معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

الشيعة الزيدية، وآراء زيد بن الحسين في الإمامة ..

الشيعة الزيدية، وآراء زيد بن الحسين في الإمامة 

أ. د. مصطفى حلمي 

الزيدية: 

كانت الجراح الساخنة التي أصابت قلوب المؤمنين عامة وأهل البيت خاصة - منذ استشهاد الحسين - سببًا في عزوف السلالة الطاهرة من أبناء البيت النبوي عن السياسة وبعدهم عن هذا المعترك، إذ انهالوا على العلم يغترفون منه، ففاضوا على الناس كمحدثين وفقهاء وأقاموا بالمدينة المنورة حيث مثوى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ينهلون من آثاره وآثار أصحابه. منقطعين للعلم والعبادة فوجدوا فيهما العزاء والسلوى. سلك هذا الطريق على ابن الحسين (زين العابدين) وتبعه ابنه محمد الباقر، ثم جعفر الصادق. 

أما زيد بن على بن الحسين (122هـ- 739م) فقد ترك منهاج أبيه وأخيه وابن أخته، ولم يقم بالمدينة ويجعلها مقرًا له، بل أكثر من الترحال والانتقال، فكانت له جولات في السياسة أصاب فيها وأصيب، ولكنه لم يترك ميدان العلم أيضًا، فقد تلقف التركة المثرية من الفقه والحديث كشأن باقى أفراد البيت النبوي، فأصبح بذلك (عالمًا واسع الأفق، مستبحر المعرفة عالمًا بآراء الفقهاء ما بين حجازيين وعراقيين، وعلم المناهج الفقهية علها، وكان عالمًا بحديث آل البيت وغيرهم وكان عالمًا بالفرق الإسلامية ولعله أول علوي جاهر بانتحاله مذهبًا من المذاهب) [1] . 

وخرج الإمام زيد على أمير الجور هشام بن عبد الملك (95هـ- 713م) بعد أن بايعه أهل الكوفة من المتشيعين لأهل البيت. ولكنهم كما خذلوا جده أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب وابنه الحسين سيد الشهداء، (فعلوها حسينية) مع الإمام زيد أيضًا كما جاء على لسانه، ثم راحوا يبكونه بعد الخذلان المزري، فيأتي بعضهم إلى كناسة الكوفة حيث صلب، فيتعبدون عنده [2] وكان الأجدر بهم مناصرته حيًا ومؤازرته في حربه التي أصبحت غير متكافئة بعد نكثهم بيعتهم له. 

وهكذا تكررت الظاهرة فتكررت مأساة الحسين في شخص زيد حفيده، وهنا يحق للباحث أن يتساءل عن السبب. وقد تعرض الدكتور النشار إلى تفنيد رواية الأصبهاني في (مقاتل الطالبيين) ، مستبعدًا أن تكون العلة في حصر الناس بالمسجد بواسطة يوسف بن عمر عامل هشام على الكوفة، الذي حال يهذه الطريقة بين السواد الأعظم من أهل الكوفة وبين يزيد ويرى أهل السنة والجماعة أن في مذهب الإمام زيد وهو جواز الفضول، تكمن له خذلان أهل الكوفة له [3] . 

فبدلًا من المناضلة معه، دخل المبايعون له في مناقشة حامية هي أقرب إلى المساومة، عن رأيه في الصاحبين، فدعا لهما بالمغفرة ذاكرًا أنه لم يسمع أحدًا من أهله تبرأ منهما، فهو متبع لهذه السنة ولا يذكرهما إلا بالخير، ولكنهم ضيقوا عليه الخناق سائلين إياه عن سبب مطالبته بدم أهل البيت فأجاب: (إن أشد ما أقول فيمن ذكرتم أنا كنا أحق الناس هذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا كفرًا، قد ولوا وعدلوا وعملوا بالكتاب والسنة) . ولم يكتفوا بهذا الرد الشافي بل عادوا يسألونه: (لم تقاتل إذًا؟) فأجاتهم برأيه الصريح في الاختلاف البين بين الصحابة الأولين، وحليمة بني أمية هشام بن عبد الملك الذي يدعوهم معه لمحاربته [4] . 

ولكنهم أبوا مناصرته وكأنهم يتعللون يهذه المناقشة البيزنطية للقعود عنه فرفضوه وأصبح يطلق عليهم (الرافضة) وحمي من لم يرفضه من الشيعة زيديًا لانتسابهم إليه [5] . 

وتعطينا المصادر التاريخية صورة صادقة عن ضآلة عدد أنصاره وعن تضارب الآراء بين فرق الشيعة في ذلك الوقت. فمنهم من يؤيد جعفر الصادق وينادي به إمامًا، ومنهم من يعطي البيعة ليزيد ثم ينكص عنها، والغلاة الذين بدأت تظهر فرقهم منذ مقتل الحسين ثم زاد خطرها واستفحل أمرها. 

أما الزيدية، فقد انفصلوا عن باقي الفرق الشيعية منذ ذلك الوقت لمناداتهم بأنه لابد أن يخرج الإمام داعيًا لنفسه خلافًا للشيعة الإثني عشرية الذين يعتبرون الإمام إمامًا ولو لم يخرج داعيًا لنفسه [6] . 

وقد قسم الدكتور النشار أنصار الإمام زيد إلى: 

أولًا: جماعة من كبار الشخصيات الذين أحبوا أهل البيت حبًا خالصًا لا يختلط بأية شوائب غنوصية واستماتوا في الدفاع عنه ومناصرته حيث قتل البعض منهم ونجى الآخر. 

ثانيًا: بعض الفقهاء ونقلة الآثار وأبرزهم أبو حنيفة الذي تتلمذ على زيد لمدة عامين. 

ثالثًا: المعتزلة: لأن زيد بن علي خرج لمحاربة الإمام الظالم تطبيقًا لأصل من أصولهم وهو (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) [7] . 

من هذا نستنتج أن المذاهب الشيعية لم تسلك سبيلًا واحدًا حتى بلغت النسق الأخير المعاصر في صوره الثلاث الإثني عشرية والإسماعيلية والزيدية، وإنما كانت الآراء تتفاعل في بوتقة الأحداث بأخذ بعضها برقاب بعض، ولم يكن النقل من مصدر واحد بعينه بل تلقفته المدارس والأتباع لتضيف إليه وتعدل فيه حتى صارت إلى ما أصبحت عليه، بينما دعوى حب أهل البيت النبوي بريئة من كل هذا. 

فإن محبي أهل البيت المعتدلين لم تتسرب إلى عاطفتهم الخالصة شوائب الغلو، فخرجوا مع الإمام زيد بدافع تلقائي للوقوف في وجه الظلم ممثلًا في حاكم بني أمية العاتي، وإقامة صرح الحكم الإسلامي العادل الصحيح من وحي الكتاب والسنة. 

وإننا لا نعثر على محبي آل البيت النبوي على امتداد العصور وإلى وقتنا هذا خالصة قلوبهم من شوائب النظريات الفلسفية. هؤلاء هم المحبون من أهل السنة والجماعة، إنهم لم ينكروا على آل البيت الكريم حقهم في الإجلال والإعزاز، ودأبوا على هذا المنهج مقتفين آثار أسلافهم العظام وخاصة رواد المذاهب الأربعة. 

أما الغلاة، فإن موقفهم الصحيح هو موقف العداء لأهل البيت. وأمامنا مثال صارخ يضج بهذا العداء في كراهيتهم لزيد، لأنه لم يستجب للآراء الغنوصية. 

ونعود إلى الروافض وموقف الخذلان الذي أخذه الشيعة طابعًا لهم منذ استشهاد الحسين، إنهم عاهدوا وبايعوا ثم نكصوا على أعقابهم في الساعة التي تمتحن فيها متانة العقائد، فلما جاءت الأجيال التالية بعدهم لم يسعها إلا صياغة المذهب في تأكيد حقوق الأئمة صياغة فلسفية نظرية ليعوضوا الدور الذي كان ينبغي على أسلافهم أن يؤدوه، وهو الدور الحقيقى الذي كانت تمليه الأحداث وتفرضه عليهم فرضًا. 

ولم يكن انصراف الروافض عن مناصرة زيد بن على إلا لأنه أكد محبته للصاحبين في سياق نظريته عن جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل، لقد أعلن لهم دون مواربة وهو على أهبة الاستعداد للحرب، أن (الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة... وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا الشأن ممن عرفوه باللين والتودد والتقدم بالسن والسبق في الإسلام والقرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) [8] . 

فلا نص هناك إذًا ولا وصية، وإلا لنادى بها وأعلنها في نزاعه ضد هشام بن الحكم، وهو الفقيه المحدث الراوي لحديث آل البيت وغيرهم [9] . 

بل إنه يكاد يعلن وهو يناقش أخاه محمد الباقر (أن أباه لم يكن إمامًا بل كان في نظره رجلًا من صالحي أهل البيت) [10] لأنه لم يخرج قط ولا تعرض للخروج [11] . 

إن الإمام زيد في حقيقة الأمر قد ظهر في الوقت الناسب لكي يقف في وجه الآراء الشيعية التي سادت في عصره، ويعود بذاكرة القوم إلى الأعمال الباهرة التي قام بها الشيخان أبو بكر وعمر والتي جعلت خلافتهما (حصن الإسلام المكين) [12] . 

لقد أدى دوره في تصحيح الأفكار التي كان يبثها الشيعة على اختلاف فرقهم في الخفاء كإثبات الخلافة بالوراثة عن طريق النص من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى علي الذي أوصى بها إلى الحسن ثم الحسين وهكذا... والقول بعصمة المهدي المنتظر. 

ويذهب الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة إلى أن الإمام زيد قد خرج من الموقف السلبي الذي التزمه من هو أكبر من آل البيت إلى الموقف الإيجابي، كما كانت آراؤه في الخلافة مشتقة من آراء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب التي اشتهرت بين المسلمين [13] . 

لهذا سنعرض لآرائه في الإمامة: 

أولًا: إمامة المفضول: 

إن أبرز آراء الإمام زيد هو جواز إمامة المفضول مع قيام الفاضل، وقد أورد الشهرستاني هذا المعنى في النص الذي سبقت الإشارة إليه، ولكنا نعود فنستوفيه كله لما له من أهمية في تفهم نظرية زيد حيث قاس على ما تم الأمر عليه في عهد الخلفاء الراشدين أو بمعنى أدق: (برر موقف جده علي بن أبي طالب من خلافة أبي بكر وعمر تبريرًا واقعيًا) [14] . 

فإن عليا بن أبي طالب كان أفضل الصحابة، ولكن المصلحة اقتضت أن يتولى أبوبكر الخلافة لتسكين ثائرة الفتنة التي يخشى أن تشتعل نارها بسبب قرب العهد بحروب المشركين التي كان لفارس الإسلام العظيم فيها شأن كبير. 

فالخوف من الضغائن وإحياء مطالب الثأر اقتضت أن يعهد بالخلافة إلى من هو معروف باللين وتميل القلوب إليه ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد أي لا تخضع له قسرًا بالقوة. 

وأبوبكر أكبر سنًا والأسبق في الإسلام من الرجال، وقريب من الرسول - صلى الله عليه وسلم -. 

ويفهم من النص الذي جاء بالملل والنحل أن الإمام زيد استشهد بما أظهره المسلمون من معارضة حين اختار أبوبكر عمر بن الخطاب وهو في فراش مرضه وقالوا: (لقد وليت علينا فظًا غليظًا فما كانوا يرضون بأمير المؤمنين عمر لشدة وصلابة وغلظ له في الدين وفظاظة على الأعداء) [15] . 

فلو لم يستطع أبوبكر إقناعهم به لصارت فتنة، كما أن تولية علي بن أبي طالب في الظروف التي انتقل فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى وقرب العهد من حروب الشرك مع مطالب الثأر الحية في النفوس.. لأدى كل هذا إلى وقوع الفتن أيضًا. لذلك فوضت الخلافة لأبي بكر المصلحة رأوها وقاعدة دينية من تسكين ثائرة الفتنة وتطييب قلوب العامة) [16] . 

ويلاحظ أن الإمام زيد سكت عن ذكر الخليفة الثالث عثمان بن عفان فلم يشرإليه. 

يمكننا إذًا أن نصل من هذا إلى أنه لم يصرح بوجود نص حديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو وصية أوصى بها إلى علي ثم انتقلت إلى أبنائه بعده، خلافًا بما كان ينادي به الشيعة حينئذ، فالكيسانية كانت ترى إمامة محمد بن الحنفية ومهديته، وفريق آخر ينادون بإمامة أخيه محمد الباقر، والغلاة تنادي بإمامة بعض آل البيت بل وتعلن قدسيتهم [17] فجاء كلام الإمام زيد كالسيف القاطع في وجه الجميع. 

ويستنتج الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة من هذا النص ضمن استدلالاته الأخرى أن الأفضلية التي يقصدها الإمام زيد ليعست بسبب قرابة علي بن أبي طالب من الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الأفضلية ليست ملازمة للخلافة لأنه ينبغي أن يكون الاختيار لمن هو أقدر على شغل هذا المنصب، مطاعًا من الناس، لا يسبب فتنة بتوليه إمارة المسلمين، ويتم اختياره عن طريق الشورى بواسطة المسلمين الذي يؤمرون الأصلح لهم لا بأن يفرض عليهم شخص معين. 

فالأمر إذًا موكول في النهاية للمسلمين يختارون ما يشاءون ولو وجد من هو أفضل منه (فكم من فضلاء في أقوالهم وفي ذات أنفسهم ينحون عن الحكم أو لا يولونه لأن الأقوام لا يدينون لهم بالطاعة، ولا يرون المصلحة في توليهم، بل يرون أن الطاعة والمصلحة في تولية غيره) [18] . 

ثانيًا: الإمام فاطمي: 

اشترط زيد بن علي أن يكون الإمام من نسل فاطمة سواء من أولاد الحسن أو الحسين دون تعيين واحد منهم بشخصه. 

كل ما يجب توفره في أحدهم هو أن يكون عالمًا زاهدًا شجاعًا سخيًا يخرج مناديًا بالإمامة [19] . 

ومع هذا فليست الخلافة عنده بالوراثة وإئما وضع هذا الشرط - أي عون الإمام من أولاد فاطمة - كشرط أفضلية لا شرط صلاحية للخلافة؛ لأن المصلحة هي موضع الاعتبار عنده. 

فإن (مصلحة المسلمين وإقامة عمود الدين والعدالة هما الأمران اللذان يلاحظان في تقديم المفضول على من هو أفضل منه منابًا ونسبًا) [20] . 

ووجه الاختلاف بين رأي الإمام زيد وما عداه الشيعة في عصره، أن الكيسانية ترى الإمامة في محمد بن الحنفية وهو علوي ليس بفاطمي، بينما الإمامة عند الشيعة الإمامية يجب أن يكون في فاطمة من أبناء الحسن والحسين كما أسلفنا. 

ومع أن هذا الأصل من أصول الإمام زيد هو الوحيد الذي تفوح منه رائحة التشيع [21] فقد أغضب فريقي الشيعة في ذلك الوقت وانفصلت الزيدية كمذهب مستقل عن الكيسانية والإمامية. 

ثالثًا: الإمام غير معصوم: 

دأب الإمام زيد على تحصيل الأصول والفروع لكي يتحلى بالعلم عما يذكر الشهرستاني وتتلمذ على واصل بن عطاء شيخ المعتزلة [22] ثم كانت رحلاته العديدة التي استمع خلالها إلى آراء الشيعة. كل هذا جعله يفند اعتقادات الفرق الشيعية وخاصة آراء الغلاة منهم. 

إن الأئمة من أهل البيت النبوي لم ينادوا أبدًا بعصمة الأئمة ولكن أتباعهم فعلوا هذا [23] فأوقفهم الإمام زيد عند حدهم فلا عصمة ولا قداسة للإمام عنده لأنه خرج من حصيلته العلمية الوفيرة إلى أن (الإيمان بالاجتهاد وبالرأي واجتهد هو وقاس في فقهه. وآمن بالعدل والتوحيد) [24] . 

ولم يكن من المعقول أن ينادي زيد بن علي بإمامة المفضول مع قيام الأفضل ثم يرى بعد هذا أن الإمام معصوم من الخطأ. لأنه لو كان كذلك لأصبح الأجدر بالإمامة. 

فالعصمة ناتجة عن توارث الأئمة منذ النبي - صلى الله عليه وسلم - وكما آمن المسلمون بالعصمة له - صلى الله عليه وسلم - لأنه يتصرف بالوحي المنزل إليه. اعتقد الشيعة بعصمة الإمام وقيامه حجة على العباد في أمور الدين. 

ولكن الإمام زيد نفى هذه العصمة لا لاعتقاده الجازم بوحي من علمه بالحديث النبوي وهو الراوي له فحسب. بل لأنه أيضًا اعتبر الخلافة أمرًا مصلحيًا [25] فليس الإمام هو المرجع في الدين، فإذا وقع اختيار المسلمين على الشخص الأصلح للخلافة تم لهم ما أرادوا، وإن استكمل الشرائط كلها فكان من أولاد فاطمة أصبح هو الأفضل. ويجوز على كليهما الخطأ. 

رابعًا: الخروج: 

ومن الاتجاهات التي انفرد يها الإمام زيد عن الشيعة، اشتراطه أن يخرج الإمام داعيًا لنفسه، نافضًا عن نفسه ثوب التقية. 

وقد جاء في سياق المناظرة التي كانت بينه وبين أخيه محمد الباقر كما نقلها الشهرستاني أن الباقر قال له تعليقًا على هذا الشرط: (على قضية مذهب والدك ليس بإمام فإنه لم يخرج قط ولا تعرض للخروج) [26] . 

وبوضع الإمام لشرط الخروج لم يكتف برفضه نظرية انتقال الخلافة بالإيصاء أو بالوراثة؛ بل وضع مبدأ جديدًا يحتم على الفاضل من آل فاطمة أن يدعو لنفسه - على الملأ - أي يتقدم لترشيح نفسه للانتخاب بأسلوبنا السياسي المعاصر ليظهر فضائله ومزاياه ومقدرته (لينظر الناس في مدى المصلحة في توليه، وللموازنة بينه وبين غيره في أيهما أصلح) [27] . 

وقد ذهب أستاذنا الدكتور النشار إلى أن الإمام زيد بوضعه سنة الخروج ومخالفته بهذا المبدأ لإجماع أهل البيت، واعتقاد الزيدية بعده لنفس الرأي، أن أصبحت الزيدية (خوارج) أيضًا. كما يعتبر أن وضعه شرط المصلحة أساسًا للإمامة فوق القرشية والفاطمية قد اتجه به أيضا اتجاهًا خارجيًا [28] . 

خامسًا: جواز إمامين معًا: 

جاء ضمن تعريف مذهب الزيدية في الملل والنحل: (وجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال أي أن يكون فاطميا عالمًا زاهدًا شجاعًا سخيًا خرج بالإمامة ويكون كل واحد منهما واجب الطاعة [29] .

ويمضي الشهرستاني فيذكر أنه لهذا السبب اعتبر بعضهم إمامة كل من محمد وأخيه إبراهيم ابني عبد الله بن الحسن بن الحسين اللذين قتلا لخروجهما في أيام جعفر المنصور صحيحة. 

ويرى أستاذنا الدكتور النشار أن هذا الشرط لم يصدر عن الإمام زيد وإنما وضعه الزيدية الذين تابعوا محمدًا وإبراهيم. 

وسيتضح لنا هذا الشرط عندما نصل لمعالجة أحد النصوص بمخطوط لفقيه زيدي سنأتي به بعد قليل. 

ولكن الأستاذ أبو زهرة يرجح اعتماد الإمام زيد على اتساع الرقعة الإسلامية في وضعه لهذا الشرط لأنه قد تكون المصلحة في تجزئة الحكم مع تعاونهما معًا كما يصلح هذا الشرط أيضًا لتنفيذه في عصرنا الحاضر لتعود الخلافة الإسلامية منفذة لأحكام الشرع وعلى أن يكون ثمة تعاون صادق يحقق الوحدة الإسلامية وينطبق عليه قوله تعالى: ? إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ? [الأنبياء: 92] وقوله تعالى: ? إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ? [الحجرات: 10] ) [30] . 

سادسًا: نفي المهدوية: 

وأخيرًا... فإن الإمام زيد أنكر على الكيسانية دعواهم بقاء محمد بن الحنفية على قيد الحياة وأنه المهدي المنتظر لملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا، تلك النظرية التي اعتنقها الشيعة الإثني عشرية فيما بعد ونقلوا المهدوية إلى الإمام الثاني عشر الغائب المنتظر. 

وتمشيًا مع نظرية الإمام زيد في الإمامة، فضلًا عن تلمذته لواصل بن عطاء الفيلسوف العقلي، فإن فكرة الإمام المستور، أو الهدي المنتظر تبدو غير مقبولة. 

ولكنه بخروجه على هشام بن عبد اللك أعطى لمصطلح المهدية معنى جديدًا يمكن أن يقصد به (من يقوم بهداية الناس ومجالدة الإمام الظالم) [31] . 

الفرق الزيدية: 

كتبت الشهادة للإمام زيد قي طرقات الكوفة، واختلفت الفرق الزيدية بعده وتعددت أسماؤها مع تبعيتها لأفكاره في بعضها واختلافها في البعض الآخر. 

وأول هذه الفرق: الجارودية أتباع زياد بن المنذر ويسمى أبا الجارود ولقبه محمد الباقر (سر حبوا) أي أنه شيطان أعمى يسكن البحر [32] . 

وزعموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على إمامة أمير المؤمنين علي بالوصف لا بالتقية ولكن المسلمين لم يعرفوه عن طريق الوصف ونصبوا أبا بكر للخلافة فكفروا. 

يقول الشهرستاني: وقد خالف أبو الجارود في هذه المقالة إمامة زيد بن علي فإنه لم يعتقد بهذا الاعتقاد [33] . 

ومن آرائهم أن العلوم تنتقل في آل محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا يحتاجون للتعليم وإنما ينبت العلم في صدورهم كما ينبت الزرع المطر (فالله عز وجل قد علمهم بلطفه كيف شاء) [34] . 

وقد فسر النوبختي عقيدتهم في تلقي أولاد البيت النبوي للعلوم لتصبح متفقة مع نظريتهم في جعل الإمامة فيهم جميعًا سواء، فلا إلزام بالإمامة لبعضهم دون البعض الآخر. 

إلا أن أستاذنا الدكتور النشار يرجح أن السبب في هذه المقالة هو (ضخامة فكرة العلم السري المنسوب إلى الأئمة وانتشار هذه العقيدة في الكوفة) [35] إذ إنهم يشترطون أن تصير الإمامة بعد الحسين في أولاد الحسن والحسين فهي فيهم خاصة دون سائر أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مع إضافة أحد أصول المذهب الزيدي إلى نظريتهم وهو الخروج فهم عندهم (كلهم فيها سواء ومن قام منهم ودعا لنفسه فهو الإمام المفروض الطاعة بمنزلة علي بن أبي طالب واجبة إمامته من الله عز وجل على أهل بيته وسائر الناس) [36] . 

وقد طعنوا بهذين الشرطين في إمامة الباقر والصادق وأخرجوهما من دائرة الأئمة بل انتقلوا من الطعن إلى رميهما بالكفر بدعواهم أن من ادعى الإمامة دون أن يخرج داعيًا لنفسه وإنما هو (قاعد في بيته مرخي عليه ستره فهو كافر وكل من اتبعه على ذلك) ، فلا عجب أن يسمى الباقر رأس هذا الفريق بالشيطان الأعمى الذي يسكن البحر لما قذفه به. 

والفرقة الثانية التي تشكلت على أثر مقتل الإمام زيد هي المسماة: السليمانية أتباع ابن جرير ونظريته في الإمامة أنها شورى تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين، كما اعتنق فكرة الإمام زيد في صحة إمامة المفضل مع وجود الأفضل، ولهذا تصح عنده إمامة أبي بكر وعمر ولكنه ينسب الخطأ إلى الأمة في اختيارهما، ويعتبره خطأ اجتهاديًا لا يصل إلى درجة الفسق.. ويطعن السليمانية في عثمان ويكفرونه للأحداث التي يدعون أنه أحدثها ويلحقون به السيدة عائشة وطلحة والزبير بسببب قتالهم لعلي [37] . 

أما الفرقة الثالثة من الزيدية فهي الصالحين أتباع الحسن بن صالح، كما يتداخل مع هذه الفرقة أيضًا أصحاب المغيرة بن سعد - وهو كثير النواء - الملقب بالأبتر فسموا (البترية) [38] . 

وهم يفضلون عليًا ويثبتون إمامة أبي بكر وعمر كما يثبتون الإمامة في أولاد علي الذين خرجوا للمطالبة بالإمامة. 

وعلي بن أبي طالب أفضل الناس بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحقهم بالإمامة بعده وهم يرضون لما رضي به أمير المؤمنين علي من تسليمه الأمر لأبي بكر وعمر ولا يستحلون لأنفسهم الاعتقاد بغير هذا لأنه لو لم يرض على لأصبح أبو بكر هالكًا. وأجازوا أيضا إمامة المفضول مع قيام الفاضل ما دام راضيًا بذلك. 

وهم يتفقون في المذهب مع السليمانية إلا أنهم توقفوا في أمر عثمان مترددين بين الحديث النبوي الذي يدخله مع العشرة المبشرين بالجنة، وبين الأحداث التي نسبت إليه فيتوقفون في حقه تاركين الأمر إلى أحكم الحاكمين [39] . 

ويرى الدكتور النشار في هذا التوقف ما يدل على وجود روح مرجئية وأنه خلاف رقيق مع أهل السنة والجماعة [40] . 

وهكذا نجد أنفسنا أمام الظاهرة التي اتضحت لنا من عرضنا للفردتى الزيدية بعد وفاة الإمام زيد، وهي خروج مذهبها عن آراء إمامها ونزعة الغلو عند بعضها. 

فإن فكرة انتقال العلم الإلهي في أصلاب الأئمة جعلت الإمام طبقًا لهذا التصور عنصرًا إبستمولوجيًا. كما انتحل أتباع زيد مثل هذه الأفكار الغنوصية بينما حاربها إمام المذهب ووقف في طريقها. 

ثم نضيف إلى هذا كله ما تبين لنا أثناء الحديث من الوقوف على إحدى المخطوطات لأحد فقهاء الزيدية المتاخرين، وهو أحمد بن يجى المرتضى باليمن، فقد تسنى لي بحث المخطوطة المسماة (الأزهار في فقه الأئمة الأطهار) [41] التي سأحاول عرض ما يتصل فيها بنظرية الإمامة في إيجاز. 

يعرف الإمامة أولًا بأنها (رياسة عامة شرعية لرجل مخصوص ليصل فوقها يد) ، ويستند في دعوى الإمامة إلى العقل - كالشأن عند الإمامية - لأنها لطف في الواجبات العقلية والشرعية. ولأن العقل يقضي بضرورة دفع الضرر. 

ويميل إلى الرأي القائل بالوجوب بعد عرضه لآراء باقى الفرق ومعارضته للنجدات التي تقول بأنها لا تجب مطلقًا، وقول الأصم: لا تجب في كل وقت بل تجب عند وقوع الظلم لإزالته، ولا يقر أيضا رأي هشام الفوطي في عدم الوجوب. 

فإن توضيح معالم الأحكام الشرعية لا يتم إلا بوجود الإمام فنطالبه بهذه المهمة.. ومن الأدلة على الوجوب أيضًا أن الصحابة قد فزعوا عقب موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبدأوا البحث فيمن يخلفه مما يستنتج معه أنهم عرفوا أن إقامة الإمام واجب. 

واختيار الإمام من مهام أهل الحل والعقد، وهم أهل الدراسة والنظر في أمور المسلمين فواجبهم البحث فيمن يصلح لهذا المنصب. 

وتفوح رائحة التشيع أو. ممعئ أدق الزيدية بالذات من اشتراط المؤلف أن يكون من أولاد الحسين ولكنها لا تثبت لهم بالبيعة والعقد مطلقًا كمذهب الأشاعرة والمعتزلة وإنما عن طريق الدعوة. 

فمن واجب المسلمين أن ينظروا ويبحثوا عن الصالح للإمامة فإن ظفروا به طالبوه بالدعوة لنفسه، ولكنهم قبل مطالبته بالدعوة ينبغي التحقق من توافر الشروط التالية فيه، أي أن يكون (مكلفًا، حرًا، سبطيًا، عظيم بذل النفس والمال، غير مؤف، ذا غرايز، وورع إسلامه يستطيع التصرف عن اجتهاد وتدبر) . 

ويشرح المؤلف هذه الشروط بإسهاب: 

فالتكليف شرط مجمع عليه لأن المجنون والصبي لا أهلية لهما، ويجب أن يكون ذكرًا (لنقصان عقل المرأة وعدم تمكنها من مباشرة أكثر الأمور) ومصداقًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) . 

وشرط الحر مفروض لأن العبد مسلوب الولاية وهو ما أجمعت عليه الفرق الإسلامية ما عدا الجويني [42] والأصم إذ يريان أنها تصلح لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاستمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله) . 

ويفسر صاحب المخطوطة هذا الحديث بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقصد به أمير الإمام أي الوالي وليس الإمام نفسه بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصا الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصي الأمير فقد عصاني) . 

وكون الإمام سبطيًا يعني أنه من أولاد الحسين وهو مذهب الزيدية غير الصالحية خلافًا لا تراه المعتزلة والأشاعرة الذين يستندون إلى الحديث (الأئمة من قريش...) كما تخالف الزيدية أيضًا المذهب الإثني عشرية الذي يوكل الإمامة بالنص إلى الأئمة المنصوص عليهم خلفًا عن سلف بالترتيب الذي ينظمونه. 

يقول المؤلف: (لا دليل على ما يزعمون من النص، وإلا لظهر وانتشر، ولهذا يبطل القول بالنص) . 

أما كونه سبطيًا فلأن الإمامة من الأمور الشرعية التي لا تثبت لدعيها إلا بدليل شرعي، وقد استقر الإجماع على صحتها في الناس جميعًا وفي قريش خاصة. فالأولى إذًا أن تكون في أولاد السبطين أي خاصة الخاصة. 

وإذا كان هناك اختلاف بين قصرها على أولاد السبطين أي من نسل فاطمة أو من نسل علي ولو لم يكن من أبناء فاطمة فإن (الصحيح المعتقد الذي عليه الأكثر أن العبرة بمجموعها لأن الشرف باجتماع الطرفين أكمل) . 

وشرط غير موف معناه أن يكون الإمام سليم الحواس فلا يصح أن يكون أعمى أو أصم أو أبكم أو مقعدًا أو به علة منفرة أو أية آفة أخرى تجعله عاجزًا عن أداء مهام منصبه. 

ويجب أن يكون الإمام أيضًا ذا غرائز، أي موهوبًا له من الكفايات الجلية التي فطر عليها لأنها لو كانت اكتسابية فإنه يصبح متكلفًا بها وكأنه يكره نفسه على التحلي بها مما يشغله عن القيام بأداء أعماله. ولأن منصبه يتطلب خصالًا عظيمة كبذل النفس والسخاء والورع كما يستطيع البت في المسائل الاجتهادية فيتمكن بسهولة من استنباط الأحكام أي على وجه الإجمال (التدبير والاحتيال في السياسة وصلاح الأمور) . 

ولكن هذه الخصال التي يتمتع بها يجب أن تكون وسطًا بين طرفي التفريط والإفراط. ويبدو صاحب المخطوطة في تقدم هذه الصفات متأثرًا بالوسط الأرسطي. 

ففي غريزة بذل النفس لا يكون متهورًا أو جبانًا، وفي بذله المال يبتعد عن التبذير والبخل ولا يصبح في ورعه متقشفًا أو مقدمًا على فعل المحظورات، وألا يكون في تدبيره ماكرًا داهية أو ذا بلاهة وعته. 

ويعارض صاحب (الأزهار في فقه الأئمة الأطهار) جواز إمامة المقلد دون المجتهد في العلوم الدينية لأن الاجتهاد شرط ضروري في الإمام فإن (أصحابنا والحنابلة يمنعون خلو الزمان من المجتهد والآثار السمعية متظاهرة للدلالة على ذلك) . 

فالحجة في هذا هو أن الصحابة بلغوا الغاية القصوى في علم الشريعة فهم المجتهدون الأول، وكذلك أئمة أهل البيت كانوا من حيث الاجتهاد في الذروة القصوى، فلابد إذًا من توافر شرط الاجتهاد في الإمام لأن القلد يعد (كمن خلق له عينان فأطبقهما فكيف يهدي غيره من الضلالة؟) . 

وينتقل المؤلف بعد هذا إلى معالجة مسألة الإمام المفضول وهو الذي يميز مذهب الزيدية عن غيرهم من فرق الشيعة فيقول: (إن يكون الإمام أفضل الموجودين أو من جملة أفاضلهم) لأنه متى توافرت المواهب السابق بيانها في شخص ما فلن يوجد من هو أفضل منه قطعًا. 

فالشروط إذًا هي الأساس في تنصيب الإمام ويصبح من توافرت فيه مستحقًا للإمامة لأن المقصود من هذا المنصب تنفيذ الأحكام الشرعية، وهو الهدف الأسمى، (لأن المقصود بنصب الإمام إمضاء الأحكام الشرعية على مجاريها المشروعية، وحفظ حرمة الإسلام عما يشوبها الكفر والفسوق وإلزام المكلفين ما يجب عليهم طوعًا أو كرهًا) . 

وطريق الإمامة الدعوة فيما جاء بعد علي والحسن والحسين لأنها تثبت للثلاثة بالنص (بلا شك عند العترة المطهرة) . 

والنص عنده خفي ويستخلص من المعد المقصود بواقعة غدير خم وآية الركوع وذلك خلافًا للإمامية الذين يعتقدون بأنه نص جلي متوافر. 

وهو يرى أيضًا أن الإمام الحسن والحسين بالنص لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (الحسن والحسين إمامان) ولكنه يتحفظ في قبول هذا الحديث فهو مقبول ولكنه ليس بمتواتر فيحتاج إلى النظر. 

وفيما عدا الأئمة الثلاثة الأول: علي والحسن والحسين فإن طريق الإمامة الدعوى عند الزيدية غير الصالحية ومعناها (أن يدعو الناس إلى جهاد الظالمين وإقامة الحدود والجمع وغزو الكفار والبغاة ومباينة الظالمين حسب الإمكان) . وهو بهذا التكليف يقوم بتنفيذ معنى قوله تعالى: ? ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ? [النحل: 125] ، وفي آية أخرى: ? وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ? [آل عمران: 104] وقوله عز من قائل: ? وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ? [فصلت: 33] . أما الصالحية فقد سلكت طريق المعتزلة والأشاعرة في إثبات الإمامة بالعقد والاختيار مطلقًا. 

والعبرة عند الداعي إلى نفسه بكمال الشروط والصفات فإذا اكتملت هذه الخصائص لاثنين معًا فإن الأسبق هو الذي يدعو لنفسه أما الثاني فإنه يدعو إلى الإمام الذي سبق بالدعوى - لا إلى نفسه - وإلا أصبح باغيًا. فالعبرة في ثبوت الحق هي استكمال الشروط والصفات لا بمدى استجابة الناس له. 

ولا بد أن ينفرد أحدهما بالإمامة لأنه لا يصح إمامان في وقت واحد لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر منهما) . 

ولكن يذهب المؤلف إلى افتراض اجتماع الصفات التي قدمناها في إمامين في آن واحد ويحل هذا الفرض على النحو التالي: 

يستحق الإمامة الذي دعى لنفسه أولًا، أما إذا تعذر تحديد المتقدم منهما عن الآخر فتبطل دعوى الاثنين ويحكم أهل الحل والعقد. 

تلك هي مجمل آراء الزيدية التي انتهى إليها المذهب الزيدي، وإن اختلفت عن آراء الإمام زيد نفسه ولا غرو فهو عمل الأصحاب والأتباع الذين يختلفون ويضيفون ويتجهون اتجاهات تخرج عن الآراء الأساسية التي ينادي يها صاحب المنهج الأول - أي الإمام زيد - الذي لم يكن شيعيًا على الإطلاق (ولم تكن حركته للشيعة، وإنما هي حركة إسلامية، استهدفت الخروج على الإمام الظالم من عالم من علماء المسلمين يمتاز عن غيره من العلماء أنه من دوحة النبوة ومن أبناء علي عليه السلام) [43] . 

فالإمام زيد تنازعه الشيعة الزيدية وأهل السنة أيضًا. ولكنه في الحقيقة إمام لأهل السنة والجماعة. وستتأكد لنا هذه النتيجة من واقع دراسة آرائه في الإمامة التي ذكرها في كتابه (المجموع) التي سنعرضها في الفصل القادم. 

الإسماعيلية: 

أما الإسماعيلية، فهي فرقة من فرق الشيعة أيضًا، استمدت أصولها في بداية الأمر من الشيعة الإثني عشرية، ثم افترقت الطرق بينهما، فبينما اتخذت الإثني عشرية موسى الكاظم (183هـ- 799م) الإمام السابع في سلسلة الأئمة أتمت الإسماعيلية سلسلة أئمتها إما بإضافة إسماعيل بن جعفر (145هـ- 762م) أو محمد بن إسماعيل (183هـ- 799م) إمامًا سابعًا [44] . ثم اتخذت هوة الاختلاف تتسع بينهما شيئًا فشيئًا. 

ويحدثنا النوبختي عن الإسماعيلية (الخالصة) وهي التي رأت أن الإمام بعد جعفر الصادق ابنه إسماعيل بن جعفر، كما أنكرت موت إسماعيل أثناء حياة أبيه وزعموا أن أباه أخبر بموته تقية وغيبة عن الناس، وإسماعيل طبقًا لهذا لا يموت حتى يملك الأرض ويقوم بأمر الناس، وقد انتقلت إليه الامامة من أبيه لأن أباه أشار إليه بالإمامة (والإمام لا يقول إلا الحق فلما ظهر موته علمنا أنه قد صدق وأنه القائم وأنه لم يمت) [45] . 

وتكونت العقائد الباطنية الإسماعيلية الأولى، كما يذكر الأستاذ الدكتور النشار على أثر موت محمد بن إسماعيل إذ ادعى بعض أتباعه أنه المهدي وأنه سيبعث بشريعة جديدة تنسخ شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعدوه من أولي العزم وهم عندهم سبعة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد - صلى الله عليه وسلم -، وعلى ومحمد بن إسماعيل. أما تعليل تحديد هذا العدد فيرجع إلى أن النظامين الكوني والإنساني قائمان على هذا العدد، فإن السموات والأرضين سبع وكذلك الجسد الإنساني يتكون من سبعة أعضاء والأئمة سبعة قبلهم محمد بن إسماعيل- وهو أيضًا خاتم النبيين -. 

هذا فيما يتعلق بالعدد سبعة، أما العدد إثني عشر، فإنهم يذهبون إلى أن الدنيا تتكون من اثنتا عشر جزيرة في كل جزيرة منها حجة فالحجج إذًا اثنا عشر أيضًا. (ولكل داعية يد. واليد هو رجل له دلائل وبراهين يقيمها. ويسمى رجال تلك الفرقة الحجة الأب والداعية الأم واليد الابن. ويروي أبو خلف القمى أن عقائد هذه الفرقة الإسماعيلية تضاهي ثالوث النصارى: الله ومريم والمسيح) [46] . 

وقد دعمت هذه الطائفة حجتها القائلة بنسخ الشريعة الإسلامية بأسانيد نقلية نسبوها إلى جعفر الصادق بقوله: (لو قام قائمنا لعلمت القرآن جديدًا) . ثم قاموا بتفسير الآية: ? وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا ? [البقرة: 35] ، بأن الله تعالى جعل للإمام محمد بن إسماعيل جنة آدم. ولهذا أباحوا جميع ما خلق الله في الدنيا وأبطلوا كل تحريم. وقسموا الفرائض والسنن إلى ظاهر وباطن وذهبوا إلى أن الواجب اتباعه هو الباطن لأن فيه النجاة أما استعمال الظواهر فيه الهلاك والشقاء [47] . ويرى الغزالي أن من أسباب تلقيبهم بالباطنية هو دعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن. وأما بصورها توهم عند الجهال والأغبياء صورًا جلية، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة [48] . 

وقد تعددت الفرق الإسماعيلية وتشعبت بها المسالك مما لا يدخل في نطاق بحثنا عرضها.. إلا أن ما يعنينا منها ويجب إظهاره هنا أمران: 

الأول: نسجت العقيدة الإسماعيلية خيوطها حول الإمام فهو الدعامة الكبرى للعقيدة. بل ذهبت إلى أكثر من هذا لأن الإمامة عندها عالمية تبدأ منذ بدء الخليقة وتشمل جميع الأمم والديانات. فالإمام من ناحية إحدى الدعامات الميتافيزيقية التي يقوم عليها الكون. وهو إلى جانب هذا القائم (بالتعليم) في عصر (إما أن يكون ظاهرًا له الرياستين الدينية والزمنية أو الأولى فقط. وإما أن يكون مستترًا) [49] . فالعقيدة في جوهرها (مزيج من المسيحية الغنوصية والإسلام مع فيثاغورية محدثة تتلاعب بالأعداد وبخاصة العدد سبعة والعدد إثني عشر) [50] . ويرى الأستاذ برنارد لويس أنها مزيج من نحل صوفية وهو طبقة غالبة وربما كان بعضها من أصول فارسية قديمة أو سريانية غنوصية [51] . 

الثاني: إن الإسماعيلية تمثل انحرافًا عن الشيعة الإثني عشرية. فالحق أن العاطفة الدينية الرقيقة التي أثخنتها الجراح بمقتل الحسين تضخمت وكبرت بتأثير مذاهب فكرية وعقائد غير إسلامية. ثم انتهت إلى مرحلة خطيرة أدت بها إلى انحراف لا شك فيه، إذ يقرر الأستاذ الدكتور النشار أن المذهب الشيعي الإسماعيلي انحرف عن الإسلام السني والإسلام في صورته الإثني عشرية [52] . 

تعقيب: 

ظهر لنا من سياق المقالات السابقة [53] أن الأئمة الستة الأوائل - الذين يتخذهم الشيعة روادًا لهم - كانوا يسلكون مسلك أهل السنة ولم يعلنوا أفكار النص أو الوصية أو العصمة وما إليها من أفكار يعلنها الشيعة ويدعمون بها مذهبهم. فالحقيقة إذًا أن الشيعة (حملوا الأئمة السابقين آثارًا تعلن فكرة العدد الإثني عشري. كما حملوهم فكرة الإمام الغائب غيبته وخلوده ورجعته، وهم لم يذكروها أبدًا) . 

ولم يذكر أيضًا الإمام زيد شيئًا من هذا أيضًا وهو ما سيتضح لنا من واقع دليل مؤكد أثناء عرضنا خلال الفصل القادم بينما ينادي الزيدية المحدثون بآراء ونظريات لم يعرفها الإمام زيد و لم يعلنها وإنما ظهرت مع تطور المذهب الزيدي. 

أما الإسماعيلية فقد تبين لنا انسلاخها عن الإسلام السني والإثني عشري. 

لهذا كله يحق لنا بعد أن أدينا دور أهل السنة في التنقيب وراء المعتقدات الشيعية وإظهار مدى الصواب والخطأ فيها، أن نبحث عن الأسس التي أقامها أهل السنة والجماعة في نظرية الإمامة أو الخلافة، وهو ما سنتحدث عنه في الفصلين القادمين. فنعرض أولًا لصدى فكرة الإمامة الشيعية عند السلف والفقهاء، ثم نبين كيف تلقفها المتكلمون وأدخلوها ضمن مباحثهم الكلامية للرد على الشيعة. 

[1] أبو زهرة، الإمام زيد، ص 72. 

[2] ابن تيمية، منهاج السنة، ج 1، ص 8. 

[3] دكتور النشار، نشأة الفكر، ج 2، ص 54. 

[4] ابن كثير، البداية والنهاية، ج 9، ص 330، 

[5] ابن تيمية، منهاج السنة، ج 1، ص 8. 

[6] الشيخ محمد أبو زهرة، الإمام الصادق، ص 41. 

[7] نشأة الفكر، ج 2، ص 158، 159. 

[8] الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 208. 

[9] الشيخ محمد أبو زهرة، الإمام زيد، ص 70. 

[10] نشأة الفكر، ج 2، ص 148. 

[11] الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 210. 

[12] الإمام زيد، ص 104. 

[13] المصدر السابق، ص 187. 

[14] نشأة الفكر، ج 2، ص 161. 

[15] الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 209. 

[16] المصدر السابق، ص 208. 

[17] نشأة الفكر، ج 2، ص 160. 

[18] الشيخ محمد ألو زهرة، الإمام زيد، ص 186. 

[19] الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 207. 

[20] الشيخ محمد أبو زهرة، الإمام زيد، ص 190، 191. 

[21] نشأة الفكر، ج 2، ص 192. 

[22] الملل والنحل، ج 1، ص 218. 

[23] نشأة الفكر، ج 2، ص 164. 

[24] نفس المرجع، والصفحة. 

[25] الشيخ محمد أبو زهرة، الإمام زيد، ص 191. 

26] الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 210. 

[27] الشيخ محمد أبو زهرة، الإمام زيد، ص 192. 

[28] نشأة الفكر، ج 2، ص 162، 163. 

[29] الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 207. 

[30] الشيخ محمد أبو زهرة، الإمام زيد، ص 194. 

[31] نشأة الفكر: ج 2، ص 165. 

[32] النوبختي، فرق الشيعة، ص 55. 

[33] الملل والنحل، ج 1، ص 212. 

[34] النوبختي، فرق الشيعة، ص 56. 

[35] نشأة الفكر، ج 2، ص 190. 

[36] النوبختي، فرق الشيعة، ص 54. 

[37] الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 214. 

[38] النوبختي ، فرق الشيعة، ص 57 

[39] الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 7. 

[40] نشأة الفكر، ج 2، ص519. 

[41] مخطوطة بمكتبة البلدية بالإسكندرية، برقم 1285 ب. 

[42] أخطأ صاحب المخطوط في نسبة هذا الرأي إلى الجويني لأن إمام الحرمين يقول: الصالح للإمامة هو الرجل الحر القرشي المجتهد الورع ذو النجدة والكفاية، ص 43 غياث الأمم. 

[43] نشأة الفكر، ج 2، ص 157. 

[44] دونلدس، عقيدة الشيعة، ص 347. 

[45] النوبختي، فرق الشيعة، ص 68. 

[46] دكتور النشار، نشاط الفكر، ج 2، ص 383، 384. 

[47] نشاة الفكر، ج 2، ص 384. 

[48] الغزالي، فصائح الباطنية، ص 11. 

[49] الدكتور، محمد علي أبو ريان، هياكل النور، ص 12. 

[50] نشأة الفكر، ج 2، ص 384. 

[51] برنارد لويس، أصول الإسماعيلية، ص 48. 

[52] نشأة الفكر، ج 2، ص 541. 

[53] http://www.alukah.net/Web/mostafa-helmy/11213/41419/ 

http://www.alukah.net/Web/mostafa-helmy/11213/41727/ 

http://www.alukah.net/Web/mostafa-helmy/11213/41850/ 

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/42222/#ixzz40iZOIHrv

عدد مرات القراءة:
547
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :