آخر تحديث للموقع :

الأحد 7 رجب 1444هـ الموافق:29 يناير 2023م 06:01:07 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الآثار السلبية لنظرية وجود المهدي على الشيعة الاثني عشرية ..

قال الأخ محمد منصور ان الشيعة كانوا يؤمنون بنظرية ولاية الفقيه منذ الغيبة الصغرى
وكنت قد قلت ان الايمان بهذه النظرية شكل ثورة في الفكر السياسي الشيعي
واليكم الآثار السلبية التي ترتبت على الايمان بوجود الامام الثاني عشر وغيبته
نظرية التقية والانتظار
تأثر الفكر السياسي الشيعي بنظرية (وجود الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري) تأثرا كبيرا ، واتسم لقرون طويلة بالسلبية المطلقة ، وذلك لأن هذه النظرية قد انبثقت من رحم النظرية ( الامامية ) التي تحتم وجود إمام معصوم معين من قبل الله ، ولا تجيز للامة ان تعين او تنتخب الامام ، لأنه يجب ان يكون معصوما ، وهي لا تعرف المعصوم ، الذي ينحصر تعيينه من قبل الله . ولذلك اضطر الاماميون الى افتراض وجود (الامام الثاني عشر) بالرغم من عدم وجود أدلة علمية كافية على وجوده .
وقد كان من الطبيعي ان يترتب على ذلك ، القول بالانتظار للامام الغائب ، وتحريم العمل السياسي او السعي لإقامة الدولة الإسلامية في (عصر الغيبة) .. وهذا ما حدث بالفعل ، حيث أحجم (النواب الخاصون) عن القيام بأي نشاط سياسي في فترة (الغيبة الصغرى) ولم يفكروا بأية حركة ثورية ، في الوقت الذي كان فيه الشيعة الزيدية والإسماعيلية يؤسسون دولا في اليمن وشمالي أفريقيا وطبرستان .
لقد كانت نظرية (الانتظار) للامام الغائب ، بمعناها السلبي المطلق ، تشكل الوجه الآخر للإيمان بوجود (الامام المعصوم ) ولازمة من لوازمها ، ولذلك فقد اتخذ المتكلمون الذين آمنوا بهذه النظرية موقفا سلبيا من مسألة إقامة الدولة في (عصر الغيبة) ، و أصروا على التمسك بموقف الانتظار حتى خروج (المهدي الغائب) .
وبالرغم من قيام الدولة البويهية الشيعية في القرن الرابع الهجري وسيطرتها على الدولة العباسية ، فان العلماء الاماميين ظلوا متمسكين بنظرية (الانتظار) وتحريم العمل السياسي ، وقد قال محمد بن ابي زينب النعماني (توفي سنة 340ه ) في (الغيبة ص57):· ان أمر الوصية والإمامة بعهد من الله تعالى وباختياره ، لا من خلقه ولا باختيارهم ، فمن اختار غير مختار الله وخالف أمر الله سبحانه ، وَرَدَ مورد الظالمين والمنافقين الحالّين في ناره . 1
وقال في (باب : ما أُمر الشيعة به من الصبر والكف والانتظار للفرج وترك الاستعجال بأمر الله وتدبيره) بعدما ذكر سبع عشرة رواية حول (التقية والانتظار في عصر الغيبة) :·انظروا - يرحمكم الله - الى هذا التأديب من الأئمة (ع) والى أمرهم ورسمهم في الصبر والكف والانتظار للفرج ، وذكرهم هلاك المحاضير والمستعجلين ، وكذب المتمنين ، ووصفهم نجاة المسلّمين ، ومدحهم الصابرين الثابتين ، وتشبيههم إياهم على الثبات بثبات الحصون على أوتادها ، فتأدبوا - رحمكم الله - وامتثلوا أمرهم ، وسلموا لهم ولا تتجاوزوا رسمهم ، ولا تكونوا ممن أردته الهوى والعجلة ومال به الحرص عن الهدى والمحجة البيضاء . /المصدر 201/
وكان من تلك الروايات التي اعتمد عليها محمد بن ابي زينب النعماني في تنظيره لفكرة الانتظار ، هي ما رواه عن ابي جعفر الباقر (ع) انه قال:
- الزم الأرض ، لا تحركن يدك ولا رجلك أبدا حتى ترى علامات اذكرها لك.. وإياك وشذاذ آل محمد ، فان لأل محمد وعلي راية ولغيرهم رايات ، فالزم الأرض ولا تتبع منهم رجلا أبدا حتى ترى رجلا من ولد الحسين معه عهد النبي ورايته وسلاحه.. فالزم هؤلاء أبدا وإياك ومن ذكرت لك .
- أوصيك بتقوى الله وان تلزم بيتك وتقعد في دهماء هؤلاء الناس ، وإياك والخوارج منا فانهم ليسوا على شيء ولا الى شيء.
- انظروا الى اهل بيت نبيكم فان لبدوا فالبدوا ، وان استصرخوكم فانصروهم ، تؤجروا ، ولا تستبقوهم فتصرعكم البلية .
- كل راية ترفع قبل راية المهدي فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله .
- كل بيعة قبل ظهور القائم فإنها بيعة كفر ونفاق وخديعة.
- والله لا يخرج أحد منا قبل خروج القائم الا كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل ان يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به.
و هكذا روى النعماني في (الغيبة) عن أهل البيت :· ان من ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا وروى الصدوق عن الامام الصادق (ع) انه قال:· من مات منكم على هذا الأمر منتظرا كان كمن في فسطاط القائم ص 357) وروى عن الرضا (ع) انه قال: · ما أحسن الصبر وانتظار الفرج؟.. أما سمعت قول الله عز وجل Lفارتقبوا اني معكم رقيب)؟ (فانتظروا اني معكم من المنتظرين) فعليكم بالصبر فانه إنما يجيء الفرج على اليأس ، وقد كان من قبلكم أصبر منكم (ص538) · ان من عرف بهذا الأمر ثم مات قبل ان يقوم القائم كان له أجر من قتل معه . /ص 277/
وقال الشيخ الصدوق (توفي سنة 381 هـ ) في كتاب (الاعتقادات) الباب الخامس والثلاثين،):· لا قائم غير المهدي وان طالت الغيبة بعمر الدنيا ، لأن النبي أشار الى اسمه ونسبه وبشّر به . أفتى بناء على هذه النظرية قائلا:· التقية واجبة .. وتركها لا يجوز حتى خروج القائم ، ومن يتركها قبل خروج القائم فانه خارج من دين الامامية ومخالف لله والرسول والأئمة (المصدر الباب 39) كما أفتى بنفس الحكم في كتاب الهداية ص 47) حيث قال:· التقية فريضة واجبة علينا في دولة الظالمين ، فمن تركها فقد خالف دين الامامية وفارقه ، وقال الصادق: خالطوا الناس بالبرانية وخالفوهم بالجوانية مادامت الإمرة صبيانية.. والتقية واجبة لا يجوز تركها الى ان يخرج القائم ، فمن تركها فقد دخل في نهي الله عز وجل ونهي رسوله والأئمة (ع) ويجب الاعتقاد ان حجة الله في أرضه وخليفته على عباده في زماننا هذا هو القائم المنتظر ابن الحسن.. ويجب ان يعتقد انه لا يجوز ان يكون القائم غيره بقي في غيبته ما بقي ، ولو بقي عمر الدنيا لم يكن القائم غيره .
وقال الصدوق في إكمال الدين ):· .. علينا فعل ما نؤمر به ، وقد دلت الدلائل على فرض طاعة هؤلاء الأئمة الأحد عشر الذين مضوا ، ووجب القعود معهم إذا قعدوا والنهوض معهم إذا نطقوا ، فعلينا ان نفعل في كل وقت ما دلت الدلائل على ان نفعله ./ المصدر 81-82/
وهكذا علق الشيخ المفيد ( توفي 413ه ) مسؤولية الإصلاح على (الامام المهدي ) الذي قال عنه : انه غائب بسبب الخوف من الظالمين ، فقال:· انه إذا غاب الامام للخوف على نفسه من القوم الظالمين فضاعت لذلك الحدود وانهملت به الأحكام ووقع به في الأرض الفساد ، فكان السبب لذلك فعل الظالمين دون الله عز وجل اسمه ، وكان المأخوذين بذلك المطالبين به دونه . /المفيد :الرسالة الاولى حول الغيبة ص 272/
وكان السيد المرتضى علم الهدى ( 355 - 436) يعتقد ان مهمة نصب الأئمة تقع على عاتق الله وليس على عاتق الامة وان ذلك لا يسوغ لها . ومن هنا فقد حرم السعي لتنصيب الامام وتشكيل الحكومة في عصر الغيبة · لأن ذلك ليس بأيدينا وانما بيد الله وأوجب الانتظار ، وقال: · ليس إقامة الامام واختياره من فروضنا فيلزمنا إقامته . /المرتضى :الشافي ج1 ص 110-112/
و قال في الشافي):· اعلم ان كلامنا في وجوب النص وانه لا بد منه ولا يقوم غيره في الإمامة مقامه.. كافٍ في فساد الاختيار ، لأن كل شيء أوجب النص بعينه فهو مبطل للاختيار . واعلم ان الذي نعتمده في فساد اختيار الامام هو بيان صفاته التي لا دليل للمختارين عليها ، ولا يمكن إصابتها بالنظر والاجتهاد ، ويختص علام الغيوب تعالى بالعلم بها كالعصمة والفضل في الثواب والعلم على جميع الامة ، لأنه لا شبهة في ان هذه الصفات لا تستدرك بالاختيار ، ولا يوقف عليها الا بالنص .
ولا يمكن ان يقال بصحة الاختيار مع هذه الصفات ، لأن ذلك تكليف قبيح .. لما لا دلالة عليه ولا إمارة تميز الواجب من غيره .
ومما يمكن ان يعتمد في فساد الاختيار : ان العاقدين للإمامة يجوز ان يختلفوا فيرى بعضهم : ان الحال يقتضي ان يعقد فيها للفاضل ، ويرى آخرون : انها تقتضي العقد للمفضول ، وهذا مما لا يمكن . /المصدر ج4 ص6/
وقال الشيخ الطوسي في تلخيص الشافي) :· ومما يدل على وجوب النص او ما يقوم مقامه من المعجز ، انا قد دللنا على ان الامام لا بد ان يكون افضل الخلق عند الله تعالى وأعلاهم منزلة في الثواب ، وفي حال ثبوت إمامته ، وإذا ثبت كونه كذلك ، ولم يمكن التوصل اليه بالأدلة ولا بالمشاهدة وجب النص او المعجز . /المصدر ج1 ص269/
وقد رفض العلامة الحلي في الألفين) فكرة قيام الامة بنصب الامام واختياره عبر الشورى (ص 35) واعتبر إسناد أمر الامامة الى اختيار الأمة خلافا لقول الله تعالى ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم) وانه تقديم بين يدي الله ورسوله ، وقد نهى الله عن ذلك .(ص37) ورأى في إسناد مهمة اختيار الامام الى الامة فتح باب عظيم للفساد ينافي الحكمة الإلهية ، لأن كل واحد من الامة يختار رئيسا ، وهذا ما يؤدي الى الفتنة والهرج والمرج والتغلب والمقاهرة . (ص38و41) وقال: لا طريق الى الامامة الا بالنص بقول النبي (ص) او الامام ، او بخلق المعجز على يده . /ص35/
وقد أسهب العلامة الحلي في (الألفين) في استعراض الأدلة التي تنقض نظرية الشورى ، وأكد على ضرورة تعيين الامام (العالم المعصوم) من قبل الله تعالى ، ولم يبحث في كتابه أدلة إثبات الإمامة الإلهية للأئمة الاثني عشر فقط ، وانما بحث حرمة الإمامة لغيرهم بشكل مطلق ، وألقى باللوم لعدم القدرة على تشكيل الدولة في فترة (الغيبة) على الذين تسببوا في إخافة الامام المهدي واضطروه للغيبة. (ص 404و405/) وقال بصراحة:· ان رئاسة غير المعصوم في الدين والدنيا جالبة لخوف المكلف.. ولا شيء من غير المعصوم بإمام . /ص357/
و بناء على ذلك قال الميرزا محمد تقي الاصفهاني ( توفي 1348هـ ) في مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم) :· لا يجوز مبايعة غير النبي والإمام.. إذ لو بايع غيره جعل له شريكا في المنصب الذي اختصه الله تعالى به ونازع الله في خيرته وسلطانه ، قال تعالى  وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم) وقد ورد في تفسير قوله تعالى (ولقد أوحي إليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) روايات بأن المراد : لئن أشركت في الولاية غير علي .
وقد تبين من ذكرنا عدم جواز مبايعة أحد من الناس من العلماء وغيرهما بالاستقلال ولا بعنوان نيابتهم عن الامام في زمن الغيبة ، لما قدمناه آنفا من ان ذلك من خصائصه ولوازم رياسته العامة وولايته المطلقة وسلطنته الكلية ، فان بيعته بيعة الله (ج2ص238) وأضاف:· ويدل على عدم جوازه مضافا الى ما عرفت من كونه من خصائص الامام وكون أمور الشرع توقيفية ماروي في البحار (ج3 ص 8 ) و(مرآة الانوار) عن المفضل بن عمر عن الصادق (ع) انه قال : ( يا مفضل كل بيعة قبل ظهور القائم فبيعة كفر ونفاق وخديعة ، لعن الله المبايع بها والمبايع له) وهذا كما ترى صريح في عدم جواز مبايعة غير الامام من غير فرق بين كون المبايع له فقيها او غير فقيه ، ومن غير فرق بين ان يكون البيعة لنفسه او بعنوان النيابة عن الامام .
/ص239/ وقال الاصفهاني:· ويؤيد ما ذكرنا من كون المبايعة بالمعنى المذكور من خصائص الامام ولوازم رياسته العامة وولايته المطلقة وعدم جوازه لغيره ، أمور:
منها: انه لم يعهد ولم ينقل في زمان أحد من الأئمة تداول المبايعة بين أصحابهم.
ومنها: انه لم يرد منهم (ع) إذن في مبايعة غيرهم من أصحابهم بنيابتهم.
ومنها : عدم معهودية ذلك في ألسنة العلماء ولا في كتبهم ، ولم ينقل في آدابهم وأحوالهم وافعالهم ، بل لم يكن معهودا في سائر المؤمنين من زمن الأئمة الى زماننا ان يبايعوا أحدا بعنوان ان بيعته بيعة الامام.
ومنها : ما تقدم من المجلسي في (البحار) ( ج 102 ص 111 باب 7 من الطبعة الحديثة ) بعد ذكر دعاء تجديد العهد والبيعة في زمان الغيبة ، انه قال:· وجدت في بعض الكتب القديمة بعد ذلك  ويصفق بيده اليمنى على اليسرى) فانظر كيف جوّز ان يصفق بيده على يده ، ولم يجوّز مصافقة الغير . / ج2 ص240/
واستنتج الاصفهاني صاحب (مكيال المكارم):· أقول : فمن جميع ما ذكرنا وغيره يحصل الجزم بأن المبايعة من خصائص النبي والإمام ولا يجوز لأحد التصدي لذلك الا من جعله النبي او الامام نائبا له في ذلك .
فان قلتَ : بناءً على القول بثبوت الولاية العامة للفقيه يمكن ان يقال: بأن الفقهاء خلفاء الامام ونوابه ، فيجوز لهم أخذ البيعة من الناس نيابة عن الامام ويجوز للناس مبايعتهم. قلتُ : اما أولا: فالولاية العامة غير ثابتة للفقيه، واما ثانياً: فإنما هي فيما لم يكن مختصا بالنبي والإمام ، وقد ظهر من الروايات - دليلا وتأييدا - اختصاص المبايعة بهما ، فليس للنائب العام نيابة في هذا المقام. وهذا نظير الجهاد حيث انه لا يجوز الا في زمان حضور الامام وبإذنه ، اما في مثل زماننا هذا فجواز المبايعة على وجه المصافقة مما دليل له، فهي من البدع المحرمة التي توجب اللعنة والندامة. /ج2 ص240/

أحمد الكاتب

الرد على الكاتب في مقالته الآثار السلبية للانتظار وللقول بإمامة الثاني عشر

أ ـ

ادعى الكاتب ان معنى الانتظار للامام المستتر الغائب عند الامامية هو تحريم العمل السياسي وتحريم السعي لإقامة الدولة الاسلامية في عصر الغيبة، واعترض على النواب الاربعة بعدم العمل والنشاط السياسي، بل ادعى ان من لوازم الايمان بوجود الامام المعصوم حرمة اقامة الدولة الاسلامية في غيبته.
والذي تخيله ونسبه للامامية أراجيفاً وزوراً كعادته فيما ينسبه أو حاول فهمه من كلمات علماءهم مع عدم إلمامه بالمصطلحات والبحوث العلمية!!.
فإن الانتظار عند الامامية معناه هو الاعتقاد بان الامام الثاني الحي المستتر لابد من ظهوره ليملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، كما بشّر بذلك النبي (ص) في روايات الفريقين المتواترة، لا أن الانتظار عندهم بمعنى توقف حركة المؤمن عن اداء الوظائف الشرعية والمسؤوليات الدينية الملقاة على عاتقه وعلى عاتق عموم المؤمنين.
فليس الانتظار يساوي التوقف والجمود والتسيب بل الاعتقاد بالفرج الإلهي بظهور المصلح الاعظم لكل تاريخ البشرية كما وعد بذلك القرآن في الآيات التي أشرنا اليها سابقا واشار اليها الشيخ الاصفي في مقالته التي تقدم عرضها في ساحة الحوار.
فعقيدة الانتظار بمعنى الاعتقاد بظهور المهدي من ذرية الرسول عقيدة كل المسلمين لا الامامية خاصة وان انكر الكاتب هذه الضرورة الاسلامية.
واذا تبين معنى الانتظار لدى الامامية فاي تلازم بين الاعتقاد بامامة الثاني عشر الحي وبين الجمود وتعطيل القوى، بل العكس هو الصحيح فإن الاعتقاد بوجود الامام الثاني عشر المعصوم الحي المراقب للاوضاع عن كثب وقرب مع ما يقوم به (ع) من وظائف إلهية عبر المنظومة السرية من الاوتاد والابدال والنجباء والسياح، وانه سيظهر للاصلاح الشامل لعموم ارجاء الكرة الارضية، هذا الاعتقاد باعث للأمل ومزيل لليأس من الاصلاح في الوضع السياسي والاجتماعي، ومحفز وموجب للشعور بالمسؤولية أكثر للاعتقاد بإن الارادة الالهية لم تلق الحبل على غاربه ولم تجعل البشرية سائبة، بل ارادة الربّ نافذة فيهم حاكمة.

ب ـ

ونسب الكاتب زوراً الى متكلمي الامامية القول بحرمة اقامة الدولة الاسلامية في عصر الغيبة وأنهم اصرّوا على التمسك بموقف الانتظار حتى خروج المهدي (عج).
ولا أدري لم يتعامى عن ما نقلته في الرد السابق الذي اشار الكاتب نفسه اليه من اقوال وفتاوى المفيد والمرتضى والطوسي وغيرهم من مشروعية إقامة الحكم الاسلامي للفقيه المأذون من قبل الامام المعصوم، في الحكم بين الناس والقضاء بينهم واقامة الحدود والتعزيرات ووجوب إعانة المؤمنين له على ذلك.
وسبب الخبط لدى الكاتب ـ كعادته في المباحث التخصصية ـ هو خلطه بين مسألة اقامة الحكم والدولة الاسلامية نيابية عن المعصوم في عصر الغيبة وبين مسألة إمامة غير المعصوم، كإمامة دينية بديلة عن المعصوم وفي رتبته ودرجته من ناحية الصلاحيات الشرعية والقانونية والاعتقادية، فنقل كلمات علماء الامامية التي هي المسألة الثانية ـ التي هي مسألة اعتقادية بالدرجة الاولى وفقهية في الفقه السياسي بالدرجة الثانية ـ نقلها في المسألة الأولى التي هي فقهية بحتة وان اعتمدت على جذر اعتقادي، وبعبارة أخرى.
أن المسالة الاولى طابعها فقهي في أقامة الحكم الاسلامي كوظيفة عامة شرعية في فروع الدين.
والمسألة الثانية طابعها كلامي اعتقادي كوظيفة اعتقادية من أصول الدين.
وبعبارة ثالثة أذكرها كي لا يلتبس الحال على الكاتب في مثل هذه المباحث التخصصية التي تحتاج الى مؤونة عمق علمي إذ هي من أمّ المباحث الاعتقادية وأمّ المباحث الفقهية في باب الفقه السياسي.
إن المسألة الاولى هي بناء النظام السياسي كفعل جارحي تدبيري.
والمسألة الثانية هي في كون الامامة سفارة إلهية ووساطة بين الله وخلقه ليست من نمط النبوة بل تابعة لها ووصاية إلهية وخلافة عهدية من الله تعالى. أحد شؤونها وشعبها إدارة الحكم في النظام السياسي الاجتماعي، فارجو أن قد اتضح الفرق لدى الكاتب بين المسألتين فلا يعاود الخلط بينهما، ويحصل اجترار للكلام والحوار حول هذه النقطة،
انبه الكاتب إلى مسائل أخرى من ذيول المسألة الاولى ذكرها علماء الامامية كمسألة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الاجتماعي والسياسي من اقامة الحدود والقضاء والتعزيرات والامور الحسبية العامة ذكروها في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكروا ان إقامتها في عصر الغيبة موكول للفقيه الجامع للشرائط المأذون من المعصوم الغائب المستتر نيابة عنه كما دلت على الاذن الروايات المعتبرة، ومن الواضح أن القضاء أحد الاجنحة الثلاثة لجسم الدولة والنظام السياسي او اقامة الحدود والتعزيرات يمثل وزراة الداخلية والامن العام في الدولة، مضافا الى تبعية وزارة أخرى للقضاء في اصطلاح الفقهاء كوزارة الاحوال الشخصية والاوقاف ونحوها وكمسألة أن الجهاد الدفاعي تحت رعاية وصلاحية الفقيه المأذون عن المعصوم، هذه المسألة بمثابة وزارة الدفاع فما الذي بقي من أجهزة الحكم والنظام السياسي غير سائغ عند علماء الامامية في عصر الغيبة نيابة عن المعصوم، وكمسألة تولي ولاية عن السلطان الجائر كوزير أوقاضي أو والي في منطقة ونحو ذلك وقد سوّغه علماء الإمامية، تحت مجوّز قانوني وهو إذن المعصوم (ع) الذي دلّت عليه روايات معتبرة، شريطة مطابقة العمل الذي يقوم به للموازين الشرعية، وهذه المسألة نحو من المشاركة السياسية للفقيه في الحكم والنظام السياسي وقد ذكرها كافة علماء الشيعة من المتقدمين الى عصرنا الحاضر، كما هو الحال في المسائل السابقة أيضاً الا قليل او نادر.

وإليك قائمة بكلمات المتكلمين وفقهاء الامامية في المسألة الاولى وذيولها من المسائل الاخرى التي اشرنا اليها:

1 ـ قال الصدوق في كتاب المقنع ((باب الدخول في أعمال السلطان)) ثم روى روايات عديدة عن الائمة المعصومين (ع) متضمنة لإذنهم في المشاركة في الحكم والنظام السياسي مع القوى الاخرى الحاكمة غير الشرعية، شريطة اتباع الموازين الشرعية في القيام بمهام الحكم.

2 ـ قال المفيد في كتابه اوائل المقالات فصل: القول في معاونة الظالمين والأعمال من قبلهم…، وإن معاونة الظالمين على الحق وتناول الواجب لهم جائز وأحوال واجب وأما معونتهم على الظلم والعدوان فمحظور لا يجوز مع الاختيار. وأما التصرف في الاعمال: فإنه لا يجوز الا لمن اذن له امام الزمان، وعلى ما يشترط عليه في الفعال، وذلك خاص لأهل الامامة دون من سواهم…
وقال المفيد في كتاب المقنعة باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر… فاما اقامة الحدود فهو الى سلطان الاسلام المنصوب من قبل الله تعالى، وهم ائمة الهدى من آل محمد (ع) أو من نصبوه لذلك من الامراء والحكام. وقد فوضوا النظر فيه الى فقهاء شيعتهم مع الامكان. فمن تمكن من اقامتها… وكذلك ان استطاع اقامة الحدود على من يليه من قومه فقد لزمه اقامة الحدود عليهم، فليقطع سارقهم وليجلد زانيهم، ويقتل قاتلهم. وهذا فرض متعين على من نصبه المتغلب لذلك على ظاهر خلافته له أو الامارة من قبله على قوم من رعيته، فيلزمه اقامة الحدود وتنفيذ الاحكام والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار ومن يستحق ذلك من الفجار، ويجب على اخوانه المؤمنين معاونته على ذلك اذا استعان بهم، فلاحظ بقية عبارته في كتاب المقنعة ـ حيث فصل فيها مبسوطاً كيفية مشاركة الفقيه القوى الاخرى غير الشرعية في الحكم في الصور والفروض المختلفة.

3 ـ قال الشريف المرتضى في كتاب رسائل الشريف المرتضى مسألة في الولاية من قبل السلطان الجائر… الكلام في الولاية من قبل المتغلب وهي على ضروب واجب ـ وربما تجاوز الواجب الى الالجاء ـ ومباح وقبيح ومحظور، فاما الواجب: فهو ان يعلم المتولى أو يغلب على ظنه بامارات لائحة انه يتمكن بالولاية من اقامته الحق ودفع باطل وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ولولا هذه الولاية لم يتم شيء من ذلك فيجب عليه الولاية لوجوب ما هي سبب اليه وذريعة الى الظفر به… فلاحظ تمام كلامه.. فترى انه يفتى بوجوب اقامة الحكم الاسلامي مع القدرة على اتباع الموازين الشرعية.

4 ـ قال الشيخ الطوسي في كتاب النهاية فأمّا اقامة الحدود فليس يجوز لأحد اقامتها الا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى أو من نصبه الامام لاقامتها… وقد رخص في حال قصور أيدي ائمة الحق وتغلب الظالمين.. ومن استخلفه سلطان ظالم على قوم وجعل إليه اقامة الحدود جاز له ان يقيمها عليهم على الكمال ويعتقد انه انما يفعل ذلك بإذن سلطان الحق لا بإذن سلطان الجور ويجب على المؤمنين معونته وتمكينه من ذلك…
ثم بسط الكلام في ذلك في الفروض والصور المختلفة فتراه يوجب اقامة الحكم الاسلامي نيابة عن المعصوم في عصر الغيبة مع التمكن.

5ـ قال ابن براج في كتاب المهذب باب خدمة السلطان… وأما السلطان الجائر فلا يجوز لأحد أن يتولى شيئا من الامور من قبله لا أن يعلم أو يغلب على ظنه انه اذا تولى ولاية من جهته تمكن من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر… ثم بسط الكلام في ذلك.

6 ـ قال ابو حمزة الديلمي في كتاب المراسم (المتوفى 448) في باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (اقامة الحدود… فأما القتل والجراح في الانكار فإلى السلطان أو من يأمره السلطان فان تعذر الامر لمانع، فقد فوّضوا عليهم السلام الى الفقهاء اقامة الحدود والاحكام بين الناس بعد أن لا يتعدوا واجبا ولا يتجاوزوا حدا، وامروا عامة الشيعة بمعاونة الفقهاء على ذلك).
قال ابن ادريس الحلي في كتاب السرائر في باب الامر بالمروف والنهي عن المنكر وأما الحكم بين الناس والقضاء بين المختلفين فلا يجوز أيضا الا لمن أذن له سلطان الحق في ذلك، وقد فوضوا ذلك الى فقهاء شيعتهم المأمونين المحصلين الباحثين عن مآخذ الشريعة الديانين القيمين بذلك.

7ـ قال المحقق الحلي في الشرائع: يجوز للفقهاء العارفين إقامة الحدود في حال غيبة الامام كما لهم الحكم بين الناس مع الامن من ضرر سلطان الوقت ويجب على الناس مساعدتهم على ذلك. ولا يجوز ان يتعرض لاقامة الحدود ولا للحكم بين الناس الا عارف بالاحكام مطلع على مآخذها عارف بكيفية ايقاعها على الوجوه الشرعية.

8 ـ قال العلامة الحلي في كتابه ارشاد الاذهان: كتاب الامر بالعروف والنهي عن المنكر والفقيه الجامع لشرائط الافتاء وهي العدالة والمعرفة بالاحكام الشرعية ادلتها التفصيلية . اقامتها، والحكم بين الناس بمذهب اهل الحق ويجب على الناس مساعدته على ذلك.

9ـ قال الشهيد في الدروس في كتاب الحسبة: والحدود والتعزيرات الى الامام ونائبه ولو عموما فيجوز حال الغيبة للفقيه الموصوف بما يأتى في القضاء إقامتها مع المكنة، ويجب على العامة تقويته ومنع المتغلب عليه مع الامكان ويجب عليه الافتاء مع الأمن، وعلى العامة المصير إليه والترافع في الاحكام.

10ـ ونظيره قال الشهيد الثاني في المسائل في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

11ـ ونظيره قال المحقق الركي في جامع المقاصد في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

12ـ وغيرهم من فقهاء الشيعة في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وغيرهم من علماء الامامية فكل هذه التصريحات ارجو أن تصكّ أذن الكاتب كي لا يفتري على طائفة اسلامية كبيرة بالزور، فهم يرون وجوب الحكم الاسلامي في عصر الغيبة نيابة عن المعصوم سواء بالمشاركة مع القوى الاخرى أو بنحو الانفراد والاستقلال مع التمكن من ذلك. وأما مع عدم القدرة من ذلك فاللازم التقية وهي بمعنى العمل التكتيكي المرحلي في جو الإرهاب السلطوي كي لا تمكنّ السلطة الظالمة من استئصال المؤمنين.
فالتقية عند الامامية خطة عمل تحت الستار والخفاء عن السطح كي لا تبيدهم سلطات الجور، لا بالمعنى السلبي الجمودي التعطيلي للقوى والمسؤوليات الاجتماعية السياسية.

ج ـ

اتضح مما تقدم ان ما نقله الكاتب من كلمات علماء الامامية انما هي في المسألة الثانية الاعتقادية في الامامة كسفارة إلهية أحد شؤونها الحكم السياسي، وأن الكاتب اشتبه عليه مصطلح الامامة الذي هو في المسألة الثانية مع مصطلح القيادة في تدبير الحكم السياسي ولو نيابة عن المعصوم في المسألة الاولى وحيث أن أهل السنة يعبرون في المسألة الاولى بالامامة، وقع الخلط بسبب ذلك ولا يؤاخذ الجاهل بالاصلاح لكن يؤاخذ بتقحمه ما لا خبرة له فيه.

كما أن ما ذكره من روايات وعبائر للشيخ النعماني والصدوق وغيرهم من علماء الامامية من لزوم التقية حتى خروج المهدي (عج) بعضها في مورد المسائل الثانية التي عرفت انها اعتقادية يترتب عليها مسألة فقهية في الحكم السياسي وبعضها في صدد بيان للتقية كتكتيك مرحلي في اسلوب العمل السياسي والفردي، وبعضها في ثواب الصبر والاستقامة على العقيدة في ظروف الظلم والقهر، لا بمعنى الجمود والتوقف عن حركة النشاط، وبعضها في صدد تحذير الشيعة عن الحركات الثورية الفاشلة تخطيطا في عصر الائمة (ع) وبعضها في النهي عن البيعة لغير المعصوم، بمنطق إيجاد البيعة لشرعية حكم الذي بويع من دون إذن المعصوم (ع).

د ـ

إن مرجعية فقهاء الشيعة لم تنقطع منذ عهد الباقر والصادق (ع) واستمرت الى الغيبة الصغرى والكبرى الى عصرنا الحاضر كما اشرنا إلى ما في رجال الكشي والنجاشي وكتاب القضاء من كتاب الوسائل المتضمن للشواهد التاريخية على ذلك، والمرجعية الشيعية حسب أدبيات السياسة الاكاديمية في العصر الحديث التي أجرت البحوث التعليلية حول المرجعية الشيعية أنها حكومة بما للحكومة من معنى واجزاء وفقرات غاية الأمر ليست هي حكومة علنية رسمية، لكنها حكومة في المنفى أو حكومة تحت الستار البارد، فهي تمارس القضاء (القوى القضائية في الدولة) والأمن والجهاد (وزارة الدفاع) والتبليغ والدعوى الدينية (وزارة الثقافة) وتوزيع الحقوق الشرعية في المصارف المقررة لها (وزارة المالية) والتدريس الديني لطلاب العلوم الدينية ولعامة الناس (وزارة التعليم) وغير ذلك من انشطة الدولة، كما ان المرجعية الشيعية لا تعرف الحدود الجغرافية بل تتسع رقعتها بحسب التواجد الشيعي في أقطار العالم.

والاقتصار في تصوير الحكومة في النظام السياسي في المجتمع على الحكومة الرسمية جهل بألف باء على السياسية وبالأدبيات السياسية العلمية فانه من المقرر في الادبيات السياسية في هذا العصر أن كل قوة ذات نفوذ اجتماعي تمارس نفوذها على التيار التابع لها من الناس هي شكل من اشكال الحكومة في النظام السياسي الاجتماعي، ومن ثمّ لا تحكم الدول والبلدان في شتى اقطار العالم حكومة واحدة التي هي الرسمية في القطر الواحد، وانما هناك توازن قوى بين حكومات متعددة على القطر الارضي الواحد، ولا أرى هذه المرة إلا وقد غفل وجهل مثل هذه البحوث التعليلية التخصصية.

------------------
البحراني

محمد منصور

عدد مرات القراءة:
3555
إرسال لصديق طباعة
الثلاثاء 2 ذو القعدة 1441هـ الموافق:23 يونيو 2020م 02:06:54 بتوقيت مكة
محمد 
انتم الذین لا تجیزون الامه ان یختارو حکامهم فی السعودیه و الامارات و ... کیف تحکون عن تجيز للامة ان تعين او تنتخب الامام
 
اسمك :  
نص التعليق :