آخر تحديث للموقع :

الأحد 28 صفر 1444هـ الموافق:25 سبتمبر 2022م 10:09:40 بتوقيت مكة

جديد الموقع

كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء ..
الكاتب : ظافر العاني

عاشوراء هذا العام كان مختلفاً عند العراقيين عن كل عام سبقه، فهو لم يكن استذكاراً لاستشهاد الحسين عليه السلام، وانما هم هذه المرة عاشوا المناسبة بشكل حقيقي وبكل ابعادها المأساوية، حينما اريقت دماء المئات منهم في بغداد وكربلاء بقنابل والغام انفجرت وسط حشود الجماهير المتشحة بالسواد فاختلط الماضي الأليم بالواقع المأساوي لكأن التاريخ المضمخ بالدماء يأبى ان يغادر بلاد الرافدين.

 ولئن كان العراقيون قد تفرقوا بعد الاحتلال شيعاً وجماعات لكل منها رؤيتها الخاصة ووجهة نظرها ازاء الاحتلال وما نجم عنه من ممارسات ومؤسسات، فان فجيعة الثلاثاء الدامي عادت ووحدتهم من جديد.

 اذ لعلها المرة الاولى التي يتفق فيها العراقيون وتتماثل رؤاهم على اختلاف مشاربهم عندما اجمعوا بأن القصد الاوحد من اعمال التخريب هذه هو في دفعهم نحو اتون فتنة طائفية مقيتة لم يألفوها في سابق عهدهم، ولا يبدو انهم متحمسون لخوض غمارها مهما بلغ الحث الخارجي من مدى، لانهم مدركون تماماً بأن هذه النار اذا ما اندلعت نيرانها لن تدخر احداً، ولن يكون هنالك رابح من بينهم فالكل خاسرون فيما الرابح الوحيد انما يقبع خلف حدودهم يتحين الفرصة لاضعاف وحدتهم.

 ولذلك، تسامى العراقيون على جراحهم، واظهروا صلابة في الموقف ربما هي من النوادر بين الشعوب، فلم ينزلقوا الى الفخ الذي اراده لهم خصومهم، وهو موقف يبعث على الثناء خصوصاً ونحن نتحدث عن شعب يرزح تحت الاحتلال، بلا حكومة شرعية، او زعامات وطنية تستطيع ان تضبط ايقاع الاحداث في الشارع، ويعيشون مخاضاً عسيراً في ولادة دولتهم من جديد.

 وبالتالي كانت الفطرة السليمة للعراقيين وحسهم الوطني غير الملوث بالمصالح السياسية هما البوصلة التي استرشدوا بها في اظهار تكاتفهم وتلاحمهم.

 لم تكن احداث الثلاثاء المروعة هي الاولى من نوعها التي تستهدف ايجاد شرخ مجتمعي، وان كانت اكثرها دلالة، فمنذ بدء الاحتلال تعرضت العديد من الشخصيات الدينية واماكن العبادة التي تمت لطائفة ما بصلة وثيقة الى اعمال عنف وتفجيرات كان الهدف منها دفع احداها الى القاء التهمة على الاخرى.

 لكن العقلاء وعموم الناس كانوا حريصين على استئناف مسيرة التعايش والمصالحة التي طبعت حياتهم على الدوام، ولم يلقوا بالاً لكل هذا الضجيج المفتعل الذي كان ينذر بحدوث حرب اهلية منذ الايام الاولى للاحتلال وبالفطرة السليمة لا بسواها وجد العراقيون انفسهم وهم يوجهون اصابع الاتهام دونما مواربة الى ادارة الاحتلال الاميركي في العراق.

 وكم كان موقفاً حكيماً ذاك الذي اتخذه المرجع الشيعي آية الله السيستاني عندما انحى باللائمة على اميركا وحملها لوحدها مسئولية ما حدث، كما كان منظراً بالغ الدلالة ذلك المشهد الذي تناقلته الفضائيات العربية حينما قام العراقيون في موقع الحادث بالكاظمية برمي المدرعات الاميركية بالحجارة في اشارة لا تخطيء العين دلالتها في اقتناعهم بأن عدوهم الحقيقي هو الاحتلال الذي عكر صفو حياتهم وألفتهم.

 فاجعة الثلاثاء في بغداد وكربلاء، لم توحد العراقيين فقط، وانما اعادت الى الواجهة من جديد فكرة المصالحة والتقريب بين الطوائف الاسلامية، وكانت مناسبة لاظهار موقف عقلاني مستنير، حيث بادرت شخصيات دينية وسياسية من المذاهب المختلفة بلفت الانظار الى ان هذه الاحداث انما يقصد منها فت عضد الامة الاسلامية والهاؤها بمعارك داخلية لتحول دون الالتفات الى أعدائهم الحقيقيين. فبرز للعيان خطاب ديني غاية في التسامح حركته دماء العراقيين المراقة عند مراقد أئمتهم.

 واذا ما كانت للعراقيين رؤيتهم المشتركة حول الاصابع الخفية وراء افتعال فتنة طائفية، فان لاميركا رؤيتها المختلفة. فما ان وقعت التفجيرات حتى بادرت على التو الى القاء التهمة على ابي مصعب الزرقاوي وتنظيم القاعدة باعتبارهما وراء الاحداث.. والواضح ان اميركا قد استعدت لهذا الامر منذ مدة!!

 ففي الايام السابقة لعاشوراء حاولت بكل جهد ترويض الاذهان لقبول هذا المنطق. حيث سبق لها وان اعلنت بأنها استطاعت الحصول على وثيقة منسوبة للزرقاوي قالت انها اعترضتها وهي موجهة لاسامة بن لادن يعترف فيها بقيامه بخمس وعشرين عملية تفجير داخل العراق، وفيها يعلن عزمه على استهداف المراقد والزعامات الشيعية لحمل الشيعة على الانخراط في المقاومة، وبأن الفتنة الطائفية هي السبيل الوحيد لصحوة السنة المترددين في مواجهة الاحتلال، ثم انه يقول في رسالته المزعومة تلك بأن الديمقراطية اذا ما دخلت العراق كما تحاول اميركا!! فانه لن يكون هنالك مبرر للمقاومة.

 ولا يبدو ان العراقيين ميالون لتصديق رواية الزرقاوي الذي تحاول اميركا ان تجعل منه شخصية اسطورية، مثلما لم يصدقوا في السابق الرواية الاميركية عن ان صدام حسين وراء اعمال الارهاب والتخريب ثم عادت وانكرت ذلك بعدما اسرته واستمرت تلك الاحداث دون توقف، ذلك لان المنطق العقلاني فضلا عن القانوني يشير الى ان اميركا تتحمل المسئولية المباشرة.

 لان استتباب الامن والاستقرار وحفظ ارواح الادميين هي من واجبات قوى الاحتلال، ثم ان الانفلات الامني الذي يشيع في ربوع العراق انما كان جراء قرارات لا عقلانية في حل اجهزة الجيش والشرطة وقوى الامن الداخلي، والتقصير في حماية الحدود العراقية من التسلل عبرها بما يجعل الاراضي العراقية نهباً لقوى خارجية لها مصالحها في ارباك الوضع الداخلي.

 واصرار قوة الاحتلال على الامساك بالملف الامني دونما مشاركة العراقيين فيه رغم انهم الاحق بذلك وفيما تنشغل قوى الاحتلال بحماية امن جنودها، فانها لا تظهر مثل هذا الحرص على حماية العراقيين وتتركهم عرضة لمواجهة مصير مأساوي بصدور محاربة.

 وقد كان ملفتاً للانتباه قول رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي بعد الحادث «اننا لا نستطيع ان نضمن امن العراقيين» فهل هذا الرأي يستبطن قناعة بان الايام المقبلة ستشهد عاشوراء اخرى!!

عدد مرات القراءة:
1977
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :