آخر تحديث للموقع :

الأربعاء 9 ربيع الأول 1444هـ الموافق:5 أكتوبر 2022م 05:10:31 بتوقيت مكة

جديد الموقع

لأنه يشرع الإحتلال ويقسم العراق إعتراض على موقف الحوزة من الإنتخابات المقررة أميركياً ..

قبل أن ينفض المجتمعون في شرم الشيخ ويتلى البيان الأميركي على مسامع لائحة الحضور، كانت التحضيرات تجري على قدم وساق لزيادة التحشد العسكري في العراق بإرسال إثني عشر ألف جندي وبما يرفع عدد القوات إلى مئة وخمسين ألف جندي، أي ما يفوق العدد الذي حشدته أميركا قبيل شن الحرب على العراق وإحتلاله.

 لقد أعطت اميركا تبريراً لزيادة عدد قواتها، ألا وهو تأمين المناخات الملاءمة لإجراء الإنتخابات في 30 ك2/2005 التي قطع بوش دابر كل تردد عند المرتبطين بإدارة الإحتلال بإعلانه أن الإنتخابات ستجري في موعدها المحدد.

 هذا التأكيد الأميركي الذي يرتقي حد الجزم في إجراء الإنتخابات في موعدها المقرر أميركياً، إنما جاء إستناداً إلى معطيين أساسيين: المعطى الأول هو التجديد السياسي لإدارة بوش، والمعطى الثاني هو ما إعتبرته أميركا شحنة دعم سياسي حصلت عليها من الذين لبوا الدعوة الأميركية لإجتماع شرم الشيخ.

 ولهذا لم يكن من قبيل الصدفة أن يأتي توقيت إعادة إحتلال الفلوجة في نفس الوقت الذي كان فيه إجتماع شرم الشيخ يتلقف الإشارات والإيحاءات والإملاءات الأميركية التي صيغت في البيان الختامي.

 إذاً، الموعد المحدد أميركياً لإجراء الإنتخابات الأميركية، هو محطة أساسية في إستراتيجية التعامل الأميركي مع الملف العراقي. وهذه "الأساسية" ترتكز إلى المعطيات التالية:

1- إن الموعد يأتي بعد أن يكون بوش قد إستكمل التعيينات الإدارية في هرمية السلطة الأميركية.

2- إن الموعد يأتي في نفس الوقت الذي سيوجه فيه الرئيس الأميركي رسالة الإتحاد والتي يحدد فيه معالم السياسة الأميركية داخلياً وخارجياً.

3- إن الموعد تصر عليه أميركا لأنها تريد أن تعطي "شريعة" للإدارة العراقية الملحقة بإدارة الإحتلال والتي لم تستطع حتى الآن أن توفر لها الحدود الدنيا من هذه الشرعية ورغم وسائل الضغط والإرهاب والترهيب والترغيب والرشوة السياسية والمادية، لمن هم في داخل العراق ولمن هم حوله ولمن هم على مستوى الساحة الدولية.

 إننا لا نجد إستغراباً في الحماسة الأميركية لإجراء الإنتخابات في الموعد الذي حددته في ما سمي بقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الإنتقالية لأن ما يطرح بشأن العراق، إنما يطرح وفق الرزنامة الأميركية وليس وفق أية رزنامة أخرى. وأنه ضمن هذا السياق، تأتي العملية الأميركية وفق التصور والرؤية الأميركية لتشكل واحدة من النتاجات السياسية للإحتلال الأميركي وتالياً فإن هذه الإنتخابات تكون في حال حصولها مقدمات ونتائج، ممهورة بطابع الإدارة الأميركية التي أختارت العراق أولاً لتنطلق منه في حال نجح مشروعها وإستقرت الأمور لها، إلى تعميم أسلوب التعامل الأميركي وإفرازات الوضع العراقي الجديد على كل من تعتبره داخلاً ضمن المدايات الحيوية لإستراتيجيتها في ما تسميه بالشرق الأوسط الكبير.

 إذاً، إن العملية الإنتخابية التي تصر أميركا على إجرائها في موعدها المحدد، ليس باعثه تمكين العراقيين من ممارسة سيادتهم على أرضهم، بل هي خطوة مرحلية في سياق تنفيذ الإستراتيجية الأميركية.

 هذه الإستراتيجية التي يتضح أنها تقوم على نصاب تطابق العام الأميركي حيال المنطقة مع الخاص الصهيوني، أخذت معالمها تتبلور جيداً بعد وقوع العراق تحت الإحتلال وهي ترتكز بشكل أساسي على إسقاط عناصر القوة في مقومات الدولة المركزية وعبر إيجاد الأرضية لإقامة تعددية كيانية في العراق ترتبط في ما بينها بعلاقات سياسية تحت عنوان تأسيس عراق جديد على قاعدة الفدرالية وهذا ما نص عليه ما سمي بقانون إدراء الدولة العراقية.

 ففي المادة السابعة فقرة (ب) ما نصه: العراق متعدد القوميات والشعب العربي فيه جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، والإشارة إلى أن العراق متعدد القوميات يعني أن الشعب في العراق لا يتوزع قومياً بين القوميتين المتعارف عليهما / القومية العربية والكردية، بل ثمة قوميات أخرى. وهذا ما يفهم من نص التعددية، إذ لو كان الأمر يشير إلى الكردية كقومية ثانية، لكان المعنى أشار إلى ثنائية التركيب القومي للدولة العراقية دون أن يشير إلى التعددية. وما يؤكد هذا الهدف هو أن المادة الرابعة نصت صراحة على ذلك إذ جاء فيها: "النظام في العراق جمهوري إتحادي / فدرالي، ديمقراطي تعددي ويجري تقاسم السلطات فيه بين الحكومة الإتحادية والحكومات الإقليمية والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية. ويقوم النظام الإتحادي على أساس الحقائق الجغرافية والتاريخية والفصل بين السلطات وليس على أساس الأصل أو العرق أو الأثنية أو القومية أو المذهب.

 إذاً، أن النظام السياسي المطلوب إقامته وفق الرؤية الأميركية هو نظام اتحادي / وهناك تقاسم للسلطة بين الحكومة الإتحادية والحكومات الإقليمية وما لم يشر إليه ما سمي بقانون إدارة الدولة بالتحديد حول الأقاليم، أوضحه موقف الربيعي، أحد الرموز السياسية التي تستمد دورها وحضورها من الإحتلال. ففي تصريح لصحيفة "الصباح" التي تصدرها وتشرف عليها قوات الإحتلال: قال الربيعي: إن واقع العراق يستوعب قيام خمسة أقاليم على أسس جغرافية وإدارية، وهذه الأقاليم الخمسة هي / إقليم كردستان، إقليم بغداد الكبرى، إقليم شمال الغرب، إقليم الفرات الأوسط وإقليم الجنوب.

 مما يتقدم، أنه من خلال تطابق العام الأميركي مع الخاص الصهيوني الذي يرى أن الأمن الصهيوني يرتبط بإعادة صياغة أوضاع المنطقة على أسس مذهبية وطائفية وإثنية والعراق من ضمنها أصلاً، ومن خلال الوضوح المتزايد للخطة الأميركية حيال العراق ومن خلال الإشارة إلى أن العراق بلد متعدد القوميات وأن النظام فيه يجب أن يكون إتحادياً وكما ورد في المادة الرابعة التي تشير بالنص إلى حكومة فدرالية وحكومات إقليمية، وما أفصح عنه أحد الرموز السياسية المتعاملة مع الإحتلال، الذي يحدد الأقاليم السياسية التي يتشكل منها العراق بخمسة، لتبين بشكل لا يرقى إليه أدنى شك أو إلتباس أن الخطة الأميركية تقوم على أساس تقسيم العراق وعلى الأقل تقسيماً واقعياً يكون الهدف منه:

 أولاً: إختبار النظرية الصهيونية في إعادة النظر بالخوارط السياسية للكيانات العربية القائمة.

 ثانياً: الحؤول دون قيام دولة مركزية قوية، خاصة وأن العراق يملك إمكانات بشرية وإقتصادية كبيرة تمكنه من النهوض والإستنهاض بسرعة.

 ثالثاً: تقسيم الثروة الطبيعية وخاصة النفطية في العراق ضمن دوائر تقسيمات الأقاليم بحيث يؤدي ذلك إلى سهولة السيطرة على هذه الثروة وتالياً الحؤول دون توظيف مردودها في سياق أي خطة تنموية وطنية شاملة.

رابعاً: الحؤول دون تشكل جيش وطني موحد ومتمكن عدة وعديداً، بحيث يغلب طابع التشكل الأمني والعسكري وفقاً لحاجات وضرورات الأمن الداخلي للأقاليم وللسطات القائمة فيها، وليس لحاجات الدفاع الوطني، وأن إضفاء إسم الحرس الوطني على الوحدات العسكرية التي تندرج ضمن تشكيلات الجيوش، هو للتدليل على أن الوظيفة الأساسية لهذه الوحدات العسكرية هي الحراسة، بحيث يكون لكل إقليم حرسه الخاص وشرطته الخاصة التي تديرها وتشرف عليها السلطة السياسية للإقليم.

 بناءً على تقدم، يتضح أن الإستراتيجية الأميركية حيال العراق، ليست مشوبة بكثير من الإلتباس، وأن كل ما تقوم به أميركا سواء كان على الصعيد السياسي أو العسكري إنما يتدرج ضمن سياق تنفيذ هذه الإستراتيجية.

 وحيث أن كل عملية سياسية تديرها أميركا كل صلة بالعراق ترتبط بالخطة السياسية حياله، فإن الإنتخابات التي تريد أميركا إجراءها في الثلاثين من كانون الثاني ما هي إلا محطة سياسية يراد من خلالها أن تتزود ماكينة الإحتلال بشحنة وقود تمكنها الوصول إلى محطة ثانية.

 وعلى قاعدة أن الضد يبرز معالم الضد الآخر فإن الوضوح المتزايد لابعاد الخطة الأميركية، يساهم في إيضاح أبعاد الموقف المقاوم للإحتلال سواء من خلال تعبيراته السياسية أو من خلال تعبيراته العسكرية.

 فإذا كانت المقاومة العسكرية لقوات الإحتلال وللأدوات التي حاولت إنشاءها لتكون رديفاً، آخذه بالإتساع والتأثير إلى الحد الذي أسقطت فيه كل المفاعيل الآنية لعملية إعادة إحتلال الفلوجة، فإن هذه المقاومة بتعبيراتها السياسية آخذة أيضاً بالإتساع لتشمل آليات العمل السياسي الأميركي ومن ضمنها العملية الإنتخابية.

 واذا كانت بعض القوى السياسية التي لم تنخرط في العمل العسكري المقاوم للإحتلال، تعارض آلية العمل السياسي الأميركي لإعادة تركيب السلطة، فلأن هذه القوى باتت تستشعر الخطر الذي يهدد العراق كياناً ودولةً، فيما لو سارت الأمور وفق الآلية الأميركية.

 وإذا كانت بعض هذه القوى التي ترفع شعار المقاومة للإحتلال بكل تعبيراته وأشكاله وأدواته المباشرة والواجهية وتمارس هذا الشعار على الأرض، هي الأكثر جذرية في طرحها للموقف، فلأنها تطرح شعار تحرير العراق كأولوية لا يتقدم عليها أي شيء آخر وكسبيل لإعادة صياغة الأوضاع السياسية نظراً لكون أية آلية سياسية تتم في ظل الإحتلال ستكون لمصلحته وخدمة أهدافه ولذلك فإن هذه القوى لا تطرح الموقف المعارض إنطلاقاً من أن الظروف الآنية غير ملاءمة، بل لأنه لا يجوز منح أية شرعية سياسية لآلية عمل سياسي في ظل رعاية الإحتلال لها.

 إن هذا الموقف الجذري الذي إستطاع أن يفرض نفسه كقوة تأثير فعلية أعطى ورقة سياسية لقوى لا تريد الإنخراط في عملية سياسية في ظل الإحتلال لعدة أسباب كما إستطاع أن يسقط وبأسرع مما تصوره البعض النتائج الأولية لإجتماعي شرم الشيخ وطهران.

 هذه الورقة السياسية التي كسبتها القوى المقاومة والممانعة والمعارضة للتحديدات الزمنية لآلية العمل السياسي المعبر عنها الآن بالعملية الإنتخابية تعمل اميركا للرد عليها عبر توظيف ثلاثة مواقف.

 الموقف الأول: الإصرار الأميركي المستند إلى زيادة التحشد العسكري لمواجهة تصاعد المقاومة.

الموقف الثاني: حسم التردد عند بعض الأطراف السياسية المشاركة  في ما يسمى بالحكومة الإنتقالية والإصرار على إجراء الإنتخابات في موعدها المحدد أميركياً.

الموقف الثالث: إندفاع الحوزة في النجف لأن يكون إصرارها على إجراء الإنتخابات متقدماً على مواقف بعض القوى السياسية المشاركة في الإدارة الواجهية للإحتلال.

وإذا كان المرء لا يستغرب الإصرار الأميركي لأنه يعبر عن حقيقة موقف الإحتلال، ولا يستغرب مواقف المشاركين في الإدارة الواجهية للإحتلال، لأنهم يمنون النفس بفتات المكاسب السياسية والمادية، وإن كان كل حساب وحدة العراق وإنتمائه ودوره، لكن الإستغراب هو في موقف الحوزة والتي ما كان أحد يتمنى لها أن تأخذ موقف المحابي للإحتلال أولاً والمصر على الإنخراط في العملية السياسية التي تديرها قوات الإحتلال ثانياً مع ما يترتب على ذلك من نتائج سلبية على وحدة العراق.

 وإذا كان الإعتراض يسجل على موقف الحوزة خاصة حيال الإقتحام العسكري الأميركي للنجف الأشرف وقصف الصحن الحيدري، ورفع التغطية السياسية عن الذين تصدوا للمحتل الأميركي أثناء إقتحامه للنجف ومدينة الثورة في بغداد، فإن الإعتراض يسجل أيضاً على موقف الحوزة حيال ما تعرضت له مدينة الفلوجة من فظائع إجرامية إرتكبتها قوات الإحتلال الأميركي بحق هذه المدينة ومدن عراقية أخرى، دون أن تنبذ ببنت شفة حتى حول المسائل الإنسانية لكن يبقى الإعتراض السياسي الأبرز هو موقفها من موضوع الإنتخابات.

 إن إصرار الحوزة في النجف على تبني الموقف الأميركي بكل حيثياته حيال العملية الإنتخابية وإعتبار المشاركة فيها على مستوى التكليف الشرعي، هو موقف يساهم في إيجاد أرضية لمناخات إنشطارية كنا نربأ أن لا تندفع الحوزة لإتخاذه. لأن الحوزة وإن كانت مرجعية ذات صفة (دينية – مذهبية) إلا أن خطابها السياسي يجب أن يكون خطاباً وطنياً.

 وعلى هذا الأساس فإن الموقف الذي يدعو لإجراء الإنتخابات في موعدها المحدد أميركياً، دون الأخذ بعين الإعتبار موقف قوى وشرائح شعبية وسياسية واسعة التمثيل، لا يمكن فهمه إلا كونه موقف يندرج ضمن الخطة الأميركية وأن الترويج له يعيد التذكير وإستحضار المواقف التي سبقت العدوان على العراق واحتلاله.

 كنا نربأ أن لا تندفع الحوزة في النجف لإرتكاب موقف يرتقي إلى مستوى الخطأ الفادح بحق مستقبل العراق السياسي، لأن الرغبة بإجراء الإنتخابات إقتناصاً لفرصة هو مصيبة وعدم إدراك إبعاد الخطة الأميركية بكل حيثياتها هو مصيبة أكبر.

 وإذا أدركنا أن الخطة الأميركية تهدف إلى تقسيم العراق إلى كيانات واقعية ترتبط بعلاقات رخوة تحت اسم العراق الفدرالي، فإن كل من ينخرط في العملية السياسية التي تديرها وتوجهها أميركا إنما يخدم هذه الخطة الأميركية أدرك الأمر أم لم يدركه.

 لقد كان الأجدر بالحوزة في النجف أن لا تندفع إلى هذا الموقف المتسرع وغير المحسوب وطنياً حتى لا يقال أنها ساهمت في توفير الأرضية السياسية لما يبغيه الإحتلال وخاصة في البعد التقسيمي وأن ما يعزز المخاوف الوطنية هو ما أعلن أن خمس محافظات في الجنوب والفرات الأوسط بدأت تحضيرات لإقامة حكم ذاتي وطبعاً على غرار ما هو قائم في شمال العراق وفي ظل رعاية الإحتلال.

 إن إندفاع بعض القوى للمجاهرة بالإستعداد لإقامة حكم ذاتي سيدفع الأمور في العراق نحو المزيد من التعقيد، لأن ذلك سيطرح مهمة إضافية أمام القوى المقاومة للإحتلال لأن هذه القوى ستصبح معنية بمواجهة الحالة التقسيمية بإعتبارها واحدة من إفرازات الإحتلال.

 وعند ذلك، ستصبح مهمة القوى الحريصة على تحرير العراق حريصة بالمستوى نفسه على التصدي لكل حالة تقسيمية مع ما يعني ذلك بأن البلاد ستقف على شفير حرب أهلية وهذا تروج له إدارة الإحتلال.

 من هنا، فإن الذين يصرون على إجراء الإنتخابات حيث أمكن ذلك، والذين بدأوا يشهرون مواقفهم بتقسيم العراق مستندين إلى ما نص عليه ما سمي بقانون إدارة الدولة، إنما يضيفون إلى أثمهم السياسي الذي إرتكبوه بحق العراق عندما قدموا على رافعة الإحتلال الأميركي، إثماً جديداً أشد خطورة وهم يشتركون التنفيذ بأيديهم المرحلة الثانية من الخطة الأميركية وهي تقسيم العراق ولو كان ثمن ذلك سيؤدي إلى حرباً أهلية.

 هل يعي هؤلاء أية خطورة تنطوي عليها مواقفهم بإصرارهم على إرتكاب هذا الإثم السياسي القاتل بحق العراق كياناً وطنياً ودوراً قومياً وتاريخاً إنسانياً إنه تساؤل موجه إلى الحوزة في النجف قبل غيرها.

_____________________________

شبكة البصرة

الاربعاء 25 شوال 1425 / 8 كانون الاول 2004

عدد مرات القراءة:
1861
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :