معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

المنهج الموسوعي في الفقه الإمامي (الحدائق والجواهر أنموذجاً) ..

المنهج الموسوعي في الفقه الإمامي (الحدائق والجواهر أنموذجاً)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيّدنا محمّد المبعوث هدىً ورحمةً للعالمين وعلى آله وعترته الطيّبين الطاهرين.
تُعتبر التعاليم الإلهية في غاية الدقّة والمتانة ، وهي شاملة لكلّ زمان ومكان ، بل لاتخلو أيّ واقعة من حكم شرعي يخصّها ، لأنّ المشرّع هو الحكيم العليم ، وبما أنّ الشريعة الإسلامية هي خاتمة الشرائع الإلهية فقد جاءت مستوعبة لكلّ ما يحتاجه الإنسان من قوانين وأحكام تنظّم حياته في جميع الأصعدة وعلى شتّى المجالات ؛ ومن هنا جاء دور الفقه والفقهاء في التصدّي لهذه المهمّة والتي هي في غاية الأهمّية والمتمثّلة في استنباط تلك الأحكام الإلهية من مظانّها الشرعية ، وقد دُوّنت من أجل ذلك المُدوّنات والموسوعات الفقهية على مرّ العصور وتعاقب الدهور.
ومن المعلوم بداهة إدراك الدور الكبير الذي يلعبه المنهج الفقهي الموسوعي في حفظه لمعالم الشريعة وقوانينها من خلال تناوله لبيان جميع الأحكام الشرعية ذات الصلة والمتعلّقة بمختلف شؤون الحياة وعلى جميع الأصعدة وشتّى المجالات ، مستَنبَطة من أدلّتها ضمن الضوابط المقرّرة لعملية الاستنباط ؛ ولذا يعتبر هذا البحث من الأهمّية بمكان.
وإنّ معرفة المنهج الفقهي الموسوعي لكلٍّ من كتابَي الحدائق والجواهر كنموذج لهذا المنهج لكونهما يمثّلان أضخم موسوعتين فقهيّتين استدلاليّتين في الفقه الإمامي ، أحدهما يمثّل المدرسة الأخبارية أو ما يعرف بمدرسة المحدِّثين ، بخلاف الثاني أي: مدرسة الأصوليّين أو ما يُصطلَح عليهم بالمجتهدِين.
واعتمدت في هذا البحث على المنهج التوسّعي التحليلي ، وذلك بتتبّع متون كلّ من الكتابين وذكر بعض التطبيقات الفقهية ومن ثمّ إعطاء النتائج عن المنهجية.
لا شكّ ـ وباعتبار أهمّية الموضوع ـ أنّ هناك بعض البحوث والمقالات التي تطرّقت لذكر المناهج الفقهية لدى علماء الطائفة بصورة عامّة والتي يدخل في ضمنها ما هو مورد البحث أعني الموسوعية منها بشكل خاصّ ، بل هناك بعض الدراسات الخاصّة التي سلّطت الأضواء على التعريف ببعض المناهج الفقهية الموسوعية المعيّنة ، بيد أنّني لم أعثر على من كتب في خصوص مورد هذا البحث ، أعني منهجية كلّ من الكتابين المذكورين بما يمثّلانه من مدرستين فقهيّتين عرفتا بالخلاف الشديد في وجهة النظر فيما يتعلّق بعملية الاستنباط الفقهي سواء أكان من حيث ضبط الأدلّة وتحديدها أم من حيث طريقة التعامل معها وكيفيّة الاستدلال بها على الأحكام الفرعية الفقهية.
وفي هذا الصدد أرى أنّ من المناسب الإشارة إلى ما قام به الشيخ خالد العطية من دراسة له قيّمة خصّصها عن حياة المحدّث البحراني وعن سيرته العلمية وعصره وعصر مدرسته الأخبارية، وذكر أبرز علماء تلك المدرسة وما يميّزها عن المدرسة الأصولية فقهاً وطريقةً واستنباطاً ، وكذا تطرّق لبيان منهجه في كتابه الحدائق سواء أكان في بحث مسائل الكتاب المتفرّقة وطريقة استنباط الحكم الشرعي منها على ضوء منهجه الأخباري ، أم في الخصائص العامّة للكتاب، والتي تميّزه عن غيره ممّا كان قد أُلِّف في هذا الحقل الفقهي لعلماء آخرين بما في ذلك الأخباريّين منهم ، وقد أشار في هذا الصدد إلى نكات مهمّة لعلّه لم يكن قد أشير إلى الكثير منها ـ حسب التتبّع القاصر ـ من قِبَل أحد ممّن سبقه ، وبذلك يُعدّ ما قدّمه في بحثه ودراسته تلك جهداً موفّقاً.
كما وأُشير أيضاً لما كتبه يراع المحقّق السيّد زهير الأعرجي في هذا المجال ، إذ تطرّق هو الآخَر ولكن بنحو الاختصار وفي بضع صفحات لمنهجية كلٍّ من صاحب الحدائق والجواهر ، وذلك في ضمن دراسة له مُمَنهَجة ومفصَّلة خصّصها عن بيان مناهج الفقهاء في المدرسة الإمامية ، موضِّحاً خلالها منهجيّتهما في كلٍّ من الكتابين المذكورين عن طريق ذكر بعض التطبيقات التي أوردها من نصّ الكتاب ، وأيضاً يُعدّ ما قام به على اختصاره جهداً مشكوراً.

وكذا لا يفوتني أن أشير إلى ما تناوله الباحث السيّد محمّد الحسيني في سلسلة دراسات فقهية له تحت عنوان: (فقهاء ومناهج) ركّز فيها القول على جملة من النقاط الأساسية المعتمدة في منهج بعض العلماء والتي شكّلت إسهاماتهم الفقهية دفعاً للعملية الاستنباطية ، ومن أولئك الذين تناولهم البحث ـ وبشكل مختصر ـ الشيخ محمّد حسن النجفي صاحب الجواهر ، وقد أجاد فيما أفاد ـ على اختصاره ـ بحثاً ودراسة.

الفصل الأوّل
المناهج الموسوعية الفقهية في المدرسة الإمامية
المبحث الأوّل
أهمّ المناهج الموسوعية في الفقه الإمامي
مقدّمة :
قلنا سابقاً : إنّ المنهج الموسوعي هو المنهج الذي يعرض الأحكام الشرعية مع أدلّتها التفصيلية ببحث ونقاش علميّين ، وذلك على نحو الإحاطة بالأدلّة الشرعية من الآيات القرآنية والروايات المسندة والمباني المؤيّدة وسائر الأمارات والأصول الشرعية والعقلية المعتبرة ، بحيث تتّسع المسائل الفقهية لمساحات من البحث العلمي وتستقصي المسألة جُلّ فروعها وتقع مورداً للبحث والنقض والمناقشة والاستدلال.
ولا شكّ أنّ بناء المنهج الموسوعي يرجع فضله إلى عصبة من فقهاء الإمامية الأجلاّء ، ذلك بمثابرتهم في فهم أفق الشريعة الواسع ، واستحداثهم أسلوب البحث العلمي عن الدليل ، ومن ذلك : الشمولية والاستيعاب عند الشيخ النجفي في جواهر الكلام ، ونقد الروايات ومؤاخاة الآراء عند الشيخ البحراني في الحدائق الناضرة ، ومناقشة الآراء الفقهية بعد عرضها عند السيّد جواد العاملي في

مفتاح الكرامة ، والتفصيل في شرح المسائل الفقهية عند الفاضل الهندي في كشف اللثام ، ودقّة نقل الرواية وقوّة الاستدلال عند السيّد محمّد العاملي في مدارك الأحكام ، وكثرة التفريعات وتشعّبها عند الشيخ النراقي في مستند الشيعة(1).
ومن أجل فهم طريقة تلك المناهج الفقهية في المدرسة الإمامية ومقدار ما تحويه من قيمة علمية وفقهية وتاريخية لذلك المصدر، انتخبنا ذكر بعض منها باختصار من باب الأمثلة للتدليل على طبيعة تلك المناهج وطرق الفقهاء فيها كمقدّمة لما نرومه من بحثنا عن المنهج الموسوعي في كلّ من كتابي الحدائق والجواهر.
منهج السيّد العاملي في كتابه مدارك الأحكام :
كتاب مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام للسيّد السند والركن المعتمد السيّد محمّد بن علي الموسوي العاملي الجبعي (ت1009هـ) في ثماني مجلّدات.
ذاع صيت الكتاب في الحوزات العلمية ومنه أخذ المصنّف اسمه ونسبته ، فيقال له : السيّد محمّد صاحب المدارك ، وهو من أحسن الكتب الفقهية الاستدلالية كما عبّر عنه الأفندي في رياضه(2) والخوانساري في روضاته(3) ،
__________________
(1) مناهج الفقهاء ، مجلّة تراثنا ، العدد 102 / 11.
(2) رياض العلماء 5 / 132.
(3) روضات الجنّات 7 / 45.

والكتاب بمنزلة التتمّة لكتاب المسالك ، لأنّه مختصر في العبادات ومطوّل في المعاملات ، وقد خرج منه العبادات في ثلاثة مجلّدات ، وكان فراغ مؤلّفه منه سنة (998هـ).
ويمتاز هذا الكتاب بمتانة الاستدلال والاعتماد على الروايات المسلّمة الاعتبار ، ومن هذه الروايات يختار ما كانت دلالتها واضحة وينتقي من الأدلّة العقلية ما كان متسالماً عليه.
ومن مميّزاته أيضاً أنّه ينقل الرواية بكاملها مع الدقّة في نقلها ، ولذا كان من الكتب المعتمدة في نقل الرواية وقوّة الاستدلال(1).
وكان من منهج المصنِّف ومبناه هو اعتقاده بضعف ما يرويه غير الإمامي الاثني عشري أيّاً ما كان ، ولذلك تعرّض إلى بعض الانتقادات ، ومنها انتقاد الشيخ البحراني للمصنّف بأنّه قد سلك في الأخبار مسلكاً وعراً ونهج منهجاً عسراً ، قال قدّس سرّه ما لفظه :
«فإنّه [صاحب المدارك] ردّ أكثر الأحاديث من الموثّقات والضعاف باصطلاحه ، وله فيها اضطراب كما لا يخفى على من راجع كتابه ، فيما بين أن يردّها تارة ، وما بين أن يستدلّ بها أخرى ، وله أيضاً في جملة من الرجال مثل إبراهيم بن هاشم ومسمع بن عبد الملك ونحوهما اضطراب عظيم ، فيما بين أن يصف أخبارهم بالصحّة تارة وبالحسن أخرى ، وبين أن يطعن فيها ويردّها ، يدور في ذلك مدار غرضه في المقام ، مع جملة من المواضع التي سلك فيها سبيل
__________________
(1) مقدّمة مدارك الأحكام 1 / 37.

المجازفة ، كما أوضحنا جميع ذلك ممّا لا يرتاب فيه المتأمّل في شرحنا على كتاب المدارك الموسوم بـ : تدارك المدارك ، وكتاب الحدائق الناضرة»(1).
ورُدَّ ذلك بأنّ المصنّف لم يضطرب مبناه ، والتمسّك بالمبنى الأصولي أو الفقهي أو الرجالي لا يدلّ على الاضطراب ، فقد يَردُّ المصنّفُ روايةً معيّنةً ولكن يستدلّ بها إذا كانت مشهورة عند الفقهاء ، فالمبنى عنده هو الأخذ بعمل الأصحاب لا الأخذ بالرواية ، وهذا الفارق ينبغي ملاحظته في مباني الفقهاء(2).
منهج الفاضل الهندي في كتابه كشف اللثام :
كتاب كشف اللثام عن قواعد الأحكام ـ والذي يُسمّى أيضاً : كشف اللثام والإبهام عن قواعد الأحكام ، و : كشف اللثام عن حدود قواعد الأحكام ، بل وصفه المصنّف في مقدّمة الكتاب بـ : كشف لثام الإبهام وظلام الأوهام عن خرائد قواعد الأحكام(3) ـ للشيخ بهاء الدين محمّد بن الحسن الأصفهاني المعروف بالفاضل الهندي المتوفّى (1137هـ) ، في عشرة مجلّدات.
وهو كتاب فقهي استدلاليّ موسّع ، ذكر فيه مصنّفه آراء أعمدة المذهب من فقهاء الإمامية المتقدّمين منهم والمتأخّرين بشكل مختصر وبأسلوب فنّي متين ، فامتاز باستيعابه الآراء الفقهية عند فقهاء الشيعة وعرضها باختصار ، فأضحى
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 45.
(2) انظر : مناهج الفقهاء ، مجلّة تراثنا ، العدد 102 / 40. و : مقدّمة مدارك الأحكام : 38.
(3) كشف اللثام 1 / 105.

السِّفْر الذي لايُستغنى عنه والمصدر الذي سدّ فراغاً في المكتبة الفقهية طالماً ظلّ شاغراً.
وقد تصدّى المحقّق الكركي مؤسّس المسلك الفقهي الاستدلالي ـ والذي يُعدّ الفاضل الهندي من أتباع هذا المسلك ـ لشرح كتاب القواعد قبل الفاضل الهندي ، وسمّاه : جامع المقاصد في شرح القواعد ، ولكنّه لم يتمّه بل توقّف إلى نصف كتاب النكاح من القواعد ، وكان هذا هو السبب الذي دفع بالفاضل الهندي للشروع في كشفه للثامه من كتاب النكاح ، وكان تاريخ الانتهاء من شرح كتاب النكاح هو عشرين ربيع الثاني سنة (1096هـ) وكان عمر الفاضل آنذاك 34 سنة ، أمّا كتاب الإرث فتمّ في سنة (1098هـ) ، وبعد أنّ أتمّ أبواب القواعد إلى الأخير فكّر بشرح الأبواب الأولى منه ، فكان تاريخ ختم كتاب الطهارة جمادى الأولى سنة (1105هـ) وتاريخ إتمامه كتاب الحجّ 16 شوّال (1110هـ)(1).
ولكتاب كشف اللثام تأثير مهمّ في الكتب الفقهية المتأخّرة عنه ، والسرّ في ذلك هو كثرة الأقوال المنقولة في هذا الكتاب من الكتب الفقهية للمتقدّمين ، وقد استطاع المؤلّف أن يجمع أكبر عدد ممكن من الكتب ، فكان ينقل عنها مباشرة وبلا واسطة ، وكثرة النقولات هذه مثيرة للدهشة والتعجّب.
ويعتبر الفاضل الهندي في منهجه الموسوعي الاستدلالي الخلف لفقهاء الشيعة المعتمدين ، وهو وإن لم يبتدع طريقة جديدة في الفقه الشيعي لكنّه في طرحه للفروع والاستدلال لها بأدلّة جديدة يعدّ سعياً منه جديراً بالإكبار والتبجيل ،
__________________
(1) مقدّمة كشف اللثام 1 / 47.

والشاهد على ذلك هو اعتماد صاحب الجواهر عليه اعتماداً أساسيّاً في كتابه الجواهر بشكل حتّى قيل : إنّه لم يستغنِ في أيّ فصل من فصول الكتاب عن كشف اللثام ، واستفاد منه أيضاً صاحب رياض المسائل استفادة كبيرة ، وبهذا يعدّ كشف اللثام من مصادر رياض المسائل أيضاً(1).
ابتدأ المصنِّف شرحه على قواعد الأحكام بكتاب النكاح وما تلاه من الكتب الفقهية ، فقد جاء الكتاب ليتمّم كتاب جامع المقاصد في شرح القواعد ، ثمّ عاد مبتدئاً بكتاب الطهارة ثمّ الصلاة حيث توقّف في نهاية مبحث (ما يوجب إعادة الصلاة) ، وعليه فهذه الدورة الفقهية ناقصة لبعض الكتب ، ككتاب الزكاة والخمس والأنفال والصوم والمتاجر وكتب أخرى.
ويمكن ملاحظة طريقة المصنّف في تسلسل الأفكار وضغط العبارة ونقل الآراء المتفاوتة بحيث تبدو ظاهراً وكأنّها فقرة واحدة منسجمة في الترتيب والعرض.
منهج السيّد العاملي في كتابه مفتاح الكرامة :
كتاب مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاّمة الذي سجّله يراع الفقيه المحقّق والعالم المدقّق السيّد محمّد جواد العاملي المتوفّى (1226هـ) ، وهو أيضاً من الكتب الفقهية الموسوعية الاستدلالية ، ويعدّ الكتاب المذكور من أشهر وأوسع وأنفع ما كتب من شروح على كتاب قواعد الأحكام للعلاّمة الحلّي ، ذلك
__________________
(1) جعفريان ، رسول ، مقدّمة كشف اللثام 1 / 49.

لأنّ المؤلّف إنّما أعدّه للاستيفاء الشامل لأقوال الفقهاء المتقدّمين منهم والمتأخّرين ولمواقع إجماعاتهم وموارد الاشتهارات المدوّنة في بطون مصنّفاتهم ، حتّى أضحى مصدراً من مصادر فقه الشريعة الإسلامية وأحد الموسوعات الفقهية الضخمة للطائفة الإمامية ، وصار مورداً لاعتماد أساتذة الفقه ومعلّميه في ذلك الزمان عليه في نقل الإجماع والشهرة ونقل الأقوال الواردة في كلّ مسألة فقهية ، فهذا صاحب جواهر الكلام الذي لم يسبق له نظير في تأريخ تأليف فقه الشيعة اعتمد في نقل الأقوال والإجماع والشهرة على كلّ مورد نقله صاحب مفتاح الكرامة.
ذكر المحقّق للكتاب عن بعض مشايخه الفضلاء عن العلاّمة الفقيه المحقّق آية الله آقا حسين الطباطبائي البروجردي أنّ هذا الكتاب كان مرجعاً لصاحب الجواهر في تحقيقاته الفقهية كثيراً ، وقال رحمه الله : «إنّه لم يكن معروفاً في حوزة قم المباركة قبل نزول السيّد البروجردي تلك البلدة ، وهو الذي عرّف هذا الكتاب وكتاب كشف اللثام للفاضل الهندي بين محصّلي علوم الدين ومحقّقي مسائل الشريعة»(1).
ألّفه على ما صرّح به نفسه في أوّل الكتاب بأمر من شيخه وأستاذه الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، حيث كان طلب منه أن يؤلّف كتاباً يذكر فيه جميع الأقوال الواردة في كلّ المسائل الفقهية ، وينقل في كلّ مسألة من تلك المسائل الإجماعات والشهرات المذكورة أو المنقولة في كتب الفقهاء ، وجعل عليه أن
__________________
(1) مقدّمة مفتاح الكرامة 1 / 10.

يصرّح فيه بأسامي مصادر تلك الأقوال والإجماعات ويذكر فيه الدليل الذي لم يتعرّض له الأصحاب.
ما ذكره المصنّف في خطبة الكتاب :
«وقد امتثلت أمر سيّدي وأستاذي ومَن عليه بعد الله سبحانه وأوليائه صلّى الله عليهم معوّلي واعتمادي الإمام العلاّمة المعتبر المقدّس الحبر الأعظم الشيخ جعفر جعلني الله تعالى فداه وأطال الله تعالى للمؤمنين بقاءه ، قال أدام الله تعالى حراسته : أحبّ أن تعمد إلى قواعد الإمام العلاّمة أعلى الله تعالى في الجنان مقامه فتنظر إلى كلّ مسألة اختلفت فيها كلمات الأصحاب وتنقل أقوالهم وتضيف إلى ذلك نقل شهرتهم وإجماعهم ، وتذكر أسماء الكتب التي ذكر فيها ذلك ، وإذا عثرت على دليل في المسألة لم يذكروه فاذكره ومتنه ، واذكر عند اختلاف الأخبار مذاهب العامّة على وجه الاختصار ، ليكمل نفعه ويعظم وقعه ... فامتثلت أمره الشريف ورجوته أن يسعفني بدعائه الصالح المقبول ، وفوّضت أمري إلى الله وتوكّلت على الله ولاحول ولاقوّة إلاّ بالله»(1).
وبالفعل فقد عُرف مصنّف الكتاب بغزارة الاطّلاع وسعة البال والضبط والإتقان وخبرته الطويلة في مجالي الفقه والأصول ، حتّى قال عنه صاحب روضات الجنّات : «كان من فضلاء الأواخر ومتتبّعي الأكابر»(2) وقال في وصف
__________________
(1) مفتاح الكرامة 1 / 18.
(2) روضات الجنّات 2 / 216 ، ترجمة (179).

كتابه : «لم يرَ عين الزمان أبداً بمثله كتاباً مستوفياً لأقوال الفقهاء ومواقع الإجماعات وموارد الاشتهارات وأمثال ذلك من غير خيانة في شيء منها، والاجتهاد له في فهم ذلك كما هو عادة تلميذه بما لا مزيد عليه لكلّ مَن يريد اجتهاداً في مسألة من مسائل الفقه»(1).
يحتوي الكتاب على جميع كتب الفقه عدا مقدار من كتاب الزكاة وتمام كتاب الخمس والحجّ والصوم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسبق والرماية وبعض الوصايا وكتب متفرّقة أخرى.
نقل المصنّف عن ابن عقيل وابن الجنيد والشيخ المفيد والسيّد المرتضى والشيخ الطوسي والعلاّمة الحلّي ، وما وجده في المقنع والهداية والنهاية والخلاف والمبسوط ، وروايات الكافي والاستبصار والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه ، وكذا ما وجده في التذكرة والتحرير والمختلف والمنتهى وغيرها من تصنيفات الطائفة ومصنّفيهم.
ومنهجه يبدأ بتقديم نصّ القواعد ثمّ يعقبه بما وافقه من كتب الفقهاء ، ثمّ ينقل الإجماع والشهرة ، ثمّ يُذكّر بحجّة المخالِف وأدلّته ، ثمّ ينهي القول بإبداء رأيه بديباجة : قلتُ(2).
منهج المولى النراقي في كتابه مستند الشيعة :
كتاب مستند الشيعة في أحكام الشريعة للمولى أحمد بن محمّد مهدي بن
__________________
(1) المصدر السابق 2 / 217.
(2) مناهج الفقهاء ، مجلّة تراثنا ، العدد 102 / 30.

أبي ذر النراقي الكاشاني المتوفّى سنة (1245هـ) في عشرين مجلّداً ، من كتب الفقه الموسوعي الاستدلالي.
لقد صنّف فقهاؤنا العظام الكثير في الفقه الاستدلالي الموسوعي ، ولكلّ واحد من تلك الكتب سماته ومميّزاته من متانة الاستدلال والجامعية وكثرة التفريعات ونقل الأقوال وغيرها ، وقد حاز مستند الشيعة على كلّ هذه الامتيازات بالإضافة إلى ذلك الدقّة البليغة والأسلوب العميق مع فرز جهات المسألة وجوانبها المختلفة وبيان تعارض الآراء وأسانيدها بالنقض والإبرام.
يقوم المصنّف في الغالب وبعد أن يعرّف موضوع البحث بالاتّكاء على وسادة فتاوى بقيّة الفقهاء عن طريق إجماعهم على ذلك أو عن طريق تسمية آرآئهم في كتبهم المعروفة ، وغالباً ما يستدلّ بالآيات والروايات الصحيحة المسندة عنده ، ولو كان هناك ضعف في سند الرواية فإنّه قد يأخذ بها لأنّها منجبرة بعمل الأصحاب ، وعندها يكون ملزَماً بالتصريح بمنهجه بالخصوص ، وعندما يتهيّأ له ثبوت الدليل وقوّته يقوم عندئذ بنسف حجّية الدليل الأضعف عبر دحضه من مختلف الجهات العلمية ، كحمله على التقية ، أو منافاته للإجماع المتّفق عليه ، أو القصور في فهم الأخبار العلاجية ، أو فقدان المرجّحات المنصوصة ، وربّما استدلّ بالقرائن الموضوعية أو الشرعية والقواعد الأصولية كالاستصحاب.
ذكر بعض الأعلام في مقدّمة الطبعة الحجرية للكتاب بأنّه لايعادله كتاب في الجامعية والتمامية ، لاشتماله على الأقوال مع الإحاطة بأوجز مقال ، من غير قيل وقال ، وارتجاله في الاستدلال وما به الإناطة بأخصر بيان ومثال ، من دون خلل وإخلال ، فلقد أجمل في الإيجاز والإعجاز وفصّل في الإجمال حقّ الامتياز ،

فهو بإجماله فصيل وفي تفصيله جميل ، سيّما كتاب القضاء وما فيه من الفصل والقضاء ، فقد اشتهر بين الفضلاء أنّه لم يكتب مثله.
ثمّ إنّه لايدع برهاناً أو دليلا إلاّ واستقراه واستقصاه إثباتاً لمختاره ومدّعاه ، غير غافل عن التعرّض لما تمسّك به للأقوال الأخرى من الوجوه والأسانيد ، خائضاً فيها خوض البحر المتلاطم ، ناقضاً عليها بألوان الوجوه والحجج ، ولعلّ ما يكسب الكتاب قيمة ومكانة تفرّسه رحمه‌الله في سائر العلوم كالفلك والرياضيّات ، وترى آثار هذه المقدرة الفذّة بارزةً في بحث القِبلة وكتاب الفرائض والمواريث وغيرها من المباحث التي اشتمل عليها الكتاب.
والمشهور والمعروف عن مستند الشيعة أنّه اختصّ وامتاز بكثرة تفريعاته إلى غاية ما يمكن ، وذلك بعد تحقّق أصل المسألة عنده وإثبات مشروعيّتها ، وتراه على سبيل المثال لا الحصر في مبحث الخمس لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من أهله عليه‌السلام دون غيرهم يذكر أوّلاً اعتبار السيادة أو عدمها ، ثمّ يعرِّف السادة ويبيّن أدلّة استحقاقهم الخمس ، ثمّ يتناول كيفية النسبة إلى بني هاشم ، هذا مع أنّه يذكر لكلّ فقرة من فقرات البحث الأقوال المختلفة فيها مع ذكر أدلّتها ، ثمّ الإشكال والردّ على المخالف منها وتدعيم وتوجيه المختار ، وحكي عن الفقيه المتتبّع السيّد محمّد كاظم اليزدي الطباطبائي صاحب الأثر الجليل العروة الوثقى أنّه كان يراجع كتاب المستند في تفريعاته الفقهية ويأمر تلامذته بالاستخراج منها(15).
__________________
(1) انظر : مقدّمة مستند الشيعة ، الطبعة الحجرية : 2. و : مقدّمة مستند الشيعة ، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام : 12. و : مناهج الفقهاء ، مجلّة تراثنا ، العدد 102 / 43.

زبدة المخض :
وبالإجمال يمكن القول واستناداً لما مرّ ذكره وبيانه أنّ المنهج الموسوعي في المدرسة الإمامية تميّز بالشمولية والسعة في فهم المسألة الفقهية والاستدلال عليها بالطريق المعهود بين الفقهاء عن طريق تطبيق الأصول على الفروع ، وقد ربط جميع أهل العلم والمعرفة قدماء الفقهاء بمتأخّريهم ولم يشذّ عن تلك القاعدة أحد ، فالفاضل الهندي ينقل ما قاله ابن أبي عقيل وابن الجنيد والصدوقان ، والشيخ الجواهري ينقل ما قاله الشيخ المفيد والسيّد المرتضى والشيخ الطوسي ، والسيّد العاملي ينقل ما قاله المحقّق الحلّي والعلاّمة والشهيد الأوّل والثاني. وهكذا نجد المدرسة الفقهية الاستدلالية الإمامية مترابطة ومتماسكة تماسكاً محكماً في الفتوى ونقل الأحكام وتسلسل الأفكار ونقد الآراء وتحكيم الأصول(1).
المبحث الثاني
نبذة عن كتاب الحدائق ومؤلّفه
المؤلّف :
هو العلاّمة المحدّث الشهير الشيخ يوسف، نجل العلاّمة الشيخ أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صالح بن أحمد بن عصفور ... البحراني الدرازي ، عالم
__________________
(1) مجلّة تراثنا ، العدد 102 / 51.

وفقيه ومحدّث ، عُدَّ من الأخباريّين المعتدلين في القرن الثاني عشر الهجري (أي ما بين : 1107 ـ 1186هـ) ، اشتهر بـ : (صاحب الحدائق) انتساباً لأثره الشهير : الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة.
وكان أبوه الشيخ أحمد من أجلاّء تلامذة الشيخ سليمان الماحوزي ، وقد ترجمه الشيخ يوسف في كتابه اللؤلؤة ووصفه بالمجتهد الفاضل الجليل الذي لايجاريه في البحث مجار ولايباريه فيه مبار ، مضيفاً على ذلك قوله بأنّه كان مجتهداً صرفاً كثير التشنيع على الأخباريّين(1).
الولادة :
يمكن القول : إنّ معظم من تطرّق لذكر ترجمة الشيخ المحدّث البحراني بما يرتبط بولادته ونشأته وعائلته وأسرته إنّما استند في أغلب ذلك على كتابه لؤلؤة البحرين ، حيث إنّه قدّس سرّه في أواخر هذا الكتاب بعنوان (تتمّة) ذكر نفسه وترجم حاله من حين الولادة ، وذكر بعض ما يرتبط بنشأته وسيرته وأحواله وأحوال عائلته وفاء لما كان قد وعد به(2).
وأنا بدوري أيضاً أنقل مقتبساً ممّا ذكره هناك مع بعض الإضافات التي وردت عن غيره ممّن ترجم له :
ذكر قدّس سرّه أنّ مولده كان في السنة السابعة بعد المائة والألف
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 93 و 98 ، ترجمة (37).
(2) لؤلؤة البحرين : 442.

(1107هـ) في قرية (الماحوز) إحدى قرى البحرين.
أمّا سبب كون الولادة في الماحوز مع أنّ أصله من قرية دراز (على بعد فرسخين ونصف جنوبي المنامة) فهذا ما أشار إليه في كتابه لؤلؤة البحرين ، فقد جاء فيها : «إنّ مولدي كان في سنة (1107هـ) في قرية الماحوز ، حيث إنّ الوالد كان ساكناً هناك لملازمته الدرس عند شيخه الشيخ سليمان»(1).
الحياة والنشأة :
وأمّا فيما يرتبط بنشأته فذكر أنّه أمضى مرحلة طفولته تحت إشراف جدّه الشيخ إبراهيم الذي كان يعمل في تجارة اللؤلؤ ، واتّخذ هذا الجدّ للحفيد معلّماً للقرآن وتعليم الكتابة في المنزل ، ثمّ بعد ذلك لازم الدرس عند والده ، والتزم أبوه ـ الذي كان على مسلك المجتهدين ومخالفاً بشدّة للأخباريّين ـ بتربيته العلمية.
قال في اللؤلؤة : «ورُبيت في حجر جدّي المرحوم الشيخ إبراهيم قدّس الله روحه ، وكان مشغولاً بأمر الغوص والتجارة في اللؤلؤ ... وانتحلني وربّاني وجعل لي معلّماً في البيت للقرآن وعلّمني الكتابة ... ثمّ لازمت الدرس عند الوالد قدّس سرّه ، إلاّ أنّه لم يكن لي يومئذ رغبة تامّة لغلبة جهالة الصبا ، وقرأت على الوالد كتاب قطر الندى وأكثر ابن الناظم»(2).
وتزامنت حياة الشيخ يوسف البحراني مع أحداث مهمّة ملؤها البلايا
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 442.
(2) لؤلؤة البحرين : 443 ـ 444.

والرزايا والفتن والمحن ممّا جعلته دائم الانتقال من مدينة إلى أخرى ، ففي بداية طفولته عايش الحروب القبلية بين قبيلتي الهولة والعتوب ، كما دارت حروب بين القوّات العمانية والإيرانية ، كما وعاصر الشيخ أيّام سقوط الحكومة الصفوية وانقراضها في إيران.
الهجرة إلى الحجاز :
في بداية الأمر هاجرت أسرته إلى معقل الشيعة القطيف على إثر الهجمات المتتالية لسلطان عُمان (الخوارج آنذاك) على البحرين ، وبقي هو في البحرين لحفظ ما في خزانة والده من كتب ، حيث كان والده قد كلّفه بجمع ما يمكنه جمعه من الكتب التي انتهبها الغزاة، ومن ثمّ إرسالها إليه ، لكنّه بعد السيطرة الكاملة للمهاجمين واحتراق منزل العائلة ترك البحرين والتحق بالأُسرة ، وبوفاة والده بعد أشهر من وصوله للقطيف تولّى مسؤولية رعاية أسرته، وكان عمره حينها يناهز الرابعة والعشرين عاماً ، وبقي في القطيف لمدّة سنتين تتلمذ خلالهما على يد الشيخ حسين الماحوزي (ت1181هـ) الفقيه المجتهد والمعارض لـلنهج الأخباري
الهجرة إلى إيران :
وبعد المصالحة بين حكومتي إيران وسلطنة عمان وتحرير البحرين عاد إلى الموطن ودرس عند العلماء هناك لعدّة سنوات ، وأخيراً بعد عودته من فريضة

الحجّ وتوقّفه في القطيف، اضطرّ أن يسافر إلى إيران بسبب الضغوط المالية واضطراب الأوضاع الداخلية في البحرين ، وذلك بعد سقوط الصفوية ومقتل السلطان الصفوي سنة (1140هـ).
ثمّ بعد إقامته القصيرة في مدينة كرمان سافر إلى شيراز التي حظي فيها باحترام حاكمها محمّد تقي خان وتكريمه له ، فتمكّن من قضاء عدّة سنوات مستقرّة وهادئة اشتغل فيها بالتدريس والتأليف وتأدية المهامّ الدينية.
جاء في اللؤلؤة : « ... ثمّ رجعت إلى البحرين وضاق بي الحال لما ركبني من الديون التي أوجبت لي الهموم بسبب كثرة العيال وقلّة ما في اليد ... ففررت إلى بلاد العجم وبقيت مدّة في كرمان ، ثمّ رجعت إلى شيراز ، فَوفَّق الله سبحانه فيها بالإكرام والإعزاز ، وعطف الله سبحانه على قلب سلطانها وحاكمها يومئذ ، فأكرم وأنعم ، جزاه الله تعالى بالإحسان»(1).
الإقامة في فسا :
اضطربت أوضاع شيراز الداخلية هذه المرّة ، فاجتيحت المدينة في العامين (1156هـ و 1157هـ) ، فتوجّه الشيخ إلى قصبة فسا آنذاك حيث أكرمه حاكمها وحظي فيها أيضاً بالطمأنينة وراحة البال ، وبقي فيها لمدّة قضاها في التأليف والتحقيق وبالزراعة لتحصيل الرزق ، وهناك بدأ في تاليف كتابه الحدائق وأوصله إلى باب الأغسال ، لكن ما لبث أن هاجم المدينة عليمردان سنة (1165هـ) وقتل
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 444.

حاكمها ، وتعرّضت المدينة للنهب ، فذهبت ممتلكات الشيخ وكتبه أدراج الرياح ، فهاجر إلى منطقة اصطهبانات ، ومن ثمّ إلى كربلاء.
قال في اللؤلؤة : « ... واستوطنت قصبة فسا بعد أن أرسلت العيال إلى البحرين ، وجددت عيالا من تلك البلاد ، فبقيت فيها مشتغلاً بالمطالعة ، وصنّفت هناك كتاب الحدائق الناضرة إلى باب الأغسال ، وأنا مع ذلك مشتغل بالزراعة لأجل المعاش والكفّ عن الحاجة إلى الناس»(1).
الإقامة في كربلاء :
انتقل الشيخ البحراني إلى مدينة كربلاء المشرّفة ، وحينها كانت البلدة تعدّ من أكبر معاهد العلم للشيعة ، وكانت تضاهي النجف بمعاهدها الدينية وعلمائها الأفذاذ ، وعلى رأسهم العلاّمة محمّد باقر بن محمّد أكمل المعروف بالوحيد البهبهاني مجدّد المذهب في القرن الهجري الثالث عشر.
وذكر المحقّق المتتبّع السيّد عبد العزيز الطباطبائي رحمه‌الله في مقدّمته على الحدائق أنّه لم يقف على تاريخ استيطانه كربلاء ، إلاّ أنّ الذي ظهر له من تاريخ بعض تأليفات الشيخ أنّه حلّ بها قبل عام (1169هـ) ، مضيفاً على ذلك قوله :
«ولمّا هبط كربلاء رحّب بقدومه أعلامها وسُرّ به فطاحلها ، فتوسّط أندية العلم وحلقات التدريس ، وانضوى إليه عِير(2) يسير من أولئك الأفذاذ يرتشفون
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 445.
(2) العِير : القافلة ، وهو في الأصل الإبل التي عليها الأحمال لأنّها تعير ـ أي: تتردّد ـ فقيل لأصحابها ، كقولهم : ياخيل الله اركبي ، مجمع البحرين 2 / 1296.

من بحر علمه المتدفّق ، كأربعة من المهديّين الخمسة ـ وهم من أشهر مشاهير تلامذة الأستاذ الأكبر ـ والعلمين الحجّتين صاحبَي الرياض والقوانين ، وغيرهم من كبار المجتهدين ممّن تخرّجوا عليه»(1).
ويظهر أنّه كان عازماً على البقاء في كربلاء إلى بقايا عمره وسنىّ حياته ، وأنّه وُفّق تمام التوفيق فيها مع ما أنعم الله عليه من راحة البال وسعة الرزق ، فأبدع وألّف وصنّف ودرَّس وأفاض وأفاد في تلك الفترة من حياته بالأخصّ ، وفيها شرع في إتمام تأليف كتابه الفخم الحدائق بعد ما كان ابتدأ تأليفه سابقاً ، مضافاً لمصنّفات أخرى له.
قال قدّس سرّه بعد ما ذكر فراره من قصبة فسا :
« ... فقدمت العراق وجلست في كربلاء المعلّى على مشرّفها وآبائه وأبنائه صلوات ذي العلى ، عازماً على الجلوس بها إلى الممات ... ووفّق الله سبحانه بمزيد كرمه وفضله العميم وحسن عوائده القديمة على عبده الخاطئ الأثيم بانفتاح أبواب الرزق مع جميع الآفاق ، وصرت بحمد الله فارغ البال مرفّه الحال ، فاشتغلت بالمطالعة والتدريس والتصنيف ، وشرعت في إتمام الحدائق الناضرة المتقدّم ذكره»(2).
الأخباري المعتدل :
يُعدّ المحدّث الشيخ يوسف البحراني من أحد أبرز العلماء المدافعين عن
__________________
(1) مقدّمة الحدائق : 1 / (ط).
(2) لؤلؤة البحرين : 445.

الطريقة الأخبارية في مجاليها الفقهي والحديثي ، وكذلك عُدَّ آخر شخصية جديرة بالذكر من أصحاب هذه الطريقة العلمية ، وقد ناظر بعض الاجتهاديّين المعاصرين له كما ذكر ذلك في المقدّمة الثانية عشرة من الحدائق(1).
وكما مرَّ في أوّل الترجمة فإنّه في الواقع كان من الأخباريّين المعتدلين في عصره ـ أي القرن الهجري الثاني عشر ـ ومن هنا قال في حقّه تلميذه الشيخ محمّد بن إسماعيل المازندراني المعروف بـ : (أبو علي الحائري) : «كان أخباريّاً صرفاً ثمّ رجع إلى الطريقة الوسطى ، وكان يقول : إنّها طريقة العلاّمة المجلسي غوّاص بحار الأنوار»(2).
وعلّق السيّد الأمين على ما ذكره الحائري بقوله : «وكأنّ مراده بالطريقة الوسطى ترك بعض ما يقوله الأخباريّون من أنّهم لايعملون إلاّ بالقطع وأنّ الأخبار قطعية وغير ذلك من الأمور ، وإلاّ فالرجل أخباريّ صرف لايدخل في شيء من طرق المجتهدين كما تشهد بذلك مصنّفاته ، نعم ربّما يكون قد ترك شيئاً من مقالاتهم فقيل فيه : إنّه كان على الطريقة الوسطى»(3).
ويُعدّ قول السيّد الأمين هذا شهادة منه أيضاً على اعتدالية الرجل في مذهبه الأخباري.
مقامه العلمي :
اهتمّ المحدّث البحراني بالتأليف والتصنيف وإعداد الطلبة وتدوين أجوبة
__________________
(1) الحدائق الناظرة 1 / 167.
(2) منتهى المقال 7 / 75 ، ترجمة (3286).
(3) أعيان الشيعة 10 / 317.

الاستفسارات الدينية وغير ذلك من النشاطات العلمية الدينية رغم كلّ الظروف التي أحاطت به وساقته إلى رحلات متعدّدة ، وقد نال إجازة الحديث من أساتذته ومن أربعة من مشايخ الحديث ، منهم : المولى رفيعا الجيلاني (ت1160هـ) الذي كان لديه إجازة من المجلسي ويوصل البحراني إلى المجلسي بعلوّ الإسناد(1).
لقد أثنى معظم كتّاب التراجم المتأخّرون على مكانته المرموقة في الفقه والحديث ، وأشاروا إلى كثرة تتبّعه وذاكرته القوية وزهده على الرغم من انتقاد البعض منهم لمنهجه العلمي ، كما وصفوا آثاره العلمية بأنّها مثمرة ومفيدة ، ومن هؤلاء الكتّاب :
تلميذه أبو علي المازندراني الحائري في منتهى المقال(2) ، والميرزا محمّد باقر الخوانساري في روضات الجنّات(3) ، والعلاّمة المامقاني في تنقيح المقال(4) ، والسيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة(5) ، والمحدّث عبّاس القمّي في الفوائد الرضوية(6) ، والشيخ آقا بزرك الطهراني في طبقات أعلام الشيعة(7) ، وغير هؤلاء من أعلام العلماء.
__________________
(1) الطباطبائي ، عبد العزيز ، مقدّمة الحدائق : 1 / (ل).
(2) منتهى المقال 7 / 75 ، ترجمة (3286).
(3) روضات الجنّات 8 / 203 ، ترجمة (750).
(4) تنقيح المقال 3 / 334.
(5) أعيان الشيعة 10 / 317.
(6) الفوائد الرضوية 2 / 1088.
(7) الكواكب المنتشرة : 828.

أساتذته ومشايخه في الرواية :
تتلمذ الشيخ قدس‌سره عند جماعة من العلماء قد ذُكرت أساميهم من قبل مترجميه ، لكن الذين عدّهم هو من مشايخه وأساتذته في كتابه اللؤلؤة أربعة ، وهم :
1 ـ والده الفقيه الشيخ أحمد البحراني ، وهو أوّل أساتذته بعد معلّم القرآن ، وقد ترجم له ابنه الشيخ يوسف في كتابه اللؤلؤة ـ كما تقدّم ـ ووصفه بقوله : «إنّه كان مجتهداً فاضلاً جليلاً وفقيهاً نبيلاً» مضيفاً له هذه السمة : «وكانت له مَلَكة في التدريس لم يسبق لها غيره ممّن رأيت وحضرت درسه من علماء عصرنا»(1).
وقد تقدّمت الإشارة إلى أنّه كان مجتهداً صرفاً كثير التشنيع على الأخباريّين. وإليك نصّ ما قاله الشيخ يوسف في حقّ والده بهذا الشأن :
«وكان الوالد نوّر الله تربته شديد التعصّب للمجتهدين ، جرى قلمه بالتعريض بالأخباريّين ، وقد عرّفت في المقدّمة الثانية عشرة من مقدّمات الكتاب ما هو الأليق بالعلماء الأنجاب من سدّ هذا الباب حذراً من طغيان الأقلام بمثل هذا الخطاب وانجراره للقدح في العلماء الأطياب»(2).
2 ـ الشيخ أحمد بن عبد الله بن الحسن البلادي البحراني. والظاهر أنّه كان من أوائل أساتذته كما يشير لذلك قوله في ترجمته للشيخ سليمان بن عبد الله البحراني : «وقد رأيت الشيخ المذكور [أي: الشيخ سليمان] وأنا يومئذ ابن عشر
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 94 ، ترجمة (37).
(2) الحدائق الناضرة 3 / 68.

سنين أو أقلّ ، وكنت في تلك الأيّام أقرأ في كتاب قطر الندى عند الشيخ أحمد ابن الشيخ عبد الله»(1).
3 ـ الشيخ عبد الله بن علي البلادي البحراني ، قال عنه الشيخ يوسف : «كان فاضلاً سيّما في الحكمة والمعقولات ، إلاّ أنّه كان قليل الرغبة في التدريس والمطالعة في وقتنا الذي رأيناه»(2).
4 ـ الشيخ حسين ابن الشيخ محمّد الماحوزي ، وهو عمدة مشايخه في علوم الفقه والحديث والكلام ، قال عنه في التذكرة : «شيخنا وأستاذنا الكامل جامع المعقول والمنقول ومستنبط الفروع من الأصول ، الجامع بين درجتي العلم والعمل ... ومن العجب أنّه قدّس سرّه مع غاية فضله لم يكن له ملكة التصنيف ولم يبرز له شيء في قالب التأليف»(3).
مشايخ الرواية :
ومضافاً لأساتذته ومشايخه ممّن تلمَّذ عليهم ودرس عندهم وحضر درسهم فإنّ له أيضاً شيوخاً في الإجازة والرواية يروي عنهم بطرقهم الكثيرة
تلاميذه :
زاول الشيخ البحراني التدريس مدّة مديدة من حياته في شيراز وكربلاء ،
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 10 ، ترجمة (2).
(2) لؤلؤة البحرين : 72 ، ترجمة (25).
(3) لؤلؤة البحرين : 6 ، ترجمة (1).

فما كان يحلّ في مكان إلاّ وتراه مثابراً معطاءً تلتفّ حوله جموع الفضلاء من روّاد العلم للاستفادة من فيض علمه ، وقد تتلمذ على يديه كثير ممّن أصبحوا بعد ذلك من كبار العلماء ، غير أنّ التاريخ كما يقول مترجمه السيّد عبد العزيز الطباطبائي أهمل ذكر جميع من تلمّذوا له وتخرّجوا على يديه في أثناء إقامته في إيران ولاسيّما معهدها الديني شيراز ، كما أنّه قصّر في ضبط الكثير من أولئك الجموع الغفيرة الذين تخرّجوا على يديه في مقرّه الأخير كربلاء ، حيث لبث بها أستاذاً ومرجعاً دينيّاً ما يقرب من عشرين سنة ، ولعلّ من أبرز هؤلاء التلاميذ ممّن وصل إلى الزعامة الدينية وصدرت عنه المؤلّفات المشهورة :
1 ـ السيّد محمّد مهدي ابن السيّد مرتضى المعروف ببحر العلوم ، صاحب المؤلّفات العديدة ، أشهرها المصابيح في الفقه ، وكتاب الرجال المعروف بـ : رجال بحرالعلوم.
2 ـ الملاّ أحمد النراقي صاحب كتاب مستند الشيعة ، وهو ابن المحقّق محمّد مهدي النراقي صاحب كتاب جامع السعادات.
3 ـ الشيخ أبو علي الحائري المازندراني الرجالي الشهير ، صاحب كتاب منتهى المقال في أحوال الرجال.
4 ـ الشيخ حسين بن محمّد ابن أخ الشيخ البحراني ومتمّم كتاب الحدائق الموسوم بـ : عيون الحقائق الناظرة في تتميم الحدائق الناضرة.
5 ـ الشيخ خلف بن عبد علي ابن أخ الشيخ البحراني ، وله ولابن أخيه الآخر الشيخ حسين كتب البحراني إجازته المعروفة بـ : لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرّتي العين.

6 ـ السيّد علي ابن السيّد محمّد علي الحائري الطباطبائي صاحب كتاب رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدلائل ومؤلّفات أخرى ، وهو ابن أخت الوحيد البهبهاني.
7 ـ المحقّق القمّي الميرزا أبو القاسم الجيلاني صاحب كتاب القوانين المحكمة في الأصول والمعروف اختصاراً باسم القوانين(1).
شيخوخة الإجازة :
وكان المترجَم له ـ فضلاً عن مقامه العلمي ـ من مشايخ الحديث والرواية ، وقد اتّصل العديد من كبار مشايخهم في الأدوار اللاحقة من طريقه بسلسلة الإجازات ، وقد ذكر المحقّق عبد العزيز الطباطبائي أسماء من وقف عليهم ممّن أجاز لهم الشيخ البحراني بطرقه إليهم وأنهاهم إلى أربعة وعشرين راوياً(2).
آثاره ومصنّفاته :
ترك المحدّث الشيخ يوسف البحراني تراثاً ضخماً أثرى به المكتبة الشيعية الإسلامية وأغنى الفكر الشيعي بسوانح يراعه ، وأنهى السيّد الطباطبائي مؤلّفات الشيخ البحراني وآثاره إلى خمسة وأربعين عنواناً بين مؤلّف مستقلّ وجواب مكتوب عن الأسئلة وما كتبه حاشية وتعليقة على كتب غيره ، ومعظم هذه الآثار
__________________
(1) مقدّمة الحدائق : 1 / (ل).
(2) مقدّمة الحدائق : 1 / (ن).

كتبها في الحديث والكلام والفقه ، وكما ذكر هو نفسه في اللؤلؤة فإنّ بعض كتاباته كان قد فُقد في حادثة نهب بيته في فسا(1).
أهمّ كتبه ومصنّفاته :
ومن أهمّ ما كان قد ألّفه هو :
1 ـ كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة : وسيأتي الكلام عنه إن شاء الله.
2 ـ الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية : ألّفه أثناء إقامته في النجف الأشرف ، قال عنه في اللؤلؤة : «هو كتاب لم يعمل مثله في فنّه ، مشتمل على تحقيقات رائقة وأبحاث فائقة»(2).
3 ـ لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرّتي العين : وهي إجازة كبيرة مبسوطة كتبها لابني أخويه الشيخ خلف ابن الشيخ عبد علي والشيخ حسين ابن الشيخ محمّد ، وهي مشتملة على ذكر أكثر علمائنا وأحوالهم ومؤلّفاتهم ومدّة أعمارهم ووفياتهم من عصره إلى عصر الكليني والصدوقين.
4 ـ الكشكول : واسمه جليس الحاضر وأنيس المسافر كما جاء في اللؤلؤة(3) ، وهو كتاب يشتمل على مختاراته من الأشعار والأخبار والمواعظ والطرائف.
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 445 ، منتهى المقال 7 / 77.
(2) لؤلؤة البحرين : 447.
(3) لؤلؤة البحرين : 447.

5 ـ الصوارم القاصمة لظهور الجامِعِين بين ولد فاطمة : أثبت فيها تحريم الجمع في الزواج بين فاطميّتين.
أمّا سائر مؤلّفاته الأخرى من كتب أو رسائل أو كتيّبات فقد ذكر معظمها نفس المؤلّف في كتابه لؤلؤة البحرين ، ونقلها عنه الحائري في منتهى المقال(46).
وفاته ومدفنه :
وبعد عمر ناهز الثمانين عاماً كرّسه في خدمة العلم والدين والمذهب لبَّى المترجَم له الفقيه المحدّث الشيخ يوسف البحراني الدرازي نداء ربّه راضياً مرضيّاً ـ بعد زعامة دينية ألقيت عليه مقاليدها وقام بتحمّل أعبائها زهاء عشرين عاماً من حياته ـ وذلك في الرابع من ربيع الأوّل سنة (1186هـ) ، وكلّل تقواه وإيمانه بوصيّة تعبّر عن مدى الروح الإيمانية العالية لديه ، فقد أوصى أن يصلّي على جنازته زعيم المدرسة الأصولية ورائد فكرها الوحيد البهبهاني.
وخرجت كربلاء من كلّ حدب وصوب لتشييع جنازته على الرغم من أنّها كانت تعاني آنذاك من مشكلة الطاعون الذي ضرب العراق في تلك السنة.
قال الحائري في المنتهى : «واجتمع خلف جنازته جمع كثير وجمّ غفير مع خلوّ البلاد من أهاليها وتشتّت شمل ساكنيها ، لحادثة نزلت بهم في ذلك العام من حوادث الأيّام التي لا تُنيم ولا تنام»(47).
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 446 ـ 448 ، منتهى المقال 7 / 76.
(2) منتهى المقال 7 / 76.

وفي الفوائد الرضوية : «ومقصوده من الحادثة هو الطاعون العظيم الذي كان في تلك السنة في العراق»(1).
وتولّى تغسيله اثنان من تلامذته ، هما : المقدّس التقي الشيخ محمّد علي (الشهير بـ : ابن السلطان) والحاج معصوم ، وصلّى عليه الأستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني ومن بعده السيّد علي الطباطبائي صاحب الرياض.
ودفن في البقعة المطهّرة بجوار مرقد سيّد الشهداء بالرواق الحسيني عند رجلي الشهداء(2).
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة :
وهو الكتاب الذي تقدّم أنّه بدأ بتأليفه في قرية (فسا) قرب مدينة شيراز ، وقد بلغ فيه إلى باب الأغسال من كتاب الطهارة في أثناء إقامته في إيران ، ثمّ واصل تأليفه في كربلاء بعد هجرته إليها ، فبلغ إلى كتاب الظهار ، ثمّ وافته المنية فحالت دون إكماله.
يقول قدّس سرّه عن بعض ما يتعلّق بتصنيف الكتاب حين إقامته في كربلاء : «وشرعت في إتمام كتاب الحدائق الناضرة المتقدّم ذكره ، فخرج منه من المجلّدات كتاب الطهارة يشتمل على مجلّدين ، وكتاب الصلاة يشتمل على مجلّدين ، وكتاب الزكاة وكتاب الصوم في مجلّد ، وكتاب الحجّ في مجلّد» ثمّ قال
__________________
(1) الفوائد الرضوية 2 / 1092.
(2) أنوار البدرين 1 / 438.

بعد ذلك : «وأنا الآن في الاشتغال بكتاب المتاجر»(1).
وذكر السيّد محمّد صادق بحر العلوم: أنّ المؤلّف كتب من الحدائق كتاب النكاح والطلاق وجعله المجلّد التاسع وفرغ من تأليفه في اليوم الثاني من شهر جمادى الثانية سنة (1185هـ) كما صرّح في آخره (أي: قبل وفاته بسنة) ، ثمّ ألّف كتاب الظهار ولم يتمّه ، فوصل فيه إلى قوله : «بخلاف ما مال إليه قضاتهم وحكّامهم أميل» وأدركه المرض ووافاه الأجل المحتوم ، فتوفّي سنة (1186هـ)(2).
ما قيل في الكتاب :
وقد قيلت في الحدائق كثير من كلمات الثناء والإطراء التي تكشف عن مكانته العلمية عند العلماء ، وأنا أنقل اختصاراً ومن باب المثال لا الحصر ما قاله المحدّث البحراني نفسه عن كتابه هذا ، قال رحمه‌الله :
«لم يُعمل مثله في كتب الأصحاب ولم يَسبق إليه سابق في هذا الباب ، لاشتماله على جميع النصوص المتعلّقة بكلّ مسألة وجميع الأقوال وجميع الفروع التي ترتبط بكلّ مسألة ، إلاّ ما زاغ عنه البصر وحسر عنه النظر»(3).
وذكر أيضاً الغاية من تأليفه لهذا الكتاب بقوله :
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 446.
(2) تعليقة لؤلؤة البحرين ، هامش صفحة : 447.
(3) لؤلؤة البحرين : 446.

«وبالجملة : فإنّ قصدنا فيه إلى أنّ الناظر فيه لايحتاج إلى مراجعة غيره من الأخبار ولا كتب الاستدلال ، ولهذا صار كتاباً كبيراً واسعاً كالبحر الزاخر باللؤلؤ الفاخر»(1).
وقال تلميذه الرجالي الكبير أبو علي الحائري في منتهى المقال : «وهو كتاب جليل لم يعمل مثله جدّاً ، جمع فيه الأقوال والأخبار الواردة عن الأئمّة الأطهار ، إنّه طاب ثراه لميله إلى الأخبارية كان قليل التعلّق بالاستدلال بالأدلّة الأصولية التي هي أمّهات الأحكام الفقهية وعُمد الأدلّة الشرعية ، خرج منه جميع العبادات ـ إلاّ كتاب الجهاد ـ وأكثر المعاملات إلى أواخر الطلاق ، وأعرض عن ذكر كتاب الجهاد لقلّة النفع المتعلّق به الآن وإيثاراً لصرف الوقت فيما هو أهمّ تبعاً لبعض علمائنا الأعيان»(2).
وقال عنه المحدّث الشيخ عبّاس القمّي في الفوائد الرضوية : «صاحب التصانيف النافعة الجامعة التي أحسنها الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ، وهو كتاب جليل في الغاية كثير النفع»(3).
وقال العلاّمة الأمين في أعيان الشيعة : «له مؤلّفات نافعة ، منها وهو أحسنها الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ، وكتابه الحدائق الدائر السائر بين الفقهاء ينمّ عن غزارة علم مؤلّفه وتضلّعه في العلوم وتبحّره في الفقه
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 446.
(2) منتهى المقال 7 / 76.
(3) الفوائد الرضوية 2 / 1088.

والحديث»(1).
إلى غير ذلك من كلمات الثناء الكثيرة التي قيلت في إطراء هذا الكتاب ومدحه.
تتميم الحدائق :
من المأسوف عليه أنّ القضاء لم يمهل المصنّف حتّى يبلغ أقصى آماله ويتمّم غاية مراده ، وحالت المنيّة دون هذه الأمنية ، فاخترمه الأجل ولمّا يكمل الكتاب بأجمعه حيث بلغ في تأليفه إلى كتاب الظهار ، غير أنّ ابن أخيه وتلميذه المحدّث الشيخ حسين بن محمّد بن عصفور أكمله بعده ، متّبعاً خطى عمّه في طريقة تأليفه ، واسِماً له بـ : عيون الحقائق الناظرة في تتمّة الحدائق الناضرة.
وهذا الكتاب وكما نصّ السيّد عبد العزيز الطباطبائي يحتوي على تسعة من كتب الفقه ، وهي : الظهار والإيلاء واللعان والعتق والإقرار والجعالة والأيمان والنذر والكفّارات. قال رحمه‌الله : «وبعضهم سمّى الكتاب : الحقائق الفاخرة»(2).
__________________
(1) أعيان الشيعة 10 / 317.
(2) مقدّمة الحدائق : 1 / (ا ب).

المبحث الثاني
تطبيقات المنهج الموسوعي عند صاحب الحدائق
تمهيد :
اتّجه التأليف الفقهي منذ القرن الثامن الهجري وحتّى عصر صاحب الحدائق وما بعده إلى كتابة الشروح والحواشي والتعليقات على أمّهات المتون الفقهية التي ألّفها كبار الفقهاء السابقين أمثال المحقّق جعفر بن الحسن الحلّي

(ت676هـ) في كتابيه : المختصر النافع (1) وشرائع الاسلام (2) ، والعلاّمة الحسن بن يوسف الحلّي (ت726هـ) في كتبه : قواعد الأحكام (3) وإرشاد الأذهان (4) وتبصرة المتعلّمين (5) ، والشهيد الأوّل محمّد بن مكّي العاملي الجزيني (ت786هـ) في كتابه : اللمعة الدمشقية (6) ، وذلك لما اتّصفت به هذه المتون من التركيز والتعمّق والشمول ودقّة العبارة وحسن الترتيب والتبويب.
وهذا العمل وإن كان من جهة فيه تنقيح وتعظيم وإكبار لآراء المتقدّمين وهو أمر ممدوح في نفسه ، وأيضاً يكون سبباً وموجباً لعدم تكرار المباحث المطروحة وبذلك تعرف الأطوار التكاملية التي مرّت بها التحقيقات والبحوث الفقهية ، ولكن في نفس الوقت هناك مشكلة ولّدها هذا النحو من التأليف ، وهي مشكلة عدم الإبداع والتجديد والتأسيس والتأصيل في العمل الفقهي التحقيقي.
__________________
(1) من الشروح عليه : كتاب (المهذّب البارع في شرح المختصر النافع) لابن فهد الحلّي المتوفّى 841هـ.
(2) من شروحه المعروفة كتاب (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام) للشيخ محمّد حسن النجفي المتوفّى 1266هـ.
(3) كشرح المحقّق علي بن الحسين الكركي المتوفّى 940هـ بكتاب أسماه : (جامع المقاصد في شرح القواعد).
(4) من الشروح عليه : كتاب (مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان) للمحقّق الأردبيلي المتوفّى 993هـ.
(5) من أهمّ الشروح عليها كتاب (شرح تبصرة المتعلّمين) للمحقّق آقا ضياء العراقي المتوفّى 1361هـ.
(6) من شروحها المعروفة (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) للشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي المتوفّى 965هـ.

ومن هنا اتّجه صاحب الحدائق في تأليف كتابه وجهة أخرى أراد فيها تطبيق منهجه الأخباري في موسوعة فقهية شاملة لجميع أبواب الفقه ومسائلة ومنازلة الأصوليّين في آرائهم الفقهية في كلّ باب ومسألة ، الأمر الذي اقتضاه بحكم ذلك المنهج محاولة الإحاطة بجميع الأخبار الواردة في الفقه واستعراض آراء الفقهاء في كلّ مسألة ، مع مناقشة آرائهم فيها من الأخبار وغيرها من الأدلّة الأخرى المعتمدة عند الأصوليّين منهم.
ذلك كلّه مع خصائص أخرى مهمّة تميّز بها منهجه العام في التأليف وأسلوب العرض ، أسهمت إلى جانب المنهجية الخاصّة التي اتّبعها المؤلّف في جعله أحد المراجع المهمّة في الفقه الموسوعي الإمامي ، فصار الكتاب بذلك مرجعاً لايَستغني عنه الفقهاء والمحقّقون والباحثون في الفقه الشيعي الإمامي وطلبة الحوزات العلمية الشيعية منذ اشتهاره وحتّى الوقت الحاضر ، وذلك بالرغم من عدم تمكّن المؤلّف من إكماله ، إذ توقّفت يراعه في أثناء كتاب الظهار بموافاة أجله سنة (1186هـ) ، وأكمله من بعده ابن أخيه وتلميذه المحدّث الشيخ حسين ابن محمّد بن عصفور متّبعاً خُطى أستاذه وعمّه في طريقة بحثه ، واسِماً له بعيون الحقائق الناظرة في تتمّة الحدائق الناضرة.
منهج المحدّث البحراني في بحث مسائل الكتاب :
والمقصود من عنوان هذا البحث هو الخطوات التي اتّبعها المؤلّف في بحث كلّ مسألة من مسائل الكتاب ومنهجه الفقهي الذي اتّبعه في استنباط رأيه

في تلك المسائل ، مضافاً إلى ما امتاز به الكتاب من أمور عامّة شاملة تميِّزه عن غيره من الكتب الفقهية.
وقبل الشروع في البحث أحببت أن أكرّر ما كنت قد أشرت له في مقدّمة هذه المقالة للدراسة القيّمة للدكتور خالد العطية والتي خصّصها عن صاحب الحدائق وعن منهجه في تأليف كتاب الحدائق (1) ، وقد فصّل فيها القول واستقصاه وأسهبه وبيّنه ، سواء أكان فيما يرتبط في بحث مسائل الكتاب المتفرّقة أم ما يرتبط بالخصائص العامّة له ، كلّ ذلك بمنهجية علمية وتبويب دقيق وفهرس واضح.
وأيضاً لما كتبته يراعة المحقّق السيّد زهير الأعرجي في هذا المجال ، إذ كنت بيّنت أنّه تطرّق هو الآخَر ولكن بنحو الاختصار وفي بضع صفحات لمنهجية صاحب الحدائق في الحدائق ، وذلك في ضمن دراسة له مُمَنهَجة ومفصَّلة خصّصها عن بيان مناهج الفقهاء في المدرسة الإمامية (2).
ومن أجل معرفة منهجية المحدّث البحراني في كتاب الحدائق فإنّه لابدّ من مطالعة مقدّماته الاثنتي عشرة التي ابتدأ بها تأليف كتابه الحدائق ، شرَحَ فيها متبنّياته الأخبارية ـ مشيراً بالضمن إلى المتبنّيات الأصولية أيضاً ـ في أخبار الكتب الحديثية الأربعة المعروفة وغيرها ، وبيان مدارك الأحكام الشرعية ، وموقفه من
__________________
(1) جاءت بعنوان : الحدائق الناضرة للمحدّث البحراني دراسة مقارنة في المنهج.
(2) جاءت بعنوان : مناهج الفقهاء في المدرسة الإمامية. انظر : مجلّة تراثنا ، الأعداد : 102 ـ 108

حجّية ظواهر الكتاب والإجماع ودليل العقل والبراءة والاحتياط في كلّ من الشبهات الوجوبية والحكمية ، وكذا أصل الاستصحاب والعلّة المنصوصة وحالات التعارض والترجيح بين الأدلّة الشرعية ونحوها. وباختصار : فإنّه بيّن في تلك المقدّمات كلّيات منهجه وأصول فقهه ، وهي ظاهرة لم تكن شائعة في الكتب الفقهية عدا استثناءات قليلة ، فقد دأب الفقهاء على البحث في أصول الفقه منذ بواكير التأليف فيه عند الشيعة على عهد المفيد والمرتضى والطوسي على نحو منفصل وخارج إطار كتبهم الفقهية على نحو ماحصل أيضاً في بحوثهم في أصول الدين.
وبالجملة : فإنّ من استوعب تلك المقدّمات استوعب منهج المحدّث البحراني النقدي الاستدلالي الاستنباطي في مناقشة الأحكام الشرعية في الأبواب الفقهية المتعدّدة من كتاب الحدائق.
ويمكن تحديد منهجه المشار إليه ضمن النقاط الآتية :
النقطة الأولى : ذكر الأخبار الواردة في المسألة سواء ما استدلّ به الفقهاء فيها أم لم يستدلّوا به في حدود تتبّعه واستقرائه لمصادرها.
النقطة الثانية : ذكر أقوال الفقهاء السابقين والمتأخّرين والمعاصرين وبيان آرائهم في كلّ مسألة وما يتفرّع منها مع الإشارة غالباً إلى مختاره.
النقطة الثالثة : ذكر سائر الأدلّة الأخرى المطروحة في المسألة والمعتمدة عند فقهاء المدرسة الأصولية بوصفها أدلّة مستقلّة ومن ثمّ مناقشتها.

النقطة الرابعة : استنباط رأيه في المسألة في ذوق منهجه الأخباري ممّا عرضه من الأخبار والآيات المفسَّرة بها من دون غيرهما ممّا يعتمده الأصوليّون من الأدلّة.
وسأحاول أن أضع تصوّراً أكثر وضوحاً وتفصيلاً عن خصائص منهجه في بحث مسائل الكتاب وتأليف متنه ، وذلك بذكر بعض التطبيقات لهذا المنهج من متن نفس الكتاب ويكون ضمن مطالب ثلاثة :
المطلب الأوّل : حكم ملاقاة النجاسة للماء القليل الراكد :
في الفصل الثالث من الباب الأوّل من كتاب الطهارة في الحدائق والذي عُقد لبيان حكم المياه، تطرّق المصنّف لمسألة حكم الماء القليل الراكد إذا لاقته النجاسة ، بيد أنّه لم يشأ أن يذكر الحكم الشرعي المشهور بل المجمع عليه بين الفقهاء وإسناده بالروايات الصحيحة عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام حتّى ذكر أوجُه الخلاف فيما بينهم ، فقال :
«المقام الأوّل : الظاهر أنّه لا خلاف بين أصحابنا رضوان الله عليهم نصّاً وفتوىً في نجاسة الماء القليل بتغيّره بالنجاسة في أحد الأوصاف الثلاثة إنّما الخلاف في النجاسة بمجرّد الملاقاة ، فالمشهور بل كاد يكون إجماعاً ـ بل ادّعى عليه في الخلاف في غير موضع الإجماع ـ هو النجاسة ، وعُزي إلى الحسن بن أبي عقيل رحمه‌الله القول بعدم النجاسة إلا بالتغيّر ، واختار هذا القول جمعٌ من متأخّري المتأخّرين ، ولابدّ من نقل الأخبار هنا من الطرفين والكلام بما يرفع التناقض من

البين ، فنقول : أمّا ما يدلّ من الأخبار على القول المشهور الذي هو عندنا المؤيَّد المنصور فمنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه‌السلام وسُئل عن الماء تبول فيه الدوابّ وتَلِغُ فيه الكلاب ويَغتسل فيه الجنب ، قال : إذا كان الماء قدر كرٍّ لم ينجّسه شيء» (1).
وبعد نقله لهذه الرواية استطرد نقل روايات عديدة من كتب الحديث والفقه ـ كالكافي للكليني والذكرى للشهيد ـ أوصلها إلى ستّة وثلاثين حديثاً صحيحاً أو حسناً أو موثّقاً أو روايةً ـ مجرّدة عن أحد الأوصاف المتقدّمة ـ كلّها تؤيّد القول الأوّل (المشهور) وهو أنّ ما نقص عن الكرّ ينفعل بالنجاسة ، قائلاً :
«هذه جملة ما وقفت عليه من الأخبار التي تصلح لأن تكون مستَنَداً للقول المشهور ، وهي كما ترى على ذلك المطلب واضحة الظهور عارية عن القصور» (2).
ولم يكن عرض الروايات المؤيّدة للقول الأوّل نهاية مطلب المصنّف ومأربه ولا غاية مراده ومبتغاه ، بل قام بعرض الروايات المؤيّدة للقول الثاني أيضاً ، ومن تلك الروايات ما رواه العلاّمة في المختلف عن ابن أبي عقيل أنّه قال : تواتر عن الصادق عن آبائه عليهم‌السلام إنّ الماء طاهر لا ينجّسه إلاّ ما غيَّر لونه أو طعمه أو رائحته. وذكر مضافاً لهذا ثلاثة عشر حديثاً يؤيّد هذا القول الدالّ على جواز
__________________
(1) الحدائق الناضرة 1 / 280. والرواية رواها الحرّ العاملي في الوسائل 1 / 158 ح (1).
(2) الحدائق الناضرة 1 / 289.

الوضوء والشرب من الماء الذي لاقته النجاسة إلا مع غلبة أوصاف النجاسة (1).
وأمام هذا الكمّ الكبير من الأحاديث المتعارضة كان لابدّ له من تحليل ظروف السؤال والسائل ومعرفة المكان والزمان وطبيعة الحالة المرتكزة زمان ومكان صدور النصّ ، وهذا ما يفهم من كلام المصنّف ملخَّصاً بما يلي :
أوّلاً : إنّ الغالب في السؤال الوارد في تلك الروايات إنّما هو عن مياه الحياض والغدران والطرق من حيث عموم الحاجة إليها وعموم البلوى بها سيّما في الأسفار ، وتلك المياه عادة لا تنفكّ عن بلوغ الكرور المتعدّدة فضلاً عن الكرّ الواحد ، وجواب الإمام عليه‌السلام كان يلحظ هذا الصنف من المياه الكثيرة التي لا ينفعل معها الماء بمجرّد الملاقاة.
ثانياً : إنّ المناط في النجاسة والطهارة هو التغيّر وعدمه في تلك الأحاديث المسؤول فيها عن مثل وقوع الميتة والجيفة وأبوال الدوابّ ونحوها ممّا يكون مغيّراً للماء وإن كثر دون جعله مناطاً لهما في مثل قطرة من بول أو دم أو نحو ذلك إذا لاقت تلك المياه القليلة.
ثالثاً : إنّ في بعض تلك الروايات ورد: «تبول فيه الدوابّ» بلفظ الجمع ، وفي بعضها: «تردها السباع والكلاب والبهائم» وذلك أعمّ من أن يكون دفعة أو دفعات ، وورود الدوابّ والسباع والبهائم للشرب أو لغيره وتبوّلها في الماء إنّما يكون في المياه التي لا تنقص مساحتها عن كرور عديدة فضلاً عن كرّ ، وما قدر كرّ من ماء وما قدر مساحته حتّى يُحتمل أنّه يفي لمثل هذه الأمور.
__________________
(1) الحدائق الناضرة 1 / 290 ـ 393.

رابعاً : إنّ ظاهر السؤال كان عن مياه الطرق الواقعة بين مكّة والمدينة أو بينها وبين العراق ونحوها من الأمكنة التي لا وجود للمياه الجارية فيها غالباً ، ومن المنقول أنّهم كانوا يعمدون تلك الأيّام إلى بعض الأمكنة فيجعلون فيها حياضاً تُسقى من آبار هناك وأمكنة يُعدّوها لاجتماع السيول فيها ، وقد أشير إليها في الروايات بـ : (السقايات) و (ماء السبيل).
ويستفيض المصنّف في نقاش موضوع البحث نقضاً وإبراماً ويورد العديد من آراء الفقهاء في ذلك المجال ويردّها ثمّ يوصلنا إلى نتيجة مبناه فيقول :
«والتحقيق عندي في الجواب أنّ المقصود بالإفادة بمثل هذا الكلام أمران : أحدهما : عموم المنطوق ، والثاني : عموم المفهوم ، والرواة قد فهموا حكم المفهوم من ذلك كذلك ولذلك سكتوا عن الاستفسار ، وإلاّ فمثل هؤلاء الأجلاّء كزرارة ومحمّد بن مسلم وأضرابهما من فضلاء الرواة ومحقّقيهم كيف يسكتون ويرضون بفهم بعض المقصود مع توفّر حاجة الأمّة إلى ذلك ـ ولاسيّما زرارة الذي من عادته تنقيح الأسئلة والفحص عن جملة فروع المسألة ـ ويقنعون باستفادة أنّه إذا نقص عن كرٍّ نجّسه شيء ما؟! ويرشدك إلى ما ذكرنا جوابه عليه‌السلام في صحيحة محمّد بن مسلم الأولى من تلك الروايات المتقدّمة لمّا سُئل عن الماء تبول فيه الدوابّ وتَلِغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب ، قال : «إذا بلغ قدر كرٍّ لم ينجّسه شيء» فإنّه من الظاهر البيّن أنّ السائل أراد السؤال عن حال هذا الماء بعد وقوع هذه الأشياء أو أحدها فيه وأنّه هل ينجس بمجرّد ملاقاتها أم لا ، فأجابه عليه‌السلام بوجه عامّ وقاعدة كلّية في كلّ ماء وكلّ نجاسة وهو التحديد ببلوغ الكرّية وعدمه ،

وأنّه لا ينجس مع الأوّل وينجس مع الثاني ، ولو لم يفهم السائل عموم المفهوم من جوابه عليه‌السلام بذلك وأنّه إذا نقص عن الكرّية ينجس بملاقاة تلك النجاسات المسؤول عن ملاقاتها لاستفسر منه البتة ، لأنّه أحد طرفي الترديد في جوابه عليه‌السلام ، إذ حاصل جوابه أنّه إذا بلغ الماء كرّاً لم ينجّسه (شيء) وإذا لم يبلغ نجّسه شيء ، فلو لم يفهم السائل عموم لفظ شيء الذي في جانب المفهوم على وجه يشمل النجاسات المسؤول عنها وغيرها بقرينة المقام ـ ولاسيّما السؤال هنا عن وقوع تلك الأشياء المخصوصة ـ لراجع في السؤال عن تنجّسه بتلك الأشياء المخصوصة ، إذ بناءً على ما يقولونه من عدم العموم لم يحصل الجواب عن السؤال ، ومع غفلة السائل كيف يرضى الإمام عليه‌السلام بعدم إفادته ذلك مع أنّه مناط السؤال والبلوى به عام في جميع الأحوال؟!» (1).
وبذلك أوصلَنا المصنّف إلى فهم نتيجة الاستدلال ، وهو أنّ منطوق المسألة واضح جليّ وهو أنّ الماء إذا بلغ كرّاً لا ينجّسه شيء ، ومفهوم المسألة أنّ الماء إذا لم يبلغ الكرّ نجّسه الشيء النجس ، وبذلك فهو يؤيّد القول الأوّل (المشهور) الذي ورد فيه سبعة وثلاثون حديثاً ، ويطرح القول الثاني الذي ورد فيه أربعة عشر حديثاً معارضاً.
المطلب الثاني : حكم صلاة الجمعة زمن الغيبة :
وتطبيق آخر من تطبيقات منهجية كتاب الحدائق ما ذُكِر في بحث صلاة
__________________
(1) الحدائق الناضرة 1 / 311.

الجمعة زمن غيبة الإمام عليه‌السلام والذي جاء هذا البحث في أكثر من مائة صفحة من صفحات المجلّد التاسع من الكتاب ، وقد ذكر قدّس سرّه أنّه لا خلاف بين الأصحاب في وجوب صلاة الجمعة عيناً مع حضوره عليه‌السلام أو نائبه الخاصّ وإنّما الخلاف في زمن الغيبة ، ولكنّه قبل ذكر الأخبار والأقوال وماهو المختار الظاهر من الآية وأحاديث العترة الأطهار ابتدأ بحثه بتحقيق وصفه بالمهمّ خاطب به ذوي الأفهام عسى أن تنكشف به ـ كما قال ـ غشاوة الإبهام ، قال ما نصّه :
«لا ريب أنّ الظاهر من الأخبار حتّى كاد أن يكون كالشمس الساطعة على جميع الأقطار هو الوجوب العيني الذي لايختلجه الشكّ منها والإنكار متى لوحظت في حدّ ذاتها بعين الإنصاف والاعتبار ، إلاّ أنّ الشبهة قد دخلت على جُلّ أصحابنا رضوان الله عليهم في هذه المسألة من وجهين فأسقطوا بذلك فيها الوجوب العيني من البين ، أحدهما : عدم جواز العمل بخبر الواحد ، فإنّ بعضاً منهم منع من العمل به وبعضاً توقّف في ذلك ، وتحقيق ذلك في الأصول ، وثانيهما : من أخذ الإجماع مدركاً شرعيّاً كالكتاب والسنّة النبوية وجعله دليلا مرعيّاً يُعتمد عليه في الأحكام الشرعية» (1).
ثمّ أخذ يناقش بإسهاب وتفصيل ما ذهب إليه جلّ الأصحاب في كلا الأمرين معاً ـ أقصد عدم تجويزهم العمل بخبر الواحد وأخذهم الإجماع مدركاً للحكم الشرعي ـ مثبتاً جواز العمل بمثل هذه الأخبار وعدم حجّية تلك الإجماعات كأدلّة على الأحكام ، كلّ ذلك طبقاً لمدرسته الأخبارية وموقفها
__________________
(1) الحدائق الناضرة 9 / 355.

الواضح والصريح والمعارض للمدرسة الأصولية في : العمل بالإجماع ، و : التحفّظ عن العمل بأخبار الآحاد.
ثمّ بعد ذلك أرجَعَ عنان الكلام للبحث الفقهي وشرع ببيان فرض حالات المسألة المتصوّرة واستقصاء كلّ تفريعاتها والأقوال الواردة فيها في ضمن مقامات ، قال قدّس سرّه :
«وإذ قد عرفت ذلك فلنشرع الآن في الأقوال المذكورة في المسألة وما يتعلّق بها من الكلام وتحقيق البحث فيها وما ذكر فيها من نقض وإبرام ، فنقول : ينبغي أن يعلم أوّلاً أنّ هنا مقامات : الأوّل : إنّه هل يشترط الإمام المعصوم في الجمعة أو نائبه الخاصّ أم لا؟ الثاني : إنّه هل هذا الشرط شرط في الانعقاد أو الوجوب؟ الثالث : إنّ هذا الشرط مخصوص بزمان الحضور أو يشمل الغيبة أيضاً؟ الرابع : إنّ المراد بالنائب هل هو الخاصّ أو العامّ الذي يشمل الفقيه حال الغيبة أو الأعمّ الشامل لإمام الجماعة؟ الخامس : إنّ وجوبها على تقدير اشتراط الفقيه عينيّ أو تخيريّ؟ أقوال ، ولكلٍّ من هذه الشقوق قائل» (1).
ثمّ ذكر بعد ذلك ـ وكما أسلفت قبل أسطر ـ أنّه لا خلاف بين أصحابنا في وجوبها العيني مع حضوره عليه‌السلام أو نائبه الخاصّ وإنّما الخلاف بينهم زمن غيبته وعدم وجود الإذن على الخصوص ، وجعل الأقوال في ذلك أربعة :
الأوّل : القول بالوجوب العيني ، قائلاً : «وهو المختار المعتضد بالآية والأخبار وبه صرّح جملة من مشاهير الأبرار متقدّميهم ومتأخّريهم أحدهم الشيخ
__________________
(1) الحدائق الناضرة 9 / 378.

المفيد حيث قال في المقنعة ...» (1).
ثمّ ذكر القول الثاني للشيخ أبي الصلاح الحلبي في كتابه الكافي ، والثالث للشيخ أبي الفتوح الكراجكي في كتابه المسمّى تهذيب المسترشدين ، وهكذا حتّى أتى على ذكر أسماء خمسة عشر فقيهاً ممّن قالوا بهذا الرأي ، وذكر أسماء كتبهم التي ورد فيها ذلك ، ثمّ أردفها بأسماء من حُكي عنهم هذا القول أيضاً ممّن لم يطّلع على نصوص أقوالهم في مراجعها الأصلية (2).
الثاني : القول بالوجوب التخييري ، وقد ذكر عن المحدّث الكاشاني في كتابه الوافي أنّه نقل أنّ القائلين به هم طائفة من متأخّري أصحابنا ، وأنّ من صرّح به منهم الشهيد الأوّل في كتابه نكت الإرشاد ، ناقلاً نصَّ عبارة نكت الإرشاد المذكور (3).
الثالث : القول بالتحريم ، قال : «وهذا القول صريح ابن إدريس وسلاّر وظاهر المرتضى في أجوبة المسائل الميَّافارقيّات (4) والعلاّمة في المنتهى وجهاد التحرير والشهيد في الذكرى» (5).
الرابع : القول بالوجوب التخييري شريطة حضور الفقيه الجامع لشرائط
__________________
(1) الحدائق الناضرة 9 / 378.
(2) الحدائق الناضرة 9 / 378 ـ 393.
(3) الحدائق الناضرة 9 / 419.
(4) رسالة تشتمل على 66 مسألة فقهية واعتقادية وُجِّهت من قبل أهل ميافارقين ـ من ديار بَكر وهي أكبر مدينة في جنوب شرق تركيا ـ للسيّد المرتضى لمعرفة رأيه فيها ، وهي مطبوعة ضمن رسائل المرتضى ، المجموعة الأولى : 271.
(5) الحدائق الناضرة 9 / 436.

الفتوى وإلاّ لم تشرّع ، قائلاً : «وهذا القول مذهب المحقّق الشيخ علي قدس‌سره ، قد رجّحه ونصره واعتنى به واستدلّ عليه ، وربّما نُسب إلى ظاهر كلام العلاّمة في التذكرة والنهاية والشهيد في اللمعة والدروس القول بذلك أيضاً ، ورُدّ بعدم ظهور ذلك» (1).
المطلب الثالث : مسألة الجمع في النكاح بين فاطميّتين :
ابتداءً طرح المصنّف المسألة المشار إليها بصيغة سؤال قائلاً : «هل يجوز الجمع بين اثنتين من ولد فاطمة عليها‌السلام أم لا؟» (2).
ثمّ حدّد تاريخ بداية التعرّض لهذه المسألة من قبل الفقهاء بقوله : «لم يحدث فيها كلام إلاّ في هذه الأعصار الأخيرة ، وإلاّ فكلام المتقدّمين من أصحابنا رضوان الله عليهم والمتأخّرين خال من ذكرها والتعرّض لها» (3).
ثمّ صنّف أقوال الفقهاء الواردة فيها إلى ثلاثة أقوال : بين من جزم بالتحريم ، ومَن جزم بالحلّ ، ومَن توقّف في ذلك.
ثمّ بعد ذلك تعرّض لذكر ما يصلح أن يكون دليلا على المسألة ، ونقل في هذا الصدد رواية مرسلة للشيخ في التهذيب عن ابن أبي عمير عن رجل من أصحابنا قال : سمعته يقول : «لا يحلّ لأحد أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمة إنّ
__________________
(1) الحدائق الناضرة 9 / 445.
(2) الحدائق الناضرة 23 / 542.
(3) الحدائق الناضرة 23 / 542.

ذلك يبلغها فيشقّ عليها ، قلت : يبلغها؟! قال : إي والله» (1).
ثمّ أعقبها بصحيحة للصدوق في العلل بسند آخر ينتهي أيضاً إلى ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن حمّاد بنفس المضمون المتقدّم (2).
وبعد ذلك شرع بذكر من قال بالحرمة والمنع فيها قائلاً :
«فممّن جزم بالتحريم في هذه المسألة المحدّث الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي عطّر الله مرقده والشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني قدّس الله روحه على ما وجدته بخطّ والدي طيّب الله مرقده ، حيث قال بعد نقل هذا الخبر برواية الصدوق : وقد نقل هذا الحديث بهذا السند الفقيه النبيه الشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني قدس‌سره ... وهذا الحديث ذكره الشيخ في التهذيب أيضاً إلاّ أنّ سنده فيه غير صحيح ، وهذا الشيخ كما ترى قد نقله بهذا السند الصحيح على الظاهر ، ولا نعلم من أين أخذه ، ولكن كفى به ناقلاً. وكتب الفقير أحمد بن إبراهيم (انتهى كلام والدي طيّب الله ثراه وجعل الجنّة مثواه) وأقول : إنّه قد أخذه من كتاب العلل ولكنّ الوالد لم يطّلع عليه ، وليته كان حيّاً فأهديه إليه» (3).
ثمّ ذكر عن المحدّث الشيخ عبد الله في كتاب منية الممارسين في أجوبة الشيخ ياسين اختلاف ما نقل عن شيخه علاّمة الزمان الشيخ سليمان بين التوقّف في حكم المسألة والقول بالتحريم ، حيث قال :
__________________
(1) تهذيب الأحكام 7 / 463 ح (63).
(2) علل الشرائع ، باب نوادر العلل : 590 ح (38).
(3) الحدائق الناضرة 23 / 543.

«وكان شيخنا علاّمة الزمان يتوقّف في هذه المسألة ويأمر بالاحتياط فيها ، حتّى أنّي سمعت من ثقة من أصحابنا أنّه أمره بطلاق واحدة من نسائه لأنّه كانت تحته فاطميّتان ، ونقل عنه أنّه يرى التحريم إلاّ أنّي لم أعرف منه غير التوقّف» ثمّ قال بعد كلام في البين : «إلاّ أنّي بعد في نوع حيرة واضطراب ودغدغة وارتياب ، فأنا في المسألة متوقّف والاحتياط عندي لازم» (1).
وعلّق المصنّف على ذلك بقوله :
«أقول : أمّا ما نقله عن شيخه من التوقّف فإنّه لا ينافي الجزم عنه بالتحريم كما نقلناه ونقله هو لجواز أن يكون صار إلى التحريم بعد التوقّف أو بالعكس ، وما ذهب إليه هو من التوقّف فإنّما أراد في الفتوى بالتحريم وإن كان يقول بتحريم الجمع من حيث الاحتياط كما أشار إليه بقوله : والاحتياط عندي فيها لازم ، وذلك لأنّ الأحكام عند أصحابنا الأخباريّين ثلاثة : حلال بيِّن وحرام بيِّن وشبهات بين ذلك ، والحكم عندهم في موضع الشبهة وجوب الاحتياط ، وليس الفرق بينه وبين من قدّمنا نقل القول عنه بالتحريم إلاّ من حيث المستند ، وإلاّ فالجميع متّفقون على تحريم الجمع في المسألة» (2).
ثمّ أراد البحراني أن يسند القول بالحرمة إلى الصدوق ببيان منهجيته في كتبه الحديثية بما في ذلك كتاب علل الشرائع فقال :
«أقول : والظاهر من نقل الصدوق الخبر المذكور وجموده عليه وعدم
__________________
(1) الحدائق الناضرة 23 / 544.
(2) الحدائق الناضرة 23 / 545.

تعرّضه للقدح فيه هو القول بمضمونه كما هو المعهود من طريقته والمألوف من عادته وإن كان ذكره هنا إنّما هو من حيث الاشتمال على العلّة بالمشقّة في المنع ، فإنّ المعلوم من عادته في كتبه ومصنّفاته أنّه لا ينقل من الأخبار إلاّ ما يعتمده ويحكم بصحّته متناً وسنداً ويفتي به ، وإذا أورد ماهو بخلاف ذلك نبّه على العلّة فيه وذيَّله بما يشعر بالطعن في متنه أو سنده ، وهذا المعنى وإن لم يصرّح به إلاّ في الفقيه إلاّ أنّ المتتبّع لكتبه ومؤلّفاته والناظر في جملة مصنّفاته لايخفى عليه صحّة ما ذكرناه» (1).
وأخذ بذكر عدّة شواهد على طريقة الشيخ الصدوق وديدنه أنهاها إلى اثني عشر شاهداً في مجمل كتبه الحديثية ، بل أخيراً أسند القول بالحرمة إلى الشيخ الطوسي وإن لم يصرّح الشيخ بها أيضاً ، وذلك لنفس النكتة وبنفس البيان الذي به أثبتها للصدوق.
ثمّ بعد ذلك أخذ المصنّف يبرهن على القول بالحرمة وردّ ما يمكن أن ينافيها ويعارضها من حيث سند الحديث ومتنه ، مفصِّلاً القول في ذلك ، مستشهداً ببعض الآيات القرآنية وكلام المفسّرين ونصّ اللغويّين ممّا يكون شاهداً لاستنباط الحرمة لمثل ألفاظ الحديث المذكور وإمكان تخصيص الكتاب والسنّة به مادام خبراً صحيحاً طبقاً لمشربه الأخباري ، بل وحتّى استناداً للفكر الأصولي ومبانيه في وصف الصحّة الشاملة لهذا الحديث كما ادّعى ، كلّ ذلك بمنهجية متسلسلة سلسة ، مبيّناً رأيه أخيراً بقوله :
__________________
(1) الحدائق الناضرة 23 / 547.

«والتحقيق أنّ هذه المسألة مثل مسألة الجمع بين الأختين حذو النعل بالنعل ، وحينئذ فالمخرج منها هنا كما تقدّم ثَمّة ، وهو أن يفارق الثانية ـ وإن طلّقها فهو أولى وأحوط ـ ويتجنّب الأولى حتّى تخرج الثانية من العدّة ، وإن أراد الثانية اعتزلها وطلّق الأولى ومتى خرجت من العدّة عقد على الثانية عقداً مستأنفاً ، والله العالم بحقائق أحكامه» (1).
__________________
(1) الحدائق الناضرة 23 / 559.

المبحث الثالث
المعطيات الفقهية لتلك التطبيقات
تمهيد :
وعلى ضوء ما تقدّم من ذكر الأمثلة التطبيقية من موارد متفرّقة من متن كتاب الحدائق يمكن أن نستنتج بعض المعطيات الفقهية المستوحاة من تلك التطبيقات ، وهو ما يتناوله هذا المبحث من مباحث هذا الفصل من فصول هذه المقالة.
وفي واقع الأمر فإنّه يمكن القول بأن ليست هذه المعطيات هي معطيات لما يمثّله شخص صاحب الحدائق كفقيه مستنبط أو أنّها معطيات مترتّبة على خصوص كتاب الحدائق كمصنّف فقهيّ استنباطيّ بقدر ما تعدّ في غالبها آثاراً لمعالم مدرسة كاملة عُرفت بالمدرسة الأخبارية بما لها من مبان ومتبنّيات فقهية وأصولية وحديثية ورجالية و ... أريد تطبيقها في مصنّف فقهيّ موسوعيّ استدلاليّ مثل كتاب الحدائق ، والذي يُعدّ صاحبه بالطبع من أبرز رجالات تلك المدرسة ومن أكابر فقهائها المعروفين ، كما ويُعدّ كتابه الحدائق من أضخم المصنّفات الفقهية التي تَنتسِب لأركان هذه المدرسة ومفاهيمها الدينية الفقهية ، خصوصاً بعد ما كان قد ذكر في أوّل كتابه وضمن مقدّمات أنهاها إلى اثنتي عشرة مقدّمة معالم ومباني وأسس ومناهج مدرسته تلك ، وبنى مسائل كتابه وبحوثه الفقهية الاستدلالية الاستنباطية استناداً على تلك المباني والضوابط والأسس كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك.

أهمّ المعطيات الفقهية لتلك التطبيقات
1 ـ استقصاء جميع الأخبار الواردة في المسألة :
وهذه هي الخطوة الأولى التي شكّلت أهمّ ركيزة للفكرة الموسوعية في كتاب الحدائق ، حيث إنّ المصنّف حاول استقصاء الأخبار الواردة في كلّ مسألة بما تحويه من أقوال متعدّدة وجمعها من مصادرها الشيعية المختلفة ، سواء في ذلك المجاميع والمصنّفات الحديثية أم كتب الفقه والأحكام أم القرآن والتفسير بل حتّى كتب الدعاء والرجال ، كما أنّه لم يقتصر على مجاميع الحديث من الكتب الأربعة المعروفة فحسب وإنّما تعدّاها ـ وبحسب منهجه في تصحيح جميع الأخبار المروية ـ إلى مرويّات كتب أخرى كثيرة ، ككتابي عيون أخبار الرضا والأمالي للشيخ الصدوق ، وكتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي ، وكتاب فقه الإمام الرضا أو كما أسماه الفقه الرضوي المنسوب للإمام عليه‌السلام ، وغير ما ذُكر جمعه العلاّمة المجلسي في كتابه بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ، كلّ ذاك مبتنياً على أساس الاعتقاد بصحّة جميع الأخبار الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام المأخوذة عن الأصول الأربعمائة المعتمدة عند الشيعة (1).
__________________
(1) جاء في إعلام الورى للطبرسي 410 ما نصّه : «روى عن الصادق عليه‌السلام من مشهوري أهل العلم أربعة آلاف إنسان وصُنِّف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب وهي معروفة بكتب الأصول ، رواها أصحابه وأصحاب أبيه من قبله وأصحاب ابنه أبي الحسن موسى عليهم‌السلام. وفي ذكرى الشيعة للشهيد 1/58 : «... حتّى أنّ أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام كُتِب من

وهذا ما كان قد أشار إليه المؤلّف في خطبة الكتاب ، حيث أوضح فيها إلى أنّ القصد من تأليفه الكتاب هو جمعه للأحكام الفقهية المذيّلة بالأخبار النبوية والآثار المعصومية ، مشتمل على أمّهات المسائل ومايتبعها من الفروع المرتبطة بالدلائل (1) ، وكرّر بيان ذلك في المقدّمة الثانية من مقدّمات الكتاب (2) ، بل وصرّح في اللؤلؤة أنّ قصده من تأليف كتاب الحدائق هو أنّ الناظر فيه لا يحتاج إلى مراجعة غيره من الأخبار ولا كتب الاستدلال.
قال عند حديثه عن كتاب الحدائق :
«وكتابنا هذا بحمد الله سبحانه لم يُعمل مثله في كتب الأصحاب ولم يَسبق إليه سابق في هذا الباب ، لاشتماله على جميع النصوص المتعلّقة بكلّ مسألة وجميع الأقوال وجميع الفروع التي ترتبط بكلّ مسألة ، إلاّ ما زاغ عنه البصر وحسر عنه النظر» (3).
وذكر أنّه قد التزم بهذا المنهج في خصوص القسم الأكبر من كتابه الذي ألّفه بعد وروده كربلاء دون القسم الأصغر الذي ألّفه في شيراز (فسا) وإن كان هذا القسم أيضاً كما قال : «مستوفياً لتحقيق المسائل وربطها بالدلائل ، إلاّ أنّه لم
__________________
أجوبة مسائله أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف ودوّن من رجاله المعروفين أربعة آلاف رجل من أهل العراق والحجاز وخراسان ، وكذلك عن مولانا الباقر عليه‌السلام». وانظر الفوائد المدنية للإسترآبادي : 129.
(1) الحدائق الناضرة 1 / 2.
(2) الحدائق الناضرة ، المقدّمة الثانية 1 / 14 ـ 25.
(3) لؤلؤة البحرين : 446.

يستوفِ جملة الأخبار تفصيلاً وإن أشير إليها إجمالاً ، وكذلك الأقوال» (1).
ويضاف لما مرّ أنّ استقصاءه للأخبار الواردة في كلّ مسألة لم يقتصر على ما استدلّ به منها أصحاب الأقوال المختلفة وإنّما أضاف إليها ما يمكن الاستدلال به ولم يستدلّوا به ، كالروايات التي أوردها من الفقه الرضوي في مسائل كثيرة من كتابه ، وكذا تطرّق لذكر ما يصلح منها للتأييد والتعضيد وإن لم يصلح للاستدلال من حيث المتن والمضمون والدلالة أو من حيث السند والصحّة والاعتبار ، كمثل ما ذكره في مسألة اشتراط الإباحة في مكان المصلّي بخصوص روايات كتاب عوالي اللآلي لابن أبي جمهور الأحسائي ، حيث قال :
«ولولا إرسال الخبر في هذا الكتاب الذي قد اشتمل على نوع من التساهل في نقل الأخبار لما كان عنه معدّل في الحكم بما ذكره الأصحاب ، إلاّ أنّ تأييده ظاهر بلا ارتياب» (2).
بل أحياناً يذكر الرواية التي تُعدّ المصدر الوحيد لحكم المسألة ويشير إلى جميع مصادرها المأخوذة عنها بجميع أسانيدها ورجالها ـ سواء أكانت في الكتب الحديثية الأربعة المعروفة أم غيرها من المصادر ككتاب العلل للشيخ الصدوق ـ ممّا قد يمنحها وصف الصحّة والتمامية في بعض تلك الطرق وإن قد تكون مبتلاة بالضعف والإرسال في بعض طرقها ومصادرها الأخرى ، وهذا الأمر ممّا قد يخفى على البعض من الفقهاء لعدم إحاطته التامّة بمصادر الروايات وطرق أسانيدها
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 446.
(2) الحدائق الناضرة 7 / 167.

واستقرائه الكامل لكتب الحديث ، وهو أمر كان قد ابتُلي به بالفعل والد المصنّف نفسه ، أعني الشيخ أحمد بن إبراهيم قدس‌سره كما تقدّم في المطلب الثالث مسألة الجمع في النكاح بين فاطميّتين ، حيث إنّه كان قد أشكل على الشيخ جعفر بن كمال الدين حين نقله للرواية بسندها الصحيح ، وسبب إشكاله ذاك ـ على ما صرّح ابنه المصنّف ـ إنّما هو لعدم اطّلاعه على المصدر الآخر للرواية المذكورة ، وهو كتاب العلل للشيخ الصدوق.
ثمّ إنّه ذَكَر الدكتور خالد العطية أنّ المحدّث البحراني اتّبع أساليب متعدّدة في عرض الأخبار في مسائل الكتاب (1) ، وأذكر أربعة من تلك الأساليب التي تطرّق لبيانها مع بعض التصرّف والإضافة :
الأسلوب الأوّل : إنّه ابتداءً يشير إلى المسألة إجمالاً ، ثمّ يقسّم الأخبار الواردة فيها إلى عدّة أقسام بحسب ما تدلّ عليه من حكم في المسألة ، ثمّ يعقّبها بذكر أقوال الفقهاء فيها وما يدلّ على كلّ قول من الأخبار التي كان قد قسّمها إلى أقسام.
ومثال ذلك ما صنعه في مسألة حكم الخمس في زمن الغيبة ، حيث إنّه بعد ما أشار إلى عنوانها وإلى أنّها من أمّهات المسائل ومعضلات المشاكل التي اضطربت فيها أفهام الأعلام وزلّت فيها أقدام الأفهام ودُحضت فيها حجج أقوام واتّسعت فيها دائرة النقض والإبرام ، وإلى أنّ السبب في ذلك كلّه هو اختلاف الأخبار وتصادم الآثار ، قسّم تلك الأخبار إلى أربعة أقسام ، الأوّل : ما يدلّ على
__________________
(1) الحدائق الناضرة دراسة مقارنة : 361.

وجوب إخراج الخمس مطلقاً في غيبة الإمام عليه‌السلام أو حضوره ، الثاني : ما يدلّ على الوجوب والتشديد في إخراجه وعدم الإباحة ، الثالث : ما يدلّ على التحليل والإباحة مطلقاً ، الرابع : ما دلّ على إنّ الأرض وما خرج منها كلّه للإمام عليه‌السلام. ثمّ بعد ذلك تطرّق لذكر أقوال الفقهاء مستشهداً لكلّ قول منها بما يدلّ عليه من تلك الروايات (1).
الأسلوب الثاني : كما في الأوّل يشير إلى المسألة ابتداءً ، ويذكر الأقوال المطروحة فيها ويبيّن مختاره منها ، ثمّ بعد ذلك يذكر ما استُدلّ أو ما يمكن أن يُستدلّ به من الأخبار على كلّ قول من تلك الأقوال.
ومثال ذلك ما صنعه في مسألة الولاية على البكر البالغة والثيّب ـ بغير النكاح ـ والموطوءة دبراً ، حيث قام ـ بعد بيان الأقوال الخمسة المطروحة في المسألة وبيان مختاره منها وهو استمرار الولاية عليها مطلقاً والذي عدّه أوّل الأقوال ـ بعرض الأخبار الدالّة على القول المختار حسب رأيه وما استدلّ به منها على كلّ قول من الأقوال الأخرى (2).
الأسلوب الثالث : أيضاً يشير إلى المسألة ابتداءً وإلى اختلاف الفقهاء فيها على أقوال ويذكر مختاره منها ويعرض الأخبار الدالّة على كلّ قول وذلك عقب ذكر القائلين به مباشرة وليس آخراً كما في الأسلوب الثاني.
ومثال ذلك ما تقدّم من حكم صلاة الجمعة في زمن الغيبة ، حيث ذكر فيها
__________________
(1) الحدائق الناضرة 12 / 419 ـ 447.
(2) الحدائق الناضرة 23 / 210 ـ 230.

أربعة أقوال مع بيان رأيه فيها ، معقّباً كلّ قول منها بإيراد الأخبار المتعلّقة به (1).
الأسلوب الرابع : يشير إلى المسألة ويذكر الأقوال فيها ومختاره منها ، ثمّ يعقّبها بعرضِ مجملِ ما ورد فيها من أخبار ، مذيِّلاً لها بما يكشف عن معانيها نقاب الإبهام ويجلو عن مضامينها غشاوة الإبهام لما ذهب إليه أولئك الأعلام ، معقِّباً على كلّ واحد أو طائفة منها بالإشارة إلى ما يدلّ عليه من تلك الأقوال مع تقريب الدلالة وتوضيحها.
ومثاله ما صنعه في مسألة حكم صلاة المسافر في المواضع الأربعة المشهورة للتخيير : مكّة والمدينة ومسجد الكوفة والحائر الحسيني (2).
2 ـ ذكر أقوال الفقهاء باختلاف طبقاتهم وبيان آرائهم في مسألة وما يتفرّع منها مع الإشارة غالباً إلى مختاره :
وتشكّل هذه الخطوة ثاني الركيزتين المهمّتين اللتين بنى عليهما المصنّف الفكرة الموسوعية في كتابه الحدائق ، وأعني بهما ذكر الأخبار والأقوال في المسألة الواحدة كما تقدّمت الإشارة إليه.
ويُلاحظ في هذا الخصوص :
أوّلاً : إنّه حاول استقصاء الآراء المطروحة في المسألة الواحدة في مختلف العصور الفقهية ابتداءً من أقرب العصور إلى عصر الأئمّة وانتهاءً بعصره الذي
__________________
(1) الحدائق الناضرة 9 / 378 ـ 446.
(2) الحدائق الناضرة 11 / 438 ـ 440.

عاش فيه ، وقد جَعلت هذه الخصيصة كتاب الحدائق معرضاً للآراء الفقهية من مختلف المدارس والاتّجاهات التي تطوّرت عند الشيعة الإمامية منذ نشأتها حتّى عصر المؤلّف قدس‌سره.
ثانياً : إنّه كان يصنّف الأقوال التي ينقلها عن الفقهاء إذا كثرت وتعدّدت في حكم المسألة إلى أصناف حسب ما تتضمّنه من رأي في حكمها تمييزاً لها وتمهيداً لمناقشتها ، ويذكر أسماء الفقهاء الذاهبين إلى كلّ رأي وأسماء كتبهم التي ذكروا فيها آراءهم.
ثالثاً : التطرّق لنقل نصوص عبارات الفقهاء من كتبهم ومؤلّفاتهم ، حيث إنّه كان لا يكتفي غالباً بحكاية الآراء عن أصحابها وذكر أسماء الكتب التي تضمّنتها أو حكتها عنهم فحسب وإنّما كان يُشفِع ذلك بذكر نصوص عباراتهم غالباً أو نصوص عبارات من نقل الرأي عنهم ، ليس ذلك في التطبيقات السابقة فحسب بل هي طريقته وديدنه في موارد كثيرة من الكتاب (1).
بل يمكن القول أكثر من ذلك ، فإنّه كان في بعض المواضع من كتابه يتثبّت من صحّة نسبة الرأي إلى قائله ويصحّح ماحُكي عنه خطأً بمراجعة النصوص من مصادرها الأصلية أو الالتفات إلى نكات وشواهد خاصّة ، مثال ذلك ما جاء في مسألة هل يجب على الأغلف في الاستنجاء من البول كشف البشرة وتطهير محلّ النجاسة أو يكتفي بغَسل ماظهر؟ ذُكر أنّ في ذلك قولين ، جزم بالأوّل المحقّق الشيخ علي في شرح القواعد ونَقل الثاني فيه عن المنتهى والذكرى ، قال
__________________
(1) انظر على نحو المثال مسألة وقت نوافل الجمعة من المصدر السابق 10 / 189.

المصنّف :
«أقول : والذي وقفت عليه في الكتابين المذكورين لا يطابق ما نَقل قدس‌سره عنهما ، فإنّه صرّح في الذكرى بأنّه يجب كشف البشرة على الأغلف إن أمكن ، ولو كان مرتتقاً (1) سقط. ومثله في المنتهى فيما إذا كشفها وقت البول ، أمّا لو لم يكشفها حال البول فهل يجب كشفها لغسل المخرج؟ فإنّه استقرب الوجوب هنا أيضاً» (2).
ومثال آخر لذلك ما ورد في بحث وجوب غُسل الجنابة للصوم الواجب وأنّ الوجوب هو القول المشهور ، وأنّه نُقل عن الشيخ الصدوق القول بعدم الوجوب ، قال :
«وإنّما نُسب إليه القول بذلك لرواية رواها في المقنع ، حيث قال : وسأل حمّاد بن عثمان أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجل أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل فأخّر الغُسل إلى أن يطلع الفجر ، فقال : قد كان رسول الله يجامع نساءه من أوّل الليل ويؤخّر الغسل إلى أن يطلع الفجر ، ولا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب : يقضي يوماً مكانه. قالوا : ومن عادته في الكتاب المذكور المقنع الإفتاء بمتون الأخبار.
وفي ثبوت نسبة القول المذكور له بذلك تأمّل ، سيّما مع نقله في فقيهه
__________________
(1) هو التصاق الغلفة بالحشفة بحيث يعسر انكشافها ، وامرأة رتقاء : منضمّة الفرج لا يمكن جماعها ، لسان العرب 10 / 114.
(2) الحدائق الناضرة 2 / 22.

جملة من الأخبار الدالّة على القضاء بترك الغسل وإن كان نسياناً المؤذَن بموافقة القول المشهور ، والمعهود فيه عدم الاختلاف في الفتوى في كتبه كما هو الطريق الذي عليه غيره من المحدّثين» (1).
رابعاً : توخِّيه غاية الدقّة في كيفية نقله آراء الفقهاء في المسألة الفقهية المبحوث عنها وبيان ذلك حين النقل ، وأنّه هل كان قد سمع منهم مشافهة ، أو أنّه قرأ كلماتهم من نفس مصنّفاتهم بالرجوع إليها مباشرة ، أو أنّه وجدها منقولة في مصنّفات الغير وهم بدورهم كانوا قد نقلوها عنهم وأسندوها إليهم؟ ومن ذلك ما نقله عن والده في مسألة الجمع في النكاح بين فاطميّتين من نسبة القول بالتحريم فيها عن بعض بأنّه كان قد وجده بخطّ والده ، إشارة إلى هذا المعنى ، وكذا ما نقله في مسألة حكم القنوت في الصلاة عن شيخه أبي الحسن سليمان بن عبد الله البحراني ، حيث قال : «... وإلى القول بوجوبه كما هو ظاهر الصدوق مال شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني ، وذكر أنّه صنّف رسالة في القول بالوجوب» (2).
خامساً : كثرة المصادر المنقول عنها وتنوّعها : وهذا الأمر في كتاب الحدائق يفرضه التوسّع في إيراد المسائل والفروع الفقهية والمقارنة بين الآراء والأقوال وعرض أدلّتها بالتفصيل ونقل النصوص الواردة في المسألة ، وذلك كلّه يستدعي الرجوع إلى كثير من المصادر والمراجع المتعدّدة والمتنوّعة حسب
__________________
(1) الحدائق الناضرة 3 / 57.
(2) الحدائق الناضرة 8 / 353.

تعدّد المصنّفين وكثرة مصنّفاتهم واختلاف أزمانهم ، وقد ذكر بعض المحقّقين ما نصّه : «إنّ صاحب الحدائق لم يَدَع ـ إلاّ ما ندر ـ كتاباً من كتب الحديث والفقه المتداولة والمعروفة عند الشيعة في عصره إلاّ ورجع إليه ونقل منه ، ويلاحظ أنّه كان يشير إلى مصادره من تلك الكتب والرسائل بأسمائها المختصرة ... وقد حاولتُ تتبّع ما أشار إليه منها في الحدائق فتحصَّل لي جملة كبيرة قاربت المائتين في الحديث والفقه والتفسير وأصول الفقه والرجال واللغة وغير ذلك» (1).
3 ـ ذكر سائر الأدلّة الأخرى المطروحة في المسألة والمعتمَدة عند فقهاء المدرسة الأصولية بوصفها أدلّة مستقلّة ومن ثمّ مناقشتها :
ويمكن بيان المقصود من هذا العنوان مختصراً ضمن أمرين:
الأمر الأوّل : تطرّقه في ضمن بحثه الفقهي لأمّهات المباحث الأصولية التي تُعدّ في زمانه محلّ نقاش حادٍّ ونزاع كبير بين المدرستين الأصولية والأخبارية ، كما ويذكر أيضاً ما يتفرّع ويترتّب على تلك المباني الأصولية من نتائج تفرض نفسها في كثير من الأحيان على البحث الفقهي ، وهو أمر لا يرتضيه بالطبع ويتصدّى لمناقشته بكلّ ما أوتي من قوّة وبيان طبقاً لمسلكه الفقهي الأخباري ، وله في الكتاب في غير ما تقدّم من التطبيقات أمثلة أخرى ناقش فيها الأصوليّين في بعض مبانيهم الأصولية ، ومن ذلك ما ذكره في حكم تقديم أذان الصبح قبل دخول وقته ، حيث ألقى باللائمة على السيّد المرتضى وابن إدريس حين منعا من
__________________
(1) الحدائق الناضرة دراسة مقارنة : 450.

تقديمه وذلك لاعتمادهما ـ كما قال ـ على الأدلّة العقلية وعدم إلمامهما بالأخبار النقلية ، قال قدّس سرّه :
«... إلاّ أنّ من شأن السيّد وابن إدريس الاعتماد على الأدلّة العقلية بزعمهما وعدم مراجعة الأدلّة السمعية كما لايخفى على المتتبّع لكلامهما العارف بقواعدهما ، ولا سيّما المرتضى رضي‌الله‌عنه كما تصفّحت جملة من كتبه ، فإنّه في مقام الاستدلال على الأحكام التي يذكرها إنّما يورد أداة عقلية ولا يلمّ بالأخبار بالكلّية» (1).
الأمر الثاني : مجاراة الأصوليّين في منهجهم الاستنباطي ؛ وهي من المميّزات التي تفرّد بها البحراني من بين أقرانه من المنتسبين للمدرسة الأخبارية ، حيث إنّه في الوقت الذي كان يشير ويتطرّق إلى ذكر أدلّة الأصوليّين ويناقشها ويردّها فإنّه في الوقت نفسه نراه يجاريهم ويماشيهم في مصطلحاتهم ومناهج استدلالهم ، وبذلك يكون قد جمع في نواضر حدائقه بين المنهجين الأخباري والأصولي معاً في بحوثه الفقهية وإن كان من باب إلزام الأصوليّين بما ألزموا به أنفسهم ، وذلك بغية الوصول إلى ما يؤدّي إليه منهجه الأخباري من نتيجة.
وعلى أيّة حال فقد أضفى بطريقته تلك على الكتاب طابعاً أصوليّاً ولو من حيث الشكل وأزال الاستيحاش من نفوس من يقرؤوه من أتباع المدرسة الأصولية ، وبذلك يكون قد وسّع من دائرة انتشاره وساعد على الإقبال على دراسته ليعمّ اتّباع المدرستين معاً.
__________________
(1) الحدائق الناضرة 7 / 394 ـ 397.

وقد يكون من أبرز مظاهر مجاراته للمنهج الأصولي :
1 ـ التزامه بالإشارة إلى نوع الحديث الذي ينقله حسب اصطلاح الأصوليّين من حيث وصفه بالأقسام المعروفة عندهم من صحيح وحسن وموثّق وإلاّ فيذكره مجرّداً عن أحد هذه الأوصاف ، كما في روايات المسألة السابقة وكذا موارد كثيرة من كتابه ، فيقول مثلاً عند نقله للأحاديث التي استدلّ بها على طهارة الكافر الكتابي : «منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن العيص بن القاسم ... وحسنة الكاهلي قال ... ورواية عمّار الساباطي» (1) ، أو يقول عند نقله للروايات الدالّة على نجاسة الحديد : «ومن الأخبار على ذلك موثّقة عمّار عن الصادق» (2) ، وإذا كان الخبر مرسلاً نصَّ على ذلك كما في بحث أقلّ عدد تنعقد به الجماعة من قوله : «وروى في الفقيه مرسلاً ...» (3).
بل تخطّى لأكثر من ذلك ، حيث تطرّق لما هو أكثر خصوصية في ما يرتبط بالمقام ، فإذا كان الخبر مصنّفاً عند مَن يستدلّ به ضمن نوع من أنواعه الأربعة وعند آخرين من نوع آخر حسبما يختلفون فيه من قراءة رجال السند أشار إلى ذلك وبيّن نوعه على كلا الرأيين ، كقوله في مسألة وجوب الزكاة في غير الغلاّت الأربع : «وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم» (4) وكذلك يبيّن ويشير لو كان الخلاف في ذلك بينه هو وبين غيره ، كقوله في مسألة عدم
__________________
(1) انظر : الحدائق الناضرة 5 / 169 ـ 170.
(2) الحدائق الناضرة 5 / 233.
(3) الحدائق الناضرة 11 / 89.
(4) الحدائق الناضرة 12 / 108.

مفطرية مضغ الطعام وذوق المرق للصائم : «وما رواه الكليني في الصحيح عندي والحسن على المشهور ...» (1).
2 ـ التزامه بنقل دعاوى الإجماع والشهرة وعدم الخلاف عند نقل أقوال الفقهاء في المسألة حسبما وردت في كلامهم ، من ذلك نقله الإجماع كدليل على إثبات قاعدة العسر والحرج (2) ، وبذلك صار كتاب الحدائق مرجعاً ومصدراً للفقهاء الذين جاؤوا بعده في تنقيح معاقد الإجماعات والشهرات وعدم الخلاف ، وانعكس أثر ذلك في مؤلّفاتهم الفقهية ، من قبيل كتاب جواهر الكلام للشيخ النجفي ، حيث كثيراً ما تُنقل فيه دعوى الإجماع أو الشهرة أو عدم الخلاف في المسألة عن كتاب الحدائق (3) ، كلّ ذلك منه رغم إنكاره كأخباريّ لحجّية الإجماع ونحوه من المذكورات ، حيث إنّه يرى أنّ عدّه في جملة أدلّة الأحكام الشرعية من مخترعات العامّة وبدعهم وقد تسرّب ذلك إلى أصوليّي الشيعة في مؤلّفاتهم ، وأنّه بكلا قسميه المحصّل فضلاً عن المنقول ليس بحجّة ، وقد تطرّق لذلك صريحاً وتفصيلاً في كتاب الحدائق بحث صلاة الجمعة زمن الغيبة (4) ، وقبل ذلك في المقدّمة الثالثة من مقدّمات الكتاب (5).
__________________
(1) الحدائق الناضرة 13 / 75.
(2) الحدائق الناضرة 5 / 295.
(3) جواهر الكلام ، انظر 5 / 102. و 9 / 252 ، قوله : ... بل في الحدائق نفي الخلاف فيه تارة ودعوى الاتّفاق عليه أخرى.
(4) الحدائق الناضرة 9 / 361.
(5) الحدائق الناضرة ، المقدّمة الثالثة 1 / 35.

لكنّه مع ذلك جارى المستدلّين به ، فناقشهم تارةً في البحث الكبروي وأصل استيفاء شرط حجّيته عندهم وهو كشفه عن رأي المعصوم (1) ، ونقض عليهم أخرى ببحث صغرويّ بتحقّق الخلاف في المسألة من قبل بعض الفقهاء ، كما نقض به على من ادّعى الإجماع على عدم وجوب صلاة الجمعة عيناً في زمن الغيبة ، حيث قال :
«الرابع : تحقّق الخلاف في المسألة كما سيأتي نقله من متقدّمي الأصحاب كالشيخ المفيد والكليني والصدوق وأبي الصلاح والكراجكي ... وحينئذ كيف تتمّ دعوى الإجماع والحال ما عرفت» (2).
__________________
(1) الحدائق الناضرة 13 / 630 ، في مناقشته للإجماع الذي ادّعاه المحقّق الحلّي على أنّ من ملك أباه بغير عوض في مرض موته أنفق عليه من أصل التركة.
(2) الحدائق الناضرة 9 / 374.



4 ـ استنباط رأيه في المسألة في ذوق منهجه الأخباري ممّا يعرضه من الأخبار والآيات المفسَّرة بها دون غيرهما ممّا يعتمده الأصوليّون من أدلّة :
كثيراً ما كان يختلف المصنّف مع العديد من الفقهاء الأصوليّين الذين يورد آراءهم الفقهية بأدلّتها التفصيلية ، وكثيراً ما كان يناقش آراءهم ومستنداتهم وأدلّتهم تلك في كثير من المسائل المطروحة في الكتاب ، إلاّ أنّ اللافت في الأمر أنّ مناقشاته تلك قد اتّسمت بالموضوعية والاعتدال من دون أن يجرّه الاختلاف المذكور إلى التشنيع عليهم أو المساس بأشخاصهم أو الوقيعة فيهم ، نعم كان لا
 

يجامل ولا يتردّد في بيان رأيه في المسألة في ضوء ما يعرضه من الأخبار والآيات القرانية المفسَّرة بها والعمومات القطعية والقواعد الكلّية والأصول العملية المستفادة منهما دون غيرهما ممّا يعتمده الأصوليّون من الأدلّة ، وهذا ما كان يقوم به في كلّ مسألة فقهية يتطرّق لبحثها في الكتاب ، وتُعدّ هذه العملية في الواقع صلب الممارسة الفقهية في كتاب الحدائق.
وممّا لاشبهة فيه أنّ استنباط رأيه في المسائل المتفرّقة كان يستند إلى ضوابط معيّنة وأمور كلّية تستند لمقوّمات وقواعد عامّة يمكن تلخيصها في مجموعة من الأمور ، وهي :
الأمر الأوّل : تصحيح جميع الأخبار الواردة في المسألة والمنقولة من الأصول المعتمدة عنده من دون فرق بين ما اصطلح عليها عند الأصوليّين بالصحيح أوغيره ، وذلك بالطبع وفقاً لمنهجه الأخباري الذي بيَّنه في مقدّمات كتابه القائم على أساس الاعتقاد بصحّة جميع الأخبار الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام المأخوذة عن الأصول الأربعمائة المعتمدة عند الشيعة والمودعة في كتب الحديث سواء الأربعة المعروفة أم غيرها من مصادر الحديث المعروفة عندهم وبغضّ النظر عن أسانيدها ، وتفسير الاختلاف والتعارض الحاصل فيما بينها في عديد من الموارد بصدور قسم منها عن الأئمّة على أساس التقية ـ وإن لم يوجد به قائل من العامّة ـ وليس لأنّها موضوعة أو مدخول فيها من قبل الرواة ، وإنّ هذا هو المنهج الذي سار عليه قدماء علماء الإمامية وبقي كذلك حتّى مجيء العلاّمة الحلّي وأستاذه ابن طاووس في القرن السابع الهجري اللذَين استحدثا
 

تنويع الأخبار إلى الصحيح والحسن والموثّق والضعيف(1).
الأمر الثاني : تحقيق نصوص الأخبار وتصحيح ما وقع فيها من سقط أو تحريف أو تقطيع أو تصحيف أو نقل بالمعنى أو إضافة ليست منها ونحو ذلك يُعدّ من علل الحديث وآفاته ، وهذه الخطوة لها أثرها المهمّ في تقريب وتوجيه دلالة النصوص وما يستفاد منها من نكات وإشارات قد تُغيِّر ظاهر ما يبدو من دلالتها وتؤثِّر في ما يستفاد من معانيها.
ومن أمثلة ما وقع لمصنّفي كتب الحديث من إدخال كلامهم وإضافته في الروايات فيُحسب أنّه جزء منها ما أشار إليه المؤلّف في كتاب الصلاة مسألة لبس الرجل القَمِل للحرير ، قال :
«وقال الصدوق في الفقيه : ولم يُطلِق النبي لبس الحرير لأحد من الرجال إلاّ لعبد الرحمن بن عوف وذلك أنّه كان رجلاً قَمِلاً ، وتوهّم صاحب الذخيرة أنّ هذه العبارة من تتمّة خبر أبي الجارود المتقدّم فذكرها في الذخيرة في ذيل الخبر المذكور ، وهوسهو محض ، بل الظاهر أنّها من كلام الصدوق الذي يداخل به الأخبار فيقع فيه الاشتباه ، ولهذا لم يذكرها المحدّثان في الوافي والوسائل»(2).
الأمر الثالث : التدقيق في اختلاف الأخبار ودراسة المحاولات التي ذكرها الفقهاء للجمع والتوفيق في ما بينها وعلاج تعارضها بترجيح بعضها على بعض بأحد المرجّحات المقبولة عنده ، وعند التساوي ردّ علمها إلى أهلها ثمّ الاحتياط
__________________
(1) انظر المقدّمتين الأولى والثانية من الحدائق الناضرة 1 / 4 ـ 26.
(2) الحدائق الناضرة 7 / 92.
           

والتوقّف في المسألة ، وتكتسب هذه العملية أهمّية خاصّة في منهج المؤلّف الفقهي لما فرضه هذا المنهج من اتّساع دائرة معالجة تعارض الأخبار وشمولها لكلّ ما عدّه فقهاء المنهج الأصولي حسب اصطلاحهم ضعيفاً وأقصوه عن مجال المعارضة ، وبذلك اتّسع مجال الاختلاف والتعارض فيما بينها الأمر الذي اقتضى من المؤلّف جهداً أكبر في النظر فيه ومعالجته ، وبالتالي أخذ من كتابه حيّزاً أوسع لبحثه.
الأمر الرابع : الاستدلال بالعمومات القطعية عند عدم ورورد ما يصلح لتخصيصها ، والمقصود بهذه العمومات الأدلّة العامّة المستفادة من آيات القرآن الكريم والأخبار الواردة عن الأئمّة المعصومين دون ما بناه الأصوليّون أو تبنّوه منها على التعليلات والتخريجات العقلية ، وهي من قبيل أصل الطهارة وأصل الحلّية والاستصحاب وقاعدة التجاوز وعمومات دفع الضرر وحلّية المحرّمات ونحو ذلك ممّا أشار إليه في المقدّمة الحادية عشرة من مقدّمات الحدائق(1) ، ومثال الأخير كالذي ذكره في مسألة جواز أكل المحرِم للصيد في حال الضرورة ، قال :
«ويدلّ عليه جملة من العمومات الدالّة على وجوب دفع الضرر عن النفس من الكتاب والسنّة وتحليل المحرّمات في مقام الضرورة ، وخصوص جملة من الروايات الدالّة على أنّه يأكل الصيد ويفدي»(2).
__________________
(1) الحدائق الناضرة 1 / 133.
(2) الحدائق الناضرة 15 / 164.
           

الأمر الخامس : العمل بالقواعد الكلّية المستفادة من جزئيّات الأحكام بموجب تنقيح المناط القطعي ، والمقصود من تلك القواعد تلك التي تستفاد من جزئيّات الأحكام في الموارد المتفرّقة نظراً إلى اشتراك جميعها في علّة الحكم ، وهذا هو حال غالب القواعد الفقهية فإنّها تكون مستنبطة من موارد جزئية ، وقد أشار المصنّف إلى جملة منها في مقدّمة الحدائق(1) ، وكذا في مواضع أُخر منه ، من ذلك ما جاء في بحث ميتة غير الآدمي ممّا له نفس سائلة قائلاً :
«ولايخفى على من أعطى النظر حقّه أنّ أكثر الأحكام الشرعية التي صارت بين الأصحاب قواعد كلّية إنّما حصلت من تتبّع جزئيّات الأحكام وضمّ بعضها إلى بعض كالقواعد النحوية المبنية على تتبّع كلام العرب ، وإلاّ فوجود الأحكام بقواعد مسوّرة بسور الكلّية لايكاد يوجد إلاّ نادراً»(2).
الأمر السادس : العمل بأصالة البراءة في ما تعمّ به البلوى من الأحكام ، بمعنى البناء على براءة الذمّة من التكليف في الوقائع التي تعمّ بها البلوى لكن بشرط البحث عن الدليل على الحكم في مضانّه المعهودة واليأس من العثور عليه ، ومن أمثلة ذلك ما ذكره بخصوص مسألة عدم بطلان الصلاة في المسجد لمن أخلّ بشرط إزالة النجاسة عنه ، قائلاً :
«... والحقّ أن يقال : إنّ الأحكام الشرعية توقيفية من الشارع ، فلو كان لهذه المسألة أصل مع عموم البلوى بها لخرج عنهم عليهم‌السلام ما يدلّ عليها أو يشير إليها ،
__________________
(1) انظر : الحدائق الناضرة ، المقدّمة الحادية عشرة 1 / 146.
(2) الحدائق الناضرة 5 / 60.
           

وحيث لم يخرج فيها شيء سقط التكليف بها ، إذ لا تكليف إلاّ بعد البيان ولامؤاخذة إلاّ بعد إقامة البرهان ، وهذا يرجع إلى ما قدّمنا ذكره في غير موضع وبه صرّح المحدّث الأمين الإسترآبادي من الاستدلال بالبراءة الأصلية والعمل بها فيما يعمّ به البلوى من الأحكام»(1).
الأمر السابع : الأخذ بالأصول والقواعد العملية المستفادة من النصوص الشرعية ، ويُقصد بها الأصول والقواعد التي تعيِّن الوظيفة العملية عند الشكّ والتي دلّت عليها النصوص الشرعية ، من قبيل أصالة الطهارة في كلّ ما لايعلم بنجاسته ، وأصالة الحلّ في كلّ ما لاتعلم حرمته ، وقاعدة التجاوز الواردة في أفعال الصلاة المستفادة من النصوص وكلام الفقهاء والتي تنصّ أنّه متى شكّ المصلّي في شيء من أفعال الصلاة وقد دخل في غيره فلا يلتفت(2).
ومن أمثلة الاستدلال بأصالة الطهارة في كلّ ما لايعلم بنجاسته ما ذكره بعد تعرّضه للبحث في حكم الظنّ بملاقاة النجاسة ، قال : «قد عرفت ممّا تقدّم أنّ الأصل الطهارة في كلّ شيء حتّى يقوم الدليل الشرعي على النجاسة ولايكفي مجرّد الظنّ ، وهذا الأصل وإن لم يَرِد بقاعدة كلّية في ما سوى الماء إلاّ ما يتناقله الفقهاء في كتب الاستدلال من قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» مع عدم وجوده في كتب الأخبار فيما أعلم ، إلاّ أنّ هذه مستفادة من جملة من الأخبار
__________________
(1) الحدائق الناضرة 5 / 294.
(2) انظر المصدر السابق 9 / 177.
           

بضمّ بعضها إلى بعض ، بل ظاهرة من بعضها أيضاً»(1).
الأمر الثامن : التوقّف في حكم المسألة والاحتياط فيها عند خلوّها من الدليل النقلي الواضح خصوصاً أو عموماً وعدم إمكان جريان الأصل المؤمِّن ـ أعني البراءة ـ فيها ، وقد التزم بذلك بناءً على ما توجبه عنده قاعدة تثليث الأحكام إلى حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك من التزام جادّة الاحتياط في كلّ ما لم يرد فيه توقيف شرعيّ من موارد الشبهة ، ولا شكّ في أنّ ذلك يشكّل مبدءاً من المبادئ الأساسية في مذهبه الأخباري ، وقد وضّحه في المقدّمتين الثالثة والرابعة من مقدّمات كتابه وتقدّم تطبيقه في مسألة الجمع في نكاح الفاطميّتين(2) ، وكذا ما ذكره في مقام تحديد ضابط الفعل الكثير المبطل للصلاة ردّاً على العلاّمة الحلّي الذي أرجع في مثل ذلك ممّا لم يُنصّ عليه إلى العرف ، قال :
«وأمّا قول العلاّمة في ما قدّمناه من كلامه أنّ عادة الشرع ردّ الناس في ما لم ينصّ عليه إلى عرفهم فهو ممنوع أشدّ المنع ، بل المعلوم من الأخبار على وجه لا يعتريه غشاوة الإنكار عند من جاس خلال الديار عند فقد النصّ إنّما هو الوقوف والتثبّت والأخذ بالاحتياط ، وقد تقدّمت في ذلك الأخبار»(3).
5 ـ الإشارة إلى بعض المعطيات الأخرى المستفادة من بعض التطبيقات المتفرّقة :
والمستفاد من طرحه لبعض المسائل المطروحة في الكتاب ـ مضافاً لما مرّ
__________________
(1) الحدائق الناضرة 5 / 255.
(2) الحدائق الناضرة 23 / 545.
(3) الحدائق الناضرة 9 / 42.
           

من خصائص تقدّمت الإشارة إليها في الأمثلة السابقة ـ ما يلي :
الأمر الأوّل : طرح عنوان بعض البحوث الفقهية على شكل سؤال استفهامي لا تقريري كما تقدّم من مسألة نكاح الفاطميّتين ، حيث جاءت صياغة المسألة : «هل يجوز الجمع بين اثنتين من ولد فاطمة عليها‌السلام أو لا»(1) ، وهذا الأسلوب أحياناً يكون أبلغ وأنجع في طرح موضوع البحث من أن يكون طرحه بنحو مجرّد العنوان كما لايخفى ، وقد اتّبع المصنّف هذا الأسلوب في كثير من مسائل بحوثه ، من ذلك ما جاء في تنبيهات حكم ماء الحمّام ، حيث صاغ البحث بسؤال استفهامي : «هل يشترط بناء على القول بكرِّيّة المادّة بلوغ المادّة وحدها كرّاً ... أو يكفي بلوغ المجموع منها وممّا في الحياض كرّاً»(2) ، وأيضاً ما ذكره في الفائدة الحادية عشرة من حكم الماء المستعمل في الحدث الأكبر ، قائلاً : «هل يختصّ البحث في هذه المسألة والخلاف فيها بما كان قليلاً فقط أو يشمل الكثير أيضاً»(3).
الأمر الثاني : الإشارة إلى تحديد بداية تاريخ طرح المسألة فقهيّاً وذكر العصر الذي تمّ طرحها فيه ومن ابتدأ بالتطرّق إلى ذكرها من الفقهاء كما في المسألة المشار إليها آنفاً ـ أعني حرمة الجمع بين الفاطميّتين في النكاح ـ من قوله : «لم يحدث فيها كلام إلاّ في هذه الأعصار الأخيرة وإلاّ فكلام المتقدّمين من
__________________
(1) الحدائق الناضرة 23 / 542.
(2) الحدائق الناضرة 1 / 207.
(3) الحدائق الناضرة 1 / 457.
           

أصحابنا رضوان الله عليهم والمتأخّرين خال من ذكرها والتعرّض لها»(1). والإشارة إلى هذا الأمر له ميّزاته ، منها أنّه يعطي للباحث رؤية واضحة في هذا المجال تسهّل عليه تتبّع الآراء والأقوال فيها ، وذلك بالرجوع إلى زمان تصنيفها وترك المصادر السابقة على ذلك زماناً ومصدراً.
بل في بعض الأحيان يكون المصنّف هو أوّل من يبدأ تفريعاً على بعض المسائل الفقهية مستنبطاً لحكمها من الأخبار من دون أن يسبقه إلى ذلك سابق ، وهذه تعتبر ميزة مهمّة في الكتاب مضافاً لما يمتاز به من أمور كثيرة ، ومثال ذلك ما ذكره تفريعاً على مسألة حكم إرضاع الأمّ ، حيث قال : «ظاهر بعض الأخبار استحباب الإرضاع من الثديين معاً ، وهذا الحكم لم يتعرّض له أحد من الأصحاب فيما أعلم»(2).
الأمر الثالث : إنّه أسند الحكم الذي استنبطه في المسألة المذكورة ـ وهو حرمة الجمع في النكاح بين فاطميّتين ـ إلى كبار أعلام الفقه وأئمّة الحديث أمثال الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي وإن لم يكونوا قد صرّحوا بذلك أو نصّوا عليه صراحة في أىّ من مصنّفاتهم الفقهية أو الحديثية ، وذلك استناداً لما فهمه من طريقة سردهم للرواية المثبِتة للحرمة بالكيفية التي نقلوها في مجاميعهم الحديثية ، ولِمَا كانوا قد صرّحوا هم به في كيفية تصنيفهم لتلك المجاميع الحديثية ونقلهم للروايات المودعة فيها ، ممّا يعني إلمامه الكامل بتلك المجاميع المؤلّفة
__________________
(1) الحدائق الناضرة 23 / 542.
(2) الحدائق الناضرة 25 / 77.
           

وبكيفية تأليفها وبمنهجية أصحابها في سردهم لتلك الأخبار في مصنّفاتهم تلك وكيفية فهمهم الفقهي منها ومن ثمّ استنباط رأيهم طبقاً لكلّ ذلك.
الأمر الرابع : الإشارة إلى مسلك أصحابه ـ من الأخباريّين ـ من التوقّف والاحتياط عند خلوّ الواقعة من الدليل النقلي الواضح الدلالة على الحكم ، وقد التزم بذلك بناءً على ما توجبه عندهم قاعدة تثليث الأحكام إلى حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك ، ولا شكّ في أنّ هذا الأمر يشكّل مبدءاً من المبادئ الأساسية في المذهب الأخباري ، وقد جرّه ذلك ـ كما سائر الأخباريّين ـ إلى التوقّف والاحتياط في الكثير من المسائل الفقهية المشكوكة الحرمة ، وقد أشار لهذا المعنى في بعض مقدّمات الكتاب كما تقدّم(1).
__________________
(1) الحدائق الناضرة ، المقدّمة الثالثة 1 / 44. وانظر أيضاً المقدّمة الرابعة التي عقدها في بحث مسألة الاحتياط : 65.
           

 

الفصل الثالث
المنهج الموسوعي عند صاحب الجواهر
المبحث الأوّل
معالم المدرسة الأصولية
 

تمهيد :
تأريخ تأسيس المدرسة الأصولية الإمامية ومراحل تكاملها حتّى عصر صاحب الجواهر :
إنّ أهمّ ما شَغل علماء الإمامية في عصر الغيبة وانتهاء عصر النصّ هو البحث عن الدليل عند استنباط الحكم الشرعي ، وذلك نظراً لوقوع الحوادث والمستجدّات التي تتطلّب بذل المزيد من الجهد واستنباط الأحكام الشرعية المتكفّلة لها أو على الأقلّ تحديد الوظيفة العملية للمكلّفين تجاهها ، ولكن البحث عن الدليل واستنباط الحكم منه لم يكن من القضايا الميسورة التي يستطيع المستنبِط إنشاء نظرية متكاملة بمفرده وبمعزل عن التظافر العلمي الجماعي في النقد والتنقيح والإضافة والتجديد ، وبالفعل هكذا كان ، فقد تظافرت جهود فقهاء أهل البيت عليهم‌السلام لفترة قرون كاملة أثمرت خلالها من إنشاء نظرية أصولية في غاية المتانة في علم القواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي(1).
وقد كان محور المشكلة التي واجهت الفقهاء في العصر المشار إليه هو
__________________
(1) انظر : المعالم الجديدة للأصول : 51 ، و : 55.
           

الحجّية في نطاقها العامّ بما فيها حجّية ظواهر الكتاب الكريم وحجّية خبر الواحد الناقل لقول المعصوم وحجّية الإجماع وأيضاً حجّية العقل أو ما يسمّى بالدليل العقلي ، فكان موضوع علم الأصول دائماً ومنذ عصر التأسيس هو البحث عن الأدلّة المشتركة في الاستدلال الفقهي ، ولهذا السبب بدت الحاجة إلى علم الأصول الذي عُرِّف بأنّه العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط الشرعي(1) ، ولاشكّ أنّ البحث في دليلية تلك الأدلّة كان قد تطوّر بشكل كبير على مرّ العصور ووصل إلى ماوصل إليه من القمّة في التفكير الأصولي عند الإمامية ، إذ يبدو أنّ بحوث الأصول حتّى حين وصلت إلى مستوىً يؤهّلها للاستقلال بقيت تتذبذب بين علم الفقه وعلم أصول الدين حتّى أنّها كانت أحياناً تُخلَط ببحوث أصول الدين والكلام(2).
وفي هذا المجال ذكر المحقّق السيّد زهير الأعرجي في دراسة له عن المدارس الأصولية : إنّ المدارس الأصولية عند الإمامية رُتّبت على أساس التاريخ الزمني المحدّد بقرن كامل لكلّ مدرسة أصولية ، وعدّد في دراسته تلك إحدى عشرة مدرسة على طول السنين الألف الماضية من عمر التشيّع ، مبتدئاً بذكر مدرسة القرن الخامس الهجري لأنّه لم تكتشف ـ كما ذكر ـ نظرية إمامية في أصول الفقه قبل هذا التاريخ(3).
__________________
(1) المعالم الجديدة للأصول : 8.
(2) المعالم الجديدة للأصول : 48.
(3) النظرية الأصولية ، مجلّة تراثنا ، العدد 81 / 144.
           

وبالفعل فإنّه لم تكن هناك معالم واضحة ومدرسة متكاملة للإمامية تتكفّل بيان أصول وأركان وقواعد هذا الفنّ بنحو مستقلٍّ ، وإلاّ فممّا لا شكّ فيه وكما يقول الشهيد الصدر قدس‌سره : «إنّ بذرة التفكير الأصولي وُجدت لدى فقهاء أصحاب الأئمّة منذ أيّام الصادِقَين عليهما‌السلام على مستوى تفكيرهم الفقهي ، ومن الشواهد التاريخية على ذلك ما ترويه كتب الحديث من أسئلة ترتبط بجملة من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط وجَّهها عدد من الرواة إلى الإمام الصادق وغيره من الأئمّة وتلقّوا جوابها منهم»(1).
وهذا الكلام منه قدّس سرّه يشير بوضوح إلى أنّه كانت هناك أفكار أصولية لكنّها متناثرة هنا وهناك ولم تنهض إلى مستوى النظرية إلاّ في زمان متأخّر عن ذلك العصر ، أعني عصر الشيخ المفيد المتوفّى سنة (413هـ).
وإليك اختصار لما ذُكر من تلك المدارس حتّى القرن الثالث عشر الهجري (زمان الشيخ صاحب الجواهر) ، كي يتبيّن طبقاً لهذه الدراسة الترابط بين الأفكار الأصولية التي تطوّرت تدريجاً على مدى المئات من السنين.
المدارس الأصولية من القرن الخامس وحتّى القرن الثالث عشر الهجري (زمان صاحب الجواهر) :
أوّلاً : مدرسة القرن الخامس الهجري :
وأركان هذه المدرسة أربعة فقهاء عظام صنّفوا أربعة كتب مستقلّة في
__________________
(1) المعالم الجديدة للأصول : 47.
           

أصول الفقه ، وهم :
الشيخ المفيد (ت413هـ) وكتابه المختصر باسم : التذكرة في أصول الفقه والسيّد المرتضى (ت436هـ) وكتابه : الذريعة إلى أصول الشريعة والشيخ الكراجكي (ت449هـ) وكتابه : كنز الفوائد والشيخ الطوسي (ت460هـ) وكتابه : عُدّة الأصول.
وتتميّز هذه المدرسة بعرض ضبابي غير واضح لمطالب علم الأصول ، وأيضاً وجود خلط فيها بين علم أصول الدين وعلم أصول الفقه بالرغم من الاستقلالية النسبية التي حصل عليها علم الأصول ، نعم واصلت مدرسة القرن الخامس تطوّرها الأصولي ووصلت إلى درجة من الرقي في أبحاثها حينما انتقل شيخ الطائفة الطوسي إلى النجف الأشرف وكتب هناك عُدّة الأصول الذي يعتبر من أوائل الكتب التي تخلّصت من عقدة الخلط بين علمي الكلام والأصول وميّزت البحوث الأصولية عن الفقهية على أساس الفرق بين الأدلّة الإجمالية والأدلّة التفصيلية(1).
ثانياً : مدرسة القرن السادس الهجري :
ويقف على رأسها فقيهان جليلان هما : ابن زهرة حمزة بن علي الحلبي (ت585هـ) وابن إدريس محمّد بن منصور الحلّي (ت598هـ) ، وأهمّ مؤلّفات ابن زهرة : غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع حيث قام فيه بدراسة مستقلّة لعلم الأصول ، وأهمّ مؤلّفات ابن إدريس كتابه الفقهي المعروف : السرائر فقد ابتدأه
__________________
(1) المعالم الجديدة للأصول : 56.
           

بإعلان إيمانه بحجّية العقل بالإضافة ـ بالطبع ـ إلى النصوص الشرعية ، وعلى نحو المثال لما تضمّنه هذا الكتاب من مباحث أصولية يذكر الشهيد الصدر أنّ ابن إدريس في كتابه السرائر أبرز في استنباطه لأحكام المياه ثلاث قواعد أصولية وربط بحثه الفقهي بها(1).
ثالثاً : مدرسة القرن السابع الهجري :
وهي المدرسة التي ازدهرت في الحلّة وامتدّت مع مدارس القرن الثامن والتاسع الهجري إلى أكثر من ثلاثة قرون ونصف ، ابتدأت نظريّاً من ابن إدريس (ت598هـ) واضمحلّت في النصف الأخير من القرن العاشر الهجري ، وأهمّ أقطاب هذه المدرسة هو المحقّق جعفر بن الحسن الحلّي (ت676هـ) الذي كتب في علم الأصول كتابين هما : نهج الوصول إلى معرفة علم الأصول ومعارج الأصول.
رابعاً : مدرسة القرن الثامن الهجري :
ومن أعمدة هذه المدرسة العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف (ت726هـ) وولده فخر المحقّقين محمّد بن الحسن (ت771هـ) والشهيد الأوّل محمّد بن مكّي الجزيني (ت786هـ) ، وقد كتب العلاّمة أكثر من كتاب في أصول الفقه ، منها : تهذيب الوصول إلى علم الأصول ونهاية الوصول إلى علم الأصول وغيرهما ، كما أنّ لفخر المحقّقين كتابين في الأصول هما : غاية السؤول في شرح تهذيب الأصول وشرح المبادئ أمّا الشهيد الأوّل فله مضافاً لـ : ذكرى الشيعة كتاب : القواعد والفوائد في الفقه والأصول والعربية.
__________________
(1) المعالم الجديدة للأصول : 72.
           

وقد بلغ علم الأصول في هذه المرحلة درجة أعلى في الدقّة والعمق من أيّ وقت مضى ، ففي كتاب القواعد والفوائد ضمّن المصنّف كتابه ما يقرب من ثلاثمائة وثلاثين قاعدة أصولية وفقهية ونحوية ، إضافةً إلى فوائد تقرب من مائة فائدة والكثير من التنبيهات التي يغلب عليها الطابع الفقهي الاستدلالي.
خامساً : مدرسة القرن التاسع الهجري :
ولم يظفر هذا القرن إلاّ بفقيه واحد من فقهاء مدرسة الحلّة ، وهو المقداد بن عبد الله السيوري الحلّي (ت826هـ) الذي كتب شرح مبادئ الوصول لعلم الأصول للعلاّمة وسمّاه : نهاية المأمول وكذا له : نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية وأيضاً التنقيح الرائع في شرح المختصر النافع وكنز العرفان في فقه القرآن.
سادساً : مدرسة القرن العاشر الهجري :
وعلى رأس هذه المدرسة الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي (ت965هـ) الذي كان ملمّاً بأفكار المدارس الفقهية والأصولية ، وله كتاب : تمهيد القواعد الأصولية والعربية يتناول فيه مائة قاعدة أصولية وما يتفرّع عليها من الأحكام.
وبانتهاء القرن العاشر ينتهي دور مدرسة الحلّة في الفقه والأصول وتنتقل الحوزة العلمية الشيعية مجدّداً إلى النجف الأشرف.
سابعاً : مدرسة القرن الحادي عشر الهجري :
ومن أعمدتها ابن الشهيد الثاني الشيخ حسن بن زين الدين العاملي (ت
 

1011هـ) وكتابه المعروف : معالم الدين وملاذ المجتهدين الذي ألّفه حين إقامته في النجف ، وكذا الشيخ بهاء الدين العاملي المعروف بالشيخ البهائي (ت1031هـ) وكتابه : زبدة الأصول.
ويُعدّ كتاب معالم الدين نقلة نوعية في منهجة علم الأصول ، فإنّه مضافاً إلى دقّته في التعبير يحمل عمقاً جديداً في نظرية الاستدلال ، ولعلّ المنهجية لهذا السِّفْر الأصولي القيّم قد فتحت الأبواب لفهم أعمق لمباني الاستدلال الفقهي عند الطائفة وأشعرت الجميع بالحاجة إلى تكثيف الجهود من أجل إثراء علم الأصول بالقواعد العقلية التي لاتبعد كثيراً عن القواعد الشرعية.
ولاشكّ أنّ هذا القرن أنتج فقهاء كتبوا ودوّنوا في علم الأصول ، منهم : عبد الله التوني (ت1071هـ) وكتابه : الوافية في الأصول ومحمّد بن الحسن الشيرواني (ت1098هـ) الذي كتب حاشية على المعالم في الأصول ، وقد مدّت هذه المؤلّفات الأصولية روحاً جديدة في الفكر الأصولي خصوصاً وأنّ القرن التالي وهو الثاني عشر الهجري كان قمّة نشاط الحركة الأخبارية التي حاولت تقويض مباني علم الأصول في الصميم.
ثامناً : مدرسة القرن الثاني عشر الهجري :
وقد شهد هذا القرن ركوداً في النشاط الأصولي بسبب التأثيرات الفكرية التي تركتها الحركة الأخبارية على مجمل النشاط العلمي للطائفة ، وكان هناك مؤلَّفان في الأصول في هذا القرن ، وهما : حاشية شرح المختصر للعضدي تأليف آقا جمال الخوانساري (ت1125هـ) ، وشرح الوافية للسيّد صدر الدين بن محمّد
 

باقر الرضوي القمّي (ت1170هـ).
تاسعاً : مدرسة القرن الثالث عشر الهجري :
ويُعدّ هذا القرن من أنشط الحقبات الزمنية في تاريخ علم الأصول ، فقد زهر من بين ثناياه فقيهان من أعظم فقهاء الإمامية ، وهما : الوحيد الببهباني (ت1206هـ) في كربلاء ، والشيخ مرتضى الأنصاري (ت1281هـ) في النجف ، وقد احتلّت النجف في تلك الفترة وبالأخصّ في الربع الأوّل من هذا القرن موقعها القيادي والعلمي والفقهي من جديد(1).
الوحيد البهبهاني والفوائد الحائرية :
استطاع الوحيد البهبهاني في مدينة كربلاء التصدّي لأفكار الحركة الأخبارية منذ أن رفع رايتها محمّد أمين بن محمّد شريف الإسترآبادي بعد أن دامت ما يقرب القرنين ، خصوصاً وأنّ تسلّحه بالعلوم العقلية كان قد أعدَّه للدخول في صراع مكشوف مع رموز تلك الحركة في ذلك الوقت من أمثال الشيخ يوسف البحراني ، ومنذ ذلك الوقت بدأ النشاط الأخباري بالفتور ولم يبقَ من معالمه شيء.
جاء في المعالم الجديدة : «وقد قُدِّر للاتّجاه الأخباري في القرن الثاني
__________________
(1) انظر في تسلسل المدارس الأصولية : النظرية الأصولية نشوؤها وتطوّرها ، مجلّة تراثنا ، العدد 81 / 142 ـ 172. و : المعالم الجديدة للأصول : 54 ـ 88. و : موسوعة طبقات الفقهاء ، المقدّمة ، القسم الأوّل 1 / 427.
           

عشر أن يتّخذ من كربلاء نقطة ارتكاز له ، وبهذا عاصر ولادة مدرسة جديدة في الفقه والأصول نشأت في كربلاء أيضاً على يد رائدها المجدّد الكبير محمّد باقر البهبهاني ، وقد نصّبت هذه المدرسة الجديدة نفسها لمقاومة الحركة الأخبارية والانتصار لعلم الأصول حتّى تضاءل الاتّجاه الأخباري ومُني بالهزيمة»(1).
الشيخ الأنصاري وفرائد الأصول :
ثمّ قام أحد أبرز التلامذة عند طلاّب الوحيد وهو الشيخ مرتضى الأنصاري في مواصلة منهج أستاذ أساتذته الشيخ الوحيد بإزالة ما بقي من تلك الرواسب في الأذهان في كتابه فرائد الأصول بعد استيعاب كامل للحجج العقلية والشرعية ، وذلك من خلال طرح منهجية جديدة تماماً في علم الأصول كان محورها الأدلّة والحجج العقلية والشرعية ، فتناول من خلالها مباحث القطع والظنّ والشكّ والبراءة والاشتغال والاستصحاب والتعادل والتراجيح بدقّة متناهية بالتهذيب والتنقيح.
الشيخ محمّد حسن النجفي صاحب الجواهر :
لا شكّ أنّ القرن الثالث عشر أفرز إضافة إلى الشيخين البهبهاني والأنصاري حشداً كبيراً من علماء الفقه والأصول ، وقد استعادت مدينة النجف بهم رونقها العلمي ، فأصبحت مرّةً أخرى محطّ أنظار العالم الشيعي وقِبلة الفكر الفقهي
__________________
(1) المعالم الجديدة للأصول : 85.
           

والأصولي ، ومن أبرز أولاء الأعاظم ـ بعد مثل السيّد مهدي بحر العلوم (ت1212هـ) والشيخ جعفر الكبير (ت1227هـ) والميرزا القمّي (ت1231هـ) ـ الشيخ محمّد حسن النجفي (ت1266هـ) وموسوعته الفقهية الاستدلالية جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام ، تلك الموسوعة المبتنية على دعائم وقوانين المدرسة الأصولية وقواعد الاستنباط المرتكزة عليها أدلّة ومنهجية واستنتاجاً ، إذ يُعدّ صاحب الجواهر من النوابغ الذين تخرّجوا على كبار تلاميذ الوحيد البهبهاني ومدرسته الاستنباطية ـ وتقدّم في ترجمته أنّه كان قد ألّف كتاباً في الأصول إلاّ أنّه تلف ولم تسنح له الفرصة في إعادة كتابته ـ وبذلك يعتبر الشيخ محمّد حسن النجفي في منهجية كتابه هذا من أكابر الفقهاء الأصوليّين لأكبر مصنَّف فقهي استدلالي في القرن الهجري الثالث بعد العشرة.
محاور الخلاف بين المدرسة الأصولية والأخبارية :
انحصر الخلاف بين الأصوليّين والأخباريّين في دائرة الأحكام الشرعية الفرعية ولم يمتدّ إلى شيء من كلّيات العقائد وأصول الدين ، بل إنّ الفريقين لم يختلفا حتّى في تفاصيل العقيدة وجزئيّاتها ، لاعتمادهما معاً في جميع ذلك على ما ورد عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، بل لم يكن بين علماء الشيعة إلى زمان المحدّث الإسترآبادي وظهور حركته الأخبارية منهجان متقابلان باسم المنهج الأخباري والمنهج الأصولي حتّى يكون لكلّ منهج مبادئ مستقلّة تتناقض ومبادئ المنهج الآخر ، بل الجميع على خطٍّ واحد وإنّما الاختلاف في لون الخدمة وكيفية الأداء
 

كما عبّر الشيخ السبحاني(1).
يقول الشيخ البحراني : «إنّ العصر الأوّل كان مملوءاً من المجتهدين والمحدّثين مع أنّه لم يرتفع بينهم مثل هذا الخلاف ولم يطعن أحد منهم على الآخر بالاتّصاف بهذه الأوصاف وإن ناقش بعضهم بعضاً في جزئيّات المسائل»(2).
ولكن مع ذلك قد كثرت الأسئلة عن الفرق بين المجتهدين والأخباريّين ، وقد أكثر المسؤولون من ذكر وجوه الفرق في ذلك ، ولعلّ أسبقهم إلى ذلك ـ كما أفاد الدكتور العطية ـ الحرّ العاملي (ت1104هـ) في كتابه الفوائد الطوسية ، حيث أحصى في الفائدة الثانية والتسعين ثلاثاً وعشرين مسألة خلافية ردّاً على من زعم أنّ الخلاف بينهما لفظي(3) ، وأنهى من بعده الشيخ عبد الله بن صالح السماهيجي (ت1135هـ) في كتابه منية الممارسين الفروق إلى أربعين فرقاً أوجزها الخوانساري في روضات الجنّات في ثلاثين ، قائلاً : «إنّها ترجع إليها جميع الأمور التي ذكرها السماهيجي»(4) ، وأوجزها أيضاً المحدّث البحراني في الدرر النجفية في ثمانية فروق ، وقال : «إنّ ما ذكره شيخنا الصالح المتقدّم ذكره من الفروق وأطال به من الشقوق كثير منه ، بل أكثره تطويل بغير طائل وترديد لايرجع إلى
__________________
(1) موسوعة طبقات الفقهاء ، المقدّمة ، القسم الأوّل : 435.
(2) الحدائق الناضرة ، المقدّمة الثانية عشرة 1 / 169.
(3) الفوائد الطوسية : 446.
(4) روضات الجنّات 1 / 127.
           

حاصل»(1).
أمّا الأصوليّون فقد أوجز الوحيد البهبهاني القول بأنّها تتمثّل في فرق واحد ، قال قدّس سرّه : «إنّ مناط الفروق بين الأخباري والمجتهد هو نفس الاجتهاد : أي العمل بالظنّ ، فمن اعترف بالعمل به فهو مجتهد ، ومن ادّعى عدمه بل كون عمله على العلم واليقين فهو أخباري ، ولذا لايُجوّز الأخباري تقليد غير المعصوم»(2).
المسائل الأساسية التي اختلفت فيها المدرسة الأخبارية والأصولية :
وقد جمعت المسائل الأساسية التي اختلفت فيها المدرستان بما يلي :
أوّلاً : في الوقت الذي يرى أصحاب المدرسة الأخبارية بقطعية صدور كلّ ما ورد في الكتب الحديثية الأربعة من الروايات كما تقدّم الذكر في معالم المدرسة الأخبارية فإنّ لدى الأصوليّين رأي آخر بهذا الشأن ، إذ أنّهم لا يرون صحّة كلّ ما روي فيها ، بل يقسّمون الحديث إلى الأقسام الأربعة المشهورة بينهم : الصحيح والحسن والموثّق والضعيف ، ويأخذون بالثلاثة الأوَل دون الأخير ، بلا فرق في ذلك بين المودَع من الأحاديث في الكتب الأربعة أو غيرها من كتب الحديث والرواية(3).
__________________
(1) الدرر النجفية 3 / 290.
(2) الفوائد الحائرية ، الفائدة الثامنة : 131.
(3) انظر : مشرق الشمسين : 24.
           

ثانياً : إنّ الأصوليّين يذهبون إلى صحّة إجراء البراءة في الشبهات الحكمية الوجوبية والتحريمية استناداً إلى العقل والأدلّة النقلية ، وهذا بخلاف الأخباريّين القائلين بعدم جريانها في الشبهات الحكمية التحريمية(1).
ثالثاً : نفي الأخباريّين الاحتجاج بالكتاب الكريم على ما بُيّن في مدرستهم ، وهذا بخلاف ماترتئيه المدرسة الأصولية القائلة بحجّية ظواهر الكتاب الكريم في الأحكام الشرعية ، حتّى صنّف جملة منهم كما يقول صاحب الحدائق كتباً في الآيات المتعلّقة بالأحكام الفقهية وهي خمسمائة آية(2).
رابعاً : نفي حجّية الإجماع على ماهو المعروف بين الأخباريّين ، أمّا الأصوليّون فيتمسّكون به إذا كان من الإجماع المحصّل الكاشف عن رأي المعصوم ، وبحكمه إن كان منقولاً بنحو التواتر(3).
خامساً : نفي حجّية حكم العقل على ما تقدّم في مدرسة الأخباريّين ، أمّا عند الأصوليّين فيرون الحجّية الكاملة للعقل واعتبروه دليلا من أدلّة الحكم الشرعي ، لكن ضمن ضوابط معيّنة ومحدّدة أوضحوها في كتبهم الفقهية والأصولية(4).
__________________
(1) انظر : رسالة البراءة : 354. و : الفوائد المدنية : 279 و334.
(2) الحدائق الناضرة 1 / 27.
(3) انظر : الذريعة إلى أصول الشيعة : 420. و : عُدّة الأصول : 2 / 602. و : أصول الفقه 2 / 98.
(4) انظر : ذكرى الشيعة 1 / 52. و : المعتبر 1/ 31. و : أصول الفقه 1 / 121.
وانظر في وجوه الخلاف بين المدرستين : الحدائق الناضرة ، المقدّمة الثانية عشرة 1 / 167.
           

وتجدر الإشارة إلى أنّ فكرة الدليل العقلي لم تكن قد تحدّدت وتجلّت عند الأصوليّين وقت بروز المدرسة الأخبارية كما أصبح عليه حالها بعد ذلك في بحوث المدرسة الأصولية الحديثة التي عرّفت المراد منه بأنّه كلّ حكم للعقل يوجب القطع بالحكم الشرعي أو كلّ قضية عقلية يتوصّل بها إلى العلم القطعي بالحكم الشرعي ، وقد لفت النظر إلى هذه الظاهرة الشيخ المظفّر في كتابه أصول الفقه عند قيامه بتحديد ماهو المقصود بالدليل العقلي ، حيث قال : «وأوّل من وجدته من الأصوليّين يصرّح بالدليل العقلي الشيخ ابن إدريس المتوفّى (598هـ) ، فقال في السرائر : فإذا فقدت الثلاثة ـ يعني الكتاب والسنّة والإجماع ـ فالمعتمد عند المحقّقين التمسّك بدليل العقل فيها ...»(1).
المبحث الثاني
تطبيقات المنهج الموسوعي عند صاحب الجواهر
تمهيد :
تقدّم أنّ القرن الثالث عشر الهجري كان من أنشط الحقبات الزمنية التي شهدها علم الأصول بعد ركود وخمول بسبب التأثيرات الفكرية التي تركتها الحركة الأخبارية على مجمل معالم النشاط الاستنباطي للطائفة ، وبالفعل فقد شهد هذا القرن حركة علمية واسعة في كربلاء مبتدئة بالمجدّد الكبير العلاّمة محمّد باقر المعروف بالوحيد البهبهاني (ت1206هـ) وبلغت غاية ازدهارها في النجف
__________________
(1) أصول الفقه للمظفّر 2 / 122. وانظر : السرائر 1 / 46.
           

الأشرف زمان الشيخ محمّد حسن النجفي صاحب الجواهر ، وقد شهد عصره وما بعده وجود كبار الفقهاء وفطاحل العلماء الأصوليّين أمثال الشيخ مرتضى الأنصاري (ت1281هـ) وكتابه الفريد فرائد الأصول والذي كان قد وصل إلى الزعامة الدينية بعهد من الشيخ صاحب الجواهر نفسه.
وقد جاء في بعض المصادر ما معناه أنّ الحركة العلمية التي قادها رائد الفكر والتحقيق المحقّق البهبهاني خلّفت وراءها أجيالاً من العلماء الفطاحل وتراثاً علميّاً ضخماً في مجالي الفقه والأصول ، وإنّ ثلّة من تلامذته ألَّفوا موسوعات فقهية وأصولية دحضوا بها حجج الأخباريّين ومهّدوا الطريق لظهور حركة علمية جديدة تتمتّع بالاستضاءة من التراث العلمي الذي خلّفه المحقّق البهبهاني وتلامذته مع إبداع أسلوب جديد في الأصول والفقه ، ورائد هذه الحركة الجديدة هو الشيخ المدقّق مرتضى بن محمّد أمين المعروف بالأنصاري الذي انتُخب مرجعاً للشيعة بعهد وإيصاء من الشيخ محمّد حسن النجفي صاحب الجواهر حين لبَّى نداء ربّه عام (1266هـ)(1).
وقد نتج عن ذلك نشوء مدرسة أصولية متكاملة الصفوف ومستكملة المراحل ومستجمعة الملامح في أدلّتها وحججها العقلية كما الشرعية ، متناولة بدقّة متناهية بالتهذيب والتنقيح أمّهات مباحث الاستنباط الأصولية ، كمباحث القطع والظنّ والشكّ وبحوث البراءة والاشتغال وأيضاً مسائل التعادل والتراجيح.
ولئن عُدَّ كتاب الحدائق أكبر مصنّف فقهي استنباطي على المذاق الأخباري
__________________
(1) موسوعة طبقات الفقهاء ، المقدّمة ، القسم الثاني : 431.
           

فإنّ كتاب الجواهر بالتأكيد لهو الأكبر والأوسع والأضخم تأليفاً ومصنَّفاً ليس على طريقة المدرسة الأصولية فحسب بل على مستوى الطائفة كلّ الطائفة ، لكنّه بالتأكيد حاو لمباني المدرسة الأصولية الاجتهادية وبكلّ أبعادها العلمية ، والكتاب وإن عُدَّ في كتب الشروح ومن ضمن مصنّفاتها ـ باعتباره شرحاً وتفسيراً وبياناً لكتاب شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي من فقهاء القرن السابع الهجري وأحد أشهر علماء الإمامية ـ لكنّه يختلف عنها بخصوصيّاته الفريدة والنادرة ، وقد كان تصدّى لشرح الكتاب المذكور عدد كبير من الفقهاء وفيهم من يُشار إليه بالبنان ، أمثال الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي (ت965هـ)(1) والسيّد محمّد بن علي العاملي (ت1009هـ)(2) ، لكن يمكن القول أنّه لم يوفّق أحد من هؤلاء كما وفّق الشيخ النجفي في شرحه المسمَّى بـ : جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام ، إن كان من حيث إسهابه في الشرح ، أو من حيث الخصوصيّات الأخرى التي تفرّد بها هذا المصنَّف الفخم(3).
منهج الشيخ محمّد حسن النجفي في كتابه جواهر الكلام :
وكما تقدّم في المبحث الثاني من الفصل الثاني لهذه المقالة فإنّ المقصود
__________________
(1) له : مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام.
(2) له : مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام.
(3) ذكر الشيخ عبّاس القمّي في الفوائد الرضوية 2 / 726 عن بعض الأفاضل أنّه في نفس الوقت الذي كان يكتب فيه صاحبُ الجواهر جواهرَه كان هناك عشرون عالماً يكتبون شروحاً على الشرائع أيضاً ، ولم يتمّ ولا انتشر إلاّ جواهر الكلام.
           

من هذا العنوان هو الخطوات المتّبعة للمؤلّف في بحث مسائل كتابه ، وأنّه ولأجل معرفة منهجية أيّ مصنِّف فإنّه لابدّ من إيراد بعض الأمثلة والتطبيقات والنصوص من ذلك الكتاب كي يُتوصّل من خلالها لبعض المعطيات الفقهية المستفادة ، وهذا ما سأتبعه أيضاً بالنسبة لمعرفة منهجية صاحب الجواهر في الجواهر ، حيث سأذكر لأجل ذلك بعض التطبيقات والأمثلة الجزئية من كتابه بما يتناسب وحجم هذه المقالة ، وليكن ذلك ضمن مطالب ثلاثة :
المطلب الأوّل : حكم الماء القليل الراكد غير البئر من حيث انفعاله بالنجاسة :
جاء في كتاب جواهر الكلام تعليقاً على قول المحقّق نجم الدين في بحث الماء المطلق وتحديداً عند التعرّض لحكم الماء المحقون : «وأمّا المحقون فما كان منه دون الكرّ فإنّه ينجس بملاقاة النجاسة» ما نصّه :
«والمتنجّس وإن لم يتغيّر أحد أوصافه ، للنصوص المستفيضة بل المتواترة وفيها الصحيح وغيره وستسمعها ، وللإجماع محصّلاً ومنقولاً ، نصّاً وظاهراً ... وقد وقعت حكاية الإجماع للأساطين من علمائنا كما عن المرتضى رحمه‌الله في الناصريّات ، والشيخ في الخلاف والاستبصار ، وابن زهرة في الغنية ، وفي المختلف مستثنياً ابن أبي عقيل ، ومثله في المدارك ، وعن المهذّب (شرح النافع) : الإجماع ، وندر ابن أبي عقيل. وربّما استدلّ أيضاً بما وقع من نقل الإجماع على نجاسة سؤر اليهودي والنصراني ، والإجماع على غَسل إناء الولوغ ثلاثاً ،
 

والإجماع على تحديد الكرّ بالأرطال على ما دلّت عليه مرسلة ابن أبي عمير ...»(1).
ثمّ بعد ما يبيّن بعض التأمّلات في دلالة بعض تلك الإجماعات على حكم المسألة ـ أعني انفعال الماء القليل بملاقاة النجس أو المتنجّس ـ يتطرّق إلى ذكر المصدر الثاني للحكم ألا وهو السنّة الشريفة قائلاً :
«والسنّة ، منها الصحيح في التهذيب والكافي وعن الاستبصار كذلك وعن الصدوق مرسلاً عن محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله عليه‌السلام ـ وسُئل عن الماء الذي تبول فيه الدوابّ وتلِغ فيه الكلاب ويَغتسل فيه الجُنب ـ قال : (إذا كان الماء قدر كرٍّ لم ينجّسه شيء) ورواه الشيخ في الصحيح ـ كما قيل ـ والكليني في الحسن بإبراهيم بن هاشم كذلك عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : (إذا كان الماء قدر كرٍّ لم ينجّسه شيء)»(2).
وبعد تقريرِ دلالة هذه الرواية على الحكم الذي ذهب إليه تبعاً للماتن وذِكرِه بعض ما يرتبط بمباحث المفاهيم وإثبات حجّيته بدليل الفهم العرفي الحاكم بذلك ، يورد روايات عديدة تزيد على الأربعين رواية ، واصفاً كلّ واحدة منها وصفاً حديثيّاً من صحّة أو حسن أو قوّة أو إضمار أو موثّقية أو يوردها خالية عن أحد هذه الأوصاف ، ويرويها من عدّة مصادر حديثية كالكتب الأربعة وغيرها من كتب الحديث مثل بصائر الدرجات والفقه الرضوي وقرب الإسناد ومسائل
__________________
(1) جواهر الكلام 1 / 239.
(2) جواهر الكلام 1 / 242.
           

علي بن جعفر ونوادر الراوندي ، وهي تدلّ بمجموعها ـ منطوقاً أو مفهوماً ، صراحة أو ظهوراً ، إشعاراً أو إيماءً ـ على حكم المسألة المذكورة ، أعني انفعال الماء القليل بمجرّد الملاقاة للنجس أو المتنجّس.
ثمّ يتطرّق لما يمكن أن يُستدلّ به للحكم من نصوص وردت في موارد متفرّقة ، مقرّراً حكم النجاسة لهذا الماء بإصابته مطلق النجس أو المتنجّس من دون تخصيص لصنف أو نوع أو حالة ، وهي :
1 ـ ما ورد في البئر وأنّه واسع لايفسده شيء لأنّ له مادّة.
2 ـ ما ورد من نهي النائم أن يُدخِل يده في الإناء قبل الغسل لأنّه لا يدري بها أين باتت.
3 ـ ما جاء من النهي عن الاغتسال في غُسالة الحمّام لما فيها من غسالة الناصب وغيره وأنّه أنجس من الكلب.
4 ـ أخبار الإنائين المشتبهين.
5 ـ أخبار النهي عن سؤر الحائض مع التهمة.
6 ـ خبر العيص بن القاسم المروي في ماء الغُسالة فيمن أصابته قطرة من طست فيه وضوء فإنّه عليه‌السلام أمره بالغسل من ذلك.
7 ـ خبر عبد الله بن سنان لتضمّنه النهي عن الوضوء فيما يغسل به الثوب ويغتسل به من الجنابة لعدم القائل بالفصل.
مضيفاً إلى ذلك قوله :
«... إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة والمؤيّدة وهي كثيرة جدّاً ، وهي وإن
 

ناقشنا في دلالة المفهوم منها على العموم لكنّه يستفاد منها بعد التأمّل في أسئلتها قاعدة وهي نجاسة القليل بالملاقاة للنجس أو المتنجّس كما لا يخفى على من لاحظها مع التأمّل ، وذلك لاشتمالها على نجاسة القليل بولوغ الكلب وملاقاة الدم وبدخول الدجاجة وشبهها واطئة للعذرة وشرب الخنزير ...»(1).
ثمّ بعد ذلك تطرّق لذكر ما يمكن أن يكون دليلا للقول الآخر المنسوب لابن أبي عقيل القائل بعدم تنجّس القليل إلاّ بالتغيّر ، ويستقصي تلك الأدلّة بالتالي :
1 ـ الأصول العملية المؤمِّنة من التكليف ، وهي أصل البراءة وأصل الطهارة واستصحاب بقاء الطهارة في الماء نفسه وفي الملاقي له.
2 ـ الآيات القرآنية الشريفة ، وهي قوله تعالى : (وَأَنْزَلْنا مِن السّماءِ مَاءً طَهُوْراً)(2) وقوله عزّوجلّ : (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِن السّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ)(3)وقوله جلّ من قائل : (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيْدَاً طَيِّبَاً)(4).
3 ـ الأخبار والروايات التي يمكن استفادة هذا الحكم منها ، قائلا : «والأخبار منها المستفيض عن الصادق عليه‌السلام أنّه قال : (الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر) ومنها عن الصادق عليه‌السلام أيضاً : (إنّ الماء طاهر لا ينجِّسه إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه
__________________
(1) جواهر الكلام 1 / 256.
(2) الفرقان : 48.
(3) الأنفال : 11.
(4) النساء : 43 ، المائدة : 6.
           

أو رائحته) وعن ابن أبي عقيل أنّه ادّعى تواتره»(1).
ثمّ يذكر تأييداً لهذا القول أكثر من ثلاثين رواية فيها الصحيح والمصحّح والمرسل والمستفيض والحسن والموثّق من كتب حديثية وفقهية أيضاً ، كالذي رواه عن كتاب مختلف الشيعة مرسلاً عن الباقر عليه‌السلام أنّه سئل عن القِربة والجرّة من الماء يسقط فيها فأرة وجُرذ أو غيره فيموتون فيها ، فقال : «إذا غلب رائحته على طعم الماء أو لونه فأرقه ، وإن لم يغلب عليه فاشرب منه وتوضّأ».
وبعد ذلك يشرع في مناقشة جميع الأدلّة المذكورة واحداً بعد آخر مناقشة دلالية أو سندية أو هما معاً.
أمّا الأصول المؤمِّنة من التكليف فلقصورها في الدلالة أوّلاً ، ولمعارضتها بما يخالفها من الأصول المثبتة له ثانياً ، ومع التسليم فأيضاً تسقط عن الحجّية لعدم مقاومتها للإجماعات الثابتة تحصيلاً ونقلاً والأخبار الكثيرة التي كادت تكون متواترة ـ إن لم تكن ـ الواردة على خلافها.
والكلام نفسه يأتي بالنسبة إلى الآيات المذكورة ، حيث القصور في الدلالة ، والتعارض بين المأثور في تفسيرها ، إذ أنّ ما ذكر في تفسيرها من عدم انفعال الماء المذكور بمجرّد الملاقاة معارض بغيره.
وأمّا الأخبار فبعد ما يردّ مجموعها بعدّة أمور ـ وهي : قصور دلالة البعض ، وضعف سند البعض الآخر ، والضعف والقصور في قسم ثالث منها ، مع عدم وجود الجابر لضعفها ، بل وجود الموهن ، وهو : إعراض الأصحاب عنها ،
__________________
(1) جواهر الكلام 1 / 260.
           

والإجماع على خلافها ، وموافقة مضمونها للعامّة ـ يبدأ بتضعيفها واحد بعد آخر بما في ذلك التي ادّعى ابن أبي عقيل تواترها قائلاً :
«أمّا الرواية التي ادّعى ابن أبي عقيل تواترها فهي مع أنّا لم نقف عليها بعد التتبّع التامّ في شيء من كتب الأخبار ، وكيف يُقبل منه هذا النقل مع تبيّن خلافه بما سمعت من الأخبار الكثيرة الصحيحة؟! بل ربّما نقل عن بعضهم أنّه عثر على ثلاثمائة خبر تقريباً تدلّ على النجاسة ، مع ما عرفت من اشتهار العمل بين قدماء الصحابة القريبين إلى عهد الأئمّة عليهم‌السلام ومتأخّريهم ...»(1).
وبعد ذلك يبيّن المصنّف خلاصة المسألة ونتيجة البحث وكيفية معالجة ما يبدو من التنافي بين الكَمّين من الروايات الواردة ، استناداً لما تمليه عليه صناعة الاستنباط الأصولي وضوابط قوانين معالجة التنافي والتعارض ، وذلك باختيار الطائفة الأولى المثبتة للانفعال والتنجّس ، والسبب الذي أشار إليه ونصّ عليه هو كما يلي : تفوّقها الكَمّي باعتبارها الأكثر عدداً ، تميّزها الكيفي باعتبارها الأظهر دلالة ، نيلها لعدّة امتيازات تمنحها الاعتبار والتقدّم على تلك الطائفة الأخرى وبالتالي طرح مفادها وعدم الأخذ بمضامينها ، كلّ ذلك يبيّنه بخلاصة كلام وإيجاز بيان قائلاً :
«والحاصل : هذه الأخبار ـ أي النافية للنجاسة مع عدم التغير ـ لو كانت صحيحة صريحة في المطلوب لما صلحت للمعارضة لما ذكرنا لكثرتها ـ أي كثرة الأخبار المثبتة للنجاسة مطلقاً ـ وإعراض الأصحاب عمّا يخالفها ، والإجماعات
__________________
(1) جواهر الكلام 1 / 279.
           

على مضمونها ، فكيف وهي كما عرفت من الضعف في سندها والقصور في دلالة الكثير منها مع موافقتها لكثير من العامّة كما نُقل ذلك عنهم»(1).
ثمّ في آخر المطاف هاجم المحدّث الكاشاني الذي انفرد وتفرّد باختيار القول المنسوب لابن أبي عقيل ، مُؤوّلاً لتلك الأخبار الدالّة على النجاسة على كثرتها وأظهريّتها على بعض المحامل البعيدة عن فهم العرف وأساليب الكلام ـ كحمل الأوامر فيها بالتطهير على الاستحباب ، وحمل النواهي بالاجتناب على الكراهة ، أو الإبقاء على ظاهرها في التحريم إلاّ أنّه عن خصوص الوضوء أو الغسل بذلك الماء ، ونحو ذلك ـ قائلاً :
«وما ذكره ـ أي الكاشاني ـ من الجمع بين الأخبار ممّا لايلتفت إليه ، ومنصبية الإمامة أجلّ من أن يكون جميع هذا الوارد منها محمولاً على بيان ما ليس محتاجاً إليه في بيانها لكونها من الأمور الحسّية ، ولا أظنّك تحتاج إلى بيان فساد ما جمع به بين الأخبار ، فإنّه مع عدم تأتّيه في بعضها كاد أن يكون خارقاً للإجماع من التفصيل بين الاختيار والاضطرار واستحباب التنزّه ونحو ذلك»(2).
وأخيراً يبيّن المصنّف سبب إطالة بحثه في هذه المسألة وإن كانت لاتحتاج بنظره إلى هذا التطويل ، بأنّه تبع في ذلك جملة من الأعلام والذي أثار حفيظتهم لذلك مخالفة الكاشاني فيها وفهمه غير الصائب للنصوص ، ممجِّداً بأستاذه السيّد مهدي بحر العلوم الذي بيّن الحكم وأظهره برسالة شافية وافية ، بقوله :
__________________
(1) جواهر الكلام 1 / 279.
(2) جواهر الكلام 1 / 280.
           

«وكأنّ هذه المسألة من البديهيّات التي لاينبغي إطالة الكلام فيها ، لكن تبعنا في ذلك أثر جملة من علمائنا الأبرار ، فإنّهم قد أطالوا في ذلك ، سيّما جناب سيّدنا المهدي والمُهدى ، فإنّه قد كتب في ذلك رسالة ، ولَعمري أنّها قد تجاوزت الغاية والنهاية ، وكان الذي دعاهم إلى ذلك خلاف الكاشاني وتمزيقه جملة من الأخبار الدالّة على المقام ، فكان الباعث على جمعها من سائر الأبواب»(1).
المطلب الثاني : حكم صلاة الجمعة زمن الغيبة :
أدلّة القائلين بعدم الوجوب :
جاء في كتاب جواهر الكلام مسألة صلاة الجمعة زمن غيبة الإمام عليه‌السلام وتحديداً عند تطرّق المحقّق لبيان شرائط وجوب هذه الصلاة بقوله : «ثمّ الجمعة لا تجب إلاّ بشروط : الأوّل السلطان العادل ، أو من نصّبه» ما نصّه :
«فبدونهما تسقط عيناً أو مشروعية ـ على اختلاف القولين المشتَرِكين في عدم وجوب عقدها حينئذ عيناً ـ بلا خلاف أجده بين الأساطين من علماء المؤمنين بل المسلمين ـ عدا الشافعي فلم يعتبرهما ـ بل هو من ضروريّات فقه الإمامية إن لم يكن مذهبهم ، بل يعرفه المخالف لهم منهم فضلاً عن المؤالف»(2).
ثمّ نقل فتاوى الفقهاء ودعواهم الإجماع مع ذكر أسامي كتبهم المنقول عنها تلك الفتاوى والإجماعات حكاية أو بالرجوع إليها مباشرة تؤيّد ـ كما قال ـ ظاهراً
__________________
(1) جواهر الكلام 1 / 281.
(2) جواهر الكلام 11 / 258.
           

بل صراحة نفي الوجوب العيني بدون توفّر الشرطين المذكورين ، أي : السلطان أو من نصبه ، مبتدئاً بما نقله عن الشيخ الطوسي في كتبه الفقهية كالخلاف والمبسوط والنهاية ، منتهياً بما نقله عن الوحيد البهبهاني في كتابه المصابيح وعن أستاذه الشيخ جعفر في كشف الغطاء ، مروراً بالسيّد ابن زهرة وابن إدريس والمحقّق والعلاّمة في كثير من كتبه وكذا ما عن التنقيح وكنز العرفان للفاضل السيوري والروضة كما الروض للشهيد الثاني وغيرهم في غيرها من المصادر الفقهية ، قائلاً :
«وكيف كان فلا ريب في الإجماع المزبور ، بل يمكن تحصيله من تتبّع نقلته فضلاً عن الفتاوى المجرّدة عنه ، كما أنّه يمكن تحصيل نتيجته مع قطع النظر عنه من عدّة أمور»(1).
ويسرد في هذا الصدد جملة من تلك الأمور التي أشار إليها :
منها : سيرة المتشرّعة وأصحاب الأئمّة والتي أشار إليها أساطين المذهب ووافقتها فتاواهم وإجماعاتهم واعترف بها المخالف ولم يسعه إنكارها مع شدّة حرصه على إنكار أدلّة الشرطية وبعد تنقيحها وإيراد ما يشهد عليها ويقرب دلالتها قال :
«فمن الغريب بعد ذلك كلّه مناقشة الشهيد وأتباعه في دلالة الفعل المزبور بعد تسليمه على الشرطية ، وكأنّه فرّ من قبح إنكار كون فعلهم يوجب التعيين إلى ما هو أقبح منه ، وأقبح منهما دعوى شرطيّته في حال الظهور بحيث يسقط الفرض عمّن لم يتمكّن منه وعدمها في حال الغيبة فتجب وإن لم يتمكّن من الشرط كما
__________________
(1) جواهر الكلام 11 / 268.
           

هو واضح ، وأقبح من الجميع ما وقع منهم من أنّ هذا التعيين منهم عليهم‌السلام إنّما كان لرفع التنازع والتنافس والتخاصم خصوصاً مع التوظيف لأهلها ولنحو ذلك من المفاسد المترتّبة على عدم التعيين ، ولو تأمّلوا لوجدوا أنّ ذلك دليل الشرطية ، ضرورة أنّ هذا وشبهه من أعظم ما يحتاج الناس فيه إلى الإمام ، بل قد يخشى من الشكّ فيه الشكّ في الإمام والعياذ بالله»(1).
ومنها : ما دلّ على أنّ الجمعة من مناصب الإمامة كالقضاء والحدود ، كقوله عليه‌السلام في دعائم الإسلام : «روينا عن علي أنّه قال : لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلاّ للإمام أو من يقيمه الإمام» مُورِداً لذلك بعض الشواهد الأخرى من الروايات ، مُستشهِداً بما جاء في الصحيفة السجّادية في دعاء يوم الجمعة وثاني العيدين في عدّة مواضع منه(2).
ومنها : ما يفهم من النصوص الواردة في كيفية الصلاة ظهر يوم الجمعة وأنّها مع الإمام ركعتان ومن دونه أربع ركعات ، كموثّق سماعة قال : «سألت أبا عبد الله عن الصلاة يوم الجمعة ، فقال : أمّا مع الإمام فركعتان وأمّا من يصلّي وحده فهي أربع ركعات وإن صلّوا جماعة» من كون المراد من الإمام المذكور فيها هو إمام الأصل أو منصوبه لذلك وليس إمام الجماعة في الصلاة اليومية ، مستشهداً لذلك بما يظهر من بعض الشواهد الأخرى(3).
__________________
(1) جواهر الكلام 11 / 270.
(2) جواهر الكلام 11 / 271.
(3) جواهر الكلام 11 / 273.
           

ومنها : النصوص المستفيضة الدالّة على سقوط الجمعة على من بعُد عنها بفرسخين أو مَن إن صلّى الغداة عند أهله لم يدركها ، قائلاً : «ضرورة ظهورها في أنّ للجمعة محلاًّ مخصوصاً معيّناً يجب السعي إليه على من كان دون هذه المسافة ويسقط عمّن لم يكن كذلك ، كالسقوط عن الأعمى والامرأة ونحوهم ، سواء تمكّنوا من عقد جمعة لهم أو لا ، فإطلاق السقوط المزبور مناف للعينية قطعاً»(1).
ثمّ يأخذ بالكلام لتأييد ما استنتجه من هذه النصوص التي تذكر التحديد للحضور من شواهد ومؤيّدات متفرّقة وردّ ما يمكن أو يحتمل أن يخالف هذا الفهم ببيان مطوّل ومسهب ومفصّل ، ويتطرّق في هذا الصدد أيضاً لذكر الآية الشريفة ويردّ ما يحتمل أن يستفاد منها الوجوب العيني.
أدلّة القائلين بالوجوب العيني :
ثمّ بعد ذلك يتطرّق لذكر ما يمكن أن يكون دليلا للقول الآخر وهو الوجوب العيني زمن الغيبة ، وبالإمكان تلخيص تلك الأدلّة بالأمور التالية :
أوّلاً : إطلاق الآية الشريفة.
ثانياً : تواتر الأخبار الواردة في المسألة.
ثالثاً : الإجماع المدّعى.
رابعاً : كونه الظاهر من أكثر الفقهاء.
خامساً : الاستصحاب للوجوب العيني الثابت زمان الحضور.
__________________
(1) جواهر الكلام 11 / 278.
           

سادساً : أصالة الجواز التي يمكن أن يستفاد منها الوجوب.
قائلاً : «وقد ظهر لك من ذلك كلّه بطلان العمدة في شبهة العينية ، إذ هي بعد الآية إطلاق صحيح محمّد بن مسلم وزرارة : (إنّ الله عزّ وجلّ فرض في كلّ سبعة أيّام خمسة وثلاثين صلاة منها صلاة واجبة على كلّ مسلم أن يشهدها إلاّ خمسة) ... الحديث»(1).
ثمّ يذكر خمس عشرة رواية عن النبي وأهل بيته مسانيد ومراسيل ممّا ادّعي دلالته خصوصاً أو عموماً على ذلك قائلاً :
«ونحو ذلك من النصوص المسطورة في محالّها التي هي بين ضعيف لاجابر له وبين مطلق قد عرفت الحال فيه ... وربّما كان المراد منها التعريض بالمانعين من إقامتها مع تمكّنهم من الشرط لأنّ الإمام بين أظهرهم وقد أعرضوا عنه وقصّروا يده ، وزرارة الذي هو العمدة في رواية هذه المطلقات هو الذي حثّه أبو عبد الله على فعلها المشعر بأنّه كان مستمرّاً على الترك كما عرفته سابقاً»(2).
ثمّ يستمرّ بذكر التوجيهات والمحامل إلى أن يقول :
«ومن مضحكات المقام دعوى بعض المحدّثين تواتر النصوص بالوجوب العيني وأنّها تبلغ مائتي رواية ، وقد تصدّى والد المجلسي إلى جمعها في رسالة مستقلّة قد أجاد في ترتيبها ، لكنّ العمدة من نصوصها ما أشرنا إليها ، وكثير منها لا دلالة فيها على ذلك بوجه من الوجوه ، نعم قد اشتملت على لفظ الجمعة وعلى
__________________
(1) جواهر الكلام 11 / 288.
(2) جواهر الكلام 11 / 291.
           

بيان كيفيّتها كما لايخفى على من لاحظها ، وأغرب من ذلك دعوى بعض مصنّفي الرسائل في المسألة كالكاشاني وغيره الإجماع على الواجب العيني ، مع أنّ معتمدهم في هذا الخلاف ثاني الشهيدين في رسالته في المسألة التي قد يظنّ صدورها منه في حال صغره ، لما فيها من الجرأة التي ليست من عادته على أساطين المذهب وكفلاء أيتام آل محمّد وحفّاظ الشريعة ، ونسأل الله أن يتجاوز له عمّا وقع فيها ، فإنّه قد بذل جهده في تصفّح عبارات الأصحاب فما وجد إلاّ ظاهر مقنعة المفيد وكتاب الأشراف له وأبي الفتح الكراجكي وأبي الصلاح ، وربّما نسب أيضاً إلى الشيخ في الخلاف والنهاية والتهذيب وإلى الصدوق في المقنع والأمالي وإلى الشيخ عماد الدين الطبرسي ، وبذلك نسبوه إلى أكثر المتقدّمين وإلى إجماع الأصحاب»(1).
ثمّ يأخذ في ردّ هذه النسبة للعلماء المذكورين بعدم صراحتها في ذلك ، بل إثبات خلافها كما يظهر من بعض كلماتهم في أماكن أخرى ، قائلاً :
«وكفى بهذا المذهب شناعة احتياج أصحابه في تصحيحه إلى دعوى التواتر تارةً وأخرى إلى الإجماع ، وقد بان لك بحمد الله فسادهما معاً. وأوضح منهما فساداً الاستدلال بالاستصحاب ، أي : وجوب الجمعة حال حضور الإمام أو نائبه ثابت بإجماع المسلمين فيستصحب إلى زمن الغيبة ... وأوضح من ذلك فساداً ما في رسالة ثاني الشهيدين من الاستدلال له بأصالة الجواز ، قال : فإنّا لم نجد على التحريم دليلا صالحاً كما سنبيّنه ، والأصل جواز هذا الفعل بالمعنى الأعمّ المقابل
__________________
(1) جواهر الكلام 11 / 293.
           

للتحريم الشامل لما عدا الحرام من الأقسام الخمسة ...»(1).
وبعد ردّه على هذين الأصلين يبدأ المصنّف وبقوّة بمهاجمة بعض الفقهاء المحدّثين بقوله :
«ولقد وقفت على جملة من الرسائل المصنّفة في المسألة نسجوا فيها على منوال هذه الرسالة ، وقد أكثروا فيها من السبّ والشتم ، خصوصاً رسالة الكاشاني التي سمّاها بالشهاب الثاقب ورجوم الشياطين ، ولولا أنّه آية في كتاب الله لقابلناه بمثله ، لكن لايبعد أن تكون هذه الرسالة وما شابهها من كتب الضلال التي يجب إتلافها ، اللهمّ إلاّ أن يُرجِّح بقاءها أنّها أشنع شيء على مصنّفيها ، لما فيها من مخالفة الواقع في النقل وغيره ، بل فيها ما يدلّ على أنّهم ليسوا من أهل العلم كي يعتدّ بكلامهم ويعتنى بشأنهم»(2).
المطلب الثالث : ولاية الأب والجدّ على تزويج البنت البكر الرشيدة :
ومن الأمثلة التطبيقية الأخرى التي يحسن الإشارة إليها مسألة ولاية كلّ من الأب والجدّ على تزويج البنت البكر الرشيدة ، فقد استظهر في الشرائع من الروايات في حكم هذه المسألة سقوط الولاية عنها وثبوتها لنفسها في إجراء عقد النكاح سواء أفي الدائم منه أم المنقطع ، وأنّه لو زوّجها الأب أو الجدّ لم يمضِ عقده إلاّ برضاها ، ثمّ جاء تعليق صاحب الجواهر على المسألة بقوله :
__________________
(1) جواهر الكلام 11 / 298.
(2) جواهر الكلام 11 / 300.
           

«إنّ المشهور نقلاً وتحصيلاً بين القدماء والمتأخّرين سقوط الولاية عنها ، بل عن المرتضى في الانتصار والناصريّات الإجماع عليه ، للأصل الذي لا ينافيه ثبوت الولاية حال النقص في الصغر ، ضرورة تغيّر الموضوع ، ولذا انتفت الولاية عنها في غير النكاح ، حتّى التصرّف ببدنها بعلاج ونحوه»(1).
ثمّ استشهد للحكم الذي أفاده بظواهر الآيات الواردة في ذوات عدّة الوفاة بل وغيرها المثبتة لاستقلالهنّ في أمر التزويج ، مردفاً ذلك بقوله في حكم من هي محلّ البحث : «... وغير ذلك ممّا ظاهره استقلالها بالولاية ولو لبعض أفراد البحث ، وهو من تزوّجت ووُطِئت دبراً ، ويتمّ بعدم القول بالفصل»(2).
ثمّ وكعادته في بحوث مسائل الكتاب استعرض لذكر الروايات الواردة في الباب والتي استنتج منها الحكم المذكور ، أعني استقلال البكر الرشيدة في أمر النكاح بقسميه الدائم والمنقطع ولو بضميمة عدم القول بالفصل ، وأنّه ليس للأب إجبارها على ذلك ، وأورد في هذا السياق اثنتي عشرة رواية بما فيها الصحاح والحسان وغيرهما من طرقنا أو طرق غيرنا كالمروي عن ابن عبّاس عن النبي(صلى الله عليه وآله) : «الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» شارحاً لمضامينها ، مقرّباً لدلالاتها ، ناقضاً لما يمكن أن يوهن في دليليّتها ، مستنداً إليها معتمداً عليها في استنباطه الحكم المذكور ، منها تلك المروية عن محمّد بن مسلم قال : «سألته عن الجارية يتمتّع فيها الرجل؟ قال : نعم إلاّ أن تكون صبيّة
__________________
(1) جواهر الكلام 30 / 310.
(2) جواهر الكلام 30 / 312.
           

تُخدَع ، قال : قلت : أصلحك الله فكم الحدّ الذي إذا بلغته لم تخدع؟ قال : بنت عشر سنين» نافياً لما قد يُتوهّم معارضته لها من بعض صحاح النصوص ، وذلك بحمله على بعض الوجوه التي أشار إليها بقوله :
«ولا يعارض ذلك صحيح أبي مريم عن الصادق عليه‌السلام : (العذراء التي لها أب لا تتزوّج متعة إلاّ بإذن أبيها) بعد قصوره عن المعارضة من وجوه ، فلا بأس بحمله على الكراهة أو الحرمة من جهة العوارض الأخر كما أومأ إليه الصادق عليه‌السلام في خبر ابن البختري عنه : (الرجل يتزوّج البكر متعة؟ قال : يكره للعيب على أهلها) وسأل أبو الحسن الأيادي الحسين بن روح : (لمَ كره المتعة بالبكر؟ فقال : قال النبي(صلى الله عليه وآله) : الحياء من الإيمان ، والشروط بينك وبينها ، فإذا حملتها على أن تنعم(1) فقد خرجت عن الحياء وزال الإيمان ، فقال : فإن فعل ذلك فهو زان؟ قال : لا) فحينئذ يتمّ الاستدلال بهذه النصوص على المطلوب بعد اتمامها بعدم القول بالفصل ...»(2).
وبعد أن قرّر رأيه في المسألة وأبانه وهو استقلالها في أمر الزواج ـ موافقاً في ذلك لما استظهره المحقّق من ظهور الأخبار ـ للأدلّة التي أوردها ، والتي يمكن تلخيصها بـ :
1 ـ شهرة المتقدّمين والمتأخّرين بقسميها المنقولة والمحصّلة.
__________________
(1) أي : تقول نعم ، هامش بحار الأنوار 51 / 358 0 وفي بعض المصادر اللغوية : ونَعَّم الرجلَ قال له : نعم فنَعِم بذلك بالاً ، المحكم 2 / 201.
(2) جواهر الكلام 30 / 317.
           

2 ـ الإجماع المحكي عن المرتضى في الانتصار والناصريات.
3 ـ كون الحكم هو مقتضى الأصل الجاري في مثل هذه المسألة.
4 ـ الآيات والروايات الواردة وتعميمها لكلّ حالات المسألة بضميمة عدم القول بالفصل.
ثمّ يتعرّض بعد ذلك لذكر القول الثاني في المسألة المبحوثة القائل بسقوط الولاية عنها في المنقطع فبإمكانها مباشرة إجرائه ، وإثباتها عليها في الدائم فلا يجوز من دون إذن الولي ، ناسباً إيّاه للمحكي عن الشيخ في كتبه الحديثية ، حيث ذكره في كتابي التهذيب والاستبصار في مقام علاجه بين الأخبار الواردة في حكم الباب ، مشكّكاً أن يكون هو بالفعل فتوى الشيخ ومختاره ، باعتبار أنّ ما يذكره في هذين الكتابين الحديثيّين لا يعبّر عن آرائه الفقهية ، مضيفاً على ذلك إلى أنّه جمع تأباه ظواهر الأخبار والاعتبارات الشرعية.
قال تتمّة لعبارته السابقة : «... إلاّ أنّ من المحكي عن جمع الشيخ في كتابَي الأخبار ـ اللذين لم يُعدّا للفتوى ـ بسقوط الولاية عنها في المنقطع دون الدائم ، على أنّه جمع يأباه ظاهر جميع الأخبار ، بل والاعتبار ، ضرورة أولوية الدائم في ذلك منه ، باعتبار ما فيه من العار والغضاضة واحتمال الحبل»(1).
وبعد ذلك مباشرة يتطرّق إلى ذكر القول الثالث المحكي عن بعضهم والذي يعاكس القول الثاني تماماً ، بمعنى إثبات الإذن لها في الدائم فيجوز لها إجراؤه دون المنقطع المحتاج لإذن الولي ، ثمّ يردّه بمثل ما ردّ به سابقه ، مضيفاً على ذلك
__________________
(1) جواهر الكلام 30 / 318.
           

نفيه العثور على من صرّح به من الفقهاء ، قائلاً : «ومن هنا يُحكى عن بعضهم أنّه عكس فأثبت الولاية في المنقطع دون الدائم وإن كنّا لم نعرف قائله ، كما أنّا لم نعرف وجهاً يُعتدّ به له ولسابقه سوى اعتبار لا يصلح كونه مَدركاً لحكم شرعي ، بل ولعلّ الاعتبار يشهد بسقوط الولاية رأساً ، ضرورة تحقّق الظلم في جبر العاقل الكامل على ما يكرهه وهو يستغيث ولا يغاث ، بل ربّما أدّى إلى فساد عظيم وقتل وزنا وهروب إلى الغير ، وبذلك مع الأصل تتمّ دلالة الكتاب والسنّة والإجماع والعقل ... فلا ينبغي التأمّل في ضعف القولين المزبورين ، بل يمكن تحصيل الإجماع على خلافهما»(1).
ثمّ بعد ذلك يتعرّض ـ تبعاً للشرائع ـ لنقل القول الرابع وهو آخر الأقوال الفقهية المذكورة والمأثورة في محلّ البحث ، ويتلخّص هذا القول بسلب الولاية عنها في أمر التزويج مطلقاً واستقلال الولي بذلك ، وهذا القول وإن نُسب إلى الشيخ ـ أيضاً ـ وإلى جماعة آخرين منهم الصدوق بل مال إليه بعض متأخّري المتأخّرين على ما حكي عنهم ، لكنّه مع ذلك لم يبلغ إلى مرتبة الشهرة والاشتهار والمعروفية بين الفقهاء ، بل قد حكي أنّ الشيخ في أواخر فتاواه قد عدل وتراجع عنه. قال : «وأمّا القول الرابع الذي أشار إليه المصنّف بقوله : (ومنهم من أسقط أمرها معهما فيهما) فهو وإن ذهب إليه الصدوق والشيخ وجماعة على ما قيل ـ بل مال إليه بعض متأخّري المتأخّرين ـ للأصل والأخبار الكثيرة إلاّ أنّه لم يبلغ حدّ الشهرة ، بل في محكي السرائر أنّ الشيخ حكم بسقوط الولاية مع غيبتهما عنها
__________________
(1) جواهر الكلام 30 / 319.
           

وإن كانا على مسافة قريبة ، بل فيه أيضاً أنّه قد رجع عن هذا المذهب بالكلّية في كتاب التبيان الذي صنّفه بعد كتبه جميعها واستحكام علمه وسبره للأشياء ووقوفه عليها وتحقيقه لها»(1).
ثمّ وبعد أن نفى اشتهاره قولاً بين الفقهاء ورجوع البعض عنه بعد أن كان قال به يأخذ بردّ ما يمكن أن يكون دليلا ومؤيّداً له ، وهو :
1 ـ دليل الاستصحاب ، أي استصحاب ثبوت الولاية عليها الثابتة قطعاً حين الصغر. وردّه بالجزم بانتفائها بعد الصغر لتغيّر الموضوع كما تقدّم الذكر.
2 ـ الأخبار والنصوص الواردة.
وردّها بأمور ، وهي : قصور أسانيدها ولا جابر ، مخالفتها لظواهر الكتاب الكريم ، موافقتها لمذهب فقهاء العامّة ، القصور في دلالتها.
قال : «والأصل لا ريب في انقطاعه كما عرفت ، خصوصاً بعد اعتراف الخصم بالسقوط مع الغيبة والجنون ونحوهما من العوارض التي لا تسقط معها الولاية في حال الصغر بل تنتقل إلى وليّه ، فلا إشكال في انقطاع الولاية السابقة التي كانت من حيث الصغر فلا وجه لاستصحابها كما هو واضح ، وأمّا النصوص فجميعها أو أكثرها قاصر السند ولا جابر ، مخالفة لظاهر الكتاب ، موافقة لمذهب مالك وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق والقاسم بن محمّد وسليمان بن يسار ونحوهم من كبار العامّة ، غير صريحة في المخالفة باعتبار احتمالها الأبكار التي لم يحصل لهنّ رشد في أمر النكاح وإن بلغن بالعدد ورشدن في حفظ المال ،
__________________
(1) جواهر الكلام 30 / 320.

أو النهي كراهة عن الاستبداد وعدم الطاعة والانقياد ، خصوصاً الأب الذي هو غالباً أنظر لها وأعرف بالأمور منها وأرعى لما يصلحها ، وهو المتكلّف بأمورها وبالخصومة مع زوجها لو حدث بينهما نزاع وشقاق ، فالذي يليق بها إيكال أمرها إليه كما هو الغالب والمعتاد في الأبكار من تبعيّة رضاهنّ لرضا الوالد ولو بالسكوت عند نقله ، ولذا لايستأمرها ، خصوصاً بعد أن كان إذنها صماتها»(1).
ثمّ بعد ذلك يورد مجموعة من الروايات يؤيّد بمضامينها هذا الفهم الفقهي الذي استنبطه من تلك النصوص ، كي يكون ذلك وجهاً للجمع بين الروايات ، ومن باب تفسير السنّة بالسنّة نفسها.
ثمّ وبعد أن أثبت رأيه الفقهي في المسألة والذي هو القول الأوّل من تلك الأقوال الأربعة والموافق لما ذهب إليه ماتن الشرائع بل هو المشهور بين الفقهاء ـ بل حكي عليه الإجماع من البعض ـ مستدلاًّ له بالآيات والروايات ، وأنّه يثبت لهذه البنت الولاية في تزويج نفسها مطلقاً إن كان في دائم النكاح أو منقطعه ، يلخّص كلامه بعبارة واضحة وموجزة تعبّر عن مدى بتّه بالأمر غير شاكّ أو متردّد فيه بقوله : «فلا ينبغي لمن له أدنى معرفة بمذاق الفقه وممارسته في خطاباتهم التوقّف في هذه المسألة»(2).
بيد أنّه ومع كلّ ذلك يستدرك لبيان بعض ما ينبغي للبكر مراعاته في أمر زواجها ، ممّا يمكن أن يعدّ ذلك في حقل المستحبّات الشرعية أو بعبارة أدقّ بما
__________________
(1) جواهر الكلام 30 / 321.
(2) جواهر الكلام 30 / 326.

يمكن أن يسمّى بالأخلاق والآداب والشؤون العرفية والاجتماعية التي يقرّها الإسلام ويأخذها في بعض الحالات من بعض المكلّفين بنظر الاعتبار كما يظهر من بعض النصوص ، فيضفي عليها عنوان المستحبّات والمندوبات أو الأخلاق والآداب ، بل وأحياناً قد يُبغض ويَكره عدم مراعاة مثل تلكم الأمور والتقيّد بها فيما لو كانت من الأهمّية بمكان كما في أمر النكاح والتزويج خصوصاً لو أريد من البنت الباكر ، بل قد يصل الأمر لأكثر من ذلك كما إذا طرأت بعض العناوين الأخرى للفعل ، فيحظر حينئذ الإتيان به ويحرم فعله.
جاء في الكتاب ما نصّه :
«نعم يستحبّ لها إيثار اختيار وليّها على اختيارها ، بل يكره لها الاستبداد ، كما أنّه يكره لمن يريد نكاحها فعله بدون إذن وليّها ، بل ربّما يحرم بالعوارض ، بل ينبغي مراعاة الوالدة أيضاً ، بل يستحبّ لها إلقاء أمرها إلى أخيها مع عدمهما ، لأنّه بمنزلتهما في الشفقة والتضرّر بما يلحقها من العار والضرر وفي الخبرة والبصيرة ، ولدخوله فيمن بيده عقدة النكاح في بعض الأخبار السابقة ، بل الذي ينبغي أن تخلد إلى أكبر الأخوة إن لم يترجّح عليه غيره بالخبرة والبصيرة والشفقة وكمال العقل والصلاح ، لأنّه بمنزلة الأب كما في مرسل الحسن بن علي عن الرضا عليه‌السلام» (1).
__________________
(1) جواهر الكلام 30 / 326.


المبحث الثالث
المعطيات الفقهيّة لتلك التطبيقات
على الرغم من مضيّ ما يقارب القرنين على تأليف كتاب الجواهر فإنّه لايزال أحد أبرز المصنّفات الفقهية في المكتبة الشيعية الإمامية ، بل إنّه يحتلّ الصدارة من بينها على الإطلاق ، ولم يتسنَّ لأيّ مصدر من المصادر الفقهية حتّى اليوم أن يصادر بريق كتاب الجواهر وتوهّجه ، فإنّه لا يزال المصدر الأوّل والأوسع لدى الفقيه المستنبط ممّن تأخّر عنه بلا منازع ، إلى درجة قال معها الشيخ

الأنصاري : «يكفي للمجتهد في أهبته وعدّة تحصيله نسخة من الجواهر وأخرى من الوسائل مع ما قد يحتاج إليه أحياناً من النظر في كتب الأوائل»(1). وقد نُقل عن السيّد الأعظم الإمام الحكيم في بداية رجوع الناس إليه في التقليد وقبل أن يؤلّف شيئاً من كتب الفتوى أنّه كان إذا ابتلي بمسألة يراجع الجواهر ويفتي حسب ما يتوصّل إليه نظره بمعونته ، وما ذاك إلاّ ثقة منه باشتمال هذا الكتاب على عمدة ما يحتاجه الفقيه في مقام الاستنباط(2).
وعلى ضوء ما تقدّم في المبحث الثاني من هذا الفصل من الأمثلة التطبيقية المنقولة من الكتاب يسهل إبراز بعض المعطيات الفقهية التي يمكن استفادتها كطريقة واضحة ومنهجية متّبعة في تأليف كتاب الجواهر وإكمالها من خلال الاستشهاد لها ببعض الشواهد الأخرى أو ما يمكن أن تكون أمثلة متمّمة لها من مواضع متفرّقة من الكتاب ، لتكتمل بذلك الصورة وتتّضح الفكرة ويتبيّن الأمر بنحو أوضح وأدقّ وأكمل ، ويمكن تلخيص ذلك في ضمن مطالب ستّة :
المطلب الأوّل : استقراؤه للأخبار المروية في المسألة واعتبارها طبقاً للمدرسة الأصولية في الحديث :
إنّ ممّا تميّز به كتاب جواهر الكلام هو استقراءه شبه التامّ للأخبار الواردة في المسألة الفقهية المبحوث عنها ، استقراءً يصحّ أن يوصف بأنّه ميّز الكتاب عن أمثاله من أمّهات المصنّفات الموسوعية في الفقه الإمامي ، ويشمل استقراؤه
__________________
(1) انظر : أعيان الشيعة 9 / 149.
(2) تاريخ وتطوّر الفقه والأصول : 127.

المذكور جميع تلك النصوص الروائية التي يمكن أن تكون لها الدلالة على الحكم الشرعي صراحة أو ظهوراً ـ بل حتّى إيماءً وإشعاراً ـ بالمنطوق أو المفهوم مطابقة أو تضمّناً ...
ومن هنا يُفسَّر نقده للبعض من المستنبطين بعدم إحاطتهم بالروايات إحاطة كافية في مقام استدلالاتهم على الأحكام ، وما استغرابه من صاحب الحدائق ـ مثلاً ـ المنكر لظهور النصوص الروائية في تجويز تخيير المصلّي في تعيين تكبيرة الإحرام من بين التكبيرات السبع إلاّ أحد مصاديق ما ذكر(1).
ويظهر أنّ الشيخ صاحب الجواهر كان يبذل غاية مكنته وقصارى جهده بحثاً عمّا يمكن أن يكون دالاًّ من الأخبار والروايات على حكم مسألة مباشرة أو ما يكون منها مؤيّداً ومقرّراً لسيرة عملية أو طريقة متّبعة ، سواء أكان بالرجوع إلى بطون المصنّفات الحديثية أم متون المؤلّفات الفقهية ، فإن لم يعثر على رواية نبّه لذلك ونوّه إليه ، ومثال ذلك ما تقدّم من نقده لابن أبي عقيل في دعواه تواتر الرواية والحال إنّه لم يعثر عليها بعد تتبّعه التامّ في شيء من كتب الأخبار(2) ، وأيضاً ما جاء في مبحث الأذان من كتاب الصلاة : «وقد شاع في زماننا الأذان والإقامة خلف المسافر حتّى استعمله علماء العصر فعلاً وتقريراً ، إلاّ أنّي لم أجد به خبراً ولا مَن ذكره من الأصحاب»(3).
__________________
(1) انظر : جواهر الكلام 9 / 351.
(2) انظر : المطلب الأوّل ، حكم الماء القليل.
(3) جواهر الكلام 9 / 243 استحباب الأذان في غير الصلاة.

والمعلوم من منهجية صاحب الجواهر أنّ الخبر وإن لم يكن صحيحاً ومعتبراً بل كان ضعيفاً أو مرسلاً فإنّه لا يعتني بضعفه ما دام قد عمل به الأصحاب وتلقّوه بقبولهم وأودعوه كتبهم ودوّنته أقلامهم ، والفخر في هذا إنّما يعود لنظرته الأصولية ، حيث يرى انجبار ضعف السند باشتهار العمل به فضلاً عن الإجماع ، ومع فرض جبره بما ذكر فإنّ له من الميزة ما تمنحه لأن يخصِّص العمومات التشريعية والمطلقات الفقهية ، بل هو حاكم على عامّ الكتاب ونحوه ممّا هو قطعيّ الصدور كالمتواتر من الأخبار كما سيأتي مزيد بيان لذلك ، ومثال ذلك مضافاً لما تقدّم ما جاء في مسألة القِران بين سورتين في ركعة واحدة قوله : «... ومن هنا حكَّمنا الخاصّ ولو بالآحاد على عامّ الكتاب ونحوه من المتواتر سنداً ، وإنّ التحقيق أنّه ليس من المخالفة للكتاب التي أُمرنا بطرح الخبر معها كما هو واضح من طريقة الأصحاب في سائر الأبواب»(1).
ولا يخفى أنّ نقله للروايات لم يكن يقتصر على مصادر الحديث المعروفة بل تخطّاها إلى غيرها من المصنّفات الحديثية ، بل تعدّى لأكثر من ذلك لما يشمل غير كتب الحديث والرواية ـ كما سيأتي التطرّق إليه ـ ما دام الخبر المنقول يمكن أن يكون مساهماً في تأسيس الفكرة الفقهية وإتمام استنتاجها أو توضيح مبهمها وتعيين إجمالها ، ولهذا شواهد كثيرة متفرّقة في مساحات واسعة من الكتاب قلّ أن يخلو منها بحث من بحوثه ومسألة من مسائله ، وعسى أن يكون منها ما رواه عن الكشّي ـ وهو كتاب رجاليّ ـ عن الصادق عليه‌السلام مستظهراً منه أفضلية الزواج من
__________________
(1) جواهر الكلام 9 / 589.

التخلّي للعبادة(1) ، أو ما نقله عن تفسير مجمع البيان عن الرضا عن آبائه عليهم‌السلام من تفسير آية (وَالْمُسْتَغْفِرِيْنَ بِالأسْحَارِ)(2) بالمصلّين وقت السحر(3).
ولا بأس وفي نهاية الكلام في هذا المطلب المتعلّق بمجال الأخبار والأحاديث أن أشير إلى بعض آراء الشيخ وتحقيقاته الحديثية والرجالية المستوحاة من الكتاب والتي يستطيع أيّ باحث ملاحظتها بوضوح عند قراءته لموسوعته الفقهية جواهر الكلام.
آراؤه الحديثية :
ويجد الباحث في مطاوي هذه الموسوعة الفقهية تحقيقات وتعليقات في الحديث والرواية بُثّت في ثنايا الكتاب وما سُجِّل في هذه المسألة أو تلك يمكن أن يُقرأ من خلالها بعض آراء الشيخ وأفكاره في هذا الحقل العلمي ، وهذه المباحث من الأهمّية بمكان ، إذ أنّها لا تقلّ عن تلك المرتبطة بالرجال وكلّ ما يرتبط بأسانيد الروايات ورجالها ، كونها مصداقاً وحاكية عن السنّة الشريفة والتي تعتبر مع الكتاب الكريم أهمّ مصدرين أساسيّين للتشريع ، وأمثلة إفاداته الدرائية والتي تتناسب بالطبع ومنهجه الأصولي من أنّ حجّية الخبر لا تنحصر بالصحيح اصطلاحاً ، وإنّ وصف الرجاليّين للراوي بكونه ثقة يعني كونه إماميّ المذهب.
__________________
(1) جواهر الكلام 30 / 43.
(2) آل عمران : 17.
(3) جواهر الكلام 7 / 319 أفضلية إيقاع صلاة الليل قريب الفجر.

جاء في مناقشته للشهيد الثاني في موقفه من الروايات الواردة في حكم وطي الزوجة دبراً : «فمن الغريب ما في المسالك من الإطناب في المسألة ومناقشته في أدلّة الطرفين وخروجه عنها بلا حاصل ولا ترجيح ، قال : إنّ جميع الأخبار من الجانبين ليس فيها حديث صحيح فلذا أضربنا عن ذكرها. ثمّ حكى عن العلاّمة وصف خبَرَي ابن أبي يعفور وصفوان بالصحّة ، وناقش في الأوّل بأنّ معاوية بن حكيم وإن كان ثقة جليلاً إلاّ أنّ الكشّي قال : إنّه فطحيّ ، وفي الثاني بأنّ فيه علي بن الحكم وهو مشترك بين الثقة وغيره ... وفيه : أوّلاً : إنّ الحجّية غير منحصرة في الخبر الصحيح كما هو مفروغ عنه في الأصول ، وثانياً : إنّه لم يثبت فطحيّته لاحتمال التعدّد فيه ، على أنّ كلام الكشّي معارض بكلام النجاشي بعد تعارف إرادة الإمامي من إطلاق (ثقة) في كتب الرجال كما هو محرّر في محلّه»(1).
وفي موضع آخر من الكتاب ذكر رأياً حديثيّاً آخر ، وهو أنّ مجرّد ورود المدح في حقّ الراوي لايعني التوثيق بل غايته الحسن ، وهو غير الصحيح(2).
كما أنّنا يمكن أن نُعِدَّ له من أبحاثه الحديثية مبناه القائل بحمل كلّ ما يدلّ من الأخبار بظاهره على الحرمة على الكراهة إن كان ضعيف السند ، كالنهي الوارد عن قراءة القرآن على الحائض(3) ، وكذا ما هو ظاهر في الوجوب يحمل على
__________________
(1) جواهر الكلام 30 / 190.
(2) جواهر الكلام 40 / 43 مسألة كيفية توريث النصراني لو مات وخلف أولاداً صغاراً وابن أخ وابن أخت.
(3) جواهر الكلام 3 / 99.

الاستحباب لنفس العلّة ، كالأمر الوارد بنزع الحذاء حال الصلاة على الجنازة(1) ، بل وكذا الكلام في كلّ ماعُلم صدوره من الأخبار تقيّة في وجوب أو تحريم ، فإنّ المصنّف نقل عن بعض مشايخه بحمل مثل هذه الأخبار على الاستحباب أو الكراهة. قال في هامش شرحه لمسألة ما يستحبّ الوضوء منه : «وهنا فائدة نافعة في المقام وغيره ، وهي أنّه قد ذكر بعض مشايخنا أنّ الخبر إذا عُلم خروجه مخرج التقيّة في وجوب أو تحريم يحكم من جهته بالاستحباب أو الكراهة ، وربّما الذي دعاه إلى ذلك حكم الأصحاب بالاستحباب في كثير من هذه المقامات مع كون أخبارها موافقة للعامّة»(2).
كما أنّ له بعض التحقيقات عن بعض المصادر التي ينقل عنها ، منها الكتاب المعروف بـ : (الفقه الرضوي) ، ففي الوقت الذي نراه يستشهد به في كثير من المسائل الفقهية المتفرّقة من الكتاب نجده حيناً يستشكل في الاعتماد عليه كمصدر حديثيّ روائيّ كما في بحث المستحاضة(3) ، بل ويصرّح في مواضع أخر بعدم حجّيته كما في مسألة كيفية تطهير البول بالماء الراكد(4) ، أو يشير إلى السبب في توقّفه أو رفضه للحجّية صراحة أو إيماءً كما في هامش ذكره لمسألة أولوية
__________________
(1) جواهر الكلام 12 / 146.
(2) جواهر الكلام 1 / 100.
(3) جواهر الكلام 3 / 609 مسألة جواز تقديم الغسل للمستحاضة قبل الوقت في خصوص صلاة الليل. وكذا 9 / 113 حكم من شرع في الصلاة بدون أذان وإقامة.
(4) جواهر الكلام 6 / 313 ، قال عنه : أنّه ليس حجّة عندنا.

الهاشمي بالصلاة على الميّت(1).
آراؤه الرجالية :
ويعثر الباحث على آراء الشيخ وتحقيقاته في علم الرجال وما يتعلّق برواة الحديث ـ من توصيف وتوثيق وتضعيف وتحقيق حال وتشخيص هويّة وتعيين طبقة ـ هنا وهناك في مطاوي موسوعته الكبيرة جواهر الكلام ، ويمكن في هذا الصدد إعطاء بعض النماذج من خلال بعض الأمثلة ، فمثال جانب التعديل ما ورد من توثيقه للرواية لوجود صفوان بن يحيى الذي قيل فيه : إنّه ممّن أجمعت العصابة على تصحيح مرويّاته وإنّه لا يروي إلاّ عن ثقة(2) ، ومن جانب التضعيف قدحه لتلك الروايات التي تنفي وجوب الطلب عند عدم الماء لمكان داود الرقّي والمعلّى بن محمّد وعلي بن سالم ، ناقلاً نصّ عبائر أئمّة الرجال أمثال الكشّي والنجاشي وابن الغضائري في تضعيفهم(3) ، أو تضعيفه لخبر أبي مريم بصالح بن عقبة بسبب معروفيّته بالكذب(4) ، ومثال ضبطه لحال بعض الرواة ما كان منه بحثاً في سند الرواية المشتمل على أبي بصير ، قائلاً : «وأمّا أبو بصير فالظاهر أنّه ليث
__________________
(1) جواهر الكلام 12 / 41 ، قال : والمحكي عن فقه الرضا الذي هو عين المحكي عن رسالة علي بن بابويه ...
(2) جواهر الكلام 1 / 226 حكم ماء الحمّام. وكذا توثيقه لابن أبي عمير والحسين بن سعيد لنفس النكتة كما في 9 / 69 حكم الأذان والإقامة لمن جاء قبل تفرّق الجماعة.
(3) جواهر الكلام 5 / 136 اعتبار عدم الماء في صحّة التيمّم.
(4) جواهر الكلام 9 / 81 إذا أذّن المنفرِد ثمّ أراد الجماعة.

المرادي بقرينة رواية ابن مسكان عنه فإنّ الظاهر أنّ المراد منه عبد الله وهو يروي عن ليث ، مضافاً إلى أنّ عبد الله من أصحاب الإجماع فلا يلتفت إلى ما بعده ، ولعلّه لمعلومية حال أبي بصير عند العلاّمة لم يطعن في سند الرواية في المنتهى إلاّ بعثمان بن عيسى ، على أنّه ذكر الأستاذ الأكبر في حاشيته على المدارك أنّ أبا بصير مشترك بين ثلاثة كلّهم ثقات ، وعلى كلّ حال فلا ينبغي الطعن في سند الرواية»(1).
وأحياناً يتجاوز الأمر لمجرّد توثيق أو تضعيف ونحوهما إلى مناقشة البعض منهم في بعض متبنّياتهم الرجالية ، وخير مصداق لذلك اعتراضه على العلاّمة بسبب تضعيفه للرواية التي في سندها علي بن الحسن بن فضّال مع أنّه ذكر في كتابه الرجالي الخلاصة اعتماده على مرويّاته وإن كان فاسد المذهب(2).
إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة في الكتاب والتي تطرّق المصنّف من خلالها إلى بعض تحقيقاته الرجالية(3) ، وواضح أنّ اهتمامه بذلك إنّما هو نابع من أهمّية هذا العلم في عملية استنباط الأحكام الشرعية من السنّة الشريفة لدى الفكر الأصولي ، كونه يغربل صحيح الحديث عن سقيمه ومقبوله عن مردوده ، إذ ـ وكما
__________________
(1) جواهر الكلام 1 / 349 تقدير الكرّ بحسب المسافة.
(2) جواهر الكلام 17 / 698 أقسام الاعتكاف.
(3) انظر : جواهر الكلام 2 / 32 نقله عن الخلاصة توثيقه مروك بن عبيد ، و : 6 / 15 توثيق يونس بن عبد الرحمن ، و : 11 / 13 تضعيفه لمحمّد بن سنان وجهالة موسى بن عمران ، و : 30 / 144 تصحيحه لرواية البزنطي لكونه من أصحاب الإجماع ، و : 40 / 43 تضعيفه لرواية مالك لاشتراكه بين الثقة والضعيف ... إلى غير ذلك من الموارد التي يصعب للمتتبّع حصرها.

تقدّم ـ لا ترى المدرسة الأصولية قبول كلّ ما أودع في المصادر الحديثية المعروفة من أخبار من دون هذا التنقيب ، وذلك بخلاف ما كانت عليه مدرسة الأخباريّين.
المطلب الثاني : وفرة مصادر الكتاب ومراجعه وتنوّعها :
لعلّ أبرز ما يلاحظه الباحث لكتاب جواهر الكلام هو وفرة مصادر الكتاب ومراجعه ، ويبدو أنّ الشيخ النجفي بتتبّعه وملاحقته لهذه المصادر توفّر على أهمّها وأكثرها قيمة في حركة الفقه ، فقدّم إلى المكتبة الفقهية ما يستعين به الفقيه ويتزوّد به فضلاً عن أنّه مشروع شخصي قصد به التوفّر على مصدر دائم الحضور عنده حين يكون خارج النجف بعيداً عن مصادره الفقهية ، ويجد الباحث عدداً كبيراً وهائلاً من أسماء هذه المصادر على اختلاف أزمنة تأليفها وتصنيفها وعلى تنوّع مؤلّفيها ومدارسهم وانتماءاتهم الفكرية والفقهية ، ابتداءً بابن أبي عقيل وابن الجنيد والصدوقين والمفيد والشريف المرتضى وشيخ الطائفة ، مروراً بسلاّر وابن حمزة وابن زهرة وابن إدريس والمحقّق الحلّي والعلاّمة وولده فخر المحقّقين والشهيدين الأوّل والثاني والسيّد العاملي والمقدّس الأردبيلي والمجلسيّين ، وانتهاءً بالطباطبائي بحر العلوم والوحيد البهبهاني والشيخ جعفر كاشف الغطاء.
ولم يقتصر التنوّع في مصادره على الكتب الفقهية فحسب بل تعدّى إلى مصادر أخرى لعلوم شتّى ، وهي متنوّعة بين مصدر أصولي وآخر رجالي وثالث في الحديث والرواية ورابع في التفسير والقراءة وخامس في اللغة والبلاغة وسادس في الكلام والعقيدة ... إلى غير ذلك من المصادر والمراجع التي لها

الدخل مباشرة أو بالواسطة في تكوين النظرية الفقهية واستنباطها بكلّ ما لها من فروع وتشعّبات.
ومن ذلك استشهاده على بعض الأحكام من بعض ما ورد في كتب الأدعية ، مثل كتاب جنّة الأمان (المصباح) للكفعمي(1) ومصباح المتهجّد للشيخ الطوسي وفلاح السائل لابن طاووس(2) والصحيفة السجّادية ، حيث استدلّ ببعض فقراتها على اشتراط وجوب صلاة الجمعة بحضور الإمام المعصوم قائلا : «وفي الصحيفة المعلوم أنّها من السجّاد في دعاء يوم الجمعة وثاني العيدين : (اللهمّ إنّ هذا المقام مقام لخلفائك وأصفيائك ومواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزّوها وأنت المقدّر لذلك) ... إلى أن قال : (حتّى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزّين يرون حكمك مبدّلاً) ... إلى أن قال : (اللهمّ العن أعداءهم من الأوّلين والآخرين ومن رضي بفعالهم وأشياعهم لعناً وبيلاً). وفيه مواضع للدلالة على المطلوب»(3).
وأيضاً تطرّقه لكتب اللغة ومشتقّاتها ، كالمغرب للمطرزي والمقاييس لابن فارس وتهذيب اللغة للأزهري والمصباح للفيّومي والمحيط للصاحب بن عبّاد والقاموس للفيروزآبادي والمفردات للراغب الإصفهاني والطراز لابن معصوم
__________________
(1) استدلّ به على اعتبار المواظبة على الاستغفار والاستمرار عليه في صدق (المستغفرين بالأسحار) 7 / 63.
(2) استدلّ بما روي فيهما عن هشام بن سالم عن الصادق عليه‌السلام على كيفية نافلة الغفيلة 7 / 69.
(3) جواهر الكلام 11 / 271. وكذا استشهد بها في مبحث رجحان الاستسقاء عند ظهور الجدب 12 / 238.

والأساس كما الكشّاف للزمخشري الذي عبّر عنه بـ : «كشّاف رئيس علماء اللغة والبلاغة جار الله الزمخشري»(1) والمغني لابن هشام الذي وصفه بـ : (الفاضل المتبحّر)(2) وكذا كتاب العين للخليل الفراهيدي الذي قال فيه : «إنّه الأصل في اللغة وعليه المعوّل والمرجع»(3) ، والترمذي الذي قال عنه : «إنّه من أكابر أهل اللغة»(4) ، وغير ذلك من الكتب التي تجدها متفرّقة في الكتاب ممّا يصعب حصرها وإن كان أحياناً يورد كثيراً منها في موضع واحد.
جاء في مبحث ما يجوز التيمّم به : «ويُجتَزأ به ـ الحجر ـ مطلقاً بناءً على تفسير الصعيد بوجه الأرض كما عن العين والمحيط والأساس والمفردات للراغب والسامي والخلاص والمغرب والمصباح المنير وعن ثعلب وابن الأعرابي والخليل ، بل عن المغرب وتهذيب اللغة والمقاييس ومجمع البيان عن الزجّاج أنّه لا يعلم فيه اختلافاً بين أهل اللغة ، وحكاه في المعتبر عن فضلاء أهل اللغة ، قال : ذكر ذلك الخليل وثعلب عن ابن الأعرابي»(5).
وأحياناً لا يكتفي بمجرّد النقل عنهم والاستشهاد بأقوالهم بل يناقشهم وينقض بعض شواهدهم وينسبهم إلى الخطأ ، كقوله عن القاموس : «إنّه كثيراً ما
__________________
(1) جواهر الكلام 7 / 324 في تحديد وقت السحر.
(2) جواهر الكلام 7 / 13 في تحديد معنى الصلاة شرعاً.
(3) جواهر الكلام 7 / 360 في تحديد آخر الليل شرعاً.
(4) جواهر الكلام 1 / 170 في تفسير معنى الطهور وأنّه المطِّهر لغيره.
(5) جواهر الكلام 5 / 210.

يخلط بين الحقيقة والمجاز واللغة والشرع»(1).
وأيضاً تطرّقه لأمّهات كتب التفسير والقراءة ضمن سرده للأدلّة على المسألة ، مثل كتاب التبيان لشيخ الطائفة ومجمع البيان كما جامع الجوامع للطبرسي والكشاف للزمخشري وتفسير القمّي ، ففي مسألة حكم وطي الحائض بمجرّد طهرها استدلّ على الجواز بمصادر عدّة ثمّ قال : «وعن ظاهر مجمع البيان والتبيان وأحكام الراوندي توقّف حلّية الوطي على غسل الفرج أو الوضوء ، بل في الأوّل إنّه مذهبنا»(2).
وكذا النقل عن كلّ ما يسهم في الإضاءة للتوصّل إلى الحقيقة ممّا قد لايعدّ متعارفاً للفقهاء سرده ضمن مصادر الأدلّة وشواهدها على المسألة الشرعية ككتب الكلام والأخلاق والسيرة أمثال كتاب نهج البلاغة ومكارم الأخلاق وطبّ الأئمّة عليهم‌السلام ، بل حتّى استشهاده بشواهد شعرية تصلح أن تكون شاهداً لضبط كلمة أو تعيين مفردة أو بيان معنىً انصبّ عليه حكم شرعيّ معيّن(3).
ولا يُعرف ما إذا كان المصنّف قد اعتمد على هذه المصادر بشكل مباشر ودونما واسطة ، لكن من المظنون قويّاً إنّه في الأغلب كان ينقل عنها بالواسطة ، بدليل تعبيره حين النقل عنها بـ : (المحكي) ، وهذه عبارة ذات دلالة علمية ومنهجية عند الفقهاء تعني أنّ الفقيه لم يرجع إلى المصدر بشكل مباشر وإنّما
__________________
(1) جواهر الكلام 30 / 5 ، ذلك لتعريفه النكاح بالعقد والوطي معاً.
(2) جواهر الكلام 3 / 370. وانظر أيضاً 30 / 41و124 ، 40 / 230.
(3) انظر جواهر الكلام 7 / 256 ، 9 / 263و414 ، 12 / 239 ، 16 / 435 ، 30 / 163 ، 36 / 68.

حُكي عنه ونقل ، ولكنّ هذا لا يعني أنّه لم يكن يراجع بعض تلك المصادر مباشرة ، إذ كان يحضره البعض منها كما يظهر من بعض كلماته في الكتاب(1).
ويلاحظ الباحث على شيخ الجواهر أنّه نقل نصوصاً عديدة من بعض المصادر من دون الإشارة إليها أو التنويه بمصادرها ، من ذلك ما ذكره في مبحث كراهة الصوم ندباً لمن دُعي إلى طعام قائلا : «ثمّ إنّ الحكمة في الإفطار ليست من حيث الأكل بل من حيث إجابة دعاء المؤمن وعدم ردّ قوله ، وإنّما يتحقّق الثواب على الإفطار مع قصد الطاعة به لذلك ونحوه من إدخال السرور وغيره لا بمجرّده ، لأنّه عبادة يتوقّف ثوابها على النيّة»(2) ، فإنّه أخذه نصّاً ممّا ذكره الشهيد الثاني في الروضة(3).
لكنّ هذه الملاحظة لا تقلّل من قيمة الكتاب ولا تصلح لأن تكون مطعناً فيه ، ذلك أنّ عادة الفقهاء جرت على الاقتباس من المراجع الأخرى ، وهو اقتباس لا يتعدّى العبارة إذا كانت العبارة وافية سالمة من الاعتراضات إلى حدٍّ ما.
كما أنّه أحياناً يُبرز أدلّة من تلقاء نفسه تصلح أن تكون شاهداً لما ذهب إليه بعض الفقهاء من أحكام أفتوا بها مجرّدة عن ذكر الدليل ، من ذلك ما جاء في كيفية تطهير الماء القليل من اعتبار الامتزاج بقوله : «وقد يستدلّ لهم بأنّه حيث يكون طاهراً ووُصِّل دخل تحت قوله عليه‌السلام : (إذا كان الماء قدر كرٍّ ... إلى آخره) بخلاف ما
__________________
(1) انظر جواهر الكلام 1 / 587 قوله : ولقد نظرت فيما حضرني من كتب فلم أعثر على إجماع أو غيره ... ، و : 6 / 403 قوله : إنّ الموجود فيما حضرني من نسخة الوسائل ...
(2) جواهر الكلام 17 / 568.
(3) الروضة البهية 2 / 131.

إذا كان نجساً ، لاشتراط كون ذلك الماء طاهراً وإلاّ لم يكن وجه لقوله : لم ينجّسه شيء»(1).
المطلب الثالث : تتبّعه وسرده لأقوال الفقهاء :
يشتمل كتاب الجواهر ـ كما ظهر من بعض التطبيقات المتقدّمة ـ على أكثر الأقوال الواردة في المسألة الفقهية ، ذلك من خلال تتبّعها وملاحقتها ومن ثمّ تصنيفها ضمن مباحث وعناوين متفرّقة ، وهذه الخصوصية هي التي دعت الشيخ الأنصاري لأن يعدّه المرجع الفقهي الرئيس الذي يَستغني به الفقيه عمّا سواه من المراجع الفقهية الأخرى ، وإذا كان ثمّة عدد من المراجع الفقهية يتوفّر على هذه الخصّيصة مثل كتاب مفتاح الكرامة للسيّد العاملي فإنّه لم يبلغ ما بلغه الجواهر نظراً إلى الطابع التحقيقي الذي اتّصف به الكتاب ، ابتداءً من تحرير موضع النزاع وانتهاءً بإعطاء النتائج الفقهية ، بل إنّه اشتمل على فروض جديدة ومسائل غير محرّرة في كتب الأقدمين من الفقهاء بل ومعاصريه أيضاً ، ولو أتيح للقارئ لكتاب الجواهر متابعة الفروع الفقهية والمسائل والفروض على اختلافها تاريخيّاً لعثر على الكثير من تلك النتائج في هذا الحقل البكر الذي لم يشأ الباحثون الاهتمام به إلى الآن بشكل جادّ ، كلّ ذلك مع توخّيه غاية الدقّة في النقل لتلك الأقوال وسردها بطريقة ممنهجة ومفهرسة طبقاً للمسألة الفقهية التي يتعرّض لشرحها أو تلك التي يوردها من تلقاء نفسه.
__________________
(1) جواهر الكلام 1 / 303.

جاء في تعليق على تعريف المحقّق لدم الاستحاضة بأنّه في الأغلب أصفر بارد رقيق يخرج بفتور ما نصّه :
«على ما يستفاد من مجموع النصوص والفتاوى في المقام وفي ذكر أوصاف الحيض ـ لظهور المقابلة في إرادة التميّز عنه ـ وإن اقتصر على الأوّلين في المصباح والذكرى وظاهر المعتبر وعن غيرها ، كخبر حفص عن الصادق عليه‌السلام : (دم الاستحاضة أصفر بارد) ... واقتصر على الثلاثة الأوَل في الوسيلة والنافع والمنتهى وعن التبيان وروض الجنان والمراسم والغنية والمهذب والكافي والإصباح ، واقتصر على الأربعة في القواعد والتحرير والبيان واللمعة والروضة وغيرها ، واقتصر على الأوّلين مع الرابع في المبسوط وإن عبّر فيه بأنّه لاتحسّ المرأة بخروجه ، واقتصر على الثاني والرابع في الهداية والفقيه ناقلاً له عن رسالة والده كما عن المقنع مع التعبير عن الرابع فيها بنحو ما في المبسوط أيضاً ، واقتصر على الثاني والثالث مع زيادة الصفاء في المقنعة ، لكن ينافيه جعل الأكدر غالباً أيضاً كالأصفر في الدروس وغيرها ، اللهمّ إلاّ أن يريد به الملازم للرقّة غالباً»(1).
وقد استطرد لنقل أقوال العلماء علماء الطائفة أخذاً من كتبهم الفقهية والتنصيص على تلك الكتب ـ كما هو الطابع العامّ في الكتاب ـ مع بيان مرادهم وشرح مقصودهم وتوضيح عبائرهم إن استوجب الأمر ، من ذلك توجيهه قول الفاضِلَين بعدم إبطال الفعل الكثير للصلاة إن وقع سهواً بقوله : «وليس مراد الفاضِلَين وغيرهما عدم البطلان بالكثير سهواً مع محو الصورة التي يسلب الاسم
__________________
(1) جواهر الكلام 3 / 465.

عنها في سائر الأحوال حتّى السهو ، إذ لا يخفى على أصاغر الطلبة أنّ الامتثال لا يتحقّق إلاّ بفرد من الكلّي المأمور به»(1).
وفي بعض الأحيان نرى منه الإشارة إلى بيان منهجيّتهم وكيفيّة طريقتهم المتّبعة لديهم ، ومن ذلك ما انتقد به صاحب الرياض من السهو في نقل الحكم عن بعض الفقهاء ، وأرجع السبب في سهوه ـ كما ذكر ـ لتعويله على عبارة كشف اللثام كما هي عادته المتّبعة(2) ، وكذا أشار مجملاً إلى منهجية الشيخ الطوسي في كتابَيه الأخبار كما كتابه الفقهي المعروف بالنهاية(3).
ثمّ وأخيراً يلخّص المسألة الفقهية طبقاً للأقوال المذكورة المدعومة بأدلّتها من آيات أو روايات أو أصول عقلية أو شرعية ويكون ذلك عصارة المسألة المبحوثة ، وفي كثير من المواضع يصيغ ذلك ببعض المصطلحات المتّبعة لديه ، من قبيل : (وكيف كان) أو : (وبالجملة) أو : (وفصل الخطاب) بل وأحياناً بقوله : (والأقرب بنظري) ، وفي بعض الأحيان يبدو الرجل أكثر تواضعاً وألين عوداً ، فيستخدم من العبارة ما يتناسب وذلك ، كما في قوله : «والذي يقوى في نفس الحقير ...»(4).
جاء في أواخر بحثه عن مسألة ما يُتيمَّم به مع فقد الماء قوله : «فتحصّل من
__________________
(1) جواهر الكلام 11 / 114.
(2) جواهر الكلام 3 / 32 في أنّ الإنزال موجب لغسل الجنابة.
(3) جواهر الكلام 9 / 108 حكم من شرع في الصلاة بدون أذان وإقامة ، و : 542 وجوب قراءة سورة كاملة بعد الحمد في الأوليين.
(4) جواهر الكلام 6 / 228 اعتبار العصر في غسل الثياب.

ذلك كلّه أنّ مراتب التيمّم عندنا ثلاثة : أوّلها وجه الأرض ، وثانيها الغبار ، وثالثها الطين ، وبناء على اعتبار الثلج تكون أربعة ، بل خمسة بناءً على تأخّر الحجر عن التراب ، بل ستّة بناء على الترتيب أيضاً بين غبار الثوب والدابّة أو بالعكس ، لكن قد ظهر ضعف الجميع وإنّها ثلاثة خاصّة»(1).
نقله لأقوال غير الإمامية :
ولا يخفى على الباحث المتتبّع كثرة ما يجده في كتاب الجواهر من أقوال فقهية لغير الإمامية يسردها المصنّف في كثير من أبحاثه الفقهية ممّا قد يوحي للقارئ عدّ الكتاب ضمن سلسلة الموسوعات الفقهية الإمامية المؤلّفة في الفقه المقارن نظير منتهى المطلب للعلاّمة ، ويدخل في ذلك ما نقله عن بعض أئمّة الزيدية في تحديدهم للصلاة الوسطى(2) ، وما نقله عن غيرهم من علماء العامّة غير الشيعة أكثر وأوسع ، سواء أكان نقلاً عن فرق كالشافعية والحنابلة أم أشخاص وأئمّة كالشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل ومالك ، ومن ذلك ما تقدّم في مسألة الولاية على البكر(3) ، يضاف إلى كلّ ذلك نقله عن جمع من كبار وأعلام التابعين كابن عبّاس وابن مسعود وابن المسيّب والحسن البصري ، وأيضاً عن جمع هم من أعلام المذاهب المعروفة أمثال الزمخشري والبيضاوي
__________________
(1) جواهر الكلام 5 / 265.
(2) جواهر الكلام 7 / 30 ، نقل عنهم تحديدها بصلاة الجمعة يوم الجمعة والظهر في غيره.
(3) المطلب الثالث من المبحث الثاني ، عن الجواهر 30 / 321.

والنيشابوري ، كلّ ذلك مع مناقشة آرائهم في كثير من الأحيان.
جاء في مسألة الاستنجاء وتعليقاً على قول المحقّق : «ويجب غسل موضع البول» ما نصّه : «إجماعاً منقولاً ومحصّلاً ، بل هو من ضروريّات مذهبنا ، وسنّة كادت تكون متواترة بل هي كذلك ، خلافاً لأبي حنيفة ، فلم يوجب غسلاً ولاغيره»(1).
وقال في مسألة اعتبار إذن الولي في الصلاة على الميّت : «كما أنّ ما يُحكى عن ابن حنبل من ترجيح الوصي بأنّ أبا بكر أوصى أن يُصلّي عليه عمر ، وعمر أوصى أن يُصلّي عليه صهيب ، وأوصت عائشة أن يُصلّي عليها أبو هريرة ، وابن مسعود أوصى أن يُصلّي عليه الزبير ... لاحجّة فيه»(2).
وفي أوائل كتاب النكاح في تعداد ما اختصّ به النبيّ من أحكام والتي منها قيام الليل استناداً لقوله تعالى : (وَمِنَ اللّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ)(3) نقل عن بعض الشافعية قولهم بنسخ الآية المذكورة وبالتالي نفي الوجوب(4).
وأيضاً وبعد ما ذكر المحقّق أنّ الفرض في الوضوء هو مسح الرجلين قال : «إجماعاً عند الإمامية محصّلاً ومنقولاً بل هو من ضروريّات مذهبهم ، وأخبارهم به متواترة ، بل في الانتصار : إنّها أكثر من عدد الرمل والحصى ، وعن ابن عبّاس عن النبي (صلى الله عليه وآله) إنّ كتاب الله بالمسح ويأبى الناس إلاّ الغسل ... بل هو المنقول عن
__________________
(1) جواهر الكلام 2 / 23.
(2) جواهر الكلام 12 / 35.
(3) الإسراء : 79.
(4) جواهر الكلام 30 / 223.

جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء كابن عبّاس وعكرمة وأنس وأبي العالية والشعبي ، وعن أبي الحسن البصري وابن جرير الطبري وأبي عقيل الجبائي التخيير بينه وبين الغسل ، وعن داود يجب الغسل والمسح معاً ...»(1).
انتقاده للفقهاء :
وإذا كان قد توفّر للكتاب ما يميّزه عن غيره لجهة عدم الاستغراق في ما اعتاده بعض الفقهاء من شروح وتعليقات وتفريعات لا ثمرة لها فقهيّاً ، أو لجهة النأي عن التكلّف في الاستدلال بما ينسجم مع الذوق العرفي ، فإنّ ذلك لا يعني أنّه خرج كلّية عن منهج القدماء من الفقهاء والمجتهدين وأسلوبهم ، وعلى هامش ذلك فقد نسوّغ له لغته الشديدة وربّما القاسية أحياناً مع من يختلف معهم ، فإنّها تندرج في هذا السياق ، ومن ذلك توصيفه لبعض الفقهاء بالمتفقّهة(2) ، أو وصفهم بالوسوسة ، ومن أولئك المقدّس الأردبيلي وبعض أتباعه ، فقد وصفهم بها في عدّة موارد من الكتاب ، منها مسألة مبطلية البكاء لشيء من أمور الدنيا للصلاة ، وكذا حكم ردّ السلام في الصلاة(3).
ويأتي في هذا السياق أيضاً ما تقدّم من ردّه على الكاشاني وثاني
__________________
(1) جواهر الكلام 2 / 370. وانظر أيضاً على سبيل المثال 12 / 128 ، 40 / 31و141.
(2) جواهر الكلام 11 / 261 قوله في حكم صلاة الجمعة زمن الغيبة : وكيف كان فمن الغريب دعوى بعض المتفقّهة أنّ الشيخ ممّن يقول بوجوبها عيناً مدّعياً عليه الإجماع.
(3) انظر : جواهر الكلام 11 / 118و 186 ، وأيضاً : 9 / 599 حكم الجهر والإخفات في الركعتين الأوليين ، و : 40 / 230 بحث ميراث الأجداد.

الشهيدين(1) ، وكذا تضعيفه قول الكاشاني ـ بعد ما اتّهمه بمخالفة قوله لإجماع الفرقة الناجية بل إجماع المسلمين بل الضرورة من الدين ـ بأنّه لا يليق بالفقيه التصدّي للردّ عليه بمثل ذلك(2).
ومن الأمثلة أيضاً تسخيفه رأي دعائم الإسلام الذي خالف به المشهور وخرج بسببه عن المسطور ، ذاهباً إلى توريث الزوجة من الأرض مؤوّلاً الروايات الدالّة على عدم إرثها بما ينافي الصريح منها في الظهور ، قائلا : «وهو من غرائب الكلام ، بل هو كلام غريب عن الفقه والفقهاء والرواة والروايات ، وإنّما نقلناه ليقضى العجب منه»(3).
وكذا ما وقع مع الشهيد الثاني من أنّ كلامه لو وقع من غيره لعدّ من الخرافات(4) ، أو أنّ كلامه لا يصلح أن يصدر من أطفال الشيعة فضلاً عن أن يصدر عن آية الله المؤيّد بتأييده المسدّد بتسديده(5).
وأخيراً نشير إلى ذكر مناقشاته الكثيرة للشيخ البحراني ، وقد جاءت في موارد متعدّدة من مباحث الكتاب وبألسن مختلفة ، فتارة يصفه بإعراضه عن الأخذ بكلام الأصحاب وفقده للمَلَكَة المتصرّفة في خطابات السنّة والكتاب(6) ،
__________________
(1) تقدَّما في المطلبين الأوّل والثاني من البحث المتقدّم.
(2) جواهر الكلام 2 / 27 بحث الاستنجاء ، إشارة إلى قوله : إنّ المتنجّس لايُنجِّس بل الذي يُنجِّس إنّما هو عين النجاسة. وانظر أيضاً : 9 / 599.
(3) جواهر الكلام 40 / 305.
(4) جواهر الكلام 37 / 125 حكم ذبائح أهل الكتاب.
(5) جواهر الكلام 1 / 596 كيفية تطهير المضاف المتنجّس.
(6) جواهر الكلام 11 / 102 حكم الفعل الكثير في الصلاة.

وأخرى باختلال الطريقة بل حتّى أكثر من ذلك بما يمكن أن يوصف بقلّة تأدّبه في كلامه ونقده لمخالفيه ، فقد جاء في حكم استحقاق الخمس لمن انتسب بالأمّ إلى عبد المطّلب : «... لكن المحدّث المزبور قد بالغ في اختيار ذلك لاختلال طريقته ، مشدّداً الإنكار على الأصحاب بتسجيع شنيع وخطاب فضيع ، حتّى أنّه تجاوز ما يجب عليه من الآداب مع حفظة السنّة والكتاب»(1) ، وفي مورد آخر : «إنّ كلامه لا ينبغي أن يُلتفت أو يُصغى إليه»(2) ، ولعلّ انتقاده الأقسى له ما جاء في بحث حقيقة النيّة في الصلاة من قوله : «فمن الغريب تبجّح بعض المتأخّرين ـ مشيراً إليه ـ في المقام ، حتّى أنّه أساء الأدب وظنّ أنّه قد جاء بما فيه العجب ، وأنّه قد تنبّه لما غفلوا عنه ، وكلّ ذلك ناش من بعض الملكات الردية المفسدة للعمل بفساد النيّة ، نسأل الله العافية عنها»(3).
وفي الحقيقة فالأمر لا يقتصر على انتقاداته الخاصّة هذه التي وجّهها لأشخاص معيّنين ، بل تجاوز لما هو أكثر شمولاً وأوسع تعميماً ، فقد نال نقده المتأخّرين الذين شكّكوا في نجاسة المسكرات بقوله : «ولقد قصر الكلام بعد ما عرفت عن إبداء العجب من هؤلاء المتأخّرين في تشكيكهم بهذا الحكم المجمع عليه بين الأساطين بل بين علماء المسلمين ، بل كاد أن يكون ضروريّ مذهب أو
__________________
(1) جواهر الكلام 16 / 437. ونحوه في 9 / 353 تعيين تكبيرة الإحرام من بين السبع تكبيرات.
(2) جواهر الكلام 3 / 486 و488 في رجوع المبتدئة إلى الصفات.
(3) جواهر الكلام 9 / 259.

دين»(1).
وكذا ما نال به المتقدّمين في مسألة الجهر والإخفات في الركعتين الأوليين من قوله : «على أنّ القدماء وقع ما وقع منهم في كثير من المقامات من المذاهب الفاسدة لعدم اجتماع تمام الأصول عند كلّ واحد منهم وعدم تأليف ما يتعلّق بكلّ باب منها على حدة ، فربّما خفي على كلّ واحد منهم كثير من النصوص فيفتي بما عنده من غير علم بالباقي ، كما لايخفى على الخبير الممارس المتصفّح لما تضمّن تلك الآثار»(2).
المطلب الرابع : دعاوى الإجماع والشهرة والضرورة :
وإذا كان كتاب الجواهر قد اشتمل على تحقيقات علمية ربّما لم يشتمل عليها مصنّف فقهيّ آخر فإنّه مع ذلك يلاحظ عليه بوضوح طغيان لغة الإجماع ـ فضلاً عن الاتّفاق والوفاق أو عدم الخلاف ـ بأقسامه من بسيط ومركّب ـ أو ما يسمّيه في موارد كثيرة بعدم القول بالفصل ـ ومنقول ومحصّل ، والمنقول منه متواتر وآحاد ، ناسباً إيّاه للطائفة تارة وللمسلمين كلّ المسلمين أخرى ، وقد ردّ الفيض الكاشاني القائل بأنّ المتنجّس لاينجِّس بأنّه قد خالف إجماع الفرقة الناجية بل المسلمين(3) ، كما وأنّه قاطع للأصول والعمومات ومقدّم عليها
__________________
(1) جواهر الكلام 6 / 17.
(2) جواهر الكلام 9 / 592.
(3) جواهر الكلام 2 / 27.

مخصّصاً لعمومها ومقيّداً لإطلاقاتها ، ويُجبَر به ضعاف الأخبار الموافقة له ـ سواء أكان الضعف في السند أم في الدلالة ـ ويُوهَن لأجله صحاحها ويُفسَّر استناداً إليه مبهمها ويُعيَّن به مجملها ويُوضَّح بسببه دلالاتها ، وغالباً ما يقدِّم المصنّف ذكره في مقام الاستدلال على ذكرها ويأتي به أوّلا قبل الإتيان بها ، وما ذاك إلاّ لكونه أحد أبرز الأدلّة الشرعية المثبتة للحكم والتي يستند إليها الفقيه في مقام الاستنباط كما هو المقرّر في أصول المدرسة الأصولية الاستنباطية ، وكما نصّ المصنّف على الوجه في حجّيته بقوله : «وليس الإجماع إلاّ أحد الأدلّة الكاشفة عن الحكم الواقعي»(1).
ومسلك المصنّف واضح ـ لمن تتبّع الموارد المتفرّقة من كتاب الجواهر ـ فيما يرتبط بموقفه من الأخبار الضعيفة سنداً أو القاصرة دلالة أو تلك المبتلاة بهما معاً وأنّها تنجبر بقبول الأصحاب وعملهم بها ، والعكس صحيح ، أعني حالات إهمال الأصحاب للأخبار الصحيحة سنداً الواضحة دلالة فإنّه موجب لوهنها وترك العمل بها والاستناد إليها أو تأويلها على الأقلّ بما لا تتنافى ومعقد الإجماع ، جاء في تعليقه على الأخبار النافية لوجوب الوضوء حال الإتيان بغسل الحيض : «وفيه ـ مع الطعن في سند بعضها ولا جابر ـ أنّ الأخبار كلّما كثرت وصحّت وصرَّحت وكانت من الأصحاب بمرأى ومسمع ومع ذلك فقد أعرض عنها الأصحاب وأفتَوا بخلافها قوي الظنّ بعدم الاعتماد عليها والركون إليها»(2) ، ونحو
__________________
(1) جواهر الكلام 1 / 592 مسألة عدم طهارة المضاف بإلقاء كرٍّ عليه.
(2) جواهر الكلام 3 / 280.

هذا ما ذكره في مبحث غسل يوم الجمعة(1).
وشبيه الإجماع في الاعتبار والحجّية تأتي الشهرة بأقسامها من محصّلة منقولة ، سواء تلك المتعلّقة منها بالفتوى والعمل أم الحديث والرواية ، سواء تلك المنسوبة للمتقدّمين أم المتأخّرين ، وهي عند صاحب الجواهر لا تقلّ عن الإجماع ولها من الخصوصية ما له دليلا ودلالة وتصرّفاً وترجيحاً ، وقد ذكر قدّس سرّه وجه حجّيتها ودليليّتها عند تطرّقه لمسألة استحباب الاستغفار في صلاة الوتر بقوله : «... بل قد يقال : إنّ اشتهار ذلك بين الأصحاب فتوىً وعملاً لايكون إلاّ عن نصٍّ وإن لم يصل إلينا ، ولعلّه للاستغناء بهذه الشهرة عنه كما هو الشأن في كلّ إجماع لا نصّ فيه ، فالأمر سهل وإن لم نقف فيه على نصٍّ»(2).
هذا ، ولكن ينبغي الالتفات إلى أنّ قانون الانجبار بالشهرة والمتّبع في مسائل فقه الجواهر قد استثنى منه مصنّف الكتاب مورداً هامّاً ناسباً له إلى الأصحاب ، ذلك فيما إذا كان السبب في ضعف الخبر كونه مرويّاً من طرق العامّة ، أو بتعبير أدقّ كان ممّا قد تفرّدت العامّة بنقله وروايته ، فإنّ ضعفه لأجل ذلك يمنع من أن تجبره شهرة واشتهار. جاء في مسألة ما لو تعدّى الغائط المخرج لم يجزِ في تطهيره إلاّ الماء قوله : «قد عرفت أنّ المستند في أصل الحكم الإجماعات المنقولة مع نسبته له في التذكرة إلى الرواية ، ولعلّه أشار إلى ما رواه في المعتبر
__________________
(1) جواهر الكلام 5 / 10 ، قال في مقام مناقشته للأخبار الدالّة بظاهرها على وجوب غُسل الجمعة : والأخبار متى كانت صريحة وأعرض الأصحاب عنها لا يسوّغ العمل بها. وانظر أيضاً : 1 / 94 ، 2 / 26و433 ، 6 / 346.
(2) جواهر الكلام 7 / 64.

عنه عليه‌السلام : (يكفي أحدكم ثلاثة أحجار إذا لم يتجاوز المحلّ) لكنّ الظاهر من ملاحظة كلامه أنّها من طرق العامّة فلا ينفع انجبارها بالشهرة ، إذ ظاهر الأصحاب عدم الالتفات إلى أخبار العامّة وإن انجبرت»(1).
ويضاف إلى ذلك كلِّه دعواه في بعض المسائل الفقهية الضرورة أو الضروريّات أو ضرويّات الإسلام أو الدين أو المذهب أو مذهبنا(2) ، وعادة ما يستخدم الفقيه هذه المصطلحات حين تطرّقه لأدلّة أمّهات المسائل الفقهية ، للدلالة بذلك على كون تلك المسألة قد تعدّت مجرّد الإجماع عليها والاتّفاق على حكمها إلى أن عُدَّت من واضحات الفقه ومسلّماته ومن أركانه وبديهيّاته الغنيّة عن ذكر الدليل ، قاطعاً بذلك أيّ شكّ أو ترديد يمكن أن يتطرّق لها أو يوجّه إليها.
هذا ، ولكن للإنصاف ينبغي القول : إنّ الشيخ النجفي لم يشأ تمرير هذه المصطلحات جميعها وإن طغت على الكتاب في أحيان كثيرة ، فإنّه حقّق عدداً من دعاوى الإجماع وناقش فيها ، من ذلك الإجماع المدّعى على المرتضى من إيجابه الغسل بوطي البهيمة بقوله : «لكنّ في استفادته من عبارة المرتضى تردّد»(3) ، وأحياناً ينفي العثور عليه كما في الإجماع المدّعى على اختصاص تنجّس المضاف الملاقي للنجس بما دون العالي منه بما لفظه : «ولقد نظرت ما حضرني من بعض الكتب فلم أعثر على إجماع أو غيره في خصوص المقام»(4) بل أحياناً
__________________
(1) جواهر الكلام 2 / 42.
(2) انظر على سبيل المثال جواهر الكلام 2 / 23 ، 7 / 123 ، 12 / 36 ، 30 / 211.
(3) جواهر الكلام 3 / 70.
(4) جواهر الكلام 1 / 587. ونحوه : 9 / 221 في جواز أن يُؤذِّن جماعة لصلاة واحدة.

أخرى ينفيه بضرس قاطع ، كما في مسألة اقتضاء القاعدة إبطال التكتّف للصلاة لحالتي العمد والسهو إلاّ إذا ثبت إجماع على الاختصاص قائلا : «ودون إثباته خرط القتاد»(1) ، وفي موارد يسلّم بثبوت نقله إلاّ أنّه يسقطه عن الحجّية بسبب المعارضة ، كما في وقت نوافل الظهرين حيث قال : «وأمّا القول بالامتداد للمثل والمثلين فلم نجد له شاهداً سوى الإجماع المحكي في الغنية الذي هو مع شهادة التتبّع بخلافه لا يحصل منه الظنّ لمعارضته بما هو أقوى منه»(2).
ويمكن قراءة رأي المصنّف إجمالاً عن بعض الإجماعات المنقولة من حيث أصل ثبوتها وصدقها أو حيثية تمامية دلالاتها بما جاء في مسألة حكم التيمّم مع سعة الوقت ، حيث ادّعى في الانتصار والغنية كما عن الناصريّات الإجماع على عدم مشروعيّته ، فعلّق بقوله : «وأمّا الإجماع فهو مع ضعف الظنّ فيه نفسه ، خصوصاً في مثل هذه الإجماعات التي لايعلم إرادة أصحابها بها ولا طريقهم إليها ، إذ لا زالوا ينقلونها فيما هو مظنّة العكس ، خصوصاً الغنية ونحوها ، مع عدم ظهور إرادة مدّعيه خصوص ما نحن فيه ، بل لعلّ عبارات الانتصار تشعر بإرادة الرجاء ، ومع وهنه بالمحكي عن الصدوق والجعفي والبزنطي من القول بالسعة مطلقاً ، بل وابني الجنيد وأبي عقيل في خصوص الفرض المعتضد بإعراض المتأخّرين أكثرهم عنه فيه ، إذ من المستبعد جدّاً خفاء الإجماع على مثل أولئك الأساطين مع قرب العصر واطّلاع خصوص حاكيه ، على أنّ تحصيله لهم غالباً في
__________________
(1) جواهر الكلام 11 / 39.
(2) جواهر الكلام 7 / 281.

ذلك الزمان إنّما هو بملاحظة الروايات ومذاهب الرواة لها ، وقد عرفت ظهور أكثر الأخبار بالتوسعة ...»(1).
هذا مضافاً إلى بيان رأيه في بعض خصوصيّاته كما في بحث ماء الكرّ ، حيث ردّ القائل : أنّ خروج معلوم النسب غير قادح في حجّية الإجماع ، بقوله : «وهو لايتمّ على طريقتنا»(2). وجاء في مبحث التكتّف في الصلاة : «والإجماع لا يشترط فيه بناء على حجّيته معلوميّته ، ضرورة كونه حينئذ كسائر الأدلّة الظنّية وإلاّ كان محصّلاً ، ولا يقدح فيه وجود المخالف ، خصوصاً من الإسكافي المطّرحة أقواله وأبي الصلاح الذي سبقه الإجماع»(3).
المطلب الخامس : التطبيقات الأصولية في كتاب الجواهر :
عاش الشيخ محمّد حسن النجفي عصر إنجازات الانتصار الأصولي وتصفية الحركة الأخبارية على يد الشيخ الوحيد البهبهاني وتلامذته من أمثال المحقّق القمّي (ت1231هـ) صاحب القوانين ، والشيخ الكاظمي (ت1234هـ) مؤلّف كشف القناع عن حجّية الإجماع ، والشيخ الإصفهاني (ت1248هـ) مؤلّف هداية المسترشدين في شرح معالم الدين ، والشيخ الإصفهاني (ت1250هـ) مؤلّف الفصول ، والأعرجي محسن الكاظمي (ت1227هـ) مؤلّف المحصول في
__________________
(1) جواهر الكلام 5 / 282.
(2) جواهر الكلام 1 / 316 عدم تطّهر الماء القليل بإتمامه كرّاً.
(3) جواهر الكلام 11 / 29 ، إشارة إلى مخالفة الإسكافي وأبي الصلاح للإجماع المدّعى على عدم جواز التكتّف في الصلاة.

الأصول.
ومع انتصار الحركة الأصولية وتأصيل المرتكزات الفكرية لهذه الحركة العلمية أخذت تتعمّق المباحث الأصولية وتتّسع شيئاً فشيئاً كلّما بزغ نجم فقيه وطلع نجم فقيه آخر.
وقد تمّ تحديد عدد من المقولات الأصولية على يد الوحيد البهبهباني وتلامذة مدرسته ، ومن ذلك تحديد مفهوم الأصل العملي وتمييزه عن الأدلّة الشرعية على الحكم ، والتمييز بين الأصول العملية المسمّاة بالأدلّة الفقاهتية وبين الأمارات المسمّاة بالأدلّة الاجتهادية.
وبشكل عامّ يدين علم أصول الفقه في مرحلته الأخيرة وما رافقها من تطوّر كبير إلى هذه الحقبة المهمّة من تاريخ علم الأصول التي تمّ فيها التأسيس لعدد من المفاهيم والمقولات الأصولية على خلفية الصراع بين الحركتين الأصولية والأخبارية ، وهذا ما يفسّر ظهور عدد من أهمّ الكتب والمصنّفات الأصولية يومذاك والمستمرّ إلى يومنا الحاضر كما في كتاب القوانين والفصول والمحصول وهداية المسترشدين.
ثمّ تطوّر علم أصول الفقه بامتداد هذه الحقبة نفسها على يد الشيخ الأنصاري خليفة صاحب الجواهر والذي حاول تأصيل عدد من المقولات الأصولية ومفاهيم علم الأصول والدفع به إلى الإمام ، سواء عن طريق تأصيلها من جهة التأسيس لمقولات جديدة كما في بعض الكيفيّات من قبيل المصلحة السلوكية ، أو من قبيل ما يعرف بـ : (الحكومة) أو (الورود) وغير ذلك من المفاهيم

الأصولية.
هذا على المستوى العامّ لحركة علم الأصول وتطوّره ، أمّا على المستوى الخاصّ وهو مدى إسهام الشيخ صاحب الجواهر في تدعيم هذه الحركة فإنّنا في الواقع لانعرف عنه الكثير ، ومن أسف أن يضيع كتابه في الأصول الذي تقدّم الحديث عنه ، والذي يظهر أنّه المقصود للشيخ في إحالاته الأصولية في مواضع متعدّدة من موسوعته جواهر الكلام(1).
وربّما يكون الإسهام الكبير الذي تحقّق على يد الشيخ الأنصاري قد أسدل الستار على إسهام الشيخ صاحب الجواهر وإنجازاته في هذا الحقل ، وربّما لا يكون له إسهام بارز وفريد وبخاصّة أنّه عُرف فقيهاً أكثر منه أصوليّاً ، إذ أنّه وُفّق في الفقه إلى ما لم يُوفّق إليه غيره من الفقهاء وأُتيح له ما لم يُتَح لغيره منه ، وربّما يكون الإسهام الأصولي على حساب الفقه والعكس صحيح أيضاً ، ولا نعدم الأمثلة ، فثمّة عدد من الفقهاء برعوا في الأصول بما لم يبرعوا فيه في الفقه ، وعدد منهم برع في الفقه بما لم يبرع فيه في الأصول(2).
__________________
(1) جاء في جواهر الكلام 1 / 592 حكم الماء المضاف : ولصاحب الذخيرة مناقشة واهية في المقام متضمّنة لعدم جريان الاستصحاب ذكرناها في الأصول وأجبنا عنها ، وفي 604 من نفس الجزء في كراهة الطهارة بالماء المسخّن بالشمس : والبحث في المراد بالكراهة في المقام مذكور في الأصول وقد أشبعنا البحث فيه في رسالة لنا في اقتضاء النهي الفساد ، وفي 7 / 15 في معنى الصلاة شرعاً : ... وقد فرغنا من ذلك في الأصول ، ونحوه 11 / 524 ، حيث جاء : ... قد ذكرنا في الأصول أنّ التحقيق عدم اقتضائه ـ النهي ـ الفساد عقلاً بل ولا عرفاً ، وغير ذلك كثير.
(2) محمّد الحسيني ، فقهاء ومناهج : 29.

لكن تجد في جواهر الكلام من التطبيقات الأصولية ما يلقي الضوء كافياً على طبيعة تعاطيه مع هذا الحقل المعرفي الخاصّ ، فثمّة عدد هائل من المصطلحات الأصولية الواردة فيه ، إن كان فيما يرتبط بمباحث الألفاظ ، من قبيل عدم إفادة النكرة الواقعة في سياق الإثبات للعموم إلاّ إذا وقعت مورد الامتنان ، والإشارة إلى بعض المفاهيم المتداولة في كلمات الأصوليّين ، كمفهوم اللقب ومفهوم المكان ومفهوم الشرط ومفهوم الأولوية أو ما يسمّيه أحياناً بمفهوم الموافقة ، أو بما يرتبط بمجال الأصول العملية المقرّرة لمعالجة الموقف العملي في حالات فقد الحكم الواقعي عليه كأصلَي البراءة واستصحاب الطهارة ، ويضاف لما تقدّم ذكره من التطبيقات الأصولية في الأمثلة الفقهية المتقدّمة ما استدلّ به على عدم وجوب الغُسل بوطي البهيمة من دون إنزال قائلا : «فالحجّة على عدم الوجوب أصالة البراءة السالمة عن المعارض ، واستصحاب يقين الطهارة ، وقضاء مفهوم قوله عليه‌السلام : (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) ومفهوم ما دلّ على قصر الغُسل على الإنزال من شرط وغيره ، كالحصر في قوله(صلى الله عليه وآله) : (إنّما الماء من الماء) ونحوه على الأصحّ من العموم في المفهوم»(1).
أو بذاك المرتبط بالمباحث الأصولية الأخرى ، كالوجوب الغيري لمقدّمات الواجب وأنّه لا مانع من القول بوجوبها حتّى قبل زمان الواجب(2) ، ومسألة اقتضاء
__________________
(1) جواهر الكلام 3 / 68. وانظر في استشهاده ببعض مباحث الألفاظ 1 / 183 ، 6 / 209 ، 12 / 254.
(2) انظر فيما يرتبط بتطرّقه لمقدّمات الواجب أو الوجوب جواهر الكلام 1 / 129 وقت غسل

الأمر بالشيء للنهي عن الضدّ(1) ، وقاعدة الاشتغال أو ما يسمّيها بـ : (قاعدة الشغل) أو : (الشغل اليقيني يستدعي البراءة اليقينية)(2) ، وعدم دلالة النهي على الفساد. قال معلّقاً على النهي الوارد على البيع يوم الجمعة : «قد ذكرنا في الأصول أنّ التحقيق عدم اقتضائه الفساد عقلاً كالعبادة ، بل ولا عرفاً إلاّ إذا كان متعلّقاً بنفس المعاملة أو أحد أركانها أو وصفها اللازم ، أمّا مثل المقام الذي لاريب بناء على ما ذكرنا في كون النهي عنه من جهة كونه مفوّتاً للواجب ومضادّاً له ـ ومثله لا يفهم منه الفساد عرفاً قطعاً ـ فلا»(3).
ولا يكاد يخلو بحث استدلاليّ من بحوث الكتاب المتشعّبة عن ذكر دليل الأصل أو أصل الاستصحاب أو ما يطلِق عليه أحياناً بـ : قاعدة عدم نقض اليقين بيقين مثله(4) ، وهو حجّة في كتاب الجواهر سواء أكان في نفس الأحكام أم في موضوعاتها ، ومع فرض جريانه فهو وإن كان متأخّراً عن الدليل الاجتهادي لكنّه مقدّم على غيره من الأصول والكثير من العمومات(5) ، وقد استنبط بفضله الكثير
__________________
الجنابة ، و 6 / 373 ثوب المربّية. وفي 1 / 72 استدلاله على كون وجوب الوضوء غيريّاً بخلاف ما يظهر من العامّة من القول بالنفسي.
(1) جواهر الكلام 11 / 149 كراهة التأوّه في الصلاة ، و188 حكم ردّ السلام في الصلاة.
(2) جواهر الكلام 2 / 405 ، استشهد بها على وجوب المسح في الوضوء مقبلاً ، و 12 / 96 على وجوب إعادة الصلاة على الميّت إذا كانت الجنازة حين صُلّي عليها مقلوبة.
(3) جواهر الكلام 11 / 524.
(4) جواهر الكلام 3 / 35 في إيجاب الإنزال للغسل.
(5) انظر : جواهر الكلام 1 / 592 حكم الماء المضاف ، و : 5 / 30 وقت غُسل الجمعة ، و : 6 / 431 حكم التطهير بالنار ، و : 30 / 242 شرط الماضوية في عقد النكاح.

من الأحكام لوقائع لم يرد فيها دليل معتبر أو جعله مؤيّداً وشاهداً للوارد من الدليل فيه ، وبالطبع فإنّ ذلك موقوف على تحقّق شرائطه وتوفّر أركانه التي يشير إليها في طيّ مسائله والتي منها ـ إن لم يكن من أهمّها ـ شرط عدم تغيّر الموضوع ، جاء في مسألة ما لو امتزج بالماء المطلق غير المائع من الأجسام بحيث شكّ في خروجه بسبب ذلك عن الإطلاق ما لفظه : «بل قد يقال : إنّ ذلك إثبات للموضوع بالاستصحاب لرجوع الحال إلى الشكّ في أنّه بعد ما امتزج بما امتزج هل هو فرد لحقيقة الماء أو لا ، والاستصحاب لا يثبت مثل ذلك ، ودعوى استصحاب الأحكام من غير ملاحظة الموضوع فيها ما لا يخفى ، وذلك لكون الأحكام تابعة له وجوداً وعدماً. ولكنّ الإنصاف عدم خلوّ القول باستصحاب الحكم من قوّة ، بل يمكن القول باستصحاب الموضوع نفسه ...»(1) ، وفي بيان مقدار الكرّ وزناً جاء : «... لكن قد عرفت سابقاً أنّ احتمال الكرّية كاف في بقاء استصحاب طهارته فلا حاجة للحكم بها ، ولعلّه المراد من قولهم : إنّ الاستصحاب لا يثبت الموضوع ، وإلاّ فلا ريب في إثبات استصحاب الموضوع»(2).
وكذا تطرّقه للشبهة المحصورة التي نفى شمول أدلّة البراءة لها كما في بحث المتحيّر في حكم صلاة الجمعة(3) ، لكنّها ليست دائماً منجّزة لمواردها ، فقد جاء في حكم تجويز نظر الخنثى إلى الغير قوله : «وليس هو من الشبهة المحصورة
__________________
(1) جواهر الكلام 1 / 566.
(2) جواهر الكلام 1 / 344. وانظر 6 / 53.
(3) جواهر الكلام 11 / 528.

التي تحقّق فيها شرط التكليف ... فيتمسّك حينئذ بأصل البراءة»(1).
وأيضاً الإشارة إلى سيرة المتشرّعة أو ما يعبّر عنها أحياناً بسيرة المتديّنين وأخرى بسيرة المؤمنين أو المسلمين ـ وفي بعض الموارد سيرة النبي والأئمّة والصحابة والتابعين وتابعيهم ـ وأنّه يحصل القطع بسببها برأي المعصوم كما ذكر في مقام استشهاده بها على جواز تغسيل الأموات في نهار شهر رمضان(2) ، ويظهر من بعض بحوثه أنّها أقوى وأعظم حجّية من الإجماع ، قال في مقام استدلاله على كون غَيبة المسلم من المطهّرات : «بل قد يظهر من المحكي عن تمهيد الشهيد الثاني الإجماع عليه ، بل حكاه عليه بعض شرّاح منظومة الطباطبائي ، بل هو رحمه‌الله حكى السيرة القاطعة التي هي أعظم من الإجماع»(3).
لكن ما يستوقف الباحث هو بعض التطبيقات في معالجته لعدد من المسائل الفقهية في ضوء بعض القواعد والمقولات الأصولية ، ففي الوقت الذي يتكرّر فيه ذكر قاعدة التسامح بأدلّة السنن ومن خلالها تمرّ عدّة فتاوى بالكراهة تارة والاستحباب أخرى فإنّه يناقش في مواطن منها ولا يسمح بتمريرها لأنّها من الأخبار الضعيفة المتناقضة التي يشكل إثبات الأحكام بها وإن كانت مشهورة فربّ مشهور لا أصل له ، ويمكن مراجعة تعليقه على استحباب صوم يوم دحو الأرض
__________________
(1) جواهر الكلام 30 / 178. وانظر بعض تحقيقاته عن الشبهة المحصورة 6 / 383 حكم الصلاة في الثوبين المشتبهين.
(2) جواهر الكلام 1 / 123. وانظر في نقله عموم السيرة 9 / 127 في كيفية الأذان.
(3) جواهر الكلام 6 / 473. وانظر أيضاً 9 / 127و610 ، 30 / 135.

وتفسير دحوها(1).
وإذا كان الموقف من القياس في المدرسة الإسلامية الشيعية معروفاً بلحاظ عدم حجّيته وجواز العمل به والتعويل عليه فإنّنا لا نجد في المدرسة من يناقش في ذلك أو يتوقّف فيه ، إلاّ أنّ في التطبيقات ما ربّما يكتشف صدق عنوان القياس عليه ، فيَضبِط على هذا الفقيه أو ذاك أنّه ارتكب هذا اللون من التفكير ، وقد نبّه الشيخ صاحب الجواهر إلى عدد من تلك المظاهر والنماذج ، وربّما كان أكثر تفصيلاً وتدقيقاً ما لاحظه على العلاّمة في مسألة حكم ماء البئر لو تغيّر أحد أوصافه بالنجاسة(2).
المطلب السادس : بعض آراء الشيخ الفقهيّة :
قد لايتاح في مثل حجم هذه الدراسة استقصاء الآراء الفقهية للشيخ صاحب الجواهر نظراً لسعة موسوعته الفقهية من جانب وما أتيح له من قدرة على التعليق على أمّهات المسائل والفروع من جانب آخر ، مضافاً لتلك الفروع والمسائل التي لم يكن قد تطرّق لها أحد ممّن سبقه من الفقهاء ، فيتفرّد باستنباط الحكم مشيراً إلى كيفية استنباطه من كلّ ما يمكن أن يكون دليلا أو دالاًّ ـ صراحة أو مجازاً ، منطوقاً أو مفهوماً ، خصوصاً أو عموماً وإطلاقاً ... ـ عليه ، ومن أمثلة ذلك ما استنتجه من ظواهر الأخبار من حكم كراهة ترك غُسل الجمعة بقوله : «قد
__________________
(1) جواهر الكلام 17 / 537.
(2) جواهر الكلام 1 / 510.

يظهر من هذه الأخبار وغيرها أنّ تركه مكروه بل كراهة شديدة وإن لم يَنصّ عليه أحد في كتب الفروع فيما أجد ، للنهي عن الترك فيها والأمر بالاستغفار عنده والتفسيق بسببه أيضاً ، بل لعلّ أخبار الوجوب تكفي في إثبات الكراهة للترك لكونه أقرب المجازات عند انتفاء الحقيقة»(1).
وإذ كنّا قد نوّهنا سابقاً عن موقف الشيخ صاحب الجواهر من الشهرة والإجماع وما هو محلّ وفاق واتّفاق وحشده الأدلّة بعد الأدلّة وانتقاده بسببه أساطين الفقه أمثال الشهيد الثاني والمقدّس الأردبيلي والفيض الكاشاني والمحدّث البحراني ... فإنّنا نلاحظ كذلك أنّه إنّما انطلق في موقفه المشار إليه انسجاماً مع موقف فقهيّ ومبنىً صناعيّ يضطرّه إلى الدفاع عن الرأي الفقهي ما دام يعتقد صلاحه ويطمئنّ إلى نتائجه بعد أن كان ذلك شرعيّاً ومشروعاً.
ولاية الفقيه :
وكما ذكرنا فقد لا يتاح للباحث استقصاء آراء الشيخ وملاحقتها وبخاصّة في مثل هذا المقام ، بيد أنّه تجدر الإشارة إلى أكثرها حيوية على المستوى العلمي أو على المستوى العملي والتي عُرف بها ونسبت إليه باعتبار كونه الأبرز ممّن كان قد نقّحها وفصّلها ومن ثمّ تَقبُّلها وتبنِّيها ، ألا وهي مسألة ولاية الفقيه والتي تعدّ من أهمّ المسائل التي وقع فيها البحث والجدل وعلى الأقلّ في بعض الأزمنة ، إذ أنّها لم تطرح بهذا العنوان بشكل صريح وببحث مستقلّ في أوائل تأريخ تأسيس الفقه
__________________
(1) جواهر الكلام 5 / 11 بحث غُسل الجمعة.

وتنقيح مسائله من قبل متقدّمي الفقهاء ، بل اصطيدت من أماكن متفرّقة وأبواب مختلفة منه ، من قبيل حقّ الفقيه وولايته في القضاء وتولّي الحكم وتنفيذه ، ومسألة قبض المستحقّات الشرعية ، والولاية على القاصرين والغائبين وتولّيه فيما يرتبط بشؤون الحرب والجهاد والدفاع ، وأمثال ذلك ومن خلال هذه المفردات يمكن القطع أو الاطمينان بالدور الكبير للفقيه في المجتمع الإسلامي المعبّر عنه بولاية الفقيه ، ومن هنا صحّ القول : إنّه لا إشكال بين الفقهاء في أصل ولايته في الجملة وإنّما الخلاف في التفاصيل والمصاديق والمفردات في هذه المسألة أو تلك الأخرى والملاحظ ـ كما هو المعروف ـ أنّ الشيخ الفقيه محمّد حسن النجفي يدعم القول بولاية الفقيه بل ويعدّها من المسائل البيّنة الواضحة ، وربّما ردّ على بعض خصومه بالخروج عن دائرة المعلوم بالضرورة كما في كلماته النقدية لصاحب الحدائق(1) ، كما وأنّه يعتقد أنّ احتمال قصر ولايته على خصوص القضاء والفتوى ضعيف جدّاً.
وقد تعرّض بوضوح ـ على هامش الحديث عن وجوب دفع الزكاة إلى الإمام أو نائبه لو طلبها ـ إلى مسألة ولاية الفقيه وكونها شاملة وعامّة إلى حدٍّ ما للإمام المعصوم إلاّ بما كان من مختصّات المعصوم ، جاء في هذا المطلب ما نصّه :
«إطلاق أدلّة حكومته خصوصاً رواية النصب التي وردت عن صاحب الأمر روحي له الفداء يصيّره من أولي الأمر الذين أوجب الله علينا طاعتهم ، نعم من المعلوم اختصاصه في كلّ ما له في الشرع مدخلية حكماً أو موضوعاً. ودعوى
__________________
(1) جواهر الكلام 16 / 539 مبحث حكم الخمس زمن الغيبة.

اختصاص ولايته بالأحكام الشرعية يدفعها معلومية تولّيه كثيراً من الأمور التي لا ترجع للأحكام ، كحفظه لمال الأطفال والمجانين والغائبين وغير ذلك ممّا هو محرّر في محلّه ، ويمكن تحصيل الإجماع عليه من الفقهاء ، فإنّهم لا يزالون يذكرون ولايته في مقامات عديدة لا دليل عليها سوى الإطلاق الذي ذكرناه المؤيّد بمسيس الحاجة إلى ذلك أشدّ من مسيسها في الأحكام الشرعية»(1).
ومثله ما في كتاب القضاء ، حيث قال : «ويمكن بناءً على ذلك ـ بل لعلّه الظاهر ـ على إرادة النصب العامّ في كلّ شيء على وجه يكون له ما للإمام كما هو مقتضى قوله عليه‌السلام : (فإنّي جعلته حاكماً) أي : وليّاً متصرّفاً في القضاء وغيره من الولايات ونحوها ، بل هو مقتضى قول صاحب الزمان روحي له الفداء : (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله) ضرورة كون المراد منه أنّهم حجّتي عليكم في جميع ما أنا فيه حجّة الله عليكم»(2).
وأصرح منه ما ذكره في بحث جواز إقامة الحدود للفقهاء زمن الغيبة من قوله : «لظهور قوله عليه‌السلام : (فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً) في إرادة الولاية العامّة نحو المنصوب الخاصّ كذلك إلى أهل الأطراف الذي لا إشكال في ظهور إرادة الولاية العامّة في جميع أمور المنصوب عليهم فيه ، بل قوله عليه‌السلام : (فإنّهم حجّتي عليكم وأنا
__________________
(1) جواهر الكلام 16 / 73.
(2) جواهر الكلام 41 / 21 مبحث شروط القاضي.

حجّة الله) أشدّ ظهوراً في إرادة كونه حجّة فيما أنا فيه حجّة الله عليكم ...»(1).
ومن هنا جاء استغراب الشيخ ممّا أسماه بوسوسة بعض الفقهاء في الحكم وكأنّهم لم يتذوّقوا من طعم الفقه شيئاً ولا فهموا من لحن قولهم ورموزهم أمراً(2).
وإن كان كتابه الجواهر محشوّاً بالملاحظات الفقهية والرجالية والأصولية فإنّه لا يخلو من تحقيق مسائل تاريخية استطراداً كما في ولادة النبي وأنّ الثابت الصحيح هو في السابع عشر من ربيع الأوّل على خلاف ما اختاره ثقة الإسلام الشيخ الكليني(3) وعلاوة على ذلك يجد الباحث فيه أحياناً كثيرة موعظة هنا وأخرى هناك كما في حديثه عن الحجّ ووجوب تنزيه النفس عن الدواعي غير العبادية ، فيتحدّث عن تلك الدواعي وشيوعها في حياة الناس وتأثيرها على عبادة الحجّ(4).
الإشارة إلى القواعد الفقهية :
كما وأنّه كان قد أشار إلى جملة من القواعد الفقهية التي يمكن لكلّ قاعدة منها تأسيس العشرات بل المئات من الأحكام التي تنطبق على مصاديقها في كثير من مسائل الفقه المتفرّقة ، ابتداءً من أبواب عباداته وانتهاءً إلى ما اصطلح عليه في الشرائع ـ وتبعه في الجواهر ـ بمسائل أحكامه ، مروراً ببحوث معاملاته بعقوده
__________________
(1) جواهر الكلام 22 / 674.
(2) جواهر الكلام 22 / 677 إقامة الفقهاء الحدود زمن الغيبة.
(3) جواهر الكلام 17 / 532 استحباب صوم يوم مولد النبي (صلى الله عليه وآله).
(4) جواهر الكلام 18 / 9 استحباب التفقّه في الحجّ.

وإيقاعاته ، ومن بين تلك القواعد التي استنبطت منها أحكام كثيرة قاعدة القرعة(1) ، وكذا قاعدتي العسر والحرج(2) ، وأصالة الصحّة في فعل المسلم(3) ، وقاعدة الإجزاء(4) ، وغيرها من القواعد الفقهية التي لا يستغني الفقيه عن الرجوع إليها وتنقيحها وتطبيقها على الموارد المختلفة والمصاديق المتكثّرة في الفقه والتي هي محلّ الابتلاء.
__________________
(1) جواهر الكلام 30 / 278 اعتبار تعيين الزوجة في النكاح.
(2) جواهر الكلام 5 / 176 وجوب التيمّم عند الخوف.
(3) جواهر الكلام 11 / 517 الأذان الثالث يوم الجمعة.
(4) جواهر الكلام 2 / 438 مسح الرجلين في الوضوء.

خاتمة البحث
أمّا الخاتمة والتي تتضمّن أبرز ما توصَّلت إليه هذه الدراسة من نتائج فهي :
إنّ المنهج الموسوعي في الفقه والمأخوذ في عنوان هذا البحث هو ذلك المنهج الذي يعرض الأحكام الشرعية مقرونة بذكر أدلّتها التفصيلية والذي يكون على نحو الإحاطة التامّة لها ممّا يميّزه بالشمولية والسعة في فهم المسألة الفقهية ، وذلك بخلاف المنهج غير الموسوعي (المختصر) الذي يقتصر على بيان الحكم موجزاً ومجرّداً عن ذكر الدليل ، والهدف منه إيصال الحكم للمخاطَب بطريق مختصر.
إنّ هناك مناهج موسوعية مؤلّفة في الفقه الإمامي غير الحدائق والجواهر يرجع الفضل فيها إلى جماعة من فقهاء الإمامية بمثابرتهم في فهم أفق الشريعة الواسع واستحداثهم أسلوب البحث العلمي المسهب والمفصّل من أجل فهم وبيان وعرض المسألة الفقهية تامّة المعالم ومستوعبة لأدلّتها التفصيلية.
إنّ من أهمّ معالم المدرسة الفقهية الأخبارية والتي ينتمي إليها جمع من كبار فقهاء الطائفة ومن بينهم المحدّث يوسف البحراني يكمن إجمالاً في نفي حجيّة العقل كدليل على الحكم الشرعي ، وكذا نفي حجّية الإجماع عليه لأنّه عندهم بدعة أوجدها أهل السنّة والجماعة ، والإبقاء على حجّية الكتاب الكريم والسنّة الشريفة لكن شريطة الرجوع في الأخذ بظواهرهما إلى أخبار أهل البيت عليهم‌السلام وعدم التفسير بمعزل عنها ، لكنّهم في قبال ذلك وسّعوا الأخذ بالأخبار

وذهبوا إلى اعتبار كلّ ما ورد منها في الكتب الحديثية المعتمدة لدى الطائفة والتي من أبرزها الكتب الأربعة المعروفة للمحمّدِين الثلاثة معتقدين صحّة صدورها استناداً إلى شهادة أربابها الثقات على ذلك ، وعليه فلم يوجبوا على الفقيه بذل الجهد والبحث عن أسناد تلك الروايات وخوّلوا له الأخذ بها مطلقاً ما دامت قد أُثبِتَت في الأصول الأربعمائة لأصحاب الأئمّة عليهم‌السلام ، كما وأنّ لهم فروقاً جوهرية خالفوا فيها المدرسة الأصولية فيما يتعلّق بطريقة الاستنباط ومنهجه من حيث وظيفة الفقيه والمقلّد ، ومسألة إطلاق الاجتهاد وتجزئته ، وتجويزهم تقليد الفقيه الميّت ابتداءً.
وفي قبال هذه المدرسة توجد المدرسة الفقهية الأصولية ـ والتي ينتمي إليها صاحب الجواهر باعتباره خرِّيجاً لكبار أساتذتها وروّاد فكرها والذين هم طلاّب الوحيد البهبهاني مجدّد المدرسة الأصولية ومحيي معالمها ـ فإنّها ذهبت إلى القول بحجّية ظواهر الكتاب الكريم والسنّة الشريفة وجواز الاعتماد عليهما والرجوع إليهما في استنباط الأحكام الشرعية ، وكذا قالت بحجّية الإجماع ـ إن كان محصَّلاً أو ما هو بحكمه كالمنقول منه بنحو التواتر ـ باعتباره كاشفاً وحاكياً عن رأي المعصوم ، إلاّ أنّهم في قبال ذلك خالفوا الأخباريّين فيما يتعلّق بالأخذ بالأخبار والعمل بها ، إذ أنّهم لا يرون صحّة كلّ ما أودع في كتب الحديث من روايات وأحاديث وإن بلغ مدوّنوها أعلى مراتب الوثاقة والعدالة ، بل لا بدّ من تهذيبها وغربلتها وإخضاعها لقوانين الجرح والتعديل والقوّة والضعف ، إذ يرى الأصوليّون بوجه عامّ أنّ أخبار هذه الكتب جميعها خاضعة للنقد الرجالي ويجب تمحيص صحّتها في ضوء توثيق الرجاليّين لأسانيدها ، ومن هنا جاء تقسيمهم

للحديث إلى الأقسام الأربعة المعروفة ، فعملوا بالصحيح والحسن والموثّق وردّوا ورفضوا الضعيف منها ، بلا فرق في ذلك بين المودع منها في الكتب الأربعة المشهورة وغيرها.
وأمّا فيما يرتبط بالعقل ففي الوقت الذي نفى الأخباريّون حجّية حكم العقل وانكروا الملازمة بين حكمه وحكم الشرع نجد الأمر بخلاف ذلك لدى فقهاء الأصوليّين ، حيث إنّهم منحوه تمام الحجّية والاعتبار وقبلوا به دليلا مستقلاًّ على الحكم وحجّة تامّة عليه وركناً من أركان أدلّة الاستنباط الفقهي ، وكذلك أثبتوا شرعية الملازمة بين حكمه من جهة وحكم الشرع من جهة أخرى.
وممّا أظهرته هذه الدراسة أنّ المستفاد من منهجية المحدّث البحراني في كتابه الفقهي الحدائق الناضرة ـ ومن خلال عرض بعض التطبيقات من متن الكتاب المذكور ـ هو استقصاؤه لجميع الأخبار الواردة في المسألة بما تحويه من أقوال متعدّدة ، وجمعها من مصادرها المختلفة سواء في ذلك المجاميع الحديثية وغيرها من كتب الفقه والتفسير واللغة وغيرها ، ثمّ التطرّق إلى سرد سائر أقوال الفقهاء باختلاف طبقاتهم وبيان آرائهم في كلّ مسألة وما يتفرّع عليها مع الإشارة غالباً إلى مختاره ، ثمّ ذكر سائر الأدلّة الأخرى المطروحة والمعتمدة عند فقهاء المدرسة الأصولية بوصفها أدلّة مستقلّة ومن ثمّ مناقشتها ، وأخيراً استنباط رأيه في ذوق منهجه الأخباري ممّا يعرضه من الأدلّة الشرعية.
والذي ظهر من خلال ذلك هو أنّ صاحب الحدائق لم يخرج عن منهج من سبقه من الأخباريّين من حيث الجوهر ، وأنّ الأسس والدعائم النظرية التي أقام عليها منهجه الفقهي هي نفسها تلك التي نادت بها المدرسة الأخبارية ، لكنّه

يلاحظ من مجمل ممارساته الفقهية أنّه لم يأخذ بالأقوال المتطرّفة للعلماء الأخباريّين الذين سبقوه. هذا كلّه بالنسبة لمنهجية الحدائق.
وفي قبال ذلك ما يرتبط بمنهجية الشيخ النجفي في موسوعته الفقهية جواهر الكلام والمستفادة أيضاً من خلال عرض بعض الأمثلة والتطبيقات من متن كتابه فقد أظهرت الدراسة استقراء المصنّف للأخبار المروية في المسائل الفقهية المبحوثة في الكتاب طبقاً لمشربه الأصولي في الحديث ، وأنّه في كثير من الأحيان يتعرّض إلى ما يتعلّق بأسانيد تلك المرويّات سواء الرجالية منها أم الدرائية ، ومن الملفت أنّ كثرة المصادر والمراجع المنقول عنها في الكتاب وتعدّدها وتنوّعها تمنح للباحث كمّاً هائلاً من عناوين تلك المصادر على اختلاف أزمنة تأليفها وتدوينها وتنوّعها وتكثّر مصنّفيها ، ويضاف على ما ذكر اشتماله على أكثر الأقوال الواردة في المسألة الفقهية بما في ذلك تلك المنقولة عن غير الإمامية بل غير الشيعة أيضاً وتصنيفها ضمن عناوين متفرّقة ، وهذه الخصوصية هي التي دعت الشيخ الأنصاري لأن يعدّه المرجع الفقهي الذي يستغني به الفقيه عمّا سواه من المراجع الفقهية الأخرى ، كما وأنّ اعتداده بالإجماع والشهرة كأدلّة على الحكم الشرعي طبقاً لما تمليه عليه طريقته الاجتهادية صار سبباً لطغيان لغة الإجماع والشهرة والضرورة على الكثير من المسائل الفقهية المتفرّقة في جميع أبواب الكتاب ، فصار سبباً في إثراء الكتاب بالفتاوى الكثيرة المستندة إليها ، وصار يجبر بها ضعاف الأخبار ويوهن بسببها صحاحها ويفسّر استناداً إليها مجملها ويقدّم لأجلها ما تعارض منها.
إنّ كتاب الجواهر لَهو أضخم موسوعة فقهية كاملة ، لتفرّده باشتماله على

خلاصة أفكار الفقهاء المتقدّمين والمتأخّرين مع غاية التحقيق والتدقيق والفهم الجيّد للروايات وسائر مدارك الأحكام ، المنبئ عن سليقة عرفية وذوق فقهي عال ، وقد استكمل شرح أبواب الشرائع من كتاب الطهارة إلى آخر الحدود والديات ، ويمتاز عن أكثر المؤلّفات الموسوعية بأنّ أواخره كأوائله وهي مثل أواسطه في الجودة والدقّة والاستيعاب بنَفَس واحد مبنيّ على الاستقصاء والتحقيق من دون أن يعرف الكلل والملل إليه سبيلاً.
ويضاف إلى كلّ ذلك وفي الوقت الذي اتّهم الأخباريّون فقهاء المدرسة الأصولية بأنّهم يعملون بالرأي ويجتهدون في مقابل النصوص متأثّرين بالمنهج الأصولي للعامّة جاءت وفرة التطبيقات الأصولية الاستنباطية في كتاب جواهر الكلام والتي يجدها الباحث مسهبة على مباحث كتابه المتفرّقة ، بل التتبّع لمتن الكتاب أظهر أنّه لم تخلُ مسألة من مسائل الكتاب أصلا أو تفريعاً عن ذكر تلك التطبيقات والاستدلال بها ، وبذلك يكون المصنّف ومن خلال هذه التطبيقات موضّحاً ومبيّناً معالم مدرسته الأصولية في الاستنباط الفقهي للأحكام.
هذا ، ولابدّ من الإشارة إلى أمرين هامّين قد توصّل إليهما هذا البحث أيضاً :
أحدهما : إنّ الخلاف بين الأصوليّين والأخباريّين إنّما انحصر في دائرة الأحكام الشرعية الفرعية ولم يمتدّ إلى شيء من كلّيات العقائد وأصول الدين ، بل إنّ الفريقين لم يختلفا حتّى في تفاصيل العقيدة وجزئياتها ، لاعتمادهما معاً في جميع ذلك على ما ورد عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، بل لم يكن بين علماء الشيعة إلى

زمان المحدّث الإسترآبادي وظهور حركته الأخبارية منهجان متقابلان باسم المنهج الأخباري والمنهج الأصولي حتّى يكون لكلّ منهج مبادئ مستقلّة تتناقض ومبادئ المنهج الآخر ، بل الجميع على خطٍّ واحد وإنّما الاختلاف في لون الخدمة وكيفية الأداء.
ثانيهما : إنّ الكتابين المذكورين ـ الجواهر والحدائق ـ وإن اشتركا فيما بينهما في جهات فقهية كثيرة وهامّة من قبيل الشمولية والاستيعاب في عرض الأدلّة واستقصاء الروايات والآيات والإشارة إلى الأصول الجارية من عقليّة ونقليّة ، وأيضاً القدرة الخلاّبة على التدقيق والتحليل والاستنباط والتفصيل والتشعيب والربط بين المسائل ... إلاّ أنّهما مع ذلك لم يتّفقا في جوانب ربّما لا تقلّ عمّا اشتركا فيه أهمّية ، والسبب ببساطة يرجع إلى أنّ أحدهما يمثّل المنهج الأخباري ونظرته الخاصّة من عملية الاستنباط الفقهي بلحاظ الأدلّة ودلالاتها ، بينما يمثّل الآخر الطريقة الأصولية في عملية الاستنباط للحكم الشرعي ، ومن هنا أوجز الوحيد البهبهاني الفرق بين الأخباري والمجتهد بنفس الاجتهاد ـ أي : العمل بالظنّ ـ بمعنى أنّ من اعترف بالعمل به فهو مجتهد ، ومن ادّعى عدمه بل كون عمله على العلم واليقين فهو أخباري ، ولذا لايُجوّز الأخباري تقليد غير المعصوم.

المصادر
القرآن الكريم.
1 ـ أصل الشيعة وأصولها : كاشف الغطاء ، محمّد حسين ، تحقيق علاء آل جعفر ، نشر مؤسّسة الإمام علي عليه‌السلام ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1415هـ.
2 ـ أصول الفقه : المظفّر ، محمّد رضا ، منشورات مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، لبنان.
3 ـ إعلام الورى بأعلام الورى : الطوسي ، محمّد بن الحسن ، نشر دار الكتب الإسلامية ، طهران ، إيران ، ط الثالثة ، 1390هـ ش.
4 ـ أعيان الشيعة : الأمين ، محسن بن عبد الكريم ، تحقيق حسن الأمين ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت ، لبنان ، 1406هـ ـ 1986م.
5 ـ الأنساب : السمعاني ، عبد الكريم بن محمّد ، مطبعة دائرة المعارف العثمانية ، حيدر آباد ، الهند ، ط الأولى ، 1962م.
6 ـ أمل الآمل : الحرّ العاملي ، محمّد بن الحسن ، تحقيق أحمد الحسيني ، دار الكتاب الإسلامي ، قم ، إيران ، 1362هـ ش.
7 ـ أنوار البَدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين : البلادي ، علي بن الحسن ، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ، قم ، إيران ، 1407هـ.
8 ـ أوائل المقالات : المفيد ، محمّد بن محمّد ، ضمن مصنّفات الشيخ المفيد ، نشر المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1413هـ.
9 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار : المجلسي ، محمّد باقر ، مؤسّسة الوفاء ، بيروت ، لبنان ، ط الثانية ، 1403هـ ـ 1983م.
10 ـ تاريخ وتطوّر الفقه والأصول في حوزة النجف الأشرف : الحكيم ، محمّد جعفر ، المؤسّسة الدولية للدراسات والنشر ، بيروت ، لبنان ، ط الثالثة ، 1432هـ ـ 2002م.
11 ـ تعليقة لؤلؤة البحرين : بحر العلوم ، محمّد صادق ، مؤسّسة آل البيت للطباعة والنشر ، قم ، إيران ، ط الثانية.
12 ـ تكملة أمل الآمل : الصدر ، حسن بن هادي ، تحقيق أحمد الحسيني ، نشر مكتبة آية الله العظمى المرعشي ، قم ، إيران ، 1406هـ.
13 ـ تلخيص الشافي : الطوسي ، محمّد بن الحسن ، تحقيق بحر العلوم ، نشر دار الكتب الإسلامية ، قم ، إيران ، ط الثالثة ، 1394هـ.
14 ـ تنقيح المقال في أحوال الرجال : المامقاني ، عبد الله ، حجري ، المطبعة المرتضوية ، النجف الأشرف ، العراق ، 1352هـ ش.
15 ـ تهذيب الأحكام : الطوسي ، محمّد بن الحسن ، تحقيق حسن الخرسان ، نشر دار الكتب الإسلامية ، طهران ، إيران ، ط الثالثة ، 1390هـ ش.
16 ـ جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام : النجفي ، محمّد حسن ، تحقيق ونشر مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1417هـ.
17 ـ الحاوي لتحرير الفتاوي : ابن إدريس ، محمّد بن منصور ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، إيران ، ط الثانية ، 1410هـ.
18 ـ الحدائق الناضرة : خالد العطية ، دراسة مقارنة في المنهج ، مركز الغدير للدراسات والنشر ، بيروت ، لبنان ، ط الأولى ، 1432هـ ـ 2011م.
19 ـ الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة : البحراني ، يوسف بن أحمد ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، إيران ، 1363هـ ش.
20 ـ خاتمة المستدرك : النوري ، حسين بن محمّد تقي ، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1415هـ.
21 ـ الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية : البحراني ، يوسف بن أحمد ، تحقيق ونشر شركة دار المصطفى لإحياء التراث ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1423هـ.
22 ـ الذريعة إلى أصول الشيعة : المرتضى ، علي بن الحسين ، تحقيق اللجنة العلمية في مؤسّسة الإمام الصادق عليه‌السلام ، نشر مؤسّسة الإمام الصادق عليه‌السلام ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1429هـ.
23 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة : آقا بزرك الطهراني ، محمّد محسن ، دار الأضواء ، بيروت ، لبنان.
24 ـ ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة : الشهيد الأوّل ، محمّد بن مكّي ، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1419هـ.
25 ـ رسالة البراءة : الوحيد البهبهاني ، محمّد باقر ، ضمن الرسائل الأصولية للوحيد ، تحقيق ونشر مؤسّسة العلاّمة المجدّد الوحيد البهبهاني ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1416هـ.
26 ـ روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات : الخوانساري ، محمّد باقر ، نشر مكتبة إسماعيليان ، قم ، إيران ، 1390هـ ش.
27 ـ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية : الشهيد الثاني ، زين الدين بن علي ، تصحيح وتعليق محمّد كلانتر ، دار العلم الإسلامي ، بيروت ، لبنان.
28 ـ روضة المتّقين : المجلسي الأوّل ، محمّد تقي ، نشر بنياد فرهنك إسلامي ، طهران ، إيران ، ط الأولى ، 1393هـ ش.
29 ـ رياض العلماء وحياض الفضلاء : الأفندي ، عبد الله ، تحقيق أحمد الحسيني ، مطبعة الخيّام ، قم ، إيران ، 1401هـ.
30 ـ شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار : القاضي المغربي ، النعمان بن محمّد ، تحقيق محمّد الحسيني الجلالي ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1409هـ.
31 ـ العُدّة في أصول الفقه : الطوسي ، محمّد بن الحسن ، تحقيق محمّد رضا الأنصاري ، مطبعة ستارة ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1417هـ.
32 ـ علل الشرائع : الصدوق ، محمّد بن علي ، نشر المكتبة الحيدرية ، النجف الأشرف ، العراق ، ط الثانية ، 1385هـ ش ـ 1966م.
33 ـ فتح الباري بشرح صحيح البخاري : ابن حجر العسقلاني ، أحمد بن علي ، نشر دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط الثانية ، 1407هـ.
34 ـ الفصول المختارة من العيون والمحاسن : المفيد ، محمّد بن محمّد ، ضمن مصنّفات الشيخ المفيد ، نشر المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1413هـ.
35 ـ فقهاء ومناهج : محمّد طاهر الحسيني ، مركز ابن إدريس الحلّي للدراسات الفقهية ، دار المحجّة البيضاء ، بيروت ، لبنان ، ط الأولى ، 1430هـ ـ 2009 م.
36 ـ الفوائد الحائرية : الوحيد البهبهاني ، محمّد باقر ، نشر وتحقيق مجمع الفكر الإسلامي ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1415هـ.
37 ـ الفوائد الرضوية في أحوال علماء المذهب الجعفرية : القمّي ، عبّاس بن محمّد رضا ، تحقيق ناصر باقري بيدهندي ، مؤسّسة بوستان كتاب ، ط الثانية ، 1387هـ ش.
38 ـ الفوائد الطوسية : الحرّ العاملي ، محمّد بن الحسن ، تحقيق لجنة من الأساتذة ، نشر المطبعة العلمية ، قم ، إيران.
39 ـ الفوائد المدنية في الردّ على القائل بالاجتهاد والتقليد في الأحكام الإلهية : الإسترآبادي ، محمّد أمين ، تحقيق ونشر مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1424هـ.
40 ـ القاموس المحيط : الفيروزآبادي ، محمّد بن يعقوب ، دار الفكر للطباعة والنشر ، بيروت ، لبنان ، 1403هـ ـ 1983م.
41 ـ الكافي : الكليني ، محمّد بن يعقوب ، تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري ، نشر المكتبة الإسلامية ، طهران ، إيران ، 1388هـ.
42 ـ كتاب العين : الفراهيدي ، الخليل بن أحمد ، تحقيق مهدي المخزومي إبراهيم السامرائي ، نشر دار الهجرة ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1405هـ.
43 ـ الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة : آقا بزرك الطهراني ، محمّد محسن ، نشر دار المرتضى ، مشهد ، إيران ، ط الثانية ، 1404هـ.
44 ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمّة : الإربلي ، علي بن عيسى ، نشر مكتبة بني هاشم ، تبريز ، إيران ، 1381هـ ش.
45 ـ كشف اللثام عن قواعد الأحكام : الفاضل الهندي ، محمّد بن الحسن ، تحقيق مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1416هـ.
46 ـ الكنى والألقاب : القمّي ، عبّاس بن محمّد رضا ، انتشارات بيدار ، قم ، إيران.
47 ـ الكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة : آقا بزرك الطهراني ، محمّد محسن ، تحقيق علي نقي منزوي ، مؤسّسة انتشارات دانشكاه طهران ، طهران ، إيران ، ط الأولى ، 1372هـ ش.
48 ـ لسان العرب : ابن منظور ، محمّد بن مكرم ، نشر أدب الحوزة ، قم ، إيران ، 1405هـ.
49 ـ لوامع صاحبقراني : المجلسي الأوّل ، محمّد تقي ، نشر إسماعيليان ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1414هـ.
50 ـ لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرّتي العينين : البحراني ، يوسف بن أحمد ، تحقيق محمّد صادق بحر العلوم ، مؤسّسة آل البيت للطباعة والنشر ، قم ، إيران ، ط الثانية.
51 ـ ماضي النجف وحاضرها : آل محبوبة ، جعفر باقر ، دار الأضواء ، بيروت ، لبنان ، ط الثانية ، 1406هـ ـ 1986م.
52 ـ مجمع البحرين : الطريحي ، فخر الدين ، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية ، طهران ، إيران ، ط الأولى ، 1414هـ.
53 ـ المحكم والمحيط الأعظم : ابن سيده ، علي بن إسماعيل ، تحقيق عبد الحميد ـ داوي ، منشورات دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط الأولى ، 1421هـ ـ 2 ...م.
54 ـ مشرق الشمسين وأكسير السعادتين : البهائي ، محمّد بن الحسن ، تحقيق مهدي الرجائي ، مؤسّسة الطبع والنشر التابعة للآستانة الرضوية ، مشهد ، إيران ، ط الثانية ، 1429هـ.
55 ـ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير : الفيّومي ، أحمد بن محمّد ، منشورات دار الهجرة ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1405هـ.
56 ـ المعالم الجديدة للأصول : الصدر ، محمّد باقر ، نشر مكتبة النجاح ، طهران ، إيران ، ط الثانية ، 1395هـ ش.
57 ـ معالم الدين وملاذ المجتهدين : صاحب المعالم ، حسن بن زين الدين ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، إيران ، 1406هـ.
58 ـ المعتبر في شرح المختصر : المحقّق الحلّي ، جعفر بن الحسن ، تحقيق عدّة من الأفاضل ، نشر مؤسّسة سيّد الشهداء ، قم ، إيران ، 1364هـ.
59 ـ مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاّمة : العاملي ، محمّد جواد ، تحقيق محمّد باقر الخالصي ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، ط الأولى ، 1419هـ.
60 ـ مفردات ألفاظ القرآن : الراغب الإصفهاني ، الحسين بن محمّد ، نشر المكتبة الرضوية ، قم ، إيران ، ط الثانية ، 1362هـ ش.
61 ـ المقدّمة : ابن خلدون ، عبد الرحمن بن محمّد ، منشورات مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، لبنان.
62 ـ مقدّمة جواهر الكلام : المظفّر ، محمّد رضا ، تحقيق ونشر مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1417هـ.
63 ـ مقدّمة جواهر الكلام في ثوبه الجديد : تحقيق ونشر مؤسّسة دائرة معارف الفقه الإسلامي ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1421هـ ـ 2 ...م.
64 ـ مقدّمة الحدائق الناضرة : الطباطبائي ، عبد العزيز ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، إيران ، 1363هـ ش.
65 ـ مقدّمة رياض المسائل : الآصفي ، محمّد مهدي ، تحقيق ونشر : مؤسّسة النشر التابعة لجماعة المدرّسين ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1412هـ.
66 ـ مقدّمة كشف اللثام : جعفريان ، رسول ، تحقيق مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1416هـ.
67 ـ مقدّمة مدارك الأحكام : الشهرستاني ، جواد بن عبد الرضا ، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث ، مشهد ، إيران ، ط الأولى ، 1410هـ.
68 ـ مقدّمة مستند الشيعة : تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1415هـ.
69 ـ مقدّمة مفتاح الكرامة : الخالصي ، محمّد باقر ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1419هـ.
70 ـ الملل والنحل : الشهرستاني ، محمّد بن عبد الكريم ، تحقيق محمّد سيّد كيلاني ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان.
71 ـ مناهج البحث العلمي عند العرب : جلال عبد الحميد موسى ، بيروت ، لبنان ، دار الكتاب اللبناني ، 1972م.
72 ـ مناهج الفقهاء في المدرسة الإمامية : الأعرجي ، زهير ، مجلّة تراثنا ، إصدار مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث ، قم ، إيران.
73 ـ منتهى المطلب في تحقيق المذهب : العلاّمة الحلّي ، الحسن بن يوسف ، تحقيق قسم الفقه في مجمع البحوث الإسلامية ، مشهد ، إيران ، ط الأولى ، 1412هـ.
74 ـ منتهى المقال في أحوال الرجال : الحائري ، محمّد بن إسماعيل ، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1416هـ.
75 ـ الموسوعة الشاملة للفرق المعاصرة في العالم : أُسامة شحادة ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، مصر ، 1428هـ ـ 2007م.
76 ـ موسوعة طبقات الفقهاء : السبحاني ، جعفر ، نشر مؤسّسة الإمام الصادق عليه‌السلام ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1418هـ.
77 ـ نشر العلم والبحث العلمي : حسين عبد الحميد رشوان ، الاسكندرية ، مصر.
78 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر : ابن الأثير ، المبارك بن محمّد ، مؤسّسة إسماعيليان للطباعة والنشر ، قم ، إيران ، ط الرابعة ، 1364هـ ش.
79 ـ وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : الحرّ العاملي ، محمّد بن الحسن ، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ، قم ، إيران ، ط الأولى ، 1409هـ.
80 ـ هداية الأبرار إلى طريق الأئمّة الأطهار : الكركي ، الحسين بن شهاب.


المصدر: مهدي البرهاني - مجلة تراثنا 

عدد مرات القراءة:
1009
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :