آخر تحديث للموقع :

السبت 11 صفر 1443هـ الموافق:18 سبتمبر 2021م 11:09:34 بتوقيت مكة

جديد الموقع

رثاء إلى الشيعة !
الكاتب : هاني الحطاب

يتصور البعض أن الحق والعدالة أشياء مفطور عليها الإنسان . وهي لها وجود راسخ في عقله ، لأنه نفحة الإلهية ، ومزود في كل القيم . وهذا توجد فطرياَ في رأسه وعقل الإنسان وليس نتاج تربية وبيئة وعوامل اقتصادية واجتماعية . لذا فأنه يعرفها في البداهة والفطرة ، ويتحزب لها كلما رأى ظلم وغبن .

مثل هذه النظرة تجدها سائد في المجتمعات الدينية أي التي تسود فيها نظره دينية إلى الكون . ومثل هذه العقيدة ذات حدين ، فهي من جهة تبرر ما هو موجود ، لأنه موجود وفقاَ إلى السنن الإلهية ، ولو كان غير ذلك لتمرد عليه الناس . ومن جهة أخرى تحاول محاربة كل نظرة مخالفة لهذا المعتقد . بيد أن مثل هذا الأسلوب من التفكير أصبح عتيق وعفا عليه الزمن ما أن بدأ الإنسان يعي ذاته وتحرر من الاغتراب الديني ، وينظر إلى الأشياء في واقعية ، ونظره سياسية تأخذ في الحسبان توازن القوى الفاعلة في المجتمع . فقد تبين بما لا يقبل الجدل بأن المجتمعات هم ظاهرة إنسانية وطبيعة أسوة بكل الظواهر في الكون . والسياسة ليس فيها مقدسات وحق ، وليس فيها أكثرية ، وإنما واقع وفعالية وقوة . وبكلمة واحدة ، قوة . فالقوة هي التي تعطي إلى الأشياء اسمها ، وهي التي تصيغ القوانين ، وتقرر الأحوال .

ولو نظرنا إلى الوضع العراقي بهذا المنظار . وتفحصنا ميزان القوى فيه ، بدون أي إضافة خارجية لعرفنا لمن سوف تؤول السلطة في العراق . ولكن علينا قبل أن نفعل هذا أن نحرر من كل نزعة عاطفية ولاء مذهبي مترسخ في العقول يحول دون قرأت واقعية .فعلينا في البدء أن نظر إلى الأمور بتجرد وحياد بدون اسقاطات داخلية . وكذلك علينا أن لا نتحرج من إصدار أحكام قاسية في ما يصادفنا من حقائق بحق ما يبدو وكأنه حقائق ثابت متجذره في عقول البعض .

فرغم كل ما يقال عن وحدة العراقيين ،وأنه شعب واحد وأن الطائفية هي من صنع النظام البعثي . فأن والواقع وتاريخ العراق يكذب مثل هذا الزعم ، فعدم تفجرها بشكل سافرة ، يعود في الحقيقة إلى سيطرة القوة من طرف وقمع كل تمرد إلى الأخر ، حتى بداء الأمر لطول فترة القمع وكأنه شيء طبيعي . أما كيف حدث هذا الانقسام ، فهذا ليس همنا الآن فمعروفه الظروف الخارجية التي أسهمت فيه . ما يهمنا في وضعنا الحالي ، هو قرأت الأشياء بمثل ما هي عليه في داخل العراق دون العروج على العوامل الخارجية التي غذت ذلك الوضع .

فمعروف تاريخياَ وفي العالم أجمع أن الصراع على السلطة يجري حسب تركيبة البلد ودرجة نضجه السياسي والحضاري . فالدولة التي تخلصت من الانتماءات الطائفية ، تضع في صراعها من أجل السلطة الولاء الوطني فوق الانحيازات الطائفية . وبما أن العراق لم يتخلص من ذلك المرض ، فهي تعمل عملها سوى عن وعي أو لا وعي ، وهي ظاهرة في كثير من مظاهر الحياة ، وأنت تستطيع أن تلمسها في كثير من الميادين . فليس هنا إلا قلة من الشعب تضع الولاء الوطني فوق كل اعتبار .

والطائفتان المتنافستان على السلطة هما السنة والشيعة . وقد كان قصب السبق إلى السنة في الاستحواذ عليها لظروف معروف أيضاَ ، فهم لم يرثوها تالد عن تالد أو تهبط إليهم من السماء . وبما أن الشيعة يمثلون حوالي 60%من سكان العراق والسنة 20% . فمن الواضح أن السنة هم الأقلية ، وحينما تستولي الأقلية على السلطة تحاول ترسيخ هذه السلطة في وعي تلك الأقلية ، ومن باب أولى لدى الأكثرية . ولقد تمتعت سنة العراق في ظروف مثالية لفرض سيادتها ، فكل دول الجوار المحيطة بها هي دول سنية ، وكذلك استغلت حدث تاريخ لتهميش الأكثرية . ولكونها أقلية ،فهي تمتعت بما تتمتع به الأقليات عادة من تماسك بنيوي.

أم الطرف الأخر ، والذي هو الشيعي ، فهم رغم هذه الكثرة ، ورغم أن الثروة النفطية تقع في أراضيهم ، إلا أنهم ليس لديهم مميزات تساعدهم على الحصول على السلطة ، بعض هذه المميزات داخلية وأخرى خارجية . فالداخلية ، هي لكونها أكثرية ، فهم لا يشعرون في الحاجة لهذا التكتل الذي تحس به الأقلية ، فهي في العادة تكون مصاب في الامتلاء . وكذلك خصوصية نشأة التشيع وتطوراته اللاحقة . فتاريخ الشيعة هو تاريخ بائس ومحزن ، وهم ضحايا بعض الصفات النادرة ، فلحمية الدينية وصدق الولاء أصبحت قيود تقيدهم وثغرات ينفذ منه أعدائهم لتكبيلهم . إضافة إلى الانشقاقات التي تعاني منها كل حركة حية . أما الخارجية ، فهم محاطون في أعداء من كل الجهات . فهم بنظر كل المذاهب في الدين الإسلامي ، بمثابة يهود تلك الأمة ، ولبجعة السوداء .

ولقد عانا ذلك المذهب من آفة خطيرة ، فقد تحوله من مذهب ثوري يتطلع الأمام إلى مذهب مشدودة نظراته لخلف بعد أن نضبت معين قواه بفعل ما تعرض له من اضطهاد وعدم بلورة فكرة واضحة عما يريد . فتحول إلى مذهب مغلق بفعل سدنة حراسته ، وبات مجرد طواف حول أضرحة الكثيرة ونشأة له بطانة كبيرة أفقدته كل حياة . وغدا اتباعه مجرد بقرات حلوبه لتلك المجاميع والفقهاء أو المراجع .

وبذلك فقد الشيعة كل قيادة حقيقية ، فمن يمثلونهم في واد وهم في واد . فقيادتهم متخمة مما تجنيه ، وتبعاهم ولد زبيبة في السلم ولد الأكارم في الحرب . لذلك حدثت قطيعة حقيقة بين الفوق والتحت .

ولم تنشأ في العصر الحديث أي محاولة لتحدث الفهم السياسي لشيعة ، ولم تنشأ فيه أحزاب سياسة معاصرة . فحزب الدعوة هو امتداد طبيعي لهيمنت ألمرجعيات على عامة الشيعة في العراق. لذلك اختاروا البحث عن منقذ أخرى في بقية الأحزاب السياسية الأخرى ، غير أن هذا لم يغير من نظر الأخر لهم سوى انتموا أحزاب ماركسية أو قومية . فهم يبقون شيعة في كل الأحوال مع ما يكتسبوه من صفات جديدة ، يهود هذه الأمة ، مثل الدود في قلب الثمرة على حد تعبير سارتر .

لذلك تبدو هناك حاجة ماسة لتحديث وعي الشيعة وعي ذاتها في الوقت الحاضر بعيد عن سلطة ألمرجعيات ، وتكوين حزب سياسي غير ديني مثل حزب الدعوة وبقية الأحزاب الشيعية . فالشيعة لم يعدون فئة أو طائفة أو مذهب ضمن الدين الإسلامي وإنما تحولوا كيان يحمل كل صفات القومية والجسم الغريب والذي لا تقبل توبته ولا يمكن أعادته إلى الحظيرة . لذلك على سكان الجنوب التفكير بجدية في ما أل أليه وضعهم ، وبمعزل عن سلطة النجف وكربلاء . أي وضع سلطتهم الروحية عليهم داخل أقواس لحين العثور على مخرج .

وهذا ما يبد قد أدركته أمريكا بعد مرور عام من وجودها في العراق ، بأن الشيعة بلا مركز رغم كل الضجة حول مرجعياتهم ، فهي مستعدة لبيعهم مع أول سانحة .

تلك هي الحقائق التي حذرنا من خشية الاصطدام بها ، ولكن الفكر الشجاع عليه أن لا يتهيبها لكونها مخالفة لم قر في الأذهان ، ولكونها تثير البلبلة في وقت يحتاج فيه إلى لحمة وتكاتف . فقد بلغ الاستخفاف في العقل الشيعي حد بعيد ، وكأن فعلا أن صاحب عقيل مستقيل .

وإلا من يتصور أن يكون أياد علاوي هو مرشح الشيعة ، لكونه من عائلة شيعية، وهو البعثي والقومي السابق ومازال يعاني من homesick الحنين إليهم ، والذي قد يرتمي في أحضانهم من جديد في أي لحظة ، وقد تكون هي ما شجعت فراسة الأخضر الإبراهيمي على اختياره . وبذلك رجعت الأمور إلى نصابها فقد عادة رأست الجمهورية ورأست الوزراء إليهم ، لعدم وجود ممثل حقيقي إلى الشيعة . ولم يكن ذكاء الإبراهيمي ، ومصالح أمريكا ، وحدها في إنضاج هذه الطبخة بل ، ومباركة ألمرجعية وإيران .

وعليه طفحت الفرحة على وسائل الأعلام العربي بعد ما رجع ما يظنوه حقهم في العراق إلى نصابه . وأي شيعي يقرأ ما كتب في جريد أيلاف الكترونية يحس بفداحة ما أل أليه الوضع الشيعي ، فقد وصف غازي الياور الذي يبدو مرشح إلى رأست الجمهورية وكأنه أبو زيد الهلالي ، فقد تربى في البادية وأرضعته حفيدة حليمة السعدية ،وأياد علاوي ميشل عفلق جديد . وهذا هو بداية الغيث الذي سيجرف الشيعة بعيد عن ديارهم . فالسلطة في نظر العقل العربي هي الغلبة والشوكة ، وليس المسؤولية والمشاركة والويل لمن لا يكون له شيء منها ، فهو سيكون من الخدن . وعلى العقلاء أن يرتدوا معاطفهم عندما يرون الغيوم في السماء ، كما يقول شكسبير .

موقع فيصل نور

عدد مرات القراءة:
1906
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :