آخر تحديث للموقع :

الأحد 7 رجب 1444هـ الموافق:29 يناير 2023م 06:01:53 بتوقيت مكة

جديد الموقع

لا مبرر للغيبة أو الخوف من النظام العباسي الضعيف ..

الوضع السياسي العام عشية (الغيبة) وغداتها

القسم الأول: النظام العباسي

امتاز العهد العباسي الثاني بسيطرة الموالي الأتراك على شؤون الخلافة ، والتدخل في تعيين الخلفاء وإزالتهم ، حيث قتل (باغر) التركي المتوكل نتيجة صراعات داخل البيت الحاكم ، وخلافات بين أركان السلطة والقوات المسلحة . 1

وورث عرش الخلافة من المتوكل ابنه محمد المنتصر ، وله من العمر 25 سنة ، ولكنه لم يستمر في الخلافة اكثر من ستة اشهر حتى توفي . 2

وقام قائدا الأتراك (وصيف) و(بغا) بعد وفاة المنتصر بقتل (باغر) الذي قتل المتوكل وجاءا بالمنتصر الى سدة الخلافة . (3) كما قاما بالسيطرة على الخليفة المستعين الذي لم يكن له من الأمر شيء غير الاسم ، حتى قال بعض الشعراء فيه: خليفة في قفص بين وصيف وبغا يقول ما قالا له كما يقول الببغا4

وانحدر المستعين الى بغداد بعد ان اعتقل المعتز والمؤيد ، فقام الموالي بإخراج المعتز والمبايعة له والانقياد الى خلافته ومحاربة المستعين وناصريه (وصيف وبغا) ببغداد ، فبايعوه ، وذلك في 11/ محرم/251 ، وأحدر المعتز اخاه احمد مع عدة من الموالي لحرب المستعين الى بغداد ، فلما رأى محمد بن عبد الله بن طاهر ذلك كاتب المعتز وجنح اليه ومال الى الصلح على خلع المستعين. وخلع المستعين نفسه من الخلافة يوم الخميس 3 محرم 252 ه وسلم الخلافة الى المعتز .(5) حيث بويع للمعتز ، وهو الزبير بن جعفر المتوكل ، وله يومئذ 18 سنة ، وعين المؤيد وليا للعهد ، ولكنه سرعان ما حبسه لأنه سمع أن المؤيد يتآمر عليه ، ثم خلعه . 6

وقام المعتز بقتل وصيف وبغا ، ومال الى المغاربة والفراغنة ، فنقم عليه الأتراك الذين تألبوا عليه بعد قتله لرؤسائهم فثاروا عليه واجبروه على الاستقالة في أواخر شهر رجب سنة 255 بعد ان حكم حوالي اربع سنين وستة اشهر ، وحاول محمد بن الواثق ان يتوسط بينه وبين الأتراك ، فقال له المعتز يائساً: أمر لا أطيقه ولا أقوم به ولا اصلح له . وحاول المهتدي ان يتوسط ايضا فقال له المعتز: لا حاجة لي فيها ولا يرضونني لها. وقتل في محبسه بعد ستة ايام من الاستقالة . 7

وقد نصب الأتراك بعد استقالة المعتز ، المهتدي محمد بن هارون الواثق ، وكان له من العمر 37 سنة ، وحكم حوالي عام من 29 رجب 255 الى 16 رجب 256 ، حيث قتل على أيدي الأتراك .

وكان موسى بن بغا الكبير ، عندما قتل المعتز ، غائبا ، بينما كان صالح بن وصيف يدير الأمر مع المهتدي ، فعاد موسى مسرعا ودخل ( سرمن رأى ) بدون إذن الخليفة المهتدي ، وقتل صالح بن وصيف . 8

وفي هذه الأثناء تمرد (مساور الشاري) ودنا في عسكره من سامراء ، وعم الناس بالأذى ، وانقطعت السابلة وظهرت الأعراب ، فأخرج المهتدي: موسى بن بغا وبايكال الى حرب الشاري ، ولكنهما عادا وتحارب بايكال مع الخليفة المهتدي ، وكانت بينهما حرب عظيمة قتل فيها خلق كثير من الناس ، وانكشف بايكال واستظهر المهتدي عليه وقتله ، فخرج كمين بايكال على المهتدي ، فولى هو واصحابه ودخل سامراء مستغيثا بالعامة مستنصرا بالناس يصيح في الأسواق فلا مغيث ، فمضى مؤيسا من النصر الى دار ابن خيعونة متخفيا ، فهجموا عليه وعزلوه وطعنوه بالخناجر ، وذلك في 16 رجب سنة 256 . 9

وقد بويع بعد ذلك للمعتمد احمد بن جعفر المتوكل ، وهو ابن 25 سنة ، وبقي في الخلافة 23 سنة الى ان توفي سنة 279 ، وقد كان ضعيفا جدا مشغوفا بالطرب ، والغالب عليه المعاقرة ومحبة انواع اللهو والملاهي .. وبايع المعتمد لابنه جعفر وسماه المفوض الى الله ، ولكن أخاه ابا احمد الموفق غلب على الأمور وتدبيرها فحظر على أخيه المعتمد وحبسه ، فكان أول خليفة يقهر ويحبس ويحجر عليه ، وعندما توفي الموفق قام ابنه المعتضد بأمور الناس في التدبير وخلع جعفرا من ولاية العهد سنة 278 ، واصطبح المعتمد في 19 رجب 279 وتغدى غداء مسموما فمات..ودخل اسماعيل بن حماد القاضي الى المعتضد وعليه السواد فسلم عليه بالخلافة . 10

وقد توفي الامام الحسن العسكري في عهد المعتمد سنة 260 ، وحدثت (الغيبة) والحيرة والخليفة المعتمد يبلغ من العمر حوالي ثلاثين سنة.

وتوفي المعتضد في 22 ربيع الثاني سنة 289 فخلف ابنه علي المكتفي بالله الذي بويع له بالخلافة وله من العمر 25 سنة ، فكان شابا ضعيفا ، فغلب عليه القاسم بن عبيد الله وفاتك مولاه ، ثم غلب عليه بعد وفاة القاسم وزيره العباس بن الحسن وفاتك. 11

وعاش الخلفاء العباسيون بعد ذلك سلسلة من الصراعات الداخلية الدموية العنيفة على السلطة ، فيما بينهم وبين الموالي والأتراك ، فقد قتل المقتدر عام 320 في الواقعة التي كانت بينه وبين مؤنس الخادم في بغداد ، وبويع للقاهر بالله بعده ، ثم خلع بعد اقل من عامين وسملت عيناه في 5/5/322 وبويع للراضي بالله بعده ، الذي حكم حوالي خمس سنين ومات حتف انفه في 10/3/329 ، ولكن عصره شهد سيطرة الموالي و (بجكم) التركي الذي ضرب الدنانير والدراهم ووضع صورته عليها وهو شاكي السلاح مع كتابة هذه الجملة ( انما العز فاعلم ، للامير المعظم ، سيد الناس بجكم ) . 12

وبويع بعده للخليفة المتقي بالله في 1/3/329 فظل في الخلافة حوالي اربع سنين ، فخلع وسملت عيناه في 3/4/333 ، وذلك بسبب استعانته بالحمدانيين وتفويض الملك اليهم ، مما اغضب الأتراك وزعيمهم توزون الذين سيطروا على بغداد سنة 332 فتآمروا على المتقي وخلعوه أرسلوا الى عبد الله بن علي المستكفي وبايعوه بالخلافة في 3/2/333 ولكنه خلع بعد عام وسملت عيناه ، وذلك على يدي احمد بن بويه الديلمي ، الذي اتهمه بمكاتبة بني حمدان واطلاعهم على أسراره ، وولى المطيع مكانه في 23/ شعبان / 334ه

القسم الثاني: وضع المعارضة

كما شاهدنا في القسم الأول: كان من ابرز خصائص العصر العباسي الثاني: التفسخ والانحلال ، وقد نشأ من ضعف الخلافة وعدم امتلاكها زمام الأمور.. فصار أي واحد من أمراء الأطراف في الدولة الإسلامية الواسعة غير مقيد بالارتباط الوثيق بالعاصمة ، ان شاء كان مواليا ، وان شاء اصبح مستقلا وناجز الآخرين ، فكانت الحروب تدور في الأطراف بين الأمراء والولاة.

ومن أوضح تلك الموارد: الاندلس التي استقلت تلك الفترة بالخلافة تحت حكم عبد الرحمن الناصر الاموي ، وكان الشمال الافريقي مستقلا الى حد كبير تحت امرة آل الاغلب ، وكانت بلاد فارس والعراق مسرحا خصبا لجيوش يعقوب بن الليث الصفار وحروبه من سنة 253 الى ان توفي سنة 265 ، حيث خلفه أخوه عمرو بن الليث ، وفي عام 261 استقل الى حد كبير نصر بن احمد الساماني ببلاد ما وراء النهر حتى توفي عام 270 ، ولم تكن الأطراف القريبة من العاصمة (سر من رأى) بأحسن حالا من الأطراف البعيدة ، فقد كانت أيضا مسرحا لمصالح العمال والقواد من ناحية ، ومسرحا لنشاط الخوارج والزنج ثم القرامطة من ناحية أخرى.

وكان الخليفة المعتمد الذي كان مولعا بالطرب والملاهي وشرب الخمور ، بالخصوص ضعيفا الى درجة كبيرة بحيث لم تبق معه من الخلافة الا صورتها بلا واقع.. لا حل له ولا عقد .

وشهد هذا العصر سلسلة من ثورات الشيعة والعلويين بمختلف فئاتهم وأحزابهم ، رغم ان بعض الخلفاء العباسيين بدأ يميل الى التشيع او يتعاطف مع العلويين بصورة كبيرة ، فقد كان النظام يتفسخ ويتفتت ، وربما حدث الصراع داخل البيت العباسي نفسه.

الثورات العلوية عشية (الغيبة)

يقول المسعودي في (مروج الذهب):· في عام 250 ه ظهر ببلاد طبرستان الحسن بن زيد العلوي ، فغلب عليها وعلى جرجان بعد حروب كثيرة وقتال شرير.. وظلت في يده الى ان توفي سنة 270 فخلفه اخوه محمد بن زيد ، الى ان حاربه رافع بن هرثمة ، ودخل محمد بن زيد الديلم في سنة 277 فصارت في يده وبايعه بعد ذلك رافع بن هرثمة وصار في جملته وانقاد الى دعوته والقول بطاعته..

وكان الحسن ومحمد يدعوان الى الرضا من آل محمد ، وكذلك من طرأ بعدهما ببلاد طبرستان وهو الحسن بن علي الحسني المعروف بالاطروش وولده الداعي الحسن بن القاسم . 13

وفي نفس الوقت (سنة 250) ظهر بالري محمد بن جعفر ودعا للحسن بن زيد صاحب طبرستان .(14) كما ظهر بقزوين الكركي ، وهو ثائر علوي آخر، ثم التحق بالحسن بن زيد.

وظهر بعده بالري علوي آخر هو : احمد بن عيسى ، ودعا الى الرضا من آل محمد ، وسيطر على الري. كما ظهر بعد ذلك بعام الحسين بن محمد العلوي بالكوفة ، وأجلى عنها عامل الخليفة . وثار بعده علوي آخر هو : محمد بن جعفر .

وفي عام 251 ثار علي بن عبدالله الطالبي المسمى بالمرعشي في مدينة آمل. كما ثار الحسين بن احمد الأرقط بقزوين ، وظل مستوليا عليها حتى عام 252 ، كما استولى على الري أيضا .

وقد تم كل ذلك في ظل تدهور الأمور أيام الخليفة المستعين الذي اختلف مع اهل بيته ، وانحدر الى بغداد ، فاضطرب عليه الموالي وحاربوه واجبروه على خلع نفسه ، وتمت البيعة للمعتز. 15

وفي عام 252 في ظل خلافة المعتز الشاب الذي لم يكن قد تجاوز العشرين من عمره ، ثار العلوي: اسماعيل بن يوسف ، في المدينة وخلفه بعد وفاته أخوه محمد بن يوسف ، ثم سار الى اليمامة والبحرين واستولى عليها ، و خلف بها عقبه المعروف ببني الأخضر. 16

وفي خلافة المهتدي سنة 255 ظهر صاحب الزنج في البصرة.

وفي عام 256 خرج في مصر ، العلوي: إبراهيم بن محمد المعروف بابن الصوفي . كما ثار علي بن زيد العلوي في الكوفة ، وقاتل بعكبرا ، حتى قتل سنة 257 .

وفي سنة 257 ظهر القرامطة في البحرين وامتدوا الى البصرة والعراق والجزيرة.

وقد تفجرت في الري ثورة شيعية بقيادة احمد بن الحسن المادراني الذي سيطر عليها في عهد المعتمد ، في عام 275 ، واظهر فيها التشيع وأقام حكومة شيعية. 17

الثورات الإسماعيلية في اليمن وشمال أفريقيا

وكان (الحسين بن حوشب) قبل ذلك ، وبعد سنوات قليلة من وفاة الامام العسكري ، وذلك في سنة 266 قد استطاع ان يؤسس في اليمن أول حركة إسماعيلية ناجحة ويجمع حوله عددا كبيرا من قبائل اليمن ويظهر بينهم الدعوة ل المهدي الإسماعيلي ) الذي كان يعيش مستترا في مدينة سلمية في سوريا ، ويؤسس أول دولة إسماعيلية في التاريخ. ثم ارسل ابن حوشب : الداعي (ابا عبد الله الشيعي) الذي كان قد انسحب من الفرقة القائلة بوجود (محمد بن الحسن العسكري) والتحق بالاسماعيلية ، وكان يعمل محتسبا في بغداد ، ارسله الى شمال أفريقيا للدعوة الى الامام الإسماعيلي المستتر (عبيد الله المهدي) . واستطاع ابو عبد الله في ظل ضعف قبضة الدولة العباسية ، ان يكسب تأييد قبيلة كتامة ، ويسيطر على المغرب ويكتسح نفوذ بني الأغلب ، ويقضي على دولتهم في القيروان في تونس عاصمة أفريقية ، ويؤسس الدولة الفاطمية التي امتدت بعد ذلك الى مصر وسوريا ، وذلك في سنة 296 في عهد الخليفة العباسي المقتدر ، الذي بويع وله من العمر 13 عاما ، وكان الامام المهدي الإسماعيلي يقود نشاطاته المعارضة للدولة العباسية ويعمل على إسقاطها ، وبعد نجاحه في تفجير الثورة في اليمن على يدي الداعي بن حوشب ، استطاع ان يفجر الثورة في واسط في العراق ، على يدي احد أتباع المذهب الإسماعيلي  حمدان بن قرمط) الذي اكتسح جنوب العراق والجزيرة العربية وامتد الى سوريا .

تعاطف الخلفاء العباسيين مع العلويين

ونتيجة لذلك فقد كانت سياسة المعتضد لينة مع العلويين كسياسة من سبقه من الخلفاء العباسيين ، بالرغم من خروج الداعي في طبرستان واستقلاله بالسلطة هناك.

ويقول المسعودي: ان الداعي العلوي بعث بمال الى عاصمة الخلافة لكي يوزع على آل ابي طالب فيها ، فعلم الخليفة المعتضد بذلك ، فلم يستطع ، او لم يشأ ان يعارض ذلك ، بل ارسل الى الرجل المكلف بالتوزيع

أحضره أنكر عليه إخفاء ذلك وأمره بإظهاره ، وقرب اليه آل ابي طالب ، و ادعى الخليفة المعتضد انه كان قد شاهد الامام علي في الرؤيا قبل ان يصل الى الخلافة وقال له: ان هذا الأمر سيصل اليك فلا تتعرض لولدي ولا تؤذهم ، فقال : السمع والطاعة. 18

ويروي المجلسي في (بحار الأنوار) عن محمد بن جرير الطبري: ان المعتضد ، الذي ولي الخلافة بعد المعتمد ، عزم على لعن معاوية بن ابي سفيان على المنابر ، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس. 19

واخفق المعتضد في مسعاه لمقاومة الحركة القرمطية ، أرسل جيشا لقمعها لكنه هزم واسر قائده ، وكان القرامطة يزحفون على البصرة تارة وعلى بغداد تارة ، وعلى الحجاز تارة أخرى. ونودي بزعيم لهم هو ( صاحب الناقة ابو عبد الله محمد) خليفة وتسمى بأمير المؤمنين ، ثم هجموا على الشام وظهروا فيها سنة 289 وظل خطرهم جاثما على المنطقة حتى نهبوا الكعبة وسرقوا الحجر الأسود وقتلوا آلافا من الحجاج سنة 317 ، ثم نهبوا البصرة واحتلوا الكوفة ، واضطر الخليفة المعتضد ان يعقد معهم الهدنة ويؤدي لهم ( مائة وعشرين الف دينار) كل عام .

وفي عهد الخليفة الطفل المقتدر بالله أصيبت الدولة العباسية بالضعف الشديد داخليا وخارجيا ، واحتل الروم ساحل الشام ومدينة اللاذقية سنة 298 ، وظهر محسن بن جعفر بن علي الهادي في دمشق سنة 300 ، ولكنه هزم وقتل بعد ذلك .

ومنذ ذلك الحين شهد العصر العباسي سيطرة البويهيين (الشيعة) على مقاليد السلطة في عاصمة الخلافة العباسية بغداد ، حيث كانوا ينصبون الخلفاء ويعزلونهم . 20

اذن فان الظروف المحيطة ب الغيبة) من قبل ومن بعد ، لم تكن تنطوي على أي مبرر للخوف والتقية ، بحيث يخفي الامام الحسن العسكري مولد ابنه ويكتمه بالمرة ، ولم يكن من العسير على (محمد بن الحسن العسكري) لو كان موجودا فعلا ، ان يظهر هنا وهناك . وحتى لو كان قد أعلن عن نفسه منذ البداية انه (المهدي المنتظر) لم يكن يصعب عليه اللجوء الى أطراف الدولة العباسية ويختبيء بالجبال والغابات ، وان يتحدى السلطات العباسية الضعيفة جدا ويقيم دولته المعهودة ، ويؤدي مسئولياته في إمامة الشيعة والمسلمين ، ومن المعروف ان الحكام البويهيين (الشيعة المؤمنين به) طالبوا الشيخ المفيد ان يخرج ويحكم بدل الخليفة العباسي ، كما خرج (المهدي الفاطمي) وحكم في شمال أفريقيا ، بعد ان كان مستترا ، فلم يحر المفيد جوابا ، بعد تهافت حكاية التقية والخوف على نفسه من القتل .

أحمد الكاتب

بسم الله الرحمن الرحيم

الرد على إنكار المبرر التاريخي:


الكاتب يمسح بيد بيضاء على الدولة العباسية
دعواه أن الدولة العباسية ضعيفة آنذاك، فإن كان مراده من الضعف بالقياس إلى أول نشوئها فهذا لا يعني ضعفها عن مقومات الدولة والسطوة الكاسرة لمخالفيها، ومن ثمّ بقيت إلى قرون بعد ذلك أما أن مركز القرار في الدولة العباسية هل هو الخليفة أو المولى أو الأتراك أو آخرين فهذا لا يؤثر في كون مجموع الدولة العباسية ذات السطوة المتغلبة على رؤوس المسلمين كاسرة قابعة على النفوس قاهرة لحريات الآخرين، وهل سجن الإمام الهادي والإمام العسكري، برغبة منهما ومن الطائفة الشيعية الإثنا عشرية، أم بقهر من السلطة،وسرد التفاصيل أحداث الدولة بالتفاف على هذه الجهة الأصيلة في البحث وهو تصوير الجو الخانق المرهب للطائفة الإمامية.

وكون الخليفة العباسي يبلغ ثلاثين عاماً أم أقل لا يغير من سطوة مجموع جهاز الدولة العباسية، ودموية الخلافات بين العباسيين لم يقض على دولتهم التي بقيت إلى قرون.

وقد خلط الكاتب بين القرن الثالث ووضع الدولة العباسية فيه الذي قارن ولادة الإمام الثاني عشر وبين القرن الرابع والخامس.
كما خلط بين قوة الدولة العباسية في عاصمتها سامراء حيث كان الإمام العسكري سجيناً تحت الإقامة الجبرية وبين أطراف الدولة العباسية.

وإذا كانت الدولة العباسية صورة بلا واقع لا حل لها ولا عقد فكيف بقيت إلى قرون وهي لا تمتلك أدنى مقومات الدولة؟
وأما ثورات العلويين التي ذكرها في بلاد فارس البعيدة عن المركز فمضافاً إلى أن بعضها لم يكتب لها النجاح، فهي بمجموعها لم تقوّض ولم تطيح بعرش الدولة العباسية، وغاية ما صنعت اقتطعت أطراف بعيدة عن المركز للعاصمة.
والأغرب من كل ذلك أن الكاتب يقول أن بعض خلفاء الدولة العباسية كانت سياسته ليّنة مع الشيعة، فيا للعجب فقد مسح بيد بيضاء على ظلم بني العباس، وأقرّ مشروعية سياساتهم، ولا غرو فإن الاستنتاج الذي يريده يوصله إلى الركون إلى الظالمين ونفي سطوتهم الغاشمة وإرهابهم الدموي، ثم بذل الأموال لآل أبي طالب قد قام بها معاوية مع عدة من وجوه آل أبي طالب فاللازم على ذلك تسمية معاوية أنه ذو السياسة الليّنة مع البيت العلوي على منطق الكاتب، وأما أمر المعتضد بلعن معاوية بن أبي سفيان فلعداوة البيت العباسي مع الأموي وأيّ دلالة فيه على الرأفة بالبيت العلوي!!!
ثم أنه يبين أن سيطرة البويهيين في نهاية الغيبة الصغرى (300 هـ) دالة على ذهاب الإرهاب القابع على الشيعة الإمامية، والسؤال فما الذي أزال البويهيين مع بقاء الدولة العباسية على حالها، هذا مع غض النظر عن العرض التفصيلي لموقع البويهيين في الدولة وكيف يتوهم أن أزمة الأمور كلها كانت بيدهم، فلماذا لم ينتزعوا السلطة من العباسيين بالمرة، لو كانوا بهذه القوة التي يريد الكاتب أن يصوّرها تحت ظل القلم الشاعري لا ظل شمس الحقيقة والواقع.
ولماذا بقيت الدولة العباسية قروناً بعد البويهيين، إذن هذا بإعجاز بقاؤها حسبما يرسمه الكاتب من تحليل تاريخي.
ولماذا لم يكتب للثورات التي قامت في الأطراف والدويلات فيما البقاء بقدر ما بقيت الدولة العباسية، ثم أنه بقي الكاتب على تصوره أن الغيبة تساوي تعطيل الإمام الثاني عشر عن القيام بمسؤولياته الإلهية وحكومته في الإدارة البشرية وكأنه لا يريد أن يعترف بأدبيات السياسة الأكاديمية العصرية القائلة بأن الحكومة الواقعية الحقيقية للقوى والقوة وإن كانت خفية سرية متسترة كما في حكومات المخابرات الدولية على الحكومات العلنية في تلك الدول العظمى في العصر الحديث. وقد كررنا عليه القول بأن منظومة الابدال والاوتاد والسياح كما في سورة الكهف، والخضر صاحب موسى هي حكومة إلهية متسترة في المجموع البشري لا تدع عجلة المسار البشري ومسيرة المسلمين سائبة بل تتداركها في المنعطفات الحادة، كما بين الخضر لموسى في سورة الكهف في إبقاء نسل مجيء الأنبياء عندما قتل الغلام، لأجل ذلك كمثال لدور العمل السري لرجال الغيب المتسترين.
يقول الكاتب (أن البويهيين كانت باستطاعتهم قلب النظام العباسي من جذوره إلا أن أوقفهم تحيّر الشيخ المفيد وخوفه)، فتوقف رجال السياسة البويهيين لأجل ذلك فاسمع واضحك لأن رجال السياسة قد يكونوا أطفال إلى هذا المستوى، ومع ذلك بقيت الدولة العباسية بعدهم قروناً.

------------------
البحراني

محمد منصور

عدد مرات القراءة:
3140
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :