قبل الدخول في الرد المفصل على المسائل التي ذكرها المؤلف في كتابه الأول (ثم اهتديت) لابد لي من وقفة معه لبيان حاله، ومنهجه الذي سار عليه في تأليف كتبه، ومدى صدقه، وأمانته، ومبلغه من العلم، ليقف القارئ على ذلك بنفسه قبل الشروع في قراءة الرد عليه. وذلك ببيان جهل المؤلف، وغروره، وكذبه، وتدليسه، وتناقضه في كلامه، واتباعه الظن في أحكامه، وعدم توثيقه للنقول، ومخالفته في كتبه لأصول التأليف التي درج عليها أهله، وكذلك للمنهج الذي ألزم به نفسه في التأليف، ومخالفته أيضاً لعقيدة الرافضة المعروفة عندهم. وسيكون تقرير هذا كله بالاستدلال على كل جزئية من كلامه والمقارنة بين أقواله والمناظرة بين مسائلة التي يقررها من خلال كتبه الأربعة السالفة الذكر. وها هو ذا تفصيل ذلك: أولاً: جهله. ويدل على ذلك ما ذكره المؤلف عن نفسه واعترافه بأنه ليست عنده مكتبة خاصة إلا بعد أن أهدى له الرافضة في العراق مجموعة من كتبهم، يقول: «وفوجئت عند دخولي إلى منزلي بكثرة الكتب التي وصلت قبلي وعرفت مصدرها........فرحت كثيراً، ونظمت الكتب في بيت خاص سميته المكتبة».(1) ثم يقول بعد ذلك: «سافرت إلى العاصمة، ومنها اشتريت صحيح البخاري، وصحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، وصحيح الترمذي، وموطأ مالك، وغيرها من الكتب الأخرى المشهورة، ولم أنتظر الرجوع إلى البيت فكنت طوال الطريق بين تونس وقفصة وأنا راكب في حافلة النقل العمومية أتصفح كتاب البخاري، وأبحث عن رزية الخميس متمنياً أن لا أعثر عليها، ورغم أنفي وجدتها...».(2) فليتأمل القارئ قوله: (ثم وضعت الكتب في مكان سميته المكتبة) وكأنه أول من ابتكر المكتبات في البيوت ثم وضع لها هذا الاسم الذي ظن أنه لم يسبق إليه، ثم شرائه من بعد ذلك الصحيحين، والكتب المشهورة في الحديث بعد أن لم تكن عنده ولا يعرفها. في حين أن هذه الكتب لاتكاد تخلو منها مكتبة طالب علم (1) ثم اهتديت ص86-87. (2) المرجع نفسه ص88. صغير، فضلاً عمن يعد نفسه من العلماء، ويتصدى للبحث والتأليف في أخطر المسائل وأدقها في باب الاعتقاد. هذا وقد اعترف المؤلف في موطن آخر من كتابه (ثم اهتديت) بأنه ليست عنده معرفة بعلوم الشريعة، زاعماً -لفرط جهله- أنه لا يحتاج إليها في بحثه عن أحوال الصحابة. يقول ضمن نقله لحوار دار بينه وبين عالم سني: «فقال: لايمكنك الاجتهاد إلا إذا عرفت سبعة عشر علماً، منها علم التفسير واللغة،والنحو،والصرف،والبلاغة، والأحاديث، والتاريخ، وغير ذلك. وقاطعته قائلاً: أنا لن أجتهد لأبين للناس أحكام القرآن والسنة، أو لأكون صاحب مذهب في الإسلام كلا، ولكن لأعرف من على الحق، ومن على الباطل، ولمعرفة أن الإمام علي على الحق أو معاوية مثلاً، ولا يتطلب ذلك الإحاطة بسبعة عشر علماً، ويكفي أن أدرس حياة كل منهما، وما فعلاه حتى أتبين الحقيقة».(1) قلت: ولهذا وقع المؤلف في أخطاء وجهالات لا تخفى على طالب في المراحل الدنيا من التعليم. كقوله في كتابه فاسألوا أهل الذكر: «وإذا ما سألتهم -أي أهل السنة- من هؤلاء المنافقون الذين نزلت فيهم أكثر من مائة وخمسين آية (1) ثم اهتديت ص150. في سورتي التوبة والمنافقون فسيجيبون هو عبدالله بن أبيّ، وعبدالله بن أبي سلول، وبعد هذين الرجلين لا يجدون اسماً آخر».(1) وقوله أيضاً: «فكيف يحصر النفاق بابن أبيّ، وابن أبي سلول المعلومين لدى عامة المسلمين».(2) فقد وقع في أخطاء شنيعة: الأول: قوله: إنه نزلت في المنافقين أكثر من مائة وخمسين آية في سورتي (التوبة) (والمنافقون)، فسورتا (التوبة) و(المنافقون) لم تبلغا مائة وخمسين آيه في مجموعها، فالتوبة (129) آيه، والمنافقون (11) آية، هذا مع أنه ليس كل آيات السورتين في المنافقين، فالثلاث الآيات الأخيرة من سورة (المنافقون) ليست في المنافقين، وكذلك التوبة فيها آيات كثيرة ليست في المنافقين. ومفهوم كلامه هنا أن الآيات التي نزلت في المنافقين محصورة في السورتين، وهذا خطأ آخر، فقد نزلت آيات كثيرة في المنافقين ليست في السورتين المذكورتين، كما وردت بذلك آيات في البقرة (1) فسألوا أهل الذكر ص119. (2) المرجع نفسه ص119. وآل عمران والنساء والمائدة(1) وغيرها من سور القرآن. الثاني: ظنه أن ابن أبيّ غير ابن سلول وأنهما رجلان، وإنما هو رجل واحد فهو عبدالله بن أبيّ بن سلول، زعيم المنافقين ورأسهم في المدينة.(2) الثالث: قوله: «وبعد هذين الرجلين لا يجدون اسماً آخر»، فهذا من جهله المركب، وعظيم جرأته على الكلام بدون علم، ولا تثبت، فلو رجع هذا المجازف في الكلام إلى أشهر كتاب متداول في السيرة، وهو سيرة ابن هشام، لوجد أن المؤلف سرد في الجزء الثاني من هذا الكتاب أسماء طائفة كبيرة من المنافقين في أكثر من عشر صفحات يذكرهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، مبيناً بعض ما نزل في كل واحد منهم من القرآن(3)، هذا غير ما ذكره المؤرخون الآخرون، والمفسرون في كتب التفسير. ومن جهالات المؤلف الكبيرة قوله: «وأبدلت الصحابة المنقلبين على أعقابهم أمثال معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وأبي هريرة (1) من هذه الآيات على سبيل المثال: في البقرة 8-20،204-206، وفي آل عمران 120،154، وفي النساء 60-66،72-73،138-146، وفي المائدة 41،52،53. (2) انظر ترجمته وطرفاً من أخباره في سيرة ابن هشام 2/620،469،555. (3) انظر: سيرة ابن هشام 2/548-557. وعكرمة، وكعب الأحبار وغيرهم بالصحابة الشاكرين...»(1) وهذا الكلام مع ما فيه من زيغ وضلال بعيد، سيأتي الرد عليه في موضعه، فإنه متضمن لخطأ شنيع حيث عدّ كعب الأحبار من الصحابة وإنما هو من التابعين، فقد أسلم بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقدم المدينة في عهد عمر -t-(2)، وهذا مشهور عند أهل العلم، لكن المؤلف بجهله وقع في مثل هذا الخطأ الفادح الفاضح. وعموماً فأخطاء المؤلف الدالة على جهله، وقلة بضاعته في العلم كثيرة، وإنما سقت هنا أمثلة يستدل بها، قبل تفصيل الرد عليه، وسيأتي في أثناء الرد المزيد من ذلك إن شاء الله تعالى. ثانياً: غروره وإعجابه بنفسه. اتسمت شخصية المؤلف بالغرور المفرط، والإعجاب بالنفس، يظهر ذلك من خلال حديثه عن نفسه، وتزكيته لنفسه في مواطن كثيرة من كتبه ومن أمثله ذلك: قوله متحدثاً عن رحلته للحج: «لذلك ظننت أن الله هو الذي ناداني، وأحاطني بعنايته، وأوصلني إلى ذلك المقام الذي تموت (1) ثم اهتديت 158. (2) انظر: سير أعلام النبلاء 3/489. الأنفس دون الوصول إليه حسرة ورجاء».(1) ويقول أيضاً: «عناية ربانية أخرى، جعلت كل من يراني من الوفود يحبني، ويطلب عنواني للمراسلة».(2) ويقول متحدثاً عن وضعه في بلده: «وتعدت شهرتي حدود مدينتي إلى مدن أخرى مجاورة، فقد يمر المسافر فيصلي الجمعة، ويحضر تلك الدروس، ويتحدث بها في مجتمعه».(3) ويقول: «وبشّروني بأن صاحب الزمان -ويقصدون به الشيخ إسماعيل- قد اصطفاني من بين الناس لأكون من خاصة الخاصة، وطار قلبي فرحاً بهذا الخبر، وبكيت تأثراً بهذه العناية الربانية التي ما زالت ترفعني من مقام سام، إلى ما هو أسمى، ومن حسن إلى ما هو أحسن...».(4) فهذه بعض أقوال المؤلف في حديثه عن نفسه، وتزكيته لها، وكفى بذلك قدحاً في الرجل، ونقصاً في دينه وعلمه وعقله، يقول الله U: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}(5)، ويقول: {ألم تر إلى الذين (1) ثم اهتديت ص14. (2) ثم اهتديت ص14. (3) المرجع نفسه ص16. (4) المرجع نفسه ص17. (5) سورة النجم 32. يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلاً % انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثماً مبيناً}.(1) ومع وقوع هذا المسكين في هذا المحذور العظيم، فإنه قد جمع إليه جرماً آخر، وهو افتخاره بالمعاصي كالغناء وكثرة السفر إلى بلاد الكفر، ومعرفته بتلك البلاد، حيث يقول ضمن حديثه عن زيارته لمصر: «... وكانوا يعجبون لحماسي وصراحتى وكثرة اطلاعي، فإذا تحدثوا عن الفن غنيت، وإذا تحدثوا عن الزهد والتصوف ذكرت لهم أني من الطريقة التيجانية والمدنية أيضاً، وإذا تحدثوا عن الغرب حكيت لهم عن باريس، ولندن، وبلجيكا، وهولندا، وإيطاليا، وأسبانيا التي زرتهاخلال العطل الصيفية، وإذا تحدثوا عن الحج فاجأتهم بأني حججت وأني ذاهب إلى العمرة، وحكيت لهم عن أماكن لايعرفها حتىالذي حج سبع مرات:كغارحراء،وغارثور، ومذبح إسماعيل، وإذا تحدثوا عن العلوم والاختراعات شفيت غليلهم بالأرقام والمصطلحات، وإذا تحدثوا عن السياسة أفحمتهم بما عندي من آراء».(2) إلى أن يقول: «والمهم من كل ما حكيته في هذا الفصل هو أن شعوري بدأ يكبر، وركبني بعض الغرور، وظننت فعلاً بأني أصبحت (1) سورة النساء 49-50. (2) ثم اهتديث ص23-24. عالماً، كيف لا وقد شهد لي بذلك علماء الأزهر الشريف، ومنهم من قال لي: يجب أن يكون مكانك هنا في الأزهر، ومما زادني فخراً واعتزازاً بالنفس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن لي في الدخول لرؤية مخلّفاته حسب ما ادعاه المسؤول عن مسجد سيدنا الحسين بالقاهرة...».(1) فهنيئاً للمؤلف بهذا الشرف، وهذه الكرامات التي أهلته بكل جدارة لاعتناق عقيدة الرافضة، والدخول مع زمرة ابن سبأ، وابن العلقمي، ونصير (الشرك) الطوسي، وابن مطهر والخميني وغيرهم. فنسأل الله بكرمه وجوده السلامة والعافية وحسن العاقبة، وأن يجنبنا والمسلمين طريق الضلال والغواية. ثالثاً: كذبه وتدليسه. هناك أمثلة كثيرة تدل على كذب المؤلف، وتدليسه، وتزويره في كتبه ومن ذلك: قوله في كتابه: (الشيعة هم أهل السنة): «وكما قدمنا فيما سبق بأن المتسمين بأهل السنة والجماعة هم القائلون بخلافة الخلفاء الراشدين الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، هذا ما يعرفة الناس اليوم، ولكن الحقيقة المؤلمة هي أن علي بن أبي طالب لم يكن معدوداً (1) ثم اهتديث ص24. عند أهل السنة من الخلفاء الراشدين، لا ولم يعترفوا حتى بشرعية خلافته، وإنما أُلحق علي بالخلفاء الثلاثة في زمن متأخر جداً، وذلك في سنة ثلاثين ومائتين للهجرة، في زمن أحمد بن حنبل. أما الصحابة من غير الشيعة، والخلفاء والملوك والأمراء الذين حكموا المسلمين من عهد أبي بكر وحتى عهد الخليفة العباسي محمد بن الرشيد المعتصم، لم يكونوا يعترفون بخلافة علي بن أبي طالب أبداً، بل منهم من كان يلعنه، ولا يعتبره حتى من المسلمين، وإلا كيف يجوز لهم سبه ولعنه على المنابر».(1) ويقول أيضاً: «ولكل ذلك قلنا بأن أهل السنة والجماعة، لم يقبلوا بخلافة علي إلا بعد زمن أحمد بن حنبل بكثير، صحيح أن أحمد بن حنبل هو أول من قال بها، ولكنه لم يقنع بها أهل الحديث، كما قدمنا، لاقتدائهم بعبد الله بن عمر».(2) فزعمه أن أهل السنة لم يعترفوا بخلافة علي ولا يرون شرعيتها إلا بعد زمن أحمد بن حنبل بكثير، وأن الصحابة على ذلك بل منهم من يكفر علياً، افتراء عظيم وكذب مشين على أهل السنة والجماعة، إذ أن محبة علي -t- وموالاته، واعتقاد صحة خلافته بعد الخلفاء (1) الشيعة هم أهل السنة ص45. (2) المرجع نفسه 48-49. الراشدين الثلاثة، الذين هو رابعهم، محل اتفاق بين أهل السنة على مختلف العصور والأمصار، من عصر الصحابة إلى اليوم، وقد بلغ من شهرة هذه المسألة وتواترها بين الخاصة والعامة من أهل السنة ما أصبحت به من الضروريات المسلمات عندهم، التي لا ينازع في تقريرهم لها إلاّ مفرط في الجهل أو مغرق في الإفك والكذب. ولذا فإن دعوى الرافضي فيها من أظهر الأدلة وأقوى الشواهد على شدة كذبه، وعظيم افترائه وإفكه. ومن أمثلة كذبه وتدليسه أيضاً قوله في كتابه (ثم اهتديت): «من الأحاديث التي أخذت بها فدفعتني للاقتداء بالإمام علي: تلك التي أخرجتها صحاح أهل السنة والجماعة، وأكدت صحتها، والشيعة عندهم أضعافها ولكن -وكالعادة- سوف لا أستدل ولا أعتمد إلا الأحاديث المتفق عليها من الفريقين».(1) ثم ذكر عدة أحاديث منها: - حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها). - حديث: (إن هذا أخى ووصيي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا. - حديث: (من سره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن (1) ثم اهتديت ص172. جنة عدن غرسها ربي فليوال علياً من بعدي، وليوال وليه...».(1) وهذا كذب وتدليس، فإن هذه الأحاديث المذكورة لم ترد في صحاح أهل السنة المعتمدة عندهم، ولم يحكموا بصحتها، بل حكموا ببطلانها ووضعها(2) وسيأتي الكلام في الرد على المؤلف في ذلك، وإنما أردت هنا بيان كذبه فيما ادعاه.(3) ومن صور كذبه أيضاً ما زعمه من اعتداء الجنود في المدينة المنورة على الحجاج بالضرب يقول: «زرت البقيع وكنت واقفاً أترحم على أرواح أهل البيت، وكان بالقرب مني شيخ طاعن في السن يبكي، وعرفت من بكائه أنه شيعي، واستقبل القبلة وبدأ يصلي، وإذا بالجندي يأتي إليه بسرعة، وكأنه كان يراقب حركاته وركله (1) ثم اهتديت ص172-176-191. (2) انظر: الموضوعات لابن الجوزي 1/357، والتذكرة في الأحاديث المشتهرة للزركشي ص163، والمقاصد الحسنة للسخاوي ص169، وكشف الخفاء للعجلوني 1/203، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 4/410، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية 7/299-354، والتلخيص للذهبي مع المستدرك للحاكم 3/139. (3) انظر: ص 513،551،589 من هذا الكتاب. بحذائه ركلة وهو في حالة سجود، فقلبه على ظهره وبقي المسكين فاقداً للوعي بضع دقائق، وانهال عليه الجندي ضرباً وسباً وشتماً، ورق قلبي لذلك الشيخ وظننت أنه مات، ودفعني فضولي، وأخذتني الحمية، وقلت للجندي: حرام عليك لماذا تضربه وهو يصلي؟ فانتهرني قائلاً:اسكت أنت ولاتتدخل حتى لا أصنع بك مثله...».(1) فلا يخفي ما في كلامه هذا من الكذب والافتراء، الذي يعلمه كل من زار هذه البلاد من المسلمين، حجاجاً، أو معتمرين، أو غيرهم من أصحاب الأعمال والحاجات، وما أكثرهم، حيث يُقدّرون في كل سنة بالملايين، وكلهم يشهد ويلمس ما يعيشه الحجاج والزائرون من أمن وأمان، وراحة بدنية ونفسية، عن طريق ما توفره الدولة السعودية السنية السلفية، من مرافق ومنشآت، ووسائل حديثة في مختلف المجالات، لخدمة الحجاج والزائرين، ثم تجنيد القوة البشرية في الدولة للسهر على تقديم كافة التسهيلات لهم، مع حسن المعاملة والرفق بهم، حتى أصبحت رحلة الحج والعمرة أشبه ما تكون بنزه سياحية لما يلاقيه الحجاج والمعتمرون، من راحة وطمأنينة، بفضل الله ثم بما تقدمه الدولة من خدمات. أما الرافضة فالكل يعلم أنهم أهل شغب وإثارة للفتن، خصوصاً (1) ثم اهتديت ص82-83. في مواسم الحج، ومع هذا فالدولة وفقها الله تدفع شرهم بأيسر السبل، وتقابل السيئة بالحسنة، مع حفظها ومحافظتها على أمن هذه البلاد الذي هو واجبها أمام الله ثم المسلمين. وهذا أمر لايخفى بحمد الله على كل مطلع على الأحداث، ويعلمه على وجه الخصوص ملايين الحجاج والمعتمرين، الذين يقصدون هذه البلاد في كل سنة. فعلى من يلبس هذا الأفاك الأثيم، صنيعة الرافضة ودسيستهم على المسلمين؟؟! رابعاً: تناقضه في كلامه. المؤلف متناقض في كلامه وأحكامه التي يقررها، فما يكاد يذكر مسألة ويقررها إلا وينقضها في موطن آخر، حتى أصبح هذا الأمر سمة بارزة في كتبه، ولا عجب فهذه من أبرز سمات أهل الأهواء والبدع، لأن أقوالهم وأحكامهم إنما تبنى على آراء الرجال وأهوائهم، يقول الله تعالى:{ولوكان من عندغير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}.(1) ومن هذه التناقضات: 1- قوله في كتابه الشيعة هم أهل السنة: «يكفينا على ذلك دليل واحد يعطينا الحجة البالغة، وكما قدمنا بأن أهل السنة والجماعة (1) النساء 82. لم يعرفوا إلا في القرن الثاني للهجرة كرد فعل على الشيعة الذين والوا أهل البيت وانقطعوا إليهم، فإننا لا نجد شيئاً في فقههم وعباداتهم، وكل معتقداتهم يرجعون فيه إلى السنة النبوية المروية عن أهل البيت».(1) يعارض هذا قوله في الكتاب نفسه: «وإذا شئنا التوسع في البحث لقلنا: بأن أهل السنة والجماعة هم الذين حاربوا أهل البيت النبوي، بقيادة الحكام الأمويين والعباسيين، ولذلك لو فتشت في عقائدهم وكتب الحديث عندهم فسوف لا تجد لفقه أهل البيت شيئاً عندهم يذكر، وسوف تجد كل فقههم وأحاديثهم منسوبة لأعداء أهل البيت».(2) ففي النص الأول يدعى أن كل معتقدات أهل السنة وفقههم ترجع إلى أهل البيت،وفي النص الثاني يناقض ذلك تماماً، ويزعم أن أهل السنة أخذوا كل معتقداتهم وفقههم من أعداء أهل البيت وليس لفقه أهل البيت عندهم أي ذكر. 2- قوله: «وتجدر الإشارة إلى أن الشيعة تقيدوا بمصادر التشريع من الكتاب والسنة، ولم يزيدوا عليها شيئاً، وذلك لوجود النصوص (1) الشيعة هم أهل السنة ص300. (2) المرجع نفسه ص295. الكافية عند أئمتهم لكل مسألة من المسائل التي يحتاج الناس إليها».(1) يعارضه قوله: «وبدأت سلسلة الفقهاء المجتهدين منذ ذلك العهد الى اليوم تتوالى بدون انقطاع، وفي كل عهد يبرز مرجع واحد أو عدة مراجع للشيعة، يقلدونهم في أعمالهم، حسب الرسائل العلمية التي يستنبطها كل مرجع من الكتاب والسنة، ولا يجتهد إلا في الأمور المستحدثة التي عرفها هذا القرن، بسبب التقدم العلمي والتكنولوجي».(2) ففي النص الأول:يثبت أن الشيعةتقيدوابنصوص الكتاب والسنة، ولم يزيدوا عليها، لوجود النصوص الكافية عندهم لكل مسألة. وفي النص الثاني: يقرر أن سلسلة الفقهاء المجتهدين من الشيعة تتوالى في كل عصر، وأنهم يستنبطون من النصوص ما يحتاجون إليه من الأحكام في المسائل المستحدثة. 3- قوله «أما الصحابة من غير الشيعة، والخلفاء، والملوك، والأمراء، الذين حكموا المسلمين من عهد أبي بكر، وحتى عهد الخليفة العباسي محمد بن الرشيد المعتصم، لم يكونوا يعترفون بخلافة (1) الشيعة هم أهل السنة ص138. (2) المرجع نفسه ص144. علي بن أبي طالب أبداً، بل منهم من كان يلعنه، ولا يعتبره حتى من المسلمين».(1) وقوله: «ولكل ذلك قلنا بأن أهل السنة والجماعة لم يقبلوا بخلافة علي إلا بعد زمن أحمد بن حنبل بكثير».(2) ونصوص أخرى كثيرة في هذا المعنى.(3) ثم يعارض هذا كله بقوله: «أما خلافة علي فكانت ببيعة المهاجرين والأنصار له، بدون فرض ولا إكراه وكُتب ببيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلهم إلا معاوية من الشام».(4) وبقوله: «وهل من سائل يسأل ابن عمر ومن يقول بمقالته من أهل السنة والجماعة، متى حصل الإجماع على خليفة في التاريخ كالذي حصل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟».(5) وكذلك قوله في حق ابن عمر رضي الله عنهما: «نراه يمتنع عن بيعة علي التي أجمع عليها المسلمون».(6) (1) الشيعة هم أهل السنة ص45. (2) المرجع نفسه ص48. (3) انظر الشيعة هم أهل السنة ص24-49-152-229-230. (4) الشيعة هم أهل السنة ص232. (5) المرجع نفسه ص231. (6) المرجع نفسه ص232. ونحن لا نعلم أي أقواله نصدق: دعواه بأن أهل السنة لم يعترفوا بخلافة علي حتى زمن أحمد بن حنبل؟! أم القول بأنهم أجمعوا على خلافته وأذعنوا لها من أول يوم بدون فرض ولا إكراه؟! 4- قوله: «وفي هذا الصدد سجل لنا التاريخ أن الإمام علياً هو أعلم الصحابةعلى الإطلاق،وكانوايرجعون إليه في أمهات المسائل. ولم نعلم أنه رجع إلى واحد منهم قط.فهذا أبوبكر يقول:(لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن)، وهذا عمر يقول: (لولا علي لهلك عمر».(1) وهذا يتعارض تماماً مع قوله: «إنهم أبعدوا علي بن أبي طالب فنبذوه وتركوه حبيس داره، ولم يشركوه في شئ من أمرهم طيلة ربع قرن، ليذلوه ويحقروه، ويبعدوا الناس عنه... وفعلاً فقد بقى علي سلام الله عليه على تلك الحالة مدة خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان رهين البيت، يعمل الجميع على تحقيره، وإطفاء نوره، وإخفاء فضائله ومناقبه».(2) 5- قوله: «وهذا لم يعجب قريش فثارت ثائرتها بعد وفاة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحاولت القضاء على عترته كلها، فأحاطوا بيت فاطمة بالحطب ولولا استسلام علي وتضحيته بحقه في الخلافة، ومسالمته لهم، لقضى (1) ثم اهتديت ص173. (2) فسألوا أهل الذكر ص252. عليهم، وانتهى أمر الإسلام من ذلك اليوم».(1) وهذا الكلام يعارضه بالكلية وينقضه من أساسه في جواب سؤال زعم أنه ورد عليه وهو: هل رضي الإمام علي بالأمر الواقع، وبايع الجماعة؟ فيجيب قائلاً: «لا لم يرض الإمام علي بالأمر الواقع، ولم يسكت، بل احتج عليهم بكل شيء، ولم يقبل أن يبايعهم رغم التهديد والوعيد... فعلي لم يسكت، وبقي طيلة حياته كلما وجد فرصة إلا وآثار مظلمته، واغتصاب حقه، ويكفي دليلاً على ذلك ما قاله في خطبته المعروفة بالشقشقية».(2) 6- قوله: «وقد اتفق المسلمون بلا خلاف: على مودة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، واختلفوا في غيرهم».(3) يعارض هذا قوله ضمن حديثه عن أهل البيت:«ولذلك فإنك لاترى لهم وجوداً عند أهل السنة والجماعة، ولا يوجد في قائمة أئمتهم وخلفائهم الذين يقتدون بهم واحد من أئمة أهل البيت عليهم السلام».(4) (1) الشيعة هم أهل السنة ص110-111. (2) فسألوا أهل الذكر ص250-251. (3) فسألو أهل الذكر ص164. (4) الشيعة هم أهل السنة ص238. 7- قوله: «أضف إلى ذلك أن الإمام علياً عندما تولى الخلافة بادر بإرجاع الناس إلى السنة النبوية. وأول شئ فعله هو توزيع بيت المال...».(1) وقوله: «ويكفي علي بن أبي طالب أن يعود بالناس إلى السنة النبوية، حتى يثور عليه الصحابة، الذين أُعجبوا بما ابتدعه عمر».(2) وقوله: «إن أمير المؤمنين علياً لم يجبر الناس على البيعة بالقوة والإكراه، كما فعل الخلفاء من قبله، ولكنه تقيد -سلام الله عليه- بأحكام القرآن والسنة ولم يغير ولم يبدل».(3) وهذا كله تعارضه أقوال له آخرى كقوله: «وإذا كان علي بن أبي طالب عليه السلام هو المعارض الوحيد، الذي حاول كل جهوده في أيام خلافته، إرجاع الناس للسنة النبوية بأقواله وأفعاله وقضائه، ولكن بدون جدوى، لأنهم شغلوه بالحروب الطاحنة...».(4) وقوله: «وهذه كتبهم وصحاحهم تشهد على صدق ما ذهبنا إليه، من أنه -سلام الله عليه- قد حاول بكل جهوده إحياء السنة النبوية، وإرجاع الناس إلى أحضانها، ولكن لا رأي لمن لا يطاع. كما قال (1) الشيعة هم أهل السنة ص 189. (2) المرجع نفسه ص190. (3) المرجع نفسه ص198. (4) المرجع نفسه ص260. هو بنفسه».(1) وقوله أيضاً: «وقضى خلافته في حروب دامية، فرضت عليه فرضاً، من الناكثين، والقاسطين، والمارقين، ولم يخرج منها إلا باستشهاده سلام الله عليه وهو يتحسر على أمة محمد».(2) فهذه أمثلة لما جاء في كتبه من تناقضات وتعارضات، ولو أردت الاسترسال في ذكر ما وقع فيه المؤلف من هذه التناقضات لذكرت الكثير منها، إذ أن كتبه مليئة بذلك، غير أني أكتفي بما تقدم، حرصاً على عدم الإطالة ولتحقق المقصود بما ذكر حيث تبين من خلال هذا العرض تناقض الرجل واضطرابه، وشكه وارتيابه، مما يسقط الثقة بنقله، أو الاعتداد بحكمه. خامساً: اتباعه الهوى والظن في أحكامه: المؤلف لا يبني أحكامه وما يقرره من مسائل على منهج صحيح، كالاستدلال بالنصوص، والاستعانة بكلام أهل العلم في بحث المسائل وتحقيقها. وإنما له طريقة غريبة في ذلك، وهي تأصيل المسائل وتقريرها بمجرد الهوى والظن، بل امتدت طريقته هذه لتشمل الأحاديث النبوية (1) الشيعة هم أهل السنة ص182. (2) لأكون مع الصادقين ص81. والروايات التاريخية التي ينفيها أو يقررها بغلبة الظن والهوى والرأي المجرد الذي لايستند لمبرر معقول، أو نقل مقبول، وهذه الطريقة سائدة في كتبه، وإنما أذكر لها أمثله. فمن ذلك: قوله في كتابه فسألوا أهل الذكر: «إن أولئك الذين حكموا المسلمين في عهد الدولة الأموية وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، لم يعتقدوا يوماً من الأيام بأن محمداً بن عبدالله هو مبعوث برسالة من عند الله، و هو نبي الله حقاً، وأغلب الظن أنهم كانوا يعتقدون بأنه كان ساحراً».(1) فهذا حكم خطير على حكام المسلمين الذين جاءوا بعد عهد الخلفاء الراشدين واستغرق حكمهم جل قرن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو خير القرون والثلث الأول من القرن المفضل الثاني وحصل في عهدهم من الفتوح وعز الإسلام والمسلمين، والقيام بالسنة ونصرة أهلها ما دل على صدق إيمانهم وتدينهم، واشتهر من أخبارهم في العدل والتقوى والصلاح بين الأمة خاصها وعامها، على مر العصور، وكرّ الدهور ما بلغ حد التواتر، خصوصاً ما ثبت من ذلك في حق الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان والتابعي الكبير عمر بن عبدالعزيز -رضي الله عنهما-حتى إذا ما جاء هذا الأفاك الأثيم في هذا العصر المتأخر، (1) فسألوا أهل الذكر ص41. أطلق هذا الحكم الجريء، بأن هؤلاء الحكام لم يصدقوا يوماً ببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعتقدوا صدق رسالته، حكماً مجرداً من أي دليل ولا يعتضد لأي نقل وإن كان زوراً وبهتاناً. بل لم يكتف بهذا حتى أعقب هذا الحكم بحكم آخر مصرحاً أن مستنده فيه غلبه الظن حيث يقول: وأغلب الظن أنهم يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ساحراً... هكذا يصدر هذا المجرم الأحكام في حق خيار الأمة، ومستنده فيها غلبة الظن عنده فعليه من الله ما يستحق. ونظير هذا قوله: «وأغلب الظن أن القائلين بمبدأ الشورى في الخلافة، ومؤسسي هذه النظرية، هم الذين صرفوا نزولها عن حقيقتها يوم غدير خم».(1) وقوله عن عبدالرحمن بن عوف: «وأغلب الظن أنه اشترط على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بأن يحكم فيهم بكتاب الله وسنة الشيخين فرفض علي هذا العرض...».(2) وقوله أيضاً: «ولذلك أعتقد شخصياً بأن بعض الصحابة نسب النهي عن المتعة وتحريمها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتبرير موقف عمر بن الخطاب وتصويب رأيه».(3) (1) لأكون مع الصادقين ص71. (2) الشيعة هم أهل السنة 179. (3) لأكون مع الصادقين ص195. وفي مقابل هذا الطعن والتهم الباطلة في حق أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخيار سلف الأمة من أئمة المسلمين وعلمائهم، القائمة على الهوى والظن، والمجردة من أي دليل، نجده في الوقت نفسه يمجد الرافضة، ويعظمهم ويثني على دينهم. فيقول ضمن حديثه عن زيارته للعراق، ورؤيته للرافضة وهم يطوفون بالقبور ويتمسحون بها: «كنت أنظر إلى الشيوخ الطاعنين في السن، وعلى رؤوسهم عمائم بيض وسود، وفي جباههم آثار السجود، وزاد في هيبتهم تلك اللحى التي أعفوها، وتنطلق منها روائح طيبة ،ولهم نظرات حادة مهيبة، وما أن يدخل الواحد منهم حتى يجهش بالبكاء، وتساءلت في داخلي أيمكن أن تكون هذه الدموع كاذبة؟؟ أيمكن أن يكون هؤلاء الطاعنون في السن مخطئين؟؟».(1) ويقول في موطن آخر: «بل قد استهوتني عباداتهم، وصلاتهم ودعاؤهم،وأخلاقهم،واحترامهم لعلمائهم،حتىتمنيت أن أكون مثلهم».(2) أماطريقته في الحكم على الأحاديث من حيث الصحة والضعف، فله في ذلك طريقة غريبة لا أظن أن أحداً سبقه إليها، حتى من أصحاب المنهج العقلي: الذين يخضعون الآحاديث لعقولهم فما وافقها أخذوا به، وما خالفها ضعفوه وتركوه، وأما هذا الرجل فإنه يخضع (1) ثم اهتديت ص36-37. (2) المرجع نفسه ص43. الآحاديث لهواه، فتراه يصحح ويضعّف ويحذف ويزيد في الآحاديث، بل قد يصحح جزءاً من الحديث، ويضعف الجزء الآخر، كل ذلك بمجردالهوى والظن غير مستدل لكلامه ولا موثق لأحكامه،ومن ذلك: إيراده الحديث الذي رواه مسلم من حديث ابن عمر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بيت عائشة فقال: (رأس الكفر من هنا من حيث يطلع قرن الشيطان، يعني المشرق).(1) قال بعد إيراده هذا الحديث وقد حذف منه العبارة الأخيرة -يعني المشرق-:«ولاعبرة بالزيادة التي أضافوها بقولهم: يعني المشرق، فهي واضحة الوضع ليخففوا بها عن أم المؤمنين، ويبعدوا هذه التهمة عنها».(2) ومن الأحاديث التي طعن فيها، الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (حججنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية فأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها مايريد الرجل من أهله فقلت يارسول الله إنها حائض).(3) (1) رواه مسلم (كتاب الفتن... باب الفتنة من المشرق...) 4/2228 ح2905. (2) فسألوا أهل الذكر ص105. (3) رواه البخاري في كتاب الحج (باب الزيادة يوم النحر) 3/567، ح1733. قال: حسبه الله: «عجباً لهذا النبي الذي يحب مجامعة زوجه، على مشهد وعلم من زوجته الآخرى، فتعلمه بأنها حائض، بينما لا تعلم المعنية بالأمر من ذاك شيئاً».(1) وبهذا الأسلوب نفسه يطعن في حديث عائشة وعثمان الذي رواه مسلم في صحيحه: (أن أبا بكر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال: لعائشة اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت...)(2) الحديث. قال بعد إيراده الحديث متهكما غامزاً الحديث بالوضع:«أي نبي هذا الذي يستقبل أصحابه وهو مضطجع في مرط زوجته على فراشه، وبجانبه زوجته في لباس مبتذل، حتى إذا جاء عثمان جلس، وأمر زوجته بأن تجمع عليها ثيابها»(3)- على هذا المفترى من الله مايستحق-. (1) فسألوا أهل الذكر ص266. (2) صحيح مسلم (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عثمان بن عفان -t-) 4/1866، ح2402. (3) فسألوا أهل الذكر ص267. وكلامه عن هذين الحديثين وعن أحاديث أخرى تتعلق بشخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعرضت عن نقل كلامه فيها لبشاعته-مع مافيه من تكذيب بالأحاديث الصحيحة واتهام للصحابة بوضعها فإن فيه طعناً في ذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونيلاً من مقامه الشريف، وأخلاقة السامية الرفيعة، وتعريضاً بزوجاته الطاهرات العفيفات، وهذا كفر صريح بإجماع المسلمين. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- اجماع العلماء على كفر من سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عابه، أو تنقّصه، ونقل عباراتهم في ذلك. قال الإمام أحمد: (كل من شتم النبي عليه الصلاة والسلام، أو تنقّصه، مسلماً كان أو كافراً، فعليه القتل. وأرى أن يقتل ولا يستتاب). وقال ابن القاسم عن مالك: (من سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قُتل ولم يستتب)، قال ابن القاسم: (أو شتمه، أو عابه، أو تنقّصه، فإنه يقتل كالزنديق. وقد فرض الله توقيره). وروى ابن وهب عن مالك من (قال: إن رداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم -ورُوي بُرْده- وسخ وأراد به عيبه قتل). وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه أو برئ منه، أو كذبه: إنه مرتد. وكذلك قال أصحاب الشافعي: كل من تعرض لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما فيه استهانة فهو كالسب الصريح فإن الاستهانة بالنبي كفر. قال شيخ الإسلام بعد ذكره هذه النقول: «فقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقص له كفر مبيح للدم وهم في استتابته على ما تقدم من الخلاف، ولا فرق في ذلك بين أن يقصد عيبه، لكن المقصود شئ آخر حصل السبُّ تبعاً له، أو لا يقصد شيئاً من ذلك بل يهزل ويمزح أو يفعل غير ذلك».(1) (1) الصارم المسلول ص527، وانظر: في النقول قبله ص525-527، من الكتاب نفسه. كما نقل الاجماع على ذلك أيضاً القاضي عياض قال: «جميع من سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو عابه، أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصله من خصاله، أو عرّضَ به، أو شبهه بشيء على طريق السب له، والإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أوالغضّ منه والعيب له فهو ساب له. والحكم فيه حكم الساب يقتل، ولا نستثنى فصلاً من فصول هذا الباب عن هذا المقصد، ولا نمتري فيه، تصريحاً كان أو تلويحاً. وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له، أونسب إليه مالا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر، ومنكر من القول وزور، أو عيّره بشئ مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه. وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابه رضوان الله عليهم إلى هلمّ جرا».(1) سادساً: مخالفة المؤلف لأصول التأليف التي درج عليها أهله: لم يلتزم المؤلف في كتبه بالمنهج العلمي المتعارف عليه بين الباحثين والمؤلفين، لا من حيث الطريقة في عرض المسائل وترتيبها، ولامن حيث توثيق المعلومات من مصادرها. كما أنه لم يلتزم التحقيق (1) الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم 2/932. العلمي الصحيح المبني على الاستدلال لما يعرضه من مسائل وموضوعات بل جاءت كتبه خالية من كل ذلك. أما طريقته في عرض المسائل فإنه لم يلتزم منهجاً واضحاً في عرضها، كتقسيم مسائل البحث على مباحث تجمعها فصول أو أبواب متناسبة -كما هو معروف في مناهج البحث الحديثة-(1) أو الأخذ بطريقة المتقدمين القائمة على عرض المسائل تحت فصول أو أبواب مستقلة مع الدقة في العرض والترتيب، بل كانت طريقته قائمة على وضعه عناوين لا ارتباط لها بما قبلها أو بعدها من عناوين آخرى، هذا مع تكراره للعناوين في الموضوع الواحد في أكثر من موطن في كتاب واحد، مما جعل كتبه أشبه ما تكون بمقالات صُحُفِيه جمعت من غير تهذيب ولا ترتيب. فمن الأمثلة لعدم ترابط الموضوعات وترتيبها ترتيباً موضوعياً حديثه في كتابه (لأكون مع الصادقين) عن مسألة الشورى تحت عنوان: (تعليق على الشورى) وهذا العنوان يشعر بأنه سبق أن بحث المسألة، وإنما جاء دور التعليق عليها، في حين أن هذا لم يحصل، وإنما جاء هذا العنوان بعد مبحث بعنوان: (شواهد آخرى على ولاية علي) (1) يستثنى من هذا طريقته في كتابه فسألوا أهل الذكر، حيث قسمه إلى فصول وإن كان لم يلتزم منهجاً علمياً في عرض المسائل تحتها كعادته في سائركتبه. ثم ما يلبث أن يضع عنواناً آخر بعد التعليق على الشورى فيقول: (الاختلاف في الثقلين). وبعد هذا بمبحث يعقد عنواناً جديداً بعنوان: (اختلاف المذاهب السنية في السنة النبوية) ثم ينتقل لموضوع جديد بعد هذا بمبحث فيقول: (القضاء والقدر عند أهل السنة) وبعده بمبحثين -يبحث مسألة الخمس ثم التقليد(1)، وهكذا فالمؤلف لا يسير في بحثه على منهج علمي، وإنما يعقد عناوين مختلفة في موضوعاتها، ثم يتحدث تحتها بما لا يتجاوز ثلاث إلى أربع صفحات في الغالب كلاماً مجرداً من أي تحقيق علمي، ثم ما يلبث أن ينتقل إلى موضوع آخر بالطريقة نفسها. وزيادة في التمثيل على ماتقدم، أنقل جملة من بعض عناوين كتابه: (الشيعة هم أهل السنة) التي جاءت متتابعة مع اختلاف موضوعاتها. وهي بحسب ترتيبها: (التقليد والمرجعية عند أهل السنة)، (الخلفاء الراشدون عند الشيعة)، (الخلفاء الراشدون عند أهل السنة)، (النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يقبل تشريع أهل السنة والجماعة)، (تنبيه لابد منه)، (عداوة أهل السنة لأهل البيت تكشف عن هويتهم). (1) انظر:هذه المباحث من ص111 إلى ص154من كتابه لأكون مع الصادقين. وهذه العناوين تحدث عنها كلها في ثلاث عشرة صفحة فقط دون ربط لموضوعاتها.(1) ومن الأمثلة أيضاً لذلك: عقده هذه العناوين بهذا الترتيب (فصل الخطاب في تقييم الأصحاب)، (مخالفة أهل السنة والجماعة للسنن النبوية)، (نظام الحكم في الإسلام)، (القول بعدالة الصحابة يخالف صريح السنة).(2) ومع هذا الاضطراب الكبير في عرض المسائل فليت أن المؤلف اقتصر في بحث كل مسألة على موطن واحد، بل نجد أنه يعرض المسألة في أكثر من موطن، من كل كتاب من كتبه في تكرار ممل للنفوس وحشو للكلام بما لا طائل تحته. مثل بحثه لمسألة موقف أهل السنة من السنة النبوية ودعواه مخالفتهم لها بحثها في أكثر من موضع من كتابه: (الشيعة هم السنة). الأول: في ص29 تحت عنوان: (في مخالفتهم للسنة). الثاني: في ص45 تحت عنوان: (أهل السنة لا يعرفون السنة النبوية). الثالث: في ص52 تحت عنوان: (أهل السنة ومحق السنة). (1) انظر: الشيعة هم أهل السنة ص146-159. (2) انظر: المرجع السابق ص280-292. الرابع: في ص287 تحت عنوان: (مخالفة أهل السنة والجماعة للسنن النبوية). الخامس: في ص 295 تحت عنوان: (النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر المسلمين بالاقتداء بعترته وأهل السنة يخالفونه). ومثل مسألة التعريف بأهل السنة، بحثها في موطنين من كتاب الشيعة هم أهل السنة: الأول: في ص75 تحت عنوان: (التعريف بأئمة أهل السنة). الثاني: في ص170 تحت عنوان: (أئمة أهل السنة وأقطابهم). وكذلك مسألة موقف أهل السنة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحثها في موطنين متباعدين من الكتاب نفسه: الأول: ص164 تحت عنوان: (تحريف أهل السنة والجماعة كيفية الصلاة على محمد وآله). والثاني: ص303 تحت عنوان: (أهل السنة والصلاة البتراء). وهذه أمثلة من كتاب واحد فقط، وأما بالنظر إلى مجموع كتبه فحدث ولا حرج. وأما عدم توثيقه للمعلومات من مصادرها، فهذا ظاهر لكل من اطلع على كتبه، بل هو الغالب عليها وسأكتفي هنا بذكر أمثلة فقط. فمن ذلك إيراده بعض الأحاديث المنكرة والموضوعة، وادعاؤه صحتها مع عدم عزوه إلى مصادرها من كتب السنة مثل: حديث: (كم قارئ للقرآن والقرآن يلعنه).(1) حديث: (اختلاف أمتي رحمة).(2) حديث: (علي قائد البررة وقاتل الكفرة).(3) حديث: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم).(4) حديث: (علي مني بمنزلتي من ربي).(5) حديث: (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة).(6) حديث: (الغيرة للرجل إيمان وللمرأة كفر).(7) وكذلك نسبته بعض الأقوال والأفعال للصحابة مما لا تليق بمكانتهم من غير الإحالة على مصدر كنسبته لعائشة-رضي الله عنها- أنها منعت من دفن فاطمة -رضي الله عنها- بجوار أبيها. ومنعت الحسين بعد ذلك من دفن الحسن بجوار جده صلى الله عليه وآله وسلم. وأنها ركبت بغلة وخرجت تنادي (1) ثم اهتديت ص180. (2) لأكون مع الصادقين ص20-126. (3) المرجع نفسه ص45. (4) المرجع نفسه ص16. (5) المرجع نفسه ص162. (6) المرجع نفسه ص193. (7) فسألوا أهل الذكر ص80. وتقول: (لا تدفنوا في بيتي من لا أحب).(1) وزعمه أن الحسين -t- طاف بأخيه الحسن -t- بعد موته على قبر جده.(2) وكذلك رميه عموم الصحابة بالتهم العظيمة والجرائم الشنيعة حيث يقول: «ويذكر المؤرخون أشياء عجيبة وغريبة، وقعت في تلك الأيام، من أولئك الصحابة الذين أصبحوا فيما بعد خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأمراء المؤمنين. كحملهم الناس على البيعة، بالضرب، والتهديد، بالقوة. وكالهجوم على بيت فاطمة، وكشف وعصر بطنها بالباب الذي كانت وراءه، حتى أسقطت جنينها. وإخراج علي مكتفاً، وتهديده بالقتل إن رفض البيعة. وغصب الزهراء حقوقها، من النحلة، والإرث، وسهم ذوي القربى، حتى ماتت غاضبة عليهم، وهي تدعو عليهم في كل صلاة. وكهتكهم للمحارم، وتعدي حدود الله في قتل الأبرياء من المسلمين، والدخول بنسائهم من غير احترام للعدة. وكتغييرهم أحكام الله ورسوله المبينة في الكتاب والسنة، وإبدالها بأحكام اجتهادية تخدم مصالحهم الشخصية. (1) ثم اهتديت ص165. (2) المرجع نفسه ص166. وكنفي أبي ذر وطرده من مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكسب ولعن أهل البيت، الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً...».(1) إلى غير ذلك من التهم الملفقة، التي لم يقدم عليها دليلاً، أويسندها لمصدر موثوق. وأما عدم تحقيقه للمسائل تحقيقاً علمياً صحيحاً، وبناؤه الأحكام على آرائه الشخصية المجردة من كل دليل، فهذا كثير في كتبه ومن أمثلة ذلك: قوله في كتاب ثم أهتديت: «ولما استشهد الإمام علي، واستولى معاوية على الحكم بعد الصلح الذي أبرمه مع الإمام الحسن، وأصبح معاوية هو أمير المؤمنين، سمي ذلك العام (عام الجماعة) إذاً فتسمية أهل السنة والجماعة، دالة على اتباع سنة معاوية والاجتماع عليه، وليست تعني اتباع سنة رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم».(2) وقوله: «وبمجرد اطلاعك على عقيدة الشيعة الإمامية في هذا الصدد يرتاح ضميرك، ويسلم عقلك بقبول تأويل الآيات القرآنية، التي فيها تجسيم أو تشبيه لله تعالى، وحملها على المجاز والاستعارة، لاعلى الحقيقة (1) فسألوا أهل الذكر 159-160. (2) ثم اهتديت ص203. ولاعلى ظواهر الألفاظ كما توهمه البعض».(1) ويقول: «والمهم أن تعرف لماذا غير عمر رأيه في البيعة؟ أكاد اعتقد بأنه سمع بأن بعض الصحابة يريد بيعة علي بن أبي طالب بعد موت عمر، وهذا مالا يرضاه عمر أبداً».(2) ويقول منتقداً مقدار ما يُخْرج من المال للزكاة في الشرع، وأخذ الجزية من الكفار راداً بذلك على الله في حكمه وشرعه: «فلا يمكن لدولة الإسلام أن تعتمد على ما يخرجه أهل السنة والجماعة من الزكاة، وهي تمثل في أحسن الأحوال اثنين ونصف بالمائة، وهي نسبة ضعيفة لا تقوم بحاجة الدولة من إعداد القوة، ومن بناء المدارس والمستشفيات، وتعبيد الطرقات، فضلاً عن أن تضمن لكل فرد دخلاً يكفي معاشه ويضمن حياته، كما لا يمكن لدولة الإسلام أن تعتمد على الحروب الدامية، وقتال الناس لتضمن بقاءها، وتطوّر مؤسساتها على حساب المقتولين الذين لم يرغبوا في الإسلام».(3) فهذه نماذج لبعض المسائل والأحكام، التي يقررها المؤلف من غير تحقيق علمي يستند لدليل شرعي، أو لقول أحد من العلماء، وإنما يبني (1) لأكون مع الصادقين ص27. (2) المرجع نفسه ص88. (3) المرجع نفسه ص152. تلك الأحكام على اعتقاداته الشخصية، وآرائه الضالة المنحرفة، فيكذب بالنصوص، ويرد أحكام الله، ويقرر أحداثاً تأريخية بظنون كاذبة، وهوى دفين في النفس، يحمله على كل ذلك حقده العظيم على سلف الأمة وخيارها وحبه وانتصاره للرافضة وعقيدتها، فعليه من الله ما يستحق. سابعاً: مخالفة المؤلف للمنهج الذي ألزم به نفسه: المؤلف لم يخالف أصول التأليف وقواعده المتعارف عليها عند أهل العلم فحسب، بل خالف حتى المنهج الذي ألزم به نفسه في كتبه. وسأبين فيما يلي بعض القواعد والأصول، التي وعد المؤلف أن يلتزمها في كتبه وبحثه للمسائل، ثم مخالفته لها بعد ذلك، مستدلاً على كل ذلك بنماذج من كلامه: 1- وعده بتجرده من العاطفة، والهوى، والتعصب، والتزامه الإنصاف والتجرد والعدل. يقول في كتابه ثم اهتديت: «وقد عاهدت ربي -إن هداني- أن أتجرد من العاطفة لأكون حيادياً موضوعياً ولأسمع القول من الطرفين فأتبع أحسنه».(1) (1) ثم اهتديت ص92. ويقول في الكتاب نفسه: «وقد عاهدت ربي أن أكون منصفاً فلا أتعصب لمذهبي، ولا أقيم وزناً لغير الحق».(1) ويقول في كتابه فسألوا أهل الذكر: «فعلى الباحث هنا أن يتقي الله في بحثه، ولا تأخذه العاطفة فيميل عن الحق، ويتبع الهوى، فيضل عن سبيل الله، إنما واجبه أن يخضع للحق، ولو كان الحق مع غيره، ويحرر نفسه من الرواسب، والعواطف، والأنانية».(2) هذا ما ذكره المؤلف عن منهجه في البحث، فهل التزم بهذا؟ إليك أيها القارئ الإجابة على هذا من كلامه: يقول مثنياً على الرافضة: «بل قد استهوتني عباداتهم، وصلاتهم ودعاؤهم، وأخلاقهم، واحترامهم لعلمائهم، حتىتمنيت أن أكون منهم».(3) ويقول: «ثم قرأت كتاب المراجعات للسيد شرف الدين الموسوي، وما إن قرأت فيه بضع صفحات، حتى استهواني الكتاب، وشدنى إليه شداً، فكنت لا أتركه إلا غصباً وكنت أحمله في بعض الأحيان إلى المعهد».(4) (1) المرجع نفسه ص101. (2) فسألوا أهل الذكر ص36. (3) ثم اهتديت ص43. (4) المرجع نفسه ص87. ويقول ولست أدري كيف أقنع نفسي، أو غيري، بآراء أهل السنة التي اعتمدت على ما أظن: أقوال الحكام من بني أمية».(1) ويقول: «ولذلك اعتقد شخصياً: بأن بعض الصحابة نسب النهي عن المتعة وتحريمها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لتبرير موقف عمر بن الخطاب وتصويب رأيه».(2) ويقول: «ويدفعني هذا الاحتمال: بأن عمر بن الخطاب هو الذي أثار بقية الحاضرين، ودفعهم إلى التردد والتخلف عن أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم».(3) فهذه أمثلة لما جاء في كلام المؤلف من اتباعه الهوى في أحكامه. ولك أن تتأمل أيها القارئ عباراته المتقدمة التي صدّر بها أحكامه كقوله: (استهوتني) و(استهواني) (على ما أظن) (اعتقد شخصياً) (دفعني الاحتمال) .... لتعلم مدى التزامه بما وعد به من التجرد من العاطفة والهوى. وأما ماوعد به من نبذ التعصب والتزامه الإنصاف والحيادية، فيكذّب ذلك تعصبه الشديد للرافضة ولعقيدتهم الفاسدة، وثناؤه (1) لأكون مع الصادقين ص150. (2) المرجع نفسه ص195. (3) ثم اهتديت ص95. عليهم، وعلى عقيدتهم، في مقابل طعنه في أهل السنة وعقيدتهم وأئمتهم. يقول معبراً عن رأيه في الخلافة عند أهل السنة: «أما الخلافة عند أهل السنة والجماعة، فهي بالاختيار والشورى، وبذلك فتحوا الباب الذي لا يمكن غلقه على أي واحد من الأمة، وأطمعوا فيها كل قاص ودان، وكل غث وسمين، وحتى تحولت من قريش إلى الموالي والعبيد، وإلى الفرس والمماليك، وإلى الأتراك والمغول».(1) ويقول عن عقيدة الشيعة في الخلافة: «فما أعظم عقيدة الشيعة في القول بأن الخلافة أصل من أصول الدين، وما أعظم قولهم بأن هذا منصب هو باختيار الله سبحانه، فهو قول سديد ورأي رشيد، يقبله العقل ويرتاح إليه الضمير، وتؤيده النصوص من القرآن والسنة، ويرغم أنوف الجبابرة المتسلطين، والملوك والسلاطين، ويفيض على المجتمع السكينة والاستقرار».(2) ويقول ضمن حديثه عن عقيدة تحريف القرآن عند الرافضة: «وما ينسب إلى الشيعة من القول بالتحريف، هو مجرد تشنيع وتهويل، وليس له في معتقدات الشيعة وجود، وإذا ما قرأنا عقيدة الشيعة في (1) لأكون مع الصادقين ص112. (2) المرجع نفسه ص114. القرآن الكريم، فسوف نجد إجماعهم على تنزيه كتاب الله من كل تحريف... [إلى أن قال]: ... إن هذه التهمة (نقص القرآن والزيادة فيه) هي أقرب لأهل السنة منها إلى الشيعة، وذلك من الدواعي التي دعتني إلى أن أراجع كل معتقداتي، لأني كلما حاولت انتقاد الشيعة في شئ، والاستنكارعليهم، إلا وأثبتوا براءتهم منه وإلصاقه بي، وعرفت أنهم يقولون صدقاً. وعلى مر الأيام، ومن خلال البحث اقتنعت والحمد لله».(1) ويقول مثنياً على عقيدة الرافضة، ومصرحاً باعتناقه لها مع تبرئه من الصحابة وولايتهم واتهامه لهم بالردة: «وقرأت الكثير حتى اقتنعت بأن الشيعة الإمامية على حق، فتشيعت وركبت على بركة الله سفينة أهل البيت، وتمسكت بحبل ولائهم، لأني وجدت بحمد الله البديل عن بعض الصحابة، الذين ثبت عندي أنهم ارتدوا على أعقابهم، ولم ينج منهم إلا القليل، وأبدلتهم بأئمة أهل البيت النبوي، الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً...».(2) فهذه نماذج من أقوال المؤلف، الدالة على بعده عن العدل (1) المرجع نفسه ص200-202. (2) ثم اهتديت ص156. والإنصاف في أحكامه، بل ظلمه وكذبه في أقواله. وذلك بثنائه على بعض عقائد الرافضة وتصحيحها، وتخطئة أهل السنة فيما عندهم من الحق، كحديثه عن الخلافة وموقف الفريقين منها. أو إنكاره أن تكون بعض عقائد الرافضة الشنيعة من عقائدهم، كزعمه براءتهم من عقيدة التحريف، المشتهرة في كتبهم القديمة والحديثة، والمجمع عليها بين علمائهم، ونسبة تلك العقيدة لأهل السنة، ظلماً،وزوراً، وبهتاناً. ثم تصريحه باعتناقه عقيدة الرافضة وبراءته من عقيدة أهل السنة، ومن الصحابة، ورميه لهم بالردة، مدعياً أنه توصل لذلك، بعد بحث ودراسة، ليلبس بذلك على أهل الجهل والغفلة، ودعوتهم لعقيدة الرافضة المقيتة. ممايدل على عدم حياديته وإنصافه كمازعم. بل هو رافضي يدعو لما هو عليه من كفر وضلال،كغيره من زنادقة الرافضة. 2- زعمه أن ما في كتبه لا يخرج عن الحق، وأنه لا يذكر من المسائل إلا ما اتفق عليه السنة والشيعة. يقول: «فكتابي الأول والثاني يحملان عناوين من القرآن الكريم، وهو أصدق الكلام وأحسنه، وكل ما جمعته في الكتابين إن لم يكن الحق، فهو أقرب ما يكون إليه، لأنه مما اتفق عليه المسلمون: سنة، وشيعة، وما ثبت عند الفريقين أنه صحيح».(1) (1) لأكون مع الصادقين ص7-8. ويقول: «ولكن ما اتفق عليه أهل السنة والشيعة فهو صحيح، لانه ثبتت صحته عند الطرفين، ونلزمهم به كما ألزموا أنفسهم، وما اختلفوا فيه حتى لو كان صحيحاً عند أحدهم فلا يلزم الطرف الثاني بقبوله، كما لا يلزم الباحث الحيادي قبوله والاحتجاج به».(1) فدعواه أن ما في كتبه إن لم يكن الحق فهو أقرب ما يكون إليه، دعوى باطلة مجردة من أي دليل، وما من مبتدع إلا وهو يدعي هذا، والحق الذي لا مرية فيه، أن كتبه أبعد ما تكون عن الحق، ويكفي على ذلك دليلاً أنه إنما ألّفها للانتصار والدعوة لعقيدة الرافضة التي هي أغرق عقائد الفرق في الكفر والضلال، وأبعدها عن حقائق الإيمان ..هذا من حيث الإجمال وسيأتي بيان ذلك مفصلاً عند الرد عليه إن شاء الله تعالى. وأما زعمه أنه لا يذكر من المسائل إلا مااتفق عليه السنة والشيعة ويلزمهم بذلك: فهذا كذب محض، وهاهي ذي أمثلة من أقواله تدل على نقيض ادعائه، يقول: «والمعروف عند العلماء قديماً بأن علياً ابن أبي طالب، هو المرشح للخلافة من قبل الرسولصلى الله عليه وآله وسلم».(2) (1) فسألوا أهل الذكر ص35. (2) المرجع نفسه ص318. وضمن أجوبته عن بعض الأسئلة التي زعم أنها وجهت إليه: يقول في جواب سؤال... لماذا لم يعين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له خليفة؟ «لقد عين صلى الله عليه وآله وسلم خليفة له بعد حجة الوداع، وهو علي بن أبي طالب، وأشهد على ذلك صحابته الذين حجوا معه، وكان يعلم بأن الأمة ستغدر به وتنقلب على أعقابها».(1) وإجابة عن سؤال: هل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بموعد موته؟ قال: «لاشك بأنه كان يعلم مسبقاً بموعد وفاته، في الوقت المعلوم، وقد علم بذلك قبل خروجه لحجة الوداع، ومن أجل ذلك سماها حجة الوداع، وبذلك علم أكثر الصحابة دنو أجله».(2) وجواباً عن سؤال: هل عين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر ليصلي بالناس؟ يقول: «من خلال الروايات المتناقضة نفهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يعين أبا بكر ليصلي بالناس، اللهم إلا إذا اعتقدنا ما قاله عمر بن الخطاب في هجرانه، ومن اعتقد بذلك فقد كفر».(3) ويقول مجيباً عن سؤال: لماذا حاربوا مانعي الزكاة، رغم تحريم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك؟ «لأن بعض الصحابة الذين حضروا بيعة الإمام علي في (1) فسألوا أهل الذكر ص242. (2) المرجع نفسه ص243. (3) المرجع نفسه ص245. غدير خم وهم راجعون من حجة الوداع وصحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم امتنعوا عن أداء الزكاة لأبي بكر... ولا شك بأن بعض الأخبار وصلت إليهم بأن فاطمة تخاصمت معهم، وغضبت عليهم، وبأن علياً امتنع عن بيعتهم، لكل ذلك رفضوا إعطاء الزكاة لأبي بكر حتى يتبينوا الأمر».(1) وأمثلة كثيرة من هذا الهراء في كتبه -اعرضت عنها اختصاراً- وفيما تقدم دليل على كذبه فيما ادعاه. وأن ما يقرره في كتبه لا يخرج في الحقيقة عن ما هو موجود عند الرافضة، ولا يعدو أن يكون تكراراً لشبههم وأقوالهم. وإلا فأين ماذكره في أجوبته السابقه من عقيدة أهل السنة! بل من قال به من أهل السنة! ... فلعنة الله على الكاذبين. 3- زعمه أنه لا يستدل من الأحاديث إلا بما صح عند أهل السنة. يقول: «ولمَّا آليت على نفسي، فإني لا أستدل إلا بما يحتج به الشيعة من صحاح أهل السنة والجماعة، فإني اقتصرت على ذلك».(2) ويقول: «وأنا بدوري وكالعادة، حسبما تعهدت به في كل (1) المرجع نفسه ص252. (2) لأكون مع الصادقين ص17. أبحاث الكتاب لا أستدل إلا بما هو ثابت، وصحيح عند أهل السنة والجماعة».(1) ويقول أيضاً: «وأخذت على نفسي عهداً وأنا أدخل هذا البحث الطويل العسير أن أعتمد الأحاديث الصحيحة، التي اتفق عليها أهل السنة والشيعة».(2) وهذه أيضاً دعوى كاذبة يشهد لبطلانها ما امتلأت به كتبه من الأحاديث المنكرة والموضوعة كما سبق أن تقدم لها أمثلة فيما مضى مما يغني عن إعادتها هنا.(3) وبعد هذا النقد العام للمؤلف ومنهجه في كتبه، الذي ظهر من خلاله: جهله، وقلة علمه، مع اتباعه للهوى والظنون، وبعده عن التحقيق العلمي، القائم على الصدق في النقل، والعدل في الحكم: انتقل من الإجمال إلى التفصيل وذلك بالرد عليه مفصلاً في كتابه الأول (ثم اهتديت). وهذا هو أوان الشروع في ذلك، سائلاً الله الكريم العون والتوفيق، والإصابة والتسديد. (1) لأكون مع الصادقين ص232. (2) ثم اهتديت ص88. (3) انظر: ص187 من هذا الكتاب. الرد على المؤلف في كتابه «ثم اهتديت» الرد على المؤلف في مسمى الكتاب وبيان مخالفته للحق والصواب سمى المؤلف كتابه: (ثم اهتديت)، ويعني بذلك: انتقاله من عقيدته السابقة، وهي الطريقة التيجانية، التي صرح باعتناقه إياها هو وسائر أسرته(1) في صدر الكتاب، ثم انتقاله إلى عقيدة الرافضة، التي زعم أنه اهتدى إليها. حيث يقول: (وقرأت الكثير حتى اقتنعت بأن الشيعة الإمامية على حق، فتشيعت وركبت على بركة الله سفينة أهل البيت، وتمسكت بحبل ولائهم...».(2) قلت: ما زعمه من الهداية دعوى تحتاج إلى بينة وبرهان: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}(3)، وإلا فكم من كافر عتيد، جبار عنيد، يدّعي الإيمان والهداية، وهو رأس في الكفر والضلالة، كما أخبر الله عن اليهود والنصارى في قوله: {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين}(4)، وعن (1) انظر: ثم اهتديت ص10-11. (2) ثم اهتديت ص156. (3) البقرة 111 (4) البقرة 135. فرعون في قوله: {قال فرعون ما أُريكم إلاّ ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}(1)، وقوله في وصف أهل الضلال: {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون}(1)، وقوله: {فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون}.(3) وإذا ثبت هذا فليعلم، أن عقيدة الرافضة التي يزعم أنه اهتدى باعتناقها، هي أفسد عقيدة، والرافضة هم أضل فرقة انتسبت إلى الإسلام، وأبعد طائفة عن الحق، وأجهلها به، وأقرب طائفة إلى الكفر واعرقها فيه، وهذا باتفاق أئمة الإسلام -على ما تقدم نقل كلامهم مفصلاً في ذم الرافضة-(4)، وباتفاق المحققين في الفرق، الذين هم أعرف الناس بمذاهب الناس، ومقالاتهم، حيث صرحوا بأن الرافضة أبعد الفرق عن الدين، واعرقها في الضلالة. قال ابن حزم: «وما نعلم أهل فرية أشد سعياً في إفساد الإسلام وكيده من الرافضة».(5) (1) غافر 29. (2) الزخرف 37. (3) الأعراف 30. (4) انظر: ص 112-119. (5) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 4/57. وقال البغدادي: «وقال المحققون من أهل السنة: إن ابن السوداء كان على هوى دين اليهود، وأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في علي وأولاده، لكي يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصارى في عيسى -u-، فانتسب إلى الرافضة السبئية حين وجدهم أعرق أهل الاهواء في الكفر».(1) ويقول الاسفرايني بعد أن ذكر الرافضة وبعض معتقداتهم: «وليسوا في الحال على شيء من الدين، وليس مقصودهم من هذا الكلام تحقيق الكلام في الإمامة، ولكن مقصودهم إسقاط كلفة تكليف الشريعة عن أنفسهم».(2) فأي هدى في الانتساب إلى هؤلاء الرافضة!! وإنما هو الكفر، والزندقة والإلحاد، الذي تشربته قلوبهم، وعقولهم. وأما هذا الأفاك: فزيادة على انتسابه للرافضة، وإعلانه اعتناق عقيدتهم الفاسدة، -وحسبه ذماً، أن يكون رافضياً- فإني أورد هنا من كلامه على وجه الخصوص، ما يدل على زيف ما ادعاه من الهداية، وانغماسه في الكفر والغواية، فإني أخشى أن يظن ظان أن الرجل قد لُبِّسَ عليه، وما عرف حقيقة ما عليه القوم، وإلا ما انتسب (1) الفرق بين الفرق للبغدادي ص235. (2) التبصير في الدين للاسفرايني ص41. إليهم، فإليك أيها القارىء أمثلة من كلامه تنبئك عن حقيقة حاله. يقول عن القرآن الكريم: «... لأن كتاب الله وحده لا يكفي للهداية، فكم من فرقة تحتج بكتاب الله وهي في الضلالة كما ورد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال: (كم من قارىء للقرآن والقرآن يلعنه)، فكتاب الله صامت، وحمال أوجه، وفيه المحكم والمتشابه، ولابد لفهمه من الرجوع إلى الراسخين في العلم، حسب التعبير القرآني، وإلى أهل البيت حسب التفسير النبوي».(1) فهل من يعتقد هذا الاعتقاد في كتاب الله من المهتدين!! أم من الضالين المكذبين، الذين يكذبون بما أخبر الله عنه في صريح كلامه وصفاً لكتابه، من أنه جعله هدى يهدي للتي هي أقوم كما في قوله: {ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين}(2)، وقوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}(3)، وقوله تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}(4)، وقوله تعالى: {ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ (1) ثم اهتديت ص180. (2) البقرة 2. (3) الإسراء 9. (4) النحل 64. وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}(1) إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى. وإذا كان هذا الرجل يصرح بأن القرآن لا يكفي لهداية الخلق، فهذا أكبر دليل على ضلاله، بل كفره وإلحاده، لتكذيبه لصريح القرآن، مما لا يسع جهله العوام، فكيف بمن يدعى العلم والتحقيق. ووجه آخر يدل على ضلاله: وهو أن الله أخبر في هذه الآيات: أن هذا القرآن هدى للمتقين والمؤمنين، فإذا كان المؤلف يرى أن هذا الكتاب لا يكفي في الهداية-وهو بطبيعة الحال إنما يعبر عن حاله وما يجد من نفسه- فليُعلم أن: الله قال في وصف كتابه: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد}.(2) وقال U: {وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا}.(3) (1) النحل 89. (2) فصلت 44. (3) الإسراء 82. ويقول تعالى في وصف المنافقين: {وإذا ما أُنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون % وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون}.(1) ومن خلال هذه الآيات، مع دعوى المؤلف أن القرآن لا يكفي في هداية الخلق، يتبين لك أيها القارىء حال الرجل، ومن أي الفريقين هو، أهو من أهل الإيمان الذين زادهم القرآن إيماناً وهدى؟ أم من المنافقين الذين زادهم رجساً إلى رجسهم وهو عليهم عمى؟ وإذا كان هذا هو موقفه من القرآن، فإن موقفه من السنة لا يختلف عن ذلك بل أشد، يقول: «فإذا كان القرآن وهو كتاب الله العزيز يتطلب من يقاتل في سبيل تفسيره، وتوضيحه، لأنه كتاب صامت لا ينطق، وهو حمال أوجه متعددة، وفيه الظاهر والباطن، فكيف بالأحاديث النبوية».(2) ويقول أيضاً زاعماً أن السنة ليست الحل لقضايا المسلمين، وإنما تزيد الأمر تعقيداً: «فقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ترك كتاب الله وسنة نبيه، ليس هو الحل المعقول لقضيتنا بل يزيدنا تعقيداً (1) التوبة 124-125. (2) لأكون مع الصادقين ص128. وتأويلاً، ولايقطع دابر المشاغبين والمنحرفين».(1) وقوله هذا وموقفه من السنة غني عن كل توضيح في براءته من الدين ومروقه منه يقول تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}(2)، ويقول: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً}.(3) وأما أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقول في حقهم: «فالمتمعن في هذه الأحاديث العديدة، التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا وغيروا، بل ارتدوا على أدبارهم بعده صلى الله عليه وآله وسلم إلا القليل الذي عبر عنه بهمل النعم».(4) ويقول: «وجدت بحمد الله البديل عن بعض الصحابة، الذين ثبت عندي أنهم ارتدوا على أعقابهم القهقري، ولم ينج منهم إلا القليل، وأبدلتهم بأئمة أهل البيت النبوي، الذين أذهب الله عنهم (1) لأكون مع الصادقين ص129. (2) الأحزاب 36. (3) النساء 65. (4) ثم اهتديت ص65-66. الرجس وطهرهم تطهيراً».(1) ويقول أيضاً: «مرحى لهؤلاء الصحابة، الذين لا يتورعون عن تغيير سنة الرسول، وحتى أحكام الله، للوصول إلى أغراضهم الدنيئة، وأحقادهم الدفينة، ومطامعهم الخسيسة».(2) ويقول أيضاً: «فهذه من الأسباب القوية التي جعلتني أنفر من أمثال هؤلاء الصحابة، ومن تابعيهم الذين يتأولون النصوص، ويختلقون الروايات الخيالية لتبرير أعمال أبي بكر، وعمر، وعثمان، وخالد بن الوليد، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وإخوانهم، اللهم إني استغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أبرأ إليك من أفعال هؤلاء وأقوالهم التي خالفت أحكامك، واستباحت حرماتك، وتعدت حدودك، واغفر لي ما سبق من موالاتهم، إذ كنت من الجاهلين».(3) إلى غير ذلك من مطاعنه على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتكفيره إياهم هم وسائر سلف الأمة، مما يدل على ما تنطوي عليه نفس الرجل من حقد وضغينة على الإسلام وأهله، ونفاق باطن يحمله على الوقيعة في خيار الأمة وأصفيائها من الصحابة والتابعين -y- أجمعين. (1) ثم اهتديت ص156. (2) المرجع نفسه ص128. (3) المرجع نفسه ص188. بل إن قوله بردة الصحابة إلا القليل منهم كفر ظاهر وصريح، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- حيث قال في تفصيل حكم من سب الصحابة: «وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله -عليه الصلاة والسلام - إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضاً في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى عنهم، والثناء عليهم، بل من شك في كفر مثل هذا، فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فُسَّاق، وأن هذه الآية التي هي {كنتم خير أمة أخرجت للناس}(1)وخيرها: هو القرن الأول، كان عامتهم كفاراً أو فساقاً، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام».(2) وأخيراً أختم النقل عن هذا الرجل، بنص مهم يتبرأ فيه من أهل السنة ويتمنى أن يموت على عقيدة الرفض حيث يقول: «وإذا كانت السنة والجماعة من ابتكار معاوية بن أبي سفيان فنسأله سبحانه أن يميتنا على بدعة الرفض، التي أسسها علي بن أبي طالب وأهل (1) آل عمران 110. (2) الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ص586-587. البيت عليهم السلام».(1) وبهذه النصوص الصريحة من كلامه يظهر للقارئ موضع هذا الرجل من الدين، ومدى صدق ما يدعيه من الهداية. على أني قبل أن أختم الحديث عن هذه الجزئية أشير الى نقطة مهمة وهي: أن هذا الرجل مع ما يدعيه من أنه لم يكن رافضياً ثم اهتدى لعقيدة الرفض، إلا أنه صرح في بعض كلامه بانتمائه في الأصل لأسرة تنتسب الى السادة، قد فرت من العراق، وأنه بهذا يكون قد رجع الى أصله حيث يقول: «وبذلك أكون قد رجعت إلى أصلي، فقد كان أبي وأعمامي يحدثوننا حسب الشجرة التي يعرفونها أنهم من السادة الذين هربوا من العراق، تحت الضغط العباسي، ولجأوا إلى شمال أفريقيا حيث أقاموا في تونس وبقيت آثارهم حتى اليوم».(2) وهذا مما يشير الى أصله الرافضي وتلطخ أسرته بهذه العقيدة قديماً، ثم إدراكه شؤمها بعد تلك السنين الطويلة مما فيه عبرة لكل معتبر فنسأل الله بمنه وكرمه العافية والسلامة. (1) الشيعة هم أهل السنة ص87. (2) ثم اهتديت ص159. قول المؤلف إن البحث عن أحوال الصحابة من أهم البحوث التي تقود إلى الحقيقة والرد عليه قال المؤلف ص89 من كتابه ثم اهتديت: «من أهم الأبحاث التي اعتبرها الحجر الأساسي في كل البحوث التي تقود إلى الحقيقه هو البحث في حياة الصحابة، وشؤونهم، وما فعلوه، وما اعتقدوه، لأنهم عماد كل شيء وعنهم أخذنا ديننا، وبهم نستضيء في الظلمات لمعرفة أحكام الله، ولقد سبق لعلماء الإسلام -لقناعتهم بذلك- البحث عنهم وعن سيرتهم، فألفوا في ذلك كتباً عديدة أمثال: أُسد الغابة في تمييز الصحابة، وكتاب الإصابة في معرفة الصحابة، وكتاب ميزان الاعتدال، وغيرها من الكتب التي تناولت حياة الصحابة بالنقد والتحليل، ولكنها من وجهة نظر أهل السنة والجماعة». قلت: قوله إن البحث في حياة الصحابة من أهم الأبحاث التي تقود الى الحقيقة... الخ كلامه، هذا كلام مجمل: فإن كان القصد منه دراسة أحوالهم ومعرفة أخبارهم للتأسي بهم في العلم والعمل فهذا حق، فهم حملة العلم إلينا وعن طريقهم تلقينا الكتاب والسنة، وتفقه أهل العلم فيهما على أيديهم، فمن تمسلك بهديهم واقتفى أثرهم فهو على سبيل نجاة وفلاح، ومن انحرف عن طريقهم واتبع غير سبيلهم فهو من الهالكين الخاسرين، كما أخبر الله عن ذلك بقوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ماتبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}.(1) فالصحابة: هم خيار المؤمنين الذين من خالف هديهم استحق ذلك الوعيد. وإن كان يقصد البحث عن أحوال الصحابة من حيث العدالة والنظر في قبول رواياتهم وأخبارهم، مما هو ذريعة للقدح فيهم، والنيل من أعراضهم، والحط من شأنهم ومقاماتهم العالية الرفيعة في الدين، -ولا آراه إلا يقصد ذلك- لزعمه بعد ذلك أن تلك الكتب التي ذكر قد تناولت حياة الصحابة بالنقد والتحليل. فنقول له: يامسكين لقد ارتقيت مرتقى صعباً، وتجشمت خطراً، وعرضت نفسك لما لا حول لك به ولا قدرة. كناطحٍ صَخْرةً يوماً ليُوهِنَهَا ¯ فَلَمْ يَضِرْهَا وأَوْهَي قَرَنُةالوَعِلُ(2) ومن سعادة العبد أن يعرف قدر نفسه. فلو كان البحث في أحوال الصحابة بالنقد والتعديل منهجاً متبعاً في أهل العلم ونقّاد الرجال، فلست من فرسان ميدانه، ولا ممن يسابق في مضماره، فكيف (1) النساء 115. (2) هذا البيت للأعشى ميمون بن قيس من لاميته المشهورة، وهو من شواهد ابن عقيل في شرح الألفية. انظر: شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك 2/109. به وقد أغلق العلماء باب بحثه وانصرفت ههمهم عن دراسته، وذلك لتعديل الله تعالى لهؤلاء الصحابة، وثنائه عليهم أجمل الثناء، ووصفه لهم بالإيمان والهدى والبر والتقوى في محكم كتابه، وتزكية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لهم في صريح سنته، وذكره الكثير من فضائلهم، ونهيه الأمة عن التعرض لهم وسبهم. فمن ذلك قوله تعالى:{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدلهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم}.(1) وقوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً}.(2) وقوله سبحانه: {لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير}.(3) وقوله U: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار (1) التوبة 100. (2) الفتح 18. (3) الحديد 10. رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا...}.(1) إلى غير ذلك من الآيات في فضل الصحابة وهي كثيرة. وأما ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فضلهم والثناء عليهم: فمن ذلك ما رواه الشيخان من حديث عمران بن حصين -t- عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)(2)، قال عمران: فلا أدري ذكر بعده قرنين أو ثلاثة. ورويا أيضاً عن أبي سعيد الخدري -t- عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا تسبوا أصحابي فلو انفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه).(3) (1) الفتح 29. (2) رواه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن صحب النبي أو رآه من المسلمين) فتح الباري 7/3، ح3650. ومسلم في (كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) 4/1964، ح2535. (3) رواه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لوكنت متخذاً خليلاً) فتح الباري 7/21، ح3673. ومسلم (كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة y)4/1967، ح2540. وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري -t- عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتي أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون).(1) ففي هذه الأدلة الصحيحة الصريحة، وما في معناها من النصوص الأخرى، المتضمنة حسن الثناء من الله ورسوله على هؤلاء الصحابة، أكبر دليل على عدالتهم وطهارتهم ونزاهتهم، وأنه لا يُبْحث عن عدالتهم. ولهذا كان أئمة الإسلام متفقين على عدالتهم. يقول الخطيب البغدادي بعد أن ذكر الأدلة على عدالة الصحابة: «والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضى طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج واحد منهم مع تعديل الله تعالى -لهم المطلع على بواطنهم- إلى تعديل أحد من الخلق.... إلى أن قال: هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتد بقوله من الفقهاء».(2) (1) صحيح مسلم (كتاب فضائل الصحابة، باب بيان أن بقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمان لأصحابه) 4/1961. (2) الكفاية في علم الرواية 48-49. وقال النووي:«الصحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم، بإجماع من يعتد به».(1) وقال ابن كثير: «والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رغبة فيما عند الله، من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل».(2) وقال ابن الملقن: «للصحابة بأسرهم خصيصة وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم بل ذلك أمر مفروغ منه، لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة، وإجماع من يعتد به. -إلى أن قال بعد أن ساق بعض النصوص في الثناء عليهم-: ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم كذلك بإجماع العلماء الذين يعتدّبهم في الإجماع إحساناً للظن بهم، ونظراً إلى ما تمهّدَ لهم من المآثر وكأن الله تعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة».(3) (1) التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير للنووي مع شرحة تدريب الراوي 2/190. (2) الباعث الحثيث ص154. (3) المقنع في علوم الحديث 2/492-493. فظهر بهذا اتفاق العلماء المعنيين بنقد الرجال والنظر في أحوالهم على عدالة الصحابة، وأنه لا يسأل عن عدالتهم ولم يخالف في ذلك أحد ممن يعتد بقوله: بل لم يخالف في ذلك إلا متهم في دينه من أهل البدع والزندقة. ولهذا عد العلماء قديماً أن الطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علامة أهل البدع والزنادقة، الذين يريدون إبطال الشريعة بجرح رواتها. قال أبو زرعة: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقه).(1) وعن الإمام أحمد أنه قال: (إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسوء فاتهمه على الإسلام).(2) وقال الإمام البربهاري: (واعلم أن من تناول أحداً من أصحاب (1) رواه الخطيب في الكفاية ص49. (2) ذكره ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص209 وشيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ص568. رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعلم أنه إنما أراد محمداً وقد آذاه في قبره).(1) فتبين بهذا أن قول المؤلف -الذي بنى عليه بحثه (وهو أن البحث في حياة الصحابة وشؤونهم بحثاً عن عدالتهم من البحوث التي يقود إلى الحقيقة) قول باطل من أصله، وهو طريق كل زنديق وملحد إلى الطعن في الإسلام، كما نص على ذلك العلماء، وذلك ظاهر من وجهين: الوجه الأول: أنه تكذيب لما ثبت في الكتاب والسنة في مواطن متعدده من الثناء عليهم بالخير والفضل، والشهادة لهم بالإيمان والصدق، وما تواتر في الأمة بالنقل الصحيح من عظيم جهادهم في سبيل الله، وحسن بلائهم في الدين، وإيثارهم ما عند الله والدار الآخرة على هذه الحياة العاجلة، مما أصبحوا به مضرب الأمثال في الزهد والورع، وقدوة الناس في العلم والعمل. الوجه الثاني: أن الطعن في عدالتهم قدح في الشرع كله، فهم حملته إلى الأمة، ولهذا لا يوجد أحد يطعن في عدالتهم إلا ويضعف إيمانه، وتصديقه بالنصوص بقدر ما يطعن في الصحابة، وهذا أمر ظاهر لكل من تأمل حال من ابتلي بالطعن في الصحابة. (1) شرح السنة ص54. وهذا ما اعترف به المؤلف نفسه عندما خاض البحث في حياة الصحابة بقوله: «بقيت متحيراً ثلاثة أشهر، مضطرباً في نومي، تتجاذبني الأفكار، وتموج بي الظنون والأوهام، خائفاً على نفسي من بعض الصحابة الذين أحقق في تأريخهم فأقف على بعض المفارقات المذهلة في سلوكهم... وعلى هذا خشيت على نفسي، واستغفرت ربي مرات عديدة أردت فيها الانقطاع عن البحث في مثل هذه الأمور التي تشككني في صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبالتالي تشككني في ديني...».(1) وأما قوله: «إن العلماء ألفوا في ذلك كتباً تناولت حياة الصحابة بالنقد والتحليل، وذكر منها أُسد الغابة، والإصابة، وميزان الاعتدال. فهذا غير صحيح، بل افتراء عظيم على العلماء بما هم منه برآء، ولا أدري ما الذي يحمل هذا الرجل على هذا، أهو الجهل ؟! أم الكذب والتلبيس على الناس؟! أما الكتابان الأول والثاني وهما: (أُسد الغابة) و(الإصابة) فهما في تراجم الصحابة وتمييزهم عن غيرهم، دون التعرض لهم بجرح ولا تعديل كما زعم. وهذا أمر معلوم لدى صغار طلاب العلم، ولا يحتاج في إثباته إلى دليل، وإنما أشير هنا إلى ما يدفع كذبه وتلبيسه على بعض (1) ثم اهتديت ص147-148. من لايعلم ذلك من العامة الذين قد يطلعون على كتبه، فأقول إن ما زعمه من أن هذين الكتابين قد تناولا حياة الصحابة بالنقد والتحليل، قول باطل لا أساس له من الصحة. وبيان بطلانه وكذبه من عدة وجوه: أولاً: أن هذين الكتابين لإمامين جليلين من أئمة أهل السنة، يدينان لله بعدالة الصحابة، ويعرفان لهم فضلهم ومكانتهم، فأُسد الغابة للإمام ابن الأثير، والإصابة للحافظ ابن حجر رحمهما الله تعالى، وقد نص كل منهما على عدالة الصحابة في مقدمة كتابه، وبينا أن الصحابة كلهم عدول لا يُبحث عن عدالتهم، ولا يتطرق إليهم الجرح بحال. قال ابن الأثير -رحمه الله-: «والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك، إلا في الجرح والتعديل، فإنهم كلهم عدول، لا يتطرق إليهم الجرح، لأن الله ورسوله زكياهم وعدلاهم، وذلك مشهور لا يحتاج لذكره ويجئ كثير منه في كتابنا هذا».(1) وقال ابن حجر -رحمه الله- ضمن حديثه عن حال الصحابة من العدالة: «اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً (1) أسد الغابة 1/10. في ذلك، فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم»(1)، ثم ساق كلام الخطيب بتمامه، وساق بعده بعض الأدلة الدالة على عدالة الصحابة وفضلهم. فكيف يسوغ في عقل أن يقرر كل واحد من هذين الإمامين القول بعدالة الصحابة، وأنه لا يبحث في عدالتهم ولا يتعرض لهم بنقد ولا بتجريح في مقدمة كتاب، ثم ينقض ذلك في الكتاب نفسه بتجريح الصحابة والطعن فيهم. ثانياً: أن هذين الكتابين قد ألفا للتعريف بالصحابة، وجمع أكبر قدر من أسمائهم، حتى يتميز الصحابة عن غيرهم كما صرح بذلك المؤلفان: قال ابن الأثير بعد أن ذكر بعض الكتب التي ألفت في جمع أسماء الصحابة والتعريف بهم: «فرأيت أن أجمع بين هذه الكتب، وأضيف إليها ما شذ عنها».(2) وقال ابن حجر معرفاً بكتابه في مقدمته: «فجمعت كتاباً كبيراً في ذلك، ميزت فيه الصحابة من غيرهم».(3) (1) الإصابة 1/10-11. (2) أسد الغابة 1/10. (3) الإصابة 1/4. هذا مع أن عنواني الكتابين ينبئان عنهما فقد سمي ابن الأثير كتابه: (أسد الغابة في معرفة الصحابة) وسمى ابن حجر كتابه: (الإصابة في تمييز الصحابة)، ولو أرادا الجرح والتعديل لقالا في (نقد الصحابة) أو عبارة قريبة منها، كما هو الحال في الكتب التي ألفت في نقد الرواه من بعد الصحابة. على أن المؤلف أخطأ في اسمي الكتابين فزعم أن كتاب ابن الأثير: (أُسد الغابة في تمييز الصحابة) وكتاب ابن حجر: (الإصابة في معرفة الصحابة) فخلط بين عنواني الكتابين وهذا مما يدل على جهله بهما. ثالثاً: واقع الكتابين يشهد بكذب ما ادعى هذا المفترى من نقدهما للصحابة، فما على القارئ إلا أن يتصفح هذين الكتابين فهما موجودان منتشران، ليعلم حظ هذا الرجل من الصدق، وموقعه من العلم. وأما كتاب ميزان الاعتدال للإمام الذهبي فإن مؤلفه لم يتعرض فيه للصحابة بذكر لامن قريب أو من بعيد، بل ولم يتعرض فيه لذكر أحد من الأئمة الموثقين المتفق على عدالتهم، لأن أصل موضوع الكتاب في نقد الضعفاء والمجروحين من الرواة. قال الذهبي في مقدمة الكتاب: «وقد احتوى كتابي هذا على ذكر الكذابين الوضاعين المتعمدين قاتلهم الله، وعلى الكذابين في أنهم سمعوا ولم يكونوا سمعوا، ثم على المتهمين بالوضع والتزوير».(1) ثم ذكر بقية طبقات المجروحين عند أهل العلم، وذكر أنه ذكر في كتابه من تكلم فيه مع ثقته، بأدنى لين وبأقل جرح. ثم قال: «إلا ما كان في كتاب البخاري، وابن عدي وغيرهما من الصحابة فإني أسقطهم لجلالة الصحابة، ولا أذكرهم في هذا المصنف، فإن الضعف إنما جاء من جهة الرواة إليهم، وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحداً لجلالتهم في الإسلام وعظمتهم في النفوس، مثل أبي حنيفة، والشافعي، والبخاري، فإن ذكرت أحداً منهم فأذكره على الإنصاف وما يضره ذلك عند الله ولا عند الناس».(2) وبهذا يظهر لك أيها القارى أن دعوى هذا الرافضي في هذا الكتاب، من أنه تعرض لنقد الصحابة وتجريحهم دعوى باطلة، تدل على فرط جهل صاحبها، وعدم معرفته بأمهات المصادر في الرجال، مع ادعائه التحقيق العلمي المبني على التوثيق والتدقيق. (1) ميزان الاعتدال 1/3. (2) ميزان الاعتدال 1/2.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video