معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

الأهمِّية التاريخية لإجازات علماء البحرين - إجازة الشيخ السماهيجيّ أنموذجاً ..

الأهمِّية التاريخية لإجازات علماء البحرين .. إجازة الشيخ السماهيجيّ أنموذجاً

بسم الله الرحمن الرحيم

للإجازة العلمية عند فقهاء الإسلام وعلمائه مكانة عظيمة وتقدير كبير ، وعنايتهم بهذا النوع من أنواع التصنيف العلمي يأتي في إطار حرصهم البالغ بالسنّة النبوية الشريفة وخدمة علومها. فقد حرص علماء الإسلام منذ أقدم العصور على الاهتمام بهذا اللون من الأدب ، وصرفوا له الوقت واستفرغوا الجهد وتكبّدوا عناء السفر الطويل ووعثاء الطريق في سبيل الاستجازة وطلب العلم وأخذ الرخصة برواية الحديث من كبار العلماء ، بما أسهم في مراكمة تراث هائل من أدب الإجازات الروائية ظلّ يمثّل أزهى صور التاريخ العلمي
__________________
(1) بحث مقدّم لمؤتمر المئوية الثالثة لذكرى رحيل المحدّث الشيخ عبد الله بن صالح السماهيجي المنعقد في الفترة 17 ـ 18 أكتوبر 2014م في مملكة البحرين.



والاجتماعي لعلماء الإسلام في مختلف العصور ، وظلّ هذا الجانب من أكثر الجوانب إشراقاً في الحضارة الإسلامية.
وقد جاءت عناية علماء البحرين بالإجازات العلمية امتداداً لهذا التقليد الثقافي الراسخ في عمق الحضارة الإسلامية ، غير أنّ هذا الموروث العلمي الغزير لم تواكبه محاولات منظّمة لدراسته وإعادة فحصه بما يتناسب مع أهمّيته في التراث الإسلامي.
إنّ أدب الإجازات يتضمّن الكثير من الأبعاد والمضامين التاريخية والعلمية والاجتماعية ويساهم بشكل كبير في تزويد الباحث في تاريخ المجتمعات الإسلامية بخزين ضخم من المعطيات التاريخية التي تعين الباحث التاريخي على كتابة تاريخ تركيبي لطبيعة الحياة العلمية والفكرية في المجتمعات الإسلامية التي تمثّلها هذه الإجازات في حقب زمنية متعدّدة.
يهدف هذا البحث إلى الكشف عن القيمة التاريخية التي يتضمّنها أدب الإجازات العلمية عند علماء البحرين ، بادئين بتعريف الإجازة العلمية وفوائدها وأبرز هذه الإجازات البحرانية ، ثمّ نستجلي المضامين الفكرية والتاريخية لهذا النوع من الوثائق الإسلامية ومنافعه بالنسبة للباحث المعاصر في التاريخ الإسلامي عبر العصور.
من هنا سنحاول الإجابة على الأسئلة التالية :
ـ إلى أيّ مدى تحضر الإجازة العلمية لدى علماء البحرين في الأدبيّات

التاريخية المحلّية؟
ـ ما هي المعطيات التاريخية التي توفّرها الإجازات العلمية لعلماء البحرين؟
ـ ما حجم ونوعية عناصر هذه المعطيات التاريخية التي تتضمّنها إجازات علماء البحرين العلمية؟
الإجازة العلمية : معناها وأقسامها :
الإجازة لغة : إعطاء الإذن(1) ، وأجاز له : سوّغ له(2) ، والجواز هو : الماء الذي يسقاه المال من الماشية والحرث(3) ، وقال الزبيدي(4) : «واستجاز رجل رجلاً [طلب الإجازة أي الإذن] في رواياته ومسموعاته وأجازه فهو مجاز والمجازات المرويّات».
وقال التستري : «وقيل استجزته فأجازني أي طلبت ماءً لأسقي به فأجازني أي أعطاني ذلك ، فالطالب للحديث يستجيز العالم علمه»(5).
والإجازة في الأصل مصدر (أجاز) وأصله (إجواز) ، حذفت الواو فعوّضت عنها بالتاء ، كما في نظائره من المصادر المعتلّة العين من هذا الباب
__________________
(1) الإجازات العلمية : 21.
(2) القاموس المحيط 2/170 ، مجمع البحرين 2/455.
(3) الصحاح 3/871.
(4) تاج العروس 4/21.
(5) التستري : الإجازة الكبيرة : 5 ـ 6.

مثل : إجابة وإقالة ، وتعليل ذلك أنّه : «تحرّكت الواو [في إجواز] فتوهِّم انفتاح ما قبلها فانقلبت ألفاً ، فلقيت الألف الزائدة التي بعدها فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين»(1) فأصبحت إجازة.
وعرفت الإجازة العلمية بأنّها ـ بحسب مصطلح أهل الحديث والرواية ـ «الكلام الصادر عن المجيز المشتمل على إنشائه الإذن في رواية الحديث عنه بعد إخباره إجمالاً بمرويّاته ويطلق شايعاً على كتابة هذا الإذن المشتملة على ذكر الكتب والمصنّفات التي صدر الإذن في روايتها عن المجيز إجمالاً وتفصيلاً ، وعلى المشايخ الذين صدر للمجيز الإذن في الرواية عنهم ، وكذلك ذكر مشايخ كل واحد من هؤلاء المشايخ طبقة بعد طبقة إلى أن تنتهي الأسانيد إلى المعصومين عليهم‌السلام»(2).
وهي أيضاً أن يجيز الشيخ لتلميذه التحديث عنه بعد أن يصبح قادراً على ذلك ، وقد سُمّيت بعض الشهادات التي منحت للعلماء بالإجازة(3) ، وقال النوري : «وقد جرت عادة السلف أنّ الشيخ بعد القراءة عليه يجيزه رواية ما قرأه عليه يمناً وبركة»(4).
في حين عرّف أحد الباحثين المعاصرين الإجازة : «هي التي يمنحها الأستاذ [الشيخ] إلى الطالب بعد انتهائه من دراسة مادّة من الموادّ وإتقانها
__________________
(1) المصدر نفسه : 5.
(2) بحار الأنوار 102/ 166 ـ 167 ، الذريعة 1/264.
(3) المجازات النبوية : 12.
(4) خاتمة المستدرك 2/6 ـ 7.

والتي تخوّل [الطالب] حقّ تدريس تلك المادّة»(1).
والإجازة نوعان شفوية وتحريرية ، أمّا الأولى فقد كانت تمنح في العصور الإسلامية الأولى أيّام الصحابة والتابعين ، وهي أقدم من الثانية.
قال الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام لأحد أصحابه ، في جواب على سؤاله : عمّن يرجع إليه إذا احتاج أو سئل عن مسألة ، فقال له : «فما يمنعك عن الثقفي [أحد أصحاب أبيه الإمام الباقر عليه‌السلام] فإنّه سمع من أحاديث أبي وكان عنده وجيهاً»(2) ، وقوله عليه‌السلام لأبان بن عثمان ، أحد أصحابه : «إنّ أبان بن تغلب [أحد أصحاب الإمامين السجّاد والباقر عليهما‌السلام] قد روى عنّي رواية كثيرة ، فما رواه لك فاروه عنّي»(3) ، وقوله عليه‌السلام لأحد أصحابه : «ما سمعته عنّي فاروه عن أبي»(4).
أمّا الإجازة التحريرية فتقسّم على ثمانية أقسام ، سنتناول أربعة أقسام منها وهي التي توفّرت نماذج منها للدراسة خلال موضوع البحث.
أقسام الإجازة :
وتقسم الإجازة على ثلاثة أقسام هي : (الكبيرة أو المبسوطة ، والمتوسطة ، والمختصرة) ، وربّما يكون منشأ هذا التقسيم من حجم نصّ
__________________
(1) الدراسة في النجف ، (مجلة آفاق نجفية) ، العدد الأول ، النجف 2006 ، ص 109.
(2) وسائل الشيعة 18/104.
(3) من لا يحضره الفقيه 4/435.
(4) الكافي 1/51.

الإجازة أو التوسّع في ذكر الأسانيد ، والإجازات بحسب حجمها ثلاثة أقسام هي :
1 ـ الإجازة الكبيرة :
أو يطلق عليها اسم (المبسوطة) : هذه الإجازة عبارة عن كتاب كبير مستقلّ ، وقد يكون لمثل هذه الإجازات عنوان مستقلّ بحدّ ذاته(1).
ومن الأمثلة على هذا النوع من الإجازة ، إجازة الشيخ يوسف بن أحمد البحراني لؤلؤة البحرين ، ومنها إجازة البحراني أيضاً للشيخ علي بن محمّد المقابي ، كتبها له في كربلاء في (9 صفر 1169هـ)(2) [14 نوفمبر / تشرين الثاني 1755م] وهي إجازة كبيرة مبسوطة ابتدأها المجيز بالبسملة ، ثمّ الديباجة التي قد يطول فيها السرد أو يقصر ، مثال ذلك : «الحمد لله الذي جعلنا من أهل الرواية ، ونوّر قلوبنا بأنوار المعرفة والدراية ، وأوضح لنا سبيل الرشد والهداية ، ونجّانا من ظلمات الريب والغواية ، الذي رفع بالعلم درجات العلماء العاملين ، وجعلهم خلفاء سيّد المرسلين ، بعد أولاده الأئمّة المعصومين عليهم جميعاً صلوات ربِّ العالمين ، فهم حفظة الدين ، ومنار المهتدين ، وقدوة المقتدين ، حثّ العلماء على التمسّك بالثقلين ، وأوجب عليهم الأخذ بذينك الثقلين ، وأن لايتجاوزهما في البين ، إذ هما السبيلان
__________________
(1) الذريعة 1/264.
(2) الذريعة 4/167.

اللذان لايضلّ سالكهما ، ولا تظلمّ مسالكهما ، والدليلان المنصوبان من مالكهما ، فمن تجاوزهما فقد وقع في تيه الضلالة ، ومن تخطّاهما فقد غرق في بحور الجهالة ، وربط شوارد الأخبار الواردة عن أولئك السادات القادات بسلاسل (الإجازات) لتؤمن فيها العثرات ، وتصفو من شوب الكدورات ، والصلاة والسلام على مؤسّس قواعد الدين وقامع شوكة المعتدين ، وآله البانين على ذلك والمشيّدين.
أمّا بعد ، فيقول الفقير إلى عفو ربّه الكريم ، والمتعطّش لفيض جوده الجسيم ، يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني ، أفاض الله تعالى عليه من رواشح جوده السبحاني ، وسوانح كرمه الربّاني ، وأصلح له أمر داريه ، وأذاقه حلاوة نشأتيه ، إنّه لمّا كان من نعمه سبحانه الجليلة التي لا تحصى ، وأياديه الجميلة التي لا تستقصى ، أن وفّقني الله وجملة إخواني وأولادنا بعد أبينا قدّس الله سرّه ، وبحضرة القدس سَرّه ، وقبل ذلك بعض أسلافنا ، وهو المحدّث الصالح الشيخ سليمان بن صالح ـ الآتي ذكره إن شاء الله ـ إلى اكتساب العلوم الفاخرة ، واقتناء فنونها الباهرة وإن تفاوتت في ذلك الأفراد ، واختلفت شدّة وضعفاً الأعداد ، أسأل الله تعالى بعميم جوده وأفضاله ، وجسيم منّه ونواله ، أن يديم ذلك في الذراري والأولاد إلى يوم المعاد وأن يجعل ذلك سارياً في الأعقاب متّصلاً إلى يوم المآب»(1).
وتلاحظ الدقّة في اختيار الجمل المعبّرة التي وظِّفت لتعطي المعنى
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 4 ـ 5.

المراد لها ، فضلاً عن الدقّة النحوية واللغوية والصياغة ، كما يمكن ملاحظة السجع المحبوك الدالّ على المعنى المطلوب إيصاله ، وكذلك التوظيف الدقيق للنصّ القرآني الموجود واختيار المحلّ الصحيح له ؛ ليكون درساً وموعظة نحو الترغيب والترهيب ، والعقاب والثواب ، واختيار المحلّ الصحيح للأحاديث الشريفة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) لتكون درساً تستخلص منه العبر.
بعد المقدّمة يعرّف (المجيز) بـ : (المجاز) ويثني عليه ويمدحه بما يراه مناسباً مع المكانة العلمية التي حقّقها فقد ذكر البحراني :
«وحيث إنّ الولدين الأعزّين الفاضلين الكاملين ، نوري العين والناظر ، وبهجتي القلب والخاطر ، خلف ابن أخي المقدّس المبرور الشيخ عبد علي ، وحسين ابن خلّي الأمجد الأسعد الشيخ محمّد سلّمهما الله تعالى وأبقاهما ، وبعين عنايته حاطهما ورعاهما ، ممّن فازا بالمعلّى والرقيب من قِداح العلوم الفاخرة ، وحازا أوفر نصيب من سنا جواهره الزاهرة ، مضافاً إلى ما هما عليه من الورع والتقوى ، والتمسّك بتلك العروة الوثقى ، وفّقهما الله تعالى للصعود إلى غايتها العليا ، ونهايتها القصوى»(1).
ومن الملاحظ أنّه في كلّ الإجازات وبمختلف أنواعها عدم وجود أحد من المشايخ ذمّ التلميذ الذي أجاز له ، بل على العكس يكيل له المدح والثناء البليغ ، وتعليل ذلك على ما يبدو هو أنّ الشيخ لا يجيز الإجازة إلاّ لمن استحقّها ووصل إلى المرحلة التي يمكن ائتمانه على مرويّاته ، وإلاّ فلن
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 6.

يحصل الطالب على إجازة من أيّ شيخ من شيوخ الإجازة ؛ إلاّ إذا كان أهلاً لها.
ولا تمُنح الإجازة للتلميذ إلاّ بعد التماس يقدّمه لشيخه ، شفويّاً كان أم مكتوباً يطلب فيه إجازة أستاذه (شيخه) ، وممّا يدعم ذلك هو ما دوّنه الشيخ البحراني بالقول : «وقد استجازاني أمدّ الله لهما في العمر السعيد ، ومتّعهما بالعيش الرغيد قبل هذه الأيّام ، فأجزت لهما حيث رأيتهما أهلاً لذلك المقام»(1).
كما اتّضح التواضع الذي تحلّى به (المجيز) من خلال قوله : « .. وإن لم أكن من فرسان هذا الميدان ، ولا من مجلّي حلبة هذا الرهان ، فإن وُسمت بأهل الإجازات فقد ينظم مع الزبرجد الزجاجة ، وإن تطفّلت على أهل تلك الدّرج ، فقد ينظم مع اللؤلؤ السبج».
من خلال النصّ السابق يتّضح التواضع الذي اتّصف به الشيخ يوسف البحراني من جهة ومن جهة أخرى يبرز في النصّ مدى تشجيع ومحاولة تثبيت الثقة بالنفس لدى المجاز لتهيئته لتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتقه.
بعد ذلك ينتقل المجيز إلى (متن الإجازة) ؛ إذ يجيزهما على رواية ما كان الشيخ (المجيز) يرويه عن شيوخه بالسند المتّصل حيث قال : «وقد أجزت لهما ، أدام الله لهما ، وكثّر في الفرقة الناجية شرواهما ، جميع ما صحّت لي روايته عن مشايخي الأعلام وثبُت لدىّ دراسته عن أساتذتي
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 6 ـ 7.

الكرام ، رفع الله أقدارهم في دار السلام ، من كتب أصحابنا في جميع العلوم ، ومرويّاتهم ومجازاتهم ومسموعاتهم في كلّ مفهوم منّا ومعلوم ، ولا سيّما في الحديث والفقه والتفسير والرجال والأصولين واللغة والنحو والصرف والمعاني والبيان ، وكلّ ما دخل في حيّز هذا الشأن ، وارتبط بهذا المكان»(1).
وهكذا يتّصل له مرويّات ومجازات ومسموعات شيوخه عن شيوخ شيوخه وصولاً إلى أهل الدراية والحديث المنقول عن الرسول(صلى الله عليه وآله) أو الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ، أو وصولاً إلى أحد العلماء الذين تعدّ سلسلة مرويّاتهم موثوقة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أو عن آله عليهم‌السلام.
ثمّ ينتقل إلى إعطاء الإذن والإجازة بأن يروي عن مصنّفاته ومصنّفات شيوخه الذين أجازوه عليها ، كما في النصّ التالي : «وكذا أجزت لهما رواية ما جرى به قلمي في التصنيف ، وأفرغ منّي في قالب التأليف ، من كتب ورسائل وحواش وقيود وأجوبة مسائل ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في آخر هذه الإجازة ذكره ، ويمرّ بسطه ونشره. ومن طرقي إلى المشايخ الأعلام ومصنّفاتهم المشار إليها في المقام ما أخبرني به قراءةً وسماعاً وإجازةً ...»(2).
ومن لوازم الإجازات إباحة الشيخ للتلميذ رواية ما أجاز عليه ؛ إذ قال : «وقد أجزت لكما رواية جميع ذلك ..»(3).
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 7.
(2) لؤلؤة البحرين : 8.
(3) لؤلؤة البحرين : 433.

وقد يشترط (المجيز) على المجاز أن تكون هذه الإجازة بتنفيذ الشرط ، وغالباً ما كان الشرط متعلّقاً بالدعاء للشيخ كما في النصِّ الآتي : « ... مشترطاً عليكما دامت النعم الإلهية لديكما ـ ما اشترط علىّ من سلوك سبيل الاحتياط في العلم والعمل ، لتأمنا بذلك الوقوع في مهاوي الخلل والزلل ، وأن لا تنسياني من الدعاء في الحياة وبعد الممات ، سيّما في مظانّ الإجابات ، وأعقاب الصلوات ، وأن تتحفاني بعد الممات بإهداء القربات والطاعات كما كنتما في حال الحياة تمدّاني بالصلاة والعطيّات»(1).
من خلال النصّ السابق يتّضح مدى تركيز رجال الفكر في البحرين على الجانب الأخروي ؛ إذ أنّ اشتراط الدعاء ، تأكيد على الثواب الذي يرجو الشيخ الحصول عليه في الحياة الآخرة.
أمّا خاتمة الإجازة فالمعتاد أن يؤرّخ لهذه الإجازة بذكر اسمه وقد يذكر المكان الذي أجاز فيه ، وتأريخ الإجازة الذي قد يكون مثبتاً فيه اسم اليوم والشهر والسنة بالتاريخ الهجري ، كما في النصّ : «كتب العبد الفقير إلى ربّه الكريم يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني بتاريخ اليوم الحادي عشر من شهر ربيع المولود من السنة الثانية والثمانين بعد المائة والألف من الهجرة النبوية [26 يوليو / تموز 1768م] ، على مهاجرها وآله أفضل الصلاة والسلام والتحية ، حامداً مصلّياً مسلّماً مستغفراً ، وكان ذلك في كربلاء المعلّى ، في جوار سيّد الشهداء ، وإمام السعداء ، عليه وعلى آبائه وأبنائه
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 433.

أفضل صلوات ذي العُلا ، والحمد لله وحده ، وصلّى الله على من لا نبيَّ بعده ، وآله الميامين ورحمة الله وبركاته»(1).
ومن الإجازات ما تكون منظومة ، ومثال ذلك إجازة العلاّمة الشيخ حسين بن محمّد العصفور (ت 1216 هـ / 1802م) لتلميذه الشيخ مرزوق بن محمّد الشويكي البحراني ، حيث كتب الأخير بخطّه أبياتاً تتضمّن إجازة الشيخ حسين لتلميذه الشويكي برواية كتاب أستاذه الأنوار اللوامع من شرح مفاتيح الشرايع(2) وهي قوله :

منَّ الإله بشرحي ملك كاتبه
 

 

مرزوق لا زال مرزوقاً فوائدهُ
 

قد جدّ في مثل ما أودعته كملاّ
 

 

ينال في غوصه القاصي فرائدهُ
 

وقد أجزتُ له يروي مسائله
 

 

للطالبين ومن يرجو عوائدهُ
 

لا زال في الجد ذا جدّ ينال له
 

 

تلك المطالب لازالت تعاضدهُ
 

ولقد كانت الإجازات تكتب على الكتب كالذي ذكره السيّد نعمة الله الجزائري من أعلام القرن الثاني عشر الهجري في إجازته أنّه رأى إجازة الشيخ السماهيجي بخطّه للشيخ محمّد بن عبد المطّلب على كتاب جواهر البحرين في أحكام الثقلين(3).
وقد تتمّ هذه الإجازات ضمن مجالس متعدّدة وقد تستغرق مدّة
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 434.
(2) منتظم الدرّين 3/303.
(3) الجزائري ، الإجازة الكبيرة : 204.

طويلة ، وبخاصّة وأنّ النصوص والإجازات أشارت إلى تعدّد المجالس ، والإجازة تكتب في آخر مجلس من هذه المجالس كما في إجازة الشيخ ابن فهد الحلّي للشيخ ناصر بن أحمد المتوّج البحراني سنة (838 هـ/1434م) ؛ وذلك في قوله : «أنهاه قراءة وكتابة وضبطاً في مجالس متعدّدة ، آخرها حادي عشر جمادى الآخرة من سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة هجرية [12 نوفمبر/كانون الثاني 1434م]»(1).
وتكتب الإجازات غالباً في نهاية الكتاب المجاز عليه الطالب من قبل الشيخ ، وتسبّب هذا بأن تكون الإجازة المكتوبة في نهاية الكتاب مقرونة بما هو موجود من حيّز قليل ، ويعود سبب ذلك إلى المجال الموجود الذي يمكن الكتابة فيه ، لذلك فعلى الرغم من أنّ الإجازة من نوع الكبيرة (المبسوطة) لكن ما هو مكتوب عنها محدّد بما هو موجود من مجال في نهاية الكتاب. ومن الأمثلة على ذلك إجازة عليّ بن محمّد بن مكّي العاملي للشيخ أحمد بن فهد الحلّي على كتاب الأربعين للشهيد الأوّل(2) وإجازة عبد الملك بن إسحاق القمّي الكاشاني لتلميذه عليّ بن الحسين بن الحسن السرابشنوي على كتاب قواعد الأحكام للعلاّمة الحلّي ، في مجالس متعدّدة آخرها في 24 محرّم الحرام سنة 850هـ (21 ابريل / نيسان 1446م)(3).
__________________
(1) الأفندي ، الفوائد الطريفة : 460.
(2) رياض العلماء 1/64.
(3) المصدر نفسه 3/398.

وقد تستغرق الإجازة على الكتاب الواحد أكثر من سنة ، كما في إجازة زين الدين عليّ بن الحسن بن الحسين بن محمّد الاسترابادي لتلميذه السيّد حسن ابن حمزة بن الحسن الحسيني ، الذي قرأ النصف الأوّل من كتاب رجال ابن داود المثبّت في آخره ما نصّه : «أنهاه السيّد حسن بن حمزة أيّده الله تعالى وأبقاه من أوّله إلى هنا قراءة مرضية ، وذلك في مجالس آخرها يوم العشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانمائة [20 مايو / أيار 1424م] وكتبه العبد الفقير عليّ بن الحسن بن محمّد الإسترآبادي ، وصلّ الله على محمّد وآله».
وكتب على النصف الآخر من الكتاب نفسه فقال : «أنهاه أيّده الله وأسعده قراءة مرضية وذلك في مجالس آخرها يوم الثاني عشر من شهر رجب المرجّب سنة تسع وعشرين وثمانمائة [20 مايو / أيار 1425م.] وكتبه عليّ بن الحسين بن الاسترابادي»(1).
ومن الممكن حصول الطالب على إجازة من شيخه تخوّله رواية جزء من كتاب معيّن ، ولا يلزم الطالب قراءة الكتاب كاملاً ، بل يمكنه تقسيمه على مراحل متعدّدة بحسب إمكاناته.
2 ـ الإجازة المتوسّطة :
وهذا النوع من الإجازات يقتصر به الشيخ على ذكر بعض الطرق
__________________
(1) رياض العلماء 3/412.

بالإجازة وليس كلّها(1). ومن الأمثلة على ذلك : إجازة الشيخ محمّد بن عليّ المقابي لولده الشيخ عليّ سنة (1160 هـ)(2) المجاز أيضاً من المحدّث الشيخ يوسف البحراني.
3 ـ الإجازة المختصرة :
وهي الإجازة التي لا تعدّ كتاباً ولا رسالة ، فتبدو لأوّل وهلة أنّ في ذكرها خروجاً عن موضوع الكتاب لعدم صدق التصنيف عليها(3). وقد وجد هذا النوع من الإجازة لدى رجال الإجازة البحرانيّين.
أنواع الإجازات :
قسمت الإجازة على عدّة أنواع هي :
1 ـ أن يجيز معيّناً لمعيّن :
كأن يقول المجيز لطالب الإجازة : «أجزت لك الكتاب الفلاني ، أو ما اشتملت عليه فهرستي هذه»(4). كإجازة الشيخ أحمد بن فهد الحلّي للشيخ
__________________
(1) الموسوعة الفقهية الميسرة 1/264.
(2) أنوار البدرين : 167 ، منتظم الدرّين 3/204.
(3) الذريعة 1/131.
(4) الفياض : الإجازات العلمية : 30.

عبد الله ناصر بن أحمد المتوّج البحراني على كتاب الدروس الشرعية للشهيد الأوّل بقوله : «قرأ عليّ هذا الكتاب من أوّله إلى آخره ... وأجزت له روايته عنّي ، عن الشيخ الفاضل السعيد الموفّق الشهيد ... أن يروي عنّي بهذا السند لمن شاء وأحبّ ، فهو أهل لذلك»(1).
2 ـ الإجازة لمعيّن بغير معيّن :
كقولك أجزتك برواية مسموعاتي أو مرويّاتي أو ما أشبه(2). ومن الأمثلة على ذلك إجازة محمّد بن أبي جمهور الأحسائي لتلميذه السيّد محسن الرضوي سنة (897هـ / 1491م) ؛ إذ قال : «فقد سمع منّي ، وكان سماعه سماع العالم العارف ، وقد سأل وقت سماعه منّي وروايته عنّي عن جميع مشكلاته ، فأجبته كلّ ما يسأل عنه ، وبيّنت له ماخفي ، وأمليتُ له على بعض الأحاديث حاشية شافية مختصرة كافية ، وأجزت له أن يروي عنّي جميع ما سمعه منّي ، من الروايات والحاشية الوافية ، بطريقي إلى من رويت عنه بالأسانيد المذكورة ، المنتهية إلى الأئمّة السادة الأطياب ... فليرو ذلك عنّي بطريق إلى سماعه منّي لمن أحبّ وشاء فإنّه أهل لذلك ومستحقّه ..»(3). وهذا النوع من الإجازة أقلّ انتشاراً من سابقه.
__________________
(1) المصدر نفسه : 461.
(2) تاريخ التربية عند الإمامية : 238.
(3) بحار الأنوار 105/ 4 ـ 5.

3 ـ أن يجيز معيّناً لغير معيّن :
كأن يقول أجزت هذا الحديث أو الكتاب لكلّ أحد أو لأهل زماني أو لمن أدرك جزءاً من حياتي(1).
4 ـ الإجازة عن طريق المناولة(2) :
وهي كالإجازة من أقسام طرق تحميل الحديث وتلقّيه. وهي على نوعين :
الأوّل : المناولة المقرونة بالإجازة :
ومن صورها أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعاً مقابلاً ويقول هذا سماعي وروايتي عن فلان فاروه عنّي أو أجزت لك روايته عنّي ، ثمّ يملّكه إيّاه أو يقول خذه وانسخه وقابل به وردّه إليّ أو نحو هذا. ومنها أن يجيء الطالب إلى الشيخ بكتاب أو جزء من حديثه فيعرضه عليه فيتأمّله الشيخ وهو عارف ومتيقّن ، ثمّ يعيده إليه ويقول له اطّلعت على ما فيه وهو حديثي عن فلان أو روايتي عن شيوخي فاروه عنّي أو أجزت لك روايته عنّي(3).
الثاني : المناولة المجرّدة عن الإجازة :
وهي أن يناول الشيخ تلميذه الكتاب ويقول هذا من حديثي أو من
__________________
(1) تاريخ التربية : 239.
(2) الإجازات العلمية : 33.
(3) تاريخ التربية : 224.

سماعاتي ولا يقول له اروه أو أجزت لك روايته عنّي(1).
وإجازة الحديث لها أقسام مختلفة كثيرة منها : الإجازة التحريرية لقراءة كتاب من كتب الحديث ، الإجازة التحريرية أو الشفهية لرواية خاصّة أو لدعاء مخصوص ، الإجازة التحريرية العامّة للرواية والتحديث بصورة مطلقة ، الإجازة لمجهول في الطبقات الآتية من الأولاد والأحفاد وغيرهم(2).
ولعلّ أوّل إجازة شفهية صدرت لراوي الحديث الشيعي هي إجازة الإمام الصادق عليه‌السلام لأبان بن تغلب(3) ، وأوّل إجازة كتبية لهم إجازة أبي أحمد عبد السلام بن الحسين البصري (ت 405 هـ / 1014م) لأحمد بن عبد الله الورّاق حيث ذكره النجاشي في ترجمة أحمد بن عبد الله الورّاق بقوله : «دفع إليّ شيخ الأدب أبو أحمد عبد السلام بن الحسين البصري رحمه الله كتاباً بخطّه ، قد أجاز له فيه جميع رواياته»(4).
لقد انتشرت الإجازات الحديثة بانتشار المؤلّفات والكتب وحلقات التدريس والأخذ في مختلف الحواضر العلمية ، واستمرّت حتّى عصرنا الحاضر الذي راج فيه طبع الكتب وأصبحت قراءتها لدى الشيخ غير معهودة وبذلك ضعفت الحاجة إلى الإجازة.
__________________
(1) الإجازات العلمية : 33 ـ 34.
(2) مقدّمة السيّد محمود المرعشي على كتاب المسلسلات في الإجازات 1/9.
(3) فهرست أسماء مصنّفي الشيعة : 15 ـ 16.
(4) مشيخة النجاشي : 149.

ولقد كان للرحلة العلمية ارتباط وثيق بالحصول على الإجازة ، إذ يتحمّل طالب العلم رحلة قد تستغرق سنوات طويلة من أجل الحصول على الإجازة من بعض الشيوخ المشهورين ، وقد قصد الشيخ الماحوزي إصفهان من مقرّ إقامته المؤقّتة في جهرم بجنوب إيران لكي يلتقي بالعلاّمة المجلسي ، وقد استجازه فأجازه في سنة (1107 هـ)(1).
وفي العام (1109 هـ) هاجر الماحوزي إلى إيران ووصل إلى (بندر كنك) من توابع (لار) ، وهناك استجاز منه تلميذه الشيخ عبد الله بن صالح السماهيجي ، فأجازه في شعبان من العام نفسه.
فضلاً عن ذلك فإنّ المناسبات الدينية وزيارة العتبات المقدّسة وموسم الحجّ كانت ذات أثر كبير في الحصول على إجازة وتبادلها بين العلماء والمشتغلين بطلب العلم الديني.
ويلجأ بعض العلماء تأسّياً بسلفهم الصالح كالعلاّمة والشهيدين والشيخ البهائي وشيخ الطائفة والشريف الرضي وغيرهم في الاستجازة من غير علماء الإمامية من علماء فرق المسلمين كالشوافع والموالك والأحناف والحنابلة والظاهرية والزيدية(2).
وكما هو واضح ممّا سبق يمكن الاستفادة من الإجازات ونصوصها ، لكونها مادّة تاريخية مهمّة جدّاً في الدراسة وهو صلب ما نحاول مناقشته في هذا البحث.
__________________
(1) فهرست علماء البحرين : 25.
(2) المرعشي النجفي : الإجازة الكبيرة : 249.

حضور أدب الإجازة في المدوّنات التاريخية المحلّية :
جسّد أدب الإجازة العلمية أحد التقاليد الثقافية العريقة لدى علماء البحرين ، فلا تجد عالماً من علماء هذا البلد إلاّ وله إسهام في هذا اللون من النشاط العلمي ، إمّا مجازاً أو مجيزاً ، وقد ضمّن العلاّمة المجلسي (ت 1110 هـ / 1698م) كتابه بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار بعضاً من إجازات علماء البحرين والذي جمع فيه كلّ ما وصل إلى يده من نصوص هذه الإجازات ، كما أورد الشيخ أقا بزرك الطهراني نحو (39) إجازة لعلماء البحرين(1).
ولقد أفرد بعض العلماء كتباً مستقلّة للإجازات جمعوا فيه ما اطّلعوا عليه منها ، ومن هؤلاء العلماء السيّد علي بن طاوس (ت 664 هـ / 1266م) والشيخ الشهيد محمّد بن جمال الدين مكّي العاملي (ت 786 هـ / 1384م) والشهيد الثاني الشيخ زين الدين بن عليّ الجباعي العاملي (ت 965 هـ / 1558م)(2).
وتبرز أهمّية الإجازة العلمية بوصفها وثيقة تاريخية تنطوي على أهمّية بالغة إذا ما لاحظناه أنّ المجتمعات الإمامية في منطقة إقليم البحرين القديم على اتّساعها لم تشهد استقراراً سياسيّاً يمكّنها من ترتيب وضعاً إداريّاً يسمح بإيلاء الجوانب الثقافية والأدبية والفكرية أهمّيتها التي تستحقّها في حياة
__________________
(1) الذريعة 1/141 ـ 266.
(2) الذريعة 1/123.

الشعوب ، فلقد ظلّت هذه المنطقة في مرتبة دنيا ضمن اهتمامات دولة الخلافة الإسلامية ، بدأً من (القرن الأوّل الهجري / السابع الميلادي).
وقد عقد ابن خلدون (ت 808 هـ / 1405م) للورّاقين فصلاً في مقدّمته بسط فيه الحديث عن صناعتهم فقال : «كانت العناية قديماً بالدواوين العلمية والسجلاّت في نسخها وتجليدها وتصحيحها بالرواية والضبط ، وكان سبب ذلك ما وقع من ضخامة الدولة وتوابع الحضارة ، وقد ذهب العهد بذهاب الدولة وتقلّص العمران ، بعد أن كان منه في الملّة الإسلامية بحر زاخر بالعراق والأندلس ، إذ هو كلّه من توابع العمران واتّساع نطاق الدولة ، ونفاق أسواق ذلك لديهما ، فكثر التآليف العلمية والدواوين ، وحرص الناس على تناقلها في الآفاق والأعصار ، فانتسخت وجُلّدت ، وجاءت صناعة الورّاقين المعانين للانتساخ والتصحيح والتجليد وسائر الأمور الكتبية والدواوين ، واختصّت بالأمصار العظيمة العمران»(1).
ويفهم من هذا أنّ الورّاقة جاءت تابعة لقوّة الدولة واتّساع الحضارة ، وأنّ الورّاقين كان لهم مكان في الأمصار العظيمة والبلدان الكبيرة ، فهم بمثابة المطابع الحديثة اليوم ، وكانت مهمّتهم موزّعة بين الانتساخ ، والتصحيح ، والتجليد ، والتذهيب ، وكلّ ما يمتّ إلى صناعة الكتب بصلة.
لقد ظلّت شبه الجزيرة العربية ـ والبحرين بشكل خاصـ ابتداءً من (القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي) تعاني فتوراً سياسيّاً باعتبارها إقليماً
__________________
(1) مقدّمة ابن خلدون : 313.

ضئيل الأهمّية في نظر الخلافة العبّاسية ، ويمكن قول الشيء نفسه على الصعيد التجاري ، إذ أصبحت شبه الجزيرة العربية في العصر العبّاسي «عديمة الأهمّية الإقتصادية تدريجيّاً بسبب عزلتها»(1). وهذا يعني تضاؤل حركة التوثيق التاريخي حول ما تعتبره الحكومة المركزية هامشاً على أطراف مدن الثقل الاقتصادي والسياسي وشريان حياتها.
وفي بيئة كهذه تفتقر إلى المصادر التاريخية المرتّبة والمدوّنة بشكل منتظم ضمن سجلاّت الدولة وارشيفها ، تتزايد الأهمّية للمصادر التاريخية غير التقليدية ، كالأبنية القديمة ، واللُّقى الأثرية وساجات القبور ، والمخطوطات القديمة المودعة في المكتبات الخاصّة ، والوثائق العقارية وصكوك البيع ، وبطبيعة الحال يأتي على رأس هذه المصادر (الإجازات العلمية) ، بل يمكن أن نقول : «إن الجهود المكتوبة في الإجازات وحولها هي من أغنى فروع المعرفة في الحضارة الإسلامية ثراءاً وأثراً وسعة»(2).
هناك عامل آخر ، هو أنّ المجتمع الإمامي في الإقليم بشكل خاصّ ، اعتمد اعتماداً ذاتيّاً في إدارة شؤونه العلمية ونشاطاته الثقافية بعيداً عن الأنظمة الرسمية ، فلم تكن هناك سلطة سياسية مستقرّة معنية برصد التاريخ الاجتماعي للناس ، وعندما نقول سلطة سياسية ، فإنّنا نقصد كلّ إمكانات الدولة المركزية : عقل إداري يفكّر ويخطّط ، وميزانية مالية ترصد وتوضع بيد
__________________
(1) الجغرافية التاريخية للعالم الإسلامي : 31.
(2) مقدّمة محمود المرعشي لكتاب المسلسلات 1/10.

العلماء القادرين على مهمّة التدوين التاريخي ، وبلاط يرعى الحالة العلمية ويعمل على تنشيطها أو تبنّيها ، أو على الأقلّ يلتزم الحياد حيال الجهود العلمية التي تنبثق من المجتمع الأهلي بمبادرات فردية وطموحات خاصّة قد تبذل في هذا السياق.
شيء من هذا حصل على سبيل المثال في ظلّ الدولة العثمانية التي بسطت نفوذها في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين والأردن والحجاز حتّى مطلع الحرب العالمية الأولى قبل أن تلفظ الإمبراطورية أنفاسها في العام (1922م) ، من هنا رأينا أنّ الإرشيف العثماني يُعدّ واحداً من أبرز المصادر المتعلّقة بتاريخ الجزيرة العربية ، ولاحظنا كيف كثرت هذه المصادر التركية في الفترات التي كان فيها احتكاك مباشر بالعثمانيّين ، وقلّت تلك المصادر أو بعضها في الفترات التي لم يكن فيها للعثمانيّين دور كبير في المنطقة(1).
من هنا ، كانت المدوّنات العلمية التي كتبها علماء البحرين في القرون السابقة تنطوي على أهمّية تاريخية بالغة الأهمّية ، لعدّة اعتبارات :
1 ـ لأنّها تؤرّخ لمظهر من مظاهر الحياة الثقافية والاجتماعية.
2 ـ تقدّم شهادة محلّية نادرة لجوانب مختلفة من حياة المجتمع والناس في العصور الماضية.
3 ـ تقترح هذه المدوّنات بدائل عملية للنقص التاريخي الفادح للإرشيف الأجنبي الذي يرتكز أغلبه على الاهتمام بالجوانب السياسية
__________________
(1) مصادر تاريخ الجزيرة العربية في تركيا : 15.

والاجتماعية من حياة مجتمع البحرين بعيداً عن الاهتمام بالجوانب الثقافية ورصد الظواهر الإنسانية.
4 ـ تقدّم هذه المدوّنات العلمية المحلّية تاريخاً موازياً للتاريخ الرسمي ، تاريخ يكتبه المهمّشون بلغة أهل العلم ، المبرّؤون من أطماع الساسة وأهواء أهل السلطة وحساباتهم الخاصّة القائمة على مبدأ المغالبة وصراع الإرادات الدامي.
وسنحاول هنا الكشف عن مدى استفادة المؤرّخين البحرانيّين المتأخّرين من أدب الإجازة العلمية بوصفها وثيقة تاريخية يمكن الاستفادة منها في الكتابات التاريخية ، وسنختار مدوّنتين تاريخيّتين تمثّلان أنموذجاً ملائماً لإيضاح الفكرة التي نحاول إبرازها ، وهذان العملان هما :
كتاب الذخائر في جغرافيا البنادر للشيخ محمّد عليّ آل عصفور (ت 1365هـ / 1945م)(1) وكتاب منتظم الدرّين في تراجم أعيان الأحساء القطيف والبحرين للمؤرّخ الأديب الحاج محمّد عليّ التاجر (ت 1387هـ / 1967م).
أوّلاً : الذخائر في جغرافيا البنادر للشيخ العصفور :
تنوّعت مصادر كتاب الذخائر للشيخ محمّد عليّ العصفور ، فنلاحظ أنّه
__________________
(1) الذريعة 18/81 برقم (772). يقول الشيخ الطهراني : «رأيته عند الشيخ حسين القديحي».

اعتمد على مصنّفات جدّه الشيخ يوسف آل عصفور الكشكول والدرر النجفية في الملتقطات اليوسفية ، وكذلك كشكول الشيخ ياسين بن صلاح الدين البلادي البحراني(1) وعدد كبير من مصادر التراجم والرجال والمجاميع الأدبية في مختلف العلوم والمعارف(2). كما ينقل عن كتاب تاريخ فارس في حالات علماء آل عصفور الذين جاوروا الفساء والشيراز للسيّد صدر الدين الحسيني(3).
إلاّ أنّنا نلاحظ أيضاً الحضور اللافت لأدب الإجازة العلمية في الكتاب ضمن هذه المصادر ، فقد استعان المؤلّف بكتاب لؤلؤة البحرين للشيخ البحراني ، وذلك في سياق ترجمته إلى (190)(4) علماً من أعلام البحرين
__________________
(1) تجدر الإشارة إلى أنّ كتاب (الذخائر) كُتب في فترة متقاربة مع كتاب (أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين) للشيخ عليّ بن حسن البلادي (ت 1340هـ / 1922م) وحيث إنّ كتاب البلادىّ حظي بشهرة وتداول أوسع من (الذخائر) لهذا آثرنا اتّخاذه نموذجاً لدراستنا بهدف التعريف به.
(2) من مصادر الذخائر الكتب التالية : (سلافة العصر) للسيّد عليّ ابن معصوم المدني ، ومصنّفات الشيخ أحمد الأحسائي كـ : (الكشكول) و (جوامع الكلم) ، والحرّ العامل في (أمل الآمل) ، ومصنّفات الشيخ سليمان الماحوزي ككتاب : (أزهار الرياض) و (السلافة البهية في الترجمة الميثمية) للشيخ الماحوزي ، و (معالم العلماء) لابن شهراشوب ، و (النجاة في القيامة في تحقيق الإمامة) للشيخ ميثم البحراني ، وللشيخ ياسين البحراني (القول السديد في شرح كلمة التوحيد) و (رجال الشيخ ياسين) و (بحار الأنوار) للعلاّمة المجلسي ، و (عوالي اللئالي) لابن أبي جمهور الأحسائي وغيرها.
(3) الذخائر : 195 ، 198.
(4) الذخائر : 242 ، والملاحظ أنّ الكتاب الذي أخرجه الشيخ محمّد عيسى المكباس

وشعرائها وأدبائها.
وإجازة الشيخ حسين بن محمّد آل عصفور لكلٍّ من الشيخ سليمان بن الشيخ أحمد آل عبد الجبّار (ت 1239هـ / 1824م)(1) والشيخ حسن البلادي البحراني (ت 1023هـ / 1614م)(2) والشيخ موسى بن الشيخ محمّد آل عصفور(3) والشيخ عبد الله بن الشيخ يحيى الجدحفصي (ت 1225هـ) والشيخ مرزوق(4) بن الشيخ محمّد الشويكي(5) وإجازة الميرزا حبيب الله الرشتي للشيخ عليّ بن عبد الله بن عليّ البحراني (ت 1319هـ)(6). وإجازة العلاّمة الحلّي لبني زهرة(7) وإجازة الشيخ حسن بن الشهيد الثاني للشيخ حسين بن الشيخ عليّ بن سليمان البحراني(8) وإجازة العلاّمة المجلسي للشيخ
__________________
يضمّ بين دفّتيه ترجمة لـ : (187) علماً من أعلام البحرين ، ونرجّح أنّ النسخة الأمّ والوحيدة ناقصة ، حيث كانت النسخة في مكتبة آل عصفور في منطقة أبو شهر قبل أن تحوّل إلى إدارة الحجّ والأوقاف في طهران ومن ثمّ قدّمت بما تحويه هدية إلى الخزانة الرضوية في مشهد المقدّسة.
(1) الذخائر : 106.
(2) المصدر نفسه : 108.
(3) المصدر نفسه : 203ـ 207.
(4) المصدر نفسه : 109.
(5) المصدر نفسه : 210 ـ 216.
(6) المصدر نفسه : 110.
(7) المصدر نفسه : 166.
(8) المصدر نفسه : 166.

نور الدين بن الشيخ عبد الجبّار القطيفي(1) وإجازة الشيخ محمّد بن الشيخ عبد الله البلادي (ت 1201هـ) للشيخ عبد عليّ بن محمّد القطيفي(2) وإجازة الشيخ عبد عليّ بن الشيخ خلف آل عصفور (ت 1303هـ) للشيخ محمّد بن الشيخ إبراهيم آل عصفور(3).
ثانياً : منتظم الدرّين للحاج محمّد عليّ التاجر :
اعتمد محمّد عليّ التاجر في المنتظم بصورة أكبر من محمّد عليّ العصفور على نصوص الإجازات العلمية لعلماء البحرين ، وأفاد من معطياتها التاريخية إفادة ممتازة ، ذلك أنّ الإجازة تتضمّن بطبيعة الحال الإسم الدقيق للمجاز والمجيز ، وعلى تاريخ ومكان الإجازة غالباً ، فضلاً عن أسماء الكتب والموضوعات التي كانت موضوعها أو ذُكرت فيها لسبب أو غيره ، والإجازات في الغالب يُستفاد منها في بعض كتب السيرة. وعليه يمكن اعتبارها من هذه الوجهة مصادر بكر.
وقد أخذ التاجر عدداً كبيراً من هذه الإجازات من كتاب بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار للشيخ محمّد باقر المجلسي (ت 1110 هـ/ 1698م) ، الذي جمع فيه كلّ ما وصل إلى يده من نصوص هذه الإجازات
__________________
(1) المصدر نفسه : 187.
(2) المصدر نفسه : 230 ـ 231.
(3) المصدر نفسه : 243.

وبذلك حفظها من الضياع ، ويسّر للباحثين ذخيرة لا تقدّر بثمن.
إنّ الأهمّية الفائقة التي اكتسبتها نصوص الإجازات قد غطّت عند التاجر على مصادر كثيرة من المصادر التقليدية واستطاع توظيف هذا الخزين الوثائقي أحسن توظيف ، فاعتمد كثيراً على إجازة الشيخ عبد الله السماهيجي (ت 1135 هـ / 1723م)(1) للشيخ ناصر بن الشيخ محمّد الجارودي ، التي تضمّنت ترجمة واسعة لعدد من علماء البحرين. وإجازة الشيخ يوسف البحراني (ت 1186 هـ / 1772م) الشهيرة لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرّتي العين وإجازات الشيخ أحمد الأحسائي والعلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن المطهّر (ت 726 هـ / 1326م)(2) والسيّد نعمة الله الجزائري (ت 1112 هـ / 1700م) ، وإجازة الشيخ حسين بن محمّد الماحوزي (ت 1171 هـ / 1758م) للشيخ محمّد بن عليّ المقابي(3).
وإجازة الشيخ عبد المحسن اللويمي الأحسائي(4) لتلامذته ، ومجموع إجازات الشيخ باقر بن أحمد آل عصفور من مشايخه : السيّد مهدي المازندراني اليزدي ، الشيخ محمّد عليّ بن الشيخ محمّد تقي آل عصفور ، السيّد أبو الحسن الأصفهاني ، والشيخ محمّد حسين النائيني(5) وإجازة الشيخ
__________________
(1) انظر على سبيل المثال منتظم الدرّين 1/227 ، 317.
(2) المنتظم 1/466.
(3) المصدر نفسه 1/489.
(4) المنتظم 1/239 ، 2/220.
(5) المصدر نفسه 1/278 ـ 281.

محمّد بن فيروز الأحسائي للسيّد عبد الجليل الطباطبائي(1) وغيرها.
وبهذا يتّضح أنّ المدوّنات التاريخية المحلّية حول تاريخ البحرين الثقافي والأدبي والديني قد أعطت للإجازة العلمية أهمّية بالغة ، وتعاملت معها كمصادر تاريخية ثرّة ، وينبّه ذلك إلى ضرورة جمع ونشر هذا التراث العلمي المنسي لعلماء البحرين ، والعمل على إخراج المخطوط منه.
ونلاحظ أنّ عدداً من علماء البحرين التزموا بتسجيل إجازاتهم في رسائل أو كتب قائمة مفردة تحمل أسماء وعناوين خاصّة كالشيخ محسن بن الشيخ محمّد آل عصفور (ت 1259هـ / 1843م) الذي وضع كتاب الإجازات(2) والشيخ أحمد بن الشيخ حسن الدمستاني (ت 1240هـ / 1825م) في كتاب الإجازات في إجازات مشايخه من صاحب الحدائق إلى الشيخ المفيد(3). ويُعدّ هذا التقليد الثقافي لدى علماء الدين ورموز المؤسّسة الدينية في البحرين استمراراً لجهود سابقة لعلماء الإمامية في إيران(4) والعراق(5)
__________________
(1) المصدر نفسه 2/214.
(2) الذخائر : 208.
(3) الذخائر : 228.
(4) كما في (الإجازة الكبيرة) للسيّد عبد الله الموسوي الجزائري من أعلام القرن الثاني عشر ، و (الروضة البهية في الإجازة الشفيعية) للسيّد شفيع الموسوي الجابلقي (ت 1280 هـ / 1863م) ، و (مناقب الفضلاء في رياض العلماء) للسيّد الأمير محمّد حسن الخاتون آبادي (ت 1151 هـ / 1738م) و (ذخيرة المعاد في الإجازة لأفلاذ الأكباد) للشيخ محمّد باقر البيرجندي (ت 1352 هـ / 1933م).
(5) كما في (اللمعة الحيدرية في الطرق العلية للشيعة الإمامية) و (الطبقات في الرواة ومشايخ

وجبل عامل(1) وشبه القارّة الهندية(2).
المعطيات التاريخية لإجازات علماء البحرين :
(إجازة السماهيجي) أنموذجاً :
تتضمّن الإجازة العلمية مجموعة من البيانات الأساسية ، وتوفّر مادّة تاريخية وعلمية خام ، تغري الباحثين بالدراسة وتمنحهم فرصة التعرّف على تراجم العلماء الذين حفظوا الحديث النبويّ الشريف المروي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) والأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ، والتعرّف على أسمائهم وأنسابهم وكناهم وألقابهم ، ومعرفة شيوخهم الذين أجازوا لهم ، ومعرفة من قرأ عليهم وغير ذلك.
والتعرّف على شهادات الشيوخ لتلاميذهم ، وشهادات التلاميذ لشيوخهم بالأعلمية والشهادة لهم بالثقة والاطمئنان لثقتهم والقبول لهم على الرواية عنهم.
كما تعطي الإجازة الفرصة للتعرّف على العصر الذي عاشوا فيه ، ومكان وزمان سماعهم للأحاديث التي يرونها ، فضلاً عن معرفة الطبقة التي
__________________
الإجازات) و (بغية الوعاة في طبقات مشايخ الإجازات) للسيّد حسن الصدر الكاظمي (ت 1354 هـ / 1935م) و (فيض الباري في الإجازة للعلاّمة الخوانساري) و (أنوار الكاظمين في الإجازة) للشيخ حسين للسيّد محمّد مهدي الإصبهاني (ت 1391هـ / 1971م).
(1) كـ : (ثبت الأثبات في سلسلة الرواة) للسيّد عبد الحسين شرف الدين (ت 1377 هـ / 1958م).
(2) مثل (أقرب المجازات إلى طرق الإجازات) للسيّد عليّ تقي النقوي اللكنهوي (1408 هـ / 1988م).

عاصروها من العلماء ، إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يكون مادّة تاريخية مهمّة.
إجازة الشيخ عبد الله السماهيجي (1135هـ / 1723م) للشيخ ناصر الجارودي القطيفي (ت 1164هـ / 1751م) التي كتبت العام (1128هـ/ 1716م) ، أي قبل ثلاثمئة سنة تقريباً ، هي من الإجازات المهمّة والآثار الخالدة التي تصوّر طبيعة الحياة العلمية في البحرين في القرنين السابع والثامن عشر الميلاديّين.
ومن المعطيات التاريخية التي وفّرتها إجازة الشيخ السماهيجي ما يلي :
1 ـ الترجمة لعلماء البحرين ورجال الفكر :
نعثر في إجازة الشيخ السماهيجي على خزين هائل من المعلومات المتعلّقة بعلماء المنطقة عموماً والبحرين خصوصاً فلقد ترجم الشيخ السماهيجي لكلّ من تعرّض إليه ذاكراً كتبه ورسائله وبعض ما يتعلّق به من مواقف ، كما ترجم بعض علماء المنطقة الذين ليس له طريقاً إليه مثل بعض زملائه عند الشيخ سليمان الماحوزي وأولاد الشيخ محمّد بن سليمان المقابي.
2 ـ ذكر الأنساب :
لا يقتصر الشيخ المجيز في الإجازات الكبيرة (المبسوطة) بذكر أسماء شيوخه وألقابهم ، بل يذكر أحياناً نسبهم الذي يميّزهم عمّن يشاركهم الإسم.

فعندما يتحدّث الشيخ الماحوزي في فهرست علماء البحرين عن الشيخ جمال الدين أحمد بن عبد الله المتوّج يذكر نسبه كاملاً ويقول : «كذا وجدته بخطّه عطّر الله مرقده في آخر كتابه الجزء الأوّل من مختصر التذكرة في إجازته لتلميذه الشيخ الفقيه فخر الدين»(1) ، أحمد بن فهد الأحسائي.
3 ـ استعراض آراء الشيخ المجيز وفكره :
تشكّل الإجازة ثبتاً علميّاً لآراء منشئها وكاتبها ، وتعكس فكره ونظرته وآراءه العلمية في مختلف فروع المعرفة الدينية ، كما تتضمّن نقداً ، وتحليلاً للكثير من المسائل العلمية أو المصنّفات والكتب ، وسنعطي لذلك ثلاثة أمثلة من إجازة الشيخ السماهيجي :
* يقول عن العلاّمة الحلّي : «وقد ملأ الآفاق بتصنيفه وعطّر الأكوان بتأليفه ، ومصنّفاته أكثر من أن تحصر ، وأجلّ من أن تُقصر ، وقد ذكر أكثرها في خلاصة الرجال. إلاّ أنّه كان أصوليّاً بحتاً ومجتهداً صرفاً حتّى قال مولانا محمّد أمين بن محمّد شريف الاسترابادي : إنّه أوّل من سلك طريقة الإجتهاد من أصحابنا ، وليس الأمر كمال قال ، بل الاجتهاد سابق عليه ، إلاّ أنّه قدس‌سره هو الذي روّجها وقوّمها وقرّرها وسوّمها»(2).
إلى أن يقول : «ومن وقف على كتب استدلاله ، وعرف حقيقة تفصيله
__________________
(1) فهرست علماء البحرين : 72.
(2) السماهيجي : الإجازة الكبيرة : 181.

وإجماله ، وغاص في بحار مقاله وقف على العجب من كثرة الاختلاف في أقواله ، وعدم التثبّت في الاستدلال حقّ التثبّت ، وعدم شدّة الفحص للأحاديث حقّ التفحّص ، فإنّ من وقف على كتاب المنتهى [منتهى المطلب في تحقيق المذهب] وجده يحذو فيه حذو المعتبر ، ومن وقف على كتاب القواعد [قواعد الأحكام في مسائل الحلال والحرام] وجده غالباً يحذو حذو الشرائع ، والإرشاد يحذو حذو القواعد ، إلاّ أنّه سلك في كلٍّ منها عمّا تقدّمها مسلك التلخيص والإيجاز.
وأخبرني الشيخ قدس‌سره إنّ جبريّات القواعد كلّها منقولة من كتاب لبعض فضلاء العامّة.
ومن وقف على المختلف [مختلف الشيعة إلى أحكام الشريعة] وجد فيه خللاً كثيراً في الاستدلال ، وتساهلاً في تصحيح الأحاديث وأحوال الرجال.
ومن وقف على الخلاصة [خلاصة الرجال] وجدها تابعة إلى النجاشي غالباً ، ولفهرست الشيخ قليلاً إذا لم يكن الرجل مذكوراً في كتاب النجاشي ، إلاّ أنّه يزيد عليهما بالاضطراب والتناقض والمساهلة في كثير من الموارد ، والتعارض.
وبالجملة فالرجل لا يُنكر فضله الغزير ، ولا يخفى حاله على الصغير والكبير ، لكنّه كان رحمه الله من شدّة حرصه على التصنيف واستعجاله في التأليف وحدّة نظره وفهمه وغزارة علمه لا يراجع وقت جريان القلم أصول

المسائل التي بلغها قلمه ، بل يكتب كلّما في ذلك الحال وصل إليه فهمه ، وأحاط به علمه ، وإن ناقض ما سبق وعارض ما سلف»(1).
* يقول بخصوص كتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني : «وهو كتاب دقيق المسلك جدّاً ، وعباراته أشبه بالرموز ، وقد افتتن به أكثر الناس لدقّته ووجازته ، إلاّ أنّ الإنصاف إنّه ليس كتاب تتبع للأحاديث ، بل يدلّ على قصور إحاطته بها ، وليس هو كتاب إرشاد وهداية ، وإنّما هو كتاب امتحان ونهاية»(2).
* رأيه في مصنّفات الشيخ محمّد بن أبي جمهور الأحسائي ، فيقول عن كتاب عوالي اللئالي : «وهو كتاب غير معتبر عند أصحاب الحديث ، لأنّه جمع فيه بين الغثّ والسمين ، ومزج فيه أحاديث عامّية بأحاديث الإمامية ، وهو يدلّ على عدم فضله في علم الحديث»(3). لكنّه يطري على كتابه زاد المسافر وشرحه ، ويقول : «إنّه يدلّ على فضله ومهارته في علم الكلام»(4).
وتتعدّد الآراء الخاصّة للشيخ السماهيجي في الإجازة حيال الكثير من أعلام الإمامية ومصنّفاتهم وآرائهم ، بما يمكن أن يُشكّل مدخلاً وإطاراً لمنحى الشيخ السماهيجي العلمي ويحدّد معالم مدرسته الفكرية.
__________________
(1) السماهيجي : الإجازة الكبيرة : 183 ـ 185.
(2) المصدر نفسه : 161.
(3) المصدر نفسه : 153.
(4) المصدر نفسه : 154.

4 ـ التفاعل الثقافي بين البحرين والحواضر العلمية :
تتضمّن كتب الإجازات معلومات دقيقة تتيح للقاري معرفة مراكز العلم في البلاد الإسلامية وحركة تنقّل الأفراد من بلدان مختلفة ، كمدن إيران الكبرى : (بهبهان ، شيراز ، إصفهان ، بوشهر). والعراق : (بغداد ، النجف ، الحلّة ، كربلاء ، سامرّاء) وجبل عامل وشبه القارّة الهندية.
5 ـ إيضاح أوجه النشاط العلمي والثقافي لعلماء البحرين :
ويدخل ضمن هذا النشاط العلمي والثقافي لعلماء البحرين : التدريس ، وتصنيف المؤلّفات ، والترجمة ، والمراسلات العلمية ، والإجابة على الأسئلة والخطابة والإفتاء والهجرة العلمية وغير ذلك من مظاهر الحياة الثقافية التي كان يمارسها العلماء في السابق ونجد لها ذكراً مطوّلاً وتفصيلات مهمّة في أدب الإجازات عند علماء البحرين.
ونلاحظ اهتماماً يُبديه الشيخ السماهيجي بالمسلك الأخباري فصنّف المترجمين إلى أصولي مجتهد وأخباري محدّث في الأغلب ، وتعرّض استطراداً لبعض نظرات الأصوليّين وردّ عليها ، إلاّ أنّه مع ذلك أنصف العلماء المجتهدين ومدحهم وإن خالفهم في طريقتهم وآرائهم كمخالفته لبعض آراء الأخباريّين ومسالكهم ، وبهذا يتّضح مدى التزام الشيخ السماهيجي بالنقد الموضوعي الهادف البعيد عن أساليب التجريح والنيل الشخصي الذي نعثر عليها عند غيره من العلماء المتقدّمين.

وينقل الشيخ يوسف البحراني في ترجمة الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي (والد الشيخ البهائي) قصّة مجيئه إلى البحرين فيقول : « ... ولمّا سمع علماء البحرين بقدومه وكان لهم مجمع يجتمعون فيه للدرس ويحضره الفضلاء منهم في مسجد من مساجد قرية جدحفص(1) علموا أنّ الشيخ لابدّ أن يحضره بعد قدومه في هذا المجمع ، وكان من جملة فضلاء البحرين الشيخ داود بن أبي شافيز ، وكانت له يد طولى في علم الجدل .. واتّفق أنّه سمع بذلك المجمع فحضر ذات يوم في ذلك الوقت فيهم من هو في مرتبته قدس‌سره واتّفق البحث كما هي العادة الجارية بين العلماء في جميع الأصقاع بابتدار الشيخ داود لمنازعته الشيخ المذكور والبحث معه مع أنّه لا نسبة له إليه في ذلك فلمّا انقضى المجلس ومضى الشيخ قدس‌سره كتب هذين البيتين :

أناس في أموال قد تصدّوا
 

 

لمحو العلم واشتغلوا بلم لم
 

إن باحثتهم لم تلق منهم
 

 

سوى حرفين لم لم لا نسلم
 

وعندما يتطرّق إلى الشيخ راشد بن إبراهيم البحراني يقول : «هذا الشيخ فقيهاً أديباً متكلّماً لغويّاً ديّناً قرأ على مشائخ العراق وأقام به مدّة»(2).
6. فهرست مصنّفات علماء البحرين :
إن الإجازات الصادرة عن العلماء تتضمّن معلومات تاريخية قيّمة حول
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 26.
(2) السماهيجي : الإجازة الكبيرة : 216.

أدوار العلماء ونشاطاتهم العلمية ، وتخصّصاتهم العقيدية ، وجهودهم في آثارهم العملية ، وآرائهم ونظريّاتهم وإبداعاتهم ومؤلّفاتهم ، وما إلى ذلك من أبعاد حياتهم ومعارفهم ، سواء في ذلك المشايخ المجيزين ، أم الرواة المجازين ، وفي كلّ الطبقات والقرون.
يبذل الشيخ المجيز جهداً كبيراً في سبيل الحصول على مصنّفات السلف الصالح من شيوخه ، فيذكر في ترجمة الشيخ كلّ ما عثر عليه من عناوين مصنّفاته ، وكثيراً ما يضيف أبواب الكتاب بالتفصيل كما فعل الشيخ السماهيجي في الإجازة عندما تحدّث عن كتاب العلاّمة المجلسي بحار الأنوار(1) وهذه ظاهرة بارزة في أدب الإجازات تحكي عن حميّة علمائنا وتحمّسهم لخدمة العلم ، فالشيخ النجاشي أحمد بن عليّ (ت 450 هـ / 1058م) يذكر في كتابه المعروف بـ : رجال النجاشي نحو أربعة آلاف مصنّفاً من كتب المترجم لهم ، معترفاً بالقصور في عدم بلوغ الغاية في ذلك ، فبجهده هذا قد أبطل زعم كلّ من يدّعي إنّ الشيعة لا تراث لهم(2).
وقد تضمّنت إجازة الشيخ السماهجي نحو (647) مصنّفاً لأعلام الإمامية ، منها (194) مصنّفاً لعلماء البحرين. وكثيراً ما يكتفي الشيخ السماهيجي بالقول : «له كتب إلاّ أنّي لم أقف على شيء منها»(3).
__________________
(1) السماهيجي : الإجازة الكبيرة : 91 ـ 92.
(2) مشيخة النجاشي : 44.
(3) أنظر على سبيل المثال : 193 ، 221 ، 231.

وعندما ينتهي الشيخ السماهيجي من ذكر مشايخ الشيخ محمود المعني (ت 1130هـ / 1718م) يقول : «وليس لهؤلاء المشايخ شيء من التصنيف»(1). وحين يترجم للشيخ حسن بن عليّ بن داود يذكر له ثلاثة مصنّفات لكنّه يشير إلى ثناء الشهيد الثاني على سائر مصنّفاته ، ويذكر أنّها نحواً من ثلاثين مصنّفاً(2). وحين يقف عند الشيخ الحسن بن يوسف المعروف بالعلاّمة الحلّي (ت 726هـ / 1326م) يقول : «وقد ملأ الآفاق بتصنيفه ، وعطّر الأكوان بتأليفه ، ومصنّفاته أكثر من أن تحصر ، وأجلّ من أن تقصر ، وقد ذكر أكثرها في خلاصة الرجال»(3).
وحين يقف عند شخصية الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ / 1068م) المعروف بـ : (شيخ الطائفة) يسرد بعض مصنّفاته ويعلّق تعليقات نقدية على منهجه في التصنيف ، ثمّ يقول : «وله كتب عديدة ، ذكرها في فهرسته»(4). كما يشير إلى أنّ مؤلّفات الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان (ت 413هـ / 1022م) تبلغ نحو مائتي مصنّف كباراً وصغاراً مذكورة في الفهارس(5). ويذكر أنّ للشيخ الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه
__________________
(1) السماهيجي : الإجازة الكبيرة : 111.
(2) المصدر نفسه : 181.
(3) المصدر نفسه : 183.
(4) المصدر نفسه : 205.
(5) السماهيجي : الإجازة الكبيرة : 230.

(ت381هـ / 991م) ثلاثمائة مصنّف(1) يسمّي منها كتاباً واحداً فقط.
كما يبذل الشيخ المجيز جهده في سبيل التثبّت من نسبة المصنّفات إلى مصنّفيها الحقيقيّين ما أمكنه ذلك ، ومثال ذلك ما فعله الشيخ السماهيجي عندما يقف عند كتاب الإستغاثة في بدع الثلاثة ضمن حديثه عن مصنّفات الشيخ ميثم بن عليّ بن ميثم البحراني (كان حيّاً 687هـ / 1288م) فيقول : «لم يثبت ، وإنّما هو كتاب البدع المحدثة للشيخ أبي القاسم عليّ بن أحمد الكوفي»(2). كما ويثبّت نسبة كتاب الإحتجاج للشيخ أحمد بن عليّ الطبرسي مشيراً إلى أنّ ابن شهراشوب ذكره في كتابه معالم العلماء : «وقد غفل جماعة من أصحابنا في نسبة الكتاب إلى أبي عليّ الطبرسي منهم محمّد أمين الإسترآبادي وقبله صاحب رسالة مشايخ الشيعة وقبله محمّد بن أبي جمهور الأحسائي في عوالي اللئالي وغيرهم»(3). وهكذا نرى أنّ الشيخ السماهيجي بذل جهداً كبيراً في تضمين إجازته للعديد من المصنّفات والكتب ونسبتها لأصحابها ملتزماً نهجاً موضوعيّاً دقيقاً.
7 ـ تحديد مراقد العلماء ورجال الفكر :
نلاحظ ذلك في الإجازة في أكثر من موضع ، كتحديده قبر الشيخ ميثم
__________________
(1) المصدر نفسه: 255.
(2) المصدر نفسه : 194.
(3) المصدر نفسه : 235.

ابن عليّ بن ميثم البحرانيَّين يقول : «وقبر الشيخ ميثم معروف الآن مزاراً للخاصّ والعامّ بقرية الغريفة من قرى الماحوز من البحرين ، المحمية عن الشين ، وقبر جدّه ميثم في مقبرة الدونج من قرى الماحوز ، وهي أكبر قراها وأشهرها ، ومن أطلق عليها اسم الماحوز وباقي قراها لا تعرف إلا بأسمائها المختصّة بها كالغريفة وهرتي ، ويذكر بعض المشايخ أنّ قبر الشيخ المذكور المشهور في نواحي العراق ، وهو غير مشهور»(1). والشيخ كمال الدين عليّ ابن سليمان البحراني : «وقبره في سترة من قرى البحرين»(2) وكذلك قبر الشيخ كمال الدين بن سعادة البحراني(3). وقبر الشيخ الطوسي حيث يقول : «توفّي في المشهد الغروي على مشرّفه السلام ، ودفن في داره»(4). وقبر الشيخ راشد بن إبراهيم البحراني حيث يقول : «وقبره في جزيرة النبي صالح في أوال حرست من الوبال في الدار الجنوبية المقابلة للشمال من حضرة النبي صالح»(5) وقبر الشيخ داود بن حسن الجزائري البحراني(6). وغيرهم.
8 ـ ضبط التواريخ والتثبّت من الوقائع التاريخية :
تعطينا الإجازات ثروة تاريخية بالإمكان توظيف معطياتها في التثبّت من
__________________
(1) السماهيجي : الإجازة الكبيرة : 194.
(2) المصدر نفسه : 199.
(3) المصدر نفسه : 201.
(4) المصدر نفسه : 205.
(5) السماهيجي : الإجازة الكبيرة : 216.
(6) المصدر نفسه : 233.

الحوادث التاريخية والسياسية والاجتماعية والأنشطة الثقافية للعلماء ، وذلك من خلال المقارنة والتحليل والربط بين كمّ المعلومات الذي توفّرها الإجازات العلمية.
9 ـ إبراز مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية :
لا تقتصر المعلومات الثاوية في الإجازات على معلومات ذات طبيعة دينية أو ثقافية وأدبية فحسب ، بل تتجاوزه إلى إعطاء الكثير من المعلومات التي ترتبط بالأحداث والوقائع السياسية التي جرت أو تجري في وطن المجيز (الشيخ المانح للإجازة).
فعندما يتحدّث السيّد نعمة الله الجزائري في إجازته الكبيرة عن الشيخ السماهيجي يذكر أنّه اطّلع على كتاب النفحة العنبرية في جوابات المسائل التسترية في مدينة تستر ـ وهو أوّل كتاب من مؤلّفات السماهيجي يطّلع عليه ـ قائلاً : «فشوّقني ذلك إلى الهجرة إليه ببهبهان فلم يأذن لي والدي بسبب اختلاف الدروب وثوران الفتن والحروب ، وهي السنة التي استولى فيها الأفغان على عراق العجم سنة خمس وثلاثين ...»(1).
وحين يتحدّث عن وفاة الشيخ محمّد بن مسعود الماحوزي (ت 1105 هـ/ 1694م) يعلّق السماهيجي قائلاً : «وهو عام جلوس الملك الأعظم سلطان
__________________
(1) نعمة الله الجزائري : الإجازة الكبيرة : 205.

عصرنا اليوم الشاه سلطان حسين بن الشاه سليمان خلّد الله ملكه ..»(1).
وفي ختام الإجازة يقول : «وقد وافق الفراغ من تنميق هذه الإجازة مع تشويش البال ، وتقلقل الأحوال ، ومقاسات الخطوب والأهوال ، ومصادمة الحروب والقتال ، ومعاناة الشخوص والإنتقال في بلدة بهبهان في عصر الإثنين الثالث والعشرين من شهر صفر ... سنة ثمان وعشرين والمائة بعد الألف»(2).
10 ـ توثيق أسماء النسّاخين ونشاطاتهم العلمية :
تشكّل الإجازة في واحدة من وجوهها سجلاًّ وثائقيّاً يتضمّن الكثير من الأسماء التي يتمّ الإشارة إليها ضمناً في سياق الحديث عن المشايخ المنتظمين في سلسلة السند المتّصل بالأئمّة عليهم‌السلام ، ومن هؤلاء الذين يتمّ الإشارة إلى أسمائهم ونشاطهم الثقافي طبقة علمية كان لها دور ثقافي كبير جدّاً في الحضارة الإسلامية على مرّ التاريخ ، ألا وهي طبقة النسّاخين ، نسّاخي الكتب أو الورّاقين.
ولأهمّية وخطر مهمّة النسّاخين برز لدى العلماء المتقدّمين ظاهرة (إجازة المخطوط) وهي تعني : «توثيق نسخة المخطوط المجازة ، بمعنى أنّها بعد اختبارها بالإقراء أو السماع تعدّ سليمة ومطابقة لحقيقة مضامين الكتاب
__________________
(1) السماهيجي : الإجازة الكبيرة : 115.
(2) المصدر نفسه : 277.

معنىً ومبنىً كما وضعها وأرادها المؤلّف»(1) ؛ وهي بالطبع مأخوذة من إجازة الرواية التي تعني الإذن برواية الحديث لوثاقة المجاز.
11 ـ حفظ الكثير من النصوص التراثية الضائعة :
حفظت لنا كتب الإجازة العلمية العديد من النصوص التراثية الضائعة ، وكثير من أسماء الكتب التي حفظتها كتب الفهارس والإجازات والتي منيت بالضياع ، ولكن لحسن الحظّ فإنّ عدداً من متون بعض هذه الكتب نجت بفعل الاستنساخ ورواج النسخ الخطّية ، فكتاب السلافة البهية في الترجمة الميثمية(2) للشيخ سليمان بن عبد الله الماحوزي (ت 1121هـ / 1709م) وهو كتاب في أحوال الشيخ كمال الدين ميثم البحراني (ت 679 هـ / 1280م) ذكرها المحدّث البحراني في إجازته لؤلؤة البحرين وأوردها بتمامها في الجزء الأوّل من كشكوله عن نسخة خطّ المؤلّف نفسه.
الخاتمة :
بيّنّا من خلال الصفحات التالية أنّ أدب الإجازة قد احتلّ عند فقهاء الإسلام مكانة كبيرة ، وذلك في إطار عنايتهم البالغة بالسنّة النبوية الشريفة
__________________
(1) أصول تحقيق التراث : 128.
(2) ذكر الماحوزي في أوّلها أنّه سأله البعض أن يكتب ترجمة الشيخ ميثم على ما في (مجالس المؤمنين) ؛ فترجمه بما فيه مع زيادات فوائد أخر وفرغ منه في 27 جمادى الأوّل 1104هـ (3 فبراير / شباط 1693م). انظر: الذريعة 12/211 ـ 212.

وخدمة علومها. وقد حرص علماء البحرين منذ قرون مضت على الاهتمام بهذا اللون من النشاط العلمي وصرفوا له الوقت واستفرغوا الجهد وتكبّدوا عناء السفر الطويل في سبيل الإستجازة وطلب العلم وأخذ الرخصة برواية الحديث ، بما أسهم في مراكمة تراث هائل من أدب الإجازات الروائية ظلّ يمثّل أزهى صور التاريخ العلمي والاجتماعي لعلماء الإسلام في مختلف العصور.
تذكير :
يذكّر الباحث ـ بناءً على ما سبق عرضه ـ بالتالي :
1 ـ العمل على جمع كافّة الإجازات العلمية لعلماء الإمامية وتحقيقها ، وإتاحتها للباحثين والدارسين ليستفيدوا منها ، ولا بدّ هنا من الإشادة بالمشروع الطموح لمؤسّسة تراث الشيعة في مدينة قم المقدّسة التي أطلقت منذ سنوات موسوعة إجازات الشيعة بإشراف الشيخ محسن الصادقي ، والتي من المقدّر أن تشتمل على جميع الإجازات والإنهاءات المتبقّية من علمائنا الأبرار حسب التسلسل الزمني ، أي حسب تاريخ وفاة المجيزين ، وربّما تبلغ عشرين مجلّداً كبيراً أو أكثر حسبما أعلن عنها.
2 ـ تكثيف التواصل مع المحقّقين والمهتمّين بالتراث الإمامي المخطوط ، وتقديم الرعاية المادّية والتحفيز المعنوي والاحتضان العلمي لإخراج نفائس التراث المخطوط محقّقاً ومخرجاً إخراجاً يليق بأهمّيته

التاريخية والعلمية كالشيخ محمّد عيسى المكباس الذي يعدّ بحق من أوائل من تنبّهوا إلى أهمّية الإجازات البحرانية وسعى إلى التعريف بها وإخراجها إلى النور ، كذلك الدور العلمي للسيّد محمود الغريفي والشيخ مهدي العوازم القطيفي وآخرون.
3 ـ تنفيذ فعّاليّات وأنشطة ثقافية وعلمية متنوّعة تهتمّ بشكل خاصّ بإبراز التراث العلمي لعلماء الإمامية عبر العصور والتعريف به وتكثيف النقاش حوله ، واستكتاب الباحثين في مواضيعه ليشكّل همّاً لمثقّفي الجيل الجديد من الشباب والأكاديميّين ، وذلك عبر عقد ورش عمل وتنفيذ مؤتمرات علمية ، ومحاضرات متواصلة وغيرها من الأنشطة والفعّاليّات الفكرية.
4 ـ تكثيف التعاون وتعزيزي الصلة العلمية مع مراكز الأبحاث العلمية والمؤسّسات التراثية في الداخل والخارج والمعنية بالتاريخ والتراث الإمامي في المنطقة ، وذلك بهدف التعريف بتراثنا ، وتوثيق الأواصر العلمية مع الباحثين لتبادل الخبرات والاشتراك مع مشاريع علمية مشتركة.
5 ـ عدم الاكتفاء بإخراج النصوص التراثية لعلماء الإمامية وطباعتها ، بل العمل على جعلها منطلقاً للدراسات والأبحاث العلمية ومنبعاً أصيلاً يصلنا بالماضي ويقدّم فهماً أفضل لتاريخنا وتراثنا بمناهج بحث حديثة وزوايا نظر تتّسم بالمعاصرة والتجديد.
والحمد لله ربّ العالمين
9 سبتمبر / أيلول 2014م
11 ذي القعدة 1435هـ

المصادر
1 ـ إجازات الحديث للعلاّمة المجلسي : لأحمد الحسيني ، مكتبة آية الله المرعشي العامّة ـ قم ، ط 1 ، 1410 هـ ـ.
2 ـ الإجازات العلمية عند المسلمين : لعبد الله فيّاض ، مطبعة الإرشاد ، بغداد 1967م.
3 ـ الإجازة الكبيرة : لعبد الله بن صالح السماهيجي ، تحقيق الشيخ مهدي العوازم ، المحقّق ط1 ، قم 1419هـ.
4 ـ الإجازة الكبيرة : لعبد الله نعمة الله الموسوي الجزائري ، تحقيق محمّد السمامي الحائري ، مكتبة المرعشي النجفي العامّة ، ط1 ، قم المقدّسة 1409هـ ..
5 ـ الإجازة الكبيرة أو الطريق والمحجّة لثمرة المهجة : لشهاب الدين المرعشي النجفي ، أعداد محمّد السمامي الحائري ، مكتبة آية الله المرعشي العامّة ـ قم ، ط 1 ، 1414هـ.
6 ـ أصول تحقيق التراث : لعبد الهادي الفضلي ، مؤسّسة أمّ القرى للتحقيق والنشر ، ط3 ، قم المقدّسة 1416هـ ..
7 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار : لمحمّد باقر المجلسي (ت 1111هـ) ، ط2 ، مؤسّسة الوفاء ، بيروت 1983 م.
8 ـ الجغرافية التاريخية للعالم الإسلامي : لموريس لومبارد ، ترجمة عبد الرحمن حميدة ، دار الفكر ، ط1 ، دمشق 1998.
9 ـ الحياة الفكرية في الحلّة خلال القرن التاسع الهجري : ليوسف الشمّري ، دار التراث ، ط1 ، النجف 1434هـ.
10 ـ الذخائر في جغرافيا البنادر والجزاير : لمحمّد عليّ آل عصفور (ت 1945م / 1365هـ) ، تحقيق محمّد عيسى المكباس ، آل مكباس للطباعة والنشر ، قم المقدّسة 2001م.
11 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة : لآقا بزرك الطهراني ، دار الأضواء ، ط3 ، بيروت 1983م.
12 ـ فهرست علماء البحرين : لسليمان بن عبد الله الماحوزي (ت 1121هـ) ، تحقيق فاضل الزاكي البحراني ، ط 1 ، المحقّق 2010.
13 ـ فهرست مصنّفي الشيعة : لأحمد بن عليّ النجاشي (ت 450هـ) ، تبويب وتعليق إبراهيم الشبّوط ، دار المحجّة البيضاء. ط1 ، بيروت 2013م.
14 ـ الفوائد الطريفة : لعبد الله الأفندي الأصفهاني (ت 1130هـ) ، تحقيق مهدي الرجائي ، مكتبة المرعشي النجفي ، ط 1 ، قم المقدّسة 2006م.
15 ـ لؤلؤة البحرين في الإجازات وتراجم الرجال : ليوسف بن أحمد البحراني (ت 1186هـ) ، تحقيق السيّد محمّد صادق بحر العلوم ، دار الأضواء ، ط2 ، بيروت 1986م.
16 ـ المسلسلات في الإجازات : لمحمود المرعشي النجفي ، مكتبة المرعشي النجفي العامّة ، قم المقدّسة 1416 هـ.
17 ـ مشيخة النجاشي : لمحمود درياب النجفي ، مهر ، ط1 ، قم المقدّسة 1413هـ.
18 ـ مصادر تاريخ الجزيرة العربية في تركيا : لسهيل صابان ، مكتبة الملك فهد الوطنية ، الرياض 2002م.
19 ـ مقدّمة ابن خلدون : لعبد الرحمن بن محمّد بن خلدون ، دار صادر ، ط2 ، بيروت 2006م.
20 ـ منتظم الدُرّين في تراجم علماء وأدباء الأحساء والقطيف والبحرين : لمحمّد عليّ التاجر (ت 1967م/ 1387 هـ) ، تحقيق ضياء بدر آل سنبل ، مؤسّسة طيبة لإحياء التراث ، ط1 ، بيروت 2009م.

المصدر: وِسام عبّاس السَبع - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
521
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :