معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

نظرة سريعة في منهج الشريف المرتضى في تصحيح الأخبار وتضعيفها ..

نظرة سريعة في منهج الشريف المرتضى في تصحيح الأخبار وتضعيفها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الهداة الميامين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.
إنّ منهج قدماء الإماميّة ـ رضي الله عنهم ـ في تصحيح الخبر وتضعيفه يختلف عن منهج المتأخّرين ، فإنّ المتأخّرين يصفون الخبر بالصحيح والضعيف من خلال تقييم السند فحسب ، بينما القدماء يلاحظون في تصحيح الخبر وتضعيفه السند والمتن معاً.
ونحن في هذا المقال بصدد استخراج قواعد تصحيح الأخبار وتضعيفها من مصنّفات الشريف المرتضى قدس‌سره ، وبيان منهجه في ذلك.
وقبل الدخول في صلب البحث لابدّ من تقديم أمور :



أوّلا : الخبر وأقسامه من حيث الصحّة والضعف :
قال الشريف المرتضى قدس‌سره : «اعلم أنّ الأخبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
أوّلها : يعلم أنّ مخبره على ما تناوله.
وثانيها : يعلم أنّ مخبره ليس على ما تناوله.
وثالثها : يتوقّف فيه.
وما يعلم أنّ مخبره على ما تناوله على ضربين :
أحدهما : يعلم ذلك من حاله باضطرار ، ومثاله بغير خلاف خبر من أخبرنا بأنّ السماء فوقنا والأرض تحتنا.
والآخر : أن يعلم أنّ مخبره على ما تناوله باكتساب كالخبر المتواتر.
وأمّا الخبر الّذي يعلم أنّ مخبره ليس على ما تناوله ، فينقسم إلى قسمين :
أحدهما : يعلم ذلك من حاله باضطرار.
والثّاني : يعلم باكتساب»(1).
وقد فصّل قدس‌سره الكلام في القسم الأخير في فصل مستقلّ عنونه بقوله : «فصلٌ فيما يعلم كذبه من الأخبار باضطرار أو اكتساب» ، حيث قال : «اعلم أنّ الخبر إنّما يعلم باضطرار أواكتساب أنّ مخبره ليس على ما تناوله بغيره لا بنفسه.
ومثال ما يعلم بطلانه باضطرار خبر من أخبر بأنَّ السَّماء تحتنا ،
__________________
(1) الذريعة : 2 / 6 ـ 7. وقريب منه في العدّة في أصول الفقه : 1/65.

والأرض فوقنا ، وأنّ جبلاً بحضرتنا ونحن لا نراه مع السّلامة وارتفاع الموانع.
فأمّا الخبر الّذي يعلم بطلانه باكتساب ؛ فهو كلّ خبر علمنا أنَّ مخبره ليس على ما تناوله بدليل عقلىّ أو بالكتاب أو السنّة أو الإجماع»(1).
ثمّ قال(2) : «وقد ألحق قوم بهذا الباب لواحق :
منها : أن يكون الخبر لو كان صحيحاً لوجب قيام الحجّة به على المكلّفين ، فإذا لم يقم به ؛ علم أنّه باطل.
ومنها : أن يكون الخبر ممّا لو كان صحيحاً لعلم أهل العلم إذا فتَّشوا عنه ذلك ، فإذا لم يعلم مع التَّفتيش علم كونه كذباً.
ومنها : أن يكون المخبر عنه ممّا تقوى الدّواعي إلى نقله ، وتمنع من
__________________
(1) الذريعة : 2 / 35.
(2) والظاهر أنّه تعريض برأي الشيخ ـ قدّس سرّه ـ حيث قال : «يعلم أنّه على خلاف ما تناوله بضرب من الاستدلال ، وهو على ضروب :
منها : أن يعلم بدليل عقلي أو شرعي أنّه على خلاف ما تناوله.
ومنها : أن يعلم أنّ مخبره لو كان صحيحاً لوجب نقله على خلاف الوجه الّذي نقل عليه ، بل على وجه تقوم به الحجّة ، فإذا لم ينقل كذلك علم أنّه كذب.
ومنها : أن يكون مخبره ممّا لو فتش عنه من يلزمه العمل به لوجب أن يعلمه ، فإذا لم تكن هذه حاله علم أنّه كذب.
ومنها : أن يكون مخبر الخبر حادثة عظيمة ممّا لو كانت لكانت الدواعي إلى نقلها يقتضي ظهور نقلها إذا لم يكون هناك مانع ، فمتى لم ينقل علم أنّه كذب.
ومنها : أن يعلم أنّ نقله ليس كنقل نظيره ، والأحوال فيهما متساوية ، فيعلم حينئذ أنّه كذب» العدّة في أصول الفقه : 1/67.

كتمانه ، فإذا لم ينقل والحال هذه علم كونه كذباً.
ومنها : أن تكون الحاجة ماسَّة في باب الدّين إلى نقله ، فإذا لم ينقل كما نقلت نظائره ، علم بطلانه.
ومنها : أن يكون في الأصل وقع شائعاً ذائعاً ، ومثله في العادة لا يضعف نقله ، بل يكون حاله في الاستمرار كحاله في الأوَّل.
واعلم أنّ هذه الوجوه إن صحّت كلُّها أو بعضها ، فإنّما هي تفصيل لما أجملناه في قولنا : بدليل عقلىّ ؛ لأنّ الأدلَّة العقليّة المبتنية على العادات واختيارها إليها فزع من ألحق هذه الوجوه ، فما صحَّ منها من كلّ أو بعض فهو داخل في الجملة الَّتي ذكرناها»(1).
ثانياً : الحديث الصحيح عند القدماء واختلافهم مع المتأخّرين :
من الواضح أنّ الحديث عند قدماء أصحابنا نوعان : صحيح ـ وإن شئت قلت معتبر ـ وضعيف ، وهذا لا يخفى على من سبر كتبهم.
كما أنّه لا إشكال في أنّ الصحيح عند القدماء ليس مساوق للصحيح عند المتأخّرين ، فتوصيف الخبر بالصحّة عند القدماء لأجل القرائن الداخلية أو الخارجية.
فما قاله المحدّث النوري رحمه‌الله بأنّ الصحيح عند القدماء هو نفسه عند
__________________
(1) الذريعة : 2/35 ـ 37.

المتأخّرين(1) ليس على ما ينبغي من مثله.
بناءً على ذلك نجد روايات كثيرة عبّر عنها قدماء أصحابنا بـ : (الصحيحة) ، مع أنّها ضعيفة ، أو ليست بصحيحة على مصطلح المتأخّرين.
منها : ما رواه الصدوق قدس‌سره والشيخ قدس‌سره بإسنادهما عن الفضل بن شاذان قال : «روى عبد الله بن الوليد العدني صاحب سفيان قال : حدّثني أبو القاسم الكوفي صاحب أبي يوسف ، عن أبي يوسف قال : حدّثنا ليث بن أبي سليم عن أبي عمرو العبدي ، عن علىّ بن أبي طالب عليه‌السلام».
ثمّ نقلا عن الفضل أنّه قال : «هذا حديث صحيح على موافقة الكتاب»(2).
وظاهرهما تقرير الفضل على ذلك ، مع أنّه لا شكّ في أنّ رجال السند لم يوثّقوا عند الشيعة بل بعضهم مثل أبي يوسف مذموم.
ومنها : «ما رواه الصدوق قدس‌سره عن علىّ بن عبد الله بن أحمد الأسواري الفقيه قال : حدّثنا مكّي بن سعدويه البرذعي قال : حدّثنا أبو محمّد نوح بن الحسن قال : حدّثنا أبو سعيد جميل بن سعد قال : أخبرنا أحمد بن عبد الواحد بن سليمان العسقلاني قال : حدّثنا القاسم بن حميد قال : حدّثنا حمّاد بن سلمة ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن زر بن حبيش».
__________________
(1) خاتمة المستدرك : 7/35.
(2) من لا يحضره الفقيه : 4/259 ، ح5063 ؛ علل الشرائع : 2/569 ؛ تهذيب الأحكام : 9/250 ، ح7.

ثمّ قال في ذيله : «هذا الخبر صحيح»(1).
والأمر فيه كسابقه.
ومنها : «ما رواه إبن إدريس رحمه‌الله عن غياث بن كلّوب ، عن إسحاق بن عمّار ، عن جعفر عليه‌السلام ، ثمّ قال في ذيله : هذا خبر صحيح ، لأنّ الإجماع منعقد من أصحابنا عليه»(2).
وغياث عاميٌّ ، ولو قلنا بوثاقته فالخبر من جهته ليس بصحيح عند المتأخّرين ، فإنّهم ـ كما ترى ـ استندوا في صحّة الخبر إلى موافقته الكتاب إو الإجماع.
وعلى العكس من ذلك نجد روايات كثيرة عبّر عنها قدماء أصحابنا بـ : (الضعيفة) مع أنّها صحيحة أو ليست بضعيفة على مصطلح المتأخّرين.
منها : «ما رواه الشيخ قدس‌سره بإسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال سألت الرضا عليه‌السلام ... إلى آخره».
ثمّ قال الشيخ قدس‌سره في ذيله : «هذا خبر ضعيف شاذّ»(3).
مع أنّ الخبر صحيح سنداً.
ومنها : «ما رواه الشيخ قدس‌سره أيضاً بإسناده عن الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن عاصم ، عن محمّد بن قيس ، عن أبي جعفر ... إلى آخره».
__________________
(1) علل الشرائع : 2/379 ـ 380.
(2) السرائر : 2/200.
(3) تهذيب الأحكام : 1/18 ، ح42.

وقال الشيخ قدس‌سره في ذيله : «هذا الخبر ضعيف مخالف لما قدّمناه من الأخبار الصحيحة ولظاهر القرآن»(1).
مع أنّ الخبر صحيح سنداً.
ومنها : «ما رواه الشيخ قدس‌سره أيضاً بإسناده أحمد بن محمّد ، عن الحسن(2) بن علىّ بن النعمان ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عمر بن يزيد ، قال : قلت لأبي عبد الله ... إلى آخره»(3).
ثمّ قال الشيخ قدس‌سره في ذيله : «هذا الخبر ضعيف مخالف للأصول».
مع أنّ الخبر صحيح سنداً.
وهذا صريح كلام الشيخ قدس‌سره في كتابه العدّة حيث قال : «القرائن التي تدلّ على صحّة متضمّن الأخبار التي لا توجب العلم أربع أشياء :
[1] منها : أن تكون موافقة لأدلّة العقل وما اقتضاه.
[2] ومنها : أن يكون الخبر مطابقاً لنصّ الكتاب ، إمّا خصوصه أو عمومه ، أو دليله ، أو فحواه ، فإنّ جميع ذلك دليل على صحّة متضمّنه.
[3] ومنها : أن يكون الخبر موافقاً للسنّة المقطوع بها من جهة التواتر.
[4] ومنها : أن يكون موافقاً لما أجمعت الفرقة المحقّة عليه ، فإنّه متى
__________________
(1) تهذيب الأحكام : 10/88 ، ح107.
(2) في المصدر : الحسين. وما أثبتناه هو الصواب ، كما في الكافي : 7/382 ، ح1 ؛ تهذيب الأحكام : 6/258 ، ح86.
(3) الاستبصار : 3/22 ، ح4.

كان كذلك دلّ أيضاً على صحّة متضمّنه»(1).
وقال الشيخ البهائي رحمه‌الله : «كان المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على كلّ حديث اعتُضد بما يقتضي اعتمادهم عليه ، أو اقترن بما يوجب الوثوق به والرّكون إليه وذلك أمور :
[1] منها : وجوده في كثير من الأصول الأربعمئة الّتي نقلوها عن مشايخهم بطرقهم المتّصلة بأصحاب العصمة ـ سلام الله عليهم ـ ، وكانت متداولة لديهم في تلك الأعصار ، مشتهرة فيما بينهم اشتهار الشّمس في رابعة النّهار.
[2] ومنها : تكرّره في أصل أو أصلين منها فصاعداً بطرق مختلفة وأسانيد عديدة معتبرة.
[3] ومنها : وجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الذين أجمعوا على تصديقهم ، كزرارة ، ومحمّد بن مسلم ، والفضيل بن يسار ، أو على تصحيح ما يصحّ عنهم ، كصفوان بن يحيى ، ويونس بن عبد الرّحمن ، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر ، أو على العمل بروايتهم ، كعمّار السّاباطي ونظرائه ، ممّن عدّهم شيخ الطائفة في كتاب العدّة ، كما نقله عنه المحقّق في بحث التراوح من المعتبر.
[4] ومنها : اندراجه في أحد الكتب الّتي عرضت على أحد الأئمّة ـ سلام الله عليهم ـ ، فأثنوا على مؤلّفها ، ككتاب عبيد الله الحلبي ، الذي عرض
__________________
(1) عدّة الأصول : 1/143 ـ 145.

على الصادق عليه‌السلام ، وكتابي يونس بن عبد الرّحمن ، والفضل بن شاذان المعروضين على العسكري عليه‌السلام.
[5] ومنها : أخذه عن أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها ، سواء كان مؤلّفها من الفرقة الناجية الإماميّة ، ككتاب الصّلاة لحريز بن عبد الله السّجستاني ، وكتب بني سعيد ، وعلي بن مهزيار ، أو من غير الإماميّة ، ككتاب حفص بن غياث القاضي ، والحسين بن عبيد الله السّعدي ، وكتاب القبلة لعلي بن الحسن الطّاطري»(1) انتهى.
وقال الوحيد قدس‌سره في التعليقة : «إنّ الصحيح عند القدماء هو ما وثقوا بكونه من المعصومين عليهم‌السلام أعمّ من أن يكون منشأ وثوقهم كون الراوي من الثقات ، أو أمارات أخر ، ويكونوا يقطعون بصدوره عنه عليه‌السلام أو يظنّون»(2).
ثالثاً : المذاهب في حجّية خبر الواحد إلى عصر السيّد المرتضى والشيخ الطوسي(3) :
__________________
(1) مشرق الشمسين : 26 ـ 29.
(2) تعليقة على منهج المقال : 6.
(3) وهنا نكتة لا بأس من إشارة عابرة إليها. وهي أنّ تأليف كتاب الذريعة كان بعد تأليف كتاب العدّة للشيخ ـ قدّس سرّه ـ وذلك لوجوه ، منها تصريح الشيخ بذلك حيث قال : «لم يصنّف أحد من أصحابنا في هذا المعنى ، إلاّ ما ذكره شيخنا أبو عبد الله ـ رحمه الله ـ في المختصر الّذي له في أصول الفقه ولم يستقصيه ، وشذَّ منه أشياء يحتاج إلى استدراكها ، وتحريرات غير ما حرَّرها فإنّ سيّدنا الأجل المرتضى وإن كثر

يمكن تلخيص أقوال فقهاء الشيعة ومتكلّميهم إلى عصر الشريف المرتضى وشيخ الطائفة الطوسي قدس‌سرهما بما يلي :
1 ـ عدم الحجّية مطلقاً : وإليه ذهب الشيخ المفيد ، لكنّه استثنى الخبر المقترن بسبب أو قرينة ، يقول : «لا يجب العلم والعمل بشيء من أخبار الآحاد ... إلاّ أن يقترن به ما يدلّ على صدق راويه»(1).
2 ـ جواز التعبّد به عقلاً لا شرعاً : وإليه ذهب الشريف المرتضى حيث يقول : «الصحيح أنّ العبادة ما وردت بذلك ، وإن كان العقل يجوّز التعبّد بذلك. نعم ، هذا غير كاف في حجّية خبر الواحد»(2).
3 ـ التفصيل بين الأخبار : فبعضها تصحّ العبادة به شرعاً وعقلاً ، وهي أخبار الطائفة المحقّة ، لكن بشروط منها العدالة ، وأمّا غيرها فلا تصحّ شرعاً وإن كان يجوز عقلاً ، وهو مذهب الشيخ الطوسي(3).
في حين أنّ الشريف المرتضى قدس‌سره لم يقل بحجّية خبر الواحد ، كما أنّه
__________________
في أماليه وما يقر عليه شرح ذلك ، فلم يصنّف في هذا المعنى شيئاً يرجع إليه» ويجعل ظهراً يستند إليه. العدة في أصول الفقه : 1/3 ـ 4.
ومنه يظهر التأمّل فيما قاله الدكتور الگرجي من أنّ كتاب الذريعة هو أوّل مصدر في أصول الفقه للإمامية. لاحظ أدوار أصول الفقه : 92. بل قال : إنّ كتاب العدّة متأخّر عن الذريعة بل متأثّر عنه. لاحظ الحوار مع الدكتور الگرجي رحمه‌الله في كتاب جايگاه شناسي علم أصول : 1/133. وللتفصيل مجال آخر ؛ وقد أوضحته في مقال مستقلّ نُشر في مجلّة كتاب شيعة ، العدد 9 و10.
(1) لاحظ أوائل المقالات : 132 ؛ التذكرة بأصول الفقه : 28.
(2) لاحظ الذريعة : 2/528.
(3) لاحظ العدّة في أصول الفقه : 1/100.

كثيراً ما بنى استدلالاته ومناقشاته الفقهية على ذلك(1).
وكيفما كان ، فنحن في هذا المقال بصدد بيان معايير ضعف الخبر وصحّته عند الشريف المرتضى قدس‌سره.
__________________
(1) وعلى سبيل المثال لاحظ الانتصار في انفرادات الإمامية : 182 ؛ 235 ؛ 236 ؛ 247 ؛ 250 ؛ 266 ؛ 278 ؛ 283 ؛ 305 ؛ 311 ؛ 351 ؛ 375 ؛ 380 ؛ 397 ؛435 ؛ 451 ؛ 468 ؛ 492 ؛ 502 ؛ 517 ؛ 519 ؛ 529 ؛ 541 ؛ 546 ؛ 547 ؛ رسائل الشريف المرتضى : 1/235 ؛ 1/238 ؛ 1/260 ؛ 1/261 ؛ 1/317 ؛ 1/347 ؛ 2/13 ؛ 2/30 ؛ 2/32 ؛ 3/155 ؛ ك3/270 ؛ 4/336 ؛ 4/336 ؛ 4/337 ؛ وغيرها.

معايير ضعف الخبر وصحّته عند الشريف المرتضى
إنّ معايير صحّة الخبر وضعفه عند الشريف المرتضى قدس‌سره قد تكون معايير داخلية ـ وقد نعبّر عنها بالمعايير المتنية ـ ، وقد تكون معايير خارجية ـ وقد نعبّر عنها بالمعايير السندية ـ. هذا إجمال الكلام ، وأمّا تفصيله :
أوّلا : معايير ضعف الخبر وصحّته من حيث السند :
ألف : كون الخبر مرسلاً :
إنّ الشريف المرتضى قدس‌سره قد ضعّف كثيراً من الأخبار لإرسالها :
1 ـ روى الشعبي والنخعي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه كان يذهب إلى العول في الفرائض.
فردّ السيّد قدس‌سره هذا الخبر بأنّه مرسل ؛ فإنّ الشعبي ولد في سنة ستّ وثلاثين ،النخعي ولد سنة سبع وثلاثين ، وقتل أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ سنة أربعين ، فكيف تصحّ روايتهما عنه(1)؟!
2 ـ روي عن شرحبيل بن مسلم عن أبي أُمامة الباهلي قال : سمعت النبىّ(صلى الله عليه وآله) يقول في خطبته عام حجّة الوداع : «ألا إنّ الله تعالى قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه ، فلا وصيّة لوارث».
فأورد السيّد عليه : «بأنّ حديث أبي أُمامة لا يثبت وهو مرسل ، لأنّ
__________________
(1) الانتصار في انفرادات الإمامية : 566.

الذي رواه عنه شرحبيل بن مسلم ، وهو لم يلق أبا أمامة»(1).
وهكذا ردّ الأحاديث التالية حيث نشير إليها إجمالا :
3 ـ عن جويبر عن الضحّاك أن النبىّ (صلى الله عليه وآله) قال : «لا يقتل اثنان بواحد»(2).
4 ـ عن عطاء بن سيان أنّ النبىّ (صلى الله عليه وآله) دعي إلى جنازة رجل من الأنصار ، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «ما ترك؟ فقالوا : ترك عمّته وخالته.
فقال : اللّهم رجل ترك عمّته وخالته ، فلم ينزل عليه شيء. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لا أجد لهما شيئاً»(3).
5 ـ عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «إنّه لا يتوارث أهل ملّتين»(4).
6 ـ الشعبي ، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال : «لا يتوارث أهل ملّتين»(5).
7 ـ عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «لا تجوز شهادة الوالد لولده ولا الولد لوالده»(6).
ب : عدم وثاقة راوي الخبر :
وهذا تارة لجهالة وعدم إحراز وثاقته ، وأخرى لإحراز ضعفه ككونه
__________________
(1) الانتصار في انفرادات الإمامية : 600.
(2) الانتصار في انفرادات الإمامية : 538.
(3) المسائل الناصريات : 420.
(4) الانتصار في انفرادات الإمامية : 590.
(5) الانتصار في انفرادات الإمامية : 590.
(6) الانتصار في انفرادات الإمامية : 498.

كذّاباً أو ضعيفاً أو متّهماً في الحديث.
فقد ضعّف الشريف المرتضى قدس‌سره أحاديث كثيرة لضعف رواتها ، فنذكر في المقام نماذجاً منها :
1 ـ روى شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن عثمان ، عن عمرو بن خارجة ، عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «لا يجوز لوارث وصيّة».
فأورد عليه السيّد المرتضى قدس‌سره بأنّ شهر بن حوشب هو عند نقّاد الحديث مضعّفٌ ، كذّاب ، ولا يرويه عن عبد الرحمن إلاّ شهر بن حوشب ، وهو ضعيف متّهم عند جميع الرواة(1).
2 ـ روي عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) في أمّ إبراهيم ـ ولده ـ أنّه قال : «أعتقها ولدها».
فأورد عليه السيّد بقوله : «هو من أخبار الآحاد التي لا توجب العلم ، وهم يروونه عن أبي بكر بن أبي سبرة ، وهو عند نقّاد أصحاب الحديث من الكذّابين ،يرويه ابن أبي سبرة عن الحسين بن عبيد الله بن عبد الله بن عبّاس ، وهو عندهم من الضعفاء المطعون في روايتهم»(2).
3 ـ روى الهذيل بن شرحبيل أنّ أبا موسى الأشعري سئل عن رجل ترك بنتا وابنة ابن وأختاً من أبيه وأمّه؟ فقال : لابنته النصف وما بقي فللأخت.
فضعّف الشريف قدس‌سره هذا الخبر ـ مضافاً إلى أن أبا موسى ليس في قضائه بذلك حجّة ، ولأنّه ما أسنده عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) ـ بأنّه قد قدح أصحاب الحديث في
__________________
(1) الانتصار في انفرادات الإمامية : 599 ـ 600. ك
(2) الانتصار في انفرادات الإمامية : 391

رواته وضعّفوا رجاله ، وقيل : إنّ هذيل بن شرحبيل مجهول ضعيف(1).
4 ـ روي عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «لو كنت متّخذاً خليلاً لاتّخذت أبا بكر خليلاً».
فقال السيّد : «طعنوا في رواية الخبر بأنّ راويه عبد الملك بن عمير ، وهو من شيع بني أمية ، وممّن تولّى القضاء لهم ، وكان شديد النصب والانحراف عن أهل البيت أيضاً ، ظنيناً في نفسه وأمانته.
وروي أنّه كان يمرّ على أصحاب الحسين بن علىّ عليهم‌السلام وهم جرحى فيجهز عليهم فلمّا عوتب على ذلك قال : إنّما أريد أن أريحهم»(2).
5 ـ عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته».
قال السيّد المرتضى قدس‌سره : «هذا الخبر مطعون عليه مقدوح في راويه ، فإنّ راويه قيس بن أبي حازم ، وقد كان خولط في عقله في آخر عمره مع استمراره على رواية الأخبار.
وهذا قدحٌ لا شبهة فيه ؛ لأنّ كلّ خبر مروي عنه لا يعلم تاريخه يجب أن يكون مردوداً ، لأنّه لا يؤمن أن يكون ممّا سمع منه في حال الاختلال.
على أنّ قيساً لو سلم من هذا القدح كان مطعوناً فيه من وجه آخر ، وهو أنّ قيس بن أبي حازم كان مشهوراً بالنصب والمعاداة لأمير المؤمنين ـ
__________________
(1) الانتصار في انفرادات الإمامية : 558.
(2) الشافي في الامامة : 2/307 ـ 308.

صلوات الله وسلامه عليه ـ والانحراف عنه»(1).
وهكذا الأمر في الروايات التالية حيث أشكل عليها الشريف المرتضى :
6 ـ روي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه سئل ـ وهو على المنبر ـ عن بنتين وأبوين وزوجة؟ فقال عليه‌السلام بغير رويّة : صار ثمنها تسعاً(2).
7 ـ عن أبي أُمامة الباهلي قال : سمعت النبىّ (صلى الله عليه وآله) يقول في خطبته عام حجّة الوداع : «ألا إنّ الله تعالى قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه ، فلا وصيّة لوارث»(3).
8 ـ عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «أنّه لا يتوارث أهل ملّتين»(4).
9 ـ عن جابر بن عبد الله ، عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «لا وصية لوارث»(5).
10 ـ روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة»(6).
11 ـ روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «أىّ امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل»(7).
__________________
(1) تنزيه الأنبياء : 178.
(2) الانتصار في انفرادات الإمامية : 566.
(3) الانتصار في انفرادات الإمامية : 600.
(4) الانتصار في انفرادات الإمامية : 590.
(5) الانتصار في انفرادات الإمامية : 600.
(6) الشافي في الامامة : 3/106 ؛ 4/30.
(7) رسائل الشريف المرتضى : 1/235.

12 ـ ما ورد حول خطبة أمير المؤمنين عليه‌السلام بنت أبي جهل بن هشام(1).
ج ـ تفرّد الراوي :
إنّ الشريف المرتضى ـ تبعاً لكثير من الفقهاء والمتكلّمين ـ يرى أنّ تفرّد الراوي برواية كان يوجب ضعف الخبر ، فلأجل ذلك ردّ بعض الأخبار بتفرّد الراوي ، منها :
1 ـ روى الزهري ، عن علىّ بن الحسين عليه‌السلام ، عن عمرو بن عثمان بن عفّان ، عن أُسامة بن زيد أنّ النبىّ (صلى الله عليه وآله) قال : «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم».
فقال السيّد قدس‌سره : «أمّا خبر أسامة فمقدوح فيه ، لأنّ أسامة تفرّد به عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) ، وتفرّد به أيضاً عنه عمرو بن عثمان ، وتفرّد به علي بن الحسين عليه‌السلامعن عمرو ، وتفرّد به الزهري عن علىّ بن الحسين عليه‌السلام ، وتفرّد الراوي بالحديث ممّا يوهنه ويضعفه لوجوه معروفة»(2).
2 ـ روى شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن عثمان ، عن عمرو بن خارجة ، عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «لا يجوز لوارث وصيّة».
فقال الشريف المرتضى معلّقاً على هذا الخبر : «فأمّا خبر شهر بن حوشب ؛ فإنّه تفرّد به عن عبد الرحمن بن عثمان ، وتفرّد به عبد الرحمن ،
__________________
(1) تنزيه الأنبياء : 219.
(2) الانتصار في انفرادات الإمامية : 589.

ولا يرويه عن عبد الرحمن إلا شهر بن حوشب»(1).
ثانياً : معايير ضعف الخبر وصحّته من حيث المتن :
ألف ـ مخالفته مع الدليل العقلي :
قد مرّ في كلام الشريف قدس‌سره أنّ مخالفة الدليل العقلي توجب ضعف الخبر.
كما قد صرّح في موضع آخر «بأنّ الأخبار يجب أن تبنى على أدلّة العقول ، ولا تقبل في خلال ما تقتضيه أدلّة العقول»(2).
وقال أيضاً : «الرواية إذا كانت مخالفة لما تقتضيه الأدلّة لا يلتفت إليها لو كانت قوية صحيحة ظاهرة ، فكيف إذا كانت ضعيفة واهية؟»(3).
كما سبق عن الشيخ قدس‌سره أنّ من القرائن التي تدلّ على صحّة متضمّن الأخبار أن تكون موافقة لأدلّة العقل وما اقتضاه.
فالسيّد المرتضى قدس‌سره قد ضعّف بعض الأخبار ـ سيّما في المباحث الاعتقادية ـ لمخالفتها الدليل العقلي ، وهذا مثل أخبار الجبر والتشبيه(4).
فنحن نذكر بعض كلماته ممّا يرتبط بالمقام :
1 ـ قد روي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا رأى تولّي قومه عنه شقّ عليه ما هم
__________________
(1) الانتصار في انفرادات الإمامية : 599 ـ 600.
(2) تنزيه الأنبياء : 33.
(3) تنزيه الأنبياء : 133.
(4) تنزيه الأنبياء : 33 ؛ 171.

عليه من المباعدة والمنافرة ، وتمنّى في نفسه أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب بينه وبينهم ، وتمكّن حبّ ذلك في قلبه.
فلمّا أنزل الله تعالى عليه : (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) وتلاها عليهم ، ألقى الشيطان على لسانه ـ لما كان تمكّن في نفسه من محبّة مقاربتهم ـ : (تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجي) ، فلمّا سمعت قريش ذلك سرّت به وأعجبهم ما زكّى به آلهتهم ، حتّى انتهى إلى السجدة فسجد المؤمنون وسجد أيضاً المشركون لمّا سمعوا من ذكر آلهتهم بما أعجبهم.
ولكن الشريف المرتضى قدس‌سره أورد على هذه الأخبار بأنّ الأحاديث المروية في هذا الباب لا يلتفت إليها من حيث تضمّنت ما قد نزّهت العقول الرسل صلوات الله عليهم عنه(1).
2 ـ وقد سئل السيّد المرتضى قدس‌سره : «ما قولكم في الخبر الذي رواه محمّد بن جرير الطبري ، بإسناده عن أبي هريرة ، عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) : إنّ النار تقول : هل من مزيد إذا ألقي فيها أهلها ، حتّى يضع الربّ تعالى قدمه فيها. وتقول قط ، قط ، فحينئذ تمتلئ ، وينزوي بعضها إلى بعض؟ وقد روي مثل ذلك عن أنس بن مالك».
وقد أورد السيّد قدس‌سره على هذا الخبر وأجاب بقوله : «لا شبهة في أنّ كلّ خبر اقتضى ما تنفيه أدلّة العقول فهو باطل مردود ، إلاّ أن يكون له تأويل سائغ
__________________
(1) تنزيه الأنبياء : 153.

غير متعسّف ، فيجوز أن يكون صحيحاً ، ومعناه مطابقاً للأدلّة»(1).
3 ـ قد ورد في بعض الأخبار عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «إنّ الميّت ليعذّب ببكاءِ الحيّ عليه».
وفي رواية أُخرى : «إنّ المّيت يعذّب في قبره بالنياحة عليه».
وروى المغيرة بن شعبة عنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «من نَيْحَ عليه فإنّه يعذّب بما يُناح عليه».
ولكن أورد عليه السيّد قدس‌سره «بأنّ هذا الخبر منكر الظاهر ، لأنّه يقتضي إضافة الظلم إلى الله تعالى ، وقد نزّهت أدلّة العقول التي لا يدخلها الاحتمال والاتّساع والمجاز»(2).
4 ـ ثمّ إنّ الشريف المرتضى قدس‌سره قد عدّ من الدليل العقلي أن يكون المُخْبَر عنه ممّا تقوى الدّواعي إلى نقله ، وتمنع من كتمانه ، فإذا لم يُنقل والحال هذه عُلم كونه كذباً ، وقد مرّ تفصيل ذلك في الأمر الأوّل من المقدّمة.
وقد أورد السيّد قدس‌سره على خبر العشرة المبشّرة بأنّ هذا الخبر لو كان صحيحاً لاحتجّ به أبو بكر لنفسه ، واحتجّ له به في السقيفة وغيرها. وكذلك عمر وعثمان ، فهو أقوى من كلّ شيء احتجّوا به في مواطن كثيرة لو كان صحيحاً.
وممّا يبيّن أيضاً بطلانه إمساك طلحة والزبير عن الاحتجاج به لمّا دعوا
__________________
(1) تنزيه الأنبياء : 171.
(2) تنزيه الأنبياء : 172.

الناس إلى نصرتهما واستنفارهم إلى الحرب معهما ، وأىّ فضيلة أعظم وأفخم من الشهادة لهما بالجنّة؟ وكيف يعدلان مع العلم والحاجة عن ذكر إلاّ لأنّه باطل(1).
5 ـ روي عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) : «أنّه سيكون فتنة ، وإنّ عثمان وأصحابه يومئذ على الهدى».
فأورد عليه الشريف المرتضى قدس‌سره «بأنّ هذه الرواية لو كانت معروفة لكان عثمان أولى الناس بالاحتجاج بها يوم الدار ، وقد احتجّ عليهم بكلّ غثٍّ وسمين ، وقيل ذلك لمّا خوصم وطولب بأن يخلع نفسه ، ولاحتجّ عنه بعض أصحابه وأنصاره ، وفي علمنا بأنّ شيئاً من ذلك لم يكن دلالة على أنّها مصنوعة موضوعة»(2).
ب ـ مخالفته مع ظاهر القرآن أو فحواه :
إنّ الشريف المرتضى قدس‌سره قد ضعّف بعض الروايات لمخالفتها القرآن ، كما هو الحال في معاملته مع أخبار التشبيه ، فإنّها مخالفة مع محكم القرآن ؛ كما صرّح الشريف المرتضى بذلك(3).
فنحن نذكر جملةً من هذه الأخبار :
__________________
(1) الشافي في الامامة : 4/346 ـ 347
(2) الشافي في الامامة : 4/243.
(3) تنزيه الأنبياء : 171.

1 ـ قال القاضي عبد الجبّار في ذيل آية : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) : قد روي أنّها نزلت في عبادة بن الصامت ، لأنّه كان قد دخل في حلف اليهود ، ثمّ تبرأ منهم ومن ولايتهم ، وفزع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : فأنزل الله تعالى هذه الآية مقوّية لقلوب من دخل في الإيمان ، ومبيّناً له أنّ ناصره هو الله ورسوله والمؤمنون(1).
ولكن أورد عليه السيّد المرتضى قدس‌سره مضافاً إلى أنّه مخالف لما أطبق على نقله جماعة أصحاب الحديث من الخاصّة والعامّة ـ بأنّ مفهوم الآية ممتنعٌ ممّا ذكره ، لأنّا قد دللنا على اقتضائها فيمن وصف بها معنى الإمامة ، فليس يجوز أن يكون المعنيّ بها عبادة بعينه ؛ للاتّفاق على أنّه لا إمامة له في حال من الأحوال(2).
2 ـ روي عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «في ولد الزنا أنّه شرّ الثلاثة».
فأورد عليه الشريف المرتضى بأنّه خبر واحد لا يوجب علماً ولا عملاً ، ولا يرجع بمثله عن ظواهر الكتاب الموجبة للعلم(3).
وقال أيضاً : خبرٌ مقدوحٌ في روايته وطريقه بما هو معروف ، ومع هذا فإنّه يخالف ظاهر الكتاب الذي تلوناه ، والعمل بالكتاب أولى من العمل به(4).
__________________
(1) المغني : 20 ق 1/138.
(2) الشافي في الامامة : 2/248.
(3) الانتصار في انفرادات الإمامية : 502.
(4) المسائل الناصريات : 408.

3 ـ (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَالله يُرِيدُ الآخِرَةَ وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(1).
فظاهر الآية عتاب النبىّ ، وروي أنّه (صلى الله عليه وآله) لمّا استشار أصحابه ، فأشار عليه أبو بكر باستبقائهم ، وعمر باستيصالهم ، رجع إلى رأي أبي بكر ، فعوتب النبي (صلى الله عليه وآله) من أجل ذلك.
ولكن السيّد المرتضى ـ بعد أن فسّر الآية بما لا يدلّ على عتاب النبىّ (صلى الله عليه وآله) ـ قال : «إذا كان القرآن لا يدلّ بظاهر ولا فحوى على وقوع معصية منه ـ صلوات الله عليه ـ في هذا الباب ، فالرواية الشاذّة لا يعوّل عليها ولا يلتفت إليها»(2).
4 ـ روى أبو الأسود الدؤلي أنّ رجلاً حدّثه أنّ معاذاً قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : «الإسلام يزيد ولا ينقص» ، فورث معاذ المسلم ، وورثه معاوية بن أبي سفيان وقال : «كما لا يحلّ لنا النكاح منهم ولا يحلّ لهم منّا ، فكذلك نرثهم ولا يرثونا».
فأورد السيد المرتضى قدس‌سره عليه : «بأنّ الخبر إذا صحّ فظاهر القرآن يدفعه ، وأخبار الآحاد لا يخصّ بها القرآن»(3).
ج ـ مخالفته مع السنّة :
إنّ الخبر إذا كان مخالفاً للسنّة الصحيحة كان ذلك دليل على ضعفه ،
__________________
(1) سورة الأنفال : 67.
(2) تنزيه الأنبياء : 159.
(3) المسائل الناصريات : 423.

كما أنّ مطابقته لنصّ الكتاب ـ إمّا خصوصه أو عمومه ، أو دليله ، أو فحواه ، فإنّ جميع ذلك ـ دليل على صحّة متضمّنه ، كما قال الشيخ قدس‌سره(1).
والشريف المرتضى قدس‌سره بعد تصريحه ببطلان كلّ خبر مخالف للسنّة(2) قال : «قد دلّت العقول ومحكم القرآن والصحيح من السنّة على أنّ الله تعالى ليس بذي جوارح ، ولا يشبه شيئاً من المخلوقات ، وكلّ خبر نافى ما ذكرناه وجب أن يكون إمّا مردوداً أو محمولاً على ما يطابق ما ذكرنا من الأدلّة»(3).
د ـ مخالفته مع الواقع التاريخي :
قد ضعّف الشريف المرتضى قدس‌سره بعض الأخبار لمخالفتها الواقع التاريخي ، فنحن في المقام نذكر نموذجاً منها :
قد روي عن سفينة مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «أنّ الخلافة بعدي ثلاثون».
وقد أورد الشريف المرتضى على هذا الخبر : «بأنّا وجدنا سنيّ خلافة هؤلاء الأربعة تزيد على ثلاثين سنة شهورا ؛ لأنّ النبىّ (صلى الله عليه وآله) قبض لاثني عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة عشر ، وقبض أمير المؤمنين عليه‌السلام لتسع ليال بقيت من شهر رمضان سنة أربعين ، فهاهنا زيادة على ثلاثين سنة بينه ولا يجوز أن يدخل مثل ذلك فيما يخبر به ؛ لأنّ وجود الزيادة كوجود النقصان
__________________
(1) عدّة الأصول : 1/144.
(2) الذريعة : 2/35.
(3) تنزيه الأنبياء : 171.

في إخراج الخبر من أن يكون صدقاً»(1).
هـ ـ مخالفته مع الإجماع :
إنّ الشريف المرتضى قدس‌سره قد صحّح بعض الأخبار للإجماع على قبولها.
منها خبر الغدير ، فإنّ السيّد قد صحّح هذا الخبر وقال : «وممّا يدلّ على صحّة الخبر إطباق علماء الأمّة على قبوله .... وما نعلم أنّ فرقة من فرق الأمّة ردّت هذا الخبر واعتقدت بطلانه ، وامتنعت من قبوله ، وما تجمع الأمّة عليه لا يكون إلاّ حقّاً عندنا وعند مخالفينا ، وإن اختلفنا في العلّة والاستدلال»(2).
وكذا صحّح ما روي من حمل رأس سيّد الشهداء عليه‌السلام إلى الشام ، وقال : «هذا أمرٌ قد رواه جميع الرواة والمصنّفين في يوم الطّفّ وأطبقوا عليه»(3).
وهكذا صحّح الخبر المرويّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) من قوله : «صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ؛ فإنّ غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين» ؛ لأنّه قد أجمعت الأمّة على قبوله(4).
كما أنّه قد ضعّف ما روي عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «أصحابي كالنجوم ، بأيّهم اقتديتم اهتديتم» ، وقال : «لو كان هذا الخبر صحيحاً لكان موجباً لعصمة
__________________
(1) الشافي في الامامة : 3/105 ـ 106.
(2) الشافي في الامامة : 2/262
(3) رسائل الشريف المرتضى : 3/130.
(4) رسائل الشريف المرتضى : 2/20 ـ 21.

كلّ واحد من الصحابة ؛ ليصحّ ويحسن الأمر بالاقتداء بكلّ واحد منهم ، وليس هذا قولاً لأحد من الأمّة فيهم»(1).
كما قد ذهب بطرح أو تأويل كلّ خبر نافى النصّ على أمير المؤمنين عليه‌السلام ، لأنّ الأخبار بثبوت النصّ على أمير المؤمنين عليه‌السلام مجمعٌ على صحّتها متّفقٌ عليها(2).
وقد ردّ الخبر المروي عن عبد الله بن مسعود من أنّه عُلّم التشهد ثمّ قال : «إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك».
حيث قال : «لأنّ ظاهر الخبر متروك بإجماع»(3).
ثمّ إنّ هناك معايير أخرى قد استند اليها الشريف المرتضى قدس‌سره في تضعيفه بعض الأخبار ، نكتفي بالإشارة إليها فقط :
1 ـ مخالفة الرواية مع فتوى الراوي وقوله(4).
2 ـ اختلاف لفظ الخبر وإذا كان الطريق إليه واحد(5).
__________________
(1) الشافي في الامامة : 3/130.
(2) الشافي في الامامة : 3/99.
(3) المسائل الناصريات : 212.
(4) لاحظ المسائل الناصريات : 408.
(5) الانتصار في انفرادات الإمامية : 555 ؛ 590.

المصادر
1 ـ الأمالي : الشريف المرتضى ، علم الهدى ، أبو القاسم علىّ بن الحسين الموسوي ، تصحيح : السيّد محمّد بدر الدين النعساني الحلبي ، قم : مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ، 1403 هـ.
2 ـ الانتصار في انفرادات الإمامية : الشريف المرتضى ، علم الهدى ، أبو القاسم علىّ بن الحسين الموسوي ، قم : مؤسّسة النشر الإسلامي ، شوال المكرّم 1415 هـ.
3 ـ تنزيه الأنبياء : الشريف المرتضى ، علم الهدى ، أبو القاسم علىّ بن الحسين الموسوي ، بيروت : دار الأضواء ، 1409 هـ.
4 ـ جمل العلم والعمل : الشريف المرتضى ، علم الهدى ، أبو القاسم علىّ بن الحسين الموسوي ، تحقيق : السيّد أحمد الحسيني ، النجف الأشرف : مطبعة الآداب ، 1378 هـ.
5 ـ الذريعة إلى أصول الشريعة : الشريف المرتضى ، علم الهدى ، أبو القاسم علىّ بن الحسين الموسوي ، تصحيح : أبو القاسم گرجى ، طهران : جامعة طهران ، 1346 ش.
6 ـ رسائل الشريف المرتضى : الشريف المرتضى ، علم الهدى ، أبو القاسم علىّ ابن الحسين الموسوي ، تقديم : السيّد أحمد الحسيني ، إعداد السيّد مهدي الرجائي ، قم : دار القرآن الكريم ، 1405 هـ.
7 ـ الشافي في الإمامة : الشريف المرتضى ، علم الهدى ، أبو القاسم علىّ بن الحسين الموسوي ، تحقيق : السيّد عبد الزهراء الحسيني الخطيب ، مراجعة السيّد فاضل الميلاني ، طهران : مؤسّسة الصادق ، 1410 هـ.
8 ـ العدّة في أصول الفقه : أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ، تحقيق : محمّد رضا الأنصاري القمّي ، قم ، 1417 هـ.
9 ـ مسائل الناصريّات : الشريف المرتضى ، علم الهدى ، أبو القاسم علىّ بن الحسين الموسوي ، قم : مركز البحوث والدراسات العلمية ، 1417 هـ.
10 ـ المقنع في الغيبة : الشريف المرتضى ، علم الهدى ، أبو القاسم علىّ بن الحسين الموسوي ، تحقيق : السيّد محمّد علي الحكيم ، قم : مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ، 1416 هـ.

المصدر: محمّد باقر ملكيان - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
410
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :