توجيه دلالات التعبير عند البحراني في شرحه على نهج البلاغ
بسم الله الرحمن الرحيم
توطئة : الحمد لله ربّ العالمين ، الذي خلق فسوّى ، وقدّر فهدى ، أحمده حمداً كثيراً ، يوازي نعمه ، الحمد لله كما هو أهله. والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين ، وأفضل من نطق بالضاد ، محمّد بن عبد الله ، وعلى آله الطيّبين الطاهرين ، مصابيح الدُّجى ، وسفن النجاة ، اللهمَّ صلّ عليهم صلاة باقية دائمة بدوام ملكك. أمّا بعدُ ... فلا يخفى على أحد منزلة نهج البلاغة ، إذ وصف بأنّه دون كلام الخالق ، وفوق كلام المخلوقين ، هذا الكتاب الذي جمعه الشريف الرضي ، وهو
عبارة عن خطب الإمام عليهالسلام ورسائله وكتبه وحكمه ، مقسَّمةً على ثلاثة أقسام ، هي : 1 ـ الخطب ، واختار منها 242 خطبة. 2 ـ الكتب والرسائل ، واختار منها 78 كتاباً ، منها الطويل ومنها القصير. 3 ـ الحكم أو قصار الكلم ، واختار منها 498 عبارة أو كلمة قصيرة. وقد سمّاه نهج البلاغة ، وهو اسم يدلّ على مسمّاه ، يقول محمّد عبده (1321هـ) : «ولا أعلم اسماً أليق بالدلالة على معناه منه ، وليس في وسعي أن أصف هذا الكتاب بأزيد ممّا دلّ عليه اسمه ، ولا أن آتي بشيء في بيان مزيّته فوق ما أتى به صاحب الاختيار»(1). وقد شرح النهج أكابر العلماء ، فقد شحذ الشريف الرضيّ بجمعه مادّة نهج البلاغة هممهم ، وبرى أقلامهم ، بعد أن سبقهم للتعليق على بعض الخطب ، فأقبلوا على النهج يشرحون متنه ، وينهلون من معارفه ، ثمّ تتابعت حركة التأليف هذه عبر القرون ، حتّى فاقت شروح النهج مائتي شرح ، قسم منها عربي ، والقسم الآخر بلغات أخر ، على أنّ تلك الشروح لم يصل إلينا منها إلاّ القليل ، إذ عَدَت عليها عوادي الزمن ، وما وصل منها أغلبه مخطوط ، وأقلّه مطبوع ، ومن شاء أن يطّلع على ذلك فليراجع كتاب مصادر نهج البلاغة للسيّد عبد الزهراء الخطيب ، فقد جمع فيه معظم ما ألّف في نهج البلاغة(2). ومن أشهر الشروح المطبوعة شرح نهج البلاغة لكمال الدين ميثم بن علي ابن ميثم بن المعلّى ، أبي الفضل البحراني(ت679هـ) ، من علماء البحرين الأجلاّء ، __________________ (1) شرح نهج البلاغة : 4. (2) ينظر : مصادر نهج البلاغة 1 / 200 ـ 273. ولد فيها سنة (636هـ) ، وتوفّي فيها رحمهالله سنة (679هـ)(1) ظهر شأنه في بلاده ، وعلا صيته فوصل إلى مسمع علماء العراق ، فكاتبه علماء النجف والحلّة ، يعتبون عليه لعدم زيارته لهم ، واعتزاله الناس ؛ لانشغاله بالتأليف والتحقيق ، فارتحل إلى العراق ، وألّف الكثير من الكتب النافعة في مجالات متنوّعة من العلوم الشرعية والفقهية والعرفانية واللغوية والأدبية(2) ، فكان ما ترك موسوعة علمية ثرة يستحقّ عليها الثناء العاطر وتستوجب منّا التنقيب عنها ودراستها. وقد وقع الاختيار من زاد البحراني العلمي النافع على شرحه الكبير لنهج البلاغة ، فاستعنّا بالله لدراسة توجيه البحراني لدلالات التعبير في نصوص النهج ، وكان من دواعي هذه الدراسة : 1 ـ كثرة المادّة النحوية المبثوثة في صفحات هذا الشرح الذي يقع في سبعة أجزاء في طبعة ، وخمسة أجزاء في أخرى. 2 ـ أنّ للشارح البحراني مشاركة واسعة في هذه المادّة النحوية التي ضمّت أقوال الشارحين السابقين عليه وآراءهم ، ثمّ إنّه وجّه هذه المادّة وجهة دلالية تكشف عن دلالات متعدّدة للنصّ ، بحسب السياقين الداخلي والخارجي. 3 ـ أنّ شرح البحراني من أقدم شروح نهج البلاغة التي وصلت إلينا. __________________ (1) ينظر : أنوار البدرين : 62 ؛ تأسيس الشيعة 1 / 69 ؛ أعيان الشيعة 1 / 166 ؛ معجم رجال الحديث 19 / 94. (2) ينظر : الكنى والألقاب 3 / 350 ؛ طبقات أعلام الشيعة 2 / 168 ؛ روضات الجنّات 7 / 216 ؛ تنقيح المقال 3 / 262. 4 ـ منزلة الشارح البحراني بين العلماء ، إذ هو قمّة بين جبلين شامخين ، فهو من جهة تلميذ شيخ الطائفة نصير الدين الطوسي (672 هـ) ، وتلمّذ على البحراني الحسن بن يوسف بن علي بن المُطَهَّر الأسدي المعروف بالعلاّمة الحلّي ، وبابن المطهّر (726هـ)(1). أمّا عن النهج الذي انتهجه الشارح في شرحه ، فكان يبدأ بذكر قول الإمام عليهالسلام وكثيراً ما كان يُقَسِّم الخطبة الواحدة أقساماً بحسب وحدة الموضوع ، ومن ثَمَّ يبدأ بتوضيح بعض الكلمات غير واضحة المعنى ، دون أن يشير إلى أصحاب المعاجم. وبعد ذلك يبدأ بذكر المعنى العامّ للخطبة ، مع ذكر مناسبة الخطبة ، وأخيراً شرح الخطبة ، جملةً جملةً. والناظر في هذا الشرح يجد فيه صبغةً عرفانية وفلسفية ، وهو ما عُرِف به هذا الشارح ، فهو من العلماء العرفانيّين والمتكلّمين ، وقد ضمَّنَ معرفته الفلسفية شرحه هذا ، ممّا يجد معه الباحث مشقّةً كبيرةً في تفسير عبارات الشرح التي يكتنفها الغموض. ثمّ إنَّه لجأ إلى التلخيص الشديد ، ولاسيّما في مقدّمته البلاغية التي قدَّم بها للشرح التي جاوزت مائة وخمسين صفحة ، والتي يلفّها الكثير من المصطلحات الأصولية والفلسفية الصعبة ، ممّا زاد في صعوبة فهم الكثير من عباراته ، وآرائه(2). وشرح نهج البلاغة للبحراني شرح كبير يقع في خمسة أجزاء بطبعة إيران ، وقد تجمّعت من استقرائه مادّة نحوية دلالية كثيرة لا تسع هذه الصفحات __________________ (1) ينظر : أنوار البدرين : 62 ؛ أعيان الشيعة 1 / 166. (2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) 1 / 19 ـ 162. تفاصيلها وسنقتصر منها على أمثلة تشتمل على توجيه البحراني لدلالات التعبير في نصوص النهج العلوي في مباحث ثلاثة : أوّلها : توجيه الدلالة الإعرابية. وثانيها : توجيه الدلالة التركيبية. وثالثها : توجيه دلالة الأدوات. أمّا النهج الذي سرنا عليه في دراسة هذا الموضوع ، والوصول إلى النتائج المتوخّاة منه ، فيمكن إجماله بالآتي : استقراء المادّة النحوية المبثوثة في هذا الشرح ، والملاحظ فيها أنّ البحراني لم يلتزم منهجاً واحداً في عرضها. وصف هذه المادّة التي وردت عند البحراني ، وموازنتها بما ورد عند الشرّاح السابقين له واللاحقين. تحليل هذه المادّة ، ومناقشة ما ورد فيها من أقوال ، ومحاولة استنباط حكم ما ، بما يترجّح من قرائن متنوّعة. المبحث الأوّل : توجيه الدلالة الإعرابية : حفل شرح نهج البلاغة للبحراني بآراء عديدة في الإعراب والوظيفة التي يؤدّيها هذا الإعراب ، فلم يقف البحراني عند حدِّ الإعراب اللفظي ، وإنّما بحث في الوظيفة التي تؤدّيها الحركة الإعرابية في المعنى ، فنجده يرجّح رواية على رواية تبعاً للمعنى المتحصّل من هذه الحركة أو تلك ، ونجده كذلك في شرحه يجتهد في أحيان كثيرة ، لبيان دلالات أحوال الإعراب من نصب ، ورفع ، وجرّ ، إمّا برأي ينفرد به ، أو بترجيح مِنْ بين أقوال شرّاح النهج ، أو بزيادة استدلال على رأي مَن تابعهم من الشرّاح ، ومن أمثلة ذلك : 1 ـ قال عليهالسلام في ذمّ أتباع إبليس : «دَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ ، فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ الذُّلِّ ، وَأَحَلُّوكُمْ وَرَطَاتِ القَتْلِ ، وأَوْطَؤوكُمْ إِثْخَانَ الجِرَاحَةِ ، طَعْناً فِي عُيُونِكُمْ ، وحَزّاً فِي حُلُوقِكُمْ ، ودَقّاً لِمَنَاخِرِكُمْ ، وقَصْداً لِمَقَاتِلِكُمْ ، وسَوْقاً بِخَزَائِمِ اَلْقَهْرِ إِلَى النَّارِ المُعَدَّةِ لَكُمْ»(1). وقد عرض البحراني في شرحه قول الإمام عليهالسلام هذا للتوجيهات النحوية التي ذكرها الشرّاح قبله في توجيه نصب (إثخان) ، ونصب المصادر الخمسة (طعناً وحزّاً ودقّاً وقصداً وسوقاً) فقال : «وانتصبَ (إثخان الجراحة) على أنَّه مفعول ثان لـ : (أوطؤوكم). قال بعض الشارحين : انتصب (طعناً وحزّاً ودقّاً وقصداً وسوقاً) على المصادر عن أفعالها المقدّرة ، ومَن روى (لإثخان الجراحة) ـ بوجود اللام ـ فيحتمل أن يجعل (طعناً) مفعولاً ثانياً لـ : (أوطؤوكم) ويكون اللام في (الإثخان) لامَ الغرض ، أي : أوطؤوكم طعناً وحزّاً ودقّاً ليثخنوا الجراحة فيكم ، قال : ويكون (قصداً وسوقاً) خالصين للمصدرية ، لبُعدِهما عن المفعول به ، والأظهرُ هو الوجهُ الأوّل ، أعني : كون كلّ منها مصدراً لفعله»(2). ونلحظ من نصّ البحراني توجيهات نحوية مختلفة لم ينسبها إلى أصحابها ، ومحاولة منه لاستظهار وجه من هذه الوجوه وترجيحه ، ويمكن تفصيل هذه الآراء ونسبتها إلى مَن قالها على النحو __________________ (1) نهج البلاغة (الخطبة 192) : 387. (2) شرح نهج البلاغة 4 / 297. الآتي : في نصب (إثخان) ذهب الراوندي إلى أنّه منصوب بنزع الخافض ، والأصل : «أوطؤوكم لإثخان الجراحة ، أو : بإثخان الجراحة» ، فنزع حرف الخفض الذي يفيد السبب ـ أو الغرض بتعبير البحراني ـ ونصب المجرور توسّعاً ، واحتجّ لذلك بدليل نقلي هو أنّ (إثخان) قد رُوِي مجروراً باللام أيضاً ، وهذا يعضد أنّه في رواية النصب إنّما نُصِب بنزع الخافض ، واستدلّ أيضاً بأنّ المعنى يتطلّب حرف الجرّ السببي ، ذلك أنّ وطأهم إنّما يتمّ بإثخان الشيطان لهم(1). ويبدو من نصّ البحراني أنّه لم يوافق الراوندي في نصب (إثخان) بنزع الخافض ، بل ذهب إلى أنّه منصوب على أنَّه مفعول ثان لـ : (أوطؤوكم) ، وعليه يكون الضمير المتّصل (الكاف في أوطؤوكم) هو المفعول الأوّل ، ويكون معنى إيطاء الشيطان ببني آدم هو إلقاؤه إيّاهم فيه ، وتوريطهم وحمله لهم عليه ، أي : جعلكم الشيطان وجنوده واطئين للإثخان. على حين أنكر التستري هذا الرأي مستدلاًّ بأنّ هذا المعنى لا يوائم معنى ذمِّهم ولذا قال في إنكار هذا الرأي : «إنّه لا معنى للكلام ، فإذا كانوا واطئين للإثخان ، أىُّ نقص في ذلك حتّى يكون من قبيل فأقحموكم ولجات الذلّ وأحلّوكم ورطات القتل»(2). ويبدو أنّ حبيب الله الخوئي قد التفت إلى ما في هذا الرأي من إشكال __________________ (1) ينظر : منهاج البراعة 2 / 240. (2) بهج الصباغة 14 / 255. فقَلَب الإعراب بأنْ جَعَلَ (إثخان) المفعول الأوّل ، والضمير المتّصل (الكاف) المفعول الثاني ، أي : جعلوا إثخان الجراحة واطئاً لهم ، لا أنَّهم واطئون له(1). والبحث يركن إلى هذا التوجيه في نصب (إثخان) ، ذلك أنّ الفعل (أوطأ) إن رُدَّ إلى المجرّد اتّضح المعنى جليّاً ، فيكون (إثخان) فاعلاً و (الناس) مفعولاً به ، والتقدير : (وَطِئَ إثخانُ الجراحة الناس) ، ومع زيادة الهمزة يكون التقدير : أوطأ الشيطان إثخانَ الجراحة الناس ، و (الإثخان) فيه مفعول أوّل لا مفعول ثان(2). في نصْب المصادر الخمسة (طعناً وحزّاً ودقّاً وقصداً وسوقاً) رجّح البحراني أنّها منصوبة على المصدرية ، وأنّ أفعالَها محذوفة يدلُّ عليها السياقُ ، أي : طعنوكم في عيونكم طعناً ، وحزّوا حلوقكم حزّاً ، ودقّوا مناخركم دقّاً ، وقصدوا مقاتلكم قصداً ، وساقوكم بخزائم القهر سوقاً إلى النار المعدّة لكم ، واستدلّ على ذلك بأنّ هذه المصادر كلّها وردت في سياق واحد ، لمعنى واحد هو الذمُّ(3). ولم ينسب البحراني هذا الرأي إلى قائله ، واكتفى بعبارة : «وقال بعض الشارحين» ، ومِن تتبّعِ آراء مَن سبقه اتّضح أنّ هذا الرأي لابن أبي الحديد(4). في حين فرّق حبيب الله الخوئي بين هذه المصادر في الإعراب ، فذهب إلى أنّ (طعناً ، __________________ (1) ينظر : منهاج البراعة 11 / 284. (2) ينظر : المباحث الدلالية في شروح نهج البلاغة دراسة موازنة : 279. (3) ينظر : شرح نهج البلاغة 4 / 297. (4) ينظر : شرح نهج البلاغة 13 / 143. وحزّاً ، ودقّاً) مبدلات من (إثخان الجراحة) لقرب المعنى بينهما ، فـ : (طعن العيون ، وحزّ الحلوق ، ودقّ المناخر) بمعنى (إثخان الجراحة) قطعاً ، وأنّ (قصداً ، وسوقاً) منصوبان على المفعولية المطلقة ، وعاملاهما محذوفان بتقدير : قصدوا إليكم قصداً ، وساقوكم سوقاً(1). وأغرب التستري في توجيه نصب هذه المصادر ، ولم يتقبّلْ ما ذكره السابقون له ، واستظهر ثلاثة أوجه لنصبها ، هي(2) : الأوّل : أنّها منصوبة على الحال المؤوّلة باسم الفاعل ، والتقدير : طاعنين في عيونكم ، وحازّين حلوقكم ، وداقّين مناخركم ، وقاصدين لمقاتلكم ، وسائقيكم بخزائم القهر ، وهو بهذا موافق لرأي النحويّين في جواز مجيء الحال مصدراً على خلاف الأصل مؤوَّلاً باسم مشتقّ ، إذ قال سيبويه : «وذلك قولك : قتلتُه صبراً ، ولقيتُه فجاءةً ومفاجأةً ، وكلّمْتُه مشافهةً ، وليس كلّ مصدر إنْ كان في القياس مثل ما مضى من هذا الباب يوضع هذا الموضع ، لأنّ المصدر ها هنا في موضع فاعل إذا كان حالاً»(3). والأصل في الحال أن يكون وصفاً ، لأنّه يتضمّن الحدث وفاعل الحدث ، أمَّا المصدر فيتضمّن الحدث فقط من دون فاعله ، لذا لا يكون وصفاً لصاحبه. __________________ (1) ينظر : منهاج البراعة 11 / 284. (2) ينظر : بهج الصباغة 14 / 256. (3) كتاب سيبويه 1 / 370 ؛ وينظر : المقتضب 3 / 269 و4 / 312 ؛ الأصول في النحو 1 / 163 ؛ وشرح الرضي على الكافية 1 / 330. الثاني : أنّها تعرب مفاعيل لأجلها ، وعواملها (أوطؤوكم ، وأحلّوكم ، وأقحموكم). الثالث : أنّها تعرب تمييزات. ونلحظ أنّ التستري لم يفصِّل في ما جوّزه من آراء ومناسبتها لمعنى كلام الإمام عليهالسلام ، ولعلّ مردّ ذلك إلى ما في كلامه من بُعد التأويل ، فقوله : إنّ المصادر هنا منصوبة على الحال بتأويل اسم الفاعل فيه الدلالة على الوصف العارض ، وهو ممّا لا يناسب مقام كلام أمير المؤمنين هنا ، وأمّا نصب هذه المصادر على أنّها أعذار لما قبلها فيردُّه أنّها نتائج للوطء لا أسباب له ، ويُردّ كون هذه المصادر تمييزات أنّها ليست جامدة. ويمكن القول : إنّ ما ذهب إليه ابن أبي الحديد والبحراني من أنّ هذه المصادر منصوبة على المفعولية المطلقة ، وأنّ أفعالَها محذوفات وجوباً يدلّ عليها السياق ، أي : فعلوا بكم هذه الأفعال فطعنوكم في عيونكم طعناً ، وحزُّوا حلوقكم حزّاً ، وكذا بقية المصادر ، هو الرأي الجدير بالقبول ، ذلك أنّ المعنى يتطلّب التوكيد هنا ، وهذه المصادر دالّة على التوكيد مطلقاً ، فضلاً عن أنّ التعبير (أوطوؤكم إثخان الجراحة) تعبير مجمل تفصيله هذه المصادر الخمسة التي تُبيِّن أنواعاً في إثخان الجراحة توافق الإثخان معنًى وإعراباً. 2 ـ في قوله عليهالسلام يحثُّ الناسَ على التقوى : «عِبَادَ اَللَّهِ ، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَعَزِّ الأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ ، وَأَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ ، فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الحَقِّ ، وأَنَارَ طُرُقَهُ ، فَشِقْوَةٌ لاَزِمَةٌ ، أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ ، فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الفَنَاءِ لأيَّامِ البَقَاءِ»(1). وقف البحراني عند إعراب (شقوة ، وسعادة) وما يحتملانه من دلالة تناسب السياق فوجّههما على أنّهما خبر لمبتدأ محذوف ، تقديره : فغايتكم ، ورأى أنّ في ذلك تنبيهاً على غايتَي سبيل الحقّ ، وسبيل الباطل ، قال : «نبّه على غايتَي سبيلِ الحقِّ وسبيلِ الباطلِ بشِقْوَة لازمة وسعادة دائمة»(2) ، ويُفْهَمُ من توجيهِهِ هذا أنّ الجملةَ هنا جملة اسمية دالّةٌ على ثبات الشقوة أو ثبات السعادة ، لأنَّ الجملةَ الاسمية دالّةٌ على الثبات ، فضلاً عن نعتها بـ : (لازمة) و (دائمة) فظهر من تقديره أنّه قسّم الجزاء قسمين : إمّا العذاب أبداً ، أو النعيم أبداً ، وقد تابعه في رأيه هذا أكثر الشرّاح المتأخّرين(3). ولم يخالف هذا الرأي إلاّ حبيب الله الخوئي والتستري ، أمّا الخوئي فذهب إلى أنّ (شقوة ، وسعادة) مبتدآن محذوفا الخبر ، ولا يضرّ تنكيرهما ، لكونهما نكرة موصوفة ، والتقدير : «فشقوةٌ لازمةٌ لِمَنْ نكبَ عنها ، أو سعادةٌ دائمةٌ لمَنْ سلكها»(4) ، ثمّ جوّز «أن يكونا فاعلين لفعل محذوف»(5). وأمّا التستري فأنكر رأي الخوئي ، الذي جوّز فيه رفع (شقوة وسعادة) على __________________ (1) نهج البلاغة (الخطبة 157) 290. (2) شرح نهج البلاغة 3 / 270. (3) ينظر : شرح نهج البلاغة (محمّد عبده) 1 / 36 ؛ في ظلال نهج البلاغة 2 / 412 ؛ شرح نهج البلاغة (محمّد أبو الفضل إبراهيم) 1 / 158 ؛ توضيح نهج البلاغة 2 / 411. (4) منهاج البراعة 9 / 315. (5) المصدر نفسه 9 / 315. أنّهما فاعلان لفعل محذوف ، واستدلّ التستري بأنّ الفعل لا يقدّر إلاّ بعد (إنْ وإذا) الشرطيّتين ، كما هو معلوم من مذهب البصريّين(1). وخلُص التستري إلى أنّ (شقوة ، وسعادة) كليهما يحتمل الرفع على أنّه مبتدأ ، فيقدّر له خبر ، أو خبر يقدّر له مبتدأ ، وقرن ذلك بإعراب قوله تعالى : (فَصَبْرٌ جَمِيْلٌ)(2). فـ : (صبر) خبر أو مبتدأ ، لكونه موصوفاً ، أي : فأمري صبري جميلٌ ، أو فصبرٌ جميلٌ أمثل ، والصبر الجميل : الذي لا شكوى فيه إلى الخلق(3). ولنا أن نناقش هذه الأقوال في الأمور الآتية : إنّ ردّ التستري على حبيب الله الخوئي لا يستقيم على إطلاقه ، لأنّ حذف الفعل مع (إنْ ، وإذا) الشرطيّتين إنّما يكون في حال الحذف الواجب ، والخوئي لم يحدّد هنا أنّ الحذفَ حذفٌ واجب ، إذ يجوز حذف الفعل إذا دلّ عليه دليل. لمّا كان كلام الإمام عليهالسلام أكثره مقتبس من معاني النصوص القرآنية ، كان الاحتمال الأقرب للحذف هو حذف الخبر ، والتقدير : فشقوة لازمة لأنفسكم ، أو سعادة دائمة لها ، بدلالة قوله تعالى(يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمٌ نَفْسٌ إلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيْدٌ)(4) مع إرادة القول بمنع الحذف وتقديره يمكن الاستدلال بأنّ (شقوة لازمة) مبتدأ نكرة موصوفة مكتف عن الخبر ، لردفه بمبتدأ ثان موصوف __________________ (1) ينظر : المقتضب 2 / 74 ، 79 ؛ الإنصاف (م2) / 615 ـ 620. (2) سورة يوسف / من الآية 18. (3) ينظر : معاني القرآن وإعرابه 3 / 78 ؛ إعراب القرآن (النحّاس) 2 / 308 ؛ الكشّاف 2 / 452 ؛ التبيان في إعراب القرآن 2 / 7. (4) سورة هود / الآية 105. (سعادة دائمة) فقام كلٌّ منهما مقام الخبر عن الثاني ، فتمّ الكلام بهما من دون تقدير أو حذف. 3 ـ في قوله عليهالسلام يصف الدنيا : «أَلاَ وَإِنَّ اليَوْمَ المِضْمَارَ ، وغَداً السِّبَاقَ ، السَّبَقَةُ اَلْجَنَّةُ ، والغَايَةُ النَّارُ»(1). نقل الشرّاح أنّ (المضمار ، والسباق) فيهما روايتان : الرفع على أنّهما خبران لـ : (إنّ) و (اليوم وغداً) اسماها ، ورجّحه الراوندي ، فقال : «الأحسن أن يجعلَ (اليوم) اسماً صريحاً ، ويكونُ اسمَ (إنّ) ويُرْفَعُ المضمارُ على أنَّه خبرُ (إنّ) وعلى هذا إعراب (وغداً السباق)»(2) ، واختار ابنُ أبي الحديدِ نَصْبَ (المضمار والسباق) على أنّهما اسما (إنّ) ، فيكون الظرفانِ خبرينِ ، وموضعُهما الرفعُ ، لأنّ «ظرفَ الزّمان يجوزُ أنْ يكونَ خبراً عن الحدثِ»(3). أمّا البحراني فجوّز الإعرابين دونما اختيار لأحدهما ، وأشار إلى اختلاف المعنى بين رفعِ (المضمار والسباق) ونصبهما ، فَفَهِم من رأي الراوندي الذي اختار رفعَهما أنَّه جَعَلَ (اليوم ، وغداً) اسمينِ صريحينِ ، فاليوم كنايةٌ عن أيّام الإنسان الباقية من عمره ، وقد خَرَج عنِ الظرفية المبهمةِ إلى المعرفةِ ، والأمرُ كذلك في (غداً) التي هي كنايةٌ عمّا بعدَ الموت ، أي : يوم الحساب ، فصلُح مجيءُ الظرفين في موضعِ الابتداءِ ، قالَ : «وليس (اليوم) هنا دالاًّ على الظرفية ، وإنَّما قُصِد __________________ (1) نهج البلاغة (الخطبة 28) 61. (2) منهاج البراعة 1 / 218. (3) المصدر نفسه 1 / 218. به حياةُ الإنسانِ ، فَخَرَجَ الظرفُ من ظرفيّتِه إلى الاسمية فصار (اليوم) اسمَ (إنّ) و (المضمارُ) خبرَها»(1). وأمّا نصب الاسمين على ما اختاره المعتزلي ، فرأى البحراني أنّ فيه إشكالاً في (إنّ اليوم المضمار) قال : «اليوم زمان ، والمضمار زمان ، فكيف يُخبَر عن المضمار باليوم؟ فيستلزم وقوعَ زمان في زمان آخر ويكون أحدهما محتاجاً إلى زمان آخرَ وذلك محالٌ»(2). ويُفهَم من كلامِه أنّ الإشكالَ واقع في أنّ كلاًّ من المبتدأ والخبر زمانٌ ، فالمضمار اسمٌ يُطْلَقُ على الوقتِ أي : «الأيّام التي تُضَمَّرُ فيها الخيلُ للسباقِ أَو للركضِ إِلى العَدُوِّ ، وتَضْميرُها أَن تُشَدَّ عليها سُروجُها وتُجَلَّل بالأَجِلَّة ، حتّى تَعْرقَ تحتها فيذهب رَهَلُها ، ويشتدّ لحمُها ، ويُحْمَل عليها غِلمانٌ خِفافٌ يُجْرُونها ، ولا يَعْنُفونَ بها»(3) ، ويقدّر هذا الوقت بأربعين ليلة(4). وقد استعار الإمام عليهالسلام المضمار هنا إلى حياة الإنسان لما بينهما من تشابه ، فالإنسان يستعدّ بالتقوى والأعمال الصالحة ليكون من السابقين إلى لقاء الله تعالى ، كما يستعدُّ الفرسُ للسباقِ بالتضميرِ وهو التسمينُ ثمّ القوت(5). وأمّا اليوم فزمانٌ معلوم ، فلا يصحُّ بعد الإخبار بوقوع الزمانِ في الزمان ، لأنَّه يلزم منه أنّ الزمانَ __________________ (1) شرح نهج البلاغة 2 / 62. (2) شرح نهج البلاغة 2 / 63. (3) لسان العرب (ضمر). (4) ينظر : القاموس المحيط : (ضمر) ؛ تاج العروس (ضمر). (5) ينظر : حدائق الحقائق 1 / 243 ؛ شرح نهج البلاغة (البحراني) 2/63. سيكون محتاجاً إلى زمان آخرَ ، وهذا محالٌ(1). ثمّ أجاب البحراني عن هذا الإشكال بأنّ المضمار ليس اسماً لمجرّد الزمان ، بل هو زمانٌ مُشْتَمِلٌ على حَدَث هو التضميرُ ونحوه : «إنّ مُصْطَبَحَ القومِ اليومَ ... فيصحُّ الإخبارُ عن هكذا زمان إذا قُيِّدتْ بِوَصْف ، واشتملتْ على أحْداث يَتَخَصَّصُ بها»(2). والمضمارُ لمّا كان عبارة عن الزمان الذي تضمر فيه الخيل ، وهو زمانٌ مخصوص لتقيِّدِه بوصف مخصوص صحّ الإخبارُ عنْه باليومِ. وأمّا (وغداً السباق) ، فجوّز البحراني فيه نصب (السباق) على أنّه اسم (إنّ) ، و (غداً) في موضع الخبر ، ومَنَعَ رَفْعَ (السباق) ، لأنّه لو كان خبراً لكان (غداً) اسمَه ، فيكونُ هو المبتدأ في الأصل ، و (السباق) خبره ، وهذا لا يجوز ، لأنّ السباقَ ليس محمولاً على (غداً) ، إذ لو كان محمولاً عليه لكان الحمل بمعنى (هو) نحو : (الإنسان الضحّاك ، أي : هو الضحّاكُ) ، أو الحَمْل بمعنى (ذو) كقولنا : (الجسم الأبيض ، أي : ذو بياض) ، ولا واحد من المعنيين بحاصل في (غداً السباق) ، لذا مَنَع أن يكونَ السباقُ خبرَ (إنّ) قال : «وهو ظاهرُ الفسادِ ، لأنّ الحكمَ بِشَيء على شيء ، إمّا بمعنى أنّه هو هو ، كما يُقال : الإنسانُ هو الضحّاكُ ، أو على أنّ المحكومَ عليه هو المحكومُ به ، كما يُقال : الجسمُ الأبيض أي : ذو بياض ، فيمتنع أن يكون خبر (إن)»(3) ، ويستدرك البحراني على ذلك مُجَوِّزاً رفعَ (السباق) «على تقديرِ __________________ (1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) 2 / 62 ؛ منهاج البراعة (الخوئي) 4 / 4. (2) شرح نهج البلاغة 2 / 63. (3) شرح نهج البلاغة 2 / 63. حذفِ المضافِ ، وإقامةِ المضافِ إليه مقامَه ، أي : وغداً وقتُ السِّباقِ»(1). ويبدو أنّ وجهَ النصبِ في (المضمار والسباق) أولى ، لسببين : أوّلهما : ورود الرواية الصريحة بالنصب ، وهي رواية الشريفِ الرضي التي تُسَمّى بالنسخة الخطّية ، أو النسخة الأمِّ(2). والسبب الآخر : التكلّف الظاهر في رفع الاسمين ، فإنّ ما تأوّله الشرّاحُ في (اليوم ، وغداً) من معنى الاسمِ الصريح ، وإلغاء الظرفية منهما ، فيه من التكلُّف ما لا يخفى ، ولأنّه مع الإبقاء على (اليوم ، وغداً) ظرفين مُبْهَمين لا يصِحُّ رفعُ (المضمار والسباق) ، لأنّ المضمار ليس عين (اليوم) ، ولا (السباق) عين (غداً) ، ذلك أنّ المضمارَ ليس اسماً مجرّداً للزمانِ ، بل هو زمانٌ مشتمل على حَدَث هو التضميرُ ، فهو زمانٌ مخصوصٌ. المبحث الثاني : الدلالة التركيبية : حفل شرح البحراني بذكر الكثير من هذه العلاقات بين مفردات التركيب ، وما تؤدّيه من معنًى ، كالتعريف والتنكير ، والإضمار ، والإضافة ، وغير ذلك ، وسيعرض البحث لأمثلة منها : 1 ـ في قوله عليهالسلام : «ولولا ما نهى اللّهُ عنه مِنْ تَزْكِيَةِ المَرْءِ نَفْسَهُ ، لَذَكَرَ ذاكِرٌ __________________ (1) المصدر نفسه 2 / 63. (2) ينظر : بهج الصباغة 7 / 317. فضائلَ جَمَّةً تَعْرِفُها قُلُوبُ المؤمنينَ ، ولا تَمُجُّها آذانُ السَّامِعِينَ»(1). ذهب البحراني إلى أنّ التنكير لـ : (ذاكر) فيه الدلالة على تزكية نفس الإمام عليهالسلام ، إذ هو المقصود بـ : (ذاكر) في النصّ ، قال : «والذاكرُ يعني نفسه ، وإنَّما نَكَّرَهُ ولم يأت ِ بالألف واللام ، ولم ينسبْه إلى نَفْسِه ، لأنّ في ذلك تصريحاً للدلالة على تزكية نفسه»(2) وهذه الدلالة للتنكير ممّا انفرد بها البحراني ، إذ لم يُشِر الشرّاح قبله إلى هذا المعنى(3) ، وتابعه في الإشارة إلى دلالة التنكير هذه حبيب الله الخوئي قال : «وأَرادَ مِنْ قَوْلِه : (لَذَكَرَ ذاكِرٌ) نَفْسَهُ الشريفةَ ، ثُمَّ وَصَفَ الفضائلَ بأنّها بلغت في الشهْرَةِ والوُضُوحِ مَبْلَغاً تَعْرِفُها قلوبُ المؤمنينَ»(4) ، وقدْ علّل الإمامُ عليهالسلام عدم ذكر فضائله ، بأنّ اللهَ تعالى نهى عن هذا الشيء ، قال تعالى : (فَلاَ تُزَكّوا أنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتّقَى)(5). 2 ـ ومن أمثلة ذلك ما في قول الإمام عليهالسلام في طلحة والزبير : «وأنّ مَعِي لَبَصِيرَتي مَا لَبَّستُ ، وَلاَ لُبِّسَ عَليَّ ، وأنّها لَلفئةُ الباغيةُ فيها الحَمَأُ والحُمَةُ»(6). ذكر البحراني دلالة (أل) التعريف الداخلة على (الفئة الباغية) هي (أل) العهدية ، ذلك أنّ الإمام عليهالسلام «كانَ عِنْدَه علمٌ مِنَ الرسولِ(صلى الله عليه وآله) أنَّه سَتَبْغِي عليه فئة من __________________ (1) نهج البلاغة (الكتاب 28) 528. (2) شرح نهج البلاغة 4 / 523. (3) ينظر : منهاج البراعة (الراوندي) 2 / 74 ؛ شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) 2 / 194. (4) منهاج البراعة 8 / 114. (5) سورة النجم / من الآية 32. (6) نهج البلاغة (الخطبة 137) 255. غير تعيين ، فلمّا خَرَجَتْ هذه الفئةُ عَلِمَها بأمَاراتِها»(1) ، وتابعه في رأيه هذا حبيب الله الخوئي يقول : «إنّ هذه الفئة للفئة التي أخبرني رسول الله ببغيها وخروجها عليَّ»(2) ، أي : إنَّ (أل) هنا للعهد ، فالإمام عليهالسلام يعرف هذه الفئة بصفات معيّنة وضّحَها له النبي(صلى الله عليه وآله). وتابعهما في ذلك أيضاً التستري ، مستدلاًّ بأنّ الإمام عليهالسلام كان يعلم تفاصيل تلك الفئة الباغية ، وهي معهودة عنده مسبقاً بالحضور العلمي ، واستظهاراً من كلام الله تعالى ، قال التستري : «إنّ قوله عليهالسلام إشارة إلى قوله تعالى : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(3). 3 ـ قال عليهالسلام عند خروجه لقتال أهل البصرة : «أَمَا واَللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا ، حتّى وَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا ، مَا عَجَزْتُ ولاَ جَبُنْتُ ، وإِنَّ مَسِيرِي هَذَا لِمِثْلِهَا ، فَلأنْقُبَنَّ اَلْبَاطِلَ حتّى يَخْرُجَ اَلْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ ، مَا لِي ولِقُرَيْش واَللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ ، ولأُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ»(4). وقد أرجع البحراني الضمير المنصوب في قول الإمام (ساقتها) على غير مذكور ، فلم يجر ذِكْرٌ صريحٌ لمدلولِه ، وإنَّما يُتَحَصَّلُ ذلك المدلول من فَهْمِ المخاطَبِ ، وتقدير المدلول هو (كتائب الحرب) ، لأنّه المفهوم __________________ (1) شرح نهج البلاغة 3 / 211. (2) منهاج البراعة 3 / 339. (3) بهج الصباغة 14 / 337 ؛ النص القرآني من سورة الحجرات / الآية 9. (4) نهج البلاغة (الخطبة 33) 70 ـ 71. من السياق ، قال : «الضميرُ في (ساقتها) لكتائب الحرب ، وإنْ لم يَجْر لها ذكر صريح ، بل ما يحصل من معنى الذكر وهو الناس ، فكأنّه قال : فَسَاقَ الناسَ وهم يومئذ كتائب عليه ، فكنتُ في ساقتها ، حتّى تولّت تلك الكتائب بأسرها ، لم يبقَ مَن يغالبه»(1) والساقة ، جمع سائق ، كما أنّ القادة جمع قائد ، ويصوّر لنا الإمام عليهالسلام مكانه في ساحة الحرب ، وكيف كان يطرد الكافرين من ساحة القتال ، حتّى يكونَ في آخرهم ، «لأنّ السائق إنّما يكون في آخر الركب أو الجيش»(2). واختلف شرّاح النهج في إرجاع هذا الضمير ، فاحتمل الراوندي أمرين فيه : أنْ يرجع إلى الحرب ، أو إلى الدعوة المحمّدية المباركة(3). على حين أرجعه محمّد جواد مغنية إلى الناس في زمن النبي(صلى الله عليه وآله) ، فهو عليهالسلام قد ساقهم حتّى بلغوا منازل العزّة والكرامة ، قال : «الضميرُ في ساقَتِها ، وتولَّت بِحَذافِيرِها يعودُ إلى الناسِ الذين ساقَهُمُ النبي ، حتّى بلغَ بهم منازلَ العِزَّةِ والكرامة ، ويريد الإمامُ أنَّه قد ساهم في ذلك»(4). أمّا الخوئي فتابع البحراني في أنّ الضميرَ راجعٌ إلى كتائبِ الحَرْب(5) ، لأنّه عليهالسلام إنّما خطب هذه الخطبة وهو في طريقه إلى حرب أهل الجمل ، فأراد أنْ يُذَكِّرَ الناس أنّه قاتل المشركين في أوّل الدعوة الإسلامية ، حتّى أسلموا ، وكيف __________________ (1) شرح نهج البلاغة 2 / 104. (2) شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار 1 / 146. (3) منهاج البراعة 1 / 238. (4) في ظلال نهج البلاغة 2 / 222. (5) ينظر : منهاج البراعة 10 / 36. أنَّه هزمهم وساق كتائبهم إلى الهزيمة ، فهو المناسب لكلامه عليهالسلام لمناسبة الخطبة. أمّا ما ذهب إليه الراوندي من عَود هذا الضمير على الدعوة النبوية فبعيد ، إذ لم تكن البعثة لتوصف بوصف الساقة ، فهذا التعبير إنّما يعبَّر به عن الحرب ، أو الركب ، ثمّ إنّه لم يوضِّحْ ما معنى قول الإمام : «حتّى ولّت بحذافيرها»؟ هل المقصود منه أنّ الضمير يعودُ على الدعوة النبوية وأنّها قد انتهت بأجمعها؟! أمّا قول محمّد جواد مغنية بأنّه يرجع إلى الناس فبعيدٌ أيضاً ، لأنّه لو كان هكذا لقال : لفي ساقتهم ، بضمير الجمع المذكّر ، كما في قوله عليهالسلام في الخطبة نفسها قبل محلّ الشاهد : «فَسَاقَ اَلنَّاسَ حتّى بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ ، وبَلَّغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ ، فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ واطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُمْ». المبحث الثالث : دلالة الأدوات : عُنِيَ البحراني في شرحه بدلالة الأدوات ، وبيان الفروق الدلالية لكلّ أداة منها ، وترجيح أحد هذه الوجوه على الأخرى تبعاً للسياق ، ومن أمثلة ذلك : 1 ـ قول الإمام عليهالسلام في شجاعته وفضله : «أَنَا وَضَعْتُ فِي الصِّغَرِ بِكَلاَكِلِ العَرَبِ ، وكَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ ، وقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ اَلْقَرِيبَةِ ، والْمَنْزِلَةِ الخَصِيصَةِ»(1). إذ ذكر البحراني أنّ الباء في قوله «بكلاكل العرب» للإلصاق ، والتقدير : «ألصقتُ بِهُمُ الوَضْعَ والإهانَةَ»(2). ويُفهَم __________________ (1) نهج البلاغة (الخطبة 192) 405. (2) شرح نهج البلاغة 4 / 312. من الدلالة التي ذكرها للباء هنا ، والمعنى الذي آل إليه النصّ عنده ، أنّ (في) في قوله عليهالسلام : (في الصِّغَرِ) زائدة ، لكي يستقيم تأويل المعنى على تقدير : ألصقتُ الصِّغَرَ (وهو الهوان والذلّ) بأكابر العرب وساداتهم الذين قتلهم الإمام في صدر الإسلام ، وفي الجَمَلِ وفي صِفِّين. والكَلْكَلُ هو الصدْرُ ، والمعنى على الاستعارة ، والجامع للاستعارة كونهم سبب قوّة العرب ، وهم المحرِّضون على الحرب ، وبهم تُنتَهَضُ ، كما أنّ الكلكل للجمل سببٌ لنهوضه وقيامه وقوَّتهِ(1). على حين ذهب ابن أبي الحديد وحبيب الله الخوئي إلى أنّ (الباء) في (بكلاكل العرب) زائدة ، والتقدير : أنِّي أذللتُهم وصرعتهم إلى الأرض(2). والذي حملهما على زيادة الباء أنّ الفعلَ (وضع) متعدّ بنفسه إلى مفعولِهِ ، ولمّا كانت الزيادة تعني خلوَّ الحرف من الدلالة ذهب هذان الشارحان وغيرهما إلى القول بأنّ زيادة الباء هنا للتوكيد(3). ويبدو أنّ رأيَ البحراني في أنّ الباء هنا للإلصاق أصوب ، وأنّ القولَ بزيادتها غير مقبول ، لأنّ فيه فوتَ المعنى الدلالي لتعدِّي الفعل (وضع) إلى مفعوله بواسطة حرف الجرّ (الباء) ، ذلك أنّ الفعل (وضع) إذا تعدّى إلى مفعوله بنفسه دلّ على الوضع بصورة مطلقة ، فإنْ تعدّى إلى مفعوله بالباء دلّ على تحديد جهة الوضع ، لغرض يتطلّبه مراد المتكلّم في نصِّه ، فالوضع إنّما كان لصدور __________________ (1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) 13 / 197. (2) ينظر : المصدر نفسه 13 / 197 ـ 198 ؛ منهاج البراعة 12 / 29. (3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) 13 / 197 ؛ منهاج البراعة 12 / 29 ؛ مع نهج البلاغة ـ دراسة ومعجم ـ : 181. العرب وأعيانِهم المُبَرَّزين الذين نال منهم الإمام عليهالسلام في جهاده لنصرة الإسلام. ولكنّ البحث لا يرى القول بزيادة (في) مثلما يُفهَم من المعنى الذي شرح به البحراني كلام الإمام عليهالسلام ، وإنّما حرف الجرِّ هنا أفاد معناه الأصلي وهو الظرفية ، والكلام على التقديم والتأخير ، أي : وضعْتُ بكلاكل العربِ في الصّغَر ، وإنّما قُدِّمَ (في الصغر) للعناية. 2 ـ قول الإمام عليهالسلام يحمدُ اللهَ : «الذِي عَظُمَ حِلْمُه فَعَفا ، وعَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى ، وعَلِمَ مَا يَمْضِي ومَا مَضَى ، مُبْتَدِع الخَلاَئِقِ بِعِلْمِهِ ، ومُنْشِئهمْ بِحُكْمِهِ بِلا اقْتِدَاء ، ولا تَعْلِيم ، ولا احْتِذَاء لِمِثَالِ صَانِع حَكِيم»(1). بيّن البحراني فيه دلالة الباء في قوله (بعلمه) فإنّه (عزَّ وجلَّ) قد ابتدع الخلائق بسبب علمه ، لأنّ «العلمَ هنا سببٌ لِما ابْتَدَعَ مِنْ خِلْقِه»(2) ، وعرض البحراني إشكالاً ترتَّب على هذه الدلالة ، فإنّ «العلمَ تابع للمعلوم ، والتابع يمتنع أنْ يكون سبباً»(3) ولحلِّ هذا الإشكال يقتضي تغيُّر معنى الباء من السببية إلى الاستصحاب(4) والتقدير على هذا : أنّ الله ابتدع الخلائق مصاحباً علمه. وقدْ ردَّ البحراني على هذا الإشكال بأنَّه : «إذا حقّقْنا القول وقُلنا : إنّه لا صفة له تعالى تزيد على ذاتِه ، وكانت ذاتُه وعلمُه ، وقدرتُه وإرادتُه شيئاً واحداً ، وإنّما تختلف بحسب اعتبارات تُحْدِثُها عقولُنا الضعيفة __________________ (1) نهج البلاغة (الخطبة 191) : 380. (2) شرح نهج البلاغة 4 / 252. (3) شرح نهج البلاغة 4 / 252. (4) شرح نهج البلاغة 4 / 252. بالقياس إلى مخلوقاته لم يبقَ تفاوت في أنّ تستند المخلوقاتُ إلى ذاتِه أو إلى علمِه ، أو إلى قدرتِه أو غيرها»(1) واحتمل احتمالاً آخر لتوجيه دلالة الباء هنا بأنّ الإبداع ليس الخَلْقَ وإنَّما يجري مجرى التعجُّب ، لأنّ «الإبداعَ إحكامُ الأشياء وإتقانها ، بحيث يكون محلّ التعجّب يقال : هذا فعلٌ بديع ، ومنظرٌ بديع أي : مُعْجِبٌ حسنٌ فالظاهر أنّ ذلك منسوب إلى العلم ، ولذلك يستدلُّ بإحكام الفعلِ وإتقانه على علمِ فاعله»(2). على حين ذهب ابن أبي الحديد إلى أنّ الباء ليست للسببية ، فليس العلمُ سبباً في الإبداع ، كما تقول : «هوى الحَجَرُ بثقلِه ، بَلِ المُرادُ : أَبْدَعَ الخَلْقَ عالمٌ ، كما تقول : خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلاحِه ، أي : خَرَجَ مُتَسَلِّحاً ، فموضعُ الجارِّ والمجرورِ على هذا نَصْبٌ بالحاليةِ»(3). 3 ـ قول الإمام عليهالسلام : «وقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الحِجَابُ ، ولَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ ، وأُسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ ، وهُدِيتُمْ إِنِ اِهْتَدَيْتُمْ»(4) ، ذهب البحراني إلى أنّ (ما) مصدرية ، والتقدير : وقريبٌ طرحُ الحجاب(5) ، ويكون المصدر في محلّ رفع مبتدأ وقريب خبره ، وتابعه في هذا محمّد جواد مغنية(6) ، وروى التستري نصَّ الخطبة بالنصب (قريباً) ، ونصب (قريباً) على أنَّه صفة نائبة عن المفعول المطلق ، __________________ (1) المصدر نفسه 4 / 253. (2) المصدر نفسه 4 / 253. (3) شرح نهج البلاغة 3 / 118. (4) نهج البلاغة (الخطبة 20) : 48. (5) ينظر : شرح نهج البلاغة 1 / 529. (6) ينظر : في ظلال نهج البلاغة 1 / 157. بتقدير : (ويطرح الحجاب قريباً ما) أي : (طرحاً قريباً) و (ما) على هذا التأويل زائدة لتوكيد القرب(1). ويبدو أنّ توجيه (ما) على أنَّها مصدرية ـ كما ذهب إليه البحراني ـ أولى بالقبول من القول بأنّها زائدة ـ كما ذهب إليه التستري ـ وذلك لما يأتي(2) : إنّ الجملة بتقدير (ويطرح الحجاب قريباً) تفقد مزيةَ تقديم الخبر على المبتدأ ، وهو معنى مقصود ، لما فيه من العناية بالقرب ، بمعنى أنّ الموت الذي تستبعدونه قريبٌ جدّاً منكم ، ولما فيه من معنى التهديد برفع عذر تقصيرهم عن الطاعة ببعد الأمل. إنّه على تقدير التستري تتحوّل الجملة من الاسمية إلى الفعلية ، فتفقد الاسمية بذلك دلالاتها على الثبات والتوكيد ، وهو مطلب مرادٌ هنا. 4 ـ وفي قوله عليهالسلام : «والهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا الأَوَّلِ ، مَا كَانَ لِلَّهِ فِي أَهْلِ الأرْضِ حَاجَةٌ ، مِنْ مُسْتَسِرِّ الأمَّةِ ، ومُعْلِنِهَا»(3) ، ذكر البحراني قولي الراوندي وابن أبي الحديد في (ما) من قوله عليهالسلام : (ما كان لله) ، إذ ذهب الراوندي إلى أنّ (ما) نافية ، والتقدير : «لم يكنِ لله في أهل الأرض ، ممَّن أسرَّ دينه أو أعلنه وأظهره ، حاجةٌ»(4) ، وقد ردّ ابن أبي الحديد هذا الرأي بقوله : «وهذا ليس بصحيح ، لأنّه __________________ (1) ينظر : بهج الصباغة 4 / 123. (2) ينظر : الدلالة النحوية في بهج الصباغة : 54. (3) نهج البلاغة (الخطبة 189) : 375. (4) منهاج البراعة 2 / 437. إدخالُ كلام مُنْقَطِع بين كلامَين ، متّصل أحدهما بالآخرِ»(1) ، ويُفهم من قوله أنّه رجّح المصدريةَ «وهذه الهجرة التي يشير إليها أمير المؤمنين عليهالسلام ليست تلك الهجرة ، بل هي الهجرةُ إلى الإمامِ ، قال : إنَّها قائمةٌ على حدِّها الأوَّلِ ما دام التكليفُ باقياً ، وهو معنى قوله : ما كان للهِ تعالى في أهلِ الأرْضِ حاجةٌ»(2). وبعد أنْ عرض البحراني لهذين الرأيين رجّح قول الراوندي بعلّة مقبولة بقوله : «إنّه غير بعيد أن تكون نافية مع اتّصال الكلام بما قبله ، ووجهه أنّه لمّا رغَّب الناس في طلب الدين والعبادة ، فكأنّه أرادَ أن يرفعَ حكم الوهم بما عساه يحكم به عند تكرار طلب الله الدين والعبادة من حاجة تعالى إليها من خلقه ، حيث كرّر طلبه منهم بتواتر الرسل والأوامر الشرعية ، ويصير معنى الكلام أنّ الهجرة باقية على حدِّها الأوّل في صدقها على المسافرين لطلب الدين ، فينبغي للناس أن يهاجروا في طلبه إلى أئمّة الحقِّ»(3) ، ففي هذا تذكير للناس المدعوّين إلى عبادة الحقّ سبحانه أنّه ليس له حاجة في عبادتهم ودينهم ، وإنّما أهل المصلحة هم المدعوّون لعبادته تعالى. 5 ـ وفي قول الإمام يوصي ولده الحسن عليهماالسلام : «وتَلاَفِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ ، وحِفْظُ مَا فِي الوِعَاءِ بِشَدِّ الوِكَاءِ ، وحِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ»(4) ، احتمل البحراني في (مِن) __________________ (1) شرح نهج البلاغة 3 / 104. (2) المصدر نفسه 3 / 104. (3) شرح نهج البلاغة 4 / 228 ـ 229. (4) نهج البلاغة (الكتاب 31) 536. دلالتين في قوله عليهالسلام (من منطقِك) بحسب مراد المتكلّم من لفظ (منطقك) ، فإمّا «أنْ يُريدَ بِهِ المصدرَ فيكون (مِنْ) لبيانِ الجِنْسِ ، أو محلَّ النُّطْقِ ، فيكون لابتداءِ الغايةِ»(1). ويبدو أنّ دلالة بيان الجنس لـ : (مِن) هنا أوضحُ من ابتداء الغاية ، فإنّ المرادَ بالمنطق هنا (النطق) بقرينة مقابلته بلفظ (الصمت) قبله. 6 ـ قال الإمام عليهالسلام : «وانْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ ، والمَوَاعِظِ ، فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ المَنِيَّةِ ، وانْقَطَعَتْ مِنْكُمْ عَلاَئِقُ الأمْنِيَّةِ ، ودَهِمَتْكُمْ مُفْظِعَاتُ الأُمُور»(2) ، فاحتمل البحراني في (كأنْ) احتمالين ، قال : إنّها «مخفّفة من الثقيلة من (كأنَّ) واسمها ضمير شأن ، ويحتمل أن يكونَ (أن) الناصبة للفعل دخلت عليه كافُ التشبيه»(3) ، والاحتمال الثاني مردودٌ ، فـ : (كأنَّ) إذا خُفّفَت ، صار اسمها ضمير شأن ، وخبرها الجملة الاسمية التي تليها ، وإذا تلتها جملة فعلية ، فالأحسن أن تُصدّرَ بـ : (لم) أو (قد). وقد صُدِّرَت في نصِّ الإمام عليهالسلام بـ : (قد) ، فأفاد تركيب الكلام (كأنْ قد علِقْتُم) التشبيه المؤكّد ، مع تقريب دلالة الحدث فيه إلى زمان حال المخاطبين ، فكأنَّهم في زمان الخطاب ، قد عاينوا صورة المنيّة البشعة ، فعلقوا في مخالبها فافترستهم ، وانقطع رجاؤهم. وذهب حبيب الله الخوئي إلى أنّها المخفّفة من الثقيلة ، وقد ألغيت عن العمل(4) ، وهو مردودٌ من حيث الصنعة النحوية ، لما تقدّم من قول النحاة : إنَّه إذا خُفّفت (أنّ) المفتوحة ، بقيت على ما كان لها من العمل ، __________________ (1) شرح نهج البلاغة 5 / 63. (2) نهج البلاغة (الخطبة 85) : 135. (3) شرح نهج البلاغة 2 / 370. (4) ينظر : منهاج البراعة 1 / 115. وقدِّرَ لها اسمٌ يُسمَّى (ضمير الشأن) ، ولزم أن يكونَ خبرها جملةً اسمية أو فعلية(1). على أنّ البحث لا يرى بأساً في ما قاله حبيب الله الخوئي ، إنْ كان قد قصد بحُكمِه على (أن) المخفّفة هنا الوصف للحكم للنحوي ، لا التكلُّف في استنباطه ، والإغراق في التأويل لأجل تثبيته ، فالنحاة إنّما أرادوا التفريق بين (إنّ ، وأنّ) في حال تخفيفهما ، فأقرُّوا أنّ (إنَّ) إذا خُفّفت أُهمِلَت ، ورجعتْ الجملة إلى أصلها من المبتدأ والخبر ، ولَزِم الخبر لام التوكيد للفرق بينها وبين (إن النافية) كقولنا : (إنْ محمدٌ لناجحٌ)(2). ثمّ إنّهم لمّا أرادوا أن يفرِّقوا حكم (إن) المكسورة المخفّفة عن المفتوحة ، اخترعوا لأجل هذا ما سمَّوه ضمير الشأن اسماً لـ : (أن) المخفّفة ، فاضطرُّوا أنْ يؤولوا ما بعدها (وهو المبتدأ والخبر) في الأصل إلى جملة اسمية في محلّ رفع خبر (أن) المخفّفة ، ولو أنّهم مالوا إلى الوصف ، لقرَّروا حكماً واحداً للأداتين ، وهو إهمال العمل في كليهما ، وفي ذلك تيسير الأحكام النحوية على طالبيها ما لا يخفى. 7 ـ وفي قول الإمام عليهالسلام في مصقلة بن هبيرة الشيباني وكان قد ابتاع سبي بني ناجية من عامل أمير المؤمنين عليهالسلام ، وأعتقهم ، فلمّا طالبه بالمال خاس به هرب إلى الشام : «قَبَّحَ اللَّهُ مَصْقَلَةَ ، فَعَلَ فِعْلَ السادَاتِ ، وفَرَّ فِرَارَ العَبِيدِ ، فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حتّى أَسْكَتَهُ ، ولاَ صَدَّقَ وَاصِفَهُ حتّى بَكَّتَهُ»(3). احتمل البحراني في (حتّى) في الموضعين احتمالين ، الأوّل : أنْ تكون __________________ (1) ينظر : شرح ابن عقيل 1 / 390. (2) ينظر : المصدر نفسه : 1/ 390. (3) نهج البلاغة (الخطبة 44) : 86. (حتّى) بمعنى لام التعليل ، قال : «أن يكونَ (حتّى) بمعنى (اللامِ) ، أي : إنَّه لم يُنْطِقْ مادحَه حتّى يَقْصِدَ إسكاتَه بهَرَبِه ، فإنّ إسكاتَ المادحِ لا يُتَصَوَّرُ قصدُهُ لو قُصِدَ إلاّ بعد إنطاقِه ، وهو لم يُتمِّمْ فعلَهُ الذي يَطْلُبُ به إنطاقَ مادحِه بمدحِهِ مِنَ الكَرَمِ والحميَّةِ والرقَّةِ ونحوِها ، فكأنَّه قَصَدَ إسكاتَ مادحِه بهروبِه ، فأزوى عليه ذلك ، وقال : إنَّه لم يُنْطِقْهُ بِمدحِه ، فكيفَ يَقْصِدُ إسكاتَه بهروبِه ، وإنْ كانَ العاقلُ لا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ قَصْدُ إسكاتِ مادحِه عَنْ مَدْحِهِ إلاّ أنّ لاختيارِه الهروبَ المستلزمَ لإسكاتِ المادحِ ، صارَ كالقاصدِ له فَنُسِبَ إليه»(1) ، ومعنى ذلك : أنّ البحراني أخرج (حتّى) على العطف الدالّ على التعليل والبيان ، وهو متحقِّقٌ بالفاء العاطفة. والاحتمال الآخر : يُفهم منه العطفُ فقد «جمع بين غايتين متنافيتين : إنطاقه لمادحه بفداء الأسرى ، مع إسكاته بهربه قبل تمام إنطاقه ، وهو وصفٌ له بسرعة إلحاقه لفضيلته برذيلته ، حتّى كأنَّه قَصَدَ الجمْعَ بينهما ، وهو كما تقول في وصف سرعة تفرُّق الأحبابِ عن اجتماعهم : ما اجتمعوا حتّى تفرّقوا ، أي : لسرعة افتراقِهم ، كأنّ الدهرَ قد جَمَعَ لهم بين الاجتماع والافتراق»(2) ، ويُفهَم من كلامه هذا أنّ (حتّى) بمعنى الواو العاطفة ، وتابعه في ذلك علي أنصاريان(3). ووجّه (حتّى) الثانية في (ولا صدَّق واصفه حتّى بكّته) التوجيه نفسه. ووجّه محمّد جواد مغنية دلالة (حتّى) على العطف مع اختلاف الفعلين (نطق ، وأسكت) و (صدَّق ، وبكَّت) بأنّ هذا الاختلاف مرادٌ ، لاختلاف الغايتين المقصودتين في هذا __________________ (1) شرح نهج البلاغة 2 / 159. (2) المصدر نفسه 2 / 159 ـ160. (3) ينظر : شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار 1 / 165. الموضع ، فهذا الرجل لم يفعل الخير حتّى صرَّح بحبّه للشرِّ ، وفي ذلك الدلالة على أنّه يحمل الأفعال المتناقضة في نفسه ، فجاءت (حتّى) لتعبِّرَ عن تباين أفعال هذا الرجل ، وتترك للسامع تصوّر قبح نفسه(1) ، قال مغنية : «ما قال : ما أحسنَ مصقلة في عتق الأسرى ، حتّى ارتفع صوتٌ ، يقول : قبَّحه الله من لصّ محتال»(2). الخلاصة : أسفرت دراسة شرح نهج البلاغة للبحراني ـ ذلك العالم الجليل الذي برع في معارف شتّى ، فضلاً عن تخصّصه في علم الفقه ـ عن نتائج متعدّدة ، منها : 1 ـ إنّ شرح البحراني يحتلّ مكان الصدارة من شروح النهج ، لوثاقته من جهة ودليل ذلك يتّضح في اعتماد الشرّاح اللاحقين نسخة البحراني في توثيق نصوص النهج ، وفي ترجيح آرائهم ، بناءً على الروايات التي نقلها البحراني في نسخته التي أطلقوا عليها نسخة ابن ميثم. وأنّ هذا الشرح له الصدارة أيضاً ، لدقّة البحراني في استنباط الأحكام النحوية ، وما يتبع ذلك من دلالات حظيت بالقبول عند الشرّاح المتأخّرين. 2 ـ عُنِيَ البحراني في شرح النهج بدلالة الألفاظ والتراكيب والأدوات ، فبرز الجانب الدلالي عنده بمستوياته المتعدّدة ، وكثرت مباحثه كثرةً بالغةً ، ولمّا اختصّت دراستي بالمستوى النحوي من هذه المباحث ، تبيَّن أنّ البحراني لم يكن __________________ (1) ينظر : المباحث الدلالية في شروح نهج البلاغة ـ دراسة موازنة : 356. (2) في ظلال نهج البلاغة 1 / 267. معنيّاً في شرحه بفلسفة النحو ، وإقرار القواعد ، بل انصرفت همّته لبيان الدلالة النحوية في النصوص التي عرض لها ، فكان يقرن الإعراب بدلالته ، والتراكيب بمعانيها. 3 ـ ومن الجدير بالذكر أيضاً أنّ البحراني قد انفرد بتوجيهات نحوية ومعان دلالية عن بقية الشرّاح ، يتّضح ذلك في الآتي : أ ـ استطاع البحراني في دلالة النصب أنْ يستنبطَ دلالات بحسب تعدّد روايات النهج ، واختلاف المعنى المترتّب على ذلك ، ففي قول الإمام عليهالسلام : «وَأَوْطَؤُوْكُمْ إثْخانَ الجِراحَةِ» ، ذهب البحراني إلى أنّ (إثخان) مفعول ثان للفعل ، وترتّب على ذلك أنّ معنى إيطاء الشيطان ببني آدم توريطهم وحمله لهم عليه ، أي : جعلكم الشيطان وجنوده واطئين للإثخان. ب ـ وفي دلالة الأسماء المرفوعة كان للبحراني توجيهات نحوية انماز بها عن الشرّاح الآخرين ، منها القول بالجملة الناقصة وإنْ لم يسمِّها ، إذ ذهب إلى رفع (شقوة) في قول الإمام عليهالسلام : فَشِقْوَةٌ لاَزِمَةٌ ، أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ. على أنّه مبتدأ نكرة موصوفة مكتف عن الخبر ، لردفه بمبتدأ ثان موصوف (سعادة دائمة) فقام كلّ منهما مقام الخبر عن الثاني ، فتمَّ الكلام بهما من دون تقدير أو حذف. ج ـ في دلالة تعاقب الحركات ، أشار البحراني إلى اختلاف المعنى بين رفع «المضمار ، والسباق» ونصبه ، بحسب الروايتين اللتين نقلهما في نصِّ خطبة الإمام عليهالسلام : «أَلاَ وَإِنَّ الْيَوْمَ المِضْمَارَ ، وغَداً السِّبَاقَ» ، وردَّ على ابن أبي الحديد المعتزلي رأيه في ترجيح نصب الاسمين ، مستدلاًّ بقرائن معنوية تدفع رأي المعتزلي ، وقد ذُكِرَت المسألة مفصّلة في متن البحث. 4 ـ عُنِيَ البحراني كثيراً بدلالة التراكيب النحوية ، وكشف تحليله لنصوص النهج عن فهم عميق مفاده : أنّ الدلالةَ النحوية التركيبية المختارة إنّما تتبع المناسبة بين اختيار المفردات ضمن تراكيبها ، أي : المناسبة بين اللفظ والمعنى ، وقد أفاد البحراني من الوظائف الإعرابية ما يكشف عن الدلالات التركيبية في النصّ ، من تعريف وتنكير ، أو تقديم وتأخير ، أوحذف وذكر ، أو إضافة ، أو عود ضمير ، ومن أمثلة ذلك ماذكره البحراني من دلالة التنكير في قول الإمام عليهالسلام : «لَذَكَرَ ذَاكِرٌ» ، وأنّ السببَ في هذا التنكير ، أنّ فيه تصريحاً للدلالة على تزكية نفسه عليهالسلام ، وفيه تنفيذ لأمر الله تعالى بعدم تزكية النفس. 5 ـ حرص البحراني في دلالة حروف المعاني على بيان أهمّ الدلالات التي خرجت إليها هذه الحروف ، وانماز من بقية الشرّاح بتلمّس دلالة دقيقة لبعض الحروف في نصوصها ، من ذلك قوله : إنّ (الباء) في قول الإمام عليهالسلام : «أَنَا وَضَعْتُ فِي الصِّغَرِ بِكَلاَكِلِ العَرَبِ» للإلصاق ، والمعنى (ألصقتُ بهم الوضعَ والإهانة) وهو رأي انفرد به البحراني عن بقية الشرّاح. 6 ـ كان للبحث ردود على طائفة من آراء البحراني في شرحه ، بيّنها في أثناء عرض الأمثلة التي درسها في متن البحث. المصادر 1 ـ القرآن الكريم. 2 ـ الأصول في النحو : ابن السرّاج (أبو بكر محمّد بن سهل ت 316هـ) ، تحقيق د. عبد الحسين الفتلي ، مؤسّسة الرسالة ، بيروت ، ط 3 ، 1996 م. 3 ـ إعراب القرآن : النحّاس (أبو جعفر أحمد بن محمّد بن إسماعيل ت 338هـ) ، تحقيق د. زهير غازي زاهد ، عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية ، بيروت ، ط 2 ، 1985 م. 4 ـ أعيان الشيعة : محسن الأمين العاملي(ت 1371هـ) دار التعارف ، بيروت ، (د. ت). 5 ـ الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويّين البصريّين والكوفيّين : أبو البركات الأنباري ، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد ، مطبعة السعادة ، القاهرة ، ط4 ، 1961م. 6 ـ أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والإحساء والبحرين : البلادي (علي بن حسن ت 1340 هـ) ، مطبعة النعمان ، النجف الأشرف ، 1377هـ. 7 ـ بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة : التستري (محمّد تقي بن كاظم ت 1415هـ) ، منشورات مكتبة الصدر ، طهران ، (د. ت). 8 ـ تأسيس الشيعة : حسن الصدر (ت 1354هـ) شركة النشر والطباعة العراقية المحدودة ، العراق ، (د. ت). 9 ـ تاج العروس من جواهر القاموس : الزَّبيدي (السيّد محمّد مرتضى الحسيني ت 1205 هـ) ، تحقيق عبد الستّار أحمد فرّاج ، مطبعة حكومة الكويت ، 1965م. 10 ـ التبيان في إعراب القرآن : أبو البقاء العكبري (عبد الله بن الحسين ت 616هـ) ، تحقيق علي محمّد البجاوي ، دار الشام للتراث ، بيروت (د. ت). 11 ـ توضيح نهج البلاغة : الشيرازي (السيّد محمّد بن المهدي ت2000م) ، طبعة قم ، 1410هـ. 12 ـ حدائق الحقائق في فسر دقائق أفصح الخلائق : الكيدري (أبو الحسين محمّد بن الحسين ت ق 6 هـ) ، تحقيق عزيز الله العطاردي ، طهران 1375 هـ. 13 ـ الدرّة النجفية : الخوئي (إبراهيم بن الحسين ت 1325هـ) طبعة تبريز 1293هـ. 14 ـ روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات : الخوانساري (محمّد باقر ت 1313هـ) ، مكتبة إسماعيليان ، قم ، 1392هـ. 15 ـ شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك : ابن عقيل (عبد الله بن عقيل ت769هـ) ، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد ، مكتبة دار التراث ، القاهرة ، ط 20 ، 1980م. 16 ـ شرح الرضي على الكافية : الرضي الاسترابادي (رضي الدين محمّد بن الحسن ت 686هـ) ، تحقيق وتعليق د. يوسف حسن عمر ، منشورات جامعة قار يونس ، بنغازي ، ط 2 ، 1996م. 17 ـ شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد المعتزلي (عزّ الدين عبد الحميد بن محمّد ت 656هـ) تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم ، مؤسّسة إسماعيليان ، طبعة قم ، (د. ت). 18 ـ شرح نهج البلاغة : محمّد أبو الفضل إبراهيم ، بيروت ، 1416هـ ـ. 19 ـ شرح نهج البلاغة : محمّد عبده ، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد ، مصر ، (د. ت). 20 ـ شرح نهج البلاغة : ميثم البحراني ، مطبعة أنوار الهدى ، طبعة قم ، ط 1 ، 1427هـ. 21 ـ شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي : علي أنصاريان ومرتضى حاج عليّ ، طهران ، 1458هـ. 22 ـ طبقات أعلام الشيعة في القرن السابع المعروف بـ : (الأنوار الساطعة في المائة السابعة) : آقا بزرك الطهراني ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 1430هـ. 23 ـ في ظلال نهج البلاغة ـ محاولة لفهم جديد : محمّد جواد مغنية ، دار العلم للملايين ، بيروت ، ط 2 ، 1978م. 24 ـ القاموس المحيط : الفيروزآبادي (مجد الدين محمّد بن يعقوب ت 817هـ) ، دار الجيل ، بيروت ، 1952 م. 25 ـ كتاب سيبويه : سيبويه (أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر ت 180هـ) ، تحقيق وشرح : عبد السلام محمّد هارون ، مكتبة الخانجي ، القاهرة ، ط 3 ، 1988 م. 26 ـ الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل : الزمخشري (جار الله أبو القاسم محمود بن عمر ت 538 هـ) ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 1947م. 27 ـ الكنى والألقاب : عبّاس القمّي (ت1359هـ) تقديم محمّدهادي الأميني ، النجف ، 1970م. 28 ـ لؤلؤة البحرين : البحراني (يوسف بن أحمد ت 1186هـ) ، مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام ، طبعة قم ، (د. ت). 29 ـ لسان العرب : ابن منظور (جمال الدين محمّد بن مكرم ت711هـ) ، تحقيق عبد الله علي الكبير ومحمّد أحمد حسب الله وهاشم محمّد الشاذلي ، دار المعارف ، القاهرة ، (د. ت). 30 ـ مصادر نهج البلاغة وأسانيده : عبد الزهراء الخطيب الحسيني ، مطبعة القضاء في النجف الأشرف ، ط 1 ، 1966م. 31 ـ معاني القرآن وإعرابه : الزجّاج (أبو إسحاق إبراهيم بن السرّي ت 311هـ) ، شرح وتحقيق : عبد الجليل عبده شلبي ، عالم الكتب ، بيروت ، ط 1 ، 1988م. 32 ـ معجم رجال الحديث : السيّد أبو القاسم الخوئي (ت 1413هـ) ، مطبعة الآداب ، النجف الأشرف ، ط1 ، (د.ت). 33 ـ المقتضب : المبرّد (أبو العبّاس محمّد بن يزيد ت 285هـ) ، تحقيق : محمّد عبد الخالق عضيمة ، القاهرة ، ط 3 ، 1994 م. 34 ـ منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة : الخوئي (حبيب الله بن السيّد محمّد الموسوي ت1324هـ) تصحيح : إبراهيم الميانجي ، منشورات المكتبة الإسلامية طهران ط4 (د. ت). 35 ـ منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة : الراوندي (قطب الدين سعيد بن هبة الله ت 573هـ) ، تحقيق : عبد اللطيف الكوهكمري ، عنيت بطبعه مكتبة المرعشي ، قم ، 1406هـ. 36 ـ نهج البلاغة : تحقيق : د. صبحي الصالح ، مطبعة وفا ، إيران ، قم ، 1429هـ.
المصدر: أحمد راضي جبر / هاشم جعفر حسين الموسوي - مجلة تراثنا ..
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video