آخر تحديث للموقع :

الخميس 3 ربيع الأول 1444هـ الموافق:29 سبتمبر 2022م 07:09:11 بتوقيت مكة

جديد الموقع

آية الله السيستاني سافر للعلاج أم أُجبر على السفر؟! ..
الكاتب : محمود كَعْوَش

حكومة علاوي المعينة تقفل مكاتب الجزيرة في بغداد بأوامر أميركية في سياق تعمية إعلامية الهدف إطالة عمر الإحتلال وعودة العملاء من بوابة الإنتخابات

يوم سلم الحاكم المدني السابق للعراق بول بريمر السلطة السياسية للعراقيين قبل يومين من الموعد المحدد لها في الثلاثين من حزيران الماضي وغادر العراق خلسةً طلباً للنجاة, أجمع المراقبون على أن ما جرى كان نقلاً للسلطة لا للسيادة, لأن مثل هذا الإجراء لن يقود بحالٍ من الأحوال إلى الإستقلال التام والمُعافى. فبتلك الخطوة الدراماتيكية, ذهب حاكمٌ مدنيٌ وحل محله حاكمٌ دبلوماسيٌ يقوم بمهام عمله من داخل أكبر سفارةٍ أميركيةٍ في العالم, والـ 160 ألف جندي أجنبي بينهم 140 ألف أميركي بقوا فوق التراب الوطني العراقي يتمتعون بذات الصلاحيات الواسعة لشن هجماتهم العسكرية تحت مسمى القوة متعددة الجنسيات هذه المرة, وفق التسمية التي اختارها لها مجلس الأمن الدولي, وتتوفر لهم الحصانة الكاملة التي تحميهم من الملاحقة القانونية أمام المحاكم العراقية.
وإن كان قرار مجلس الأمن 1546 قد ألزم هذه القوات بالحصول على موافقة السلطة العراقية المؤقتة قبل القيام بهجماتها العسكرية, فإن هذا الإلزام بقي في إطار الشكلية لأنه لم يكن متوقعاً أن يعترض رئيس الحكومة المعين إياد علاوي باعتباره رأس السلطة التنفيذية على أي إجراءٍ عسكريٍ ترى القوات الأميركية ضرورة تنفيذه خدمةً لتكريس احتلالها, لأنه وبحكم عمالته وارتباطه بجهاز المخابرات الأميركية, وهو أمرٌ لطالما تفاخر به, فإن مستقبله السياسي مرتبطô بشكلٍ مباشرٍ بمستقبل هذا الإحتلال. هذا إلى جانب أن العراق وبرغم كل ما قيل عن انتقال السلطة السياسية فيه, إلا أنه بقي محكوماً بالقوانين التي وضعها بريمر خلال الشهور والأيام الأخيرة التي سبقت ذلك الإستحقاق, باعتبار أنها قوانين "إستمدت شرعيتها من قرارات مجلس الأمن" وفق ما صرح به مسؤولون أميركيون سياسيون وعسكريون كبار, ووفق ما تناقلته وسائل الإعلام الأميركية المحسوبة على الإدارة الأميركية.
فبوضع الإدعاء الأميركي المشروخ الخاص بجعل الديمقراطية في العراق نموذجاً يحتذى به في رسم منطقة الشرق الأوسط من جديد بما فيه الوطن العربي جانباً, لأن هذه الديمقراطية قد تهاوت وسقطت في مستنقع سجن "أبو غريب", ولم تعد موضع خلافٍ بين الفاعل الأميركي والمفعول به العربي, إلا أن السؤال المهم الذي طرح نفسه مع انتقال السلطة هو: هل سينجح إياد علاوي فيما فشل فيه أسياده على مدار أربعة عشر شهراً فصلت بين تاريخي بدء الإحتلال ونقل هذه السلطة؟ أو بمعنى آخر, هل سيقيض لمثل هذه الحكومة المعينة أميركياً نقل العراق من حالة الفوضى الأمنية العارمة والسيادة المنقوصة إلى حالة الإستقرار والسيادة الكاملة؟
كان بمقدور الحكومة العراقية لو كان رأسها عراقياً وطنياً, لا إياد علاوي, أن تعطي لهذا السؤال جواباً مغايراً لتوقعات العديد من المراقبين, وبالأخص المتشائمين منهم حول المشهد العراقي. فهذه الحكومة كان بإمكانها الإستفادة كثيراً من الشرعية التي وفرها لها قرار مجلس الأمن 1546. كما وكان بإمكانها الإستفادة من الدعم والتأييد اللذين وفرتهما لها بعض الأنظمة العربية والإسلامية والدول الأوروبية التي بقيت على مناهضتها للحرب الأميركية البريطانية على العراق والمشروع الأمر وبريطاني الذي يستهدف منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والوطن العربي بشكلٍ خاص. وكان بإمكانها أن تشكل لنفسها حالةً نقيضةً للإحتلال في التعامل مع القضايا السياسية والعسكرية والأمنية والإقتصادية العراقي, يجعل من التفاف العراقيين حولها أمراً ممكناً. لكن في حالة حكومةٍ يرأسها شخصô مثل علاوي, فالأمر يختلف تماماً, لأن هذه الحكومة ليست أكثر من أداةٍ يحركها الإحتلال بواسطة جهاز تحكم مسيطر عليه لتنفيذ المؤامرة الأميركية الإسرائيلية التي تستهدف السيطرة على الوطن العربي عبر العراق.

رائحة المؤامرة تزكم الأنوف

لذا كان مرتقباً أن يشهد العراق في ظل هذه الحكومة مثل هذا التدافع الدراماتيكي للأحداث السياسية والأمنية والعسكرية, التي أضافت الى الوضع العراقي ضبابيةً فقو ضبابية اشتُمت من خلالها رائحة المؤامرة التي تزكم الأنوف. فهذه الأحداث بقديمها المستجد والخطير وجديدها الأخطر تنبىءُ بأن هذا البلد العربي الذي عانى مرارة الإحتلال والعمالة على مدار ستة عشرة شهراً مقبلة فعلياً على حمامات دمٍ سيدفع العراقيون الثمن الأكبر من فواتيرها. وليس مستبعداً أن يكون هذا التدافع للأحداث على هذه الصورة المثيرة للقلق والخطيرة, مقدمةً لاستئصال جميع القوى المناوئة للإحتلال والكومة العميلة على الجبهتين السنية والشيعية على حدٍ سواء, ولكن بالتدرج والتتالي, وذلك قبل الوصول الى موعد استحقاق الإنتخابات المقررة في كانون الثاني القادم. والغاية من ذلك هي تمهيد الطريق لعودة إياد علاوي والشخصيات العراقية الأكثر ولاءً وعمالةً للولايات المتحدة الأميركية الى السلطة عبر بوابة الإنتخابات, وتجنب حصول خصومها من أهل السنة والشيعة على الأكثرية في هذه الإنتخابات التي يفترض أن تخضع لإشرافٍ دولي, حفاظاً على استمرار الإحتلال وخدمة المشروع الإستعماري الإستيطاني الأميركي الإسرائيلي.

إغلاق مكتب الجزيرة من متطلبات تنفيذ المؤامرة

وفي سياق ذلك الأمر جاءت خطوة وزير الداخلية العراقي المعين فلاح النقيب, الذي تثور ثائرة العراقيين وبالأخص أبناء مدينة سامراء ضده هذه الأيام بسبب عمالته المفضوحة, الخاصة بقناة الجزيرة. فقد قرر النقيب إغلاق مكاتب الجزيرة في بغداد لمدة شهر كاملٍ مع اشتراط عدم فتحها ما لم تغير من سياستها الخاصة بالوضع العراقي, على حد تعبيره! وقد أعلن النقيب قراره بناءً لتوصية مجلس الإشراف على الإعلام الذي يرأسه إبراهيم الجنابي, وفي مؤتمرٍ صحفي حضره كلô من وزير الدفاع حازم الشعلان ومستشار ما يسمى بالأمن القومي العراقي موفق الربيعي إلى جانب إياد علاوي. وقد تم خلال ذلك المؤتمر الإعلان عن عفوٍ عامٍ عراقي مشروط. وإغلاق مكاتب الجزيرة على ما بدا صب في خانة التعتيم الإعلامي المطلوب لخدمة المؤامرة التي بدأ تنفيذها بالفعل, باعتبار أن الجزيرة هي النافذة الإعلامية الأهم بالنسبة للمشاهدين العرب بمن فيهم العراقيين.

المؤامرة ومتطلبات استحقاق الإنتخابات

وفي تتابع لخيوط المؤامرة الجديدة, فإن قرار الحرب وضرب التيار الصدري الشيعي المستمر منذ الخامس من الشهر الجاري قد اتخذ بناءً على مشاوراتٍ وملاولاتٍ جرت, وفق ما سربه مسؤولô عراقي, في المملكة العربية السعودية بين القادة السعوديين ووزير الخارجية الأميركي كولن باول ورئيس الحكومة العراقية العميلة إياد علاوي أثناء زيارة الأخير للمملكة السعودية في إطار جولته العربية التي شملت العديد من العواصم العربية. وقد جرى على هامش تلك المشاورات والمداولات الإعلان عن ما سمي بالمبادرة السعودية الخاصة بإرسال قواتٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ الى العراق, التي حظيت بتشجيع باول وقبول علاوي. وقد أجمع المحللون الغربيون على أن المبادرة هي من صنع الإدارة الأميركية, إنما كُلفت المملكة بالإعلان عنها خدمةً لحملة الرئيس جورج بوش الإنتخابية. وقد اعتبر توماس هسكنس استاذ العلوم السياسية البريطاني الشهير أن المملكة حاولت من خلال طرحها المبادرة إرضاء الولايات المتحدة مقابل تخفيف ضغوطاتها التي تمارسها على الرياض منذ أحداث الحادي عشر من أيلول 2001.
فخوف الولايات المتحدة وحكومة علاوي العميلة وبعض الأنظمة العربية بما فيها المملكة العربية السعودية والكويت من احتمال حصول التيار الصدري على الأغلبية الشيعية عبر صناديق الإقتراع في الإنتخابات المفترض إجراؤها في كانون الثاني القادم, كما أسلفت الذكر, كان على ما بدا الدافع الرئيسي لافتعال الأزمة الجارية مع هذا التيار انطلاقاً من مدينة النجف, والتي بدأت مع اعتقال قوات الإحتلال للعديد من قيادات هذا التيار بتزامنٍ وقتيٍ وفي أماكن متفرقةٍ من العراق وبترافقٍ مع تهديداتٍ ناريةٍ أطلقها مسؤولون في السلطة العميلة بينهم وزير الداخلية النقيب ومحافظ النجف عدنان الزرفي. وقد سُجل للزرفي مطالبته الصدر ومؤيديه بمغادرة النجف.. وحتى الأراضي العراقية. وهو أمرô أثار سخط جميع العراقيين الذين يناهضون الإحتلال والحكومة المعينة.

السُنة هم الهدف القادم

ويتخوف الوطنيون العراقيون من احتمال أن يكون ما هو جارٍ منذ الخامس من الشهر الجاري في المدن والبلدان الشيعية هو الشق الأول من المؤامرة والتي يستهدف الشق الثاني منها مجلس أهل السنة والجماعة والمدن والبلدات السنية. ومن المفيد التنويه بأن قوات الإحتلال الأميركية كانت قد اعتقلت الناطق باسم أهل السنة والجماعة مثنى الضاري في وقت سابقٍ لأحداث النجف, إلا أنها عادت وأطلقت سراحه بعد أن وصلتها الأوامر بتأجيل ذلك إلى حين التخلص من التيار الصدري وزعيمه مقتدى الصدر. ويضيف الوطنيون العراقيون أن تنفيذ الشق الأول من المؤامرة قد بدأ فعلياً وأنه يُصار إلى الإستفراد بالتيار الصدري ومقتدى الصدر, مع الحرص على عدم إثارة أهل السنة والجماعة والمناطق السنية, على أن يأتي دور هؤلاء في الشق الثاني في فترةٍ لاحقةٍ تكون القوات الأميركية وقوات الحرس الوطني والشرطة العراقية قد استكملت معها الإجهاز على التيار الصدري ومقتدى الصدر بشكلٍ نهائي. ويستند هؤلاء على تصريحات أطلقها علاوي أثناء زيارته للنجف في الثامن من الشهر الجاري وأخرى مشابهةٍ لوزيري دفاعه وخارجيته. وكانت تلك التصريحات قد ذكرت أن خطة قوات الحرس الوطني والشرطة العراقية التي سيتم تنفيذها بمساندة "القوات متعددة الجنسيات" ستشمل جميع بؤر التوتر. وهذه بالطبع ملامح لوجه المؤامرة التي على ما يبدو ستكون هذه المرة كبيرةً وخطيرة بكل فصولها وتفاصيلها.
ولعل في النبرات الكلامية العالية, التي لا تخلو من الفجاجة والعنجهية, التي سيطرت على تصريحات إياد علاوي وأركان حكومته بعد الجولة العربية الأخيرة لعلاوي ولقائه بوزير الخارجية الأميركي كولن باول وزيارة هذا الخاطفة والسرية لبغداد, ما يؤشر إلى أن الهجوم الشامل لقوات الإحتلال الذي سيكون لقوات الحرس الوطني والشرطة العراقية الدور الرئيسي في بسط نفوذ العملاء في المناطق الشيعية بدءاً بالنجف سيتم بين لحظة وأخرى. وليس مستبعداً أن يصار الى فرض أحكام الطوارىء بعد دخول عناصر العمالة مباشرة الى المدينة, الأمر الذي يميط اللثام عن مغزى سفر أو تسفير المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني الى خارج العراق في هذه الظروف الصعبة والمعقدة.

السيستاني سافر أم أجبر على السفر؟!

فحسب المعلومات التي توفرت من العاصمة العراقية, قد تم نقل السيستاني من مكانٍ ما في العراق على متن طائرةٍ أميركيةٍ إلى العاصمة اللبنانية بيروت, التي غادرها فيما بعد إلى لندن. وكان في وداعه موفق الربيعي مسؤول ما يسمى مجلس الأمن القومي العراقي وشخصياتٍ شيعية أخرى. وبالرغم من الإدعاء بأن وضعه الصحي استدعى خروجه من العراق, وأنه خطط لذلك قبل خمسة عشر يوماً, إلا أن مصادر عراقية وطنية أكدت أن تغييب السيستاني عن المشهد العراقي في مثل الظروف الراهنة, جاء في إطار خطةٍ مرسومةٍ أشرفت على صياغتها الولايات المتحدة ونفذتها شخصيات عراقية عميلة بالتعاون مع قوات الإحتلال تقضي بعودته الى العراق بعد بسط سيطرة العملاء على مدينة النجف والمدن والبلدات الشيعية الأخرى وبعد الإجهاز على التيار الصدري وزعيمه مقتضى الصدر, لبسط النفوذ الديني الموالي للولايات المتحدة وتهدئة ثورة الجياع وممارسة دوره المعنوي وفقاً لمنهج التقية!!
يذكر أن السيستاني لم يسبق له أن غادر منزله في النجف منذ ما يزيد عن أربعة عشرة عاماً حتى لزيارة مرقد الإمام علي كرم الله وجهه وأكرمه, وفق ما أكده أهالي المدينة. كما لم يسبق له أن اختار عاصمةً غربيةً للعلاج أو إجراء فحوصاتٍ طبية. وكان بمقدوره, لو صحت رواية مرضه, أن يختار أية عاصمة عربية أو إسلامية بدل أن يختار عاصمة الدولة التي سوقت لغزو واحتلال العراق وساهمت في الحالتين بقواتها العسكرية. وكما هو معروف فإن طهران التي تربطه بها علاقاتô مذهبيةô والرياض التي تربطه بها علاقاتô دينية أقرب إلى النجف من جميع عواصم العالم.

آل الحكيم والبيت الشيعي.. والأهداف المشبوهة

لكن وبالعودة الى ما هو جارٍ في النجف بصورةٍ خاصة والمناطق الشيعية الأخرى بصورةٍ عامة وما يلف ذلك من صمت مقيتٍ من قبل الشخصيات والقوى السياسية الشيعية, فلا يمكن تفسير ذلك بأقل من مباركة هؤلاء لذبح المعسكر الشيعي الرافض للإحتلال وسلطة العمالة, بل واجتثاثه بشكلٍ كامل. وهو في هذا الإطار يدخل في سياق الصراع الشيعي - الشيعي التقليدي القديم بين أسرتي الصدر والحكيم الذي يعود بجذوره إلى بدايات تأسيس حزب الدعوة الإسلامي على يدي محمد باقر الصدر. وهذا الصراع ومنذ ذلك الوقت يخبو حيناً ليعود ويشتعل من جديد في حين آخر. لكن الإشتعال هذه المرة, يبدو وأنه وصل إلى درجةٍ أختُرقت معها جميع المحرمات والخطوط الحمراء. وفي ضوء هذا الخلاف يجري الحديث عن سعي المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يتزعمه آل الحكيم لتأسيس فيدراليةٍ شيعيةٍ في منطقة الفرات الأوسط, بعد أن تجاوز الإحتلال المجلس وآل الحكيم معاً عندما نقلوا السلطة المؤقتة إلى إياد علاوي. فآل الحكيم في سعيهم هذا يعتمدون على الإرث الديني والثقل السياسي والإجتماعي لعائلتهم.
من هنا يمكن فهم الدور الخطير الذي لعبه المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة آل الحكيم والبيت الشيعي بزعامة أحمد الجلبي ورموز شيعية أخرى مماثلة له في إقناع أو إجبار السيستاني على مغادرة النجف تمهيداً لاجتياحها واجتياح المدن والبلدات الشيعية الأخرى من قبل قوات الإحتلال والعملاء, وتبرئته من دم الصدريين والصدر معاً والتفرغ لتنفيذ الشق الثاني من المؤامرة.

_____________________________

شبكة البصرة

الاحد 29 جماد الثاني 1425 / 15 آب 2004

عدد مرات القراءة:
2166
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :