آخر تحديث للموقع :

الأحد 7 رجب 1444هـ الموافق:29 يناير 2023م 06:01:53 بتوقيت مكة

جديد الموقع

ملاحظات منهجية على الدراسات المهدوية - الصافي نموذجاً ..

الروايات الواردة حول ولادة الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) كثيرة ولكنها ضعيفة وغير محققة ومتناقضة ، ولم تكن موجودة عند وفاة الامام الحسن العسكري وانما ألفت فيما بعد ، ولدى التحقيق لا يثبت منها رواية واحدة ، ولم يعرفها حتى الذين ادعوا النيابة الخاصة في ما بعد.

واعتقد ان من المفيد الاطلاع على بعض أبرز الكتب الحديثة التي ألفت حول الموضوع وهي كتاب (منتخب الأثر في النص على الامام الثاني عشر) للشيخ لطف الله الصافي ، وكتاب (الغيبة الصغرى والكبرى) للسيد محمد محمد صادق الصدر ، والنظر في الأدلة التي يوردونها على ولادة و وجود الامام الثاني عشر.
سماحة العلامة الكبير الشيخ لطف الله الصافي حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد.. فقد كنت بعثت إليكم برسالة قبل أكثر من عام دعوتكم فيها لمناقشة كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) والذي أقول فيه : ان نظرية المهدي عند أهل البيت كانت عامة وغامضة وغير محددة من قبل ، وان تحديدها في (محمد بن الحسن العسكري) قد حدث بعد وفاة الامام العسكري ، افتراضا واجتهادا من قسم من أربعة عشر قسما من الشيعة الامامية أتباع الامام العسكري ، وذلك في محاولة منهم للخروج من الحيرة والأزمة الفكرية التي وجدوا أنفسهم فيها عندما توفي العسكري ولم يوص الى أحد من بعده ولم يتحدث عن مصير الامامة ولم يكن له ولد ظاهر ، فاضطر ذلك الفريق من الشيعة الى افتراض وجود ولد له قالوا انه الامام من بعده ثم قالوا انه المهدي المنتظر. وزعموا: ان أباه قد أخفاه تقية وخوفا عليه وانه حي موجود وانه يتصل ببعض النواب الخاصين (السفراء الأربعة)
وكانت هذه الخلاصة التي توصلت اليها بعد دراسة طويلة وعميقة ، قد أقلقتني وأقضت مضجعي لأنها كانت مخالفة لكثير مما نشأت عليه وكنت اعتقد به من قبل .. ولكنني لم أحب التسرع في الالتزام بهذه الخلاصة والتبشير بها خوفا من ان أكون مخطئا في منهجية البحث او غافلا عن بعض الأدلة والبراهين التي ربما لم أتوصل اليها بالرغم من بحثي عن كل شيء.. وقد لجأت إليكم باعتباركم الأكثر علما والأغزر كتابة وبحثا عن موضوع (الامام المهدي) في الوقت المعاصر ، ولكم عدة كتب حول ذلك ، كما توسلت الى كثير من المراجع والعلماء والأساتذة المختصين ان يناقشوا رسالتي ، وتمنيت من أعماق قلبي ان أكون مخطئا او مشتبها حتى لا انحرف عن خط أهل البيت (ع) الذين رضعت حبهم منذ طفولتي ولا زلت أؤمن بهم وأجلهم أعظم إجلال – والحمد لله – ولكني مع الأسف الشديد لم ألقَ إجابة مناسبة من معظم أولئك العلماء الذين رفض بعضهم بشدة مجرد الاطلاع على الدراسة ، وكنتم واجدا من الذين طلبوا الاطلاع عليها ، وقد أرسلتها لكم بواسطة الشيخ العالمي إمام المجمع الإسلامي في لندن ، وقد أخبرني سماحة الشيخ العالمي بعد ذلك: إنكم ألفتم لجنة من العلماء في قم لدراسة الكتاب والرد عليه ، وقد سررت بذلك وانتظرت النتيجة طويلا ، وسمعت أنكم قد أعددتم جوابا شفهيا ، وطلبتم سفري الى قم لعرض ردكم علي ، وقد اعتذرت عن السفر لأسباب عديدة وطلبت من سماحتكم عبر السيد جواد ال***ايكاني ان تكتبوا ملاحظاتكم وترسلوها الي لأني أحب ان انشر ردكم علي بقلمكم سواء اقتنعت به او لم اقتنع ، ولكنني لم استلم منكم أي جواب مكتوب حتى الآن.
وقد نقل لي بعض الأخوة عنكم أنكم توصون بعدم طبع الكتاب وصرف النظر عنه ، ولكن ذلك يصعب علي حيث بت معتقدا باختلاق نظرية وجود المهدي (محمد بن الحسن العسكري) وإدخالها في تراث أهل البيت (ع) وإلصاقها بهم ، بيد اني لا زلت مستعدا لتغيير قناعتي فيما إذا رددتم على كتابي واقنعتموني بخطأ معلوماتي او منهجيتي في البحث ، وصدق الأدلة على وجود المهدي ابن الحسن العسكري وقوتها ، خاصة وان المسألة لم تعد تقتصر على شخصي وانما أضحت فكرة مطروحة في الأوساط الثقافية الشيعية وتبحث عن جواب.. ولذا اطلب منكم مرة أخرى ان تولوا الموضوع أهمية قصوى وان تشكلوا لجنة أخرى قادرة على الرد او تطلبوا من اخوتكم وزملائكم العلماء في قم ان يقوموا بذلك ،وانا مستعد للاستماع إليهم في ندوة حوار ومناقشتهم في الأدلة الجديدة.
هذا وكنت قد اطلعت على مجموعة من كتبكم حول المهدي وبالأخص كتاب (منتخب الأثر في النص على الامام الثاني عشر) الذي يحتوي على كثير مما كتبه الأولون منذ ألف عام ، ولكنني لم استفد منه شيئا إضافيا أكثر مما كتبه مشايخ الطائفة بعد وفاة الامام العسكري ، وقد وجدته يهمل بعض أهم الأدلة التي ذكرها أولئك ويكتفي ببعض.
وكانت لدي بعض الملاحظات الأساسية على طريقة تناولكم للبحث في هذا الموضوع ، أرجو ان يسعها صدركم الكريم ، كما أرجو ان تكون مناسبة لبدء حوار فعلي معكم شخصيا ، وهي كما يلي:
1- لقد لاحظت أنكم تتبعون منهجا أخباريا متطرفا مرفوضا من أقدم الإخباريين ، وهو قبول الروايات بدون أدنى تمحيص في المتن أو السند ، وذلك اعتمادا على رواية مشايخ الطائفة لها او وجودها في كتبهم "المعتبرة". ومن المعروف ان المدرسة الأخبارية الحشوية كانت تفعل ذلك في قديم الزمان ولذلك قبلت الروايات التي تتحدث عن تحريف القرآن ، ولكنها تطورت بعد ذلك على يدي الشيخ علي بن بابويه الصدوق وغيره من الرواة والمحدثين الذين قاموا بتمحيص السند وإسقاط الروايات الضعيفة والترجيح فيما بينها ، وذلك قبل ان تولد المدرسة الأصولية الاجتهادية على يدي الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي ومن بعدهم من العلماء.
وقد كان موضوع (الامام المهدي)ووجوده وولادته موضوعا شائكا محيرا وغامضا عند الشيعة الامامية بعد وفاة الامام العسكري ، لذلك أطلقوا على تلك الفترة اسم (الحيرة) ثم قام بعض المحدثين كابن ابي زينب النعماني صاحب (الغيبة) وتلميذ الكليني ، في القرن الرابع الهجري ، بالاجتهاد والنظر في الأخبار القديمة والجمع بين عدد منها وإسقاط البعض الآخر والاستنتاج منها: صحة وجود المهدي وغيبته ، كما يقول هو في كتابه ، ولكنكم أخذتم الأمر وكأنه من المسلمات والبديهيات الثابتة المفروغ منها التي لا تحتاج الى مناقشة.
2- لقد استعرضتم في كتابكم نظرية وجود المهدي وحاولتم الإتيان بالأدلة والبراهين (الأحاديث) على صحتها ولم تشيروا الى وجود اختلاف بين الشيعة ، ولا الى الحيرة التي عصفت بالامامية وفرقتهم الى أربعة عشر فرقة حول موضوع الخلف ، وبالتالي لم تناقشوا النظريات المهدوية الأخرى التي كان يقول بها الشيعة ذلك الحين والتي بلغت أكثر من عشرين نظرية.
3- لم تناقشوا الأدلة التي سقتموها على صحة النظرية المهدوية للامام الثاني عشر ، من المعاجز التي ادعاها او نسبت الى (النواب الأربعة الخاصين) او القصص التاريخية التي تحدثت عن ولادة المهدي ومشاهدته في حياة أبيه ، وبعد ذلك بالرغم من وجود علامات استفهام كثيرة حولها؟
4- لقد أغفلتم الرواية التاريخية التفصيلية لظروف وفاة الامام العسكري ومسألة الوصية بأمواله وأملاكه لأمه المسماة بـ:"حديث" وادعاء أخيه جعفر بالإمامة وإقبال عامة الشيعة عليه في البداية ثم اختلافهم وتفرقهم ، كما أغفلتم مسألة الخلاف داخل البيت العلوي بين أبناء الامام الهادي وحدوث البداء في إمامة السيد محمد بن علي الهادي ، وشك الشيعة في إمامة الحسن العسكري ، وما الى ذلك من القضايا التاريخية التي شكلت المقدمة والمدخل للقول بفرضية وجود ولد للامام العسكري ، مع ما في ذلك من أهمية قصوى للوصول الى النتيجة المفترضة.
5- لقد قمتم بالخلط بين مجموعة من المقدمات العامة والخاصة بصورة غير علمية ولا منطقية فأشرتم الى اتفاق المسلمين واجماعهم حول ظهور مصلح (مهددي) في آخر الزمان ، وقلتم: ان الأحاديث الواردة حول ذلك هي متواترة.. ثم قفزتم بعد ذلك لتؤكدوا صحة النظرية الاثني عشرية الخاصة بالمهدي ، وذلك بالرغم من اختلاف الشيعة والإمامة وحتى اتباع الامام العسكري حول حقيقة المهدي او الامام من بعده ، مما ينفي وجود أي اجماع او شهرة او تواتر حول المهدي (محمد بن الحسن العسكري).
6- لقد أشرتم بصورة خاطفة في كتابكم الفارسي (نويد أمن وأمان) الى الدليل العقلي حول وجود المهدي ابن الحسن ، ولكنكم لم تذكروا الدليل بدقة وبصورة كاملة وانما اكتفيتم ببعض مقدماته وهي : ( ضرورة الامامة الإلهية ووجوب كون الامام المعصوم في جميع الأعصار وعدم جواز خلو الأرض من وجود الحجة خوفا من سيخانها بأهلها) وقلتم: ان ذلك يدل على وجود صاحب الزمان وإمامته ، كما قلتم: انا إذا أخذنا في الاستدلال بالبراهين العامة على الامامة فإنها تكفي لإثبات وجود إمام العصر وغيبته (ص 51)
ولكن علماء الكلام لا يكتفون بتلك المقدمات لإثبات وجود المهدي وانما يضيفون اليها مقدمة مهمة جدا وهي: ( عدم جواز الامامة في أخوين بعد الحسن والحسين ، وضرورة انتقال الامامة في الأعقاب واعقاب الأعقاب بشكل وراثي عمودي الى يوم القيامة) و ( عدم كون الامام العسكري هو المهدي الغائب واثبات وفاته وعدم عودته الى الحياة مرة أخرى) ثم الاستنتاج من كل ذلك: ضرورة وجود ولد له لكي تستمر الامامة في عقبه ، بالرغم من عدم إشارته الى ذلك او الوصية الى أحد من بعده بالإمامة.
وان موضوع (عدم جواز إمامة الأخوين) مبدأ لم يكن يجمع عليه الشيعة الامامية في ذلك الوقت فقد كان الشيعة الامامية (الفطحية) يجيزون انتقال الامامة الى أخوين عند عدم إنجاب الامام السابق لولد ، كما فعلوا عندما توفي الامام عبد الله الأفطح حيث انتقلوا الى القول بإمامة أخيه الامام موسى بن جعفر الكاظم ، واذا أخذنا بقولهم لا تعود هناك اية ضرورة لافتراض وجود ولد للامام العسكري والادعاء انه المهدي ، كما رفض عامة الشيعة افتراض بعض الفطحية بوجود ولد لعبد الله الأفطح والقول ان اسمه (محمد بن عبد الله) وانه المهدي المنتظر الغائب.
7- ما هو مفهومكم للتواتر؟ هل تعنون به الشهرة والتواتر في القرون المتأخرة؟ وهذا – كما تعلمون- لا ينفع في توثيق الأخبار التي قد تكون مختلقة في مرحلة زمنية سابقة وغير موجودة بالمرة في مرحلة زمنية أسبق..
وقد استغربت جدا من دعواكم التواتر في أحاديث (المهدي محمد بن الحسن العسكري) بالرغم من اختلاقها جميعا في عصر الحيرة او بعد مائة عام من وفاة الامام العسكري ، ولست أدري لماذا لم تتوقفوا لحظة واحدة لتسألوا أنفسكم: إذا كانت القضية متواترة وثابتة وبديهية ومجمع عليها فلماذا وقع الشيعة في الحيرة؟ ولماذا افترقوا الى أربعة عشر فرقة أو أكثر من ذلك؟
8- ادعيتم في اكثر من مكان: ان أحاديث المهدي (محمد بن الحسن العسكري) كانت مسجلة في الأصول القديمة للشيعة منذ عصر الامام أمير المؤمنين (ع) وقبل ولادة أبيه ، ولكنكم لم تذكروا أسماء تلك الكتب والأصول ولا أصحابها ، ولم تتحدثوا عن مدى صحتها وصدقها.
وفي الحقيقة لا يوجد كتاب واحد يشير الى ذلك ما عدا كتاب (سليم بن قيس الهلالي) وهو كتاب مختلق اشتهر في فترة الحيرة ، ويقول عنه ابن الغضائري والشيخ المفيد في (شرح عقائد الصدوق): انه كتاب موضوع ومختلق ولا يجوز الاعتماد عليه ، فأين هي المصادر المعتبرة والموثوقة من السنة والشيعة والمؤلفة في القرن الأول الهجري؟
9- اعترفتم ضمنا بضعف سند بعض الأخبار الواردة حول المهدي وغرابة بعضها واستبعاد وقوع بعضها الآخر ، وقلتم:" ان ضعف السند في بعضها لا يضر بغيره مما هو في غاية الصحة والمتانة سندا ومتنا ، ولا يلزم رفع اليد عن جميع الأحاديث الصحيحة لمكان الأخبار الضعيفة مع اشتهار مفادها بين كافة المسلمين وكون أكثر مخرجيها من أئمة الإسلام وكابر العلماء وأساتذة فن الحديث موجب للقطع بمضمونها. هذا مضافا الى ان ضعف السند إنما يكون قادحا إذا لم يكن الخبر متواترا ، واما في المتواتر منه فليس ذلك شرطا في اعتباره"(ص 2 منتخب الأثر) ولكنكم لم تميزوا بين الأخبار الضعيفة والصحيحة ، ولم تبينوا ما هي الأخبار التي هي في غاية الصحة والمتانة سندا ومتنا ، في حين لا يوجد في الحقيقة خبر واحد صحيح سندا حول ولادة او وجود شخص اسمه (محمد بن الحسن العسكري) وفي هذه الحالة ألا يلزم التوقف ورفع اليد عن تلك الأخبار الموضوعة في الزمن المتأخر؟
ثم ما هي الأخبار الصحيحة التي اشتهر مفادها بين كافة المسلمين؟ هل تقصدون أخبار المهدي العام غير المحدد؟ وهذه لا تفيد أية دلالة على وجود المهدي (محمد بن الحسن العسكري).
ثم من تقصدون بأئمة الإسلام وأكابر العلماء والأساتذة في فن الحديث؟ هل تقصدون عامة علماء المسلمين؟ أم عامة علماء الشيعة؟ أم علماء الفرقة الاثني عشرية الأوائل؟ وهؤلاء بين متهم باختلاق تلك الأحاديث وبين متهم بالضعف والتسامح في نقل الروايات عن الضعفاء والكذابين والغلاة وعدم التدقيق والضبط.
ان علماء الرجال الشيعة الاثني عشرية يؤكدون ضعف مجموعة من الرجال تنتهي إليهم كل الروايات الواردة حول المهدي (محمد بن الحسن العسكري) والقائمة المسبقة بأسماء الأئمة الاثني عشر ، ويمكنكم مراجعة البحث الرجالي المفصل الذي أجريته حول كل رواية رواية من تلك الروايات ، والموجود لديكم.
ولست أدري من أين استوردتم القاعدة التي تتسامح في شرط صحة السند إذا كان الخبر متواترا؟ وكيف يحصل التواتر وتحصل الثقة إذا كان الرواة جميعا ضعافا وكذابين؟ .. وقد قلنا: ان تلك الأخبار لم يكن لها وجود في حياة الأئمة من أهل البيت (ع) وانها اختلقت فيما بعد واشتهرت بين من آمن بالنظرية الاثني عشرية ، فهي ليست متواترة أبدا ولا يوجد بينها خبر واحد صحيح!
ويبدو ان هذه الشبهة قد أوقعت الكثير من الباحثين في موضوع المهدي وصرفتهم عن بحث السند ودفعتهم للتصديق بالروايات الموضوعة والخلط بينها وبين الروايات الصحيحة العامة حول خروج مصلح (مهدي) عند انحطاط المجتمع الإسلامي.
01- وقد استبعدتم احتمال وضع تلك الأحاديث بعد ولادة المهدي في زمن (الغيبة الصغرى او الكبرى) وقلتم: " انه غير معقول بصورة قاطعة ، وذلك لأن الكتب التي تضمنت تلك الأخبار مؤلفة من قبل رجال لا يحتمل فيهم جعل كلمة واحدة ، وكانوا معروفين بالوثاقة والصدق والأمانة ، انهم أخذوا تلك الأحاديث عن شيوخهم وعن الاصول المكتوبة قبل ولادة الامام المهدي وعبر وسائط معتمدة مائة بالمائة من قبل مشايخ الرواة المعاصرين للأئمة والتابعين والصحابة" واستنتجتم:" ان من يراجع تلك الأحاديث لا يبقى لديه مجال الشك والشبهة في ان المهدي هو ابن الحسن العسكري" (ص 6 منتخب الأثر).
ولو قمتم بمراجعة سند تلك الروايات بدقة لأدركتم: ان احتمال وضعها ليس معقولا وواردا فحسب وانما هو ثابت بصورة قاطعة وأكيدة.. وذلك لأن الرجال الذين يروون تلك الأخبار ، وخاصة الذين ادعوا النيابة الخاصة والسفارة كانوا موضع تهمة لأنهم كانوا يجرون النار الى قرصهم وكانوا يحصلون على منافع مادية ، وكانوا متهمين بوضع الروايات التي تؤيد ما ذهبوا اليه من افترض وجود ولد للحسن العسكري ، ولم يكونوا معروفين بالوثاقة والصدق والأمانة ، وان كتب الرجال الشيعية تشهد بذلك ، وانهم لم يرووا تلك الأخبار عن أي أصل مكتوب قبل ولادة المهدي المزعومة ، ولا عبر أية واسطة معتمدة من مشايخ الرواة المعاصرين للأئمة.. ومن هنا فان من يراجع سند تلك الأحاديث لا يبقى لديه مجال للشك والشبهة في عدم صدق وجود أي ولد للامام العسكري.
شيخنا الكريم..
لما ذا لا تتحدثوا بدقة وتضعوا النقاط على الحروف وتبينوا رواية واحدة – كمثل –مروية عن رجل موثوق عن أصل مكتوب او واسطة معتمدة مائة بالمائة من قبل مشايخ الرواة المعاصرين للأئمة؟ حتى تقطعوا الشك وتستبدلوه باليقين؟
وقد قلتم في كتاب (نويد أمن وأمان) ص 34: " يكفي حديث معتبر واحد" وادعيتم وجود مئات بل أكثر من ألف حديث في مئات الكتب المعتبرة الجامعة للأخبار والتاريخ والرجال ، فما هي تلك الكتب المصدرية التي تعد بالمئات؟ ولا يوجد لدينا من الكتب المعتبرة أكثر من أربعة والبقية غير مسندة ولا نستطيع القطع على صحة نسبة جميع ما فيها الى مؤلفيها فضلا عن التصديق بروايتهم عن غيرهم.
11- ولقد أشرتم في أحد كتبكم (نويد أمن وأمان)ص 34: الى ان الإيمان بالمهدي (محمد بن الحسن العسكري) جزء من الإيمان بالغيب الذي يجب على كل مؤمن ان يعتقد به.
ولكن إذا سقطت تلك الروايات الواردة حول الموضوع لا يبقى مجال لربط الإيمان بقضية لا دليل عليها بمسألة الإيمان بالغيب الواردة في القرآن الكريم والمقصود منها: الإيمان بالآخرة والملائكة والجن وما شابه من الأمور المذكورة في القرآن والسنة الثابتة ، ولا أحسبكم تعتقدون بأننا يجب ان نؤمن بوجود المهدي غيبيا أي بلا دليل ، كما يقول يعض من يدعي العلم ، فان ذلك يفتح بابا للإيمان بأية خرافة او أسطورة غيبيا ودون دليل.
21- واخيرا.. أود ان أناقش النتيجة العملية التي تهمنا والمبنية على الإيمان بنظرية وجود الامام المهدي (محمد بن الحسن العسكري) وهي الموقف العملي من اقامة الدولة الإسلامية في عصر الغيبة ، فقد طرحتم نظرية (النيابة العامة للفقهاء) واعتبرتم حكومتهم هي الحكومة الشرعية الوحيدة ، وحكمتم على الحكومات الأخرى المنتخبة من الشعب او غيرها بالحرمة والبطلان (الجواب عن عشرة أسئلة ص 16)
وهذه نظرية حادثة وجديدة ، وقد كانت النظرية الاولى السابقة هي نظرية (التقية والانتظار) وحرمة اقامة الدولة الإسلامية في عصر الغيبة ،ولا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم في فتاوى الفقهاء المعاصرين الذين يحرمون او يهملون كثيرا من الجوانب الحيوية في الإسلام بالرغم من قولهم بنظرية ولاية الفقيه.
وكانت تلك النظرية تشكل الوجه الآخر الملازم للإيمان بوجود الامام المعصوم الغائب وحرمة اقامة الدولة لغير الامام المعصوم ، ومن هنا فقد تحتم الالتزام بالتقية والانتظار ، ولذلك كان العلماء الأوائل كالشيخ الصدوق يرفضون نظرية ولاية الفقيه بشدة.
وفي الحقيقة: ان اضطرار الشيعة الامامية الاثني عشرية للإيمان بنظرية ولاية الفقيه كان انقلابا في الفكر الشيعي الإمامي وتخليا عن أهم أركان النظرية الامامية وهي (العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الامام ، أي الحاكم) وهذا ما يشكل تناقضا صارخا مع المقدمات الكلامية التي قادت الى افتراض وجود ولد للامام العسكري ، واذا أجزنا قيام إمام فقيه عادل غير معصوم ولامعين من قبل الله لا تبقى هناك اية حاجة لافتراض إمام معصوم لا تراه الأبصار منذ اكثر من الف عام ، وهو ما يتناقض مع فلسفة الامامة وضرورة وجود الامام في الأرض.
ان وجوب وجود الامام هو للقيام بمهمات الامامة وليس للقيام بمهمة إدارة الكون حسبما يعتقد بعض الغلاة ، وان الغيبة تتناقض ببساطة مع مهمة الامامة. وقد أتعب المتكلمون الاماميون أنفسهم كثيرا في فلسفة الغيبة وحاولوا الخروج من المأزق الذي أوقعوا أنفسهم فيه بلا طائل.
ثم ان نظرية ولاية الفقيه المبنية على نظرية النيابة العامة المحدثة نظرية تحمل في طياتها مخاطر اقامة حكم ديكتاتوري مطلق يستحوذ على صلاحيات رسول الله باسم النيابة العامة عن الامام المهدي ، ويؤدي بالتالي الى إلغاء دور الأمة في تعيين الامام او تحديد صلاحياته، وهو ما يشكل خطورة توازي الخطورة الناجمة عن الانسحاب عن المسرح السياسي باسم التقية والانتظار.
سماحة الشيخ الصافي:
ان كل ذلك يدعونا – على الأقل – الى إعادة النظر في مسألة وجود الامام المهدي (محمد بن الحسن العسكري) والتأكد مما إذا كان القول بولادته واستمرار حياته حتى الآن مسألة حقيقية؟ أم فرضية فلسفية وهمية اجتهادية؟ ان الإجابة الصحيحة عن ذلك كفيلة بهدايتنا الى الطريق الإسلامي السياسي الصحيح.. طريق أهل البيت الواقعي .. طريق الشورى والتوازن بين الحاكم والمحكوم.
هذا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
احمد الكاتب
10 شوال  
عدد مرات القراءة:
2986
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :