عندما يكون الفعل خلاف القول
"الأفعال هي التي تؤكد صدق المحبة أما الكلام فالجميع فلاسفة" باختصار هذه العبارة هي دعوة لعدم الاكتفاء بالكلمات، والتركيز على الأفعال كمؤشر أصدق للسلوك الحقيقي، خاصة في مجالات المحبة والود والموالاة يتظاهر الجميع، ولكن المواقف هي التي تثبت الصدق . قول الحق صاحبه مكروه فقط لدى من لا يحبون تغيير الخطأ. ومن هنا تبدأ الناس في كره الشخص عندما يفقدون السيطرة عليه، بمعنى أنهم إذا لم يستطيعوا السيطرة على نمط أفكاره وسلوكه، وأيضاً لما يكون عنده الجرئة بأن يفكر عكس ما يفكرون، ليس هذا فحسب، بل وأن يعلن عن أفكاره، فأكثر ما يخيفهم هو الشخص الذي دائماً يفكر بطريقه مختلفة عنهم. قرأت في دلائل الإمامة، للطبري الشيعي، ص 456، رواية قاسية جداً، يخاطب ناس من الشيعة بها إمامهم المهدي المنتظر حينما يظهر لهم في آخر الزمان، حيث جاء في الرواية: ... ويسير إلى الكوفة (أي المهدي)، فيخرج منها ستة عشر ألفا .. وكلهم يقولون : يا بن فاطمة، ارجع لا حاجة لنا فيك . فيضع السيف فيهم .. إلخ هذا الخبر يعبر عن خيبة الأمل من خذلان الناس المتكرر للذين وثقوا بهم رغم دعاوى الولاء التي تسبق المواقف الصعبة، حيث تتجلى خيانة الدين والدنيا، وتكرار مشهد الخيانة نفسه مع الحسين رضي الله عنه قبل أكثر من 1400 سنة، بحجة أنهم كانوا يرون فيه الأمل لتغيير الأوضاع وإقامة دولة العدل، وحينما دعوه مناصريه إماماً لهم لينصرهم، فوثق بهم، وعندما وصل خذلوه وخانوه وغدروا به ولم يجد ناصراً له وتركوه وحيداً وقتل، فهم اليوم أيضاً ينادون إمامهم المهدي ( ليل نهار)، بحجة أنهم يرون فيه الأمل لتغيير الأوضاع وإقامة دولة العدل. إلا أن الرواية دليل على كراهيتهم لخروجه وخذلانهم له. فالمتأمل فيما ذكرناه في هذا المقال هو أن الترابط واضح بين إمامة الحسين رضي الله عنه عندهم وبين إمامة المهدي عندهم، فالحسين رضي الله عنه من خلال الرسائل التي بعثوها له ولما جاء أنكروا أنهم بعثوا له تلك هذه الرسائل كما هو مشهور في كتب التاريخ حيث قال لهم يوم عاشوراء: ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار وأخضر الجناب، وإنما تقدم على جند لك مجند؟! " فقالوا له ما ندري ما تقول، وفي بعض المصادر: لم نفعل (أنظر: أنساب الأشراف، للبلاذري، 3/188، تاريخ الطبري، 4/323، الإرشاد، للمفيد، 2/98)، وتخلوا عنه وخذلوه، وكذلك الأمر مع مهديهم المنتظر حيث دعوتهم ودعائهم له ليل نهار للخروج بقولهم (عجل الله فرجه وسهل مخرجه)، وعندما يأتي سيقولون له: "يا بن فاطمة، ارجع لا حاجة لنا فيك". هذا هو مقصدي من قولي "عندما يكون الفعل خلاف القول".
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video