آخر تحديث للموقع :

الأحد 7 رجب 1444هـ الموافق:29 يناير 2023م 06:01:53 بتوقيت مكة

جديد الموقع

متى عرف الشيعة العقيدة الاثنى عشرية جواب للسيد سامي البدري ..

الفصل الأول :
متى عرف الشيعة العقيدة الاثني عشرية
قوله :
ان تحديد الأئمة (ع) باثني عشر لم يكن له أثر عند الشيعة في القرن الثالث الهجري إذ لم يشر إليه النوبختي في كتابه فرق الشيعة ولا علي بن بابويه في كتابه الإمامة والتبصرة من الحيرة !
نقول :
بل أشار إلى ذلك علي بن بابويه في مقدمة كتابه الإمامة والتبصرة وأشار إلى ذلك أيضا إبراهيم بن نوبخت في كتابه ياقوت الكلام وهو معاصر للنوبخـتي ، وفي ضوء ذلك فان العقيدة الاثني عشرية كانت معروفة في القرن الثالث الهجري بل قبل ذلك
--------------------------------------------------------------------------------
صفحة 19
نص الشبهة
قال صاحب النشرة:
وهذا (أي الاستدلال بحديث الاثني عشر إماماً) دليل متأخر.. بدأ المتكلمون يستخدمونه بعد اكثر من نصف قرن من الحيرة، أي في القرن الرابع الهجري، ولم يكن له أثر في القرن الثالث عند الشيعة الإمامية، حيث لم يشر إليه الشيخ علي بن بابويه الصدوق في كتابه (الإمامة والتبصرة من الحيرة) كما لم يشر إليه النوبختي في كتابه (فرق الشيعة) ولا سعد بن عبد الله الاشعري في (المقالات والفرق).
وقال ايضا:
من هنا لم يكن الإماميون يقولون بالعدد المحدود في الأئمة، ولم يكن حتى الذين قالوا بوجود (الإمام محمد بن الحسن العسكري) يعتقدون في البداية انه خاتم الأئمة، وهذا هو النوبختي يقول في كتابه (فرق الشيعة) (ان الإمامة ستستمر في أعقاب الإمام الثاني عشر إلى يوم القيامة) (انظر المصدر الفرقة التي قالت
--------------------------------------------------------------------------------
صفحة 20
بوجود ولد للعسكري). ونقل الكفعمي في (المصباح) عن الإمام الرضا (ع) الدعاء التالي حول (صاحب الزمان) (..اللهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده) (القمي مفاتيح الجنان ص 542) (9) .
--------------------------------------------------------------------------------
(9) الشورى العدد العاشر ص10ـ12. رجوع
--------------------------------------------------------------------------------
صفحة 21
الجواب عنها
أقول في كلامه الانف الذكر عدة مواضع للتعليق:
أولا :
قوله (ان علي بن بابويه الصدوق (ت329هـ) لم يشر إلى دليل الاثني عشرية في كتابه الإمامة والتبصرة).غير صحيح..
إذ ان علي بن بابويه أشار إلى دليل الاثني عشرية في مقدمة كتابه وهي الطبعة التي نقل منها صاحب النشرة بعض النصوص فهو إما لم يقرأها أو تغافل عنها وأحال القارى إلى متن الكتاب وهو ناقص إذ المخطوطة التي عثر عليها ثم طبعت كانت قد انتهت أحاديثها إلى إمامة الرضا (ع). وقد حاول محقق الكتاب إكمالها ببعض الروايات من كتب الصدوق بروايته عن أبيه وإلى القارى الكريم نص كلام علي بن بابويه في مقدمة كتابه.
قال(رحمه الله) :
ولو كان أمرهم (أي الأئمة (ع)) مهملاً عن العدد
--------------------------------------------------------------------------------
صفحة 22
وغفلاً لما وردت الأخبار الوافرة بأخذ الله ميثاقهم على الأنبياء وسالف الصالحين من الأمة. ويدلك على ذلك قول أبي عبد الله عليه السلام حين سئل عن نوح عليه السلام لما ذكر (استوت سفينته على الجودي بهم) هل عرف نوح عددهم فقال نعم وادم (ع) .
وكيف يختلف عدد يعرفه أبو البشر ومن درج من عترته والأنبياء من عقبه... وأي تأويل يدخل على حديث اللوح وحديث الصحيفة المختومة والخبر الوارد عن جابر في صحيفة فاطمة عليها السلام" (10).
فقوله(رحمه الله) ولو كان أمرهم مهملاً عن العدد يردُّ فيه على الزيدية الذين قالوا ان حديث الاثني عشر موضوع وان عدد الأئمة لا حصر له.
واستدلاله رحمه الله بحديث اللوح (11) وحديث الصحيفة المختومة والخبر الوارد عن جابر في صحيفة فاطمة (ع) يؤكد اعتقاده بصحتها وانه أوردها في متن كتابه وان خلت منها النسخة المطبوعة بسبب نقص المخطوطة التي عُثِرَ عليها.
--------------------------------------------------------------------------------
(10) الإمامة والتبصرة ص 11ـ12. رجوع
(11) سيأتي نصه في الفصل الثامن . رجوع
--------------------------------------------------------------------------------
صفحة 23
ثانيا :
لقد أشار إلى العقيدة الاثني عشرية أيضاً إبراهيم بن نوبخت (ت 320هـ) في كتابه (ياقوت الكلام) وهو اقدم كتاب كلامي شيعي وصلنا ومؤلفه من أعلام القرن الثالث الهجري وهو معاصر لعلي بن بابويه وقد تلقاه الشيعة عنه بالقبول جيلاً بعد جيل حتى وصل إلى العلامة الحلي فافرد كتاباً في شرحه سماه أنوار الملكوت في شرح الياقوت وإلى القارى الكريم نص كلام صاحب ياقوت الكلام وشرح العلامة الحلي له.
قال إبراهيم بن نوبخت :
القول في إمامة الأحد عشر بعده (اي بعد علي (ع)) نَقلُ أصحابنا متواتراً النص عليهم بأسمائهم من الرسول (ص) يدل على إمامتهم، وكذلك نقل النص من إمام على إمام وكتب الأنبياء سالفاً يدل عليهم وخصوصاً خبر مسروق يعترفون به " .
وقال العلامة الحلي في شرح هذا الكلام :
أما إمامة باقي الأئمة (ع) فهي ظاهرة بعد إمامة علي (ع) وذلك من وجوه
--------------------------------------------------------------------------------
صفحة 24
أحدها: النص المتواتر عن النبي (ص) على تعيينهم، ونصبهم أئمة، فقد نقل الشيعة بالتواتر ان النبي (ص) قال للحسين (عهذا ابني إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة، تاسعهم قائمهم، وغير ذلك من الأخبار المتواترة.
الثاني: ما نُقل من النص على إمام من إمام يسبقُه بالتواتر من الشيعة.
الثالث: ان اساميهم والنص على إمامتهم موجودة في كتب الأنبياء السالفة كالتوراة والإنجيل.
الرابع: ان أخبار الخصوم مشهورة في النص عليهم من النبي (ص) لخبر مسروق عن عبد الله بن مسعود انه قال... عهد إلينا نبينا (ص) ان يكون بعده اثنا عشر خليفة عدد نقباء بني إسرائيل وكذا ما نقل عن غيره " (12) (13).
--------------------------------------------------------------------------------
(12) كجابر بن سمرة وحذيفه بن أسيد وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأبي جحيفة (انظر الشبهة الثامنة).رجوع
(13) انوار الملكوت انوار انوار الملكوت ص229. رجوع
--------------------------------------------------------------------------------
صفحة 25
ثالثا :
ان مؤلفَي كتاب الفرق وكتاب المقالات على فرض تعددهما (14) كانا بصدد جمع الأقاويل في الفرق وما ينسب إليها ولم يكونا بصدد المناقشة والإستدلال ومن هنا لا ينبغي عد الكتابين مرآة تعكس الفكر الإستدلالي عند الفرق المذكورة وبالتالي فعدم ورود حديث الاثني عشر فيهما لا يعني شيئا في قبال وروده في كتاب ياقوت الكلام وكتاب الإمامة والتبصرة المعاصرين لهما المعدين للإستدلال على العقيدة الاثني عشرية.
--------------------------------------------------------------------------------
(14) هناك جدل حول تعدد الكتابين ويرى أكثر من باحث أنهما كتاب واحد فقد ذهب العلامة الشيخ فضل الله الزنجاني إلى ان الكتاب للنوبختي ويرى الأستاذ عباس إقبال الأشتياني انه تأليف سعد بن عبد الله الأشعري المعاصر للنوبختي وذلك قبل العثور على كتاب المقالات والفرق للأشعري الذي نشره الدكتور جواد مشكور وبعد ان انتشر الكتابان كتب السيد محمد رضا الحسيني مقالا نشره في مجلة تراثنا العدد الأول السنة الأولى 1405 ص 29ـ51 يؤيد فيه رأي الأشتياني وذهب إلى ان كتاب فرق الشيعة المطبوع باسم النوبختي هونسخة مختصرة من كتاب المقالات والفرق للأشعري. أقول ان كون الكتابين كتابا واحدا أمر لا ينبغي التردد فيه وإنما الكلام حول مؤلفه هل هوالنوبختي أم الأشعري أو شخص آخر . رجوع
--------------------------------------------------------------------------------
صفحة 26
رابعا :
أما ما ينسبه صاحب النشرة إلى النوبختي في فرق الشيعة من انه يقول باستمرار الإمامة في أعقاب الإمام الثاني عشر إلى يوم القيامة.
فهو محض ادعاء..
وهو مبني على التوهم في فهم عبارة النوبختي، ونصها :
وقالت الفرقة الثانية عشرة وهم (الإمامية) لله عز وجل في الأرض حجة من ولد الحسن بن علي وأمر الله بالغ وهو وصي أبيه على المنهاج الأول والسنن الماضية ولا تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين (ع) ولا يجوز ذلك ولا تكون إلا في عقب الحسن بن علي إلى ان ينقضي الخلق متصلاً ذلك ما اتصلت أمور الله تعالى " .
وقد وضح النوبختي نفسه ما يريد حين قال بعد ذلك :
فنحن مستسلمون بالماضي وإمامته مقرون بوفاته معترفون بان له خلفاً قائماً من صلبه وان خلفه هو الإمام من بعده حتى يظهر ويعلن امره كما ظهر وعلن أمر من مضى قبله من آبائه ويأذن الله في ذلك " .
--------------------------------------------------------------------------------
صفحة 27
وفي لفظ الكتاب المنسوب لسعد بن عبد الله الأشعري :
فنحن متمسكون بإمامة الحسن بن علي مقرون بوفاته مؤمنون بان له خلفاً من صلبه متدينون بذلك وانه الإمام من بعد أبيه الحسن بن علي وانه في هذه الحالة مستتر خائف مغمور مأمور بذلك حتى يأذن الله عز وجل له فيظهر ويعلن امره... وقوله بعد ذلك وقد رويت الأخبار الكثيرة الصحيحة ان القائم تخفى على الناس ولادته ويخمل ذكره..."
ولو فرض صحة قول صاحب النشرة ان يكون للنوبختي صاحب كتاب فرق الشيعة مثل ذلك الرأي الذي افتراه عليه لعُرف عنه وسُجل عليه من قبل علماء الشيعة كالشيخ الصدوق والشيخ المفيد وهما قريبان من عصر النوبختي وكلاهما كان قد تصدى للشبهات التي أثيرت على العقيدة بالاثني عشر إماماً ، وبخاصة ان الشيخ المفيد قد ذكر في كتابه العيون و المحاسن (ص321) الفرقة التي تقول بأن الإمام بعد الحسن العسكري هو ابنه محمد ولكنه قد مات وسيحيى في آخر الزمان ويقوم بالسيف.
نعم ذكر ابن النديم ان أبا سهل إسماعيل بن علي النوبختي كان يرى ان الإمام هو محمد بن الحسن ثم مات في الغيبة واستمرت في
--------------------------------------------------------------------------------
صفحة 28
ولده إلى يوم القيامة وذكر ان رأيه هذا لم يسبقه إليه أحد (15) غير ان المحقق التستري (رحمه الله) يبرئ ساحة أبي سهل من ذلك الرأي لعدم اعتبار ابن النديم في ما ينفرد به (16) ، ويؤيد قول التستري عدم ذكر الشيخ الصدوق ذلك عن أبي سهل مع العلم انه كان معاصراً لابن النديم وكان معنياً برد الشبهات حول الغيبة وكذلك الحال في الشيخ المفيد مع أنه كان معنياً بأمثالها.
--------------------------------------------------------------------------------
(15) الفهرست لابن النديم ص 225. رجوع
(16) انظر قاموس الرجال ج2/ص87 ترجمة إسماعيل بن علي (أبي سهل النوبختي). وفي الفصل العشرين من مقدمته قال التستري (رح) ان فهرست ابن النديم لا يكون بذاك الإعتبار لأنه كان وراقا ينقل عن الكتب والكتب يقع فيها التصحيف كثيرا فبدل أبا بكر الجعابي محمد بن عمر ب عمر بن محمد، وتوهم في علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم انه علي بن اسماعيل بن ميثم، وتوهم انه أول متكلمي الشيعة مع انه كان من تلاميذ هشام بن الحكم وتوهم في يقطين والد علي بن يقطين انه كان إماميا يحمل الأموال إلى الإمام الصادق (ع) ونُمَّ خبره إلى المنصور والمهدي فصرف الله كيدهما عنه مع ان ابنه علي بن يقطين إنما كان إماميا يحمل الأموال إلى الكاظم (ع) ونم خبره إلى هارون وأما يقطين فكان من وجوه الدعاة إلى بني العباس ومن ال*****ن للصادق (ع)، وتوهم في الفضل بن شاذان الرازي العامي هو الفضل بن شاذان النيشابوري الإمامي. قاموس الرجال ج1ص51. رجوع
--------------------------------------------------------------------------------
صفحة 29
خامسا :
أما ما نقله صاحب النشرة عن الكفعمي من دعاء منسوب للإمام الرضا (ع) فهو دعاء غير محقق النسبة للإمام الرضا (ع).
الخلاصة :
وهكذا يتضح خطأ دعوى صاحب النشرة من كون العقيدة الاثني عشرية لم يكن لها أثر عند الشيعة في القرن الثالث الهجري، إذ أغفل أو تغافل عن مقدمة كتاب علي بن بابويه وعن كتاب إبراهيم بن نوبخت وكلا المؤلفين من علماء الشيعة ومن رجال القرن الثالث الهجري، حيث وردت في هذين الكتابين بشكل صريح وواضح الإشارة إلى العقيدة الاثني عشرية، هذا مضافاً إلى فهمه لعبارة النوبختي كما يرغب ويشتهي وسيأتي في الشبهة السابعة والثامنة ما يثبت وجود أحاديث الاثني عشر عند الشيعة في عهد الأئمة الأحد عشر ويأتي أيضاً في الشبهة التاسعة ان تحديد الأئمة بعد الرسول (ص) باثني عشر مما بشرت به الكتب السابقة جنباً الى جنب مع البشارة بالنبي (ص) .
رضا
أحمد الكاتب يرد على السيد سامي البدري بمناسبة صدور كتابه (شبهات وردود):
دعوة لمواصلة البحث العلمي ، والاجتهاد في الأصول قبل الفروع الجزئية!
لماذا أهملت موضوع الإمامة والمهدي وتعلقت بموضوع (الاثني عشرية)؟
الواقع السياسي المرير للأمة
يدفعنا الى مراجعة التراث والبحث عن الفكر الإسلامي الأصيل
منهجنا هو التمسك بالكتاب والسنة والسير على هدى أهل البيت (ع)
الشبهة تتمثل
في منهج التأويل الباطني المخالف لسيرة أهل البيت والاستيراد من الإسرائيليات.
السيد سامي البدري حفظه الله قم ايران
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أود أولا ان اقدم لك شكري الجزيل على قيامك بالتجاوب مع دعوني لمناقشة الدراسة التي قمت بها حول نظرية الامامة الإلهية ووجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) حيث كنت من السباقين الذين بادروا الى طلب الدراسة لمناقشتها قبل خمسة أعوام ، وقد أرسلتها اليك فأوليتها اهتمامك البالغ حتى أصدرت كتابا ونشرة خاصة للرد عليها ، في الوقت الذي اكتفى آخرون بالصمت والإهمال او التظاهر بعدم المبالاة.
وكما تعرف فقد كنتُ قد وجهت دعوات مفتوحة وشخصية الى عملاء الحوزة العلمية في قم لعقد ندوة حول وجود (الامام المهدي) ولكني لم أتلق أية إجابة حتى الآن مع الأسف الشديد. ولو كانت الدعوة موجهة الى جامعات أخرى لهبت لدراسة أي موضوع يهمها ويهم المجتمع.
وقد كان منطلقي لتلك الدعوة هي دراسة الفكر السياسي الشيعي وتصفيته مما دخل فيه من أفكار وفرضيات ونظريات منحرفة ووهمية والعودة به الى فكر أهل البيت (ع) الصافي السليم. وذلك كجزء من مشروع أكبر لدراسة الفكر السياسي الإسلامي العام وتصفيته مما لحق به من تحريفات أموية وعباسية وغيرها، الذي ابتعد عن منهج الشورى ومال الى نظرية القوة والغلبة العسكرية وقام على مبدأ الوراثة العائلية ،ألغى حق الأمة في الترشيح والانتخاب والنقد والمحاسبة والمشاركة السياسية.
لقد وجدت في دراستي عن تطور الفكر السياسي الشيعي : ان فكر أهل البيت الأصيل كان يقوم على الشورى وحق الأمة في انتخاب أئمتها ، ورفض المنهج الأموي والعباسي في الاستيلاء على السلطة بالقوة واحتكارها وتوريثها للأبناء وأبناء الأبناء ،وان بعض المتكلمين قد قاموا بمؤامرة كبرى لطمس فكر أهل البيت العظيم وتشويهه وتحريفه وتقديمه بصورة (ملكية وراثية) مشابهة للفكر الأموي والعباسي.
واعتقد انك توافقني على ذلك فقد قلت في محاضراتك في لندن عام 1415:" ان الحاكم في النظرية الإسلامية وكيل عن الأمة يتعاقد معها ، وان سلطان الأمة أعلى من سلطان الحاكم ، وهذا مبدأ أساسي في الدين ، وان الإسلام لم يقل ان الحاكم خليفة الله في الأرض ، ولكن الخلفاء الذين ادعوا ذلك وزعموا ان سلطانهم أعلى من سلطان الأمة وانه مقدس قد افتروا على الإسلام من أجل ان يحكموا سيطرتهم على الناس" وقلت:" ان نظرية الحكم في الإسلام تقوم على أساس البيعة ، وهي حق من حق الأمة ، والأمة تستطيع ان تسحب الحق من الحاكم… ويمكننا ان نستنبط هذه النظرية الإسلامية القائمة على الشورى والانتخاب من خلال الكتاب والسنة ومن سيرة الرسول الأعظم (ص) والإمام علي بن ابي طالب والإمام الحسن والإمام الحسين حيث نجد ظاهرة البيعة والعقد واضحة في حياتهم وأقوالهم" "وقدم الامام علي (ع) تجربة قامت على أساس ان الحاكم يستمد سلطانه من الأمة ولا يفرض آراءه بالقوة" وقلت:" ان الولاية لعلي في الغدير لا تعني الحكم والخلافة السياسية، صحيح ان الامام علي بعد يوم الغدير أصبح له حقا في الحكم وانه صار أولى من كل أحد ، ولكن بشرط ان تبايعه الأمة ليصبح حاكما ، ولا يصبح حاكما الا بعد البيعة".
وقد كان ذلك منك تطورا جديدا في الفكر السياسي يخالف الفكر (الإمامي) الموروث - كما قلت في محاضراتك – ولم تتوصل اليه الا لأنك رفضت التقليد الأعمى للآباء واجتهدت في الفكر ، خلافا للكثير من العلماء الذين يجتهدون في الفروع ويقلدون في الأصول.
وقد وجدت في دراستي ان الفكر الإسلامي السياسي وفكر الطوائف الإسلامية المختلفة قد تطور مع الزمن وتبدل من اليمين الى الشمال ومن الشمال الى اليمين ، وان أيا من النظريات المختلفة والعديدة في المجال الفكري السياسي الإسلامي هي نظريات اجتهادية ظنية ولا تمس اسس الدين كالتوحيد والنبوة والمعاد او تعارض شيئا واضحا وصريحا في القرآن الكريم او السنة النبوية المطهرة ، وبكلمة أخرى قد تكون النظريات المختلفة صائبة او خاطئة ولكنها لا تخرج عن إطار الدين. ولذا لا بد من احترام جميع وجهات النظر الاجتهادية داخل الإطار الإسلامي واحترام أصحابها وعدم تكفيرهم او تفسيقهم وإخراجهم من الدين ، وذلك من أجل المحافظة على الوحدة الإسلامية والحريات والحقوق الأساسية العامة. ولا يجوز لأي أحد ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة واتهام المخالفين له بالباطل المطلق. وان السبيل للوصول الى الحق هو الحوار الهادئ الموضوعي والاستماع الجيد لوجهات نظر الآخرين.
ومن هنا فاني أود توجيه عتاب اخوي الى السيد سامي البدري لقيامه بطرحه لردوده على كتابي في إطار (الرد على الشبهات التي أثارها أحمد الكاتب ضد العقيدة الاثني عشرية والإسلام والتشيع) كما يقول في مقدمة كتابه (شبهات و ردود).
أقول له: إذا كنت تختلف معي فيما ذهبت اليه من التزام أهل البيت بنظرية الشورى في الحكم ، فان من الطبيعي – إذا أردت الحوار – ان تقدم أدلتك العلمية القاطعة على وجهة نظرك ، الا انه لا يجوز لك ان تبادر الى ادعاء الحق المطلق وكأن جبرائيل قد هبط عليك بالوحي ، ثم تتهم الآخرين بمهاجمة الإسلام والتشيع ، وأنت تعلم علم اليقين ان بحثنا يدور في إطار الفكر السياسي وقيام نظرية الامامة على الشورى او النص والتعيين ، وهو ليس الا خدمة للإسلام والتشيع.
واذا كنت تسمح لنفسك بممارسة هذا الأسلوب الدعائي المتعالي ، فأرجو ان تتذكر انك كنت ضحية الإرهاب الفكري عندما اتهمك البعض (السيد حسين الصدر) بالتسنن والانحراف عن مذهب أهل البيت ، وذلك في أعقاب محاضرتك في دار الإسلام في لندن قبل عامين ، بسبب من بعض آرائك الجديدة حول الشورى وقيام الخلافة الإسلامية على أساس البيعة والانتخاب ، والتي نشرناها في العدد الأول من (الشورى).
كما أرجو ان تتذكر الاتهامات القديمة التي كان يوجهها الاخباريون المتحجرون للمجتهدين الأصوليين بالانحراف عن مذهب أهل البيت والتسنن وذلك لأخذهم بمبدأ الاجتهاد وولاية الفقيه ، وهما منصبان يعتقد الاخباريون حتى اليوم انهما من اختصاصات الامام المعصوم (المهدي المنتظر) ولا يجوز لأي أحد ان يقوم بهما في (عصر الغيبة) لا بالأصالة ولا بالنيابة العامة . فهل كانت اتهامات الإخباريين للأصوليين في محلها؟ وهل توافقهم عليها؟
وأرجو ان تتذكر أيضا ان السيد محسن الأمين والشيخ الخالصي والدكتور علي شريعتي والإمام الخميني والسيد محمد حسين فضل الله وغيرهم وغيرهم تعرضوا من قبل المتحجرين والمنغلقين للاتهام بال*****ة والتسنن والشيوعية والعداء لأهل البيت ، ولا تزال المعركة قائمة ضدهم ، فهل تقبل بهذه السياسة التهريجية الغوغائية القائمة على اتهام الخصوم واستثارة العواطف العامة؟ وهل تعتقد اننا بهذه الحدة والعنف والإرهاب الفكري نستطيع بناء مجتمع إسلامي حر وموحد؟ او نستطيع حل اية مشكلة من مشاكلنا المزمنة؟
لقد كانت نظرياتك الجديدة حول التزام أهل البيت بالشورى ، وانها أساس الحكم والخلافة ، خطوة على الطريق الصحيح لمعرفة مذهب أهل البيت المطمور تحت ركام الأحاديث المختلقة والنظريات الفلسفية الضعيفة والفرضيات الوهمية والروايات الأسطورية ، وهي في نظر الإخباريين و(الحجتية) شبهات ضد مذهب أهل البيت ، ولكنها في نظري محاولة اجتهادية لاستكشاف مذهبهم الصحيح ، فكيف تتجرأ بوصف ما قمنا به بالشبهة ؟ وهو ليس الا محاولة اجتهادية للتعرف على مذهب أهل البيت . ولو بذلت مزيدا من الجهد والبحث العلمي والموضوعية والهدوء لتوصلت الى ما توصلت اليه.
ان منهجنا في البحث والتفكير هو التمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وأحاديث وسيرة أهل البيت (ع) الظاهرية ، ورفض التأويلات الباطنية والروايات السرية والأحاديث الضعيفة والمختلقة ، وقد توصلنا من خلال هذا المنهج الى ما نعتقده فكر أهل البيت الأصيل والسليم القائم على الشورى والحرية والعدالة وحق الأمة في انتخاب الرؤساء ومحاسبتهم وعزلهم ، وهو ما نحتاج اليه في واقعتا السياسي المر الذي يسيطر فيه على السلطة حكام طغاة بالقوة والجبروت ويتوارثون السلطة والثروة الوطنية العامة في عوائلهم وابنائهم.
وان الشبهات تأتي من منهج التأويل السري الباطني لأقوال أهل البيت وسيرتهم ،وهو منهج وقعت فيه الفرق الضالة الغالية والمنحرفة عن أهل البيت التي كانت تؤلّه الأئمة او تقول بنزول الوحي عليهم او تقول بتحريف القرآن الكريم او تنكر وفاة الأئمة او تختلق أولادا وهميين لم يخلقوا لهم. واسمح لي ان أقول لك: بأنك وقعت في الشبهة عندما التزمت بهذا المنهج الباطني عندما رفضت في كتابك (شبهات وردود) الروايات الصحيحة التي تتحدث عن البداء والتي لم يشك فيها أحد حتى الذين نقلوها كالشيخ الكليني والمفيد والطوسي ، واقترحت طرحها لأنها لا تنسجم مع النظريات الوهمية التي كونتها حول وجود القائمة المسبقة بأسماء الأئمة الاثني عشر من قبل ، وكان من الأجدر بك ان تذعن للحقيقة وتنطلق منها ومن موضوع البداء لتؤسس أفكارك على ما يقول وما يفعل اهل البيت.
أخي العزيز السيد سامي البدري… انك لا تدافع عن مذهب أهل البيت وانما عن نظريات المتكلمين الوهمية التي أكل الدهر عليها وشرب ، والتي تسببت في إخراج الشيعة من مسرح التاريخ قرونا طويلة من الزمن ، والتي تخلوا عنها في القرون الأخيرة عندما قالوا بمبدأ الاجتهاد وولاية الفقيه او الشورى ، فهل تريد ان تعيدنا الى ما ذهب اليه المتكلمون السابقون الاخباريون من حرمة الثورة على الظالم وحرمة الجهاد في سبيل الله واقامة الدولة في (عصر الغيبة) وتعطيل الخمس والزكاة وإباحة الأنفال وتحريم صلاة الجمعة الا بشرط حضور (الامام المعصوم المعين من قبل الله تعالى) وضرورة التقية والانتظار الى ظهور المهدي؟
واذا كنت لا تريد ذلك لأنك تؤمن بحرية الاجتهاد ونظرية ولاية الفقيه والنيابة العامة فلماذا تمتعض بشدة من مناقشة وتحليل النظريات المنقرضة أملا بالوصول الى فكر سياسي أفضل وأسلم؟ وهل هناك حدود للاجتهاد تقتصر على ممارسته في الأمور الجزئية الفرعية فقط؟
واذا كنت تتفق معي في مواكبة الثورة الشيعية الراهنة المتحررة من أغلال المتكلمين والإخباريين الذين يشترطون العصمة والنص في الامام (أي الحاكم والرئيس) ونظرياتهم الوهمية المثبطة واللاواقعية واللامعقولة ، فأرجو منك ان تمتلك الشجاعة لتعبر عن رأيك بصراحة ، وفي كل مكان ، لا ان تقول كلاما في لندن ثم تتراجع عنه في قم.
واذا كنت تصر على التمسك بنظريات المتكلمين والإخباريين البائدة او تأويلها وتطويرها وتأييدها بالروايات الإسرائيلية.. وكنت تحب التصدي لمناقشة الدراسة التي قمت بها حول نظرية الامامة الإلهية ووجود الامام الثاني عشر ، فأرجو منك ان تفعل ذلك بصورة منهجية واضحة موضوعية ومتكاملة ، وان تستعرض في البداية موجزا للأفكار التي طرحتها وقدمتها ، بأمانة ودقة ، ثم تقوم بالرد عليها بما تشاء ، لا ان تهمل الأمور الرئيسية وتلتقط بعض القضايا الجانبية البسيطة والجزئية وتقتطع من الفقرات مقاطع خاصة ومبتورة كما تشتهي لترد عليها بنا تشاء وكأنك فتحت باب خيبر!
لقد كانت دراستي تتألف من ألف صفحة (قبل الاختصار) ومن ثلاثة أجزاء ، وقد استعرضت في الجزء الأول بشكل مفصل نظرية الامامة الإلهية وذكرت جميع أدلتها ، ثم بينت موقف أهل البيت منها ومن موضوع العصمة والنص والوراثة والعلم وخلصت الى إيمانهم بنظرية الشورى كمنهج سياسي ، كما بحثت في الجزء الثاني نظرية وجود وولادة الامام الثاني عشر 0محمد بن الحسن العسكري) وذكرت جميع الأدلة الفلسفية والتاريخية والروائية والإعجازية التي يذكرها المؤمنون بها وناقشتها بعد ذلك دليلا دليلا ، وكان من بينها موضوع أحاديث (الاثني عشرية) ضمن الدليل الروائي ، فلماذا أهملت البحث في نظرية الامامة الإلهية وموضوع وجود (الامام الثاني عشر) لتناقش مسألة الاثني عشرية فقط؟ او قولي: ان هذه النظرية مستوردة من السنة وحادثة في القرن الرابع الهجري؟ هل لأنك توافقني في موضوع الامامة والمهدي وتخالفني فقط في موضوع (الاثني عشرية)؟ أم ماذا؟
ان إثبات موضوع (الاثني عشرية) لا يتم عبر إثبات صحة كتاب سليم بن قيس الهلالي او هذه الرواية او تلك ، وانما يتم عبر إثبات وجود ولد للامام الحسن العسكري (ع) الذي كان ينفي حدوث ذلك في حياته ، فلماذا لا تناقش الفكرة من أساسها وتعمد الى انتهاج وسائل ملتوية وأحاديث جانبية؟
واذا كنت حرا فيما تريد ان تترك او تختار من مواضيع للرد ، فلماذا تمارس ما اتهمتني به من سياسة استغفال القراء وعدم احترامهم وتجنب أصول البحث العلمي ، وذلك في معرض مناقشتك لصحة (كتاب سليم بن قيس الهلالي) الذي يعتبر معتمد وأساس النظرية الاثني عشرية ، حيث ذهبت انا الى وضعه واختلاقه ، وذهبت أنت الى صحته ، ولكنك لم تشر في حديثك أبدا الى ما استشهدت به انا من قول للشيخ المفيد بضعف هذا الكتاب وحدوث الوضع والتدليس فيه. وكان من المفترض بك – على الأقل – ان تشير الى موقف الشيخ المفيد وهو شيخ الطائفة فترفضه او تأوله بعد ذلك ، ولكنك فضلت الصمت والهروب من مواجهة الحقيقة كأنك تريد ان تختم معركتك بليل على صفحات كتابك بسرعة.
لقد كان منهجي في دراستي وفي نشرة (الشورى) التي أصدرتها ، أن أفسح المجال لعرض الرأي الآخر أولا ن بدقة وأمانة وتفصيل ، ثم أقوم بعد ذلك بالرد والمناقشة.. ولو كنت تستجيب للحوار على صفحات (الشورى) لرأيت رأيك منشورا بصورة كاملة ، وهذا ما يثبت بعدي عن سياسة الاستغفال والتعتيم ، والتزامي بعرض الحقائق الكاملة على القراء ، وأرجو منك ان تثبت التزامك بهذه السياسة وابتعادك عن سياسة الاستغفال والتعتيم بنشر رسالتي هذه في النشرة الخاصة التي تصدرها للرد على (الشورى) وهي (شبهات و ردود).
لا أريد ان أخوض معك في جدال مفصل حول ما نشرت ضدي من ردود قبل ان انشر كتابي الذي سوف يطلع القراء الكرام عليه في المستقبل القريب ان شاء الله ، وانا غير مسئول عن الأشرطة الكمبيوترية المسربة والمعرضة للزيادة والنقصان ، والتي كانت تشكل المسودة الاولى البدائية للكتاب ، ولكني أريد ان أتوقف عند بعض الردود العجيبة التي حاولت ان ترد بها علي ، حيث وصفت بعض الروايات كدعاء القائم الذي يرويه الكفعمي بالضعف ، جزافا ، وطرحت روايات البداء تعسفا ، وأوَلت روايات الثلاثة عشر اماما بخطأ النساخ ، رغم مرور أكثر من الف سنة عليها ، وسمحت لنفسك بالاقتباس من الإسرائيليات المتعارضة مع تراث أهل البيت ورواياتهم ، ورفضت الأحاديث الصحيحة بالتأويلات الباطنية السرية ، وادعيت فهم سر بعض الروايات في حين لمتني على الأخذ بظاهرها.. وإضافة الى ذلك فقد ادعيت امتلاكك للحقيقة ومعرفتك الواقعية بمذهب أهل البيت واتهمتني بإثارة الشبهات ، فمن الذي وقع في الشبهة ؟ ومن خرج منها؟
وحتى تجيب على هذا السؤال أدعوك بإخلاص الى دراسة تاريخ أهل البيت (عليهم السلام9 بشمولية ودقة وموضوعية ، والفرز بين تراثهم وتراث الفرق الغالية والمنحرفة التي كانت تلصق بهم ما تشاء وترفض ما تشاء تحت دعوى (التقية) الباطلة ، وذلك من أجل الوصول الى حقيقة فكر أهل البيت السياسي السليم ، الذي يعيننا ويعين الأمة الإسلامية على الخروج من المأزق السياسي الراهن وتحقيق الحرية والعدالة والشورى والوحدة.
لقد شهد تاريخ الشيعة الطويل تطورات ومنحيات ومفارق عديدة أدت الى حدوث الفرق الشيعية التي تجاوز عددها السبعين ، وكان بعض التحولات سلميا وعلميا وهادئا ، بينما كان بعضها الآخر يتسم بالعنف والدم والتهريج والعداوة والبغضاء كالمعركة بين الإخباريين والأصوليين والمشروطة والمستبدة في القرن الماضي.. ونحن اليوم على أعتاب مرحلة نهضوية جديدة وأمام تحديات حضارية كبيرة مسئولون فيها أمام الله ومطالبون بتقديم صورة أفضل عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم وأسلوب التعامل السلمي والحوار الداخلي الديموقراطي ، والاجتناب عن سياسة القمع والإرهاب والتكفير والانغلاق والتحجر.
واعتقد ان بعض الدوائر المتخلفة المضادة للثورة الإسلامية في داخل الحوزة ، والتي كانت تتهم الامام الخميني بالشيوعية والدكتور علي شريعتي بال*****ة والتسنن والكفر ، هي التي تحاول اليوم ان تمارس الإرهاب والقمع والإرهاب الفكري ومصادرة حرية الأمة وحقها في مناقشة القضايا الثقافية والسياسية ، وقد تعجبت من قيام صحيفة (الشهادة) التي يصدرها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بكيل الاتهامات الباطلة لي ووصف كتابي بأنه محاولة لشق صفوف المسلمين ،وانه إرجاف وغواية وضلالة ، وذلك ضمن عرضها لكتابك الجديد 0شبهات وردود) دون ان تعطيني بالطبع حق الرد عليها عملا بقواعد النشر وحرية التفكير. وهذا ما يذكرني بمحاكم التفتيش سيئة الصيت في القرون الوسطى.
وفي الختام اكرر توجيه الدعوة لك وللسادة العلماء الأفاضل المهتمين بمناقشة القضايا الإسلامية ، لاقامة ندوة او ندوات لدراسة الفكر السياسي الإسلامي عموما والفكر السياسي الشيعي خصوصا.. يتم فيها الاستماع الى وجهات النظر الأخرى والمخالفة بروح علمية وأدب واحترام ، وأتمنى ان تتاح لك الفرصة والحرية الكاملة للتعبير عن آرائك بصراحة ودون خوف من اتهامك بالردة الى مذهبك القديم او إثارة الشبهات.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوك المخلص احمد الكاتب
لندن23 رمضان المبارك 1417هـ
العرش ثم.. النقش
السيد سامي البدري المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
طلبت مني في رسالتك الأخيرة عبر الانترنت المؤرخة 6 شعبان 1420 بحث موضوع وجود الشهداء بعد النبي (ص) الذين تعتبر شهادتهم كشهادة الرسول ويعتبر قولهم وفعلهم وتقريرهم كقول وفعل وتقرير الرسول ، وان نبدأ ببحث الآيات والأحاديث الواردة حول الموضوع ، وطلبت مني كذلك التفريق بين معنيي الامامة: الخاص الذي يعني – في نظرك – الحجية في القول والفعل ، واشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية ، المنحصر في الأئمة الاثني عشر ، والمعنى العام الذي تقول انه يشمل الحكومة واقامة الحدود ، وعدم الخلط بينهما.
وقلت: ان الدليل على حصر الامامة الخاصة بعد النبي في أهل البيت وبقاء الثاني عشر منهم الى آخر الدنيا ، هو: حديث المنزلة وحديث الثقلين وآية التطهير وحديث الكساء وحديث الأئمة اثنا عشر ، ونص السابق من الأئمة على اللاحق.
ورغم ذلك فقد أكدت ان المعنيين في مصطلح (الامام) اندمجا لدى الشيعة في معنى واحد ثالث ، وصار يراد به كلا المعنيين ، وحصر مصداقه بعد النبي بالمعصومين الاثني عشر ، وهذا ما يدل على انك تحاول التفريق بين معنى الامامة بصورة تعسفية خلافا لما تعارف عليه الشيعة الامامية ، واني لم اخلط بينهما ، وانما أنت الذي تفرق بينهما بدون ضرورة.
وعلى أي حال فان نظرية الامامة الالهية ذات الشعبتين: التشريعية والتنفيذية المنحصرة في الأئمة الاثني عشر ، حسب رأي الفرقة الاثني عشرية - والا فان الشيعة الإسماعيلية الامامية او الواقفية لا يؤمنون بحصر الأئمة باثني عشر وقد يضيقون العدد او يفتحونه بلا حدود - وسواء قلنا بحصر الامامة في اثني عشر او لم نقل فان نظرية الامامة هذه تعتمد في قيامها واستمرارها على ثبوت ولادة ووجود ابن للامام الحسن العسكري ، بغض النظر عن المناقشة في الأحاديث التي ذكرتها (حديث المنزلة والثقلين والكساء والاثني عشرية وآية التطهير) ومدى دلالتها وصحة سندها. فاذا استطعت ان تثبت ولادة ووجود الامام الثاني عشر بصورة علمية تاريخية ، فان نظرية الامامة او الاثني عشرية قد تصح ، اما اذا لم تستطع ان تثبت ذلك فان من العبث الحديث عن شيء لا وجود له في الخارج.. ولذا طلبت منك في رسالتي السابقة التي كتبتها قبل سنوات بعد صدور الجزأين الأولين من حلقاتك: ان تبحث القضايا الرئيسية والجوهرية بدلا من ان تغوص في التفاصيل الجزئية والثانوية والهامشية ، ولا زلت اعتقد ان البحث في معنى الامامة هو موضوع ثانوي يأتي بعد موضوع إثبات وجود الامام الثاني عشر المفترض ، وكما قيل: العرش ثم النقش.
وكأني بك تحاول ان تقفز عن هذا الموضوع الرئيسي المهم بتركيب بعض النظريات الكلية لكي تمهد الطريق نحو القول بفرضية وجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) وهو ما فعله المتكلمون السابقون في القرن الثالث الهجري الذين اصطدموا بالواقع وهو عدم وجود ولد للامام العسكري ، وبدلا من ان يستسلموا الى الحق ويعيدوا النظر في نظرياتهم الخيالية وتأويلاتهم التعسفية وأحاديثهم المزورة أصروا على الباطل وافترضوا وجود ولد للامام العسكري بالرغم من نفي الامام ووصيته بأمواله الى أمه المسماة بـ: (حديث) وعدم وصيته الى أحد من بعده بالإمامة.
وهذا ما عنيت به من الدليل الفلسفي الوهمي الافتراضي الذي نسج اسطورة (الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري).
ان إصرارك على بحث موضوع نظرية الامامة تبعا للأحاديث (الضعيفة في المتن والسند) التي ذكرتها ، بعد انهيار النظرية الاثني عشرية ، قد يجرك الى الانتقال الى الإسماعيلية او البهرة ، واذا أردت ان تعيد النظر في نظرية الامامة ككل فيمكنك ان تصل الى نظرية الشورى التي اعتقد انها النظرية السياسية لأهل البيت الذين لم يكونوا يدعون العصمة ولا النص ولا حصر الخلافة والإمامة في سلالتهم.
واعتقد ان مشكلتك هي في ممارسة القياس المذموم والمرفوض من أهل البيت ، وتطبيق ما حدث في بني اسرائيل على الحالة الاسلامية ، وتفسير كلمة (الأسباط) التي تعني القبائل اليهودية الاثنتي عشرة ، بأوصياء النبي موسى ، الذين تقول انهم اثنا عشر (بدون دليل) والتوصل تبعا لذلك الى ضرورة وجود اثنا عشر وصيا للرسول الأعظم من أهل البيت.
ولست في حاجة الى اتهامك باتباع عبد الله بن سبأ الذي يقال انه نقل هذه الفكرة من اليهودية الى الاسلام ، وقال بكون الامام علي وصي النبي محمد كما كان يوشع وصيا للنبي موسى ، فأنت تقوم بنفسك بالبحث في الإسرائيليات وقد تعلمت اللغة العبرية وجئت الى لندن لكي تفتش في الكتب اليهودية التاريخية عما يدعم نظريتك ، علما بأن اليهود الأوائل الذين مارسوا القياس بين اليهودية والإسلام لم يقولوا بأكثر من وصي واحد ، حيث لم تكن النظرية الاثني عشرية قد ولدت بعد ، ولم يكن الشيعة الامامية قد حددوا الأئمة بعدد محدود قبل القرن الرابع الهجري. وقد طلبت منك مرارا ان تقوم بالتأكد من أحاديث الاثني عشرية وصحة نسبتها الى أهل البيت قبل ان تقوم بتأييدها من الإسرائيليات.
وفي الحقيقة اني عاتب عليك جدا وأشكوك الى الله ، إذ أراك تستخدم الحوار معي بصورة ملتوية ولأغراض سياسية وإعلامية علمها عند الله ، وذلك لأني كنت المبادر الى دعوتك للحوار حول موضوع المهدي ، قبل ان انشره ، في سنة 1992 وانتظرت مجيئك الى لندن عام 1995 وألححت عليك باللقاء فكنت تتهرب مني وتشترط التسليم في البداية بالفصل بين معنيي الامامة الخاص والعام ، قلت لك: لنجلس ونبحث ، فرفضت اللقاء ، وتوسلت اليك ان تدلني على مواضع الخطأ في كتابي ، فقلت: انا لا أرد على كتاب غير مطبوع ، ثم نشرت ردودك قبل ان اطبع الكتاب ، ومع ذلك لم تناقش الموضوع الرئيسي فيه والذي يشكل حجر الزاوية في الفكر الإمامي الاثني عشري وهو وجود وولادة الامام الثاني عشر ، ونبهتك الى ذلك في رسالتي السابقة فوعدت في الحلقة الثالثة ان تفعل في المستقبل ، ولم تقم بذلك حتى الآن.. ولا زلت تدور في الحواشي والجزئيات وتتهرب من مواجهة الموضوع الرئيسي.
أخي العزيز لماذا تضيع وقتك الثمين ووقت القراء ؟ أرجوك الإجابة عن الاسئلة التالية:
2- كيف تؤمن بوجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري)؟ عن طريق الأدلة الفلسفية الكلامية والنظريات الكلية العامة؟ أم عن طريق الأدلة التاريخية العلمية؟
2- ما هي تلك الأدلة التاريخية؟ وهل بحثت الروايات المختلفة الواردة حول الموضوع ودرستها وقارنت بينها؟
3- هل هي روايات معتبرة لديك؟ وهل تثق برجالها؟ وهل هي مسندة؟ أم ليست الا إشاعات أسطورية مضحكة لا ترقى الى درجة أخبار الآحاد الضعيفة؟
وكما تعرف فقد بحثت كل هذه المواضيع في كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) بشكل مفصل ، فاذا كان لديك أي رد او نقاش في هذا الموضوع فتفضل به ، واذا كنت تسلم بما أقول وتعترف كبعض العلماء السابقين بالعجز عن إثبات وجود الامام الثاني عشر المفترض بالأدلة التاريخية العلمية ، فلا تضيع وقتك ببحث ومناقشة الأمور الثانوية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
أما اذا كنت تتعرض الى ضغوط سياسية واجتماعية من المحيط المتحجر الذي تعيش في وسطه فحاول ان تهاجر الى أجواء أكثر حرية لكي تعبر عن آرائك بصراحة كما فعلت في زيارتك الى لندن عام 1995
واني أعذرك عن عدم مواصلة الحوار بجدية لعدم توفر الشروط الضرورية تحت سياط المحكمة الخاصة برجال الدين التي لا تسمح بالخروج عن ثوابت النظام الإيراني والتي أدانت الشيخ أسد الله بيات والشيخ محسن كديوار لكلمة حول ولاية الفقيه ، وحاكمت الشيخ عبد الله نوري لأنه انتقد بعض أفكار الامام الخميني او دعا الى أفكار الشيخ المنتظري.
حقا ان الفكر ليتعطل في أجواء القمع والإرهاب ومحاكم التفتيش ،وأسال الله تعالى ان يفرج عنك وعن علماء الحوزة العلمية في قم ويوفر لهم جوا من الحرية والأمن والسلام ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحمد الكاتب
لندن 7 شعبان 1420/15 تشرين الثاني 1999
ملحق رسالة2
عدد مرات القراءة:
3359
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :