركة السياسية في العراق عموماً الذي استفاد من الثورة ، إلا أن المرجعية الدينية دفعت الثمن . إذ لم تغفر لها بريطانيا ما سببته لها من مشاكل وصعوبات خلال خمس سنوات ، فبادرت إلى نفي الفقهاء والعلماء الشيعة عن العراق . ولم تسمح لهم بالعودة إلا بعد تقديم تعهد بعدم التدخل بالأمور السياسية .

 لقد كان موقف عبد الرحمن النقيب غريباً ولا يتناسب مع كونه نقيب الأشراف ومتولي الحضرة القادرية وزعيماً دينياً ، إضافة إلى أنه قبل برئاسة الحكومة فيما بعد مع أنها لم تنضج بعد على حد زعمه . ولم يكن ذلك موقف بقية العلماء السنة ، بل حدث تآلف وتعاون بين العلماء السنة والشيعة ، وصل إلى توقيع مضابط مشتركة كالتي وقعها الوفد الشيعي ـ السني المشترك والتي جاء فيها :

لما علم أن الغاية التي ترمي اليها كل من دولتي بريطانيا العظمى وفرنسا في الشرق هي تحرير الشعوب وإنشاء حكومات وإدارات وطنية وتأسيسها تأسيساً فعلياً بكل من سوريا والعراق حسبما يختاره السكان الوطنيون ، فإننا ممثلو الإسلام من الشيعة والسنة من سكان مدينة بغداد وضواحيها ، بما أننا أمة عربية وإسلامية قد اخترنا أن تكون لبلاد العراق الممتدة من شمالي الموصل إلى خليج العجم دولة عربية يرأسها ملك عربي مسلم هو أحد أنجال سيدنا الشريف حسين مقيداً بمجلس تشريعي وطني مقره عاصمة العراق بغداد .

        حرر يوم الأربعاء 19 ربيع الآخر سنة 1337 الموافق 22 كانون الثاني 1919م.

فشلت الإدارة البريطانية في إقناع العراقيين بالحكم المباشر ، رغم أن الخيار الآخر ليس بعيداً عن نفوذها ، فالملك فيصل بن الشريف حسين كان من رجالها وعلى علاقة وثيقة بها قبل سنوات عبر الجاسوس البريطاني لورنس الذي رتب الثورة العربية على تركيا .

في 2 آب 1919 إعتقلت السلطات البريطانية ستة من العاملين النشطين في مدينة كربلاء ، مما أغضب المرجع الشيخ محمد تقي الشيرازي ، فهدد بالهجرة إلى إيران وإعلان الجهاد هناك ضد الإنجليز ، فتفاعلت الأمة مع هذا الموقف ،وشعر الإنجليز بخطورة الموقف فقرروا إطلاق سراحهم . فبريطانيا كانت قبل خمسة أعوام قد جربت وعرفت ماذا يعني إعلان الجهاد ، لذلك آثرت عدم تصعيد الموقف ، وذلك لأن موقف الشيرازي سيكون إلهاماً في تحرك الجمعيات والأحزاب السياسية في تصعيد المعارضة السياسية ضد الإحتلال البريطاني . وفي الأول من آذار 1920 أصدر الشيرازي فتوى حرم فيها العمل في الوظائف الحكومية تحت الإدارة البريطانية ، فأدت إلى موجة إستقالات بين الموظفين الشيعة . لقد أراد الشيرازي عزل سلطات الإحتلال عن أبناء البلاد .

في 25 نيسان 1920 أعلنت مقررات مؤتمر سان ريمو ، والتي تضمنت إعلان الإنتداب البريطاني على العراق وفلسطين ، والفرنسي على سوريا ولبنان . لقد كان القرار صدمة قوية للأوساط الشعبية والدينية . وكانت قد سبقته تحركات سياسية فجرها الإستياء من سوء معاملة الإدارة البريطانية للعراقيين عموماً . وكانت المرجعية تشرف على الإتصالات مع الأطراف الخارجية ، فقد كتبت رسالة شخصية في أوائل آب 1919 إلى الملك حسين في الحجاز ، فأجابها الأخير برسالة يعلن فيها تأييده لمطالب العراقيين في 16 نيسان 1920 عقد إجتماع في دار السيد علوان الياسري حضره عدد من العلماء ورؤساء العشائر ، وضم الميرزا

محمد رضا الشيرازي ، نجل المرجع الشيرازي . طرحت في الإجتماع فكرة الثورة لأول مرة ، وتم الإتفاق فيه على تصعيد المواجهة.

لم يكن الشيخ الشيرازي يميل للعنف والثورة المسلحة ، بل كان يريد أن تبقى الحركة الوطنية سلمية تكتفي بالمطالبة بحقوق البلاد المشروعة دون اللجوء إلى السلاح ، ولكن الذين خططوا للثورة ، ثم أصبحوا قادتها منهم عبدالكريم الجزائري وجعفر أبو التمن ونور الياسري وعلوان الياسري وعبدالواحد الحاج سكر ، إستطاعوا إقناعه ، وتبديد مخاوفه وتحفظاته . «إذ كان يخشى الفوضى ، ويعتبر حفظ الأمن أهم من الثورة بل أوجب منها ، فأجابوه بأنهم قادرون على حفظ الأمن والنظام ، وأن الثورة لابد منها وسوف يبذلون ما في وسعهم لحفظ النظام وتوفير راحة العموم . فقال لهم : إذا كانت هذه نياتكم وهذه تعهداتكم فالله في عونكم»

وبدأت التحركات السياسية بدعوة الناس للتظاهر سلمياً للمطالبة بالحقوق المشروعة ، وأصدر الشيخ الشيرازي بياناً يدعوهم فيه للتظاهر السلمي مع المحافظة على الأمن ، ثم يطلب منهم إرسال وفد يمثل كل منطقة إلى بغداد ، جاء فيه :

إلى إخواننا العراقيين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد فإن إخوانكم في بغداد والكاظمية والنجف وكربلاء وغيرها من أنحاء العراق ، قد اتفقوا فيما بينهم على الإجتماع والقيام بمظاهرات سلمية . وقد قامت جماعة كبيرة بتلك المظاهرات ، مع المحافظة على الأمن ، طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لإستقلال العراق إن إن شاء الله بحكومة إسلامية ، وذلك أن يرسل كل قطر وناحية إلى عاصمة العراق (بغداد) وفداً للمطالبة بحقه ، متفقاً مع الذين سيتوجهون من أنحاء العراق عن قريب إلى بغداد .

فالواجب عليكم ، بل على جميع المسلمين ، الإتفاق مع إخوانكم في هذا المبدأ الشريف . وإياكم والإخلال بالأمن ، والتخالف والتشاجر بعضكم مع بعض ، فإن ذلك مضر بمقاصدكم ومضيع لحقوقكم التي صار الآن أوان حصولها بأيديكم . وأوصيكم بالمحافظة على جميع الملل والنحل التي في بلادكم ، في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم ، ولا تنالوا أحداً منهم بسوء أبداً .

وفقكم الله لما يرضيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأحقر محمد تقي الحائري الشيرازي

9 ـ 10 رمضان 1338 (28 ـ 29 نيسان 1920)

وزع البيان في المساجد والمدن وسارت التظاهرات ، وكتبت البيانات ، وذهبت الوفود لكن التحركات السلمية فشلت في تغيير شيئاً في موقف  الإحتلال البريطاني .

لقد فشلت الجهود السلمية في إقناع الإدارة البريطانية بالإستجابة إلى مطالب الشعب العراقي ، وبدأت بتصعيد سياستها وممارساتها القمعية ضد المعارضين والناشطين . ففي 21 نيسان 1920 ألقى الميجر بولي القبض على إبن الشيرازي ، محمد رضا الشيرازي ،ونفاه إلى جزيرة هنجام في الخليج. لم يكن أمام الشيخ الشيرازي إلا تأييد الثورة ، فأصدر فتواه التي منحت الشرعية لحركة جهاد جديدة ضد الإحتلال البريطاني جاء فيها 

بسم الله الرحمن الرحيم

مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين . ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن . ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنجليز عن قبول مطالبهم .

محمد تقي الحائري الشيرازي

أحدثت الفتوى حالة هيجاناً عاماً في العراق ، ، فعقد علماء الدين والشخصيات ورؤساء العشائر إجتماعات للتداول واتخاذ الخطوات وتوزيع المهام ، حتى أعلنت الثورة يوم 30 حزيران 1920 . إستمرت الثورة لمدة خمسة أشهر ، تضمنت عمليات عسكرية ، ومواجهات مسلحة غير تكافئة وقامت قوات الإحتلال البريطانية بقصف المدن بالطائرات وإحراق القرى والمزارع ، قتلى وجرحى وأسرى ، بشكل أربك الإدارة البريطانية . وبعد وفاة الشيخ محمد تقي الشيرازي ، تولى القيادة شيخ الشريعة  الشيخ فتح الله الأصفهاني المعروف. «وقد فقدت بريطانيا 426 قتيلاً و1228 جريحاً و615 أسيراً ومفقوداً ، إضافة إلى 8.450 إصابة بين رجال المقاومة والمدنيين العراقيين »وقامت سلطة الإحتلال بنفي الفقهاء والعلماء الشيعة عن العراق بحجة التدخل في الأمور السياسية .

لم تحقق الثورة كل أهدافها إلا أنها أرغمت الحكومة البريطانية عن التخلي عن فكرة الإستعمارالمباشر ، والإعتراف بمبدأ قيام حكومة وطنية عراقية  والإستقلال.

_______________________________

شبكة البصرة

السبت 28 شوال 1425 / 11 كانون الاول 2004

عدد مرات القراءة:
2159
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :