معركة الجمل
بعد مقتل عثمان رضي الله عنه, تولى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخلافة في السنة الخامسة والثلاثين للهجرة, والمشهور أنه قد بايعه جميع من كان في المدينة في ذلك الوقت, فإن المسلمين يعرفون مكانة علي وفضائله وقرابته من رسول الله r وجدارته.
وكان عهد الإمام علي مضطرباً بفعل المؤامرات التي حاكها أعداء المسلمين, وحدث الاقتتال بين المسلمين في معركتي الجمل وصفين, وكانت الخلافات تدور حول الموقف من قتلة عثمان, فقد كان علي رضي الله عنه يرى تأجيل الاقتصاص منهم حتى تهدأ الأحوال, وتستتب أمور الخلافة خاصة وأن هؤلاء قد لجأوا إلى قبائلهم, بينما كان يرى جزء من الصحابة وعلى رأسهم عائشة أم المؤمنين والزبير وطلحة ومعاوية, أن هؤلاء القتلة شر مستطير, وأنه لا يجوز تركهم خاصة وأن بعضهم اندس في جيش علي, ولذلك فلابد من البدء بالاقتصاص منهم.
وترجع قصة معركة الجمل إلى اجتماع عدد من الصحابة وعلى رأسهم الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأم المؤمنين عائشة واتفاقهم على الأخذ بثأر عثمان والاقتصاص من قتلته, فخرج هؤلاء من مكة إلى البصرة يريدون قتلة عثمان الذين توجهوا إلى هناك فمنعهم عثمان بن حنيف والي البصرة المعيّن من قبل أمير المؤمنين علي من الدخول.
ثم خرج أحد الذين شاركوا في قتل عثمان ويقال له جبلة في سبعمائة رجل لقتال هؤلاء الصحابة ومن معهم, فانتصر عليهم جيش الصحابة وقتلوا من هؤلاء عدداً كثيراً, وهنا يسمع أمير المؤمنين علي بأن قتالاً نشب بين جيش يقوده الزبير وطلحة, وبين واليه على البصرة عثمان بن حنيف, فجهّز الإٌمام علي جيشاً قوامه عشرة آلاف لقتال طلحة والزبير.
وأرسل الإمام علي المقداد بن الأسود والقعقاع بن عمرو ليتكلما مع طلحة والزبير, وبيّن كل طرف وجهة نظره فيما يتعلق بقتلة عثمان, ورغم اختلاف وجهات النظر إلا أن طلحة والزبير تفهّما موقف علي, واتفق الطرفان على عدم القتال.
وبعد الاتفاق نام الجيشان بخير, ونامت السبئية بشر, وهؤلاء هم الذين قتلوا عثمان وأجّجوا الخلاف بين المسلمين, فما كان منهم إلا أن هاجموا جيش طلحة وهم نائمون وفرّوا, فظن هذا الجيش أن جيش علي قد غدر بهم, فقاموا يهاجمون جيش علي الذي ظن أن جيش طلحة قد غدر ونكث عمّا تم الاتفاق عليه بين الطرفين من عدم القتال.
وكان هؤلاء السبئية والغوغاء يعلمون أن اتفاق المسلمين وتوحد كلمتهم سيعجّل بإقامة الحدّ عليهم, فوجدوا أن عليهم إنشاب القتال بين المسلمين, وكذلك كان الأمر.
واندلع القتال وكبار الصحابة يحاولون وقفه دون جدوى, واعتزل الزبير بن العوام رضي الله عنه القتال وهمّ بالرجوع إلى المدينة وتبعه في مسيره ذلك عمرو بن جرموز وغيره, وقتلوه غدراً رضي الله عنه, وعندما جاء ابن جرموز القاتل هذا إلى الإمام علي وأخبره بأنه قتل الزبير قال له الإمام علي: إني سمعت رسول الله r يقول: "بشّر قاتل ابن صفية (أي الزبير) بالنّار" رواه البخاري.
وأما ما اصطلح على تسمية "معركة الجمل" في السنة السادسة والثلاثين للهجرة فقد اشتد فيها القتال من الظهيرة إلى غروب الشمس, واستشهد فيها طلحة بسهم وهو يحاول منع الناس من القتال, وقتل ابنه محمد بن طلحة المعروف بالسّجاد, واستبسل الناس في الدفاع عن جمل السيدة عائشة لأنها كانت تمثل لهم رمزاً.
وبعد المعركة كان الإمام علي يتفقد القتلى فرأى بينهم طلحة رضي الله عنه, فأخذ يمسح التراب عن وجهه ويقول: "رحمة الله عليك أبا محمد, يعزّ عليّ أن أراك مجدولاً تحت نجوم السماء, ثم قال: إلى الله أشكو عُجري وبُجري –أي سرائري وأحزاني التي تجول في جوفي- والله لوددت إني كنت مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة".
وأعاد الإمام علي السيدة عائشة أم المؤمنين إلى المدينة معززة مكرّمة, وهذا من سمو أخلاقهم.
وقد ثبت أن خروج طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة لم يكن لمقاتلة علي أو النكوث عن البيعة, إنما للإصلاح ومعاقبة المفسدين الذين قتلوا عثمان, وقد حققوا جزءاً من هذا الهدف إلى أن وقع القتال في الجمل.
معركة صفين
وبعد الفراغ من "الجمل" صمم أمير المؤمنين علي على أن يحمل معاوية –والي الشام-وأهل الشام على البيعة, وكان معاوية يرفض مبايعة عليّ حتى يسلمه قتلة عثمان للاقتصاص منهم لأنه وليه وابن عمّه, وكان الإمام علي يرفض هذا الشرط, ويشترط عليه المبايعة أولاً.
وسار الإمام علي في السنة السابعة والثلاثين للهجرة إلى صفين (بين العراق والشام) يريد قتال معاوية, ولم يكن معاوية يعتبر نفسه خليفة ولا يرى نفسه أفضل من علي, إنما وضع شرطاً لمبايعة عليّ وهو أن يتم تسليمه قتلة عثمان, حيث كان بعضهم في جيش علي, كما أن معاوية رفض قرار عزله.
وبرز السبئية من جديد وأخذوا يحثون الإمام علي والناس على قتال أهل الشام, فخرج الإمام علي لقتال معاوية, وقتل من المسلمين عدد كثير, إلا أنه دون ما ذكرته بعض الكتب التاريخية التي بالغت حتى أن أحدها ذكر أن قتلى الشام بلغوا تسعين ألفاً في الوقت الذي لم يتجاوز الجيش خمسة وثمانين ألفاً!
وكان أغلبية الصحابة يحذرون من الفتنة, وقد اعتزل أكثرهم القتال, ومع اشتداد القتال تنادى المسلمون إلى الصلح ووقف القتال, ورفعت المصاحف على الرماح, لتبدأ مرحلة جديدة بعيداً عن القتال وتم الاتفاق على التحكيم.
للاستزادة :
1-حقبة من التاريخ الشيخ عثمان الخميس.
2-الإنصاف الدكتور حامد الخليفة.
3- العواصم من القواصم القاضي أبو بكر بن العربي.
الأحداث التي تلت حرب الجمل
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن محمداً عبده و رسوله .. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا و أنتم مسلمون}آل عمران/102
.{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجاً كثيراً و نساء و اتقوا الله الذي تسآءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيباً}النساء/1
.{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولاً سديدا ، يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم ، و من يطع الله و رسوله فقد فاز فوزاً عظيماً}الأحزاب/70-71
. و بعد :-
فإن دراسة التاريخ لا ينبغي أن تكون ميداناً للسلوة و تزجية الفراغ ، و مهما فصل عامل الزمن بين الحدث والحديث ، فالفرصة قائمة لأخذ الدروس و العبر ، و على دارسي التاريخ بشكل عام و التاريخ الإسلامي على الخصوص ، أن يتجاوزوا سرد الحدث و الاكتفاء بإحصاء القتلى أو الجرحى لهذا الحدث أو ذاك .
فإن فقه المرويات ، و عبر الحوادث ، لهدف كبير من أهداف دراسة التاريخ ، و بدونه تصبح الدراسة تجميعاً لا يسمن و لا يغني من جوع .
و إذا أخذ المتقدمون على عاتقهم رصد الحدث بمروياته المختلفة ورسموا الصورة بشكلها الإجمالي ، فإن على المتأخرين استكمال هذا الجهد و سد هذا النقص ، و الخروج بنتائج تجعل من الحدث في الماضي ، عبرة للحاضر ، ومؤشراً لإصلاح المستقبل بإذن الله . مقتبس من كتاب كيف دخل التتر بلاد المسلمين ، لسليمان بن حمد العودة (ص 5-6) بتصرف يسير .
و إن التاريخ الإسلامي لم يبدأ تدوينه إلا بعد زوال دولة بني أمية وقيام دول لا يسر رجالها التحدث بمفاخر ذلك الماضي و محاسن أهله .
فتولى تدوين تاريخ الإسلام ثلاث طوائف :-
1 - طائفة كانت تنشد العيش والجدة من التقرب إلى مبغضي بني أمية بما تكتبه وتؤلفه .
2 - و طائفة ظنت أن التدين لا يتم، و لا يكون التقرب إلى الله إلا بتشويه سمعة أبي بكر وعمر عثمان
و بني عبد شمس جميعاً .
3 - و طائفة ثالثة من أهل الإنصاف و الدين - كالطبري و ابن عساكر و ابن الأثير ، و ابن كثير - رأت أن من الإنصاف أن تجمع أخبار الإخباريين من كل المذاهب و المشارب ، كلوط بن يحي الشيعي المحترق ، و سيف بن عمر العراقي المعتدل ، - و لعل بعضهم اضطر إرضاءً لجهات كان يشعر بقوتها ومكانتها - ، فتجعل العهدة بعد ذلك على القارئ .
و قد أثبت أكثر هؤلاء أسماء رواة الأخبار التي أوردوها ليكون الباحث على بصيرة من كل خبر بالبحث عن حال راويه .
و قد وصلت إلينا هذه التركة لا على أنها هي تاريخنا ، بل على أنها مادة غزيرة للدرس و البحث يستخرج منها تاريخنا ، و هذا ممكن و ميسور إذا تولاه من يلاحظ مواطن القوة و الضعف في هذه المراجع ، وله من الألمعية ما يستخلص به حقيقة ما و قع و يجرّدها عن الذي لم يقع ، مكتفياً بأصول الأخبار الصحيحة مجردة عن الزيادات الطارئة عليها . العواصم من القواصم (ص 179) .
و لقد كثرت النداءات بضرورة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي على الوجه الخصوص ، و لهذه النداءات وجه من الحق ، فأهل الأهواء كان لهم دورهم في تدوين التاريخ الإسلامي ، و كان من أبرز أهل الأهواء الشيعة ؛ فلقد كان لهم دور كبير في تدوين التاريخ الإسلامي ، و منهم الغلاة و الذين يقال عنهم رافضة سيأتي بيان المراد من هذا المفهوم في ثنايا البحث الذين عملوا على تشويه هذا التاريخ ، لأن تشويههم له يعينهم على الطعن في نقلة هذا الدين .
و لقد نبه بعض العلماء الأجلاء إلى هذا الموضوع و أهميته لدراسة التاريخ ، فممن نبه إليه : فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله المحيسن في محاضرته - ما أدخلته الشيعة في التاريخ الإسلامي - و كل من الدكتور سليمان بن حمد العودة ، و الدكتور محمد بن صامل السلمي ، و الدكتور يحيى بن إبراهيم اليحيى في ندوة علمية اشتركوا فيها و عنوانها : أثر التشيع في كتابة التاريخ . و للدكتور سليمان العودة بحث مستقل بعنوان : نزعة التشيع و أثرها في الكتابة التاريخية . فليراجع للأهمية . و ممن نادى بهذه الفكرة : الدكتور محمد نور ولي في كتابه أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري .و انظر أيضاً مقال : حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي للدكتور عبد المنعم حسنين في مجلة الجامعة الإسلامية العدد الأول . و إن الرجوع إلى كتب السنة ، و ملاحظات أئمة الأمة ، مما يسهل هذه المهمة .
و قد آن لنا أن نقوم بهذا الواجب الذي أبطأنا فيه كل الإبطاء .خاصة بعد أن أخذ أهل الألمعية من المنصفين في دراسة الحقائق فبدأت تظهر لهم و للناس منيرة مشرفة ، و لا يبعد - إذا استمر هذا الجهاد في سبيل الحق - أن يتغير فهم المسلمين لتاريخهم ، و يدركوا أسرار ما وقع في ماضيهم من معجزات . من كلام محب الدين الخطيب في تعليقه على كتاب العواصم من القواصم لابن العربي . (ص 179) . بتصرف .
و قد ترددت كثيراُ في الكتابة أو الحديث عن هذا الموضوع لحساسيته و عظم شأنه ، لكن الذي دفعني للكتابة هو ما سمعته و قرأته من أقوال الجهال أصحاب الهوى ممن ينتسبون للعلم و هو منهم براء ، أسمعهم يتشدقون بأقوال و كلمات ما أنزل الله بها من سلطان في حق الصحابة و ما شجر بينهم ، متذرعين بشبهات يتشبثون بها ، وروايات ضعيفة ساقطة موضوعة مكذوبة واهية أوهى من خيوط العنكبوت ، يتلقفونها و يلتقطونها من كتب الأدب و التاريخ و قصص السمر و الكتب المنحولة و الضعيفة ككتاب الأغاني و البيان و التبيين و الإمامة و السياسة و نهج البلاغة و غيرها ، فيطيرون بها في الآفاق كشيطان العقبة ؛ مثل : تكفير بعض الصحابة أو الطعن في خلافة عثمان أو علي أو سبٍ للصحابة أمثال ، معاوية و عائشة و طلحة و الزبير و غيرهم .
يقول الإمام مالك في الذين يقدحون في الصحابة : إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك ، فقدحوا في أصحابه حتى يقال رجل سوء و لو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين . الصارم المسلول (ص 553) .
و هذا القول من الإمام مالك انطلق من نظرته البعيدة إلى أبعاد الخبر فليس الأمر قدحاً في الصحابة فقط ، بل إن هذا يجر في أبعاده إلى ما هو أخطر منه .
و بهذا المنظار انطلق ابن تيمية رحمه الله بقوله : الطعن فيهم - أي في الصحابة - طعن في الدين . منهاج السنة (1/18) . و الأمثلة في هذا كثيرة .
و إن الباحث المسلم كثيراً ما يحس بالمرارة ، أو يصاب بخيبة الأمل ، و هو يتابع تفاصيل العصر الراشدي ،
و هو العصر الذهبي في تاريخ الإسلام ، في حشود الروايات التي تقدمها مصادرنا القديمة ، و على رأسها
تاريخ الرسل و الملوك للإمام الطبري ، فيجد البون شاسعاً بين ما يعهده عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من سلامة في الاعتقاد و استقامة في السلوك ، و ما كانوا عليه من خلق كريم ، و بين ما تصوره الروايات التي نقلها الرواة و الإخباريين على أنه الواقع التاريخي .
و في العصر الحديث تلقف المستشرقون و من شايعهم و تأثر بآرائهم من المنتسبين إلى الإسلام ، هذه الأباطيل بل كانت مغنماً تسابقوا إلى اقتسامه ما دامت تخدم أغراضهم للطعن في الإسلام و النيل من أعراض الصحابة الكرام .
و من هذا المنطلق ، و بحكم تخصصي في مجال التاريخ الإسلامي ، واستكمالاً لما توقفنا عنده في حلقات ذلكم اليهودي الخبيث عبد الله بن سبأ حول الأحداث والفتن التي سببها في ذلك العصر - حيث توقفنا عند حرب الجمل - ، فإنه قد أشار عليّ أحد الإخوة الأفاضل بإكمال الموضوع ، لذا رأيت أنه من المناسب فعلاً ، أن أكمل الموضوع وأطرحه بأسلوب سهل ميسر موثق ، حتى يكون المسلم على بينة بما كان من أحداث تلت تلك الفتنة أي حرب الجمل - و بقدر ما وفقني الله من جمع للروايات الصحيحة مما توافرت لدي ، و إبرازها بدلاً من تلك الروايات الضعيفة و المكذوبة المنتشرة على ألسنة الناس و في بطون الكتب ، خاصة كتب التاريخ الحديثة ، فقطعت شوطاً في تنسيقها و ترتيبها ، استعداداً لكتابتها . حتى تم إنجاز هذه الحلقات و الحمد لله .
و أخيراً و إن حاولت الكتابة وفق منهج المحدثين ، لا أدَّعي أنني متقن لهذا المنهج عالم بكوامنه ، بل أنا قليل البضاعة في هذا المجال ، فرحم الله امرءاً عرف قدر نفسه .
و لقد حاولت بهذه الدراسة المتواضعة نقد الأسانيد و تحليل المتون مستنفذاً في ذلك جهدي ، محاولاً تتبع خطى النقاد الذين سبقوني في هذا المجال ، وصولاً إلى الاختيار بقدر المستطاع من مجموع الروايات المتعددة لكل حادثة ، إذ كان الاعتماد أساساً على الروايات التي خرِّجت في كتب الصحاح ، و نقدت في بعض كتب السنن و المسانيد أو التي حكم عليها النقاد القدامى من المحدثين و المؤرخين أمثال ابن كثير و ابن حجر ، و غيرهم ، بالصحة أو التحسين .
و في الختام أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى و صفاته العلى أن يجعل عملنا هذا حسناً ، و موافقاً للحق ،
و أن ينفع به المسلمين و يرجح حسناتي يوم الدين .
معركة صفّين ..
أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان فيكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة . صحيح البخاري مع الفتح (12/316) .
قال ابن حجر في الفتح (13/92) : و المراد بالفئتين من كان مع علي و معاوية لما تحاربا بصفين ، و المراد بقوله : دعواهما واحدة ، أي دينهما واحد ، لأن كلاً منهما كان يتسمى بالإسلام ، أو المراد أن كلاً منهما كان يدّعي أنه المحق .
هنا لما فرغ علي رضي الله عنه من أمر البصرة ، فما أن أعطى أهلها بيعتهم و استقام له الأمر فيها ، رأى أن الشام يجب أن تبايع ، فأرسل جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه و معه كتاباً لمعاوية يطلب منه البيعة ، و يذكره بما حدث في الجمل ، فلما وصل جرير أعطى لمعاوية الكتاب ، فأرسل معاوية يستشير رؤوس الشام ، فأبوا البيعة إلا بأخذ الثأر من قتلة عثمان ، و كان هذا الرفض من معاوية هو الانتقام لمقتل عثمان ، حيث أنه معاوية كان يرى أنه على قوة في الشام و أنه لن يفرط في هذه القوة إلا بالانتقام لمقتل عثمان رضي الله عنه ، و أنه ولي دم عثمان ، لأنه صار رأس بني أمية مكانةً ، و قد تحدد موقفهم منذ اللحظة التي حمل فيها النعمان بن بشير رضي الله عنه قميص عثمان و هو ملطخ بدمائه و معه أصابع نائلة زوجة عثمان فوضع القميص على المنبر في الشام ليراه الناس و الأصابع معلقة في كم القميص ، و ندب معاوية الناس للأخذ بثأر عثمان و القصاص من قتلته ، و قد قام مع معاوية جماعة من الصحابة في هذا الشان ، و علي رضي الله عنه كان يقول تبايع ثم ننظر في قتلة عثمان . تاريخ الطبري (4/562) و البداية و النهاية لابن كثير (7/228) .
إذاً الاختلاف بين معاوية و علي هو في أيهما قبل ، فهو خلاف أولويات ، و هذا رد على من يزعم أن معاوية رضي الله عنه كان يريد و يطمع في الخلافة .
توقفنا في الحلقة الماضية عند الحديث عن موقف معاوية من البيعة لعلي رضي الله عنهما ، واليوم سنرى الأحداث التي تخللت حرب صفين .
رجع جرير إلى علي بالخبر ، و جاء رسول من معاوية إلى علي رضي الله عنه فلما دخل عليه و استأمن لنفسه قال : لقد تركت ورائي ستين ألف شيخ يبكون على قميص عثمان ، و هو منصوب لهم و قد ألبسوه منبر دمشق قال علي : مني يطلبون دم عثمان ! ثم قال : اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان نجا والله قتلة عثمان إلا أن يشاء الله . تاريخ الطبري (4/444) . وبدأ علي يستعد للتوجه نحو الشام .
في بداية ذي الحجة من سنة (36 ه) خرج علي رضي الله عنه متوجهاً نحو الشام و كان عدد جيشه كما قدرته بعض الروايات ما بين خمسين ألفاً و مائة ألفاً مقاتل . تاريخ خليفة (ص 193) بسند حسن .
فتحرك نحو الشام فوصل إلى منطقة النخيلة ، و قد ضم عدداً من الصحابة البدريين و أصحاب بيعة الرضوان ، وقد بالغ ابن دحية في تقدير أعدادهم حتى ذكر أنهم سبعمائة من أصحاب الشجرة ، و ذلك لبيان أن الحق مع علي ، و لكن ترجيح موقف علي واضح لا يحتاج إلى هذه المبالغات ، انظر : عصر الخلافة الراشدة لأكرم العمري ( ص 465-467) .
فوصلت الأخبار إلى معاوية بتحرك جيش علي فتجهز هو أيضاً بجيش كبير ، حيث قدرته بعض الروايات الضعيفة بستين ألفاً أو سبعين ألفاً أو مائة وعشرين ألفاً . الذهبي تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين (ص 545) بدون سند و تاريخ خليفة (ص 193) بسند فيه مجاهيل و البداية و النهاية لابن كثير (7/275) بدون سند ، أنظر : عصر الخلافة الراشدة لأكرم العمري (ص 465) . فخرج حتى عسكر في صفين - موضع على شاطئ الفرات من الجانب الغربي ، بقرب الرقة ، آخر تخوم العراق و أول أرض الشام . انظر : معجم البلدان (3/414) - ، فخيم هناك عند الماء و انتظر وصول جيش علي رضي الله عنه . تاريخ الطبري (4/563) .
فلما وصل جيش علي رضي الله عنه إلى صفين كان جيش معاوية قد احتل موارد الماء ، في حين كان جيش علي في منطقة لا ماء فيها ، فأرسل علي إلى معاوية يطلب منه أن يدع الماء بينهما ، فتشاور معاوية مع القادة فاختلفوا فقرر معاوية أن يمنع الماء و لكن يكون منعاً صورياً فقط ، و وضع كتيبة صغيرة على الماء ، فجاء الناس ليشربوا فمنعوهم ، فاشتكى الناس لعلي فقال أرسلوا إلى الأشعث فجاء فقال : ائتوني بدرع ابن سهر - رجل من بني براء - فصبها عليه ثم أتاهم فقاتلهم حتى أزالهم عن الماء . ذكره ابن أبي شيبة في المصنف (15/292) و خليفة بن خياط في تاريخه (ص 193) و هو حسن الإسناد .
هنا احتل جيش علي الماء ، فقال علي : دعوهم فإن الماء لا يمنع . ابن حجر في تهذيب (1/359) . و مصنف ابن أبي شيبة (15/294) و تاريخ خليفة (ص 193) بسند حسن . فأمر بالسماح لمن شاء بالشرب ، فاجتمع الجيشان حول ماء صفين .
على أن هناك رواية أخرى تردّ القتال من أصله أخرجها عبد الله بن الإمام أحمد قال : حدثني أبي قال : حدثنا أبو المغيرة الخولاني - ثقة - حدثنا صفوان بن عمرو - ثقة - حدثني أبو الصلت سليم الحضرمي - ذكره ابن أبي حاتم و لم يذكر فيه جرحاً و لا تعديلاً ، الجرح و التعديل (4/212) - و لو وقف على توثيق له لنسفت هذه الرواية روايات أبي مخنف الكذاب والتي تذكر القتال حول الماء ، من أصلها . انظر الكلام حول القتال عند الماء في مرويات أبي مخنف (ص 289-296) - قال : حلنا بين أهل العراق و بين الماء ، فأتانا فارس ، ثم حسر فإذا هو الأشعث بن قيس فقال : الله الله يا معاوية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ! هبوا أنكم قتلتم أهل العراق ، فمن للبعوث و الذراري ؟ أم هبوا أنا قتلناكم ، فمن للبعوث و الذراري ؟ إن الله يقول :{ و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما }الحجرات/9
. قال معاوية : فما تريد ؟ قال : خلوا بيننا و بين الماء . فقال لأبي الأعور خل بين إخواننا و بين الماء . تهذيب الكمال (3/286-295) و سير أعلام النبلاء (2/41) و النص منقول منه .
وقد وصف أبو العالية الرفاعي - شاهد عيان ثقة (ت 90 ه) المعركة بقوله : لما كان زمن علي رضي الله عنه و معاوية ، و إني لشاب القتال أحب إليّ من الطعام الطيب ، فتجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم فإذا صفان لا يُرى طرفاهما ، إذا كبر هؤلاء كبر هؤلاء ، و إذا هللّ هؤلاء هللّ هؤلاء . قال : فراجعت نفسي فقلت : أي الفريقين أنزله كافراً ، و أي الفريقين أنزله مؤمناً ؟ فما أمسيت حتى رجعت و تركتهم . طبقات ابن سعد (7/114) .
و لم ينفرد أبو العالية بالتردد و الشك ثم التوقف عن القتال ، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص يصرح بحقيقة مشاعره و هو يقف إلى جوار أبيه بيده الراية و يتقدم في الجيش الشامي منزلة أو منزلتين : مالي و لصفين !! مالي و لقتال المسلمين !! لوددت أني مت قبله بعشر سنين أما والله على ذلك ما ضربت بسيف و لا طعنت برمح و لا رميت بسهم . طبقات ابن سعد (4/266-267) بسند صحيح .
و حين عسكر علي رضي الله عنه بصفين سلك مع أهل الشام نفس الأسلوب الذي سلكه مع أهل الجمل ، فأرسل وفداً إلى معاوية يدعوه إلى الصلح ، و ما ذكره بعض المؤرخين من روايات تفيد بأن علياً أرسل بشير بن عمرو الأنصاري و سعيد بن قيس و شبث بن ربعي و عدي بن حاتم و غيرهم ليكلموا معاوية و يطلبوا منه الرضوخ لعلي و ما جرى بينهم من مناقشات و سباب و لعان و شتم لمعاوية و اتهام لبعض الصحابة في التورط في دم عثمان كعدي و عمار و علي و أن معاوية تباطأ في إرسال العون طمعاً في أن تكون الخلافة له . هذا كله كذب ملفق ليس له أصل من الصحة ، بطله أبو مخنف الكذاب . انظر هذه الروايات و مناقشتها في مرويات أبي مخنف (ص 297-310) .
ذكر أبو حنيفة الدينوري في الأخبار الطوال (ص 162) أن معاوية كتب إلى علي يقول له : فإن كنت صادقاً فأمكنا من قتلة -أي عثمان - نقتلهم به و نحن أسرع الناس إليك ، و إلا فليس لك و لأصحابك عندنا إلا السيف ، فوالله الذي لا إله غيره لنطلبن قتلة عثمان في البر و البحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله و السلام .
و ذكر القاضي ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم (ص 166) ، أن سبب القتال بين أهل الشام و أهل العراق يرجع إلى تباين المواقف بينهما : فهؤلاء -أي أهل العراق - يدعون إلى علي بالبيعة و تأليف الكلمة على الإمام ، و هؤلاء - أي أهل الشام - يدعون إلى التمكين من قتلة عثمان و يقولون : لا نبايع من يؤوي القتلة .
هنا قد يتساءل سائل لماذا أبقى علي رضي الله عنه على أهل الفتنة في جيشه بعد أن فرغ من حرب الجمل ولم يخرجهم من جيشه أثناء توجهه إلى الشام ؟
قلت : كان سبب إبقاء علي على أهل الفتنة في جيشه أنهم كانوا سادات في أقوامهم ، فكان علي يرى أن يصبر عليهم إلى أن تستقر الأمور .
وقد أجاب عن ذلك الإمام الطحاوي في شرح الطحاوية (ص 483) بقوله : و كان في عسكر علي رضي الله عنه من أولئك الطغاة الخوارج الذين قتلوا عثمان ، من لم يُعرف بعينه و من تنتصر له قبيلته ، و من لم تقم عليه حجة بما فعله ، و من قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله .
و على كل حال كان موقفه منهم موقف المحتاط منهم ، المتبرئ من فعلهم .و هو و إن كان لم يخرجهم من عسكره فقد كان يعاملهم بحذر و ينظر إليهم بشزر ، حتى قال الإمام الطبري في تاريخه (4/445) : بأنه لم يول أحد منهم أثناء استعداده للمسير إلى الشام ، حيث دعا ولده محمد بن الحنفية و سلمه اللواء و جعل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قائد الميمنة و عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه على الميسرة و جعل على مقدمة الجيش أبا ليلى بن عمر بن الجراح و استخلف على المدينة قثم بن العباس رضي الله عنهم .
و هذه بادرة منه رضي الله عنه ليعلن تبرؤه من أولئك المارقين ، و يثبت قدرته على السيطرة على أمر المسلمين من غير عون منهم ، فقد كان له في المسلمين الموالين له و المؤيدين لخلافته ما يغنيه عن الاستعانة بهم و التودد إليهم . و هذا أقصى ما يمكنه فعله بتلك الطائفة إذ ذاك ، و هو كافٍ في عذره لأنهم مئات و لهم قرابة و عشائر في جيشه ، فما يأمن لو عاملهم بأكثر من هذا من الشدة أن يمتد حبل الفتنة في الأمة ، كما حصل ذلك لطلحة و الزبير و عائشة بالبصرة حين قتلوا بعضاً منهم ، فغضب لهم قبائلهم و اعتزلوهم . إفادة الأخيار للتباني (2/52) .
توقفنا في الحلقة الماضية عند الحديث حول الاستعداد لحرب صفين ، وما سبقها من أحداث واستعدادات ، واليوم إن شاء الله سوف يكون الحديث عن أحداث هذه الحرب .
مقدمات معركة صفين ..
بدأ القتال و تقاتل الناس لكنه كان قتالاً خفيفاً لمدة أسبوع لم يكن لأحد على أحد غلبة حيث أرسل علي
رضي الله عنه كتيبة فأخرج له معاوية كتيبة فتقاتلتا و لم تستطع إحداهما أن تحسم الأمر فرجعتا ، فأرسل كتيبة أخرى و هكذا ظل الأمر طيلة شهر ذي الحجة . حتى إن المؤرخين يقولون أن معركة صفين حدثت فيها أكثر من سبعين جولة ووقعة . ذكره ابن حجر في الفتح (13/92) .
فلما انتهى شهر ذي الحجة أرسل علي رضي الله عنه إلى معاوية و قال له : هل لك إلىأن نتهادن شهراً و أن لا يحدث فيه قتال ، لعل أن نتفاوض و نتفاهم ؟ و كان الأمل في الصلح يحدوا الجميع ، حيث إن علياً رضي الله عنه غير راغب في القتال أصلاً ، فهو يريد أن يؤخر القتال قدر المستطاع و كذلك معاوية ، فلم يكد يعرض عليه علي هذا الأمر حتى بادر معاوية بالموافقة على إيقاف القتال في شهر المحرم .
و فعلاً ما كاد يدخل شهر المحرم حتى توقف القتال تماماً و الجيشان في أماكنهما يتزاورون و يتسامرون في الليل ، و لا غرابة في ذلك لأنه لم تكن بين الجيشين أحقاد ، بل كان كل طرف ينافح عما يعتقده حقاً ، و لأنهم كانوا أهلاً من نفس القبائل و العشائر . المنتظم لابن الجوزي (5/117-118) .
ذكر يحيى بن سليمان الجعفي - أحد شيوخ البخاري - في كتاب صفين من تأليفه بسند جيد عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية : أنت تنازع علياً أو أنت مثله ؟ قال : لا و إني لأعلم أنه أفضل مني و أحق بالأمر ، و لكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً و أنا ابن عمه و وليه أطلب بدمه ؟ فأتوا علياً فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان ، فأتوه فكلموه فقال : يدخل في البيعة و يحاكمهم إلي ، فامتنع معاوية فسار علي في الجيش من العراق حتى نزل بصفين و سار معاوية حتى نزل هناك و ذلك في ذي الحجة سنة ست و ثلاثين ، فتراسلوا فلم يتم لهم أمر . سير أعلام النبلاء (3/140) . و ابن عساكر في تاريخ دمشق ( 59/132) و ابن حجر في الفتح (13/92) و حسن ابن حجر إسناده .
و انتهت الهدنة و بدأت غرة صفر و بدأت الوقعة . و في اليوم الثامن من صفر عزم علي على أن يحسم الأمر فقرر أن تكون هجمة كاملة ، فتجهز الناس و أمر علي بالهجوم فتقاتلوا و استمر القتال ثلاثة أيام لا يتوقف . المنتظم لابن الجوزي (5/118) . و قد التزم كلٌ من الطرفين بأحكام قتال البغاة .
روى الحاكم بسند صحيح عن أبي أمامة قال : شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح ، و لا يطلبون مولياً و لا يسلبون قتيلاً . انظر إرواء الغليل (8/114) و المستدرك (2/155) و البيهقي في سننه (8/182) . و طبقات ابن سعد (7/411) .
و ثبت بالإجماع أن علي بن أبي طالب لم يصادر شيئاً من أموال البغاة . و أما ما ذكره أبو مخنف من أخذ أموالهم التي كانت بالعسكر ، فهذا لا يصح إذ الإجماع منعقد على حرمة أموالهم و لم تصح هذه الرواية عند الفقهاء و لذلك لم يأخذوا بها .
ولم يكن الطرفان يكفر بعضهما ، لكن بعض الجند المتحمسين في جيش علي رضي الله عنه كانوا يلعنون
و يكفرون الشاميين ، فلا يلقى من قادته إلا النهر و التوبيخ ، و من طريق زياد بن الحارث ، قال : كنت إلى جنب عمار فقال رجل : كفر أهل الشام ، فقال عمار : لا تقولوا ذلك نبينا و نبيهم واحد و قبلتنا و قبلتهم واحدة، لكنهم قوم مفترون جاروا عن الحق ، علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا . مصنف ابن أبي شيبة (15/294) .
و قال رجل يوم صفين : اللهم العن أهل الشام ، فقال علي رضي الله عنه : لا تسب أهل الشام جمعاً غفيراً فإن بها الأبدال ، فإن بها الأبدال ، فإن بها الأبدال . مصنف عبد الرزاق (11/249) . و الأبدال هم من تميزوا عن غيرهم بالعلم و العبادة ، انظر فضائل الصحابة للإمام أحمد (2/905) .
روى الحاكم في المستدرك ، عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال : سمعت عمار بن ياسر بصفين في اليوم الذي قتل فيه و هو ينادي : أزلفت الجنة و زوجت الحور العين اليوم نلقى حبيبنا محمداً صلى الله عليه
وسلم ، عهد إلىّ أن آخر زادك من الدنيا ضَيح لبن . المستدرك (3/389) و المسند (4/319) و ابن سعد (3/258) . و الضيح بالفتح هو اللبن الخاتر يصب فيه الماء ثم يخلط .
ثم إن أبو الغادية الفزاري و هو أحد الجنود في جيش الشام ، قام و قتل عمار رضي الله عنه . تاريخ الإسلام للذهبي عهد الخلفاء الراشدين (ص 582) .
قال الإمام أحمد رحمه الله : عن أبي غادية قال : قتل عمار بن ياسر فأخبره عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن قاتله و سالبه في النار . فقيل لعمرو فإنك هو ذا تقاتله قال : إنما قال قاتله و سالبه . و غادية هذا صحابي و هو قاتل عمار و قد روى الحديث هذا ، ثم صار بعد يستأذن على معاوية و يقول : قاتل عمار ، و الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : قاتل عمار في النار . انظر : الصحيح المسند من دلائل النبوة (ص 424) و الحديث في المسند (4/198) و هو حسن .
روى الإمام أحمد في المسند (2/206-207) قال : حدثني أسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد العنبري قال : بينما أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار ، يقول كل واحد منهما أنا قاتله . فقال عبد الله بن عمرو بن العاص : ليطب به أحدكما نفساً لصاحبه فإني سمعت يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا قال أبي : تقتله الفئة الباغية ، فقال معاوية : ألا تغني عنا مجنونك يا عمرو ؟ فما بالك معنا ؟ قال : إن أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أطع أباك ما دام حياً و لا تعصه . فأنا معكم و لست أقاتل .
و روى الإمام أحمد في المسند (2/206) و (4/199) ، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه قال : لما قتل عمار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال : قتل عمار و قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقتله الفئة الباغية ، فقام عمرو بن العاص فزعاً يرجع - أي يقول إنا لله و إنا إليه راجعون - حتى دخل على معاوية فقال له معاوية ما شأنك ؟ قال : قتل عمار ، فقال معاوية : قد قتل عمار فماذا ؟ قال عمرو : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تقتله الفئة الباغية ، فقال له معاوية : دحضت في بولك أي زللت و زلقت - أو نحن قتلناه ، إنما قتله علي و أصحابه جاءوا به حتى ألقوه بين رماحنا .
هذا غير مقبول من معاوية رضي الله عنه ، ولكن ليس معناه أن معاوية قد كفر كما تدعي الرافضة ، و لكنه رضي الله عنه كان مجتهداً فأخطأ و بغيه لا يخرجه عن الإيمان لقوله تعالى { و إن طائفتان من المؤمنين .. إلى قوله إلى أمر الله } فسماهم الله مؤمنين . انظر هذا الأمر في : صحيح المسند من دلائل النبوة (ص 424-425) ، و قد رد علي رضي الله عنه بأن محمداً صلى الله عليه وسلم إذاً قتل حمزة حين أخرجه . و هذا الحديث موجود في مصنف عبد الرزاق (11/240) بسند صحيح .
و كان الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو من أقوى الحجج على أن علي رضي الله عنه أولى بالحق ،
و أن معاوية رضي الله عنه بغى عليه ، لكن معاوية تأول الحديث فاستطاع رضي الله عنه أن يحفظ جيشه
من الانسحاب و الفتنة و أن يرفع من معنويات الجند بقوله إنما قتل عمار من جاء به .
نكتة حول حديث :-
ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة و يدعونه إلى النار، قال يقول عمار : أعوذ بالله من الفتن . رواه البخاري مع الفتح من حديث أبي سعيد (1/644) .
قال الحافظ ابن حجر : قوله ( يدعوهم ) أعاد الضمير على غير مذكور ، و المراد قتلته كما ثبت من وجه آخر ( تقتله الفئة الباغية يدعوهم الخ ) ، فإن قيل : كان قتله بصفين و هو مع علي ، والذين قتلوه مع معاوية ، و كان معه جماعة من الصحابة ، فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار ؟ فالجواب : أنهم كانوا ظانين أنهم يدعون إلى الجنة ، و هم مجتهدون لا لوم عليهم في اتباع ظنونهم ، فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها و هو طاعة الإمام ، و كذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة علي ، و هو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك ، و كانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك ، لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم .
و قال ابن بطال تبعاً للمهلب : إنما يصح هذا في الخوارج الذين بعث علي عماراً يدعوهم إلى الجماعة ، ولا يصح في أحد من الصحابة . وتابعه على هذا الكلام جماعة من الشّراح . و فيه نظر من أوجه :-
أحدها : أن الخوارج إنما خرجوا على علي بعد قتل عمار بلا خلاف بين أهل العلم بذلك ، فإن ابتداء أمر الخوارج كان عقب التحكيم ، و كان التحكيم عقب انتهاء القتال بصفين ، وكان قتل عمار قبل ذلك قطعاً ، فكيف يبعثه إليهم علي بعد موته .
ثانيهما : أن الذين بعث إليهم علي عماراً إنما هم أهل الكوفة .
ثالثهما : أنه شرح على ظهر ما وقع في هذه الرواية الناقصة ، و يمكن حمله على أن المراد بالذين يدعونه إلى النار كفار قريش كما صرح به بعض الشراح ، لكن وقع في رواية ابن السكن و كريمة و غيرهما و كذا ثبت في نسخة الصغاني التي ذكر أنه قابلها على نسخة الفربري التي بخطه زيادة توضيح المراد و تفصح بأن الضمير يعود على قتلته وهم أهل الشام ، و لفظة (ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم ) الحديث ، و اعلم أن هذه الزيادة لم يذكرها الحميدي في الجمع و قال : إن البخاري لم يذكرها أصلاً ، و كذا قال أبو مسعود . قال الحميدي : و لعلها لم تقع للبخاري ، أو وقعت فحذفها عمداً . و قد أخرجها الإسماعيلي و البرقاني في هذا الحديث .
قلت أي ابن حجر - : و يظهر لي أن البخاري حذفها عمداً و ذلك لنكتة خفية ، و هي أن أبا سعيد الخدري اعترف أنه لم يسمع هذه الزيادة من النبي صلى الله عليه وسلم ، فدل على أنها في هذه الرواية مدرجة ، و الرواية التي بينت ذلك ليست على شرط البخاري ، و قد أخرجها البزار من طريق داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد فذكر الحديث في بناء المسجد و حملهم لبنة لبنة و فيه فقال أبو سعيد : فحدثني أصحابي ، و لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية ، و ابن سمية هو عمار ، و سمية اسم أمه . و هذا الإسناد على شرط مسلم ، و قد عين أبو سعيد من حدثه بذلك ، ففي مسلم و النسائي من طريق أبي سلمة عن أبي سعيد قال : حدثني من هو خير مني أبو قتادة ، فذكره . فاقتصر البخاري على القدر الذي سمعه أبو سعيد من النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره ، و هذا دال على دقة فهمه و تبحره في الإطلاع على علل الأحاديث .
و في هذا الحديث زيادة أيضاً لم تقع في رواية البخاري و هي عند الإسماعيلي و أبي نعيم في المستخرج من طريق خالد الواسطي عن خالد الحذاء و هي : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عمار ألا تحمل كما يحمل أصحابك ؟ قال : إني أريد من الله الأجر . أنظر هذه النكتة في : فتح الباري (1/645-646) .
هذا و قد روى حديث تقتل عمار الفئة الباغية ، جماعة من الصحابة منهم قتادة بن النعمان و أم سلمة عند مسلم و أبو هريرة عند الترمذي و عبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي و عثمان بن عفان و حذيفة و أبو أيوب و أبو رافع و خزيمة بن ثابت و معاوية و عمرو بن العاص و أبو اليسر و عمار نفسه ، و كلها عند الطبراني و غيره ، و غالب طرقه صحيحة أو حسنة و فيه عن جماعة آخرين يطول عدهم و في هذا الحديث علم من أعلام النبوة و فضيلة ظاهرة لعلي و لعمار ، و ردّ على النواصب الزاعمين أن علياً لم يكن مصيباً في حروبه . انظر : الصحيح المسند من دلائل النبوة (ص 422-423) و مسلم رقم ( 7253 ) و الترمذي (5/669) .
استمر القتال سجالاً و كثر القتل بين الناس و هم لا يتوقفون . ثم إن علياً رضي الله عنه شد في الهجوم على جيش معاوية فكانت تلك الليلة من أشد الليالي حتى سميت بليلة الهرير . المنتظم (5/120) .
فطحنت المعركة ألوفاً من الجانبين ، و كلّ الباقون من القتال ، هنا تفتق ذهن عمرو بن العاص عن فكرة التحكيم التي أنقذت الجيش الشامي من الهزيمة ، فأرسل معاوية رجلاً يحمل المصحف إلى علي و يقول : بيننا و بينكم كتاب الله فقال علي : أنا أولى بذلك بيننا كتاب الله . و توقف القتال و انسحب الفريقان ، وقدر محمد بن سيرين عدد القتلى في هذه المعركة بحوالي سبعين ألف رجل كان منهم خمس و أربعين ألف شخص من جيش الشام ، أي كان نصف الجيش قد فني فما قدروا على عدّهم إلا بالقصب ، وضعوا على كل إنسان قصبة ، ثم عدوا القصب . الذهبي في تاريخ الإسلام عهد الخلفاء الراشدين (ص 545) و معجم البلدان (3/414-415) . و مصنف ابن أبي شيبة (15/295) بإسناد حسن لكنه من مرسل ابن سيرين . و تاريخ خليفة (ص 194) مختصراً .
و سئل علي رضي الله عنه عن قتلى الفريقين يوم صفين فقال : قتلانا و قتلاهم في الجنة ، يصير الأمر إلي
و إلى معاوية . المعجم الكبير للطبراني (19/307) .
يصف سالم بن عبيد الأشجعي و هو صحابي شهد المعركة موقف علي رضي الله عنه فيقول : رأيت علياً بعد صفين و هو أخذ بيدي ، و نحن نمشي في القتلى فجعل علي يستغفر لهم حتى بلغ أهل الشام فقلت له : يا أمير المؤمنين إنّا في أصحاب معاوية !؟ فقال علي : إنما الحساب عليّ و على معاوية . مصنف ابن أبي شيبة (15/303) . أي أنه يرى نفسه و معاوية مسؤلين عما حدث و هما يحاسبان على ذلك .
و ما حصل من قتال بين علي و معاوية لم يكن يريده واحد منهما ، بل كان في الجيش من أهل الأهواء من يحرص على القتال ، الأمر الذي أدى إلى نشوب تلك المعركة الطاحنة ، و خروج الأمر من يد علي و معاوية رضي الله عنهما . أشراط الساعة ليوسف الوابل (ص 103) .
و أكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا علياً و لا معاوية ، و كان علي و معاوية رضي الله عنهما أطلب لكف الدماء من أكثر المتقاتلين ، لكن غلبا فيما وقع ، و الفتنة إذا ثارت ؛ عجز الحكماء عن إطفاء نارها .
فكان في العسكرين قوم ينتصرون لعثمان غاية الانتصار و قوم ينفرون عنه ، و قوم ينتصرون لعلي و قوم ينفرون عنه ، ثم قتال أصحاب معاوية لم يكن لخصوص معاوية ، بل كان لأسباب أخرى . و قتال الفتنة مثل قتال الجاهلية ، لا تنضبط مقاصد أهله و اعتقاداتهم ؛ و كما قال الزهري : هاجت الفتنة الأولى و أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون و فيهم البدريون ، فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن ؛ فإنه هدر أنزلوه منزلة الجاهلية . منهاج السنة لابن تيمية (4/452-458) . و البيهقي في السنن الكبرى (8/174-175) .
و من المعروف و المتفق عليه بين الإخباريين و المؤرخين أن الخلاف بين علي و معاوية ، كان سببه طلب تعجيل القصاص من قتلة عثمان . و من الملاحظ أن الصحابة رضوان الله عليهم متفقون على إقامة حدّ القصاص على قتلة عثمان ، لكن الخلاف بينهم وقع في مسألة التقديم أو التأخير ، فمعاوية رضي الله عنه و من معه كانوا يرون تعجيل أخذ القصاص من الذين حصروا الخليفة حتى قتل ، و أن البداءة بقتلهم أولى ، بينما رأى أمير المؤمنين علي و من معه تأخيره حتى يوطد مركز الخلافة و يتقدم أولياء عثمان بالدعوى عنده على معيّنين ، فيحكم لهم بعد إقامة البيّنة عليهم ، لأن هؤلاء المحاصرين لأمير المؤمنين عثمان ليسوا نفراً من قبيلة معيّنة بل من قبائل مختلفة . على أن استعجال تنفيذ القصاص بدون إقامة الدعوى من أولياء المقتول عند الإمام ، و حكمه على القاتل ، يؤدي لا محالة إلى انتشار الفتنة بحرب طاحنة يذهب فيها كثير من الأبرياء .
و لذلك كان رأي علي رضي الله عنه أسدّ و أصوب من رأي معاوية رضي الله عنه كما نطقت بذلك النصوص الشرعية .
و قد اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتصّ من أحد و يأخذ حقه دون السلطان ، أو من نصبه السلطان لهذا الأمر ، لأن ذلك يفضي إلى الفتنة و إشاعة الفوضى . و لهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض . الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/256) في تفسير سورة البقرة الآية (179) .
و الظاهر أن معاوية رضي الله عنه اعتقد و فهم أن قتل عثمان رضي الله عنه منكر من أعظم المنكرات ،
و إزالة المنكر من حيث هو لمن قدر عليه فرض كفاية لا يتوقف على إمام يرجع إليه فيه ، و منزلته في الإسلام و عند المسلمين تخوّل له ذلك ، وقد خفي عليه أن إزالة هذا المنكر يتعلق بالقصاص مع المرتكبين له ، وأخذ القصاص منهم يتوقف على الإمام و إقامة أولياء المقتول البينة على الجاني عنده ، ثم حكمه بمقتضى ذلك ، لكن اجتهاده أداه إلى ذلك فما يمكن أن يقال فيه إنه مجتهد مخطئ له أجر واحد على اجتهاده .
على أن طلحة و الزبير رضي الله عنهما أقرب إلى الصواب من معاوية رضي الله عنه من أربعة أوجه :-
1- مبايعتهما لعلي طائعين مع اعترافهما بفضله، و معاوية لم يبايعه و إن كان معترفاً بفضله . تاريخ الطبري (4/438) ، و مصنف ابن أبي شيبة ( 15/271-274) .
2- منزلتهما في الإسلام و عند المسلمين و معاوية لاشك دونهما فيها . كان طلحة و الزبير رضي الله عنهما من السابقين الأولين و من العشرة المبشرين بالجنة ، بينما كان معاوية رضي الله عنه من مسلمة الفتح .
3- أنهما أرادا الإصلاح بين الناس ، ولم يتعمدوا محاربة علي و من معه في وقعة الجمل ، بينما أصر معاوية على حرب علي و من معه في صفين .
4- أنهما لم يتهما علياً بالهوادة في أخذ القصاص من قتلة عثمان ، و معاوية و من معه اتهمه بذلك . تاريخ الطبري ( 4/444) و (4/454) و (4/462-464) و البداية والنهاية لابن كثير (7/259) .
و قد شاع بين الناس قديماً و حديثاً أن الخلاف بين علي و معاوية رضي الله عنهما كان سببه طمع معاوية في الخلافة ، و أن خروج معاوية على علي و امتناعه عن بيعته كان بسبب عزله عن ولاية الشام .
و قد جاء في كتاب الإمامة و السياسة المنسوب لابن قتيبة الدينوري رواية تذكر أن معاوية ادّعى الخلافة ،
و ذلك من خلال الرواية التي ورد فيها ما قاله ابن الكواء لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه : اعلم أن معاوية طليق الإسلام و أن أباه رأس الأحزاب ، و أنه ادعى الخلافة من غير مشورة فإن صدقك فقد حلّ خلعه و إن كذبك فقد حرم عليك كلامه . الإمامة و السياسة (1/113) .
لكن الصحيح أن الخلاف بين علي و معاوية رضي الله عنهما كان حول مدى وجوب بيعة معاوية و أصحابه لعلي قبل إيقاع القصاص على قتلة عثمان أو بعده ، و ليس هذا من أمر الخلافة في شيء . فقد كان رأي معاوية رضي الله عنه و من حوله من أهل الشام أن يقتص علي رضي الله عنه من قتلة عثمان ثم يدخلوا بعد ذلك في البيعة .
يقول إمام الحرمين الجويني في لمع الأدلة : إن معاوية و إن قاتل علياً فإنه لا ينكر إمامته و لا يدعيها لنفسه ، و إنما كان يطلب قتلة عثمان ظناً منه أنه مصيب ، و كان مخطئاً . لمع الأدلة في عقائد أهل السنة للجويني (ص 115) .
أما شيخ الإسلام فيقول : بأن معاوية لم يدّع الخلافة و لم يبايع له بها حتى قتل علي ، فلم يقاتل على أنه
خليفة ، و لا أنه يستحقها ، و كان يقر بذلك لمن يسأله . مجموع الفتاوى ( 35/72) .
و يورد ابن كثير في البداية و النهاية (7/360) ، عن ابن ديزيل - هو إبراهيم بن الحسين بن علي الهمداني المعروف بابن ديزيل الإمام الحافظ (ت 281 ه) انظر : تاريخ دمشق (6/387) و سير أعلام النبلاء (13/184-192) و لسان الميزان لابن حجر (1/48) - ، بإسناد إلى أبي الدرداء و أبي أمامة رضي الله عنهما ، أنهما دخلا على معاوية فقالا له : يا معاوية ! علام تقاتل هذا الرجل ؟ فوالله إنه أقدم منك و من أبيك إسلاماً ، و أقرب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و أحق بهذا الأمر منك . فقال : أقاتله على دم عثمان ، و أنه آوى قتلة عثمان، فاذهبا إليه فقولا : فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام .
و يقول ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة ( ص 325) : و من اعتقاد أهل السنة و الجماعة أن ما جرى بين معاوية و علي رضي الله عنهما من الحرب ، لم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على أحقيتها لعلي .. فلم تهج الفتنة بسببها ، و إنما هاجت بسبب أن معاوية و من معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه ، فامتنع علي .
و هكذا تتضافر الروايات و تشير إلى أن معاوية رضي الله عنه خرج للمطالبة بدم عثمان ، و أنه صرح بدخوله في طاعة علي رضي الله عنه إذا أقيم الحد على قتلة عثمان . و لو افترض أنه اتخذ قضية القصاص
و الثأر لعثمان ذريعة لقتال علي طمعاً في السلطة ، فماذا سيحدث لو تمكن علي من إقامة الحد على قتلة عثمان .
حتماً ستكون النتيجة خضوع معاوية لعلي و مبايعته له ، لأنه التزم بذلك في موقفه من تلك الفتنة ، كما أن كل من حارب معه كانوا يقاتلون على أساس إقامة الحد على قتلة عثمان ، على أن معاوية إذا كان يخفي في نفسه شيئاً آخر لم يعلن عنه ، سيكون هذا الموقف بالتالي مغامرة ، و لا يمكن أن يقدم عليه إذا كان ذا أطماع .
إن معاوية رضي الله عنه كان من كتاب الوحي ، و من أفاضل الصحابة ، و أصدقهم لهجة ، و أكثرهم حلماً فكيف يعتقد أن يقاتل الخليفة الشرعي و يريق دماء المسلمين من أجل ملك زائل ، و هو القائل : والله لا أخير بين أمرين ، بين الله و بين غيره إلا اخترت الله على ما سواه . سير أعلام النبلاء للذهبي (3/151) .
أما وجه الخطأ في موقفه من مقتل عثمان رضي الله عنه فيظهر في رفضه أن يبايع لعلي رضي الله عنه قبل
مبادرته إلى القصاص من قتلة عثمان ، بل و يلتمس منه أن يمكنه منهم ، مع العلم أن الطالب للدم لا يصح أن يحكم ، بل يدخل في الطاعة و يرفع دعواه إلى الحاكم و يطلب الحق عنده .
و يمكن أن نقول إن معاوية رضي الله عنه كان مجتهداً متأولاً يغلب على ظنه أن الحق معه ، فقد قام خطيباً في أهل الشام بعد أن جمعهم و ذكّرهم أنه ولي عثمان -ابن عمه - و قد قتل مظلوماً و قرأ عليهم الآية الكريمة {و من قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا }الإسراء/33
ثم قال : أنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان ، فقام أهل الشام جميعهم و أجابوا إلى الطلب بدم عثمان ، و بايعوه على ذلك و أعطوه العهود و المواثيق على أن يبذلوا أنفسهم و أموالهم حتى يدركوا ثأرهم أو يفني الله أرواحهم . انظر : تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (2/150-152) .
فائدة ..
يقول ابن العربي : و لا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إثارة الفتنة و تشتيت الكلمة . أحكام القرآن لابن العربي (4/1718) ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (8/318) في تفسير سورة الحجرات .
و يناقش الإمام الباقلاني هذا الموضوع في التمهيد في الرد على الملحدة (ص 231) فيقول : و على أنه إذا ثبت أن علياً ممن يرى قتل الجماعة بالواحد ، فلم يجز أن يقتل جميع قتلة عثمان إلا بأن تقوم البينة على القتلة بأعيانهم ، و بأن يحضر أولياء الدم مجلسه و يطلبون بدم أبيهم و وليهم .. و إن قتل قتلة عثمان ، لا يؤدي إلى هرج عظيم و فساد شديد ، قد يكون فيه مثل قتل عثمان أو أعظم منه ، و إنّ تأخير إقامة الحد إلى وقت إمكانه و تقصّي الحق فيه أولى و أصلح للأمة و ألمّ لشعثهم و أنفى للفساد و التهمة عنهم .
و إن السياسة الحكيمة تقتضي ما كان ينادي به أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من التريث و الأناة و عدم الاستعجال ؛ إذ إن الأمر يحتاج إلى وحدة الصف و الكلمة لإيجاد موقف موحد ، و مواجهة ذلك التحدي الذي يهدد مركز الخلافة ، بيد أن الخلاف في الرأي أضعف مركز الخلافة الجديد ، و قضى بالتالي على كل الآمال في نيل ثأر الخليفة المقتول .
يقول النووي في شرح صحيح مسلم (7/167) و (18/219-220) بأن الروايات - أي عن النبي صلى الله عليه وسلم - صريحة في أن علي رضي الله عنه كان هو المصيب المحق ، و الطائفة الأخرى أصحاب معاوية كانوا بغاة متأولين ، و فيها التصريح بأن أصحاب الطائفتين مؤمنون لا يخرجون بالقتال عن الإيمان و لا يفسقون .
و لهذا فإن علياً رضي الله عنه تألم و تكدر بقتال أهل الجمل و قال بعد صفين : لو علمت أن الأمر يكون
هكذا ما خرجت . مصنف ابن أبي شيبة (15/275) و (15/293) .
و قد ندم بعض من شارك في القتال كما في الصحيح عن شقيق بن سلمة حين سئل هل شهدت صفين ؟
قال : نعم و بئست صفون . صحيح البخاري مع الفتح (13/296) .
بل نقل عن علي نفسه أن قال : لله درّ مقام سعد بن مالك و عبد الله بن عمر - أي في اعتزال الفتنة - إن كان بِراً إن أجره لعظيم و إن كان إثماً إن خطأه ليسير . مجموع الفتاوى لابن تيميمة (4/440) .
و هكذا إذا نظرنا نظرة مجملة إلى القضية سوف نجد أن الموقف الأحوط و الأمثل هو موقف الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة و آثروا عدم قتال أهل القبلة ، و ذلك أن الله تعالى إنما أمر بقتال الفئة الباغية و سماهم باغية إذا رفضت الصلح ، و لم يأمر بقتالها ابتداءً .
روى ابن سعد في الطبقات (3/143-144) ، و أبو نعيم في الحلية (1/94) ، عن ابن سيرين قال : لما قيل لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ألا تقاتل؟ إنك من أهل الشورى و أنت أحق بهذا الأمر من غيرك ؟ قال : لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان و لسان يعرف المؤمن من الكافر ، فقد جاهدت و أنا أعرف الجهاد . و قال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه الطبراني و رجاله رجال الصحيح (7/299) .
و يتخذ عبد الله بن عمر رضي الله عنه أيضاً موقف الحياد و العزلة فلم يشترك في أي قتال بين المسلمين قط ؛ روى الإمام البخاري في صحيحه مع الفتح (13/49) عن سعيد بن جبير قال : خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يحدثنا حديثاً حسناً ، قال : فبادرنا إليه رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ! حدثنا عن القتال في الفتنة و الله يقول : { و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة } فقال : هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك ؟ و إنما كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين ، و كان الدخول في دينهم فتنة و ليس كقتالكم .
و بهذا المذهب التزم إما أهل السنة أحمد بن حنبل و بنى عليه موقفه في رفض الخروج على الدولة العباسية .
و على مذهب الإمساك في الفتنة كان كذلك الإمام البخاري ، فإن تراجم أبواب كتاب الفتن من صحيحه
تنطق بذلك ، و على منواله سار الإمام مسلم و غيره من المصنفين في الحديث في هذه المسألة . تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (2/182 و 184) .
و قال الإمام الطبري : و إن أشكل الأمر - أي اشتبه و لم يمكن التميز فيه بين الحق و الباطل - فهي الحالة
التي ورد النهي عن القتال فيها . انظر الفتح لابن حجر (13/35) .
و قد رجح هذا المذهب و انتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه ، فيذكر في منهاج السنة (8/525-526) أقوال أئمة العلم في القتال ، و من ذلك قوله : و منهم من يقول كان الصواب أن لا يكون قتال ، و كان ترك القتال خيراً للطائفتين فليس في الاقتتال صواب ، و لكن علي كان أقرب إلى الحق من معاوية و القتال قتال في الفتنة ، ليس بواجب و لا مستحب و كان ترك القتال خيراً للطائفتين مع أن علياً كان أولى بالحق و هذا قول أحمد و أكثر أهل الحديث و أكثر أئمة الفقهاء ، و هو قول أكابر الصحابة و التابعين لهم بإحسان و هو قول عمران بن حصين رضي الله عنه و كان ينهى عن بيع السلاح في ذلك القتال ، و هو قول أسامة بن زيد و محمد بن مسلمة و ابن عمر و سعد بن أبي وقاص و أكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار رضي الله عنهم . و كذلك انظر الفتاوى (4/440-441) .
على أن هذا المذهب هو أقوى المذاهب و أرجحها بدلالة النصوص الشرعية و أقوال السلف الصالح السابقة الذكر ، و هو أقوى من مذهب من يرى أن الصواب هو القتال مع علي رضي الله عنه فضلاً عمن يرى أن الصواب هو القتال مع من حاربه . هذا مواقف الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة و كفوا عن القتال تمسكاً بالأحاديث الصريحة الواردة في هذا الأمر ، و التي تنهى عن القتال بين المسلمين علماً بأن الكف كان أحوط و الصلح أمثل ، و بالجملة هذا مذهب أهل الحديث عامة و من تأمله ظهر له قوة دلائله النصية و صدق نتائجه الواقعية . تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (2/180 و 187) .
و إذا نظرنا إلى روايات الإمام الطبري في هذا الموضوع - أي موقعة صفين - نجدها تبلغ أربعاً و ستين رواية كلها من طريق أبي مخنف ، و لم يخرج من غير طريقه سوى سبع روايات فقط ذكرت أحداثاً جانبية ، و هي بمجموعها لا تعدل رواية واحدة من روايات أبي مخنف المطولة . و بغض النظر عن ضعف أبي مخنف فإننا لا نستطيع أن نأخذ أحداث صفين من هذه الروايات ، ذلك أن أبا مخنف يصور لنا الوقعة من زاوية واحدة ، و هي جيش علي رضي الله عنه إذ لا يمكن مقارنته بما وصف به جيش معاوية رضي الله عنه . بل إنه لا يمكن أن يؤخذ منها حتى وصف جيش علي ؛ و السبب في هذا أن أبا مخنف ينظر إلى ذلك الجيش بعين واحدة ، و هي عين القبلية ، فقد أكثر من ذكر قبائل اليمن و قتالها و أشاد بأبطالها و رجالها .
هذا و قد ساق أبو مخنف روايات صفين في سلسلة متصلة الحلقات ، فهو يذكر الحادثة من طريق ثم يكملها من طريق آخر و هذا مما يزيد الشك فيها ، إذ إن هذا لا يظهر في الروايات التاريخية عادة ، بل لا يكون عند القراءة من كتاب أو حفظ ملحمة مكتوبة ، فينشد كل راوٍ بعضها فلا تتداخل المعلومات بين الروايات ، و إن المتمعن بهذه الروايات يرى ذلك جلياً . انظر مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري ( 279-281) بتصرف .
ونظراً لعدم حذاقة صانع الحوار - أبو مخنف - فقد أعطى الموضوع صورة تدل على أنه مصطنع فقد أقحمه بحوارات و كلمات تدل على كذب هذه الروايات .
أخوكم : أبو عبد الله الذهبي
قصة التحكيم
قال القاضي أبوبكر ابن العربي: قاصمة التحكيم (وقد تحكم الناس في التحكيم فقالوا فيه ما لا يرضاه الله وإذا لاحظتموه بعين المروءة دون الديانة. رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدمُ الدين وفي الأقل جهلٌ متين. والذي يصح من ذلك ما روى الأئمة كخليفة بن خياط (2)
(2) -هوالإمام أبوعمروخليفة بن خياط العصفري البصري، أحد أوعية العلم، ومن شيوخ الإمام البخاري. قال عنه ابن عدي: هوصدوق مستقيم الحديث من متيقظي رواة السنة توفي سنة 24.هـ. نقلاً عن حاشية محب الدين
والدار ُقطني أنه لما خرج الطائفة العراقية مائة ألف والشامية في سبعين ألفاً أوتسعين ألفاً ونزلوا على الفرات بصفين واقتتلوا في أول يوم وهوالثلاثاء على الماء فغلب أهل العراق عليه. ثم التقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة سبع وثلاثين ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت ورفعت المصاحف من أهل الشام ودعوا إلى الصلح وتفرقوا على أن تجعل كل طائفة أمرها إلى رجل حتى يكون الرجلان يحكمان بين الدعويين بالحق فكان من جهة علي أبوموسى الأشعري، ومن جهة معاوية عمروبن العاص وكان أبوموسى رجلاً تقياً ثقفاً فقيهاً عالماً حسبما بيناه في كتاب " سراج المريدين " أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم -إلى اليمن مع مُعاذ وقدمه عمر وأثنى عليه بالفهم وزعمت الطائفة التاريخية الركيكة أنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعاً في القول، وأن ابن العاص كان ذا دهاء وأرب حتى ضربت الأمثال بدهائه تأكيداً لما أرادت من الفساد. اتبع في ذلك بعض الجهال بعضاً وصنفوا فيه حكايات، وغيره من الصحابة وكان أحذق منه وأدهى، وإنما بنوا ذلك على أن عمراً لما غدر أبا موسى في قصة التحكيم صار له الذكر في الدهاء والمكر. وقالوا. [يقصد الطائفة التاريخية الركيكة}
:إنهما لما اجتمعا بأذرُح من دومه الجندل وتفاوضا اتفقا على أن يخلعا الرجلين فقال عمرولأبي موسى: اسبق بالقول فتقدم فقال: إني نظرتُ فخلعت علياً عن الأمر وينظر المسلمون لأنفسهم كما خلعت سيفي هذا من عنقي أومن - عاتقي - وأخرجه من عنقه فوضعه في الأرض. وقام عمروفوضع سيفه في الأرض وقال: إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر كما أثبت سيفي هذا في عاتقي وتقلده. فأنكر أبوموسى فقال عمرو, كذلك اتفقنا وتفرق الجمع على ذلك من الاختلاف ..
قال القاضي أبوبكر ابن العربي: هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط وإنما هوشيء أخبر عنه المبتدعة ووضعته التاريخية للملوك فتوارثه أهلُ المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع وإنما الذي روى الأئمة الثقاة الإثبات أنهما لما اجتمعا للنظر في الأمر في عُصبة كريمة من الناس منهم ابن عمر ونحوه , وعزل عمرومعاوية , وذكر الدار قطني بسنده إلى حضين بن المنذر لما عزل عمرومعاوية جاء [ابن حضين بن المنذر] فضرب فسطا طه قريباً من فسطاط معاوية فبلغ نبؤه معاوية فأرسل إليه فقال إنه بلغني عن هذا [أي عمرو] كذا وكذا (1) فاذهب فانظر ما هذا الذي بلغني عنه , فأتيته فقلت اخبرني عن هذا الأمر الذي وليت أنت وأبوموسى كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا ,ووالله ما كان الأمر على ما قالوا (2) ولكن قلت لأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى أنه في النفر الذين توفي رسول - صلى الله عليه وسلم - وهوعنهم راضٍ. قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: إن يُستعن بكما ففيكما معُونة وإن يُستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما ..... إلى أن قال ابن العربي: فهذا كان بدءُ الحديث ومنتهاه: فاعرضوا عن الغاوين، وازجروا العاوين وعرجوا عن سبيل الناكثين، إلى سنن المهتدين، وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين، وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد هلك من كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خصمه. ودعوا ما مضى، فقد قضى الله ما قضى، وخذوا لأنفسكم الجد فيما يلزمكم اعتقاداً وعملاً ولا تسترسلوا بألسنتكم فيما لا يعنيكم مع كل ناعق اتخذ الدين هملاً، فإن الله لا يضيعُ أجر من أحسن عملاً. ورحم الله الربيع بن خثيم ت 64 هـ. فإنه لما
__________
(1) - أي عزله علياً ومعاوية وتفويضه الأمر إلى كبار الصحابة
(2) -- أي أنهما لم يعزلا ولم يوليا ولكن تركا الأمر لأعيان الصحابة
قيل له: قتل الحُسين قال اقتلوه؟ قالوا: نعم فقال " اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون " الزمر الآية 46 ولم يزد على هذا أبداً. فهذا العقل والدين، والكف عن أحوال المسلمين والتسليم لرب العالمين) (1)
__________
(1) - العواصم من القواصم ص 172 - 18. بتصرف
موقعة الجمل
موقعة الجمل36هجرية
يقول الدكتور الصلابي في كتابه (سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه شخصيتة وعصره): قدم طلحة والزبير إلى مكة ولقيا عائشة - رضي الله عنهم جميعًا - وكان وصولهما إلى مكة بعد أربعة أشهر من مقتل عثمان تقريبًا، أي في ربيع الآخر من عام36هـ، ثم بدأ التفاوض في مكة مع عائشة، رضي الله عنها، للخروج والمطالبة بدم الخليفة المقتول.
لقد توافرت مجموعة من العوامل في مكة جعلتهم يفكرون في طريقة جادة لتحقيق مطلبهم، ومن هذه العوامل:
1 ـ أن بنى أمية قد هربوا من المدينة واستقروا في مكة.
2 ـ أن عبد الله بن عامر - أمير البصرة في عهد عثمان- كان في مكة وهويحث على الخروج ويعرض المعونة المادية.
3ـ أن يعلى بن أمية الذي خرج من اليمن لإعانة الخليفة عثمان وصل إلى مكة، وقد قتل الخليفة ومع من المال والسلاح والدواب شيء لا بأس به.
كانت السيدة عائشة والزبير وطلحة ومن معهم يسعون لإيجاد رأى إسلامي عام في مواجهة الطغمة السبئية التي قتلت عثمان، وأصبحت ذات شوكة لا يستهان بها، وذلك من خلال تعريف المسلمين بما أتى هؤلاء السبئيون والغوغاء من أهل الأمصار، فلقد بات واضحًا عند الصحابة من الفريق الذي كان يرى رأي عائشة - رضي الله عنها- أن الغوغاء والسبئيين لهم وجود في جيش علىّ، وأنه لأجل ذلك فإن عليًا- رضي الله عنه - يصعب عليه مواجهتهم، خشية منه على أهل المدينة، ومن ثم فإنه ينبغي عليهم أن يحاولوا السعي لإفهام المسلمين، وتقوية الجانب المطالب بإقامة الحدود، لتتم إقامتها بأقل الخسائر في دماء الأبرياء. وتم الاتفاق على التوجه للبصرة بعد تحديدها كمكان مثالي للبدأ بالأخذ بالثأر.
روى الطبري أن عثمان بن حنيف - وهووالى البصرة من قبل أميرالمؤمنين على بن أبى طالب - أرسل إلى عائشة - رضي الله عنها - عند قدومها البصرة يسألها عن سبب قدومها، فقالت رضي الله عنها: ـ "خرجت في المسلمين أُعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاحهذا، وقرأت"لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ" [النساء:114].
فنهض في الإصلاح ممن أمر الله عز وجل وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلمالصغير والكبير والذكر والأنثى، فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به وتحضكم عليه ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره."
وروى ابن حبان أن عائشة - رضي الله عنها - كتبت إلى أبى موسى الأشعري - والى علىّ على الكوفة-: ـ " فإنه قد كان من قتل عثمان ما قد علمت، وقد خرجت مصلحة بين الناس، فمر من قبلك بالقرار في منازلهم، والرضا بالعافية حتى يأتيهم ما يحبون من صلاح أمر المسلمين." ولما أرسل علىُّ القعقاع بن عمرولعائشة ومن كان معها يسألها عن سبب قدومها، دخل عليها القعقاع فسلم عليها، وقال: أي أُمه، ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بنى، إصلاح بين الناس.
وبعد انتهاء الحرب يوم الجمل جاء علىٌّ إلى عائشة - رضي الله عنها - فقال لها: غفر الله لك. قالت: ولك، ما أردت إلا الإصلاح.
فتقرر أنها ما خرجت إلا للإصلاح بين الناس. وفيه رد على من طعن في عائشة - رضي الله عنها - من الشيعة الرافض في قولهم: إنها خرجت من بيتها وقد أمرها الله بالاستقرار فيه في قوله: "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى" [الأحزاب:33]،
فإن سفر الطاعة لا ينافي القرار في البيت وعدم الخروج منه إجماعًا، وهذا ما كانت تراه أم المؤمنين - عائشة - في خروجها للإصلاح للمسلمين وكان معها محرمها ابن أختها عبد الله بن الزبير.
ويقول ابن العربي:
ـ "وأما خروجها إلى حرب الجمل فما خرجت لحرب ولكن تعلق الناس بها وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة وتهارج الناس، ورجوا بركتها في الإصلاح، وطمعوا في الاستحياء منها إذا وقفت للخلق، وظنت هي ذلك، فخرجت مقتدية بالله في قوله: "لاَ خَيْرَ
فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ" [النساء:114].
والأمر بالإصلاح، مخاطب به جميع الناس من ذكر أوأنثى حر أو عبد."
مرور السيدة عائشة على ماء الحوأب
ثبت مرور السيدة عائشة على ماء الحوأب من طرق صحيحة؛ فعن يحيى بن سعيد بن القطان، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس ابن حازم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأزواجه: ـ «كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب».
ومن طريق شعبة عن إسماعيل ولفظ شعبة: أن عائشة لما أتت على الحوأب سمعت نباح الكلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب. فقال لها الزبير: أترجعين؟ عسى الله عز وجل أن يُصلح بك بين الناس.
وبهذا اللفظ أخرجه يعلى بن عبيد عن إسماعيل، وهوعند الحاكم وقال الألباني: إسناده صحيح جدًا وقال: صححه من كبار أئمة الحديث: ابن حبان، والذهبي، وابن كثير، وابن حجر. فهذه الروايات الصحيحة، ليس فيها شيء من شهادة الزور أوالتدليس الذي يتنزه عنه مقام الصحابة والذي زعمته الروايات الضعيفة. وهناك روايات أخرى وردت في هذا الموضوع، كلها باطلة سندًا ومتنًا، ومغزى هذه الروايات وهدفها هوالطعن على كبار الصحابة وفضلائهم، وبيان أن مقصدهم من خروجهم هذا، هوتحقيق مطامع دنيوية شخصية من مال ورئاسة وغيرها، وأن الغاية تبرر الوسيلة، وأنهم لا يتورعون في سبيل ذلك عن إشعال الحرب والفتنة بين المسلمين، وتركز الروايات على الصحابيين الجليلين طلحة والزبير - رضي الله عنهما , كما يريد مفتري هذه الروايات أن يبين ويؤكد أن هذين الصحابيين ومن معهما من أفراد المعسكر يتجرءون على انتهاك حرمات الله؛ فهم يقسمون ويحلفون لأم المؤمنين بأيمان مغلظة أن هذا ليس ماء الحوأب، وزيادة على ذلك أتوا بسبعين نفسًا - وفي رواية بخمسين نفسًا - يشهدون على صدق قولهم، فكان هذا العمل - كما افترى المسعودي الشيعي الرافضي - أول شهادة زور في الإسلام. عندما وصل طلحة والزبير وعائشة - رضي الله عنهم - ومن معهم إلى البصرة نزلوا جانب الخريبة, ومن هناك أرسلوا إلى أعيان وأشراف القبائل يستعينون بهم على قتلة عثمان، كان كثير من المسلمين في البصرة وغيرها، يودون ويرغبون في القود من قتلة عثمان - رضي الله عنه - إلا أن بعض هؤلاء يرون أن هذا من اختصاص الخليفة وحده، وأن الخروج في هذا الأمر بدون أمره وطاعته معصية، ولكن خروج هؤلاء الصحابة المشهود لهم بالجنة، وأعضاء الشورى ومعهم أم المؤمنين عائشة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفقه النساء مطلقًا، ومطلبهم الشرعي لا غبار عليه ولا ينكره صحابي واحد، جعل الكثير من البصريين على اختلاف قبائلهم ينضمون إليهم. وأقبل حُكَيم بن جبلة بعدما خطبت عائشة - رضي الله عنها - في أهل البصرة، فأنشب القتال وأشرع أصحاب عائشة وطلحة والزبير - رضي الله عنهم - رماحهم وأمسكوا ليمسكوا، فلم ينته حكيم ومن معه، ولم يثن، وظل يقاتلهم، وطلحة والزبير كافون إلا ما دافعوا عن أنفسهم، وحكيم يذمرخيله ويركبهم بها, وعلى الرغم من ذلك، فإنه عائشة - رضي الله عنها - ظلت حريصة على عدم إنشاب القتال، فأمرت أصحابها أن يتيامنوا بعيدًا عن المقاتلين، وظلوا على ذلك حتى حجز الليل بينهم, ومضى حكيم بن جبلة فيمن غزا معه عثمان بن عفان - رضي الله عنه- وحصره من نزاع القبائل كلها، فلقد كانوا قد عرفوا أن لا مقام لهم بالبصرة، فاجتمعوا إليه، ووافقوا أصحاب عائشة، فاقتتلوا قتالاً شديدً، وظل منادى عائشة - رضي الله عنها - يناديهم ويدعوهم إلى الكفّ فيأبون, وجعلت - رضي الله عنها - تقول: لا تقتلوا إلا من قاتلكم. لكن حكيمًا لم يُرَع للمنادى، وظل يُسَعَّر القتال، عندئذ وبعد ما تبينت للزبير وطلحة - رضي الله عنهما - طبيعة هؤلاء الذين يقاتلون، وأنهم لا يتورعون ولا ينتهون عن حرمة، وأن لهم هدفًا في إنشاب القتال، قالا: الحمد لله الذي جمع لنا ثأرنا من أهل البصرة، اللهم لا تبق منهم أحدًا.
خروج أمير المؤمنين على بن أبى طالب إلى الكوفة
لم يكن الصحابة - رضي الله عنهم - في المدينة يؤيدون خروج أمير المؤمنين على بن أبى طالب من المدينة، فقد تبين ذلك حينما همّ علىّ بالنهوض إلى الشام،, فقد كان يرى أن المدينة لم تعدُ تمتلك المقومات التي تملكها بعض الأمصار في تلك المرحلة فقال: ـ" إن الرجال والأموال بالعراق" وحين بلغه خروج عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة استنفر أهل المدينة ودعاهم إلى نصرته، وحدث تثاقل من بعض أهل المدينة بسبب وجود الغوغاء في جيش على، وطريقة التعامل معهم، فكان كثير من أهل المدينة يرون أن الفتنة ما زالت مستمرة، فلابد من التروي حتى تنجلي الأمور أكثر. ولقد حاول عبد الله بن سلام صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يثنى عزم أمير المؤمنين علىّ عن الخروج، فأتاه وقد استعد للمسير، وأظهر له خوفه عليه ونهاه أن يقدم على العراق قائلاً: أخشى أن يصيبك ذباب السيف، كما أخبره بأنه لوترك منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن يراه أبدًا، كان علىّ يعلم هذه الأشياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ـ" وايم الله لقد أخبرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم."
ساؤلات على الطريق
أ- ما سأله أبورفاعة بن رافع بن مالك العجلان الأنصاري لما أراد الخروج من الرّبذة. فقال: يا أمير المؤمنين، أي شيء تريد؟ وإلى أين تذهب بنا؟ فقال: أما الذي نريد وننوى فالإصلاح، إن قبلوا منا وأجابونا إليه، قال: فإن لم يجيبونا إليه؟ قال: ندعهم بعذرهم ونعطيهم الحق ونصبر، قال: فإن لم يرضوا؟ قال: ندعهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم، قال: فنعم إذًا. فسمع تلك السلسلة من الأسئلة والإجابات فاطمأن إليها وارتاح لها، وقال: لأرضينك بالفعل كما أرضيتني بالقول،
ب ـ أهل الكوفة يسألون عليًا. لما قدم أهل الكوفة إلى أمير المؤمنين رضي الله عنه فيِ ذي قار، قام إليه أقوام من أهل الكوفة يسألونه عن سبب قدومهم،، فقال له على رضي الله عنه: ـ علىَّ الإصلاح وإطفاء النائرة لعل الله يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع حربهم وقد أجابوني، قال: فإن لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا. قال: فإن لم يتركونا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا، قال: فهل لهم مثل ما عليهم من هذا؟ قال: نعم.
جـ- أبوسلامة الدألانى، ممن سأل أمير المؤمنين رضي الله عنه فقال: أترى لهؤلاء القوم حجّة فيما طلبوا من هذا الدم، إن كانوا أرادوا الله عز وجل بذلك؟ قال: نعم. قال: فترى لك حجة بتأخيرك ذلك؟ قال: نعم، إنّ الشيء إذا كان لا يدرك فالحكم فيه أحوطه وأعمّه نفعًا، قال: فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدًا؟ قال: إني لأرجوألاّ يقتل أحد نقىّ قلبه لله منّا ومنهم إلا أدخله الله الجنة. أخرج البيهقي عن يحيى بن سعيد عن عمه قال: لما تواقفنا يوم الجمل، وقد كان علي رضي الله عنه حين صفَّنا نادى في الناس: لا يرمينَّ رجل بسهم، ولا يطعن برمح، ولا يضرب بسيف، ولا تبدؤوا القوم بالقتال، وكلِّموهم بألطف الكلام، وأظنه قال: فإن هذا مَقامٌ من فَلَج فيه فَلَج يوم القيامة. فلم نزل وقوفاً حتى تعالى النهار حتى نادى القوم بأجمعهم يا ثَأراتِ عثمان، فنادى علي رضي الله عنه محمد بن
الحنيفة وهوأمامنا ومعه اللواء فقال: يا ابن الحنفية ما يقولون؟ فأقبل علينا محمد بن الحنفية فقال: يا أمير المؤمنين: يا ثأرات عثمان، فرفع علي رضي الله عنه يديه فقال: ـ " اللهمَّ كبَّ اليوم قتلة عثمان لوجوههم." وأخرج ابن عساكر عن أبي إسحاق قال: قال رجل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن عثمان رضي الله عنه في النار. قال: ومن أين علمت؟ قال: لأَنَّه أحدث أحداثاً، فقال له علي: ـ أتراك لوكانت لك بنت أكنت تزوجها حتى تستشير؟ قال: لا. قال: ـ أفرأي هوخير من رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنتيه؟ وأخبرني عن النبي صلى الله عليه وسلم أكان إذا أراد أمراً يستخير الله أولا يستخيره؟ قال: لا. بل كان يستخيره. قال: ـ أفكان الله يخير له أم لا؟ قال: بل يخير له قال: ـ فاخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار الله له في تزويجه عثمان أم لم يختر له؟ ثم قال: ـ لقد تجردتُ لك لأضرب عنقك فأبى الله ذلك، أما والله لوقلت غير ذلك لضربت عنقك.
محاولات الصلح
القعقاع بن عمروالتميمي: أرسل أمير المؤمنين علىٌّ القعقاع بن عمروالتميمي رضي الله عنهما في مهمة لصلح إلى طلحة والزبير، وقال: القَ هذين الرجلين، فادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظّم عليهما الاختلاف والفرقة. وذهب القعقاع إلى البصرة، فبدأ بعائشة - رضي
الله عنها- وقال لها: ما أقدمك يا أماه إلى البصرة؟ قالت له: يا بنى من أجل الإصلاح بين الناس. فطلب القعقاع منها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضرا، ويكلمهما في حضرتها وعلى مسمع منها. ولما حضرا سألهما عن سبب حضورهما، فقالا كما قالت عائشة: من أجل الإصلاح بين الناس. فقال لهما: أخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عَرفناه لنصلحنَّ معكم، ولئن أنكرناه لا نصلح، قالا له: قتلة عثمان، رضي الله عنه، ولابد أن يُقتلوا، فإن تُركوا دون قصاص كان هذا تركًا للقرآن، وتعطيلاً لأحكامه، وإن اقُتصَّ منهم كان هذا إحياء للقرآن. قال القعقاع: لقد كان في البصرة ستُّمائة من قتلة عثمان وأنتم قتلتموهم إلا رجلاً واحدًا، وهوحرقوص بن زهير السعدي، فلما هرب منكم احتمى بقومه من بنى سعد، ولما أردتم أخذه منهم وقَتْله منعكم قومه من ذلك، وغضب له ستة آلاف رجل اعتزلوكم، ووقفوا أمامكم وقفة رجل واحد، فإن تركتم حرقوصًا ولم تقتلوه، كنتم تاركين لما تقولون وتنادون به وتطالبون عليًا به، وإن قاتلتم بنى سعد من أجل حرقوص، وغلبوكم وهزموكم وأديلوا عليكم، فقد وقعتم في المحذور، وقوَّيتموهم، وأصابكم ما تكرهون، وأنتم بمطالبتكم بحرقوص أغضبتم ربيعة ومضر، من هذه البلاد، حيث اجتمعوا على حربكم وخذلانكم، نصرة لبنى سعد، وهذا ما حصل مع على، ووجود قتلة عثمان في جيشه. تأثرت أمُّ المؤمنين ومن معها بمنطق القعقاع وحجته المقبولة؛ فقالت له: فماذا تقول أنت يا قعقاع؟ قال: أقول: «هذا أمر دواؤه التسكين، ولابد من التأني في الاقتصاص من قتلة عثمان، فإذا انتهت الخلافات، واجتمعت كلمة الأمة على أمير المؤمنين تفرغ لقتلة عثمان، وإن أنتم بايعتم عليًا واتفقتم معه، كان هذا علامة خير، وتباشير رحمة، وقدرة على الأخذ بثأر عثمان، وإن أنتم أبيتم ذلك، وأصررتم على المكابرة والقتال كان هذا علامة شر، وذهابًا لهذا الملك، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح خير كما كنتم أولاً، ولا تُعرَّضونا للبلاء، فتتعرضوا له، فيصرعنا الله وإياكم، وايم الله إني لأقول هذا وأدعوكم إليه، وإني لخائف أن لا يتم، حتى يأخذ الله حجته من هذه الأمة التي قلَّ متاعها، ونزل بها ما نزل، فإنّ ما نزل بها أمر عظيم، وليس كقتل الرجل الرجل، ولا قتل النفر الرجل، ولا قتل القبيلة القبيلة». اقتنعوا بكلام القعقاع المقنع الصادق المخلص، ووافقوا على دعوته إلى الصلح، وقالوا له: قد أحسنت وأصبت المقالة، فارجع، فإن قدم على، وهوعلى مثل رأيك، صلح هذا الأمر إن شاء الله. عاد القعقاع إلى على في «ذي قار» وقد نجح في مهمته، وأخبر عليًا بما جرى معه، فأُعجب على بذلك، وأوشك القوم على الصلح، كرهه من كرهه، ورضيه من رضيه.
أثر السبئية في معركة الجمل
ويتضح - بما لا يدع مجالاً للشك - حرص الصحابة - رضي الله عنهم - على الإصلاح وجمع الكلمة؛ وهذا هوالحق الذي تثبته النصوص وتطمئن إليه النفوس. وقبل الحديث عن جولات المعركة نشير إلى أن أثر السبئية في معركة الجمل مما يكاد يجمع عليه العلماء:
ا- جاء في أخبار البصرة لعمر بن شبَّة أن الذين نسب إليهم قتل عثمان خشوا أن يصطلح الفريقان على قتلهم، فأنشبوا الحرب بينهم حتى كان ما كان.
ب- قال الإمام الطحاوى: فجرت فتنة الجمل على غير اختيار من على ولا من طلحة، وإنما أثارها المفسدون بغير اختيار السابقين.
جـ- وقال الباقلانى: وتم الصلح والتفرق على الرضا، فخاف قتلة عثمان من التمكن منهم، والإحاطة بهم، فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا، ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فرقتين، ويبدءوا بالحرب سحرة في المعسكرين ويختلطوا، ويصيح الفريق الذي في عسكر على: غدر طلحة والزبير، ويصيح الفريق الذي في عسكر طلحة والزبير: غدر على، فتم لهم ذلك على ما دبروه ونشبت الحرب، فكان كل فريق منهم دافعًا لمكروه عن نفسه.
د- ونقل القاضي عبد الجبار: أقوال العلماء، باتفاق رأي على وطلحة والزبير وعائشة - رضوان الله عليهم - على الصلح، وترك الحرب، واستقبال النظر في الأمر، وأنّ من كان في المعسكر من أعداء عثمان كرهوا ذلك، وخافوا أن تتفرغ الجماعة لهم، فدبّروا في
إلقاء ما هومعروف، وتمّ ذلك.
هـ- ويقول القاضي أبوبكر بن العربي: وقدم علىّ على البصرة، وتدانوا ليتراءوا، فلم يتركهم أصحاب الأهواء، وبادروا بإراقة الدماء، واشتجرت الحرب، وكثرت الغوغاء على البوغاء، كل ذلك حتى لا يقع برهان، ولا يقف الحال على بيان، ويخفى قتلة عثمان، وإنّ واحدًا في الجيش يفسد تدبيره، فكيف بألف.
و- ويقول ابن حزم: وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا، فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة والتدبير عليهم، فبيتوا عسكر طلحة والزبير وبذلوا السيف فيهم، فدفع القوم عن أنفسهم حتى خالطوا عسكر علىّ، فدفع أهله عن أنفسهم، كل طائفة تظن - ولا شك - أن الأخرى بدأتها القتال، واختلط الأمر اختلاطًا، ولم يقدر أحد على أكثر من الدفاع عن نفسه. فإذا الزبيرَ رضي الله عنه - وهوطرف أساسي في المعركة - يكشف لنا عن حقيقة الأمر: إن هذه لهى الفتنة التي كنا نحدّث عنها، فقال له مولاه: أتسميها فتنة وتقاتل فيها؟ قال: ويحك؛ إنا نبصر ولا نبصر، ما كان أمر قط إلا علمت موضع قدمي فيه، غير هذا الأمر، فإني لا أدرى أمقبل أنا فيه أم مدبر. ويشير إلى ذلك طلحة فيقول: بينما نحن يد واحدة على من سوانا، إذ صرنا جبلين من حديد يطلب بعضنا بعضًا. وفي الطرف الآخر يؤكد أصحاب على رضي الله عنه على الفتنة فيقول عمار - رضي الله عنه - في الكوفة عن خروج عائشة: إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكنها مما ابتليتم)
يقسم الدكتور الصلابي موقعة الجمل إلى جولتين فيورد مايلي (بتصرف):
الجولة الأولى من موقعة الجمل كانت المعركة يوم الجمعة في السادس عشر من جمادى الثانية، سنة ست وثلاثين، في منطقة «الزابوقة» قرب البصرة ونادى على في جيشه، كما نادى طلحة والزبير في جيشهما. وأثناء ذلك جاء رجل إلى الزبير، وعرض عليه أن يقتل عليًا، وذلك بأن يندس مع جيشه، ثم يفتك به، فأنكر عليه بشدة، وقال: لا؛ لا يفتك مؤمن بمؤمن، أوأن الإيمان قيَّد الفتك, فالزبير، رضي الله عنه، ليس له غرض في قتل على أوأي شخص آخر بريء من دم عثمان، وقد دعا أمير المؤمنين علىٌّ الزبير، فكلمه بألطف العبارة، وأجمل الحديث. وقيل ذكره بحديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلميقول له - أي الزبير- «لتقاتلنه وأنت له ظالما» - وهذا الحديث ليس له إسناد صحيح.
وبعض الروايات ترجع السبب في انصراف الزبير - رضي الله عنه - قبيل المعركة لما علم بوجود عمار بن ياسر في الصف الآخر وهوالذي قال في حقه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تقتل عمار الفئة الباغية» ـ وبعضها يرجع السبب في انصرافه إلى شكه في صحة موقفه من هذه الفتنة - كما يسميها. وفي رواية ترجع السبب في انصرافه إلى أن ابن عباس، رضي الله عنهما، ذكره بالقرابة القوية من على. ـ وربما كانت عوامل متعددة ومتداخلة أسهمت في خروج الزبير من ساحة المعركة. فالزبير، رضي الله عنه، كان على وعى لهدفه - وهوالإصلاح - ولكنه لما رأى حلول السلاح مكان الإصلاح رجع، ثم قتل غيلة على يد ابن جرموز، أما طلحه فقد أصابه سهم غارب، جعله ينزف حتى مات. وبخروج الزبير من ميدان المعركة، وبموت طلحة، رضي الله عنهما، وبسقوط القتلى والجرحى من الجانبين تكون قد انتهت الجولة الأولى من معركة الجمل، وكانت الغلبة فيها لجيش على، وكان على رضي الله عنه يراقب سير المعركة ويرى القتلى والجرحى في الجانبين، فيتألم ويحزن، وأقبل علىٌّ على ابنه الحسن، وضمّه إلى صدره، وصار يبكى ويقول له:
يا بُنى، ليت أباك مات قبل هذا اليوم بعشرين عامًا. فقال الحسن: يا أبت، لقد كنت نهيتك عن هذا، فقال على: ما كنت أظن أن الأمر سيصل إلى هذا الحد، وما طعمُ الحياة بعد هذا؟ وأيُّ خير يُرجى بعد هذا؟.!
الجولة الثانية من موقعة الجمل
وصل الخبر إلى أم المؤمنين بما حدث من القتال، فخرجت على جملها ومعها كعب الذي دفعت إليه مصحفًا يدع الناس إلى وقف الحرب، تقدمت أم المؤمنين وكلها أمل أن يسمع الناس كلامها لمكانتها في قلوب الناس؛ فتحجز بينهم وتطفئ هذه الفتنة التي بدأت تشتعل، وحمل كعب بن سور المصحف، وتقدم أمام جيش البصرة، ونادى جيش على قائلاً: يا قوم، أنا كعب بن سور، قاضي البصرة، أدعوكم إلى كتاب الله، والعمل بما فيه، والصلح على أساسه. وخشي السبئيون في مقدمة جيش على أن تنجح محاولة كعب فرشقوه بنبالهم رشقة رجل واحد، فلقي وجه الله، ومات والمصحف في يده. وكان على من الخلف يأمر بالكف عن القتال، وعدم الهجوم على البصريين، لكن السبئيين في مقدمة جيشه لا يستجيبون له، ويأبون إلا إقدامًا وهجومًا وقتالاً، ولما رأت عائشة عدم استجابتهم لدعوتها، ومقتل كعب بن سور أمامها، قالت: ـ " أيها الناس، العنوا قتلة عثمان وأشياعهم. " وصارت عائشة تدعوعلى قتلة عثمان وتلعنهم، وضج أهل البصرة بالدعاء على قتلة عثمان وأشياعهم، ولعنهم، وسمع علىٌّ الدعاء عاليًا في جيش البصرة فقال: ما هذا؟ قالوا: عائشة تدعوعلى قتلة عثمان، والناس يدعون معها. قال على: ادعوا معي على قتلة عثمان وأشياعهم والعنوهم. وضجّ جيش على بلعن قتل عثمان والدعاء عليهم وقال على: ـ "اللهم لعن قتلة عثمان في السهل والجبل."
وقتل حول الجمل كثير من المسلمين وقد أصيبت عائشة بحيرة شديدة وحرج فهي لا تريد القتال ولكنه وقع رغمًا عنها، وأصبحت في وسط المعمعة، وصارت تنادي بالكف، فلا مجيب، وكان كل من أخذ بخطام الجمل قتل، فجاء محمد بن طلحة (السجاد) وأخذ بخطامة وقال لأمه أم المؤمنين: يا أماه ما تأمرين؟ فقالت: كن كخيري ابني آدم - أي كف يدك - فأغمد سيفه بعد أن سلة فُقتل رحمه الله. أدرك أمير المؤمنين على - رضي الله عنه - بما أوتى من حنكة وقوة ومهارة عسكرية فذة - أن في بقاء الجمل استمرارًا للحرب، وهلاكًا للناس، وأن أصحاب الجمل لن ينهزموا أويكفوا عن الحرب ما بقيت أم المؤمنين في الميدان، كما أن في بقائها خطرًا على حياتها؛ فأمر على نفرًا من جنده منهم محمد بن أبى بكر «أخوأم المؤمنين» وعبد الله بن بديل أن يعرقبا الجمل ويخرجا عائشة من هودجها إلى الساحة، فعقروا الجمل, واحتمل أخوها محمد وعبد الله بن بديل الهودج حتى وضعاه أمام على، فأمر به على، فأدخل في منزل عبد الله بن بديل, وصدق حدس على - رضي الله عنه - العسكري، فما إن أخرجت أم المؤمنين من الميدان، حتى ولوا الأدبار منهزمين.
عن أبي البختري قال: سئل علي رضي الله عنه عن أهل الجمل أمشركون هم؟ قال: من الشرك فرُّوا. قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، قيل: فما هم؟ قال: إخوانا بَغَوا علينا.
موقعة الجمل في البداية والنهاية
وهذا بعض ما قاله ابن كثير في البداية والنهاية معلقا على أحداثها:
ـ " وقد سألت عائشة عمن قتل معها من المسلمين ومن قتل من عسكر علي فجعلت كلما ذكر لها واحد منهم ترحمت عليه ودعت له ولما أرادت أم المؤمنين عائشة الخروج من البصرة بعث إليها علي رضي الله عنه بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك وأذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها أن يرجع إلا أن يحب المقام واختار لها أربعين إمرأه من نساء أهل البصرة المعروفات وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار في الهودج فودعت الناس ودعت لهم وقالت: ـ "يا بني لا يعتب بعضنا على بعض إنه والله ما كان بيني وبين علي في القدم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها وإنه على معتبتي لمن الأخيار" فقال علي: ـ "صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والاخرة" وسار علي معها مودعا ومشيعا أميالا وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم وقصدت في مسيرهاذلك إلى مكة فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك ثم رجعت إلى المدينة رضي الله عنها كان أمير المؤمنين على رضي الله عنه حريصًا على وحدة الصف، واحترام رعايا الدولة، ومعاملتهم المعاملة الكريمة، وكان لهذه المعاملة أثر بالغ في مبايعة أهل البصرة لأمير المؤمنين على الذي سأل عن مروان بن الحكم وقال هوآمن فليتوجه حيث شاء، ولكن مروان إزاء هذا الكرم والنبل، لم تطاوعه نفسه أن يذهب حتى بايعه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في الدعاء أبونعيم في الحلية والبيهقي عن ابن أعبَد قال: قال علي رضي الله عنه: يا ابن أعبد هل تدري ما حق الطعام؟ قلت: وما حقُّه؟ قال تقول: بسم الله، اللهمَّ بارك لنا فيما رزقنا. ثم قال: أتدري ما شكره إذا فرغت؟ قلت: وما شكره؟ قال تقول: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا.
موقعة الجمل في شذرات الذهب في أخبارمن ذهب
وذكر عبد الحي بن أحمد العكري الدمشقي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب.
ـ " سنة ست وثلاثين، فيها وقعة الجمل وتلخيصها أنه لما قتل عثمان صبراً توجع المسلمون وسقط في أيدي جماعة وعنوا بكيفية المخرج من تقصيرهم فيه فسار طلحة والزبير وعائشة نحوالبصرة وكانت عائشة قد لقيها الخبر وهي مقبلة من عمرتها فرجعت إلى مكة وطلبوا من عبد الله بن عمر أن يسير معهم فأبى وقال مروان لطلحة والزبير على أيكما أسلم بالإمارة وأنادي بالصلاة فقال عبد الله بن الزبير على أبي وقال محمد بن طلحة على أبي فكرهت عائشة قوله وأمرت ابن اختها عبد الله بن الزبير فصلى بالناس ولما علم علي كرم الله وجهه بمخرجهم اعترضهم من المدينة ليردهم إلى الطاعة وينهاهم عن شق عصا المسلمين ففاتوه فمضى لوجهه وأرسل ابنه الحسن وعماراً يستنفران أهل المدينة وأهل الكوفة فخطب عمار وقال في خطبته إني لأعلم أنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم ليعلم أتطيعونه أم تطيعونها ولما قدمت عائشة وطلحة والزبير البصرة استعانوا بأهلها وبيت مالها ووصل علي خلفهم واجتمع عليه أهل البصرة والكوفة فحاول صلحهم واجتماع الكلمة وسعى الساعون بذلك فثار الأشرار بالتحريش ورموا بينهم بالنار حتى اشتعلت الحرب وكان ما كان وبلغت القتلى يومئذٍ ثلاثة وثلاثين ألفاً وقيل سبعة عشر وقتل عشرة من أصحاب الجمل ومن عسكر علي رضي الله عنه نحوألف وقطع على خطام جمل عائشة سبعون يداً من بني ضبة وهي في هودجها ثم أمر علي بعقره وكان رايتهم فحمى الشر وظهر علي وانتصر وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى صلاة العصر لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة ولما ظهر علي جاء إلى عائشة فقال غفر الله لك قالت ولك ما أردت إلا الإصلاح ثم أنزلها في دار البصرة وأكرمها واحترمها وجهزها إلى المدينة في عشرين أوأربعين امرأة ذوات الشرف وجهز معها أخاها محمداً وشيعها هووأولاده وودعها رضي الله عنهم وقتل يومئذٍ طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي قيل رماه مروان بن الحكم لحقد كان في قلبه عليه وكان هووهوفي جيش واحد. وولده محمد بن طلحة السجاد كان له ألف نخلة يسجد تحتها في كل يوم ومر به علي صريعاً فنزل ونفض التراب عن وجهه وقال: ـ "هذا قتله بره بأبيه" وقتل يومئذٍ الزبير بن العوام القرشي الأسدي أحد العشرة قتله ابن جرموز غدراً بوادي السباع وقد فارق الحرب وودعها حين ذكره على قول النبي وأنت ظالم له ولما جاء ابن جرموز إلى علي ليبشره بذلك بشره بالنار وروى ابن عبد البر عن علي كرم الله وجهه أنه قال إني لأرجوأن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من أهل هذه الآية (ونزعنا ما في صدورهم من غل) ولا ينكر ذلك إلا جاهل بفضلهم وسابقتهم عند الله وقد روى عن النبي قال يكون لأصحابي من بعدي هنات يغفرها الله بسابقتهم معي يعمل بها قوم من بعدهم يكبهم الله في النار على وجوههم."
موقعة الجمل في تاريخ الإسلام للذهبي
وجاء في كتاب تاريخ الإسلام للذهبي ما يلي:
وقال الثّوريّ، عن الأسود بن قيس، عن عمروبن سفيان قال: لمّا ظهر عليّ يوم الجمل قال: أيّها النّاس إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئاً حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثمّ إنّ أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر، فأقام واستقام حتّى ضرب الدّين بجرانه، ثمّ إنّ أقواماً طلبوا الدّنيا فكانت أمور يقضي الله فيها. إسناده حسن.
قال خليفة: قدم طلحة، والزبير، وعائشة البصرة، وبها عثمان بن حنيف الأنصاري والياً لعلي، فخاف وخرج منها، ثم سار علي من المدينة، بعد أن استعمل عليها سهل بن حنيف أخا عثمان، وبعث ابنه الحسن، وعمار بن ياسر إلى الكوفة بين يديه يستنفران الناس، ثم إنه وصل إلىالبصرة، وهوأحد الرؤوس الذين خرجوا على عثمان كما سلف، فالتقى هووجيش طلحة والزبير، فقتل الله حكيماً في طائفة من قومه، وقتل مقدم جيش الآخرين أيضاً مجاشع بن مسعود السلمي. ثم اصطلحت الفئتان، وكفوا عن القتال، على أن يكون لعثمان بن حنيف دار الإمارة والصلاة، وأن ينزل طلحة والزبير حيث شاءا من البصرة، حتى يقدم علي رضي الله عنه. وقال سعيد بن جبير: كان مع علي يوم وقعة الجمل ثمانمائة من الأنصار، وأربعمائة ممن شهدوا بيعة الرضوان اصطف الفريقان، وليس لطلحة ولا لعلي رأسي الفريقين قصد في القتال، بل ليتكلموا في اجتماع الكلمة، فترامى أوباش الطائفتين بالنبل، وشبت نار الحرب، وثارت النفوس، وبقي طلحة يقول: أيها الناس انصتوا، والفتنة تغلي، فقال: ـ " أف فراش النار، وذئاب طمع" وقال: ـ" اللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى، إنا داهنا في أمر عثمان، كنا أمس يداً على من سوانا، وأصبحنا اليوم جبلين من حديد، يزحف أحدنا إلى صاحبه، ولكنه كان مني في أمر عثمان مالا أرى كفارته، إلا بسفك دمي" فقال مجالد، عن الشعبي قال: رأى علي طلحة في بعض الأودية ملقى، فنزل فمسح التراب عن وجهه، ثم قال: ـ "عزيز علي أبا محمد أن أراك مجندلاً في الأودية" ثم قال: ـ" إلى الله أشكو عجزي وبجري" قال الأصمعي: معناه: سرائري وأحزاني التي تموج في جوفي.
مقالة عمارعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
كثر الغمز واللمز من المغرضين في تفسير هذه المقولة، لكن الدكتورالصلابي غفر الله له ولوالديه يرد بقوله: قال عمار: "والله إنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلمفي الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم بها ليعلم إياه تطيعون أم هي" وليس في قول عمار هذا ما يطعن به على عائشة - رضي الله عنها - بل فيه أعظم فضيلة لها، وهي أنها زوجة نبينا في الدنيا والآخرة، فأي فضل أعظم من هذا؟! وأما قوله في الجزء الأخير من الأثر: ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أوإياها. فليس بمطعن على أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - وبيان ذلك من وجوه:
أ- أن قول عمار هذا يمثل رأيه، وعائشة - رضي الله عنها - ترى خلاف ذلك، وأن ما هي عليه هوالحق، وكل منهما صحابي جليل، عظيم القدر في الدين والعلم، فليس قول أحدهما حجة على الأخر.
ب- أن غاية ما في قول عمار هو مخالفتها أمر الله في تلك الحالة الخاصة، وليس كل مخالف مذمومًا حتى تقوم عليه الحجة بالمخالفة ويعلم أنه مخالف، وإلا فهومعذور إن لم يتعمد المخالفة، فقد يكون ناسيًا أومتأولاً فلا يؤخذ بذلك.
جـ- أن عمارًا - رضي الله عنه - ما قصد بذلك ذم عائشة ولا انتقاصها، وإنما أراد أن يبين خطأها في الاجتهاد نصحًا للأمة، وهومع هذا يعرف لأم المؤمنين قدرها وفضلها, وقد جاء في بعض روايات هذا الأثر عن عمار أن عمارًا سمع رجلاً يسب عائشة، فقال: اسكت مقبوحًا منبوذًا، والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أتطيعوه أوإياها.
جاء في كتاب حياة الصحابة للكندهلوي:
1ـ أخرج الطبراني عن رِبْعي بن حِرَاش قال استأذن عبد الله ابن عباس على معاوية رضي الله عنهم وقد عَلِقت عنده بطون قريش وسعيد ابن العاص جالس عن يمينه، فلما رآه معاوية مقبلاً قال: يا سعيد، والله لأُلقِيَنَّ على ابن عباس مسائل يعيَى بجوابها، فقال له سعيد: ليس مثل ابن عباس يعيى بمسائلك، فلما جلس قال له معاوية: ما تقول في أَبي بكر؟ قال: (رحم الله أبا بكر، كان والله للقرآن تالياً، وعن المَيْل نائياً، وعن الفحشاء ساهياً، وعن المنكر ناهياً، وبدينه عارفاً، ومن الله خائفاً. وبالليل قائماً، وبالنهار صائماً، ومن دنياه سالماً وعلى عدل البرية عازماً، وبالمعروف آمراً وإِليه صائراً، وفي الأحوال شاكراً، ولله في الغدووالرواح ذاكراً، ولنفسه بالمصالح قاهراً. فاق أَصحابه ورعاً وكفافاً وزهداً وعفافاً وبرّاً وحِياطة زهادة وكفاءة، فأعقبَ الله مَنْ ثَلَبه اللعائن إِلى يوم القيامة) قال معاوية: فما تقول في عمر بن الخطاب؟ قال: (رحم الله أبا حفص، كان والله حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومحلَّ الإيمان، ومعاذَ الضعفاء، ومعقلَ الحنفاء، للخَلْق حصناً، وللناس عوناً، قام بحق الله صابراً محتسباً حتى أَظهر الله الدين وفتح الديار، وذُكِر الله في الأقطار والمناهل وعلى التلال وفي الضواحي والبقاع، وعند الخَنى وقوراً، وفي الشّدة والرخاء شكوراً، ولله في كل وقت وأَوان ذكوراً، فأَعقب الله من يبغضه اللعنة إِلى يوم الحسرة).قال معاوية رضي الله عنه: فما تقول في عثمان بن عفان؟ قال: (رحم الله أبا عمرو، كان والله أَكرم الحَفَدة، وأَوصلَ البررة، وأَصبرَ الغزاة، هجّاداً بالأَسحار. كثيرَ الدموع عند ذكر الله، دائمَ الفكر فيما يعنيه الليلَ والنهارَ، ناهضاً إِلى كل مكرمة، يسعى إلى كل منجية، فرّاراً من كل مُوبقة، وصاحب الجيش والبئر، وخَتَن المصطفى على ابنتيه، فأعقب الله من سبَّه الندامة إلى يوم القيامة). قال معاوية: فما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: (رحم الله أَبا الحسن كان والله علمَ الهدى، وكهفَ التقى، ومحل الحجى، وطَوْدَ البهاء، ونور السُّرَى في ظلم الدُّجَى، داعياً إلى المَحَجَّة العظمى، عالماً بما في الصحف الأُولى، وقائماً بالتأويل والذكرى، متعلِّقاً بأسباب الهدى، وتاركاً للجَوْر والأَذى. وحائداً عن طرقات الرَّدَى، وخيرَ من آمن واتقى، وسيِّدَ من تقمَّص وارتدى، وأَفضلَ من حجَّ وسعى، وأسمحَ من عدل وسوَّى، وأَخطبَ أَهل الدنيا إِلا الأنبياء والنبي المصطفى، وصاحب القبلتين، فهل يوازيه موحِّدٌ؟ وزوج خير النساء، وأبوالسبطين، لم تَرَ عيني مثله ولا ترى إِلى يوم القيامة واللقاء، من لعنه فعليه لعنةُ الله والعباد إِلى يوم القيامة).
قال: فما تقول في طلحةَ والزبير؟ قال: (رحمة الله عليهما، كانا والله عفيفَين، برّين، مسلمَين، طاهرَين، متطهِّرَين، شهيدَين، عالَمَين، زَلا زلَّة والله غافرٌ لهما إِن شاء الله بالنُّصرة القديمة والصُّحبة القديمة والأفعال الجميلة).
قال معاوية: فما تقول في العبَّاس؟ قال: (رحم الله أَبا الفضل كان والله صِنوَ أَبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرَّة عين صفيِّ الله، كهف الأقوام، وسيّد الأعمام، وقد عَلا بصراً بالأمور ونظراً بالعواقب. قد زانَه علمٌ، قد تلاشت الأحساب عند ذكر فضيلته، وتباعدت الأسباب عند فخر عشيرته، ولم لا يكون كذلك وقد ساسه أكرم من دبَّ وهب عبدُ المطلب، أفخر من مشى من قريش وركب.
2 ـ أخرج الطبراني عن عامر بن سعد قال: بينما سعد رضي الله عنه يمشي إذ مر برجل وهويشتم علياً وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فقال له سعد: ـ إنك تشتم أقواماً قد سبق لهم من الله ما سبق، والله لتكفنَّ عن شتمهم أولأدعُونَّ الله عز وجل عليك. قال: يخوفني كأنه نبي. فقال سعد: ـ اللهمَّ إن كان يشتم أقواماً قد سبق لهم منك ما سبق فاجعله اليوم نكالاً. فجاءت بُخْتِيَّة، فأفرج الناس لها فتخبطته، فرأيت الناس يتبعون سعداً يقولون: استجاب الله لك يا أبا إسحاق. وعند الحاكم عن مصعب بن سعد عن سعد رضي الله عنه أن رجلاً نال من علي رضي الله عنه، فدعا عليه سعد بن مالك، فجاءته ناقة أوجمل فقتله فأعتق سعد نَسَمة وحلف أن لا يدعو على أحد
منقول من كتاب (براءة الأصحاب من دم الأحباب).