ونستفيد من الحديث السابق أنه يُشترط أن يكون عدد التمر سبع تمرات وأن يكون عجوة ، وأن يؤكل في الصباح وليس في وسط اليوم ولا آخره.
وكما قال ابن الأثير ، فإن تمر العجوة المقصود هنا هو نوع من أجود أنواع التمر ويميل لونه إلى السواد ، وكان النبي قد غرسه بيده في المدينة ، والشجرة التي تثمر العجوة تُسمَى: لينة.
والعجوة المقصودة هنا في الحديث تختلف عن العجوة التي نشتريها من السوق.
ثانياً:
ورد في أمالي المحاملي ما يلي:
[حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ابْنَةِ سَعْدٍ , عَنْ سَعْدٍ ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ: "مَنْ تَصَبَّحْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً عَلَى الرِّيقِ لَمْ يَضُرَّهُ سِحْرٌ وَلا سُمٌّ".]
ونستفيد من الحديث السابق أنه يُشترط تناول التمرات كأول شيء في الصباح على الريق ولا يُتناوَل هذا التمر مع الأطعمة الأخرى، وذلك لضمان امتصاص أفضل لمكونات التمر.
ثالثاً:
ورد في مشكل الآثار للطحاوي5007 ما يلي:
[وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي أَبَا طُوَالَةَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "مَنِ ابْتَكَرَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ مَا بَيْنَ لابَتَيِ الْمَدِينَةِ ، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ شَيْءٌ حَتَّى يُمْسِيَ"]
ونستفيد من الحديث السابق أنه يجب أن يكون التمر تمراً معيناً وهو تمر في المدينة وليس أي تمر، ونستفيد أيضاً أن مفعول الوقاية يستمر يوماً واحداً فقط.
رابعاً:
وورد في صحيح مسلم ٣٨٢٢ عن النبي أنه قال:
[إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً أَوْ إِنَّهَا تِرْيَاقٌ أَوَّلَ الْبُكْرَةِ.]
وبهذا نستفيد أنه ينبغي أن يكون التمر محصوداً من منطقة العالية في المدينة المنورة؛ أي ناحية نجد ، وبشرط أن يكون التمر نما في منطقة منحصرة ضمن لابتي المدينة المنورة.
خامساً:
ورد في صحيح البخاري (٥٤٤٥) عن النبي أنه قال:
[مَن تَصَبَّحَ كُلَّ يَومٍ سَبعَ تَمَراتٍ عَجوةً، لم يَضُرَّه في ذلك اليَومِ سُمٌّ ولا سِحرٌ.]
ونستفيد من الحديث السابق أن تناول التمر يجب أن يؤكل باستمرار كل يوم وليس مرة واحدة.
سادساً:
ورد حديث ضعَّفه البعض، وفيه أن تناول التمرات يكون مصحوباً بطحن نواتها وتناولهم معاً حيث ورد في الحديث ما يلي:
[فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةَ الْمَدِينَةِ ، فَلْيَجَأْهُنَّ بِنَوَاهُنَّ ، ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِهِنَّ.]
سابعاً:
لا أحد من الصحابة فكَّر في أن يتناول التمر ثم يتعمد تناول السم بعده ليجرب مفعول التمر ؛ فهذا التصرف ليس عقلانياً ، وقد قال الله تعالى:
﴿... وَلَا تُلۡقُوا۟ بِأَیۡدِیكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [البقرة ١٩٥]
والنبي نفسه لم يجرب شرب السم بعد تناول التمر ولم يتحجج حينها بأن التمر سيحميه إذا تعمد شرب السم بنفسه.
-----------------------------
والخلاصة مما سبق أن تناول التمر من أجل الوقاية له شروط كثيرة وليس أمراً عشوائياً، وهذه الشروط كالتالي:
١- تناول سبع تمرات وليس أقل
٢- ميعاد التناول صباحاً
٣- يكون التناول على الريق
٤- تكون التمرات من نوع العجوة التي زرعها النبي
٥- تكون التمرات من شجر اللينة الموجود بين لابتي المدينة بمنطقة العالية.
٦- مداومة التناول كل يوم
٧- مفعول التمر يستمر ليوم واحد فقط.
٨- يتم طحن النوى مع التمر (شرط إضافي مختلف في مدى ثبوته عن النبي)
٩- عدم التهاون وتجريب تناول السم بعد تناول التمر.
====================
سؤال آخر:
البعض يثير تساؤلاً بشأن قصة استخدام لبيد بن الأعصم للسحر من أجل إيذاء النبي ؛ حيث يتساءل البعض قائلين: إذا كان التمر يقي من السحر ، فلماذا لم يستخدمه النبي للوقاية من سحر لبيد بن الأعصم؟!
وأنا أرد وأقول:
أولاً: أشار بعض العلماء بأن قصة سحر لبيد بن الأعصم قد حصلت قبل أن يُوحَى إلى النبي بأهمية التمر للوقاية من السحر والسم.
ثانياً: النبي كان يعيش في زهد شديد وكان ينفق أمواله على الفقراء والمساكين لدرجة أنه لم يكن يتبقى له أي طعام أصلاً ؛ ولذلك ورد في صحيح مسلم (٢٩٧٧) عن النعمان بن بشير أنه قال:
[لقد رَأيتُ نَبيَّكُم ﷺ وما يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ ما يَملأُ به بَطنَه.]
فالنبي أحياناً ما كان يجد حتى الدقل ليملأ به بطنه ويُشبِع جوعه، والدقل هو رديء التمر ، فما بالك بأجود أنواع التمر مثل العجوة.
--------------------
وأما بالنسبة للسؤال العلمي: هل تمر العجوة هذا له القدرة على علاج السموم؟!
والجواب:
أولاً، الحديث لا يتكلم عن العلاج من السموم بعد الإصابة بها ، بل سياق الحديث يتكلم عن الوقاية من السموم المستقبلية التي لم تصبك بعد ، وهذا ستفهمه بنفسك من سياق الحديث.
*** الحديث يتكلم عن الوقاية وليس العلاج ، وهناك فرق بينهما***
النقطة الثانية:
بالنسبة لمكونات تمر العجوة ، فإن تمر العجوة ليس مجرد مصدر طاقة كما يظن البعض، بل يحتوي على مصفوفة حيوية (bioactive matrix)، فهو يحتوي على مركبات فعالة مثل:
١- البولي فينولات Polyphenols (حمض الفيروليك، الكافئيك، الفلافونويدات)
٢- التانينات Tannins
٣- شبيهات الكاروتين Carotenoids
٤- الاستيرولات Sterols
وهذه المركبات تتميز بالخصائص التالية:
١- مضادة للأكسدة (Antioxidant)
٢- مضادة للالتهاب (Anti-inflammatory)
٣- معدِّلة للإنزيمات (Enzyme-modulating)
وهذه خصائص مهمة جداً لرفع مقاومة الخلايا وزيادة كفاءة الكبد وتقليل الضرر التأكسدي.
ويحتوي تمر العجوة هذا على العناصر المعدنية:
١- بوتاسيوم (K⁺)
٢- مغنيسيوم (Mg²⁺)
٣- سيلينيوم (Se) (بكميات صغيرة)
وهي عناصر مهمة في استقرار الأغشية الخلوية وتقليل الإجهاد التأكسدي.
ويحتوي تمر العجوة هذا على السكريات مثل الجلوكوز والفركتوز ، وهي سكريات سريعة الامتصاص بحيث تعطي
دعمًا فوريًا للطاقة الخلوية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما بالنسبة للتأثيرات البيولوجية التي يُحدِثها تمر العجوة لمقاومة السموم ، فإنها تتلخص في الآليات التالية:
أ) مضادات الأكسدة ومحور الحماية الخلوية:
السموم (toxins) غالبًا تُحدِث ضررًا من خلال
Reactive Oxygen Species (ROS)
لكن تمر العجوة يعمل على زيادة نشاط الإنزيمات التالية:
* Superoxide dismutase (SOD)
* Catalase
* Glutathione peroxidase
وعلى الجانب الآخر ، يعمل تمر العجوة على تقليل عملية
Peroxidation of lipids
مما يؤدي إلى تقليل تلف الخلايا وخصوصًا الكبد.
ب) دعم الكبد (Hepatoprotective effect)
الكبد هو العضو الأساسي في إزالة السموم، وقد أظهرت الدراسات الحيوانية أن تمر العجوة يعمل على تقليل ALT/AST ، بالإضافة إلى تحسين بنية خلايا الكبد (Histology) ؛ حيث يقوم بتقليل الالتهاب ، وتثبيط موت الخلايا (apoptosis).
ج) الارتباط بالسموم Binding / Chelation – فرضية جزئية
بعض مركبات التمر قد ترتبط بالمعادن الثقيلة (weak chelation) فتقلل امتصاص بعض السموم في الجهاز الهضمي.
والخلاصة مما سبق أن تناول تمر العجوة يؤدي إلى تقليل شدة الضرر المستقبلي وتحسين قدرة الجسم على التحمل.
===============
إلى هنا أكون قد فندت الشبهة بفضل الله تعالى
لا تنسونا من صالح دعائكم لنا ولوالدينا
لا تنسوا نشر المقال أو نسخه
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته