مضمون الشبهة:
يزعم الشيعة الوثنيون أن عمر بن الخطاب كان ابن زنا ، ويزعمون أن جده نفيل زنى مع امرأة اسمها صهاك ، فأنجبا الخطاب ، ثم زنى الخطاب مع أمه صهاك ، فأنجبا حنتمة ، ثم تزوج الخطاب بابنته حنتمة ، فأنجبا عمر بن الخطاب!!!
ويستدل الشيعة الوثنيون على زعمهم هذا قائلين:
[قال محمد بن السائب الكلبي في كتاب (الصلابة في معرفة الصحابة) الجزء ٣ - صفحة ٢١٢ ما يلي: كان نفيل لكلب بن لؤي بن غالب القرشي فمات عنه ، ثم وليه عبدُ المطلب ، وكانت صهاك ترعى غنمه وكان يُفرِّق بينهما في المرعى، فاتفق يوماً اجتماعهما في مراح واحد فهواها وعشقها نفيل ، وكان قد ألبسها عبد المطلب سروالاً من الأديم وجعل عليه قفلاً وجعل مفتاحه معه لمنزلتها منه ، فلما راودها ، قالت: مالي إلى ما تقول سبيل وقد أُلبست هذا الأديم ووُضِعَ عليه قفل ، فقال: أنا أحتال عليه ، فأخذ سمناً من مخيض الغنم ودهن به الأديم وما حوله من بدنها حتى استله إلى فخذيها وواقعها فحملت منه بالخطاب ، فلما ولدته ألقته على بعض المزابل بالليل خيفة من عبد المطلب ، فالتقطت الخطاب امرأة يهودية جنازة وربَّته ، فلما كبر كان يقطع الحطب فسُمِيَ الحطاب لذلك بالحاء فصحف بالمعجمة ، وكانت صهاك ترتاده في الخفية فرآها ذات يوم وقد تطأطأت عجيزتها ، ولم يدر مَن هي فوقع عليها فحملت منه بحنتمة ، فلما وضعتها ألقتها على مزابل مكة خارجها فالتقطها هشام بن مغيرة بن وليد ورباها فنُسبت إليه ، فلما كبرت وكان الخطاب يتردد على هشام فرآى حنتمة فأعجبته فخطبها إلى هشام فزوَّجه إياها فولدت عمر ، وكان الخطاب والد عمر لأنه أولد حنتمة إياه حيث تزوجها وحده ، لأنه سافح صهاك قبل فأولدها حنتمة والخطاب من أم واحدة وهي صهاك.]
===================
وأنا أرد على هذا الهراء وأقول:
أولاً: لا يوجد كتاب عند المسلمين اسمه (الصلابة في معرفة الصحابة) ، وأنت إذا حاولت أن تبحث عنه لتقوم بتنزيله من على شبكة الإنترنت فلن تجده أصلاً.
وكذلك لو بحثتَ في كتب المسلمين عن قصة زنا نفيل مع صهاك فلن تجدها أصلاً. ولم تذكر كتب الأنساب المعتبرة عندنا أن عمر بن الخطاب له جدة باسم صهاك أصلاً.
والعجيب أن الشيعة الوثنيين يقومون بتزوير أرقام للكتاب حيث يقولون: «الجزء الثالث صفحة ٢١٢» ، فأين هو هذا الجزء من الكتاب، وأين هي هذه الصفحة أصلاً؟!
واللافت للنظر أن الشيعة الوثنيين اختاروا هذا الاسم للكتاب لكي يجعلوه مشابهاً لكتاب (الإصابة في تمييز الصحابة) الذي ألَّفه الإمام ابن حجر العسقلاني، وهم تعمدوا فعل ذلك لكي لا ينتبه المسلم العامي إلى ذلك فينخدع.
وهذه ليست المرة الأولى ؛ فالشيعة مِن قَبل استخدموا الكذب واخترعوا قصة تداوى عمر بماء الرجال بالرغم من أنها قصة خرافية لم تذكرها أياً من الكتب القديمة أصلاً. وكذلك اخترع الشيعة الوثنيون قصة أن عمر اكتشف تمتع أخته عفراء جنسياً بالرغم من أن هذه القصة لا وجود لها في كتب المسلمين وليس للخليفة عمر أي أخت بهذا الاسم أصلاً ، بل إن قصة عفراء التي وردت في كتب الشيعة هي قصة ضعيفة جداً بحسب مبانيهم في علم الجرح والتعديل.
وعلى فكرة ، أول شيعي كذاب اخترع هذا الاسم الخرافي لكتاب الصلابة هو شيخ الشيعة المسمَى بـــ يوسف البحراني ، وقد وُلِدَ سنة 1696 ميلادياً وتُوفي سنة 1772 ميلادياً ، أي أنه مات من حوالي 300 سنة فقط، ولم يكن حاضراً في القرون الإسلامية الأولى.
والشيعة تناقضوا حول هذا الكتاب الخرافي المسمَى بــ(الصلابة في معرفة الصحابة) ، فــالشيعي الكذاب يوسف البحراني قد نسب هذا الكتاب الخرافي إلى لوط بن يحيى ، في حين أن الشيعة اليوم على مواقعهم الإلكترونية ينسبونه إلى محمد بن السائب الكلبي؛ فانظر إلى هذا الاختلاف بينهم!!!
ثانياً:
حتى لو افترضنا أن هناك كتاب بهذا الاسم: (الصلابة في معرفة الصحابة)؛ فإن الشيعة على مواقعهم الإلكترونية ينسبون هذا الكتاب الخرافي إلى: محمد بن السائب الكلبي ، وهو أصلاً ليس من أئمة المسلمين بل هو شيعي سبئي رافضي كافر كذاب عاش بالعراق، وقد رفضه علماء الإسلام الأوائل ، وإليك ما ورد حول هذا الشخص:
• قال عنه السعدي: محمد بن السائب الكلبي كذاب ساقط.
• وقال عنه النسائي أنه متروك الحديث .
• وقال عنه زائدة وليث وسليمان التيمي أنه كذاب.
• وقال عنه ابن حبان: «محمد بن السائب الكلبي وضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاح إلى الإغراق في وصفه، روى عن أبي صالح عن ابن عباس التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس ولا سمع منه، ولا يحل الاحتجاج به.»
• وقال عنه ابن معين أنه ليس بثقة.
• وقال عنه الجوزجاني أنه كذاب.
• وقال عنه الدراقطني أنه متروك.
• وقال عنه ابن الجوزي أنه من كبار الكذابين الذين يخترعون الأحاديث.
• ورفض أحمد بن حنبل النظر إلى تفسير الكلبي.
• وقال عنه البخاري: «محمد بن السائب الكلبي تركه الإمام يحيى بن سعيد وابن مهدي».
********
ثم إن أي عاقل مِن حقه أن يسأل سؤالاً: من أين أخذ محمد بن السائب الكلبي هذه القصة عن زنا آباء عمر بن الخطاب؟!
يا ترى ، هل كان محمد الكلبي مع أجداد عمر يشاهدهم وهم يزنون ، وهل كان مع نفيل وهو يضاجع صهاك؟!
هل طار محمد بن السائب الكلبي من العراق إلى مكة ليشاهدهم وهم يزنون ، وهل رجع محمد الكلبي بالزمن للوراء ليشاهدهم وهم يزنون ، مع العلم أن محمد الكلبي لم يعاصر أجداد عمر أصلاً بل وُلِدَ بعدهم بما يزيد عن ١٠٠ سنة!
واللافت للنظر أن هشام الكلبي يخبرنا أن أباه محمد الكلبي قد أخذ علم الأنساب من أبي صالح حيث يقول ابن النديم في كتاب (الفهرست) ١/٣٠٠ ما يلي:
[وقال هِشَامُ بن محمَّد الكلبي: قال لي أبي: أخَذْتُ نَسَبَ قُرَيْشٍ عن أَبي صَالِحٍ]
ولكن محمد بن السائب الكلبي يعترف شخصياً بأنه كل ما قاله ونسبه إلى أبي صالح فهو كذب حيث ذكر أبو بكر البيهقي - في كتاب (الخلافيات) ٧/٥٤٢ — ما يلي:
[وَأَبُو النَّضْرِ هُوَ: مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ مَتْرُوكٌ أَيْضًا، وَهُوَ الْقَائِلُ: كُلُّ مَا حَدَّثْتُ عَنْ أَبِي صِالِحٍ كَذِبٌ]
وورد في كتاب ميزان الاعتدال (٤/ ١٢٥) أن محمد الكلبي لم يسمع من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، وأنه لا يحل ذكره في الكتب، ولا الاحتجاج به.
والمقصد من الكلام السابق أن محمد بن السائب الكلبي لم يسمع إلا أشياء نادرة وقليلة جداً من أبي صالح ، وهذا يطعن في مصداقية الكثير من الأشياء التي نسبها محمد الكلبي إلي أبي صالح.
مع العلم أن أبا صالح هذا يُلقَب بـــ (باذام) ، وهو أيضاً كان ضعيفاً كذاباً مدلساً، وهو نفسه قال: [كل ما حدثتُك به كذب]
والأدهى من ذلك أن تلك القصة النجسة التي اخترعها الشيعة النواصب للطعن في عِرض أجداد عمر بن الخطاب هي نفسها قصة تطعن في جد النبي محمد؛ فالقصة تقول أن جد النبي كان له أَمة اسمها صهاك وكانت ذات مكانة عند عبد المطلب لدرجة أن عبد المطلب أغلق على مهبلها بأديم وبه قفل واحتفظ بالمفتاح معه!
وتقول القصة أن نفيل استطاع أن يستغفل عبد المطلب وأن يخلع الأديم المقفول من على مهبل صهاك وأن يضاجعها في وسط المراعي!
فانظر كيف أساءت القصة إلى جد النبي ووصفته بأنه غافل عن أمته لدرجة أنها تتركه وتزني مع غيره!
والأدهى من ذلك أن القصة تقول أن صهاك حملت طفلاً اسمه الخطاب وألقته في المزابل حتى لا يعلم عبد المطلب بالأمر!!!
طبعاً ، القصة تفوح منها رائحة الخرافة ؛ فالقصة تريد أن تخبرك أن عبد المطلب ظل تسعة أشهر لا يعلم بحمل صهاك ولا يرى ضخامة بطنها أو تعبها أو آلام المخاض!!!
والغريب في الأمر أن الشيعة النواصب تناقضوا في حيثيات القصة فمثلاً: القصة كما ينسبها الشيعة لمحمد الكلبي تتضمن أن صهاك أخفت الأمر عن عبد المطلب وتخلصت من ابنها الغير شرعي ، لكن نفس الشيعة على مواقعهم الإلكترونية يقتبسون كلاماً منسوباً إلى شيخهم المسمى بــ علي النمازي الشاهرودي - بأنه قال في (مستدركات علم رجال الحديث) ٨/ ٥٨٥ ما يلي:
[صهاك الحبشية هي أَمة لعبد المطلب ، فزنى بها نفيل فولدت الخطاب ، فوهبها عبد المطلب له بعد ما زنى بها]
من خلال الاقتباس السابق ، تجد أن عبد المطلب وَهَبَ صهاك لنفيل بعدما زنى بها ، وهذا الأمر يتناقض مع تفاصيل تخلص صهاك من ابنها الغير شرعي وهو صغير ومراقبتها له من بعيد عبر السنين خوفاً من معرفة عبد المطلب بزناها!
هل كان عبد المطلب يعلم بزنا صهاك أم لا يعلم ، وإذا كان عبد المطلب أهدى صهاك لنفيل، فلماذا تخلصت صهاك من ابنها؟!
إنها تناقضات بعضها فوق بعض.
والغريب في الأمر أن الشيعة النواصب هنا يصفون جد النبي بالدياثة ؛ فهو لم يفعل أي شيء تجاه نفيل الذي زنى بأَمته المقرَّبة بل أهداها له!!!
يعني بحسب منطق الشيعة فإنك إذا أردت أن تنال أَمة من شخص مثل عبد المطلب ، فما عليك سوى مضاجعة هذه الأَمة وهو سيعطيها لك بعد ذلك!!!
فانظر كيف أهانوا عبد المطلب ، مع العلم أنهم يزعمون أن عبد المطلب كان مؤمناً، فهل هذه صفات المؤمن؟!
دعني أزيدك من الشعر بيتاً
هل تعلم أن والد عبد المطلب هو هاشم بن عبد مناف بن قصي (سلسلة نسب النبي)، وهل تعلم أن بعض النسابين ذكروا أن هاشم (جد النبي) كان له أَمة اسمها صهاك وقد أنجبت منه ذكراً اسمه نضلة!
يقول المؤرخ/ محمد بن حبيب - في كتاب (المنمق في أخبار قريش) ١/٤٠٠ — ما يلي:
[أبناء الحبشيات من قريش منهم: نضلة بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ، وأُمه صهاك (الاسم في أصول الكتاب هو صهاك وليس صهال)]
وكذلك محمد الكلبي الشيعي الذي يتغني به هؤلاء الشيعة قد ذكر لابنه في كتاب (مثالب العرب) أن صهاك كانت امرأةً لهاشم جد النبي فوقع عليها وأنجب منها ابناً اسمه نضلة، ثم أنجبت صهاكُ نفيل من رجل آخر ، ونفيل هو جد عمر. مع العلم أن كتاب (مثالب العرب) لم يتطرق لذكر قصة زنا نفيل مع صهاك التي يرددها الشيعة البغباوات.
ومن هنا يتضح لك كيف أن الشيعة أرادوا الطعن في أجداد عمر فطعنوا في عِرض أجداد النبي ونسائهم ، ووصفوا أجداد النبي بأنهم يختارون العاهرات.
هل تعلم يا صديقي أن النبي محمد تزوج ابنة عمر بن الخطاب ، ولكن الشيعة النواصب سخروا من النبي ولمَّحوا إلى أنه تزوج امرأة من نسل الزواني، بل وذكر الشيعة أن النبي تعمد الزواج من عائشة واتهموها بالزنا (عياذاً بالله).
ونفس هذا الحال تكرر من قبل حين طلع علينا بعض حمقى الشيعة واتهموا زوجة النبي نوح بالزنا بالرغم من أن النبي محمد من نسل نوح وزوجته.
والآن ننتقل إلى نقطة مهمة وهي: هل كل كتب المثالب والأنساب حجة على المسلمين؟!
والجواب هو أن الكثير من كتب المثالب والأنساب تتضمن الأكاذيب الموضوعة للطعن في الأعراض والانتصار للعصبية القومية أو مقابل المال؛ ولذلك يقول المؤرخ العراقي/ جواد علي - في كتابه (المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام) ١/٧٢ — ما يلي:
[يجب أن نأخذ بعض هذه الموارد المذكورة بحذر جد شديد، ولا سيما كتب «الأخبار والمثالب والمناقب والمآثر والأنساب»، فإن مجال الوضع والصنعة بها واسع كبير، لِما للعواطف القبيلية فيها من يد ودخل، وللحزبية والأغراض فيها من تأثير. وطالما نسمع أن فلانًا وضع كتابًا في مثالب القبيلة الفلانية أو في مدحها ترضيةً لرجال تلك القبيلة، أو لحصوله على مال منها. ومن هنا وجب الاحتراس كل الاحتراس من هذه الموارد، ووجوب نقد كل رواية فيها قبل الاعتماد عليها والأخذ بها كمورد صحيح دقيق.]
ونُقل عنه في مقدمة كتاب (مثالب العرب) ما يلي:
[وكانت الأنساب واحداً من أهم المجالات التي تعرضت للطعن لِما لها من تأثير على سمعة القبيلة والأفراد على حد سواء في مجتمع قبل الإسلام؛ فقد دفعت العصبية التى كانت في نفوس بعض القبائل والبطون إلى اختلاق مثالب لصقتها بآباء القبائل المتباغضة وأجدادها حُفِظَت على مرور الأيام . ولازمت مَن قيلت فيهم.]
وقال الأستاذ الدكتور/ جاسم ياسين الدرويش - في مقدمة كتاب (مثالب العرب) ما يلي:
[والواقع أن الخوض في آثار العصبية القبلية يطول جداً لمن أراد، ولكن حسبنا القول أنها من أسباب الطعن ووضع المثالب، والمتصفح لكتاب ابن الكلبي الذي بين أيدينا يلمس ذلك واضحاً؛ إذ أن أغلب ما فيه من تهم كانت بسبب ذلك (أي بسبب العصبية القومية)]
وقال أيضاً:
[هل كتاب المثالب الذي ألفه ابن الكلبي هو نفسه الموجود عندنا الآن؟ - فهذا لا يمكن القطع به، بل يمكننا القول أن الكتاب تعرض للعديد من الإضافات والتحريفات]
============
والآن ، تعالوا بنا نرد على بعض الأكاذيب التي يرددها الشيعة على مواقعهم ليحبكوا هذه القصة الخرافية...
لقد قلنا منذ قليل أن محمد بن السائب الكلبي ليس من أئمة المسلمين بل هو زنديق ضال كذاب..، لكن الغريب في الأمر أن بعض الشيعة الكذابين زعموا أن البخاري كان يستدل في صحيح البخاري بــ محمد بن السائب الكلبي ويسميه بـــ (محمد بن بشر)!!!
وأنا أرد على هذا الهراء وأقول:
الراوي/ محمد بن بشر - الموجود في صحيح البخاري اسمه بالكامل: محمد بن بشر بن الفرافصة بن المختار بن رديح ، ويُلقَب بــ محمد بن بشر العبدي. وهذا الرجل يختلف اختلافاً كبيراً عن الكذاب/ محمد بن السائب بن بشر الكلبي الذي يتكلم عنه هؤلاء الشيعة.
والمضحك في الأمر أني رأيت بعض الشيعة الأغبياء على مواقعهم الإلكترونية يزعمون أن البخاري يعظِّم محمد بن السائب الكلبي، ويستدل هؤلاء الشيعة بما قاله ابن حجر العسقلاني في كتاب (لسان الميزان) حيث قال:
[محمد بن بِشْر، عن عمرو بن عبد الله الحضرمي، وعنه ابن إسحاق، مجهول.
أفرده البخاري بترجمة، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه: محمد بن السائب الكلبي، نسبه ابن إسحاقَ إلى جده، فإنه محمد بن السائب بن بِشْر.]
وأنا أرد وأقول:
الاقتباس السابق ليس فيه أن البخاري يعظِّم محمد بن السائب الكلبي ولا فيه أنه يوثِّق محمد بن السائب الكلبي، بل كل ما ورد في الاقتباس السابق هو أن البخاري تحدث عن ترجمة هذا الراوي؛ أي تحدث عن حال هذا الراوي، وهذا هو المقصود بعبارة: [ترجمة الرجل].
ويمكنك بنفسك أن تفتح كتاب (التاريخ الكبير) ، وهو كتاب يتحدث فيه البخاري عن الرواة ويصف حالهم من حيث كونهم ثقات أم ضعفاء كذابين ، وإليك ترجمة البخاري عن الراوي محمد بن السائب بن بشر الكلبي:
* يقول البخاري في كتاب (التاريخ الكبير للبخاري) - ت المعلمي اليماني ١/١٠١ ما يلي:
[مُحَمَّد بْن السائب أَبُو النضر الكلبي: تركه يحيى بن سَعِيد وابن مهدي، وقَالَ لنا عليُ: حَدَّثَنَا يحيى بْن سَعِيد عَنْ سُفْيان قَالَ: قَالَ لي الكلبي قال لى أبو صالح: كل شئ حدثتك فهو كذب، وروى مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ أَبِي النضر وهو الكلبي.]
فها أنت قد رأيتَ ترجمة البخاري عن محمد بن السائب الكلبي ، ورأيتَ بنفسك أن البخاري لم يذكر أي شيء عن توثيقه ولا عن تصديقه بل فقط ذكر تضعيفه.
ثم ذكر البخاري بعدها ترجمةً أخرى كالتالي:
[مُحَمَّد بن السائب بن بسر ، سَمِعَ عَمْرو بْن عَبْد اللَّه الحضرمي سَمِعَ منه مُحَمَّد بْن إِسْحَاق.]
وقد ذكر المعلمي اليماني في هامش الصفحة أن أصل كتاب التاريخ الكبير ذكر عبارة [محمد بن السائب بن بسر] وليس ابن بشر. وسواء افترضنا أن البخاري يتكلم هنا عن محمد بن السائب بن بسر أو بن بشر الكلبي ، فإنه في كلتا الحالتين لم يذكر أي توثيق هنا لهذا الرجل.
وأما بالنسبة لبعض الشيعة الذين يزعمون أن الإمام الزهري كان يذوب إذا رأى الكلبي مما يدل على قوة الكلبي وجلالة قدره، فإنني أرد على هذا الهراء وأقول:
أولاً: الكتب التي ذكرت جزئية الذوبان هذه كانت تتكلم عن هشام الكلبي وليس عن محمد الكلبي.
ثانياً: تلك الكتب نفسها قد تناقضت في ذكر الشخصية التي كانت تذوب إذا رأت هشام الكلبي ؛ فبعض الكتب ذكرت أن الهيثم بن عدي الكذاب كان يذوب إذا رأي هشام الكلبي الكذاب، ولكن ذكرت كتب أخرى أن هشام الكلبي هو مَن كان يذوب إذا رأى الهيثم بن عدي، وبعض الكتب الأخرى ذكرت أن الزهري كان يذوب إذا رأى هشاماً الكلبي!!!
وإليك الاقتباسات من الكتب ابتداءاً من الأقدم وحتى الأحدث:
يقول الجاحظ في كتاب (البيان والتبيين) ١/١٢٦ — ما يلي:
[وقال أبو يعقوب الخريمي: ما رأيت كثلاثة رجال يأكلون الناس أكلاً حتى إذا رأوا ثلاثة رجال ذابوا كما يذوب الملح في الماء، والرصاص في النار: كان هشام بن محمد علَّامة نسَّابة، وراويةً للمثالب عَيَّابة، فإذا رأى الهيثمَ بن عدي ذاب كما يذوب الرصاص في النار.]
ثم جاء ابن النديم من بعد الحاحظ وقال في كتاب (الفهرست) - بحسب طبعة المكتبة التجارية ١/١٤٠ — ما يلي:
[قال إسحاق المصلي: كنتُ إذا رأيت ثلاثة يرون ثلاثة يذوبون؛ علويه إذا رأى مخارقًا ، وأبا نواس إذا رأى أبا العتاهية ، والزهري إذا رأى هشامًا]
أما بحسب الطبعة التي أعدها القاضي السياسي الإيراني المعروف بــ رضا تجدد ، فإن ابن النديم قال في كتابه (الفهرست) ١/١٠٨ — ما يلي:
[قال إسحق الموصلي: كنتُ إذا رأيتُ ثلاثة يرون ثلاثة يدنون: إذا رأى الهيثم بن عدي هشاماً الكلبى، وعلوية إذا رأى مخارقًا، وأبا نواس إذا رأى أبا العتاهية]
ومن خلال المقارنة بين الطبعتين المختلفتين لنفس الكتاب سيتضح لنا وجود تلاعب في الكتاب وأنه لم يَثبُت قطعاً أن الزهري كان يذوب فعلاً من هشام الكلبي ، وهل كان ذاك الشخص الذي يرى هشاماً الكلبي يذوب منه أم يدنو ويقترب منه!
ثم جاء ياقوت الحموي وقال في كتابه (معجم الأدباء = إرشاد الأريب) ٦/٢٧٧٩ — ما يلي:
[وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: رأيت ثلاثة كانوا إذا رأوا ثلاثة يذوبون:
علويه إذا رأى مخارقاً، وأبا نواس إذا رأى أبا العتاهية، والزهري إذا رأى هشاماً.]
ثم جاء الصفدي وقال في كتابه (الوافي بالوفيات) ٢٦/٥٤ ما يلي:
[قَالَ إِسْحَاق الْموصِلِي: رَأَيْتُ ثَلَاثَة يذوبون إِذا رَأَوْا ثَلَاثَة: الْهَيْثَم بن عدي إِذا رأى هشامًا الكلبيَّ ، وعلَّويه إِذا رأى مخارقًا ، وَأَبا نواس إِذا رأى أَبَا الْعَتَاهِيَة]
ومن خلال ما سبق ، يتضح لنا أن هناك تضارباً بين الكتب وتناقضاً كذلك بين طبعات كتاب الفهرست لابن النديم ، وبذلك لم يثبت قطعاً إذا ما كان الزهري يذوب من هشام الكلبي ، وحتى لو افترضنا أن الزهري كان يذوب فعلاً من هشام الكلبي فإن ابن النديم سيكون أول مَن زعم ذلك، مع العلم أن هشام الكلبي كان رافضياً شيعياً كذاباً وكذلك كان ابن النديم شيعياً معتزلياً يعيب في أهل السُنة ، ولذا من الطبيعي أن يقول ابن النديم هذا الكلام.
* قال الإمام الذهبي في كتاب (تاريخ الإسلام) - طبعة التوفيقية ٢٧/٣٠٣ ما يلي:
[ابنُ النديم: هو مُحَمَّد بْن إِسْحَاق النَّديم البغدادي، أَبُو الفرج الْأخباريّ الْأديب الشيعي المُعْتَزِلي، صاحب التصانيف؛ فمِن كتبه كتاب «الفهرست»]
* ويقول الأستاذ/ عبد العزيز بن عبد الله البريدي - في كتابه (الخلافة الأموية) ١/٦٠٦ — ما يلي:
[ابن النديم: هو أبو الفرج محمد بن إسحاق بن محمد الوراق البغدادي المعتزلي الشيعي]
* وقال الدكتور/ أيمن فؤاد سيد - في مقدمة كتاب (الفهرست لابن النديم) ما يلي:
[وكان النَّديمُ - كما يَتَّضِحُ من صَفَحَات كِتَابه - شِيعيًّا مُتَحَمِّسًا، قال عنه ياقُوتٌ الحَمَوي: «وكان شِيعيًّا مُعْتَزِلِيًّا». وقال المَقْريزيٌّ: «وقد اتُّهِمَ بالتَّشَيُّع». وقال ابن حَجَر: «ومُصَنِّفُهُ المَذْكُور - يَعْنِي الفِهْرِسْت - يُنَادِى على مَنْ صَنَّفَه بالاعْتِزَال والزَّيْغُ نَسْأَلُ الله السَّلامَة». ووَصَفَهُ الذَّهَبِيُّ قَبْلَهما بـ «الأخباري الأديب الشِّيعيّ المُعْتَزِليّ». وأضَافَ ابْنُ حَجَر: «ولمَّا طَالَعْتُ كِتَابَه ظَهَرَ لي أنه رَافِضِيٌّ مُعْتَزِليٌّ فإنَّه يُسَمِّي أَهْلَ السُّنَّة بالحَشْويَّة ويُسَمِّي الأشَاعِرَة بالمُجْبِرَة ويُسَمِّي كُلَّ مَنْ لم يكن شِيعِيًّا عامِّيًّا. وذَكَرَ فِي تَرْجَمَة الشَّافِعِيّ شَيْئًا مُخْتَلَقًا ظَاهِرَ الافْتِرَاء حيث قال:«كان الشَّافِعِيُّ شَدِيدًا في التَّشَيُّع». أقولُ: وقد عَلَّقَ شَخصٌ على هَامِش نُسْخَة الأصْلِ أمام هذا المَوْضِع: «المُصَنِّفُ شِيعيٌّ جَلْد، فأَرَادَ أَنْ يَفْتَخِرَ بالشَّافِعِيّ بأنَّه منهم، فكَذب». ويَظْهَرُ تَشَيُّعُ ابنِ النَديمِ كذلك عندما ذَكَرَ أنَّ الواقِدِيّ كان يَتَشَيَّعَ ولكنَّه يُخْفي ذلك تَقِيَّةً [١: ٣٠٨]، ومن قَوْلِه عن مُصْعَبٍ بن عبد الله الزُّبَيْرِي أَنَّ أَبَاهُ عبد الله كان من أشْرَارِ النَّاسِ مُتَحَامِلًا على وَلَدِ عليّ، عليه السلام [١: ٣٤٠]، ومن جَعْلِه أكثر المُحَدِّثين، مثل سُفْيَان بن عُيَيْنَة وسُفْيَان الثَّوْرِيِّ، على مَذْهَبِ الزَّيْدِيَّة [١: ٦٣٩ - ٦٤١]. أمَّا هو نفسه فكان شيعيًّا إمَامِيًّا كما يَبْدُو من إنْكارِه لما جَاءَ في كُتُبِ الإسْمَاعيلية [١: ٦٧٢].
ويَتَّضِحُ مَيْلُ النَّدِيم إلى الاعْتِزَال من ثَرَاء الفَصْل الذي عَقَدَهُ لمُصَنِّفي المُعْتَزِلَة، والمَوْجُودُ فَقَط نُسْخة شيستربيتي، والذي اشْتَمَلَ على مَعْلُومات مُهِمَّة لا نجدها حتى في كُتُبِ «طَبَقَاتِ المُعْتَزِلَة»، حتى قال عنه السُّبْكيّ: «كان فيما أحْسَبُ مُعْتَزِلِيًّا، وله بَعضُ المَسِيس بصناعَة الكلام».]
والمضحك أن يقول ابن النديم هذا الكلام عن ذوبان الزهري من هشام الكلبي ؛ بالرغم من أن هشام الكلبي وُلِدَ تقريباً سنة 110 هجرياً ، أما الإمام الزهري فقد مات تقريباً سنة 124 هجرياً ؛ أي أن سن هشام الكلبي في أواخر حياة الإمام الزهري كان لا يتعدي 13 أو 14 سنة، فلماذا يذوب الإمام الزهري من فتى صغير كهذا؟!
وهشام الكلبي عاش طيلة حياته في الكوفة بالعراق ، أما الزهري فعاش في المدينة المنورة ثم انتقل إلى الشام ، فكيف سيذوب الزهري من هشام الكلبي؟!
وحتى لو افترضنا أن الزهري كان يذوب إذا رأى هشام الكلبي ويتجنبه ، فإن هذا ليس دليلاً على عظمة هشام الكلبي ؛ فهشام الكلبي كان معروفاً بالانحراف بالإضافة لسلاطة لسانه حيث يعيب في الناس وفي أعراضهم ؛ ولذلك من الطبيعي أن يتجنبه البعض اتقاءً لشره وامتناعاً عن مجالسة المنحرفين.
=============
والآن ، دعونا نكف عن الحديث عن هشام الكلبي الشيعي، ونرجع مرة أخرى للحديث عن محمد بن السائب الكلبي الرافضي.
البعض يزعمون أن كلام محمد الكلبي موثوق طالما أنه ذكر شيئاً في الأنساب بعيداً عن الدين بحجة أنه كان عالماً بالأنساب!!!
وأنا أرد على هذا الهراء وأقول:
دين الشخص ومذهبه يؤثر على كلامه وخصوصاً إذا كان معتقده فاسداً ، ولذلك نرى عقيدة التشيع الرافضي قد أثرت في عقلية محمد بن السائب الكلبي فجعلته يعيب في بعض الشخصيات الجليلة عند المسلمين.
ونفس الأمر ينطبق على الشيعة الوثنيين اليوم ؛ فالكثير منهم يكذب ويكيل التهم ويطعن في عِرض السيدة عائشة وفي عِرض الصحابة انطلاقاً فقط من عقيدته الشيعية الرافضية الحقودة ليس أكثر.
ونفس الأمر ينطبق على الكثير من المسيحيين الذين يطعنون في عِرض النبي محمد ، وهم يفعلون ذلك ليس بدافع السرد التاريخي الحيادي بل تعصباً لدينهم النصراني.
ونفس هذا الأمر فعله الكثير من المؤرخين المنحازين الذين حادوا عن الحق دفاعاً عن معتقدهم ليس أكثر.
فالخلاصة أنه لا يمكننا فصل أنساب محمد بن السائب الكلبي عن عقليته وعقيدته.
ثم إن اشتغال الكلبي كـ نسَّابة لا يعني أنه رجل ثقة فيما ينسبه ؛ لأن مصطلح النَسَّابة يعني شخصاً ينسب الناس إلى فلان أو علان بغض النظر عن مدى صدقه أو كذبه فيما ينسبه، ولذلك قد يَصدُق النَسَّابة أو يكذب في نسبته هذه، وفي كلتا الحالتين يُسمَى بالنسَّابة.
ولذلك نجد ابن مسعود يُكذِّب النسابين أحياناً ، فمثلاً:
ورد في تفسير الطبري ما يلي:
[حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ: حدثنا شَبَابَةُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، قَالَ: حدثنا ابْنُ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا:﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ﴾، ثُمَّ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسَّابُونَ]
ونفس الأمر ينطبق على صفة (أخباري) ؛ فالأخباري هو الذي يذكر الأخبار بغض النظر عن كونها أخباراً صادقة أم كاذبة ؛ ولذلك سنلاحظ أن الكثير من علماء الجرح والتعديل كان يقولون مثلاً:
[لوط بن يحيى، أبو مخنف ، أخباري تالف لا يوثَق به]
أو يقولون مثلاً:
[أبو بكر الهذلي: أخباري كذاب متروك]
أو يقولون مثلاً:
[لقيط المحاربي: أخباري حاطب ليل]
أو يقولون مثلاً:
[شعيب الجَبَائيُّ أخباري متروك]
ومن هنا ، نجد أن لقب النسَّابة أو الإخباري ليس دليلاً قاطعاً على صدق محمد بن السائب الكلبي فيما ينسبه أو يدعيه من الأخبار.
راجع:
• ميزان الاعتدال ٣/٤١٩ — شمس الدين الذهبي
• لسان الميزان ٤/٢٥٥ — ابن حجر العسقلاني.
• شرح سنن ابن ماجه لمحمد الأمين الهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه ٦/١٤٩
*********
والشيء العجيب أن بعض الشيعة يزعمون أن محمد بن السائب الكلبي كان ثقةً صادقاً بحجة أن البعض يلقبه بــ (العلَّامة) ، وأنا أرد على هذا الهراء وأقول:
قد يكون الشخص عالماً بالأخبار ، ولكن هذا ليس دليلاً على صدقه ؛ لأنه ببساطة قد يدس بعض الأكاذيب في وسط المعلومات الكثيرة التي يدلي بها. وأنا مثلاً رأيتُ بعض علماء الأحياء يدسون معلومات مغلوطة محاولين خداع القراء وإثبات نظرية تطور الكائنات الحية. بل ورأيتُ بعض الشخصيات التي تبوأت مكانة علمية رفيعة في بعض الجامعات الدينية ومع ذلك انحرفت هذه الشخصيات وأخذت تكذب وتشوه دين الإسلام لصالح العلمانجية والمسيحيين واليهود.
تعالوا بنا نأخذ مثالاً على بعض الشخصيات التي قد تكون عالمة لكن تدس الأكاذيب في وسط العلم...
يقول الشيخ/ مقبل بن هادي الوادعي - في كتاب (رجال الحاكم في المستدرك) ٢/٣٦٢ — ما يلي:
[ترجمه الإمامُ الذهبي ﵀ في «السير» (ج١٠ ص١٠٣) فقال:
الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن بن زيد بن أسيد بن جابر ، الأخباري ، العلَّامة ، أبو عبد الرحمن الطائي الكوفي المؤرخ.
إلى أن قال الذهبي ﵀:
وقال ابن معين، وأبو داود: كذاب]
فها 👆هو شخص آخر كان أخبارياً علَّامةً ولكنه كان كذاباً.
وبعض الشيعة يزعم أن الإمام ابن عدي وثَّق محمد بن السائب الكلبي ، وأنا أرد على هذا الهراء وأقول:
الإمام ابن عدي قال عنه في (مختصر الكامل) صـ ٦٥١ ما يلي:
[وَأما فِي الحَدِيث فـ خاصةً إِذا روى عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس فَفِيهِ مَنَاكِير، ولشهرته فِيمَا بَين الضُّعَفَاء يُكْتب حَدِيثه.]
فالإمام ابن عدي نفسه يفتي بضعف هذا الشخص وأن حديثه فيه مناكير، وأما بالنسبة لعبارة [يُكتَب حديثه] ، فليس معناها صحة حديثه كما يظن بعض العوام بل هذه العبارة بحسب علم الجرح والتعديل تعني أن الراوي ضعيف ويُكتَب حديثه من أجل اختبار هذا الحديث ومراجعة مدى صحته والبحث عن هل يوجد أي دليل أو شاهد يؤكد حديث هذا الراوي.
وأما بالنسبة لمصطلح [له أحاديث صالحة] ، فليس المقصود بها صحة أحاديثه كما يظن بعض العوام بل مصطلح [صالح الحديث] هو من ألفاظ المرتبة السادسة في التعديل وهي أدنى مرتبة من مراتب التعديل ، وتعني وجود ضعف وقلة ضبط في نقل الراوي لحديثه ولذا نحتاج إلى مراجعة حديثه والبحث عن أي دليل أو شاهد آخر لنرى هل ذلك يدعم كلامه أم لا.
ثم إن ابن عدي كان يتكلم عن أحاديث الكلبي عن أبي صالح المتعلقة بالتفسير. مع العلم أن أحاديث التفسير التي رواها الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس هي أحاديث مشكوك في صحتها ، وذلك نظراً لأن أبا صالح لم ير ابن عباس أصلاً.
بل إن أبا صالح نفسه اعترف بكذب ما رواه.
قال البخاري:
[مُحَمَّد بن السَّائِب أبو النَّضر الكُوفِي، تَركه يحيى بن سعيد وَابْن مهْدي. قَالَ عَليّ: حدثَنَا يحيى عَن سُفْيَان قَالَ لي الكَلْبِيّ: قَالَ لي أبو صَالح: كل مَا حدثتك فَهُوَ كذب]
وأفتى الإمام أحمد بن حنبل بأنه لا يجوز النظر في تفسير الكلبي.
وأما بالنسبة لبعض الشيعة الذين يعظمون محمد بن السائب الكلبي بحجة أن الخطيب البغدادي روى أن الكلبي قال عن نفسه أنه حفظ القرآن في ثلاثة أيام!
فأنا أرد على هذا الهراء وأقول:
الكتب والروايات تناقضت حول هذا الخبر ؛ فبعض الكتب زعمت أن ذاك الحافظ للقرآن هو هشام الكلبي ، في حين أن كتب أخرى زعمت أن ذاك الحافظ كان هو محمد الكلبي ، ثم تناقضت الروايات مرة أخرى؛ فبعضها زعم أنه وصف نفسه بأنه حفظ القرآن في يوم وليلة ، وروايات أخرى تقول ثلاثة أيام ، وروايات أخرى تقول ستة أو سبعة أيام!!!
ثم إننا لا يمكننا أن نصدق بسهولة ما يقوله هشام الكلبي عن نفسه ، وبالمثل لا يمكننا أن نصدق ما قاله إبليس عن نفسه حين وصف نفسه بأنه خير من البشر!
وإذا أردت أن تصدق محمد الكلبي في كل كلام يقوله عن نفسه، فهل ستصدقه أيضاً حين قال عن نفسه بأنه نسي أشياء من القرآن بسبب المرض فذهب إلى آل محمد وبصقوا في فمه فتذكر كل شيء!!!
ولذلك ذكر الذهبي إنكار العلماء لهذه القصة (راجع سير أعلام النبلاء 10/ 101)
ثم إن الكثير من الخوارج كانوا قد حفظوا القرآن الكريم ، ومع ذلك مرقوا من الدين وانحرفوا عنه.
وإني أتعجب حين أرى الشيعة الوثنيين يستميتون الآن في الدفاع عن محمد الكلبي في حين أن شيوخهم القدماء مثل ابن داود الحلي قد وصفه بالمهمَل في كتابه (الرجال 172) ، بل ولم يذكر أي شيخ من شيوخ الشيعة القدماء أي توثيق لهذا الرجل أصلاً.
وختاماً: إني أتعجب من تناقضات الشيعة ؛ فالشيعة على مواقعهم ينسبون كتاب (الصلابة في معرفة الصحابة) إلى محمد بن السائب الكلبي ، وهو كتاب خرافي كما قلتُ سابقاً، لكن شيخ الشيعة المسمَى بــ يوسف البحراني ، في كتابه (الكشول) قد نسب كتاب الصلابة الخرافي إلى أبي مخنف (لوط بن يحيى). وأبو مخنف هذا هو واحد من الشيعة الكذابين. وأبو مخنف لم يعاصر أجداد عمر بن الخطاب أيضاً.
والمضحك في الأمر أن البحراني الشيعي زعم زوراً أن محمد بن السائب الكلبي وأبو مخنف قد أخذا المعلومات عن نسب عمر من شخص اسمه (عبد الله بن سيابة) بالرغم من أنه رجل مجهول لم يوثقه أحد من شيوخ الشيعة القدماء، ولم تذكر الكتب القديمة فيما أعلم أنهما حصلا منه على هذه المعلومة عن نسب عمر!
ثم كيف حصل محمد بن السائب وأبو مخنف على المعلومات من عبد الله بن سيابة، وهل عاصر عبد الله بن سيابة أجداد عمر؟!
وخذ الأعجب من ذلك حين ترى الشيعة على مواقعهم الإلكترونية يستدلون بأبيات شعر منسوبة إلى مفلح بن راشد حيث يقول:
زنت صهاك بكل علج *** مع علمها بالزنا حرام
فلا تلمها على زناها *** فما على مثلها ملام
فلا تلمها ولم زنيما *** يزعم أن ابنها إمام
ومفلح بن راشد هو من الشيعة الأنجاس وليس من أئمتنا ، وإني قد قرأت له بعض الأبيات الشعرية ووجدتها ركيكة ، هذا بجانب جهله المبالغ في بعض الأمور مثل أنه يتهم صهاك بالزنا مع علمها بحرمة الزنا!
وأنت تعلم جيداً أن الناس في الجاهلية -ومنهم صهاك- كانوا وثنيين ولم يكن لهم شريعة تحرِّم الزنا أصلاً.
وإذا افترضنا أن أجداد عمر كانوا زناة، فلماذا لم يطعن كفار قريش في نسبه ويسخروا منه؟!
وحتى لو افترضنا أن عمر من نسل الزواني ، فإن الإسلام لا يُحمِّل الشخص ذنب آبائه أصلاً.
ولو كان كل شخص يحمل وزر آبائه ، إذن الشيعة أبناء زواني أيضاً ؛ لأن شيعة إيران ينتمون إلى الفُرس ، وكان الفُرس قديماً يعتنقون الزرادشتية قبل الإسلام، وكانوا يبيحون زواج الرجل من أمه وأخته!
ومن الجدير بالذكر أنه قد ورد في صحيح مسلم أن النبي أشار إلى أن الطعن في الأنساب هو من أمور الجاهلية وسيستمر بعض الناس من بعده على منوال الطعن في الأنساب.
يقول النبي في حديث صحيح ما يلي:
[أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ ، وَالنِّيَاحَةُ]
=============
المراجع:
في هذه الفقرة ، سأسرد بعض المراجع التي تدل على ضعف محمد بن السائب الكلبي:
يذكر الدكتور/ شادي آل نعمان ، في كتاب (الجامع لكتب الضعفاء والمتروكين والكذابين) ١٣/٣٣٠ — ما يلي:
[وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: اتَّقوا الكَلْبِيّ. قيل لَهُ: فَإنَّك تروي عَنهُ! قَالَ: أَنا أعرف صدقه من كذبه.
وَقَالَ البُخَارِيّ: مُحَمَّد بن السَّائِب أبو النَّضر الكُوفِي، تَركه يحيى بن سعيد وَابْن مهْدي. قَالَ عَليّ حدثَنَا يحيى عَن سُفْيَان قَالَ لي الكَلْبِيّ: قَالَ لي أبو صَالح: كل مَا حدثتك فَهُوَ كذب. وروى مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَنهُ.
وَقَالَ الثَّوْريّ: قَالَ لي الكَلْبِيّ: كل شيء أخذت عَن أبي صَالح فَهُوَ كذب.
وَقَالَ زَائِدَة: كنت أختلف الى الكَلْبِيّ أَقرَأ عَلَيْهِ القُرْآن، فَأَتَيْته يَوْمًا فَسَمعته يَقُول: مَرضت مرضة فنسيت مَا كنت أحفظ فَأتيت (آل) مُحَمَّد فتفلوا فِي فيّ فَحفِظت مَا كنت نسيت! فَقلت: لَا وَالله مَا أروي عَنْك بعد هَذَا شيئا - فتركته.
وَقَالَ الأَصْمَعِي عَن قُرَّة بن خَالِد: كَانُوا يرَوْنَ أَن الكَلْبِيّ يزرف. قلت: مَا التزريف؟ قَالَ: الزِّيَادَة.
وَقَالَ السَّعْدِيّ: مُحَمَّد بن السَّائِب كَذَّاب سَاقِط.
وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث.
وَقَالَ ابْن المثنى: مَا سَمِعت يحيى وَلَا عبد الرَّحْمَن يحدثان عَن الكَلْبِيّ بِشيء.
وَقَالَ يزِيد بن زُرَيْع: حدثَنَا الكَلْبِيّ - وَكَانَ سبئياً.]
* وذكر الدكتور / شادي آل نعمان أيضاً:
[مُحَمَّد بن السَّائِب الكَلْبِيّ: أَحَادِيثه عَن أبي صَالح مَوْضُوعَة [راجع المدخل إلى الصحيح (ترجمة رقم ١٧١)].]
* وذكر أيضاً:
[محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح: أحاديثه موضوعة. [راجع الضعفاء للأصبهاني (ترجمة رقم ٢١٠)].]
* وذكر أيضاً:
[محمد بن السائب بن بشير، أبو النضر الكلبي الكوفي.
قال زائدة وليث وسليمان التيمي: هو كذاب.
وقال السعدي: كذاب ساقط.
وقال يحيى: ليس بشيء، كذاب ساقط.
وقال النسائي وعلي بن الجنيد والدارقطني: متروك الحديث.
وقال ابن حبان: وضوح الكذب فيه أظهر مِن أن يحتاح الى الإغراق في وصفه، روى عن أبي صالح عن ابن عباس التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس ولا سمع منه، لا يحل الاحتجاج به. [راجع الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ٦٢)].]
* وذكر أيضاً:
[محمد بن السائب الكلبي: كَذَّبه زائدة، وابن معين، وجماعة. [راجع ديوان الضعفاء (ص ٣٥٢)].]
* وذكر أيضاً:
[محمد بن السائب الكلبي الكوفي، أبو النضر.
عن الشعبي. تركوه.
كَذَّبه: سليمان التيمي، وزائدة، وابن معين.
وتركه: القطان، وعبد الرحمن. (ت) [راجع المغْنِي في الضعفاء (٢/ ٣٠٥)].]
* وذكر أيضاً:
[وقال أحمد بن زهير: قلت لأحمد بن حنبل: يحل النظر في تفسير الكلبي؟.
قال: لا.
عباس، عن ابن معين، قال الكلبي: قال ليس بثقة.
وقال الجوزجانى وغيره: محمد بن السائب الكلبي كذاب.
وقال الدارقطني وجماعة: متروك.
وقال ابن حبان: مذهبه في الدين ووضوح الكذب فيه أظهر مِن أن يحتاج الى الاغراق في وصفه.
يروى عن أبي صالح، عن ابن عباس - التفسير.
وأبو صالح لم ير ابن عباس، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فلما احتيج إليه أخرجت له الأرض أفلاذ كبدها.
لا يحل ذكره في الكتب، فكيف الاحتجاج به!. [ميزان الاعتدال (٤/ ١٢٥)].]
* وذكر أيضاً:
[محمد بن السائب الكلبي ورد ذكره في كتاب الضعفاء والمتروكين للدارقطني (ترجمة رقم ٤٦٨).)
• ومحمد بن السائب الكلبي، يُكنى بـ (أبو النضر) ، ويروي عن أبي صالح.
وقد قال عنه الدارقطني: محمد بن السائب متروك، وقال الكلبي عن نفسه: «كُلَّ ما حدَّثتُ عن أبي صالح كَذِبٌ». [راجع مَن تكلم فيهم الدارقطني في كتاب السنن (ترجمة رقم ٣٧٥)].
وقال ابن معين: محمد بن السائب الكلبي ليس بشيء. [راجع تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين والمتروكين لابن شاهين (ترجمة رقم ٥٤٣)].
* وذكر أيضاً:
[وقد قال ابن الجوزي الحافظ في مقدمة الموضوعات له: وكان من كبار الوضاعين: وهب بن وهب، ومحمد بن السائب الكلبي، وذكر آخرين، ذكرهم في أماكنهم، ثم ذكر حديثًا في فضل علي، ثم قال: والمتهم به الكلبي.
وقال أبو حاتم بن حبان: كان الكلبي مِن الذين يقولون: ((إن عليًا لم يمت، فإنه يرجع إلى الدنيا، وإن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها)). لا يحل الاحتجاج به. [الكشف الحثيث (ترجمة رقم ٦٦٧)].
* وذكر أيضاً:
[مُحَمَّد بن السَّائِب الكَلْبِيّ: كَذَّبه زَائِدَة وَابْن معِين وَجَمَاعَة. [راجع تنزيه الشريعة (١/ ١٠٥)].
* وذكر أيضاً:
[محمد بن السائب الكلبي كذاب. [راجع قانون الضعفاء (ص ٢٩٠)].]
==================
إلى هنا ، أكون قد فندت الشبهة بالكامل بفضل الله تعالى
لا تنسونا من صالح دعائكم لنا ولوالدينا
لا تنسوا نشر المقال أو نسخه
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته