آخر تحديث للموقع :

السبت 27 صفر 1444هـ الموافق:24 سبتمبر 2022م 10:09:08 بتوقيت مكة

جديد الموقع

ثلاثة اغتالوا باقر الحكيم ..

سليم نصّار من دون كل عمليات التفجير والاغتيال التي حدثت في العراق بعد الاحتلال، لم يهتم صدام حسين بنفي مسؤوليته قدر اهتمامه بنفي مسؤوليته عن اغتيال آية الله محمد باقر الحكيم. وأعلن الرئيس العراقي السابق عبر رسالة صوتية بثتها "الحياة - أل بي سي" ان اتهام أنصاره تم من غير دليل، وان الذين تسرعوا في إصدار الأحكام إنما أرادوا إبعاد الشبهات عن الجهات الحقيقية التي ارتكبت الجريمة. ولوحظ من غموض بيان الاتهام الأول عن عدد المعتقلين وجنسياتهم، ان هناك عناصر معينة استعجلت توجيه التهمة نحو فئات سنية لم تثبت ادانتها. وكان من نتيجة التشويش الإعلامي المضلل ان ضاعت القرائن وسط بيانات موجهة، تماماً كما ضاعت من قبلها الأدلة عا الجهات التي دمرت مبنى السفارة الأردنية ومكاتب الأمم المتحدة. وأجمعت تصريحات الأئمة وعلماء الحوزة النجفية على امتصاص حملة الانتقام خشية اندلاع حرب أهلية من طريق إثارة فتنة طائفية بين الشيعة والسنّة، بل بين الشيعة والشيعة. خصوصاً أن بعض أعضاء "فيلق بدر" اتهم جماعة الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر بالوقوف وراء عملية الاغتيال سعياً الى الهيمنة على الشيعة في العراق. ويرى المراقبون ان افتعال أجواء البلبلة كان جزءاً مكملاً لخطة الاغتيال، وان البيان الأول صيغ بطريقة مريبة فتحت باب التأويل ووسعت هامش الاتهامات. غالبية التعليقات الصادرة في الصحف الأميركية اتهمت "القاعدة" لأن الجهة المنفذة استخدمت أسلوب السيارات المفخخة والاعتداءات الانتحارية. أي الأسلوب الذي مارسته في تفجيرات كراتشي ومومباسا والرياض والدار البيضاء. ويقول أصحاب هذه النظرية ان أسامة بن لادن يريد إضعاف نفوذ إيران في العراق الممثل بـ"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" وبالشقيقين محمد وعبدالعزيز الحكيم. كما يريد معاقبة طهران التي ساهمت في إسقاط نظام "طالبان"، وقامت بتسليم خمسمئة عنصر من "القاعدة" لجأوا الى ايران من أفغانستان. وهي حالياً تحتفظ بمجموعة أخرى من عناصر "القاعدة" يقال إن بينها سعد بن لادن، أحد أبناء أسامة. وبين المعتقلين أيضاً المصري سيف العدل، الرجل الثالث في القيادة، وسليمان أبو غيث. ويتردد في بغداد أن أسامة بن لادن وجّه صفعة قوية الى واشنطن وطهران باغتيال الحكيم لعل ذلك يمنع القيادة الإيرانية من تسليم سليمان أبو غيث الى الولايات المتحدة تمهيداً لمحاكمته هناك. وكانت عملية التفاوض حول هذا الموضوع قطعت شوطاً بعيداً لولا تردد ادارة بوش في تسليم كبار قياديي "مجاهدين خلق" الى إيران، ورفض طهران توقيع البروتوكول الإضافي الملحق بمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. علماً أن الوزير كمال خرازي نفى وجود أبو غيث بين المعتقلين. كما نفى تكليف رئيس وزراء الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح القيام بوساطة مع الإدارة الأميركية حول بعض المسائل المعلقة ومنها مسألة التفتيش المفاجئ للمنشآت النووية الإيرانية. في مقابل هذا الاستنتاج طرح الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، سيناريوات عدة رجح في بعضها فرضية العمل الإسرائيلي، معتبراً أن فرضية تنفيذ صدام حسين جريمة الاغتيال تبقى الاحتمال الأقوى. وقال نصرالله في مجلس العزاء الذي أقامه الحزب عن روح الحكيم "ان الشهيد كان من أشد الداعمين والمساندين لحركة المقاومة الإسلامية في لبنان، وانه طلب مراراً المشاركة في ساحة الجنوب كتوكيد بأن الصراع مع العدو ليس فلسطينياً أو لبنانياً فقط، لكن ظروفنا الداخلية لم تكن تسمح بذلك". وقال السيد نصرالله في دعم استنتاجه، ان منطق الشهيد ينبثق من منطق الحرص على وحدة البلاد، لأنه كان يدرك اهداف المشروع الأميركي - الصهيوني وما يحمله للعراق من تمزق وتفتت. من هذه الخلفية كانت اسرائيل تتطلع الى السيد محمد باقر الحكيم كمشروع مناهض لمشروع أحمد الجلبي الذي أيدته لدى الإدارة الأميركية ولدى فريق الصقور بالذات. وبما أن القوة العسكرية الأميركية هي التي عبَّدت للحكيم طريق العودة من إيران، لذلك تعامل مع واشنطن بكثير من التأني والحذر. والمؤكد انه تعاون مع طهران في إخراج دوره الجديد بطريقة لبقة لا تزعج الولايات المتحدة، ولا تعرقل خططها ظاهرياً. واعتمد اسلوب المهاتما غاندي في المقاومة وراح يتحدث عن رفض الاحتلال سلماً ومن دون عنف. وعهد الى شقيقه عبدالعزيز بلعب دور المطمئن داخل مجلس الحكم، في حين أقنع طهران بضرورة الاعتراف بشرعية المجلس وفتح حوار مع القيادات الجديدة في عراق ما بعد صدام. أقلق هذا الموقف المحير الإسلاميين المتشددين الذين راهنوا على قيام جمهورية عراقية ثورية إسلامية معادية للغرب تكون للأئمة وللمرجعيات الدينية فيها أدوار شبيهة بأدوار الخمينيين في إيران. وكان المهندس الأردني ليث شبيلات من أقسى منتقدي اسلوب السيد محمد باقر الحكيم، إذ انه كتب رسالة الى السيد حسن نصرالله بهذا الشأن يحثه فيها على التدخل لإنقاذ الثورة الإسلامية. وجاء في الرسالة التي تعمد شبيلات نشرها في الصحف ما يأتي: "لقد دان الأخوان المسلمون في العالم أولئك المنتسبين اليهم في العراق الذين شاركوا في مجلس أذناب الاستعمار، وانكم مطالبون بإدانة موقف محمد بحر العلوم ومحمد باقر الحكيم الذي عين شقيقه عبدالعزيز في مجلس الحكم النجس هذا(...). لقد أصبحت الخيانة مجرد وجهة نظر. ما معنى رفض الاحتلال سلماً؟". اسرائيل قرأت في برنامج الحكيم خطة ذكية لتسلل النظام الإيراني الى العراق بطريقة تكفل مشاركة طهران في رسم مستقبل الوطن المفرغ من كل الزعامات. كذلك لمست في خطوة الاعتراف بمجلس الحكم، مساهمة سياسية تساعد في كسر أجواء عزلة العراق، في وقت رفضت الدول العربية الاعتراف بشرعية الحكم الجديد. ولم تقتصر مساهمة إيران على تعويم مجلس الحكم العراقي فقط، وإنما انخرطت في حل المشكلات الحيوية أيضاً. فقد أعلن موفق الربيعي، عضو مجلس الحكم الانتقالي، أن إيران ستقوم بتزويد محافظات العراق الجنوبية بالكهرباء. أي انها ستعوض عن نقص الكهرباء في محافظتين تقطنهما غالبية شيعية هما ميسان وواسط. ويرى بعض المحللين ان التسلل الإيراني الى العراق بواسطة السيد محمد باقر الحكيم أخاف إسرائيل وأقلق شارون الذي شجع صقور إدارة بوش على إسقاط نظام صدام حسين. أي إسقاط نظام يمثل دعامة أساسية في الجبهة الشرقية التي اعتبرتها إسرائيل أخطر تهديد مباشر على أمنها القومي. وقبل أن تظهر ملامح التغيير في النظام العراقي الجديد، برزت احتمالات قيام جبهة بديلة تضم إيران والعراق وسورية ولبنان (حزب الله). ومعنى هذا ان الجبهة البديلة ستأخذ شكل التكتل الاستراتيجي الذي ينقل الثقل العسكري الإيراني الى جنوب لبنان. وهذا ما يفسر اهتمام الولايات المتحدة بموقف سورية من التطورات الجررية على أرض العراق، كذلك اهتمام واشنطن والاتحاد الأوروبي بالحصول على ضمانات موثوقة في شأن توقيع إيران بروتوكول التفتيش المباغت كدليل الى عدم استخدامها التكنولوجيا النووية لأغراض التسلح. والمؤكد أن اسرائيل هي التي أثارت هذا الموضوع بعد اكتشاف آثار لنوعين من اليورانيوم المخصب يمكن أن تستخدمهما إيران في انتاج الأسلحة النووية. وهذا ما سمعه نائب وزير خارجية روسيا يوري فيدوتوف هذا الأسبوع أثناء زيارته إسرائيل. قال له وزير الخارجية سيلفان شالوم ان طهران قادرة على انتاج قنبلة ذرية خلال سنة واحدة، الأمر الذي يغير التوازن الاستراتيجي في المنطقة. بعد اغتيال رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية آية الله محمد باقر الحكيم، ظهرت هذه الجريمة كنقطة تحول بالنسبة الى الوجود العسكري الأميركي في العراق. خصوصاً بعد تدني شعبية الرئيس جورج بوش واستغلال الديموقراطيين ورطته المتنامية في بلاد الرافدين. وفي تفسير مُستغرب كرره مراسلون أوروبيون في بغداد، يلقي المسؤولية الأمنية على القوات الأميركية كونها عجزت عن منع وقوع جرائم الترويع وزعزعة الاستقرار، مثل عمليتي نسف مكتب الأمم المتحدة ومبنى السفارة الأردنية، إضافة الى تخريب مرافق الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والهاتف، ونسف أنابيب النفط والمياه. ولوحظ أثناء تأبين الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة سيرجيو دي ميلو، أن جميع المتكلمين كانوا يركزون على دوره في تأسيس مناخ أمني عجز الحاكم الأميركي بول بريمر عن توفيره. حتى السيد محمد باقر الحكيم كان يتصل دائماً بسيرجيو ويطالبه بضرورة توسيع مهمات الأمم المتحدة من أجل خلق قاعدة واسعة تعزز الدور الدولي في العراق. وبما أن صقور إدارة بوش متخوفون من فشل مشروعهم في حال تدخلت قوى أخرى كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، لذلك تساهل بريمر في مواجهة الفلتان الأمني لعل العمليات المروعة تجدد الحاجة الى بقاء القوات الأميركية. وما حدث كان العكس تماماً، خصوصاً بعد تسلل عناصر خارجية جاءت تشارك في أفغنة العراق وفي إحالة ساحته موقعاً مثالياً لمحاربة المحتل الأميركي. وبسبب فشل الخطة الأميركية، جاءت ردود الفعل لتؤكد ان حال الهزيمة الألمانية لا تنسحب على حال هزيمة البعث العراقي، وأن حلم بوش في رؤية عراق نموذجي يكون قدوة لجاراته... هذا الحلم تبخر نهائياً. في سبيل انقاذ جورج بوش انتخابياً، وانتشاله من الورطة العسكرية التي سببتها له رعونة ادارته وجهل أعضائها في شؤون المنطقة وشجونها، قرر الرئيس الأميركي القيام بانعطافة سياسية لا تحمل صورة التراجع المخزي. ومن المؤشرات الواضحة على هذا الانكفاء، اسراعه في رأب الصدع الذي أحدثه الإعلام الأميركي تجاه المملكة العربية السعودية. ففي الخامس من الشهر الماضي، وصل الى جدة وفد رفيع المستوى برئاسة فرانسيس تاونسند. وكان من نتيجة اللقاءات المكثفة تشكيل هيئة مراقبة مشتركة تهتم بالشأنين الأمني والمالي الخاص بالتبرعات والمساعدات. واعتبرت هذه الخطوة بمثابة اعتذار عن الماضي، واعتراف بأن احتلال العراق لا يعني احلاله كمصدر نفطي بديل من أقوى الدول النفطية في العالم. المؤشر الثاني على هذا التراجع كشف عنه وزير الخارجية كولن باول من خلال توزيع مشروع على أعضاء مجلس الأمن يدعو الى إنشاء قوة متعددة الجنسية في العراق، مع الدعوة الى منح الأمم المتحدة دوراً أكبر، وللحفاظ على ماء الوجه، يقضي المشروع بأن يتولى قيادة القوة الجديدة ضابط أميركي. ومع ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وافق على تأليف قوة دولية، إلا أنه طالب بإعطاء الأمم المتحدة دوراً أكبر في إعادة إعمار البلاد، فالتقى في هذا الطرح مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي اقترح قيام دور محوري للأمم المتحدة في العراق. وهو يرى أن الأسلوب الأميركي فشل في بلوغ غاياته، وان المنظمة الدولية مدعوة لتغيير الأسلوب المتبع. وواضح من حركة التغيير ان العرض الأميركي السياسي فشل، وان العسكريين باشروا في إعلان عرض آخر يخفف من الخسائر البشرية ويمنع تدهور شعبية بوش. واقترح الجنرال جون أبي زيد، قائد القيادة الأميركية الوسطى، مشاركة دولية أكبر في قوات التحالف، مشيراً الى تركــيا وباكــستان. وفي هذا السياق تدخّل مجلس الأمن القومي ليعرض على الرئيس بوش خطة انسحاب القوات الأميركية خلال مدة لا تزيد على سنة ونصف السنة، شرط أن تضطلع الأمم المتحدة بدور رئيسي في حفظ السلام شبيه بدورها في البوسنة وكوسوفو. ويستدل من سرعة التحول التي طرأت على الموقف الأميركي، ان الرئيس بوش أصبح مهتماً بتجديد ولايته أكثر من اهتمامه بتجديد ولاية قواته في العراق... وأن نصيحة والده كانت أصوب من نصيحة دونالد رامسفيلد وعصابة الصقور في إدارته.

___________________________

هذا المقال نشر بصحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 6 / 9 / 2003 كاتب وصحافي لبناني

عدد مرات القراءة:
2226
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :