التيار الشيرازي
من أقوى التيارات الشيعية وأنشطها، وقد برز دورها خلال السبعينيات، منطلقة من كربلاء بالعراق، ثم انطلقت بعدها إلى إيران والكويت والسعودية ولبنان وسوريا والبحرين عن طريق المرجعية المدرسية التابعة للمدرسة الشيرازية،، وقد أُطلق عليهم لقب "الشيرازية" نسبة لتقليدهم واتباعهم الاجتهاد الفقهي للمرجع الشيعي محمد الحسيني الشيرازي، والذي ورّث المرجعية لأخيه الأصغر صادق الحسيني الشيرازي.
أسسوا "حركة الرساليين" أو "الطلائع الرسالية" والتي ذاع صيتها فى الأوساط الشيعية بين عامي 1965 و1967، وقد واجه الشيرازية نقض شديد ومعارضه مستميته من مراجع النجف، وخاصة من محسن الحكيم، حيث كانت الحركة الرسالية بمثابة تيار مجدد للحركة الثورية الشيعية، وفى عام 1979 أنشأ محمد الشيرازي ما أطلق عليه "منظمة العمل الاسلامي" على أرض "إيران"، وتولى قيادتها محمد تقي المدرسي وكان الناطق الرسمي باسمها الشيخ محسن الحسيني ومن قيادييها هادي المدرسي وكمال الحيدري والذي انشق عنها لاحقا.
التيار الشيرازي أقرب ما يكون للتنظيم، الذى يسعى لتنفيذ مشروع أممى، فالمنهج الشيرازى ليس مجرد منحى دينيًا أو عقائديًا فقط، وهو حال الغالبية العظمى من المراجع الشيعية، حيث إن فلسفة "عالمية الرسالة" معتقد يقينى متجذر فيهم، ولا ننكر أن نشر المذهب الديني، هو هدف جميع الأديان والمذاهب حتى الوضيعة منها، لكنها تزداد رسوخاً لدى الشيعة عن الآخرين، فمن أسس العقيدة لدى أتباع المذهب الشيعي، هو الإيمان بإمامة "المهدى"، وهى الإمامة العامة والتى تعنى "عالمية الرسالة"، ويعتقد الاثنا عشرية، أن التمهيد لخروج المهدى من غيبته يبنى على أسس غيبية معلوم بعضها، من أهمها انتشار المذهب الشيعي، مستندين على نص قرآنى، "ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا"، وحسب تفسيرهم لهذه الآية هو أن الناس يدخلون في المذهب الشيعي أفواجًا علامة على اقتراب الظهور المقدس.
تختلف المدرسة الشيرازية عن مثيلتها من المدارس الاثنا عشرية، حيث انتهجت فى التربية منهج البراء الجهري، فالعقيدة لديهم تكونت كباقي العقائد على حجري أساس، هو الولاء والبراء، "الولاء" لآل البيت، و"البراء" من أعدائهم وهم رموز أهل السنة والجماعة، من بعض الصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم، وعلى خلاف المراجع التي رأت أن الصدام لن يولد إلا الفُرقة بين جناحيْ المسلمين "السُنة والشيعة"، مثل المرجعية "الخامنئية" والتي سعت ظاهراً بكل السبل لرأب الصدع بين الشيعة والسنة، وهو ما يعتبره كثيرٌ من الشيعة، انبطاحًا يصل إلى حد الاتهام بالابتداع في المذهب الشيعي، وهو ما يروِّج له مشاهير الدُعاة من أتباع الشيرازية أمثال "ياسر الحبيب".
واهتم التيار بإنشاء المؤسسات الثقافية والدينية، وافتتاح فروع للحوزات العلمية في كل البقاع التي يتواجد فيها عدد كبير من التابعين، كما افتتحوا عددًا من القنوات الفضائية، لنشر الفكر الشيرازي على مستوى العالم، ولقد حرص الشيرازيون وأتباعهم على التركيز، في إحياء مجالس العزاء والمواكب الحسينية، لأنها تعتبر من عوامل جذب القواعد الجماهيرية، خاصة وأنها من أهم ما يميز الشعائر الشيعية عن باقي المذاهب، كما أنها تعتمد على إثارة المشاعر والعواطف.
تخصصت المدرسة الشيرازية، في تعميق فجوة العداء بين السُنة والشيعة، اعتمادًا منها على توليد مشاعر سلبية ضد المخالفين للمذهب الشيعي، ومن ثم تستخدم تلك المشاعر السلبية في السيطرة على ذلك التيار الجارف من مؤيديها، إلا أن في السنوات الأخيرة، شهدت تغيير دراماتيكي أصاب المنهج الشيرازي بشيء من الضعف، فبرغم أن المدرسة الشيرازية تخرج فيها قامات علمية ودينية وثقافية، إلا أن عددًا ليس بقليل من هؤلاء الرموز اختلفوا مع هذه المدرسة، واتبعوا مناهج أكثر وسطية وأقرب للتقارب المذهبي، وأطلقوا حركة إصلاحية تتبنى تجديد المنهج بما يتوافق مع متطلبات الوحدة والتقارب، خاصة أن التابعين أخذوا في النفور من أسلوب الخطاب الشيرازي، الذى انعكس بالسلب على حياة الأقليات الشيعية في الدول السنية، مثل مقتل "حسن شحاته" المصري وبعض من أتباعه، وتعميق العداء بين السُنة والشيعة، نتيجة لغة الخطاب العدائي والذى ينتهجه بعض الدعاة أمثال "ياسر الحبيب".
ومن أبرز المجموعات المنشقة " حسن الصفار وزكي الميلاد والاستاذ محمد المحفوظ".
وموقف الشيرازيين المعلن يتصادم مع الواقع الذى يمارسوه، فنجد ادعائهم بأنهم دعاة تجديد للفكر الاسلامي والواقع السياسي، يتناقض تماماً على اعتمادهم الأساليب التعبوية، واعتمادهم على الإثارة المذهبية، وقد نجحت المرجعية في خلق منهج شديد العداء مع "المخالفين"، وتميزت بالراديكالية في تصنيف المسلمين أنفسهم وحتى الشيعة أنفسهم لم يسلموا من حمى التصنيف المذهبي، فنجدهم يعتبروا من لا يؤمن بالـ "تطبير" ومن يحرمها أو يمنعها مثل المرجعية الخامنئية، بأنهم "بتريين"، وهو مصطلح جاء من كلمة "بتر" أى قطع، والبتري هو المقطوع أو المنقوص، ما يدل على أن "البتري" لدى الشيرازية هو منقوص الإيمان، أو غير مكتمل لشروط الإيمان والعقيدة والشيعة، وبخلاف أغلب المراجع الشيعية الأخرى، يطلق الشيرازية على عموم أتباع المذهب السُنى، بــ "المخالفين" فى حين أن المراجع الأخرى تطلق عليهم "مستضعفين" على أساس ان الفرصة لم تسمح لهم بالاطلاع على المذهب الشيعي.
ومهما قيل عن راديكالية الشيرازيين، والملاحظات على خطابهم الديني الرجعى، إلا أنهم يشكلون اليوم أحد أبرز التيارات الفاعلة في الواقع الشيعي.
ويعتقد الكثير أن ثمة صراعًا يدور بين الشيرازيين والخامنئية، وهو الاعتقاد الذى يعززه التراشق بين دعاتها وبعض علمائها ضد المرجعية "الخامنئية"، وفى أغلب الأمر فإن الشيرازية هم من يسعون لصنع تلك العداوات المصطنعة، من أجل توسيع قاعدة المقلدين، لما فى نفوس الشيعة، من رغبة للتخلي عن "التقيه" والجهر بحقيقة المعتقد المبنى على البراء من رموز أهل السُنه، فبعد أن قويت شوكة الشيعة وأصبحت الغالبية الحاكمة في العراق، ومن قبلها أعتمد المذهب الشيعي كمذهب رسمي لإيران، وأنتشر المذهب في دول آسيا، رأى عموم الاثنا عشرية أن "التُقية" لم تصبح ضرورة مُلحّة، حيث إنها فرض على الشيعي في حالة الاستضعاف والخوف على النفس والمال والأهل، من هنا لعب الشيرازية على ذلك الوتر العاطفي، وأظهروا أنفسهم على أنهم حماة المذهب، وازداد الأمر حسب وجهة نظر مُقلدي الخامنئي، إلى أن اعتقد علماء ورموز الشيرازية أنهم محل تقييم كل ما يخص المذهب، من أول الشئون السياسية والدينية وحتى تقييم المراجع أنفسهم وتصنيفهم بين صالح وطالح، وهو ما يسبب خلافات شديدة تصل إلى حد التكفير بين أتباع المرجعيات الأخرى وأتباع الشيرازية، إلا أن العلاقة بين إيران وقيادات الشيرازية تعيش واقعًا مختلفًا إلى درجة كبيرة، فالتقارب والتعاون بينهما، يسمو فوق تلك الصراعات التي أصابت القواعد من المُقلدين، حيث الهدف في عالمية الرسالة هو الرابط الأساسي.
كما كان للشيرازيين دور الكبير في الثورة الإسلامية الإيرانية ومساندة الخميني، أملاً منهم في أن يوفر لهم الخميني جبهة معارضة، ضد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، إلّا أنهم انضموا إلى صف معارضة النظام الإيراني واختلفوا مع الخميني فيما بعد، ثم شهدت العلاقة بينهما تقاربًا شديدًا في فترة الحرب الإيرانية – العراقية، وسرعان ما تدهور إلى أسوأ درجة، بعد إعدام طهران لمهدي الهاشمي لدوره في كشف "إيران – جيت" وهى فضيحة إمداد الولايات المتحدة الأمريكية للنظام الإيراني بالأسلحة في حربه على العراق.
ثم شهدت العلاقات منحى أخر تفاقمت خلاله الخلافات مع النظام الإيراني في عهد "الخامنئي"، خاصة بعد إتهام المخابرات الإيرانية بقتل محمد الشيرازي، وخطف جنازة ودفنه في مدينة "قم" بخلاف وصيته التي أوصى فيها بدفنه في وطنه بالعراق وبالتحديد في كربلاء، ثم إتهام النظام الإيراني بقتل ابنه محمد رضا الشيرازي بدس السم له، ثم زادت التوترات بعد أن مارس النظام التضييق على الشيرازية في الحوزة العلمية بمدينة "قم".
كل الخلافات التي سبق ذكرها، لم توقف الدعم الإيراني للشيرازية، الذين حظو بدعم كبير من عدة جهات إيرانية، وخصوصًا "منظمة العمل الاسلامي"، خاصة خلال الحرب العراقية– الإيرانية، واقام معظم قادة الشيرازيين في ايران لفترة طويلة. وتولى مهدي هاشمي "شقيق صهر منتظري هادي الهاشمي" رعاية الشيرازيين وتقديم الدعم المادي والمعنوي والاعلامي لهم، وكان العمل يتم من خلال "مكتب دعم حركات التحرير" والذي تأسس بدعم من الحرس الثوري الايراني، كما كان للشيرازية دور فاعل في ايران من خلال المؤسسات الاعلامية «كمجلة الشهيد"، بالإضافة الى تغلغلهم في المؤسسات الايرانية،
وأما على الجانب الفقهي والفكري، فقد برزت خلافات أخرى مع الايرانيين بعد اعتراض الشيرازيين على الفتوى التي أصدرها الخامنئي بتحريم التطبير وضرب السلاسل ورفض الشيرازيون الالتزام بها، لأنه وكما سبق ذكره، يعتمد الشيرازيون على إعلاء طقوس المذهب الشيعي، من مجالس العزاء والحسينيات والتطبير واللطم والمواكب الحسينية، في محاولة لإحياء المذهب في نفوس الأتباع، بعدما عاشوا قرون في "تُقيه" يمارسون فيها التشييع سراً، وهو باب استقطاب لزيادة أتباع المرجعية، وفرض سيطرتهم وسلطتهم الدينية على غالبية الشيعة، وقد يرى بعض المتابعين للملف الشيعي، أن تأييد الشيرازية للثورة الإسلامية الإيرانية، جاء لعدة أوجه بعيداً عن الرؤية السياسية، حيث اعتبروا نجاح الثورة قد يكسب المذهب قوة إقليمية، تساعد الشيعة الذين يعيشون خارج حدود إيران، في الحصول على حرية ممارسة الشعائر الحسينية، وهو ما خاب أملهم فيه، بعدما اكتشفوا أن الثورة قادمة وهى تحمل مشروعًا سياسيًا، يعتبر التنظيمات السُنية عنصرًا أساسيًا في معادلته، وعلى رأسهم، جماعة الإخوان المسلمين، وكان هذا سببًا رئيسيًا من أسباب توتر العلاقة الفقهية، بينهم وبين طهران.