آخر تحديث للموقع :

الأحد 7 رجب 1444هـ الموافق:29 يناير 2023م 06:01:53 بتوقيت مكة

جديد الموقع

ما هو سر الموقف السلبي من الحدود والاصلاح الاجتماعي في ظل الغيبة؟ ..

الموقف السلبي من تطبيق الحدود وعملية الإصلاح الاجتماعي في ظل الغيبة

لقد انعكست نظرية (الانتظار للامام المهدي الغائب) التي التزم بها المتكلمون (الامامية) في القرون الأولى ، على مختلف جوانب الحياة السياسية في ( عصر الغيبة ) ، وأولها : الثورة والتغيير ، أو عملية الإصلاح الاجتماعي ، أو قانون : (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) الذي وضعه الإسلام لمكافحة الفساد الداخلي ، والوقوف امام تهافت المسلمين وانهيارهم ، أو سيطرة الفساق والظلمة والطواغيت عليهم ، والذي يشمل العمل السياسي والإعلامي واستعمال القوة من قبل الدولة الإسلامية ضد المنحرفين والخارجين على القانون ، أو من قبل الأمة ضد كل من تسول له نفسه الخروج على القوانين الإسلامية من الحكام والمحكومين .
وكان لا بد للذين التزموا بنظرية ( التقية والانتظار) ان ينظروا نظرة مختلفة إلى قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وإذا كان هذا القانون بحد ذاته قانونا واسعا وينطوي على مراحل إعلامية وسياسية وعسكرية ، وان مراحله العليا التي تقتضي استخدام القوة منوطة بالسلطات الشرعية ، فان الذين اعتقدوا بنظرية الانتظار وتحريم العمل السياسي في عصر الغيبة ، كان عليهم ان ينظروا إلى ذلك القانون نظرة مختلفة ، فيجيزوا المراحل الأولية منه فقط ويعلقوا المراحل العليا التي تستلزم استعمال القوة ، خاصة تلك التي تؤدي إلى إراقة الدماء.
ومن هنا كانت فتاوى أولئك العلماء تحجم حدود استعمال قانون (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) باللسان واليد فقط ، وترفض استعماله بما يؤدي إلى إراقة الدماء . و في هذا الصدد يقول الشيخ المفيد في المقنعة ص 129):· ... وليس له القتل والجراح إلا بأذن سلطان الزمان المنصوب لتدبير الأنام ، فان فقد الأذن بذلك لم يكن له من العمل في الإنكار إلا بما يقع بالقلب واللسان من المواعظ بتقبيح المنكر والبيان عما يستحق عليه من العقاب والتخويف بذلك وذكر الوعيد عليه ، وباليد ، ما لم يؤدِ العمل بها إلى سفك الدماء ، وما تولد من ذلك من إخافة المؤمنين على أنفسهم والفساد في الدين ، فان خاف الإنسان من الإنكار باليد ذلك لم يتعرض له ، وان خاف بإنكار اللسان أيضا ما ذكره امسك عن الإنكار به واقتصر على إنكاره بالقلب . 1
ويقول الشيخ الطوسي في النهاية ص 283):·... وقد يكون الأمر بالمعروف باليد بأن يحمل الناس على ذلك بالتأديب والردع وقتل النفوس وضربه من الجراحات ، إلا ان هذا الضرب لا يجب فعله إلا بأذن سلطان الوقت المنصوب للرياسة (ويقصد الإمام المعصوم : المهدي مثلا ) فان فقد الأذن من جهته اقتصر على الأنواع التي ذكرناها (وهي القلب واللسان) وإنكار المنكر يكون كذلك .. فأما باليد مشروط بالأذن من جهة السلطان . 2
ويقول القاضي عبد العزيز بن نحرير ابن براج الطرابلسي (400 - 481) في المهذب ص342):· ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتصر على القلب واللسان ، وقد يكون بالقتل والردع والتأديب والجراح والآلام على فعله ، إلا ان هذا الوجه لا يجوز للمكلف الإقدام عليه إلا بأمر الإمام العادل وإذنه له في ذلك ، أو من نصبه الإمام ، فان لم يأذن له الإمام أو من نصبه في ذلك ، فلا يجوز له فعله ، ويجب عليه حينئذ الاقتصار على الوجه الذي قدمنا ذكره (وهو القلب واللسان) وهذا الوجه أيضا لا يجوز فعله في إنكار المنكر إلا بأذن الإمام أو من نصبه . 3
و التزم ابن إدريس بموقف الشيخ الطوسي ونقل قوله في كتاب (الاقتصاد ص 160) :· ان الظاهر من مذهب شيوخنا الامامية: ان هذا الجنس من الإنكار (القتل والجرح) لا يكون إلا للأئمة ، أو من يأذن له الإمام . 4
وقد تردد المحقق الحلي في شرائع الإسلام ص 343) حول جواز الجرح والقتل في عصر (الغيبة) فتساءل: · ... ولو افتقر إلى الجراح والقتل هل يجب؟ .. قيل : نعم ، وقيل : لا إلا بأذن الإمام ، وهو الأظهر ولكن المحقق جزم بالعدم في L
المختصر النافع ص 115) حيث قال:· لو افتقر إلى الجراح أو
القتل لم يجز إلا بإذن الإمام أو من نصبه . 5
وقال الشهيد الأول في الدروس - كتاب الحسبة) :· اما الجرح والقتل فالأقرب تفويضهما إلى الإمام
وقال المحقق الكركي في  جامع المقاصد ص 488):· لو افتقر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى الجراح أو القتل ، ففي الوجوب مطلقا أو بأذن الإمام ؟ قولان ، أحدهما قول السيد المرتضى : لا يشترط إذن الإمام ، والثاني: الاشتراط ، لما يخشى من ثوران الفتنة ، وهو الأصح ، فعلى هذا هل يجوز للفقيه الجامع للشرائط ان يتولاه في زمان الغيبة؟ ينبغي بناؤه على جواز إقامة الحدود . 6
وقال الشيخ بهاء الدين العاملي في
L جوامع عباسي ص 162):· إذا احتاج إلى الجرح ، فيحتاج إلى إذن الإمام؟ .. الأصح : انه يحتاج إلى إذن الإمام . 7
وقال الشيخ محمد حسن النجفي في L
جواهر الكلام عدم جواز الجرح أو القتل إلا بأذن الإمام ، وكيف كان فلو افتقر (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) إلى الجراح أو القتل هل يجب؟ .. قيل :نعم يجب ، وقيل: … لا يجوز إلا بأذن الإمام (ع) بل في (المسالك) هو اشهر ، بل عن (الاقتصاد): الظاهر من شيوخنا الامامية ان هذا الجنس من الإنكار لا يكون إلا للأئمة (ع) أو لمن يأذن له الإمام (ع) فيه. وهو الأظهر ، للأصل السالم عن معارضة الإطلاق المنصرف إلى غير ذلك . /ص 383/
والى جانب رأي هؤلاء العلماء كان ثمة رأي آخر ابتدأه السيد المرتضى في القرن الخامس الهجري ، وأيده آخرون قالوا بعدم الحاجة إلى إذن الإمام ، وجواز ارتكاب القتل والجرح من قبل عامة الناس ، وسوف نتطرق إلى آرائهم بالتفصيل في الفصل القادم . وربما كان رأي العلماء ال*****ن الذين اشترطوا إذن الإمام ، على جانب من الموضوعية والصحة خوفا من الوقوع في الفتنة وإجازة القتل والجرح لكل أحد ، ولكن الإشكال كان يكمن في تفسيرهم ل الإمام) بالإمام (المعصوم) الذي هو  الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري) ، وليس بالإمام المطلق الذي يعني الرئيس والحاكم ، أو الدولة ، ولو كانوا قد فسروا كلمة ( الإمام ) بالمعنى الثاني لكانوا توصلوا إلى إقامة القانون بصورة كاملة ولم يعلقوا أي جزء منه في (عصر الغيبة) ، وبما انهم قد فعلوا ذلك وحصروا الحق الشرعي في إقامة الدولة في الإمام المعصوم الغائب ، فقد كانوا مضطرين إلى تجميد العمل بالجوانب الحيوية ، والمراحل العليا من قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وبالرغم من قيام الشيخ الكركي بتزعم الدولة الصفوية روحيا واعطاء الملك الشيعي (طهماسب بن اسماعيل) إجازة في الحكم باسم الإمام المهدي باعتباره (الكركي) نائبا عاما عنه (المهدي) ، إلا انه تردد في تطبيق مرحلة القتل والجرح ، واعتبر اشتراط إذن الإمام اصح القولين ، وذلك لأنه لم يكن يعتقد بشرعية إقامة الدولة بصورة كاملة في (عصر الغيبة) كما يظهر من مجموع فتاواه المتعلقة بالشؤون السياسية ، والتي سوف نستعرضها في الفصول التالية.
وعلى أي حال ، فقد أدى هذا الموقف السلبي من قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) إلى نشوء ظاهرة الانسحاب السياسي عند قطاع واسع من الشيعة الامامية ، وضعف المشاركة الشعبية في التغيير الاجتماعي ، وقد تمثل ذلك بصورة جلية في إحجام عدد من الفقهاء الذين تسلموا زمام المرجعية الشيعية العامة عن خوض العمل السياسي أو التصدي للظلمة والطواغيت .
ومن الواضح ان السبب الرئيسي كان يكمن في الموقف السلبي من تشكيل الدولة الإسلامية في (عصر الغيبة) وتحريم مزاولة العمل السياسي بعيدا عن دائرة ( الإمام المعصوم) ، فبالرغم من قول كثير من الفقهاء بنظرية  نيابة الفقيه العامة) أو ( ولاية الفقيه) ومساهمتهم في التعاون مع بعض الدول ·الشيعية التي قامت في التاريخ ، كالدولة البويهية والدولة الصفوية والقاجارية ، إلا ان كثيرا منهم ظل على موقفه السلبي من ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المقترنة بالجرح أو القتل ، إلا بأذن (الإمام المعصوم) أي (الإمام المهدي الغائب) .

الموقف من إقامة الحدود
وقد انعكست نظرية (الانتظار) التي التزم بها أولئك العلماء ، أيضا ، على مسألة إقامة الحدود في (عصر الغيبة) ، فبما ان المسلمين يجمعون على ان تنفيذ الحدود واقامتها من مهام الامام (اي الدولة) وبما ان اولئك العلماء كانوا يعتقدون ان الشخص الوحيد الذي يحق له تأسيس الدولة الإسلامية هو الامام المهدي الغائب) فقد اضطروا الى تعليق مهمة تنفيذ الحدود عليه فقط ، وتحريم اقامتها لغيره .. وقد أدى هذا الموقف الى تجميد العمل بالحدود في (عصر الغيبة) والانتظار الممتد الى خروج الامام المهدي .
وقد أفتى السيد المرتضى بذلك في (رسائله ج2 ص 298) وعلّق تطبيق الحدود على المجرمين حال غيبة الامام حتى يظهر ، وقال:· ان ظهر الامام والمستحق للحدود باقٍ وهي ثابتة عليه بالبينة والإقرار استوفاها منه ، وان فات ذلك بموته كان الإثم على من أخاف الامام وألجأه الى الغيبة ، وليس ينسخ الشريعة في إقامة الحدود ، لأنه انما يكون نسخا لو سقط فرض إقامتها مع التمكين وزوال الأسباب المانعة من أقامتها ، واما مع عدمه والحال ما ذكرنا فلا . 1
ونفى ان تكون الامة مخاطبة بتنفيذ الحدود حتى تكون مذمومة بتضييعها ، وقال:· ان اقامة الحدود من فرض الأئمة (ع) وعباداتهم
التي يختصون بها . / الشافي ج1 ص112/
ورفض الشيخ الطوسي في (الغيبة ص 64) اعتبار تجميد الحدود في عصر الغيبة بمثابة السقوط ، وأصرّ على انها باقية في جنوب مستحقيها ، فان ظهر الامام ومستحقوها باقون أقامها عليهم بالبينة او الاقرار ، وان كان فات ذلك بموته ، كان الأثم في تفويتها على من أخاف الامام وألجأه الى (الغيبة) ، ولم يعتبر ذلك نسخا لاقامة الحدود · لأن الحد انما يجب إقامته مع التمكن وزوال المانع ، ويسقط مع الحيلولة ، وانما يكون ذلك نسخا لو سقط اقامتها مع الامكان وزوال المانع . 3
وقال في النهاية ص 284) :· اما اقامة الحدود .. فليس يجوز لأحد اقامتها الا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى او من نصبه الامام لاقامتها ، ولا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حال . 4
وقد استثنى ( المفيد والمرتضى والطوسي) حالات خاصة هي إقامة الحدود على الأهل والأولاد والعبيد مع أمن الضرر ، وفيما اذا اجبر الحاكم الظالم أحدا على إقامة الحدود . 5
وعلق ابو الصلاح الحلبي في  الكافي في الفقه ص 421) مهمة تنفيذ الأحكام الشرعية ، بصورة أولية ، على الأئمة ( عليهم السلام) وقال: انها من فروضهم المختصة بهم دون من عداهم ممن لم يؤهلوا لذلك . وذكر عدم جواز تولي عامة الناس غير الشيعة إقامة الحدود ، ولا التحاكم اليه ، ولا التوصل بحكمه الى الحق ولا تقليده الحكم مع الاختيار ، الا لمن تكاملت له شروط النيابة عن الامام . 6
واشترط القاضي ابن براج في (المهذب ص 342) إذن الامام المعصوم في تنفيذ الحدود في عصر الغيبة. 7
والقى الشيخ علاء الدين ابو الحسن الحلبي في إشارة السبق) الإثم في تعطيل الحدود في عصر الغيبة على من أحوج الامام (المهدي) الى الغيبة ، مع بقائها في ذمم من تعلقت به . / الجوامع الفقهية ص 75/
وقال الشيخ محمد بن ادريس الحلي ( توفي سنة 598هـ ) في Lالسرائر ص) :· اما إقامة الحدود فليس يجوز لأحد إقامتها الا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى او من نصبه الامام لاقامتها ، ولا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حال . وقد روي : ان من استخلفه سلطان ظالم على قوم وجعل اليه إقامة الحدود جاز له ان يقيمها .. ويعتقد انه انما يفعل ذلك بأذن سلطان الحق . والأولى في الديانة ترك العمل بهذه الرواية ، بل الواجب ذلك .. لأن الإجماع حاصل منعقد من أصحابنا ومن المسلمين جميعا : انه لا يجوز إقامة الحدود ، ولا المخاطب بها الا الأئمة ، والحكام القائمون بأذنهم في ذلك ، فأما غيرهم فلا يجوز له التعرض لها على حال ، ولا يرجع عن هذا الإجماع بأخبار الآحاد ، بل بإجماع مثله او كتاب او سنة متواترة مقطوع بها . /ص 161/
وقد رفض المحقق الحلي في شرائع الإسلام ج1)ص 344/ جواز إقامة الحدود لأي أحد ما عدا الامام المعصوم او من نصبه لاقامتها. وتردد في جواز إقامة الرجل الحد على ولده وزوجته ، واختار من باب الاحوط عدم جواز التولي للجائر القامة الحدود حتى وان نوى انه يفعل ذلك بأذن الامام الحق . 10
وقال في  المختصر النافع): · الحدود لا ينفذها الا الامام او من نصبه . / ص115/
وقال في تذكرة الفقهاء): · لا يجوز لأحد إقامة الحدود الا الامام او من نصبه الامام لاقامتها ، ولا يجوز لأحد سواهما اقامتها على حال . /ص459/
وقال محمد بن الحسن الحلي ، صاحب  إيضاح الفوائد في شرح اشكالات القواعد):· لو جاز إقامة الحدود في عصر الغيبة لجاز الجهاد من غير أذن الامام (ع) لكن التالي باطل إجماعا فالمقدم مثله ، والملازمة ظاهرة ./ص399/
وكان المقدس الاردبيلي قد رفض أيضا إقامة الحدود في (عصر الغيبة) وقال في (مجمع الفائدة والبرهان ) : · الظاهر: عدم الخلاف في عدم جواز إقامة الحدود الا بأذنه (ع) بالرغم من قوله :· لا ينبغي التردد في جواز قيام المتولي من قبل الجائر بتنفيذ الحدود معتقدا نيابة الامام اذا كان مجتهدا . /ص445و550/
وقال الملا محمد باقر السبزواري في كفاية الاحكام) :· اما إقامة الحدود فللإمام او من يأذن له . /ص83/
و رفض الشيخ بهاء الدين العاملي محمد بن الحسين بن عبد الصمد الذي اصبح شيخ الإسلام في اصفهان في زمان الشاه عباس الكبير ، إقامة الحدود في (عصر الغيبة) اذا أدت الى القتل او الجرح . /ص162/
أذن فان نظرية (التقية والانتظار) قد انعكست على جوانب الحدود وجمدت تطبيقها في (عصر غيبة الامام المهدي) بصورة أولية.

أحمد الكاتب

بسم الله الرحمن الرحيم

كلامك " أحمد الكاتب " تكرار وقد رددنا عليه ولم يرد حتى الان وقد تجاهل ردنا عليه!!

الرد على الكاتب في مقالته الآثار السلبية للانتظار وللقول بإمامة الثاني عشر

أ ـ

ادعى الكاتب ان معنى الانتظار للامام المستتر الغائب عند الامامية هو تحريم العمل السياسي وتحريم السعي لإقامة الدولة الاسلامية في عصر الغيبة، واعترض على النواب الاربعة بعدم العمل والنشاط السياسي، بل ادعى ان من لوازم الايمان بوجود الامام المعصوم حرمة اقامة الدولة الاسلامية في غيبته.
والذي تخيله ونسبه للامامية أراجيفاً وزوراً كعادته فيما ينسبه أو حاول فهمه من كلمات علماءهم مع عدم إلمامه بالمصطلحات والبحوث العلمية!!.
فإن الانتظار عند الامامية معناه هو الاعتقاد بان الامام الثاني الحي المستتر لابد من ظهوره ليملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، كما بشّر بذلك النبي (ص) في روايات الفريقين المتواترة، لا أن الانتظار عندهم بمعنى توقف حركة المؤمن عن اداء الوظائف الشرعية والمسؤوليات الدينية الملقاة على عاتقه وعلى عاتق عموم المؤمنين.
فليس الانتظار يساوي التوقف والجمود والتسيب بل الاعتقاد بالفرج الإلهي بظهور المصلح الاعظم لكل تاريخ البشرية كما وعد بذلك القرآن في الآيات التي أشرنا اليها سابقا واشار اليها الشيخ الاصفي في مقالته التي تقدم عرضها في ساحة الحوار.
فعقيدة الانتظار بمعنى الاعتقاد بظهور المهدي من ذرية الرسول عقيدة كل المسلمين لا الامامية خاصة وان انكر الكاتب هذه الضرورة الاسلامية.
واذا تبين معنى الانتظار لدى الامامية فاي تلازم بين الاعتقاد بامامة الثاني عشر الحي وبين الجمود وتعطيل القوى، بل العكس هو الصحيح فإن الاعتقاد بوجود الامام الثاني عشر المعصوم الحي المراقب للاوضاع عن كثب وقرب مع ما يقوم به (ع) من وظائف إلهية عبر المنظومة السرية من الاوتاد والابدال والنجباء والسياح، وانه سيظهر للاصلاح الشامل لعموم ارجاء الكرة الارضية، هذا الاعتقاد باعث للأمل ومزيل لليأس من الاصلاح في الوضع السياسي والاجتماعي، ومحفز وموجب للشعور بالمسؤولية أكثر للاعتقاد بإن الارادة الالهية لم تلق الحبل على غاربه ولم تجعل البشرية سائبة، بل ارادة الربّ نافذة فيهم حاكمة.

ب ـ

ونسب الكاتب زوراً الى متكلمي الامامية القول بحرمة اقامة الدولة الاسلامية في عصر الغيبة وأنهم اصرّوا على التمسك بموقف الانتظار حتى خروج المهدي (عج).
ولا أدري لم يتعامى عن ما نقلته في الرد السابق الذي اشار الكاتب نفسه اليه من اقوال وفتاوى المفيد والمرتضى والطوسي وغيرهم من مشروعية إقامة الحكم الاسلامي للفقيه المأذون من قبل الامام المعصوم، في الحكم بين الناس والقضاء بينهم واقامة الحدود والتعزيرات ووجوب إعانة المؤمنين له على ذلك.
وسبب الخبط لدى الكاتب ـ كعادته في المباحث التخصصية ـ هو خلطه بين مسألة اقامة الحكم والدولة الاسلامية نيابية عن المعصوم في عصر الغيبة وبين مسألة إمامة غير المعصوم، كإمامة دينية بديلة عن المعصوم وفي رتبته ودرجته من ناحية الصلاحيات الشرعية والقانونية والاعتقادية، فنقل كلمات علماء الامامية التي هي المسألة الثانية ـ التي هي مسألة اعتقادية بالدرجة الاولى وفقهية في الفقه السياسي بالدرجة الثانية ـ نقلها في المسألة الأولى التي هي فقهية بحتة وان اعتمدت على جذر اعتقادي، وبعبارة أخرى.
أن المسالة الاولى طابعها فقهي في أقامة الحكم الاسلامي كوظيفة عامة شرعية في فروع الدين.
والمسألة الثانية طابعها كلامي اعتقادي كوظيفة اعتقادية من أصول الدين.
وبعبارة ثالثة أذكرها كي لا يلتبس الحال على الكاتب في مثل هذه المباحث التخصصية التي تحتاج الى مؤونة عمق علمي إذ هي من أمّ المباحث الاعتقادية وأمّ المباحث الفقهية في باب الفقه السياسي.
إن المسألة الاولى هي بناء النظام السياسي كفعل جارحي تدبيري.
والمسألة الثانية هي في كون الامامة سفارة إلهية ووساطة بين الله وخلقه ليست من نمط النبوة بل تابعة لها ووصاية إلهية وخلافة عهدية من الله تعالى. أحد شؤونها وشعبها إدارة الحكم في النظام السياسي الاجتماعي، فارجو أن قد اتضح الفرق لدى الكاتب بين المسألتين فلا يعاود الخلط بينهما، ويحصل اجترار للكلام والحوار حول هذه النقطة،
انبه الكاتب إلى مسائل أخرى من ذيول المسألة الاولى ذكرها علماء الامامية كمسألة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الاجتماعي والسياسي من اقامة الحدود والقضاء والتعزيرات والامور الحسبية العامة ذكروها في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكروا ان إقامتها في عصر الغيبة موكول للفقيه الجامع للشرائط المأذون من المعصوم الغائب المستتر نيابة عنه كما دلت على الاذن الروايات المعتبرة، ومن الواضح أن القضاء أحد الاجنحة الثلاثة لجسم الدولة والنظام السياسي او اقامة الحدود والتعزيرات يمثل وزراة الداخلية والامن العام في الدولة، مضافا الى تبعية وزارة أخرى للقضاء في اصطلاح الفقهاء كوزارة الاحوال الشخصية والاوقاف ونحوها وكمسألة أن الجهاد الدفاعي تحت رعاية وصلاحية الفقيه المأذون عن المعصوم، هذه المسألة بمثابة وزارة الدفاع فما الذي بقي من أجهزة الحكم والنظام السياسي غير سائغ عند علماء الامامية في عصر الغيبة نيابة عن المعصوم، وكمسألة تولي ولاية عن السلطان الجائر كوزير أوقاضي أو والي في منطقة ونحو ذلك وقد سوّغه علماء الإمامية، تحت مجوّز قانوني وهو إذن المعصوم (ع) الذي دلّت عليه روايات معتبرة، شريطة مطابقة العمل الذي يقوم به للموازين الشرعية، وهذه المسألة نحو من المشاركة السياسية للفقيه في الحكم والنظام السياسي وقد ذكرها كافة علماء الشيعة من المتقدمين الى عصرنا الحاضر، كما هو الحال في المسائل السابقة أيضاً الا قليل او نادر.

وإليك قائمة بكلمات المتكلمين وفقهاء الامامية في المسألة الاولى وذيولها من المسائل الاخرى التي اشرنا اليها:

1 ـ قال الصدوق في كتاب المقنع ((باب الدخول في أعمال السلطان)) ثم روى روايات عديدة عن الائمة المعصومين (ع) متضمنة لإذنهم في المشاركة في الحكم والنظام السياسي مع القوى الاخرى الحاكمة غير الشرعية، شريطة اتباع الموازين الشرعية في القيام بمهام الحكم.

2 ـ قال المفيد في كتابه اوائل المقالات فصل: القول في معاونة الظالمين والأعمال من قبلهم…، وإن معاونة الظالمين على الحق وتناول الواجب لهم جائز وأحوال واجب وأما معونتهم على الظلم والعدوان فمحظور لا يجوز مع الاختيار. وأما التصرف في الاعمال: فإنه لا يجوز الا لمن اذن له امام الزمان، وعلى ما يشترط عليه في الفعال، وذلك خاص لأهل الامامة دون من سواهم…
وقال المفيد في كتاب المقنعة باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر… فاما اقامة الحدود فهو الى سلطان الاسلام المنصوب من قبل الله تعالى، وهم ائمة الهدى من آل محمد (ع) أو من نصبوه لذلك من الامراء والحكام. وقد فوضوا النظر فيه الى فقهاء شيعتهم مع الامكان. فمن تمكن من اقامتها… وكذلك ان استطاع اقامة الحدود على من يليه من قومه فقد لزمه اقامة الحدود عليهم، فليقطع سارقهم وليجلد زانيهم، ويقتل قاتلهم. وهذا فرض متعين على من نصبه المتغلب لذلك على ظاهر خلافته له أو الامارة من قبله على قوم من رعيته، فيلزمه اقامة الحدود وتنفيذ الاحكام والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار ومن يستحق ذلك من الفجار، ويجب على اخوانه المؤمنين معاونته على ذلك اذا استعان بهم، فلاحظ بقية عبارته في كتاب المقنعة ـ حيث فصل فيها مبسوطاً كيفية مشاركة الفقيه القوى الاخرى غير الشرعية في الحكم في الصور والفروض المختلفة.

3 ـ قال الشريف المرتضى في كتاب رسائل الشريف المرتضى مسألة في الولاية من قبل السلطان الجائر… الكلام في الولاية من قبل المتغلب وهي على ضروب واجب ـ وربما تجاوز الواجب الى الالجاء ـ ومباح وقبيح ومحظور، فاما الواجب: فهو ان يعلم المتولى أو يغلب على ظنه بامارات لائحة انه يتمكن بالولاية من اقامته الحق ودفع باطل وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ولولا هذه الولاية لم يتم شيء من ذلك فيجب عليه الولاية لوجوب ما هي سبب اليه وذريعة الى الظفر به… فلاحظ تمام كلامه.. فترى انه يفتى بوجوب اقامة الحكم الاسلامي مع القدرة على اتباع الموازين الشرعية.

4 ـ قال الشيخ الطوسي في كتاب النهاية فأمّا اقامة الحدود فليس يجوز لأحد اقامتها الا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى أو من نصبه الامام لاقامتها… وقد رخص في حال قصور أيدي ائمة الحق وتغلب الظالمين.. ومن استخلفه سلطان ظالم على قوم وجعل إليه اقامة الحدود جاز له ان يقيمها عليهم على الكمال ويعتقد انه انما يفعل ذلك بإذن سلطان الحق لا بإذن سلطان الجور ويجب على المؤمنين معونته وتمكينه من ذلك…
ثم بسط الكلام في ذلك في الفروض والصور المختلفة فتراه يوجب اقامة الحكم الاسلامي نيابة عن المعصوم في عصر الغيبة مع التمكن.

5ـ قال ابن براج في كتاب المهذب باب خدمة السلطان… وأما السلطان الجائر فلا يجوز لأحد أن يتولى شيئا من الامور من قبله لا أن يعلم أو يغلب على ظنه انه اذا تولى ولاية من جهته تمكن من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر… ثم بسط الكلام في ذلك.

6 ـ قال ابو حمزة الديلمي في كتاب المراسم (المتوفى 448) في باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (اقامة الحدود… فأما القتل والجراح في الانكار فإلى السلطان أو من يأمره السلطان فان تعذر الامر لمانع، فقد فوّضوا عليهم السلام الى الفقهاء اقامة الحدود والاحكام بين الناس بعد أن لا يتعدوا واجبا ولا يتجاوزوا حدا، وامروا عامة الشيعة بمعاونة الفقهاء على ذلك).
قال ابن ادريس الحلي في كتاب السرائر في باب الامر بالمروف والنهي عن المنكر وأما الحكم بين الناس والقضاء بين المختلفين فلا يجوز أيضا الا لمن أذن له سلطان الحق في ذلك، وقد فوضوا ذلك الى فقهاء شيعتهم المأمونين المحصلين الباحثين عن مآخذ الشريعة الديانين القيمين بذلك.

7ـ قال المحقق الحلي في الشرائع: يجوز للفقهاء العارفين إقامة الحدود في حال غيبة الامام كما لهم الحكم بين الناس مع الامن من ضرر سلطان الوقت ويجب على الناس مساعدتهم على ذلك. ولا يجوز ان يتعرض لاقامة الحدود ولا للحكم بين الناس الا عارف بالاحكام مطلع على مآخذها عارف بكيفية ايقاعها على الوجوه الشرعية.

8 ـ قال العلامة الحلي في كتابه ارشاد الاذهان: كتاب الامر بالعروف والنهي عن المنكر والفقيه الجامع لشرائط الافتاء وهي العدالة والمعرفة بالاحكام الشرعية ادلتها التفصيلية . اقامتها، والحكم بين الناس بمذهب اهل الحق ويجب على الناس مساعدته على ذلك.

9ـ قال الشهيد في الدروس في كتاب الحسبة: والحدود والتعزيرات الى الامام ونائبه ولو عموما فيجوز حال الغيبة للفقيه الموصوف بما يأتى في القضاء إقامتها مع المكنة، ويجب على العامة تقويته ومنع المتغلب عليه مع الامكان ويجب عليه الافتاء مع الأمن، وعلى العامة المصير إليه والترافع في الاحكام.

10ـ ونظيره قال الشهيد الثاني في المسائل في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

11ـ ونظيره قال المحقق الركي في جامع المقاصد في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

12ـ وغيرهم من فقهاء الشيعة في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وغيرهم من علماء الامامية فكل هذه التصريحات ارجو أن تصكّ أذن الكاتب كي لا يفتري على طائفة اسلامية كبيرة بالزور، فهم يرون وجوب الحكم الاسلامي في عصر الغيبة نيابة عن المعصوم سواء بالمشاركة مع القوى الاخرى أو بنحو الانفراد والاستقلال مع التمكن من ذلك. وأما مع عدم القدرة من ذلك فاللازم التقية وهي بمعنى العمل التكتيكي المرحلي في جو الإرهاب السلطوي كي لا تمكنّ السلطة الظالمة من استئصال المؤمنين.
فالتقية عند الامامية خطة عمل تحت الستار والخفاء عن السطح كي لا تبيدهم سلطات الجور، لا بالمعنى السلبي الجمودي التعطيلي للقوى والمسؤوليات الاجتماعية السياسية.

ج ـ

اتضح مما تقدم ان ما نقله الكاتب من كلمات علماء الامامية انما هي في المسألة الثانية الاعتقادية في الامامة كسفارة إلهية أحد شؤونها الحكم السياسي، وأن الكاتب اشتبه عليه مصطلح الامامة الذي هو في المسألة الثانية مع مصطلح القيادة في تدبير الحكم السياسي ولو نيابة عن المعصوم في المسألة الاولى وحيث أن أهل السنة يعبرون في المسألة الاولى بالامامة، وقع الخلط بسبب ذلك ولا يؤاخذ الجاهل بالاصلاح لكن يؤاخذ بتقحمه ما لا خبرة له فيه.

كما أن ما ذكره من روايات وعبائر للشيخ النعماني والصدوق وغيرهم من علماء الامامية من لزوم التقية حتى خروج المهدي (عج) بعضها في مورد المسائل الثانية التي عرفت انها اعتقادية يترتب عليها مسألة فقهية في الحكم السياسي وبعضها في صدد بيان للتقية كتكتيك مرحلي في اسلوب العمل السياسي والفردي، وبعضها في ثواب الصبر والاستقامة على العقيدة في ظروف الظلم والقهر، لا بمعنى الجمود والتوقف عن حركة النشاط، وبعضها في صدد تحذير الشيعة عن الحركات الثورية الفاشلة تخطيطا في عصر الائمة (ع) وبعضها في النهي عن البيعة لغير المعصوم، بمنطق إيجاد البيعة لشرعية حكم الذي بويع من دون إذن المعصوم (ع).

د ـ

إن مرجعية فقهاء الشيعة لم تنقطع منذ عهد الباقر والصادق (ع) واستمرت الى الغيبة الصغرى والكبرى الى عصرنا الحاضر كما اشرنا إلى ما في رجال الكشي والنجاشي وكتاب القضاء من كتاب الوسائل المتضمن للشواهد التاريخية على ذلك، والمرجعية الشيعية حسب أدبيات السياسة الاكاديمية في العصر الحديث التي أجرت البحوث التعليلية حول المرجعية الشيعية أنها حكومة بما للحكومة من معنى واجزاء وفقرات غاية الأمر ليست هي حكومة علنية رسمية، لكنها حكومة في المنفى أو حكومة تحت الستار البارد، فهي تمارس القضاء (القوى القضائية في الدولة) والأمن والجهاد (وزارة الدفاع) والتبليغ والدعوى الدينية (وزارة الثقافة) وتوزيع الحقوق الشرعية في المصارف المقررة لها (وزارة المالية) والتدريس الديني لطلاب العلوم الدينية ولعامة الناس (وزارة التعليم) وغير ذلك من انشطة الدولة، كما ان المرجعية الشيعية لا تعرف الحدود الجغرافية بل تتسع رقعتها بحسب التواجد الشيعي في أقطار العالم.

والاقتصار في تصوير الحكومة في النظام السياسي في المجتمع على الحكومة الرسمية جهل بألف باء على السياسية وبالأدبيات السياسية العلمية فانه من المقرر في الادبيات السياسية في هذا العصر أن كل قوة ذات نفوذ اجتماعي تمارس نفوذها على التيار التابع لها من الناس هي شكل من اشكال الحكومة في النظام السياسي الاجتماعي، ومن ثمّ لا تحكم الدول والبلدان في شتى اقطار العالم حكومة واحدة التي هي الرسمية في القطر الواحد، وانما هناك توازن قوى بين حكومات متعددة على القطر الارضي الواحد، ولا أرى هذه المرة إلا وقد غفل وجهل مثل هذه البحوث التعليلية التخصصية.

------------------
البحراني

محمد منصور

عدد مرات القراءة:
3332
إرسال لصديق طباعة
الأثنين 21 ربيع الآخر 1434هـ الموافق:4 مارس 2013م 10:03:57 بتوقيت مكة
اروى الحميدي  
والله ما عجبني
 
اسمك :  
نص التعليق :