آخر تحديث للموقع :

الأحد 7 رجب 1444هـ الموافق:29 يناير 2023م 07:01:06 بتوقيت مكة

جديد الموقع

أحمد الكاتب يرد على سامي البدري حول المهدي ..

أحمد الكاتب يرد على السيد سامي البدري بمناسبة صدور كتابه  - شبهات وردود


  دعوة لمواصلة البحث العلمي ، والاجتهاد في الأصول قبل الفروع الجزئية!

لماذا أهملت موضوع الإمامة والمهدي وتعلقت بموضوع (الاثني عشرية)؟

الواقع السياسي المرير للأمة

يدفعنا الى مراجعة التراث والبحث عن الفكر الإسلامي الأصيل

منهجنا هو التمسك بالكتاب والسنة والسير على هدى أهل البيت (ع)

الشبهة تتمثل

في منهج التأويل الباطني المخالف لسيرة أهل البيت والاستيراد من الإسرائيليات.

السيد سامي البدري حفظه الله قم ايران

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أود أولا ان اقدم لك شكري الجزيل على قيامك بالتجاوب مع دعوني لمناقشة الدراسة التي قمت بها حول نظرية الامامة الإلهية ووجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) حيث كنت من السباقين الذين بادروا الى طلب الدراسة لمناقشتها قبل خمسة أعوام ، وقد أرسلتها اليك فأوليتها اهتمامك البالغ حتى أصدرت كتابا ونشرة خاصة للرد عليها ، في الوقت الذي اكتفى آخرون بالصمت والإهمال او التظاهر بعدم المبالاة.

  وكما تعرف فقد كنتُ قد وجهت دعوات مفتوحة وشخصية الى عملاء الحوزة العلمية في قم لعقد ندوة حول وجود (الامام المهدي) ولكني لم أتلق أية إجابة حتى الآن مع الأسف الشديد. ولو كانت الدعوة موجهة الى جامعات أخرى لهبت لدراسة أي موضوع يهمها ويهم المجتمع.

   وقد كان منطلقي لتلك الدعوة هي دراسة الفكر السياسي الشيعي وتصفيته مما دخل فيه من أفكار وفرضيات ونظريات منحرفة ووهمية والعودة به الى فكر أهل البيت (ع) الصافي السليم. وذلك كجزء من مشروع أكبر لدراسة الفكر السياسي الإسلامي العام وتصفيته مما لحق به من تحريفات أموية وعباسية وغيرها، الذي ابتعد عن منهج الشورى ومال الى نظرية القوة والغلبة العسكرية وقام على مبدأ الوراثة العائلية ،ألغى حق الأمة في الترشيح والانتخاب والنقد والمحاسبة والمشاركة السياسية.

   لقد وجدت في دراستي عن تطور الفكر السياسي الشيعي : ان فكر أهل البيت الأصيل كان يقوم على الشورى وحق الأمة في انتخاب أئمتها ، ورفض المنهج الأموي والعباسي في الاستيلاء على السلطة بالقوة واحتكارها وتوريثها للأبناء وأبناء الأبناء ،وان بعض المتكلمين قد قاموا بمؤامرة كبرى لطمس فكر أهل البيت العظيم وتشويهه وتحريفه وتقديمه بصورة (ملكية وراثية) مشابهة للفكر الأموي والعباسي.

واعتقد انك توافقني على ذلك فقد قلت في محاضراتك في لندن عام 1415:" ان الحاكم في النظرية الإسلامية وكيل عن الأمة يتعاقد معها ، وان سلطان الأمة أعلى من سلطان الحاكم ، وهذا مبدأ أساسي في الدين ، وان الإسلام لم يقل ان الحاكم خليفة الله في الأرض ، ولكن الخلفاء الذين ادعوا ذلك وزعموا ان سلطانهم أعلى من سلطان الأمة وانه مقدس قد افتروا على الإسلام من أجل ان يحكموا سيطرتهم على الناس" وقلت:" ان نظرية الحكم في الإسلام تقوم على أساس البيعة ، وهي حق من حق الأمة ، والأمة تستطيع ان تسحب الحق من الحاكم… ويمكننا ان نستنبط هذه النظرية الإسلامية القائمة على الشورى والانتخاب من خلال الكتاب والسنة ومن سيرة الرسول الأعظم (ص) والإمام علي بن ابي طالب والإمام الحسن والإمام الحسين حيث نجد ظاهرة البيعة والعقد واضحة في حياتهم وأقوالهم" "وقدم الامام علي (ع) تجربة قامت على أساس ان الحاكم يستمد سلطانه من الأمة ولا يفرض آراءه بالقوة" وقلت:" ان الولاية لعلي في الغدير لا تعني الحكم والخلافة السياسية، صحيح ان الامام علي بعد يوم الغدير أصبح له حقا في الحكم وانه صار أولى من كل أحد ، ولكن بشرط ان تبايعه الأمة ليصبح حاكما ، ولا يصبح حاكما الا بعد البيعة".

  وقد كان ذلك منك تطورا جديدا في الفكر السياسي يخالف الفكر (الإمامي) الموروث - كما قلت في محاضراتك – ولم تتوصل اليه الا لأنك رفضت التقليد الأعمى للآباء واجتهدت في الفكر ، خلافا للكثير من العلماء الذين يجتهدون في الفروع ويقلدون في الأصول.

وقد وجدت في دراستي ان الفكر الإسلامي السياسي  وفكر الطوائف الإسلامية المختلفة قد تطور مع الزمن وتبدل من اليمين الى الشمال ومن الشمال الى اليمين ، وان أيا من النظريات المختلفة والعديدة في المجال الفكري السياسي الإسلامي هي نظريات اجتهادية ظنية ولا تمس اسس الدين كالتوحيد والنبوة والمعاد او تعارض شيئا واضحا وصريحا في القرآن الكريم او السنة النبوية المطهرة ، وبكلمة أخرى قد تكون النظريات المختلفة صائبة او خاطئة ولكنها لا تخرج عن إطار الدين. ولذا لا بد من احترام جميع وجهات النظر الاجتهادية داخل الإطار الإسلامي واحترام أصحابها وعدم تكفيرهم او تفسيقهم وإخراجهم من الدين ، وذلك من أجل المحافظة على الوحدة الإسلامية والحريات والحقوق الأساسية العامة. ولا يجوز لأي أحد ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة واتهام المخالفين له بالباطل المطلق. وان السبيل للوصول الى الحق هو الحوار الهادئ الموضوعي والاستماع الجيد لوجهات نظر الآخرين.

   ومن هنا فاني أود توجيه عتاب اخوي الى السيد سامي البدري لقيامه بطرحه لردوده على كتابي في إطار (الرد على الشبهات التي أثارها أحمد الكاتب ضد العقيدة الاثني عشرية والإسلام والتشيع) كما يقول في مقدمة كتابه (شبهات و ردود).

   أقول له: إذا كنت تختلف معي فيما ذهبت اليه من التزام أهل البيت بنظرية الشورى في الحكم ، فان من الطبيعي – إذا أردت الحوار – ان تقدم أدلتك العلمية القاطعة على وجهة نظرك ، الا انه لا يجوز لك ان تبادر الى ادعاء الحق المطلق وكأن جبرائيل قد هبط عليك بالوحي ، ثم تتهم الآخرين بمهاجمة الإسلام والتشيع ،  وأنت تعلم علم اليقين ان بحثنا يدور في إطار الفكر السياسي وقيام نظرية الامامة على الشورى او النص والتعيين ، وهو ليس الا خدمة للإسلام والتشيع.

  واذا كنت تسمح لنفسك بممارسة هذا الأسلوب الدعائي المتعالي ، فأرجو ان تتذكر انك كنت ضحية الإرهاب الفكري عندما اتهمك البعض (السيد حسين الصدر) بالتسنن والانحراف عن مذهب أهل البيت ، وذلك في أعقاب محاضرتك في دار الإسلام في لندن قبل عامين ، بسبب من بعض آرائك الجديدة حول الشورى وقيام الخلافة الإسلامية على أساس البيعة والانتخاب ، والتي نشرناها في العدد الأول من (الشورى).

  كما أرجو ان تتذكر الاتهامات القديمة التي كان يوجهها الاخباريون المتحجرون للمجتهدين الأصوليين بالانحراف عن مذهب أهل البيت والتسنن وذلك لأخذهم بمبدأ الاجتهاد وولاية الفقيه ، وهما  منصبان يعتقد الاخباريون حتى اليوم انهما من اختصاصات الامام المعصوم (المهدي المنتظر) ولا يجوز لأي أحد ان يقوم بهما في (عصر الغيبة) لا بالأصالة ولا بالنيابة العامة . فهل كانت اتهامات الإخباريين للأصوليين في محلها؟ وهل توافقهم عليها؟

   وأرجو ان تتذكر أيضا ان السيد محسن الأمين والشيخ الخالصي والدكتور علي شريعتي والإمام الخميني والسيد محمد حسين فضل الله وغيرهم وغيرهم تعرضوا من قبل المتحجرين والمنغلقين للاتهام بالوهابية والتسنن والشيوعية والعداء لأهل البيت ، ولا تزال المعركة قائمة ضدهم ، فهل تقبل بهذه السياسة التهريجية الغوغائية القائمة على اتهام الخصوم واستثارة العواطف العامة؟ وهل تعتقد اننا بهذه الحدة والعنف والإرهاب الفكري نستطيع بناء مجتمع إسلامي حر وموحد؟ او نستطيع حل اية مشكلة من مشاكلنا المزمنة؟

   لقد كانت نظرياتك الجديدة حول التزام أهل البيت بالشورى ، وانها أساس الحكم والخلافة ، خطوة على الطريق الصحيح لمعرفة مذهب أهل البيت المطمور تحت ركام الأحاديث المختلقة والنظريات الفلسفية الضعيفة والفرضيات الوهمية والروايات الأسطورية ، وهي في نظر الإخباريين و(الحجتية) شبهات ضد مذهب أهل البيت ، ولكنها في نظري محاولة اجتهادية لاستكشاف مذهبهم الصحيح ، فكيف تتجرأ بوصف ما قمنا به بالشبهة ؟ وهو ليس الا محاولة اجتهادية للتعرف على مذهب أهل البيت . ولو بذلت مزيدا من الجهد والبحث العلمي والموضوعية والهدوء لتوصلت الى ما توصلت اليه.

ان منهجنا في البحث والتفكير هو التمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وأحاديث وسيرة أهل البيت (ع) الظاهرية ، ورفض التأويلات الباطنية والروايات السرية والأحاديث الضعيفة والمختلقة ، وقد توصلنا من خلال هذا المنهج الى ما نعتقده فكر أهل البيت الأصيل والسليم القائم على الشورى والحرية والعدالة وحق الأمة في انتخاب الرؤساء ومحاسبتهم وعزلهم ، وهو ما نحتاج اليه في واقعتا السياسي المر الذي يسيطر فيه على السلطة حكام طغاة بالقوة والجبروت ويتوارثون السلطة  والثروة الوطنية العامة في عوائلهم وابنائهم.

  وان الشبهات تأتي من منهج التأويل السري الباطني لأقوال أهل البيت وسيرتهم ،وهو منهج وقعت فيه الفرق الضالة الغالية والمنحرفة عن أهل البيت التي كانت تؤلّه الأئمة او تقول بنزول الوحي عليهم او تقول بتحريف القرآن الكريم او تنكر وفاة الأئمة او تختلق أولادا وهميين لم يخلقوا لهم. واسمح لي ان أقول لك: بأنك وقعت في الشبهة عندما التزمت بهذا المنهج الباطني عندما رفضت في كتابك (شبهات وردود) الروايات الصحيحة التي تتحدث عن البداء والتي لم يشك فيها أحد حتى الذين نقلوها كالشيخ الكليني والمفيد والطوسي ، واقترحت طرحها لأنها لا تنسجم مع النظريات الوهمية التي كونتها حول وجود القائمة المسبقة بأسماء الأئمة الاثني عشر من قبل ، وكان من الأجدر بك ان تذعن للحقيقة وتنطلق منها ومن موضوع البداء لتؤسس أفكارك على ما يقول وما يفعل اهل البيت.

أخي العزيز السيد سامي البدري… انك لا تدافع عن مذهب أهل البيت وانما عن نظريات المتكلمين الوهمية التي أكل الدهر عليها وشرب ، والتي تسببت في إخراج الشيعة من مسرح التاريخ قرونا طويلة من الزمن ، والتي تخلوا عنها في القرون الأخيرة عندما قالوا بمبدأ الاجتهاد وولاية الفقيه او الشورى ، فهل تريد ان تعيدنا الى ما ذهب اليه المتكلمون السابقون الاخباريون من حرمة الثورة على الظالم وحرمة الجهاد في سبيل الله واقامة الدولة في (عصر الغيبة) وتعطيل الخمس والزكاة وإباحة الأنفال وتحريم صلاة الجمعة الا بشرط حضور (الامام المعصوم المعين من قبل الله تعالى) وضرورة التقية والانتظار الى ظهور المهدي؟

   واذا كنت لا تريد ذلك لأنك تؤمن بحرية الاجتهاد ونظرية ولاية الفقيه والنيابة العامة فلماذا تمتعض بشدة من مناقشة وتحليل النظريات المنقرضة أملا بالوصول الى فكر سياسي أفضل وأسلم؟ وهل هناك حدود للاجتهاد تقتصر على ممارسته في الأمور الجزئية الفرعية فقط؟

واذا كنت تتفق معي في مواكبة الثورة الشيعية الراهنة المتحررة من أغلال المتكلمين والإخباريين الذين يشترطون العصمة والنص في الامام (أي الحاكم والرئيس) ونظرياتهم الوهمية المثبطة واللاواقعية واللامعقولة ، فأرجو منك ان تمتلك الشجاعة لتعبر عن رأيك بصراحة ، وفي كل مكان ، لا ان تقول كلاما في لندن ثم تتراجع عنه في قم.

   واذا كنت تصر على التمسك بنظريات المتكلمين والإخباريين البائدة او تأويلها وتطويرها وتأييدها بالروايات الإسرائيلية.. وكنت تحب التصدي لمناقشة الدراسة التي قمت بها حول نظرية الامامة الإلهية ووجود الامام الثاني عشر ، فأرجو منك ان تفعل ذلك بصورة منهجية واضحة موضوعية ومتكاملة ، وان تستعرض في البداية موجزا للأفكار التي طرحتها وقدمتها ، بأمانة ودقة ، ثم تقوم بالرد عليها بما تشاء ، لا ان تهمل الأمور الرئيسية وتلتقط بعض القضايا الجانبية البسيطة والجزئية وتقتطع من الفقرات مقاطع خاصة ومبتورة كما تشتهي لترد عليها بنا تشاء وكأنك فتحت باب خيبر!

لقد كانت دراستي تتألف من ألف صفحة (قبل الاختصار) ومن ثلاثة أجزاء ، وقد استعرضت في الجزء الأول بشكل مفصل نظرية الامامة الإلهية وذكرت جميع أدلتها ، ثم بينت موقف أهل البيت منها ومن موضوع العصمة والنص والوراثة والعلم وخلصت الى إيمانهم بنظرية الشورى كمنهج سياسي ، كما بحثت في الجزء الثاني نظرية وجود وولادة الامام الثاني عشر 0محمد بن الحسن العسكري) وذكرت جميع الأدلة الفلسفية والتاريخية والروائية والإعجازية التي يذكرها المؤمنون بها وناقشتها بعد ذلك دليلا دليلا ، وكان  من بينها موضوع أحاديث (الاثني عشرية) ضمن الدليل الروائي ، فلماذا أهملت البحث في نظرية الامامة الإلهية وموضوع وجود (الامام الثاني عشر) لتناقش مسألة الاثني عشرية فقط؟ او قولي: ان هذه النظرية مستوردة من السنة وحادثة في القرن الرابع الهجري؟ هل لأنك توافقني في موضوع الامامة والمهدي وتخالفني فقط في موضوع (الاثني عشرية)؟ أم ماذا؟

   ان إثبات موضوع (الاثني عشرية) لا يتم عبر إثبات صحة كتاب سليم بن قيس الهلالي او هذه الرواية او تلك ، وانما يتم عبر إثبات وجود ولد للامام الحسن العسكري (ع) الذي كان ينفي حدوث ذلك في حياته ، فلماذا لا تناقش الفكرة من أساسها وتعمد الى انتهاج وسائل ملتوية وأحاديث جانبية؟

   واذا كنت حرا فيما تريد ان تترك او تختار من مواضيع للرد ، فلماذا تمارس ما اتهمتني به من سياسة استغفال القراء وعدم احترامهم وتجنب أصول البحث العلمي ، وذلك في معرض مناقشتك لصحة (كتاب سليم بن قيس الهلالي) الذي يعتبر معتمد وأساس النظرية الاثني عشرية ، حيث ذهبت انا الى وضعه واختلاقه ، وذهبت أنت الى صحته ، ولكنك لم تشر في حديثك أبدا الى ما استشهدت به انا من قول للشيخ المفيد بضعف هذا الكتاب وحدوث الوضع والتدليس فيه. وكان من المفترض بك – على الأقل – ان تشير الى موقف الشيخ المفيد وهو شيخ الطائفة فترفضه او تأوله بعد ذلك ، ولكنك فضلت الصمت والهروب من مواجهة الحقيقة كأنك تريد ان تختم معركتك بليل على صفحات كتابك بسرعة.

   لقد كان منهجي في دراستي وفي نشرة (الشورى) التي أصدرتها ، أن أفسح المجال لعرض الرأي الآخر أولا ن بدقة وأمانة وتفصيل ، ثم أقوم بعد ذلك بالرد والمناقشة.. ولو كنت تستجيب للحوار على صفحات (الشورى) لرأيت رأيك منشورا بصورة كاملة ، وهذا ما يثبت بعدي عن سياسة الاستغفال والتعتيم ، والتزامي بعرض الحقائق الكاملة على القراء ، وأرجو منك ان تثبت التزامك بهذه السياسة وابتعادك عن سياسة الاستغفال والتعتيم بنشر رسالتي هذه في النشرة الخاصة التي تصدرها للرد على (الشورى) وهي (شبهات و ردود).

لا أريد ان أخوض معك في جدال مفصل حول ما نشرت ضدي من ردود قبل ان انشر كتابي الذي سوف يطلع القراء الكرام عليه في المستقبل القريب ان شاء الله ، وانا غير مسئول عن الأشرطة الكمبيوترية المسربة والمعرضة للزيادة والنقصان ، والتي كانت تشكل المسودة الاولى البدائية للكتاب ، ولكني أريد ان أتوقف عند بعض الردود العجيبة التي حاولت ان ترد بها علي ، حيث وصفت بعض الروايات كدعاء القائم الذي يرويه الكفعمي بالضعف ، جزافا ، وطرحت روايات البداء تعسفا ، وأوَلت روايات الثلاثة عشر اماما بخطأ النساخ ، رغم مرور أكثر من الف سنة عليها ، وسمحت لنفسك بالاقتباس من الإسرائيليات المتعارضة مع تراث أهل البيت ورواياتهم ، ورفضت الأحاديث الصحيحة بالتأويلات الباطنية السرية ، وادعيت فهم سر بعض الروايات في حين لمتني على الأخذ بظاهرها.. وإضافة الى ذلك فقد ادعيت امتلاكك للحقيقة ومعرفتك الواقعية بمذهب أهل البيت واتهمتني بإثارة الشبهات ، فمن الذي وقع في الشبهة ؟ ومن خرج منها؟

وحتى تجيب على هذا السؤال أدعوك بإخلاص الى دراسة تاريخ أهل البيت (عليهم السلام9 بشمولية ودقة وموضوعية ، والفرز بين تراثهم وتراث الفرق الغالية والمنحرفة التي كانت تلصق بهم ما تشاء وترفض ما تشاء تحت دعوى (التقية) الباطلة ، وذلك من أجل الوصول الى حقيقة فكر أهل البيت السياسي السليم ، الذي يعيننا ويعين الأمة الإسلامية على الخروج من المأزق السياسي الراهن وتحقيق الحرية والعدالة والشورى والوحدة.

   لقد شهد تاريخ الشيعة الطويل تطورات ومنحيات ومفارق عديدة أدت الى حدوث الفرق الشيعية التي تجاوز عددها السبعين ، وكان بعض التحولات سلميا وعلميا وهادئا ، بينما كان بعضها الآخر يتسم بالعنف والدم والتهريج والعداوة والبغضاء كالمعركة بين الإخباريين والأصوليين والمشروطة والمستبدة في القرن الماضي.. ونحن اليوم على أعتاب مرحلة نهضوية جديدة وأمام تحديات حضارية كبيرة مسئولون فيها أمام الله ومطالبون بتقديم صورة أفضل عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم وأسلوب التعامل السلمي والحوار الداخلي الديموقراطي ، والاجتناب عن سياسة القمع والإرهاب والتكفير والانغلاق والتحجر.

   واعتقد ان بعض الدوائر المتخلفة المضادة للثورة الإسلامية في داخل الحوزة ، والتي كانت تتهم الامام الخميني بالشيوعية والدكتور علي شريعتي بالوهابية والتسنن والكفر ، هي التي تحاول اليوم ان تمارس الإرهاب والقمع والإرهاب الفكري ومصادرة حرية الأمة وحقها في مناقشة القضايا الثقافية والسياسية ، وقد تعجبت من قيام صحيفة (الشهادة) التي يصدرها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بكيل الاتهامات الباطلة لي ووصف كتابي بأنه محاولة لشق صفوف المسلمين ،وانه إرجاف وغواية وضلالة ، وذلك ضمن عرضها لكتابك الجديد 0شبهات وردود) دون ان تعطيني بالطبع حق الرد عليها عملا بقواعد النشر وحرية التفكير. وهذا ما يذكرني بمحاكم التفتيش سيئة الصيت في القرون الوسطى.

  وفي الختام اكرر توجيه الدعوة لك وللسادة العلماء الأفاضل المهتمين بمناقشة القضايا الإسلامية ، لاقامة ندوة او ندوات لدراسة الفكر السياسي الإسلامي عموما والفكر السياسي الشيعي خصوصا.. يتم فيها الاستماع الى وجهات النظر الأخرى والمخالفة بروح علمية وأدب واحترام ، وأتمنى ان تتاح لك الفرصة والحرية الكاملة للتعبير عن آرائك بصراحة ودون خوف من اتهامك بالردة الى مذهبك القديم او إثارة الشبهات.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوك المخلص احمد الكاتب

لندن23 رمضان المبارك 1417هـ

العرش ثم.. النقش

 السيد سامي البدري  المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

طلبت مني في رسالتك الأخيرة عبر الانترنت المؤرخة 6 شعبان 1420 بحث موضوع وجود الشهداء بعد النبي (ص) الذين تعتبر شهادتهم كشهادة الرسول ويعتبر قولهم وفعلهم وتقريرهم كقول وفعل وتقرير الرسول ، وان نبدأ ببحث الآيات والأحاديث الواردة حول الموضوع ، وطلبت مني كذلك التفريق بين معنيي الامامة: الخاص الذي يعني – في نظرك – الحجية في القول والفعل ، واشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية ، المنحصر في الأئمة الاثني عشر ، والمعنى العام الذي تقول انه يشمل الحكومة واقامة الحدود ، وعدم الخلط بينهما.

   وقلت: ان الدليل على حصر الامامة الخاصة بعد النبي في أهل البيت وبقاء الثاني عشر منهم الى آخر الدنيا ، هو: حديث المنزلة وحديث الثقلين وآية التطهير وحديث الكساء وحديث الأئمة اثنا عشر ، ونص السابق من الأئمة على اللاحق.

   ورغم ذلك فقد أكدت ان المعنيين في مصطلح (الامام) اندمجا لدى الشيعة في معنى واحد ثالث ، وصار يراد به كلا المعنيين ، وحصر مصداقه بعد النبي بالمعصومين الاثني عشر ، وهذا ما يدل على انك تحاول التفريق بين معنى الامامة بصورة تعسفية خلافا لما تعارف عليه الشيعة الامامية ، واني لم اخلط بينهما ، وانما أنت الذي تفرق بينهما بدون ضرورة.

   وعلى أي حال فان نظرية الامامة الالهية ذات الشعبتين: التشريعية والتنفيذية المنحصرة في الأئمة الاثني عشر ، حسب رأي الفرقة الاثني عشرية - والا فان الشيعة الإسماعيلية الامامية او الواقفية لا يؤمنون بحصر الأئمة باثني عشر وقد يضيقون العدد او يفتحونه بلا حدود -  وسواء قلنا بحصر الامامة في اثني عشر او لم نقل فان نظرية الامامة هذه تعتمد في قيامها واستمرارها على ثبوت ولادة ووجود ابن للامام الحسن العسكري ، بغض النظر عن المناقشة في الأحاديث التي ذكرتها (حديث المنزلة والثقلين والكساء والاثني عشرية وآية التطهير) ومدى دلالتها وصحة سندها. فاذا استطعت ان تثبت ولادة ووجود الامام الثاني عشر بصورة علمية تاريخية ، فان نظرية الامامة او الاثني عشرية قد تصح ، اما اذا لم تستطع ان تثبت ذلك فان من العبث الحديث عن شيء لا وجود له في الخارج.. ولذا طلبت منك في رسالتي السابقة التي كتبتها قبل سنوات بعد صدور الجزأين الأولين من حلقاتك: ان تبحث القضايا الرئيسية والجوهرية بدلا من ان تغوص في التفاصيل الجزئية والثانوية والهامشية ، ولا زلت اعتقد ان البحث في معنى الامامة هو موضوع ثانوي يأتي بعد موضوع إثبات وجود الامام الثاني عشر المفترض ، وكما قيل: العرش ثم النقش.

  وكأني بك تحاول ان تقفز عن هذا الموضوع الرئيسي المهم بتركيب بعض النظريات الكلية لكي تمهد الطريق نحو القول بفرضية وجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) وهو ما فعله المتكلمون السابقون في القرن الثالث الهجري الذين اصطدموا بالواقع وهو عدم وجود ولد للامام العسكري ، وبدلا من ان يستسلموا الى الحق ويعيدوا النظر في نظرياتهم الخيالية وتأويلاتهم التعسفية وأحاديثهم المزورة أصروا على الباطل وافترضوا وجود ولد للامام العسكري بالرغم من نفي الامام ووصيته بأمواله الى أمه المسماة بـ: (حديث) وعدم وصيته الى أحد من بعده بالإمامة. 

   وهذا ما عنيت به من الدليل الفلسفي الوهمي الافتراضي الذي نسج اسطورة (الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري).

ان إصرارك على بحث موضوع نظرية الامامة تبعا للأحاديث (الضعيفة في المتن والسند) التي ذكرتها ،   بعد انهيار النظرية الاثني عشرية ، قد يجرك الى الانتقال الى الإسماعيلية او البهرة ، واذا أردت ان تعيد النظر في نظرية الامامة ككل فيمكنك ان تصل الى  نظرية الشورى التي اعتقد انها النظرية السياسية لأهل البيت الذين لم يكونوا يدعون العصمة ولا النص ولا حصر الخلافة والإمامة في سلالتهم.

   واعتقد ان مشكلتك هي في ممارسة القياس المذموم  والمرفوض من أهل البيت ، وتطبيق  ما حدث في بني اسرائيل على الحالة الاسلامية ، وتفسير كلمة (الأسباط) التي تعني القبائل اليهودية الاثنتي عشرة ، بأوصياء النبي موسى ، الذين تقول انهم اثنا عشر (بدون دليل) والتوصل تبعا لذلك الى ضرورة وجود اثنا عشر وصيا للرسول الأعظم من أهل البيت.

ولست في حاجة الى اتهامك باتباع عبد الله بن سبأ الذي يقال انه نقل هذه الفكرة من اليهودية الى الاسلام ، وقال بكون الامام علي وصي النبي محمد كما كان يوشع وصيا للنبي موسى ، فأنت تقوم بنفسك بالبحث في الإسرائيليات وقد تعلمت اللغة العبرية وجئت الى لندن لكي تفتش في الكتب اليهودية التاريخية عما يدعم نظريتك ، علما بأن اليهود الأوائل الذين مارسوا القياس بين اليهودية والإسلام لم يقولوا بأكثر من وصي واحد ، حيث لم تكن النظرية الاثني عشرية قد ولدت بعد ، ولم يكن الشيعة الامامية قد حددوا الأئمة بعدد محدود قبل القرن الرابع الهجري. وقد طلبت منك مرارا ان تقوم بالتأكد من أحاديث الاثني عشرية وصحة نسبتها الى أهل البيت قبل ان تقوم بتأييدها من الإسرائيليات.

وفي الحقيقة اني عاتب عليك جدا وأشكوك الى الله ، إذ أراك تستخدم الحوار معي بصورة ملتوية ولأغراض سياسية وإعلامية علمها عند الله ، وذلك لأني كنت المبادر الى دعوتك للحوار حول موضوع المهدي ، قبل ان انشره ، في سنة 1992 وانتظرت مجيئك الى لندن عام 1995 وألححت عليك باللقاء فكنت تتهرب مني وتشترط التسليم في البداية بالفصل بين معنيي الامامة الخاص والعام ، قلت لك: لنجلس ونبحث ، فرفضت اللقاء ، وتوسلت اليك ان تدلني على مواضع الخطأ في كتابي ، فقلت: انا لا أرد على كتاب غير مطبوع ، ثم نشرت ردودك قبل ان اطبع الكتاب ، ومع ذلك لم تناقش الموضوع الرئيسي فيه والذي يشكل حجر الزاوية في الفكر الإمامي الاثني عشري وهو وجود وولادة الامام الثاني عشر ، ونبهتك الى ذلك في رسالتي السابقة فوعدت في الحلقة الثالثة ان تفعل في المستقبل ، ولم تقم بذلك حتى الآن.. ولا زلت تدور في الحواشي والجزئيات وتتهرب من مواجهة الموضوع الرئيسي.

أخي العزيز لماذا تضيع وقتك الثمين ووقت القراء ؟ أرجوك الإجابة عن الاسئلة التالية:

2-      كيف تؤمن بوجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري)؟ عن طريق الأدلة الفلسفية الكلامية والنظريات الكلية العامة؟ أم عن طريق الأدلة التاريخية العلمية؟

2- ما هي تلك الأدلة التاريخية؟ وهل بحثت  الروايات المختلفة الواردة حول الموضوع ودرستها وقارنت بينها؟

3-      هل هي روايات معتبرة لديك؟ وهل تثق برجالها؟ وهل هي مسندة؟ أم ليست الا إشاعات أسطورية مضحكة لا ترقى الى درجة أخبار الآحاد الضعيفة؟

وكما تعرف فقد بحثت كل هذه المواضيع في كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) بشكل مفصل ، فاذا كان لديك أي رد او نقاش في هذا الموضوع فتفضل به ، واذا كنت تسلم بما أقول وتعترف كبعض العلماء السابقين بالعجز عن إثبات وجود الامام الثاني عشر المفترض بالأدلة التاريخية العلمية ، فلا تضيع وقتك ببحث ومناقشة الأمور الثانوية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

   أما اذا كنت تتعرض الى ضغوط سياسية واجتماعية من المحيط المتحجر الذي تعيش في وسطه فحاول ان تهاجر الى أجواء أكثر حرية لكي تعبر عن آرائك بصراحة كما فعلت في زيارتك الى لندن عام 1995

   واني أعذرك عن عدم مواصلة الحوار بجدية لعدم توفر الشروط الضرورية تحت سياط المحكمة الخاصة برجال الدين التي لا تسمح بالخروج عن ثوابت النظام الإيراني والتي أدانت الشيخ أسد الله بيات والشيخ محسن كديوار لكلمة حول ولاية الفقيه ، وحاكمت الشيخ عبد الله نوري لأنه انتقد بعض أفكار الامام  الخميني او دعا الى أفكار الشيخ المنتظري.

حقا ان الفكر ليتعطل في أجواء القمع والإرهاب ومحاكم التفتيش ،وأسال الله تعالى ان يفرج عنك وعن علماء الحوزة العلمية في قم ويوفر لهم جوا  من الحرية والأمن والسلام ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحمد الكاتب

لندن 7 شعبان 1420/15 تشرين الثاني 1999

ملحق رسالة2

  

  أحمد الكاتب يرد على الحلقة الرابعة:

البدري يعترف: لا يمكن اثبات وجود الامام المهدي بصورة مستقلة

      طلب مني عدد من الاخوة الكرام المهتمين بالحوار حول وجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) الرد على الحلقة الرابعة التي أصدرها الاستاذ سامي البدري مؤخرا (في شوال 1420). وبما اني كنت انتظر رده منذ حوالي ثماني سنوات ، بعد أن أرسلت اليه نسخة مخطوطة من كتابي عن الامامة والمهدي في سنة 1992 ، فقد أسرعت الى مطالعة كتابه الجديد (الحلقة الرابعة من شبهات وردود) بدقة ، علني أجد فيه أي دليل علمي تاريخي على ولادة ووجود الامام الثاني عشر ، وان كنت أحدس ان لا شيء جديد فيه والا لكان البدري بادر الى عرضه خلال الأعوام الماضية.

  ويشهد الله اني كنت مستعدا ولا أزال ان أتقبل أي دليل يثبت الموضوع ، ومستعدا لتغيير رأيي بيني وبين الله ، وإعلان ذلك على الملأ بلا استحياء او خجل مادام الحساب عسيرا في الآخرة. ولكني فوجئت بالأستاذ البدري يؤكد أقوالي ويزيدني إيمانا بما توصلت اليه من قبل من ان الايمان بوجود  الامام الثاني عشر ليس الا فرضية فلسفية اجتهادية وهمية . وهذا ما دفعني الى تقديم الشكر الجزيل له على  اعترافه ببعض الحقائق التي ذكرتها من قبل. 

 لقد قلت في كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) : ان وفاة الامام الحسن العسكري في سامراء سنة 260 للهجرة دون إعلانه عن وجود خلف له ، أدت الى تفجر أزمة عنيفة في صفوف الشيعة الامامية الموسوية وحدوث نوع من الشك والحيرة حول مصير الإمامة بعد العسكري ، وتفرقهم الى أربعة عشر فرقة. وان القول بوجود ولد له في السر اسمه محمد وانه الامام المهدي ، كان قولا فرضيا فلسفيا سريا باطنيا قال به بعض أصحاب العسكري بعد وفاته ، ولم يكن الأمر واضحا وبديهيا ومجمعا عليه بين الشيعة في ذلك العصر. وان دعاوى الإجماع والتواتر والاستفاضة التي يدعيها البعض على وجوده وولادته لم يكن لها وجود في ذلك الزمان.

وقلت: ان الدافع الرئيسي لافتراض وجود الولد للامام العسكري هي الأزمة الفكرية التي وقع بها قسم من الامامية نتيجة لاعتقادهم بحتمية وجود إمام معصوم معين من قبل الله في كل زمان الى يوم القيامة. وان الأدلة النقلية (الروايات والأخبار) التي يوردونها حول الموضوع اما غامضة او ضعيفة ومختلقة بعد حين.

      واننا لا بد ان نبحث في الأدلة التاريخية التي تحدثت عن ولادته ومشاهدته في حياة أبيه وبعد وفاته ، ونتأكد منها كطريق وحيد لاثبات وجوده. وانه لا يعقل إثبات وجود انسان في الخارج عن طريق الاستدلال الفلسفي النظري.

   وقد اعترف الأستاذ سامي البدري في كتابه الجديد بصحة النقطة الاولى وهي وقوع الحيرة والفرقة في صفوف شيعة الامام الحسن العسكري والانقسام الى أربعة عشر فرقة  ، ونقل أقوال النوبختي والاشعري  القمي والمفيد في ذلك. وان كان البدري قد ناقش في زمن وقوع الحيرة وحجم تلك الفرق.

     وأهمل البدري تماما الإشارة الى الدليل التاريخي الذي كان ينطوي على أساطير مضحكة وغريبة لا يقول بها الا الغلاة كولادة ابن الحسن من فخذ أمه وحمله في الجنب وأخذ الطيور له ونموه السريع وعلمه بالغيب وتكلمه في المهد. ويبدو ان البدري يقر ويعترف بضعف هذا الدليل الأسطوري الذي لم يذكره الأولون الا من باب التأييد والإسناد والا فانهم كانوا يعترفون بضعف رواته وانقطاع سلسلة السند.

   واعترف الأستاذ البدري ايضا بأن القول بوجود ابن للامام العسكري هو بالدرجة الاولى افتراض فلسفي وانه يرتكز على قانون الوراثة العمودية في الامامة.وان الطريق لاثبات وجود ذلك الولد بصورة مستقلة مسدود تماما.

وذكر البدري أقوال المؤرخين الشيعة السابقين حول سرية وباطنية القول بوجود الولد.

وقبل ان انقل أقواله بالتفصيل وأناقشها قولا قولا أود التأكيد على: ان منهج البدري في البحث والتفكير والنقاش يقوم على التفسير الباطني والتأويل التعسفي والانتقاء المزاجي والافتراض الوهمي والتقليد الساذج والاهتمام بالهوامش الجزئية والتهريج الانفعالي والاتهام الشخصي والغرور المتعالي. وهذا ما أدى به الى الوقوع في الشبهات والايمان بالأساطير والتخبط في الحيرة والتناقض والانحراف عن فكر أهل البيت السليم والابتعاد عن العقل والمنطق.

   نقل الأستاذ البدري قول النوبختي والأشعري القمي في كتابيهما المتشابهين: (فرق الشيعة)و(المقالات والفرق): ان الامام الحسن العسكري توفي ولم يُرَ له خلف ولم يعرف له ولد ظاهر ، وأنه ليس للعباد ان يبحثوا عن أمور الله ويقفوا أثر ما لا علم لهم به ويطلبوا إظهار ما ستره الله عليهم وغيبه عنهم، ولا البحث عن اسمه وموضعه ولا السؤال عن أمره وطلب مكانه إذ هو خائف مغمور مستور بستر الله ، بل البحث عن أمره والسؤال عنه محرم لا يحل ، لأن في إظهار ما ستر عنا وكشفه إباحة دمه ودمائنا. كما نقل البدري قول النوبختي ابي سهل المتكلم الشيعي المعاصر في (التنبيه في الامامة): بأن الناس أمروا ان لا يسألوا عن اسمه وان يستروا ذلك من أعدائه.

وعقب البدري على ذلك:" أقول ان النصين (للنوبختي والاشعري القمي) يتفقان على مسألة تفرق أصحاب العسكري الى أربع عشر فرقة ، وعدم ذكر حجم كل فرقة منها، الأمر الذي يجعل القارئ محقا ان يفترض ان هذه الفرق متكافئة عدديا ، وبالتالي يحكم ببساطة ان نسبة الفرقة الامامية (وكلهم اماميون) هي نسبة واحد من أربعة عشر ، وتزداد أهمية وخطورة النتيجة حين نعلم ان النوبختي والاشعري القمي هما من علماء الشيعة المعاصرين لفترة الغيبة الصغرى".

ويضيف البدري:" مما لا شك فيه ان قسما كبيرا من الشيعة عاشوا حيرة شاملة حين بلغهم خبر انقطاع النيابة الخاصة بعد وفاة النائب الرابع حيث لا يوجد مرجع معين من الامام المهدي ينهض بأمورهم . وتصدى علماء الشيعة في تلك الفترة لرفع الحيرة التي نشأت بسبب ذلك وكتبوا كتبا خالدة ، مثل كتاب (الامامة والتبصرة من الحيرة) لعلي بن بابويه الذي يقول فيه: "رأيت كثيرا ممن صح عقده… قد أحاد ته الغيبة وطال عليه الأمد حتى دخلته الوحشة فجمعت أخبارا تكشف الحيرة".وكتاب (الغيبة) للنعماني الذي يقول فيه:" اما بعد فانا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة الى التشيع  من يقول بالإمامة… قد تفرقت كلمتها وشكوا جميعا الا القليل في إمام زمانهم وولي أمرهم وحجة ربهم للمحنة الواقعة بهذه الغيبة وان الجمهور منهم يقول في الخلف : أين هو ؟ وأنى يكون؟ والى متى يغيب؟ وكم يعيش؟" وكتاب (إكمال الدين وإتمام النعمة واثبات الغيبة وكشف الحيرة) للشيخ الصدوق الذي يقول فيه:" ان الذي دعاني الى تأليف هذا الكتاب… وجدت اكثر المختلفين الي من الشيعة قد حيرتهم الغيبة".

ويعلق البدري على ذلك بالقول: ان السر في هذه الحيرة هو انقضاء الجيل الذي شاهد الامام وتعامل معه جسديا ونشر أخباره ، وكون الغيبة ظاهرة جديدة لم يسبق لها مثيل في المجتمع الاسلامي. ويهاجمني قائلا: ان الكاتب لم يكن قد تحرى الأمانة والدقة العلمية ولا استوعب المصادر الأساسية في مثل هذه القضية الخطيرة.

   وذلك بالرغم من عبارات المؤلفين الثلاثة الصريحة بوقوع الحيرة بسبب الغموض حول وجود الامام الثاني عشر ، وان الشيخ علي بن بابويه كتب كتابه (الامامة والتبصرة من الحيرة) في ظل ما يسمى بالغيبة الصغرى ، حيث توفي مع الصيمري في وقت واحد وهو سنة 329 ، كما يذكر البدري نفسه ، الا ان البدري يتغافل عن كل ذلك ويحاول ان يوهم القراء بصورة تعسفية بأن سبب الحيرة التي عمت الشيعة في ذلك العصر هو انقطاع النيابة الخاصة وليس الاختلاف حول وجود الولد للامام العسكري ، وكأن تلك الفرق الأربعة عشر ولدت في وقت متأخر. ومع ذلك لا يجد حرجا في ادعاء الأمانة والدقة العلمية واستيعاب المصادر الأساسية واتهامي بعدم ذلك!

هكذا يئول النصوص الصريحة ويفسرها كما يشتهي .

وفي محاولة منه  لتأويل الحيرة وتحجيمها بتقليل حجم الفرق الأربع عشرة التي تفرقت بعد وفاة الامام العسكري يدعي البدري: ان الجمهور من الشيعة أجمعوا على إمامة القائم المنتظر وأثبتوا ولادته. ويستشهد لذلك بقول للمفيد في (الفصول المختارة) يسنده الى النوبختي ويقول فيه:" لما توفي أبو محمد الحسن بن علي افترق أصحابه بعده – على ما حكاه أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي – بأربع عشرة فرقة ، فقال الجمهور منهم بإمامة القائم المنتظر واثبتوا ولادته وصححوا النص عليه وقالوا هو سمي رسول الله ومهدي الأنام".

ويفترض البدري قائلا: يتضح من هذا النص ان نسخة النوبختي المطبوعة قد أصابها التحريف حين لم يذكر فيها عبارة (الجمهور منهم) .

وبناء على ذلك يلومني على عدم التحقيق في النسخ الموجودة من كتاب النوبختي (فرق الشيعة ) وكتاب الاشعري القمي (المقالات والفرق).

ويستشهد بقول آخر لأبي سهل النوبختي في (التنبيه في الامامة): ان الحسن خلف جماعة من ثقاته ممن يروي عنه الحلال والحرام ويؤدي كتب شيعته وأموالهم ويخرجون الجوابات ، فلما مضى أجمعوا جميعا على انه خلف ولدا هو الامام وأمروا الناس ان لا يسألوا عن اسمه وان يستروا ذلك من أعدائه.

ويعلق البدري مفترضا : من البعيد جدا ان يكون ابن الأخت (أبو سهل) وهو معني بالأمر غير مطلع على كتاب خاله (الحسن بن موسى) في الموضوع نفسه ، وهو شيخ متكلمي الشيعة في بغداد في وقته ، واذا اطلع عليه وكان مختلفا فمن البعيد ان لا يذكر رأيه.

ويمضي الأستاذ سامي البدري في الاستدلال على قوله بأن جمهور الشيعة كان يقول بوجود الولد بالاستشهاد بأقوال عدد من علماء السنة كأبي الحسن الاشعري (توفي سنة 297) والذهبي (توفي سنة 748) وابن حزم الأندلسي (توفي سنة 548) وسبط ابن الجوزي (توفي سنة 645) ومحمد بن طلحة الشافعي (توفي سنة 652) وابن طولون (توفي سنة 953) وابن الصباح المالكي ، الذين قالوا بأن جمهور الرافضة ثبتوا على ان للحسن ابنا أخفاه ، فيستنتج البدري ويقول: يتضح من ذلك كله في ضوء المصادر السنية والشيعية القديمة ان جمهور أصحاب الحسن العسكري وثقاته وهم جمهور الشيعة آنذاك كانوا يقولون بالولد وكون أبيه الحسن قد نص على إمامته وانه المهدي الموعود.

 ولم يكتف البدري بذلك بل اتهمني بلي عنق هذه الكلمات زورا وبهتانا وتضليلا للقارئ وزيادة في التعميم.

وبالرغم من البدري اعترف بأن النوبختي والاشعري القمي لم يذكرا حجم كل فرقة من الفرق الأربع  عشرة ، مما يجعل القارئ محقا ان يفترض التكافؤ العددي لكل منها ، وبالتالي الحكم ببساطة بأن نسبة الفرقة الامامية هي نسبة واحد من أربعة عشر. الا ان البدري يسارع الى الحكم علي بلي عنق الكلمات ، هكذا وبكل سهولة وفي محاولة انفعالية مكشوفة لتشويه سمعتي العلمية ، في حين يقوم هو بممارسة ما اتهمني به  بالضبط وبلا استحياء.

   لقد أهمل قول النعماني الصريح ، في أواسط القرن الرابع الهجري، الذي يقول فيه:" ان الجمهور منهم يقول في الخلف: أين هو؟ وأنى يكون؟ والى متى يغيب؟وكم يعيش؟ أي حيرة أعظم من هذه الحيرة التي أخرجت من هذا الأمر الخلق الكثير والجم الغفير ولم يبق ممن كان فيه الا النزر اليسير وذلك لشك الناس".

واعتمد البدري على قول المفيد وهو متأخر مائة عام على الأقل عن النوبختي والاشعري ، وخلط في قراءة نص المفيد الذي ينسب الى النوبختي القول بتفرق شيعة العسكري الى أربعة عشر فرقة ، فقط ، ويضيف من عنده بقية الكلام . ويتضح هذا من ذكر المفيد لاسم القائم وانه مهدي الأنام ، وهذا ما لم يرد في نص النوبختي او الاشعري اللذين كانا يحرمان الإشارة الى ذلك. وربما كان قول المفيد (فقال الجمهور منهم) حكاية عن زمانه في أواخر القرن الرابع او الخامس الهجري ، والنوبختي يتحدث عن الحيرة في أواسط القرن الثالث الهجري في أعقاب وفاة الامام العسكري ، ولم يشر الى الاتجاه العام (الجمهور).

وقد أكد هذه الحقيقة (عدم قول الجمهور) أبو سهل النوبختي المتكلم الشيعي المعاصر للغيبة الصغرى عندما قال: خلف الحسن جماعة من ثقاته فلما مضى أجمعوا جميعا على انه خلف ولدا هو الامام وأمروا الناس ان لا يسألوا عن اسمه وان يستروا ذلك من أعدائه. ولم يقل ان الشيعة كلهم اجمعوا على ذلك وانما تلك الجماعة . وبالتالي لا حاجة للبدري ان يفترض قراءة ابي سهل لكتاب خاله (فرق الشيعة) ، ويقع في حيص بيص.

   ولست أدري لماذا لم يفترض البدري وقوع التحريف في كتاب المفيد او ابي سهل بدلا من افتراض وقوعه في كتابي النوبختي والاشعري القمي؟

وكيف يستشهد البدري بأقوال علماء السنة المتأخرين كالذهبي في القرن الثامن الهجري وابن حزم الأندلسي في القرن السادس وسبط ابن الجوزي في القرن السابع ومحمد بن طلحة الشافعي في القرن السابع وابن طولون في القرن العاشر ، ويسميهم بالمتقدمين .

   وسواء قلنا بأن الجمهور كان يميل الى هذا الرأي او ذاك فانه لن يغير من حقيقة حدوث الحيرة وتفرق شيعة الامام العسكري الى أربع عشرة فرقة ، وعدم معرفة كبار أصحاب الامام بوجود ولد له عند وفاته ، حتى عثمان بن سعيد العمري الذي ادعى النيابة الخاصة بعد ذلك ، وحتى علماء قم الذين أرسلوا وفدا الى سامراء ليتأكدوا من الموضوع ويناقشوا جعفر بن علي ولم يكن ليحول دون قولهم بإمامته الا قانون الوراثة العمودية وعدم جواز انتقال الامامة الى أخوين بعد الحسن والحسين.

ولكن الأستاذ البدري كعادته يحاول ان يغوص في التفاصيل الهامشية والجزئية ليطمس الحقيقة الناصعة ويلوي عنق الكلمات ويضلل القراء البسطاء زورا وبهتانا ، ويدعي بلا دليل (ان جمهور أصحاب الحسن العسكري وثقاته وهم جمهور الشيعة آنذاك كانوا يقولون بوجود ولد للحسن العسكري).

اذن فما دام الشيعة قد تفرقوا بعد وفاة الامام الحسن العسكري الى أربعة عشر فرقة فلا يمكن ان نعتبر القول بوجود ولد له ، وهو قول بعضهم ، مما أجمع الشيعة عليه ، أو انه من المتواتر ، اذ ان الحديث المتواتر هو الذي لا يحتمل الشك ولا يختلف عليه اثنان.

وفي حين كان يتطلب الإنصاف من السيد البدري ان يعترف بالحقيقة ويذكر ضعف الأدلة التاريخية التي يوردها أصحاب فرضية وجود الولد ، الا انه تهرب من الإشارة الى الموضوع وفضل السكوت والإهمال ، وراح بدلا من ذلك يستعرض الدليل الفلسفي ، وهو مبدأ الامامة والعصمة والنص ويقول: ان الايمان بوجود ابن العسكري إنما هو فرع لنظرية الامامة وليس قضية مستقلة عنها او في عرضها. وان المنهج العلمي يقتضي البحث في هذا الموضوع والاستدلال على مفرداته الأساسية (كالنص والعصمة والوصية والاثني عشرية) فاذا تم الدليل عليها من  الكتاب والسنة يرتفع الإشكال.

   وبما ان نظرية الامامة (العصمة والنص والوصية) عجزت تاريخيا عن ان تؤدي بصورة حتمية الى القول بفرضية وجود الولد ، وذلك لاختلاف شيعة الامام العسكري (الامامية) الى أربع عشرة فرقة ، وقول فريق منهم (وهم الفطحية) بإمامة جعفر بن علي ، وقول فريق آخر بانقطاع الامامة او التراجع عن إمامة العسكري كما تراجع الموسوية عن إمامة عبد الله الأفطح بعد وفاته دون عقب ، والايمان بإمامة جعفر مباشرة بعد أبيه الهادي ، وما الى ذلك من النظريات الامامية العديدة.. فان افتراض وجود ولد للحسن العسكري تم بناء على الايمان بقانون الوراثة العمودية وعدم جواز انتقال الإمامة الى الاخوة وابنائهم وضرورة تداولها في الأعقاب واعقاب الأعقاب هكذا أبدا الى يوم القيامة.

   وقد أشرت في كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) الى اعتماد فرضية وجود الولد على هذا القانون الضعيف الذي لم يجمع عليه الشيعة الامامية بدليل عمل الفطحية عدة مرات. وقد ذكر النوبختي والاشعري القمي وغيرهما الفرق الشيعية الامامية التي لم تلتزم بذلك القانون. وانتقدت دعوى الطوسي في القرن الخامس الإجماع على ذلك القانون. وبدلا من ان يقوم الأستاذ البدري بإثبات وجود الإجماع على العمل بالقانون المذكور ، ذهب ليناقش نقطة جانبية لم اذكرها أبدا وهي (ان الطوسي كان مؤكدا لما نقله النوبختي والاشعري القمي وليس مؤسسا) بينما كنت اقصد ان دعوى اجماع الشيعة على الالتزام بقانون الوراثة العمودية ، دعوى باطلة وغير صحيحة سواء صدرت من الطوسي او من غيره.

  وفي الحقيقة ان الاستدلال بنظرية الامامة على فرضية وجود الولد ، معلق بشعرة واهية أوهى من خيط العنكبوت وهو قانون الوراثة العمودية. وكان يفترض بالاستاذ البدري وهو يحاول ان يستعين بنظرية الامامة ان يدعم ذلك القانون بآية قرآنية او حديث صحيح من الرسول الأعظم ولا يكتفي بالشعارات السياسية التي ولدت أثناء الصراعات العديدة بين أبناء الأئمة بعد وفاة كل واحد منهم.

    أضاف البدري الى هذه النقطة التي استوحاها من المتكلم أبو سهل النوبختي في كتاب (التنبيه في الامامة) وقلده من دون تفكير.. نقطة اخرى أطلق عليها (وثاقة الشيعة فيما يروون عن أئمتهم) وقال: في ضوء هاتين القضيتين يصبح البحث حول وجود ولد للحسن العسكري وكونه الامام الثاني عشر وهو الغائب ، موضوعيا ومنتجا، اما اذا ألغينا التصديق بالقضيتين الآنفتي الذكر فان الطريق لاثبات الغائب المنتظر محمد بن الحسن العسكري سيكون مسدودا تماما.

ويريد البدري منا بالطبع ان نؤمن بسرعة بكل ما نقله الرواة دون دراسة او تمحيص او تفكير او مقارنة او تأكد من السند ، او اجتهاد في المسألة ، لمجرد ان جماعة من أصحاب الامام العسكري الذين يعتقد البدري بسذاجة بصدقهم ووثاقتهم ، قد نقلوا بعض الروايات الباطنية السرية التي تتحدث خلافا للظاهر عن وجود ولد للامام العسكري بعد وفاته. بالرغم من  انهم جميعا يعترفون بأن الامام العسكري لم يتحدث عن ذلك في حياته ، وانهم كانوا يلفون دعاواهم بالسرية والكتمان ويحرمون التفتيش عن ذلك الولد او ذكر اسمه او موضعه او مكانه او صفته. أي باختصار : ان القول بوجود الولد كان قولا باطنيا سريا مخالفا للظاهر والمعروف من حياة الامام العسكري.

  ولم يوضح البدري لماذا آمن بصدق النواب الأربعة الذين ادعوا النيابة الخاصة عن الامام الغائب ، مع ان النائب الأول عثمان بن سعيد العمري عزى جعفر بن علي وهنأه بالإمامة؟ وكيف قبل دعاواهم بعلم الغيب واجتراح المعاجز؟ ولماذا لم يؤمن بأدعياء النيابة الآخرين العشرين؟ وكيف عرف الصادق من الكاذب منهم؟ وقد قال أهل البيت عليهم السلام :" خدامنا وقوامنا شرار خلق الله" وذلك حسبما يقول الطوسي: لأن فيهم من غيّر وبدل وخان.

ولو كان أولئك النواب يشيرون الى ولد ظاهر غير مستور ويدعون بنوته للامام العسكري لما كان أحد يصدقهم في مقابل الامام الذي ينفي وجود أي ولد له ، فكيف وان دعواهم بوجود ولد له في السر لم يظهر لها أي مصداق خارجي رغم مرور مئات السنين. ومن هنا فان المتكلمين السابقين كانوا يعتمدون فقط على الاستدلال الفلسفي طريقا لاثبات فرضيتهم ولم يكونوا يعيرون أقوال الرواة أهمية كبيرة ، حيث يقول السيد المرتضى علم الهدى: ان الغيبة فرع لأصول ان صحت فالكلام في الغيبة أسهل شيء وأوضحه ، إذ هي متوقفة عليها ، وان كانت غير صحيحة فالكلام في الغيبة صعب غير ممكن.

واللافت ان الأستاذ البدري يرفض القبول بنسبة ولد اليه في السر أو العلن دون معرفته او إقراره ، في حين يقبل نسبة ولد الى الامام العسكري بعد وفاته و بالرغم من إرادته.. اعتمادا على المنطق الباطني الذي يقلب الأمور رأسا على عقب.

  ومن المعروف ان الباطنية الغلاة كانوا ينسبون كثيرا من الأقوال والأفعال والأولاد الى أهل البيت في حياتهم وبعد وفاتهم دون علمهم ويؤولون نفي أهل البيت لمزاعمهم الباطلة السخيفة بالتقية والخوف.

   واذا جاز للأستاذ البدري استخدام المنطق الباطني ضد أهل البيت فليسمح لنا بتصديق الخبر الذي يقول ان البدري نفسه يمارس التقية في قم خوفا من المحكمة الخاصة برجال الدين وضغط الحوزة ، وانه في الواقع لا يؤمن بوجود الامام الثاني عشر ولا بنظرية الامامة وهو لا يزال سنيا كما كان في السابق وانما يقوم بمهمة خاصة ويهدف الى شق حزب الدعوة وإبقاء الشيعة في تخلفهم وتطرفهم. وكان السيد حسين الصدر قد طالبه في دار الاسلام في لندن عام 1995 بالإعلان عن حقيقة مذهبه. ولكي يغطي على حقيقته فانه يتظاهر بالرد الضعيف على أحمد الكاتب.

فماذا يقول الأستاذ البدري؟ هل يقبل هذه الدعوى الباطنية؟ أم يتبرأ منها ويتمسك بالظاهر؟واذا كان يرفض هكذا أقوال باطنية فلماذا يقبل ويعتمد المنطق الباطني في مسألة وجود الولد المستور المخفي الذي لم يره أحد؟

وبهذه المناسبة أسأل السيد سامي البدري عن الجو العام في الحوزة العلمية في قم ، هل يسمح بمناقشة موضوع وجود (الامام الثاني عشر)؟ وهل يطيق وجود من لا يؤمن بذلك في الحوزة او في قم؟

   بعد سقوط دعاوى الإجماع والتواتر والاستفاضة على أحاديث وجود الولد للامام العسكري وإهمال البدري للأدلة التاريخية الأسطورية ، واعتماده على الأدلة الفلسفية واعترافه بصعوبة إثبات ذلك ووصل الاستدلال الى طريق مسدود وقوله: ان الايمان بوجود ابن العسكري إنما هو فرع لنظرية الامامة وليس قضية مستقلة عنها ، كما قال السيد المرتضى من قبل ، فاني أسأل الأستاذ البدري: لماذا تعتبر الفرضيات والدعاوى الباطنية حقائق أساسية وانها من صلب الدين ، وان التشكيك بها إثارة للشبهات ضد الاسلام والتشيع؟

ومع احترامنا لوجهة نظرك القائمة على الشبهات الباطنية والتقليد ، لماذا تحرم على الآخرين من الشيعة والمسلمين إعادة النظر والاجتهاد في هذا الموضوع؟خاصة وان الامة الاسلامية تواجه تحديات عصرية كبيرة  وتتطلب منها تجاوز الخرافات والأساطير.

  ان الشيعة والمسلمين عموما ملزمون بالتمسك بالمبادئ الأساسية للدين الموجودة بين دفتي القرآن الكريم ، واذا كانوا يختلفون فيما بينهم في الفروع او في تأويل بعض الأمور فيجب ان يتحمل بعضهم بعضا ، ولا يجوز ان نجعل من اجتهادات بعض العلماء في حقبة معينة او افتراضاتهم ونظرياتهم الكلامية مبادئ مقدسة فوق النقد والاجتهاد.

   وان الشيعة  هم أتباع أهل البيت عليهم السلام يأخذون الدين عنهم ولا يضيفون الى أحاديثهم حديثا ولا ينسبون اليهم ما لا يدعون .

  أحمد الكاتب

لندن في12 ذي القعدة 1420 المصادف 18/2/‏18‏/‏2000

عدد مرات القراءة:
4027
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :