معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

النظرية الحديثية في المدرسة الإمامية ..

النظرية الحديثية في المدرسة الإمامية

بسم الله الرحمن الرحیم

توطئة
يعتبر الحديث الشريف ـ روايةً ودرايةً ، سنداً ومتناً ، نقلاً وضبطاً ـ ثاني مصادر التشريع في الإسلام ، وقد صان الله سبحانه وتعالى الحديث الشريف كما صان القرآن الكريم ، فالقرآن الكريم كلام الخالق عزّ وجلّ مصون بين الدفّتين كما وعد تعالى : (إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُوْنَ) (1) ، بينما صان اللهُ تعالى السنّة الشريفة ـ قولاً وفعلاً وتقريراً ـ عن طريق أئمّة أهل بيت النبوة عليهم‌السلام ، كما أشار الإمام الحسن عليه‌السلام إلى ذلك قائلاً : «إنّ العلم فينا ، ونحن أهله ، وهو عندنا مجموعٌ كلّه بحذافيره»(2).
فكان العلمُ فيهم مصاناً من التحريف والتزوير ، وهم أهله وأمناؤه. ولا يمكن أن يفهم الإسلام كدين سماوي إلاّ بإطار الصيانة الإلهية للقرآن الكريم والسنّة الشريفة.
__________________
(1) الحجر : 9.
(2) الاحتجاج : 155.

الفصل الأوّل
الحديث الشريف بين المشافهة والكتابة
لاشكّ أنّ للحديث الشريف مكانة سامية في الإسلام ، فالحديث الشريف هو ثاني مصادر الاعتقاد والتشريع الإسلامي بعد القرآن المجيد ، وإذا كان القرآن يعرض المعارف الإلهية والأحكام الشرعية فإنّ السنّة المطهّرة تفصّلها وتوضّح مبهماتها ، وقد أمر القرآن الكريم بالأخذ بالسنّة الشريفة ، فقال : (... وَمَا آتَاكُمُ الرّسُوْلُ فَخُذُوْهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (1).
طرق نقل الحديث :
وكان للحديث الشريف أن يُنقل من جيل إلى آخر ، فكان هناك طريقان لنقل الحديث وهما : 1 ـ المشافهة ، 2 ـ الكتابة ، والطريقان يشتركان في وحدة الموضوع وهو نقل الحديث الشريف عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين عليهم‌السلام.
إذن ، نبحث هنا الحديث الشريف : أ ـ من الناحية التأريخية. ب ـ
__________________
(1) الحشر : 7.

من ناحية (علم الدراية).
أ ـ الحديث الشريف من الناحية التأريخية :
ويشمل : 1 ـ المشافهة ، 2 ـ الكتابة.
1 ـ المشافهة :
وهي انتقال الروايات شفهياً من شخص إلى آخر في زمن النصّ. أو بتعبير آخر : نقل الرواية عن المعصوم عليه‌السلام دون كتابة ، فالكلمات وما يتبعها من معان تنتقل عن طريق أفواه المتكلّمين لتستقرّ في أذهان المخاطَبين ، مثلاً عندما يحفظ أبو ذر رضي‌الله‌عنه حديثاً عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) فإنّما يحفظه عن طريق الإصغاء والنقل ، وتلك هي : المشافهة.
حيث كان العرف الثقافي في زمن النصّ هو المشافهة ، فكان المسلمون يسألون النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وكان يجيبهم شفاهاً ، والقرآن الكريم يتنزّل على رسول الله(صلى الله عليه وآله) فكانوا يحفظونه عن ظهر قلب ، وكذلك أحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله). وكانت قابلية الناس على الحفظ قوية إلى درجة أنّهم كانوا يحفظون قصائد الشعر الطويلة قبل الإسلام ، ويحفظون القرآن الكريم والسنّة الشريفة بعد الإسلام.
قال المحقّق الحلّي (ت 676 هـ) : «الألفاظُ التي تُعلم نسبة الخبر بها إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) أو أحد الأئمّة عليهم‌السلام أربع مراتب : الأولى : أن يقول : (أسمعني رسول الله صلّى الله عليه وآله) ، أو (شافهني) ، أو (حدّثني) ، ويلي ذلك في القوّة أن يقول : (قال رسول الله صلّى الله عليه وآله) ، أو

(سمعتُ منه) ، أو (حدّث) ، ويلي ذلك أن يقول : (أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله) ، ويليه أن يقول : (رويتُ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله)» (1).
خصوصيّات المشافهة :
ولا شكّ أنّ نقل الحديث عن طريق المشافهة له خصوصيّات تفتقدها الكتابة ، ومنها :
1 ـ تجسيد ناقل الرواية لتعابير المعصوم عليه‌السلام ، فإذا كانت الرواية تعكس حالة الغضب أو الألم للمرويّ عنه مثلاً ، كان الناقل شفهيّاً للرواية أقرب إلى تجسيد حالة المرارة. وإذا كانت الرواية تعكس أمراً وجوبيّاً فيه تشديد ، كان الناقل شفهيّاً للرواية أقرب إلى تجسيد حالة التأكيد والجزم. وإذا كانت الرواية تعكس حالة الزجر والتوبيخ ، كان الناقل شفهياً للرواية أقرب إلى تجسيد تلك الحالة ، وهكذا.
2 ـ إنّ مفردات الرواية المكتوبة ـ أحياناً ـ لا تُظهر الحالة الحقيقية للمعاني ، خصوصاً عندما تُفْتَقَد حركات الكلمات التي تشخص المعاني. مثل : (أسند) ، فمرّة يقرأ بصيغة المعلوم وأخرى بصيغة المجهول. وحالة الطهارة بعد القُرئ بالنسبة للمرأة ، فمرّة يُقرأ (يطهُرْن) وأخرى (يطّهّرنّ) ، وأنت أعلم بالفرق بين المعنيين وآثاره. بينما يقوم الراوي عن طريق المشافهة بذكر الكلمة بصورتها الصحيحة التي سمعها.
إلاّ أنّ الإقتصار على الثقافة الشفهية له آفات خطيرة ، منها :
__________________
(1) معارج الأصول : 152.

1 ـ النسيان. فالإنسان له قابلية محدودة على حفظ النصوص ، خصوصاً بعد تقادم الزمان ، وما يتبعه من ضعف للضبط والتذكّر.
2 ـ سهولة الوضع وتغيير النصوص. فيزدهر الوضع والتدليس عندما تبقى النصوص بعيدة عن التدوين والتوثيق.
3 ـ موت المحفوظ بموت الحافظ.
ولذلك كانت الكتابة أحفظ في نقل السنّة الشريفة من المشافهة.
2 ـ الكتابة :
وهي تدوين السنّة الشريفة زمن النصّ. والقوم وإن ذمّوا تدوين السنّة لسبب ما ، إلاّ أنّ الكتابة وأداتها (القلم) من أعظم النعم الإلهية على الإنسان ، وبه أقسم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : (ن. وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُوْنَ) (1). ووصف تعالى نفسه : بـ (... الّذِيْ عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم) (2).
ومن مقتضى ذلك أن أدّب اللهُ عباده بالكتابة في الأمور المهمّة أو الخطيرة ، فقال : (وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوْهُ صَغِيْراً أَوْ كَبِيْرَاً إلى أَجَلِهِ ، ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ ، وَأَدْنَى ألاّ تَرْتَابُوا) (3).
فإذا كانت الكتابة في العقود والديون والوصايا أقرب إلى الشهادة
__________________
(1) القلم : 1.
(2) العلق : 4 ـ 5.
(3) البقرة : 282.

بالمشهود ، والإطمئنان بالوقائع وعدم الارتياب ، فإنّ سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) أولى أن تُكتب حتّى ترتفع كلّ وجوه الارتياب والظنّ ، ويُحفظ الدين ويُحتاط عليه من عاديات الزمن.
دليل جواز كتابة الأحاديث النبوية :
ومن الطبيعي فإنّ العقل والشرع يجيزان تدوين السنّة الشريفة زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أو من بعده ، وهنا لابدّ من استعراض بعضاً من الروايات والشواهد التي تضعنا في مشهد الكتابة وجوازها ، بل وجوبها أحياناً ، ومن ذلك الروايات التالية :
1 ـ أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن تُكتَب خطبته الشريفة عند فتح مكّة ، حين طلب رجل من أهل اليمن ـ (أبو شاه) ـ أن يكتبوا له الخطبة ، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله) : «اكتبوا لأبي شاه»(1).
2 ـ روى أبو رافع بن خديج ، قال : «قلتُ : يا رسول الله ، إنّا نسمعُ منك أشياء ، أفنكتبها؟ قال : اكتبوا ولا حرج»(2).
3 ـ عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : «كنتُ أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأريد حفظه ، فنهتني قريش ، وقالوا : تكتب كلَّ شيء تسمعه من رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ ورسول الله(صلى الله عليه وآله) بشر يتكلّم في الرضا والغضب!! قال : أمسكتُ ، فذكرتُ ذلك لرسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال : اكتب ، فوالذي نفسي
__________________
(1) صحيح البخاري 1 / 40 ـ 41.
(2) تقييد العلم :

بيده ما خرج منه إلاّ حقّ. وأشار بيده إلى فيه»(1).
4 ـ عبد الله بن عمرو بن العاص سأل النبيّ(صلى الله عليه وآله) : «يا رسول الله ، إنّا نسمع منك أشياءً لا نحفظها ، أفنكتبها؟ قال : بلى ، فاكتبوها»(2).
5 ـ عن أبي هريرة : «ما كان أحد أكثر حديثاً منّي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)إلاّ ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنّه كان يكتب ولم أكن أكتب»(3).
6 ـ عن أبي هريرة أيضاً قال : «كان رجلٌ من الأنصار يجلس إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيسمع من النبيّ(صلى الله عليه وآله) الحديث ، فيعجبه ولا يحفظه ، فشكا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فقال : يا رسول الله ، إنّي لأسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : (استعن بيمينك) وأشار بيده إلى الخطّ»(4).
7 ـ أخرج القندوزي الحنفي (ت 1270 هـ) عن (فرائد السمطين) للجويني الشافعي (ت 730 هـ) بسنده عن الإمام الباقر عليه‌السلام ، عن أبيه ، عن جدِّه أمير المؤمنين عليه‌السلام ، أنّه قال : «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : يا علىّ ، اكتب ما أُملي عليك.
قلتُ : يا رسول الله ، أتخاف عَلىَّ النسيان؟ قال : لا ، وقد دعوتُ اللهَ عزّ وجلّ أن يُحفِّظك ولا يُنَسِّيك ، ولكن اكتب لشركائك.
قلتُ : ومن شركائي يا نبىّ الله؟
__________________
(1) مسند أحمد : 2 / 162.
(2) تقييد العلم : 74.
(3) صحيح البخاري 1 / 36 باب كتابة العلم.
(4) سنن الترمذي 5 / 39 رقم 2666.

قال : الأئمّة من ولدك...»(1).
ومفهوم الرواية أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يكن يخش النسيان على علىّ عليه‌السلام ، بل كان يخشى على أمّته أن تترك أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام والعلم المودع فيهم ، وتذهب بها المذاهب ، فكتابة عليٍّ عليه‌السلام شهادة على صدق واقع النبوّة ، وتوثيق لصحّة المنبع وثرائه.
مصاديق الكتابة الحديثية :
وكان من أوائل من اهتمّ بحديث النبيِّ(صلى الله عليه وآله) بعد أمير المؤمنين أصحاب عليٍّ عليه‌السلام الذين يُطلق عليهم أحياناً بالأركان الأربعة. وهؤلاء خالفوا القوم في مسألة الخلافة ، ولم يأخذوا برخصة التقية ، بل تمسّكوا بولاية الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ظاهراً وباطناً ، سرّاً وجهراً. واتّفقت الأخبار على سلمان الفارسي(2) ، والمقداد بن الأسود(3) ، وجُندَب بن جُنادة (كنايته أبو ذر) (4). واختلف في الرابع : عمّار بن ياسر(5) ، أو حُذيفة بن اليمان العبسي(6).
فأبو ذر الغفاري له كتاب (الخطبة) ذكر فيه الأحداث التي حصلت بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله). ولسلمان كتاب (حديث الجاثليق) كما سيأتي في الفصل
__________________
(1) فرائد السمطين 2 / 259 ، باب 50 ح 527. ينابيع المودة 1 / 73 ح 8 باب 3.
(2) رجال الشيخ الطوسي : 65 ، رقم 586.
(3) رجال الشيخ الطوسي : 81 ، رقم 797.
(4) رجال الشيخ الطوسي : 59 ، رقم 496.
(5) رجال الشيخ الطوسي : 70 ، رقم 639.
(6) رجال الشيخ الطوسي : 60 ، رقم 511.

الثالث.
والباقون وإن لم يُعهَد منهم كتاب بعينه إلاّ أنّ اهتمامهم بولاية عليٍّ عليه‌السلام وتمسّكهم بها يدلّ على صدقهم وإيمانهم ، وصدق ما نقلوه دون خوف.
وإذا نظرنا إلى الحقائق بطبيعتها التكوينية وسياقها التأريخي لاحظنا أنّ سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) الصحيحة قد كُتبت وحُفظت عند أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام.
وقد ورد عن الإمام الحسن عليه‌السلام أنّه قال : «إنّ العلمَ فينا ، ونحن أهله ، وهو عندنا مجموعٌ كلّه بحذافيره ، وإنّه لا يحدث شيء إلى يوم القيامة حتّى أرش الخدش إلاّ وهو عندنا مكتوبٌ ، بإملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وخطِّ عليّ عليه‌السلام بيده»(1).
ولم تقتصر الكتابة على سيرة النبيّ(صلى الله عليه وآله) بل تعدّتها إلى سيرة أمير المؤمنين عليه‌السلام وشذرات من عبادته عليه‌السلام ، وكان ذلك مكتوباً في كتاب عليّ عليه‌السلام. فعن عبد الرحمن بن الحجّاج ، عن حفص بن البختري ، عن سلمة بيّاع السابري ، جميعاً ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «كان عليّ بن الحسين إذا أخذ كتابَ عليٍّ عليه‌السلام فنظر فيه قال : من يطيق هذا؟»(2). وإذا كان الإمام السجّاد عليه‌السلام وهو المعروف بطول السجود والعبادة والدعاء يتساءل من يطيق تلك العبادة ، فما بالك بمن هو أدنى منهم عليهم‌السلام.
والإمام عليّ الهادي عليه‌السلام أيضاً يُشير إلى ذلك ، كما في رواية أبي دعامة قال : «أتيت عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى عائداً في علّته التي كانت
__________________
(1) الاحتجاج للطبرسي : 155. بحار الأنوار 44 / 100.
(2) الكافي ، الروضة 8 / 163 ، رقم 172.

وفاته منها في هذه السنة ، فلمّا هممتُ بالانصراف قال لي : يا أبا دعامة قد وجب حقّك ، أفلا أحدّثك بحديث تُسَرُّ به.
فقلتُ له : ما أحوجني إلى ذلك يابن رسول الله.
قال عليه‌السلام : حدّثني أبي موسى بن جعفر ، قال : حدّثني أبي جعفر بن محمّد ، قال : حدّثني أبي ـ محمّد بن عليّ ، قال : حدّثني أبي عليّ بن الحسين ، قال : حدّثني أبي الحسين بن عليّ ، قال : حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب ، قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : أُكتبْ يا عليّ.
فقلتُ : ما أكتبْ؟
قال(صلى الله عليه وآله) : أُكتب : بسم الله الرحمن الرحيم. الإيمان ما وقرته القلوب ، وصدّقته الأعمال. الإسلام ما جرى به اللسان ، وحلّت به المناكح.
قال أبو دعامة : فقلتُ : يابن رسول الله ، ما أدري والله أيّهما أحسن ، الحديثُ أم الإسناد؟
فقال عليه‌السلام : إنّها لصحيفةٌ بخطِّ عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام بإملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، نتوارثها صاغراً عن كابر»(1).
إجماع فقهاء الشيعة على كتابة السنّة الشريفة :
أجمع فقهاء الشيعة على حتمية تدوين السنّة الشريفة امتثالاً لتعاليم أئمّتهم عليهم‌السلام ، فاصطبغت الثقافة الشيعية الموالية لأهل البيت عليهم‌السلام بصبغة التدوين وكتابة الأحاديث مباشرة في زمن المعصوم عليه‌السلام.
__________________
(1) مروج الذهب 5 / 82 ـ 83 ، رقم 3079.

وإلى ذلك أشار الشهيد الأوّل (ت 786 هـ) قائلاً : «مُحدثاتُ الأمور بعد عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله) : أوَّلها الواجبُ كتدوين القرآن والسنّة ، إذا خيف عليهما التفلّت من الصدور ، فإنّ التبليغ للقرون الآتية واجبٌ إجماعاً ، وللآية ، ولا يتمّ إلاّ بالحفظ»(1).
بينما بيّن الشهيد الثاني (ت 966 هـ) أهمّية التدوين في حفظ الدين ، فقال : إنّ «الكتابة من أجلّ المطالب الدينية ، وأكبر أسباب الملّة الحنيفية من الكتاب والسنّة ، وما يتبعهما من العلوم الشرعية ، وما يتوقّفان عليه من المعارف العقلية. وهي منقسمة في الأحكام حسب العلم المكتوب : فإنْ كان واجباً على الأعيان ، فهي كذلك ، حيث يتوقّفُ حفظه عليها ، وإنْ كان واجباً على الكفاية ، فهي كذلك ، وإنْ كان مستحبّاً ، فكتابته مستحبّةٌ»(2).
وبالإجمال ، فإنّ حفظ أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام للسنّة النبوية الشريفة منح فقهاء الشيعة زخماً عظيماً في التفاني من أجل حفظ الأحاديث الشريفة وصيانتها من التحريف والإضافات التي كانت شائعة في عصر حكم بني أمية وربّما حكّم بني العبّاس أيضاً.
وعندما تمّت كتابة الأحاديث الشريفة في كتب كبيرة وموسوعات حديثية برزت مشكلة جديدة ، وهي : كيف يمكن نقل العلم المدوّن فيها إلى الجيل الجديد من الطلبة؟ فكان السماع ، والقراءة ، والمكاتبة ، والمناولة.
__________________
(1) القواعد والفوائد ج 2 / 145 قاعدة 205.
(2) منية المريد في آداب المفيد والمستفيد : 339.

ب ـ الحديث الشريف من ناحية (علم الدراية) :
ويشمل : 1 ـ السماع والقراءة ، 2 ـ المكاتبة ، 3 ـ المناولة.
1 ـ السماع والقراءة :
وهي مرتّبة متأخّرة عن زمن النصّ ، وهي أقرب إلى نقل العلم الحديثي منه إلى نقل الحديث. فالسماع في علم الدراية هو : السماع من الشيخ من كتاب يقرأه على الأغلب ، وهو قسم من أنحاء تحمّل الحديث ؛ وهو «أرفع الطرق الواقعة في التحمّل عند جمهور المحدّثين ، لأنّ الشيخ أعرف بوجوه ضبط الحديث وتأديته ، ولأنّ السامع أربط جأشاً وأوعى قلباً ، وشغْل القلب وتوزّع الفكر إلى القارئ أسرع»(1).
وبلفظ آخر فإنّ «السماع من لفظ الشيخ سواء كان إملاءً أو تحديثاً من غير إملاء ، وسواء كان من حفظه أو من كتاب ، هو أعلا طرق التحمّل مرتبةً بينهم ، حتّى القراءة على الشيخ ، على المشهور...»(2).
وجوه السماع :
والسماع يتحقّق بوجوه ، هي :
1 ـ قراءة الشيخ من كتاب مصحَّح على خصوص الراوي عنه ، بأن يكون هو المخاطَب الملقى إليه الكلام.
__________________
(1) الرعاية في علم الدراية : 231 ـ 232.
(2) نهاية الدراية : 445.

2 ـ قراءة الشيخ من كتاب مصحَّح مع كون الراوي أحد المخاطَبين.
3 ـ قراءة الشيخ من كتاب مصحَّح مع كون الخطاب إلى غير الراوي عنه ، فيكون الراوي عنه مستمعاً أو سامعاً صرفاً»(1).
وجوه القراءة على الشيخ :
وهي قسمٌ من أنحاء تحمّل الحديث ، و«تسمّى عند أكثر قدماء المحدّثين بالعَرْض ، لأنّ القارئ يعرضه على الشيخ»(2). وللقراءة على الشيخ وجوه ، منها :
1 ـ قراءة الراوي على الشيخ من كتاب بيده ، وفي يد الشيخ أيضاً مثله مع الصحّة.
2 ـ قراءة الراوي على الشيخ من كتاب بيده ، والشيخ يستمع عن حفظه.
3 ـ قراءة الراوي لما يحفظه ، والأصل بيد الشيخ فيسمع.
4 ـ قراءة الراوي عن حفظه ، واستماع الشيخ أيضاً عن حفظه.
5 ـ قراءة الراوي عن كتاب بيده والأصل بيد ثقة غير الشيخ ، فيسمع الشيخ(3).
6 ـ قراءة غير الراوي من كتاب بيده لما يحفظه الراوي ، فيسمع
__________________
(1) مقباس الهداية 3 / 68.
(2) الرعاية في علم الدراية : 237.
(3) الرعاية في علم الدراية : 238.

الشيخ من كتاب بيده ، أو يسمع الشيخ حفظاً من دون أن يكون الأصل بيده(1).
وبالإجمال ، فإنّ السماع والقراءة طريقة من طرق تعلّم الحديث الشريف ، ونقله ، وتحمّله في عصر ما بعد النصّ. وغالباً ما يكون النقل بين الاستاذ وتلميذه.
2 ـ المكاتبة :
المكاتبة في (علم الدراية) قسمٌ من أنحاء تحمّل الحديث ، و«هي أن يكتب الشيخ مرويّه لغائب أو حاضر بخطّه ، أو يأذن لثقة يعرف خطّه يكتبه له ، أو مجهول ، ويكتب الشيخ بعده ما يدلّ على أمره بكتابته»(2).
وأعلى الإسناد إطلاقاً هو كتابة المعصوم عليه‌السلام أو توقيعه لحكم شرعيّ ، فهو «ما حكى كتابة المعصوم عليه‌السلام سواء كتبه ابتداء لبيان حكم أو غيره ، أو في مقام الجواب. وهل يختصّ بكون الكتابة بخطّه الشريف؟ ظاهر بعض العبائر وصريح آخر : الاختصاص ، والتعميم غير بعيد»(3).
وبتعبير آخر ، هو «أن يروي آخر طبقات إسناد الحديث عن توقيع المعصوم عليه‌السلام ، مكتوباً بخطّه عليه‌السلام المعلوم عنده جزماً ، وربّما تكون المكاتبة
__________________
(1) مقباس الهداية 3 / 85. وصول الأخيار : 132.
(2) الرعاية في علم الدراية : 287.
(3) توضيح المقال : 276. مقباس الهداية 1 / 283.

في بعض أوساط الإسناد بين الطبقات بعض عن بعض ، دون الطبقة الأخيرة عن المعصوم عليه‌السلام»(1).
مثلاً : ما رواه محمّد بن إسماعيل بن بزيغ ، قال : «كتبتُ إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا عليه‌السلام عن البئر تكون في المنزل للوضوء ، فيقطر فيها قطرات من بول أو دم ، أو يسقط فيها شيء من عذرة كالبعرة ونحوها ، ما الذي يطهّرها حتّى يحلّ الوضوء منها للصلاة؟ فوقّع عليه‌السلام بخطّه في كتابي : (ينزح دلاء منها)»(2).
والكتابة على نوعين :
الأوّل : مقرونة بالإجازة ، بأن يكتب إليه ويقول : أجزتُ لك ما كتبته لك.
الثاني : مجرّدة عن الإجازة.
3 ـ المناولة :
وهي قسمٌ من أنحاء تحمّل الحديث ، وهي «أن يدفع الشيخ مكتوباً فيه خبر أو أخبار ـ أصلاً كان أو كتاباً له أو لغيره ـ إلى راو معيّن ، أو إلى جماعة ، أو يبعثه إليه أو إليهم برسول ، بل يمكن في المعدوم بأن يوصي
__________________
(1) الرواشح السماوية : 164 الراشحة السابعة والثلاثون.
(2) وسائل الشيعة 1 / 130.

بالدفع إليه ، كلّ ذلك مع تصريح أو غيره ، بما يفيد أنّه روايته وسماعه»(1).
والدليل في ذلك الرواية التالية : «عن أحمد بن عمر الحلاّل ، قال : قلتُ لأبي الحسن الرضا عليه‌السلام : الرجل ـ من أصحابنا ـ يعطيني الكتاب ، ولا يقول : اروه عنّي ، يجوز لي أن أرويه عنه ؟ قال : فقال : إذا علمت أنّ الكتاب له فاروه عنه»(2) وهي على نوعين أيضاً :
الأوّل : مقرونة بالإجازة. «وهي أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق ، حتّى أنكر بعضهم إفرادها عنها لرجوعها إليها ، وإنّما يفترقان في أنّ المناولة تفتقر إلى مشافهة المجيز للمجاز له وحضوره دون الإجازة ، وقيل : إنّها أخصّ من الإجازة ، لأنّها إجازة مخصوصة في كتاب بعينه بخلاف الإجازة»(3).
الثاني : مجرّدة عن الإجازة. فعندما يناول الشيخ غيرَه «كتاباً يقول له : (هذا سماعي أو روايتي) ، مقتصراً عليه ، أي : من غير أن يقول : (اروه عنّي) ، أو (أجزتُ لك روايته عنّي)»(4) ، فهذه مناولة مجرّدة عن الإجازة.
الفارق بين المشافهة والكتابة والسماع :
1 ـ إنّ السماع هو السماع من كتاب يقرأه الشيخ ، بينما المشافهة هي
__________________
(1) مقباس الهداية 3 / 135.
(2) أصول الكافي 1 / 102 ـ 103 ح 6.
(3) الرعاية في علم الدراية : 278.
(4) مقباس الهداية 3 / 136.

السماع عن المعصوم عليه‌السلام مباشرة ، ونقل الحديث الذي سمعه الراوي عنه عليه‌السلام. والكتابة تدوين النصوص الشريفة مباشرة عنه عليه‌السلام.
2 ـ إنّ الثقافة الشفهية يمكن أن تشجّع الراوي ـ أحياناً ـ علىالتلاعب بالنصوص كالتدليس مثلاً من أجل إرضاء المخاطَبين ، أو أن يكون مصيرها الاندثار بسبب النسيان ، أو أن يكون مصيرها التحريف والتزوير ، بينما تصون الثقافة المكتوبة مادّة الكتابة ، ومن هنا جاء التأكيد من النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام على كتابة الأحاديث الشريفة ، خوفاً من الضياع أو الاندثار.
3 ـ إنّ القاسم المشترك في نقل الحديث أربعة أعضاء : الفم وما ينطقه ، والسمع وما يصل إليه ، واليمين وما تخطّه ، والقلب وما يعيه.
فكان لابدّ للراوي من قلب واع ، وتقوى ، وصدق ، حتّى يستطيع إنجاز عملية نقل الحديث بأمانة ، وكان لابدّ له من يمين صادقة تخطّ ما سمعته أذنه ووعاه قلبه.
وبكلمة ، فإنّ المشافهة ، والكتابة ، والسماع ـ على اختلاف أساليبها ـ تصبُّ في مجرىً واحد وهو نقل الحديث الشريف من منبعه الطاهر إلى أجيال الناس على اختلاف درجات علمهم وتديّنهم.
الكتابة عند مذاهب العامّة :
ومع أنّ تعليمات النبيّ(صلى الله عليه وآله) كانت واضحة وجليّة في ضرورة كتابة

الحديث النبويّ ، إلاّ أنّ القوم خالفوا ذلك خلال قرن كامل ، وأصرّوا على عدم كتابة الحديث بدعوى عدم اختلاطه بالقرآن الكريم!
فقد عُطّل تدوين السنّة النبوية الشريفة عند العامّة قرناً كاملا من الزمان ، «فالإجماع قائمٌ على أنّه ليس لعلماء العامّة في العصر الأوّل تأليفٌ ، خاصّةً في علم الحديث»(1).
والظاهر أنّ كتابة الحديث بدأت في القرن الثاني الهجري. قال الخطيب البغدادي : إنّ عمر بن عبد العزيز الأمويّ (ت 101 هـ) أرسل إلى أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حَزْم الأنصاري الخزرجي قاضي المدينة (ت 120 هـ) قائلاً : انظر ما كان من حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) فاكتبه ، فإنّي قد خشيتُ دروس العلم وذهاب العلماء(2). وكتب إلى مرّة بن كثير يأمره بذلك(3). وأمر ابن شهاب الزهري بتدوين الحديث(4).
قال ابن حجر : «إنّ أوّل من جمع الحديث ودوّنه بمكّة ابن جريج (ت 150 هـ) ، وفي المدينة ابن إسحاق (ت 151 هـ) ، وفي البصرة حمّاد بن سلمة (ت 157 هـ) ، وفي واسط هشيم بن بشير السلمي (ت 183 هـ) ، وفي اليمن مُعَمَّر (ت153 هـ) ، وفي الريّ جرير بن عبد الحميد الضبّي (ت 188 هـ) ، وفي خراسان عبد الله بن المبارك (ت 181 هـ)»(5).
__________________
(1) المراجعات ، المراجعة رقم 110.
(2) تقييد العلم : 106.
(3) الطبقات الكبرى 7 / 447.
(4) جامع بيان العلم وفضله 1 / 76.
(5) مقدّمة فتح الباري.

وفي القرن الثالث الهجري كتبت المصادر الحديثية الرئيسية عند السنّة ، وهي صحيح البخاري (ت 256 هـ) ، وصحيح مسلم (ت 261 هـ) ، وسنن ابن ماجة (ت 273 هـ) ، وسنن أبي داود السجستاني (ت 275 هـ) ، وسنن الترمذي (ت 279 هـ) ، ومجتبى النّسائي (ت 303 هـ) ، بينما كان عصر النصّ لا زال مستمرّاً عند مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام.
قال ابن الصلاح : «إنّ الأحاديث التي قد صحّت أو وقفت بين الصحّة والسقم قد دوّنت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمّة الحديث ، ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم وإن جاز أن يذهب على بعضهم ، لضمان صاحب الشريعة حفظها. قال البيهقي : فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه ، ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته ولا يوجد عند جميعهم ليقبل منه ، ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته ، والحجّة قائمة بحديثه برواة غيره ، والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلاً بـ : حدّثنا ، وأخبرنا ، ونظائرهما ، وتبقى هذه الكرامة التي خُصّتْ بها هذه الأمّة شرفاً لنبيّنا(صلى الله عليه وآله)»(1).
وقول ابن الصلاح (عثمان بن عبد الرحمن الشافعي) (ت643 هـ) ينطبق تماماً على الأحاديث النبوية من طرق أهل البيت عليهم‌السلام.
تعليمات أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام :
وضع أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام الضوابط الشرعية في نقل الحديث الشريف
__________________
(1) مقدّمة ابن الصلاح : 237.

وتحمّله عبر الآليّات التالية :
1 ـ سند الحديث : عن هشام بن سالم وحمّاد بن عثمان وغيرهما ، قالوا : سمعنا أبا عبد الله الصادق عليه‌السلام يقول : «حديثي حديثُ أبي ، وحديثُ أبي حديث جدّي ، وحديثُ جدّي حديث الحسين ، وحديثُ الحسين حديث الحسن ، وحديثُ الحسن حديث أمير المؤمنين عليهم السلام ، وحديثُ أمير المؤمنين حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وحديثُ رسول الله قول الله عزّ وجلّ»(1). فالأصل هو حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) ينقله أئمّة أهل البيت الأطهار الصادقين عليهم‌السلام.
وعلى مستوى الرواة ، ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام : «قال أمير المؤمنين عليه السلام : إذا حدّثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدّثكم فإن كان حقّاً فلكم ، وإن كان كذباً فعليه»(2).
2 ـ ضبط الحديث : سئل الإمام الصادق عليه‌السلام عن قوله تعالى : (الّذِيْنَ يَسْتَمِعُوْنَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُوْنَ أَحْسَنَه) (3) ، فقال عليه‌السلام : «هو الرجل يسمع الحديث فيحدّث به كما سمعه ، لا يزيد فيه ولا ينقص منه»(4).
3 ـ عدم التدليس : عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، قال : «إيّاكم والكذب المفترع ، قيل له : وما الكذب المفترع؟ قال عليه‌السلام : أن يحدّثك الرجل
__________________
(1) أصول الكافي 1 / 103 ـ 104 ح 14.
(2) أصول الكافي 1 / 103 ح7.
(3) الزمر : 18.
(4) أصول الكافي 1 / 102 ح 1.

بالحديث فتتركه وترويه عن الذي حدّثك به»(1).
شرحه العلاّمة المجلسي (ت 1111 هـ) بالقول : «قيل : يريد أن يرفع حديثه بإسقاط الواسطة ، أو المراد به الكذب الذي يزيل عن الراوي ما يوجب قبول روايته»(2).
4 ـ علوّ الإسناد : قال الإمام الصادق عليه‌السلام لجميل بن درّاج : «ما سمعت منّي فاروه عن أبي»(3).
قال العلاّمة المجلسي (ت 1111 هـ) شارحاً الحديث ، مبيّناً أنّ حديثهم عليهم‌السلام يدلّ على دلالات :
«منها : أنّ كلامهم عليهم‌السلام واحد.
ومنها : التقية ، لأنّ ذلك أبعد عن الشهرة التي تؤدّي إلى المؤاخذة.
ومنها : أنّ علوّ الإسناد وقربه من الرسول(صلى الله عليه وآله) ممّا له رجحان عند الناس في قبول الرواية ، خصوصاً عند اختلافها مع غيرها من الروايات.
ومنها : التحرّز عن إيهام الكذب فيما إذا سُمع من الأب شيء ، ثم سُمِعَ بخصوصه من الابن من غير نسبة إلى أبيه عليه‌السلام.
والمعنى : أنّ المسموع من أبي أحبُّ إلىَّ من روايته عنّي ، للوجوه المذكورة»(4).
__________________
(1) أصول الكافي 1 / 103 ـ 104 ح 12.
(2) مرآة العقول 1 / 181 شرح الحديث الثاني عشر.
(3) أصول الكافي 1 / 102 ح 4.
(4) مرآة العقول 1 / 176 شرح الحديث الرابع.

خاتمة الفصل :
وتلك تعليمات أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام التزم بها علماؤنا الأعلام ، بل بذلوا الغالي والنفيس من أجل صيانة تلك الأحاديث والحفاظ على منبعها الطاهر. والذي نركّز عليه في هذا البحث هو صيانة الحديث عند الشيعة الإمامية ، وثرائه وصحّة منبعه ، وعلاقته بعلم الدراية وما انبثق عنه من علوم ، كعلم الإجازة ، وفقه الحديث.

الفصل الثاني
في المصطلح الحديثي وإشكالاته
التعريف والاصطلاحات العامّة :
لابدّ قبل بحث مشاكل المصطلح الحديثي من عرض تعريف علم الدراية ، والاصطلاحات الواردة فيه.
علم دراية الحديث :
علم يبحث عن الحديث النبويِّ الشريف من زاوية السلسلة التي تربط الرواة إتصالاً أو إنقطاعاً ، إسناداً أو إرسالاً ، عنعنة أو سلسلة.... الخ. أو كما يقول الشيخ آقا بزرك الطهراني (ت 1389 هـ) : «العلم الباحث فيه عن الأحوال والعوارض اللاحقة لسند الحديث ، أي الطريق إلى متنه ، فذلك الطريق يتألّف من عدّة أشخاص مرتّبين في التناقل يتلقّى الأوّل منهم متن الحديث عمّن يرويه به له ، ثمّ ينقله عنه لمن بعده حتّى يصل المتن إلينا بذلك الطريق ، والسند المرتبط بهؤلاء الناقلين يتعرّض لحالات مختلفة مؤثّرة في اعتباره أو عدم اعتباره مثل كونه متّصلاً ومنقطعاً ، مسنداً ومرسلاً ، معنعناً ومسلسلاً ، عالياً وقريباً ، صحيحاً وحسناً ، موثّقاً وضعيفاً ، إلى غير

ذلك من العوارض التي لها مدخلية في اعتبار السند وعدمه. فعلم دراية الحديث كافل للبحث عن تلك العوارض ، أيّ إنّ علم الدراية يبحث عن أحوال السند ذاته»(1).
والدراية لغةً بمعنى العلم ، قال الله سبحانه وتعالى : (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدَاً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْض تَمُوْتُ إِنّ اللهَ عَلِيْمٌ خَبِيْرٌ) (2). وقال سبحانه : (... مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيْمَانُ) (3).
وبكلمة ، فإنّ علم الرجال يبحث في رواة الحديث وسيرتهم وأحوالهم. بينما يبحث علم الدراية عن كلّ ما يتعلّق بعلم الحديث من حيث السند والمتن.
اصطلاحات علم الدراية :
أمّا مفاتيح هذا العلم فتكمن في اصطلاحات مهمّة نعرض لها :
المتن ، في اللغة : صلب الأرض وصلب الظهر ونحوها ، وفي الاصطلاح : «متن الحديث هو لفظه الذي يتقوم به المعنى»(4).
__________________
(1) الذريعة 8 / 54.
(2) لقمان : 34.
(3) الشورى : 52.
(4) مقباس الهداية 1 / 50.

السند : طريق المتن. قال في تاج العروس : «والسند معتمد الإنسان كالمستند ، وهو مجاز»(1). فسُمّي «الطريق سنداً لاعتماد العلماء في صحّة الحديث وضعفه عليه»(2).
الخبر : وهو لغةً : مطلق ما يُخبَر به من الأخبار. وهو أعمّ من النبأ الذي هو الخبر المقيّد بكونه يبلّغ عن أمر عظيم أو خطير ، كما قيّده به الراغب(3). والخبر مرادف للحديث في اصطلاح المحدّثين.
وفي تاج العروس : «إنّ أعلام اللغة والاصطلاح قالوا : إنّ الخبر عرفاً ولغةً : ما ينقل عن الغير ، وزاد فيه أهل العربية : واحتمل الصدق والكذب لذاته. والمحدّثون استعملوه بمعنى الحديث»(4).
الحديث : كلامٌ يحكي قول المعصوم عليه‌السلام أو فعله أو تقريره. وفي ضوء ذلك ينقسم إلى صحيح أو ما يقابل الصحيح.
السنّة : مطلق قول المعصوم عليه‌السلام أو فعله أو تقريره. قال المحقّق المامقاني (ت 1351 هـ) : «والأجود تعريف السنّة بأنّه : قول من لا يجوز عليه الكذب والخطأ وفعله وتقريره ، غير قرآن ولا عادي. وما يحكي أحد الثلاثة يسمّى خبراً وحديثاً»(5).
__________________
(1) تاج العروس 2 / 381.
(2) مقباس الهداية 1 / 50 ـ 51.
(3) المفردات : 481.
(4) تاج العروس 3 / 166.
(5) مقباس الهداية 1 / 69.

علم رجال الحديث :
علم يبحث عن الأحوال الشخصية للرواة كصفات المدح والذمّ. قال المحقّق آقا بزرك الطهراني (ت 1389 هـ) في تعريفه : «البحث عن الأحوال الشخصية التي تعرض لأجزاء السند واعضائه ، أي الأشخاص المرتّبين في التناقل المعبّر عنهم بالرواة ، والمزايا الموجودة في كلِّ منهم من المدح والذمّ ، وغير ذلك ممّا لها الدخل في جواز القبول عنه وعدمه»(1).
علم فقه الحديث :
وموضوعه متن الحديث خاصّة ، فيبحث فيه في شرح لغته وبيان حالاته من كونه نصّاً أو ظاهراً ، عامّاً أو خاصّاً ، مطلقاً أو مقيّداً ، مجملاً أو مبيّناً ، معارضاً أو غير معارض.
إجازة الحديث :
الإذن الصادر من المجيز في رواية الحديث عنه بعد الإخبار إجمالاً عن مرويّاته. وتشتمل الإجازة على طبقات المشايخ طبقة بعد طبقة حتّى ينتهي الإسناد إلى المعصوم عليه‌السلام.
مشاكل المصطلح الحديثي :
بعد أن عرضنا مفاتيح علم الحديث والدراية ، نبحث المشاكل التي
__________________
(1) الذريعة 8 / 54.

مرّت بالمصطلحات الحديثية.
فقد تعرّضت مصطلحات الدراية إلى فهم متباين وآراء متعدّدة بين الفقهاء ، إلى أن استقرّ بها المقام بالشكل الذي نستخدمه اليوم. ولاشكّ أنّ تطوّر البحوث العلمية الدؤوبة التي بذل الفقهاء مهجهم فيها وأغنت علم الدراية إلى حدٍّ كبير كانت تقتضي أن تتطوّر اصطلاحات ذلك العلم أيضاً ، فكان على المتأخّرين أن يواكبوا تطوّر المصطلحات أو أن يكون لهم رأي اجتهادي في ذلك.
وفيما يلي نماذج من الاصطلاحات التي ثار حولها نقاشٌ علمىٌ محتدمٌ في طول التأريخ الروائي ، وهي : 1 ـ مصطلح (أسند عنه). 2 ـ مصطلح (الأثر) 3 ـ مصطلح (ثَبَتْ) 4 ـ مصطلح (صحيح الحديث) 5 ـ مصطلح (القوي).
1 ـ مصطلح (أسند عنه) :
ورد اصطلاح (أسند عنه) في كتاب رجال الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) ، و«لم يستعمل هذا الوصف إلاّ الشيخ (رضوان الله عليه) في كتاب (الرجال) خاصّة دون فهرسته ، ولم يقع ذلك من غيره إلاّ تبعاً منه ، وقد وقع وصفاً في ترجمة (344) نفراً»(1). وقد أثيرت حول هذا الاصطلاح مشكلتان :
الأولى : هل أُريد منه صيغة المجهول أو صيغة المعلوم؟
__________________
(1) فوائد الوحيد : 31.

الثانية : إلى من يعود ضمير تلك الصيغة؟
اختلف الفقهاء في قرائته ومعناه على أقوال :
أ ـ بصيغة المجهول :
قال الوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ) : «قرأ التقيّ المجلسي (ت 111 هـ) بالمجهول وقال : المراد أنّه روى عن صاحب الترجمة الشيوخ ، واعتمدوا عليه ، وهو كالتوثيق. قوله رحمه‌الله : (وهو كالتوثيق) لا يخلو من تأمّل ، نعم ربّما يستفاد منه مدح وقوّة»(1).
وقُرىء بصيغة المجهول «وربّما يقال بإيمائه إلى عدم الوثوق»(2).
وآمن السيّد بحر العلوم (ت 1212 هـ) بقرائته «بصيغة المجهول ، والمراد به : تلقي الحديث من الراوي سماعاً مقابلة الأخذ من الكتاب»(3).
وكذلك الشيخ الكلباسي (ت 1356 هـ) قال : «بصيغة المجهول ، والمراد به : أنّه روى عنه الحديث مسنداً إلى الغير وأسند الحديث عنه وبواسطته إلى الغير ، جنحَ إليه الفاضل النراقي في العوائد»(4).
ب ـ بصيغة المعلوم :
قال بها مجموعة من الفقهاء ، إلاّ أنّهم اختلفوا في الفاعل وعمّن روى ، فمرّة عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، وأخرى عن ابن عقدة ، وثالثة عن الإمام
__________________
(1) فوائد الوحيد : 31.
(2) فوائد الوحيد : 31.
(3) رجال السيّد بحر العلوم 3 / 284 ـ 285.
(4) سماء المقال 2 / 175.

صاحب الترجمة.
1 ـ عن الإمام الصادق عليه‌السلام :
قال الداماد (ت 1041 هـ) : «بصيغة المعلوم ، ومعناه أنّ الراوي روى بالإسناد عن مولانا الصادق عليه‌السلام ، أي بالنقل والواسطة»(1).
وقال الشيخ الكلباسي (ت 1356هـ) : «قيل : بصيغة المعلوم ، والمراد أنّ الراوي روى عن مولانا الصادق عليه‌السلام دون غيره من الأئمّة والرواة»(2).
2 ـ عن ابن عقدة (ت 333هـ) :
قال في (منتهى المقال) : «قيل : بصيغة المعلوم ، والضمير للراوي إلاّ أنّ فاعل أسند (ابن عقدة) فيكون المراد : أخبر عنه ابن عقدة»(3).
وفي (نهاية الدراية) اعتقد السيّد حسن الصدر العاملي (ت 1354هـ) بأنّه : «بصيغة المعلوم ، وفاعل أسند (ابن عقدة) والضمير يرجع إلى صاحب الترجمة ، ومعناه أنّ ابن عقدة يروي عن ذلك الرجل بإسناد متّصل ، فعلى هذا هو أجنبي عن ألفاظ المدح والذّم»(4).
3 ـ عن الإمام عليه‌السلام صاحب الترجمة :
في (منتهى المقال) قال : «قرأ المحقّق الشيخ محمّد : أسند بالمعلوم ، وردّ الضمير إلى الإمام الذي صاحب الترجمة من أصحابه ، وكذا الفاضل
__________________
(1) الرواشح السماوية : 63 ـ 65.
(2) سماء المقال 2 / 172.
(3) منتهى المقال 1 / 76 ، وسماء المقال 2 / 173 ـ 174.
(4) نهاية الدراية : 400 ـ 402.

الشيخ عبد النبيّ في (الحاوي)»(1).
ج ـ غموض المعنى : أمّا السيّد الخوئي (ت 1413هـ) فقد اختلف مع من سبقه ، وقال بوضوح أنّه : «لا يكاد يظهر معنى صحيح لهذه الجملة في كلام الشيخ قدس‌سره في هذه الموارد ، وهو أعلمُ بمراده»(2).
والتحقيق : إنّ المشكلة الأساسية في مصطلح (أسند عنه) هو صعوبة إيجاد الدليل الظنّي الحاكم بأنّ هذا المصطلح إنّما عُني به بصيغة المجهول أو بصيغة المعلوم ، فليس هناك دليل قطعيٌّ يكشف عن مراد الشيخ الطوسي في استخدامه لذلك الاصطلاح ، ومن نسَبَ الإسناد إلى المعصوم عليه‌السلام أو إلى ابن عقدة ، فإنّما نسبه مجرّداً عن الدليل ، فيبقى هذا الإشكال قائماً ، ويكون رأي السيّد الخوئي قدس‌سره هو الأقرب إلى الواقع.
2 ـ مصطلح (الأثر) :
خاض مصطلح (الأثر) صراعاً غير يسير من أجل تعريف شخصيّته وتثبيت معناه ، وفي ذلك أقوال :
أ ـ الأثر أعمّ من الخبر والحديث :
ساق الشهيد الثاني (ت 966هـ) في نقاشه لمعنى (الأثر) ثلاثة أقوال ،
__________________
(1) منتهى المقال 1 / 73.
(2) معجم رجال الحديث 1 / 108.

فقال : «إنّ الأثر هو أعمّ من الخبر والحديث ، فيقال لكلّ منهما أثر بأيّ معنى اُعتبر ، وقيل : إنّ الأثر مساو للخبر ، وقيل : الأثر ما جاء عن الصحابي ، والحديث ما جاء عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، والخبر أعمّ منهما»(1).
والظاهر أنّ الشهيد الثاني اعتقد بالرأي الأوّل وهو أن الأثر أعمّ من الخبر والحديث ، وقد أيّده في ذلك الشيخ المامقاني (ت 1351هـ) ، فقال في (مقباس الهداية) : «هذا القول أشبه الأقوال في معنى الأثر»(2).
ب ـ الأثر يرادف الحديث :
إلاّ أنّ الشيخ البهائي (ت 1030هـ) في (الوجيزة) ، والسيّد حسن الصدر العاملي (ت 1354هـ) في (نهاية الدراية) ، عارضا التعميم الآنف الذكر ، وقالا : بأنّ «الأثر يرادف الحديث»(3) ، وأكّده الشيخ الطريحي (ت 1085هـ) في (جامع المقال) ، فقال : «الأثر يرادف الحديث في الأكثر ، وربّما خُصَّ بما جاء من غير المعصوم»(4).
ج ـ الأثر ما جاء عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام :
واصطلاح (الأثر) عند المتأخّرين على الأغلب هو ما جاء عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، وهذا ما اعتقده الداماد (ت 1041هـ) في (الرواشح السماوية) ، فقال مفصِّلاً : «الأثر في الأشهر الأعرف أعمّ من أن يكون قول
__________________
(1) الرعاية في علم الدراية : 50.
(2) مقباس الهداية 1 / 65.
(3) الوجيزة : 4 ، ونهاية الدراية : 82.
(4) جامع المقال : 1.

النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، أو الإمام عليه‌السلام ، أو الصحابي ، أو التابعي. وفي معناه : فعلهم وتقريرهم.
ومنهم من يقول : (الأثر ما جاء عن الإمام عليه‌السلام أو الصحابي).
وفي أصحابنا ـ رضوان الله عليهم ـ من يؤثر هذا الاصطلاح ، ويخصّ الأثر بما عن الأئمّة عليهم‌السلام. والمحقّق نجم الدين بن سعيد في مصنَّفاته الإستدلالية كثيراً ما يسير ذلك المسير ، وأمّا رئيس المحدّثين (رضوان الله تعالى عليه) فقد عنى بالآثار الصحيحة : أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأوصيائه الصادقين عليهم‌السلام»(1).
والنتيجة : أنّ (الأثر) مصطلح عامٌّ أريد به عموم الأخبار عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أو أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام أو الصحابة أو التابعين ، أو أعمّ من كلِّ ذلك ، وليست هناك ضابطة عقلية أو شرعية تحدّد معنى هذا المصطلح.
3 ـ مصطلح (ثَبَتْ) :
واختلف الفقهاء في معنى هذا المصطلح ، هل يفيد التوثيق أو المدح فقط؟ وفي ذلك آراء ، منها :
أ ـ يفيد المدح دون التوثيق :
قال الشهيد الثاني (ت 966هـ) : بأنّه «يفيد المدح دون التوثيق ، لأنّه
__________________
(1) الرواشح السماوية : 37 ـ 38.

قد يجامع الضعف ، وإن كان من صفات الكمال»(1). وعلى نفس الخطّ الفكري قال الشيخ حسين بن عبد الصمد (ت 984هـ) : «إذا انفرد لا يدلّ على التوثيق ، لكن يدخل حديث الراوي المتّصف به في قسم الحسن»(2) ، وكذلك المقدّس الكاظمي (ت 1227هـ) قال : إنّه «من ألفاظ المدح»(3).
ب ـ ربّما يفيد التوثيق :
قال في (سماء المقال) : «استعمل في معان : 1 ـ الحجّة والبيّنة ، 2 ـ الثقة ، 3 ـ العادل الإمامي الضابط»(4) ، وأيّده المحقّق الداماد (ت 1041هـ) قائلاً : إنّه «من ألفاظ التوثيق والمدح»(5).
ج ـ المعتَمد في النقل :
قال المحقّق الداماد (ت 1041هـ) أيضاً : «المراد به : أنّه المعتمد في النقل»(6). وهو أقرب إلى مصطلح (الثقة).
والثَبَتْ «هي صفة مشبّهة دالّة على ثبوت التثبّت في الحديث ودوامه ،
__________________
(1) الرعاية في علم الدراية : 204 ، 206.
(2) وصول الأخيار : 192.
(3) عدة الرجال 1 / 122.
(4) سماء المقال 2 / 184 ـ 185.
(5) الرواشح السماوية : 60 الراشحة الثانية عشر.
(6) سماء المقال 2.

أو في جميع أموره»(1).
والنتيجة : أنّ هناك رأيين لتفسير مصطلح (ثَبَت) : الأوّل : يفيد المدح ، وهو بدرجة أقلّ من التوثيق. والثاني : يفيد التوثيق. فتبقى المشكلة ـ المترتّبة على الأخذ برأي دون آخر دون دليل قطعي ـ قائمةً.
4 ـ مصطلح (صحيح الحديث) :
وواجه مصطلح (صحيح الحديث) نقاشاً محوره الدلالة على التعديل ، فهل يدلّ (صحيح الحديث) على التعديل أو التوثيق أو لا يدلّ عليهما؟ وفي ذلك آراء :
أ ـ يدلّ على التعديل :
وبه قال الشهيد الثاني (ت 966هـ) : صحيح الحديث «من ألفاظ التعديل ، فإنّه يقتضي كونه ثقةً ضابطاً ، ففيه زيادة تزكية»(2).
وأيّده المحقّق الداماد (ت 1041هـ) وقال : «من ألفاظ التوثيق والمدح»(3).
ب ـ لا يدلّ على التعديل :
إلاّ أنّ الشيخ الطريحي (ت 1085هـ) عارض ذلك ، وقال : «ليس
__________________
(1) تكملة الرجال 1 / 47.
(2) الرعاية في علم الدراية : 204.
(3) الرواشح السماوية : 60. الراشحة الثانية عشر.

بصالح للتعديل إلاّ ممّن عهد منه الإصطلاح الجديد ، أمّا من لم يعهد منه ذلك فلا ، على ما لا يخفى»(1).
وسار الوحيد البهبهاني (ت 1206هـ) على نفس الرأي ، فقال : «لا يدلّ على تعديل الراوي ، لأنّ منشأ الوثوق عند القدماء أعمّ من كون الراوي من الثقات أو أمارات أخر. نعم هو مدحٌ»(2).
ونفس الرأي في (توضيح المقال) ، قال : «لا ريب في إفادته مدح الراوي في روايته مدحاً كاملاً بل في نفسه ، وهل يفيد وثاقته أيضاً أم لا ؟ والذي يظهر أنّه في عبائر القدماء أضعف من قولهم (ثقة في الحديث).... العبارة المذكورة لا تفيد الوثاقة ، لا فيمن وردت في حقّه ،ولا فيمن روى هو عنه»(3).
ج ـ يدلّ على الصدق والضبط :
قال المقدّس الكاظمي (ت 1227هـ) في (عدّة الرجال) : «لقائلٌ أن يقول : أقصاه الصدق والضبط ، وهما لا يستلزمان الوثاقة المأخوذ فيها الإيمان ، بل ربّما قضت الإضافة بإختصاص المدح بالحديث دون المحدّث»(4).
وأيّده السيّد حسن الصدر العاملي (ت 1354هـ) قائلاً : «إنّما يعدُّ
__________________
(1) جامع المقال : 26.
(2) فوائد الوحيد : 27 ـ 28.
(3) توضيح المقال : 199 ـ 200.
(4) عدة الرجال 1 / 118.

حديث المحدّث صحيحاً في نفسه ، ويتلقّى منه بالقبول إذا كان ثقة ، والصدوق الضابط غير الإمامي لا يصفونه المتقدّمون بصحيح الحديث ، بل بمقبول الحديث ، فتأمّل. هذا وربّما يقال : الإضافة تقضي باختصاص المدح بالحديث دون المحدّث»(1).
5 ـ مصطلح (القويّ) :
وهذا المصطلح أقرب إلى (الموّثق) في تقسيم الحديث ، بحيث قال الشهيد الثاني (ت 966هـ) : «يقال للموثّق القويّ أيضاً»(2) ، لكن المحقّق المامقاني (ت 1351هـ) اعترض على ذلك وقال : «تسمية الموثّق قويّاً وإن كان صحيحاً لغةً إلاّ أنّه خلاف الإصطلاح»(3). وهكذا قبله رأى الشيخ حسين بن عبد الصمد (ت 984هـ) أنّه : «قد يراد بالقويّ مروىّ الإمامي غير الممدوح ولا المذموم ، أو مرويّ المشهور في التقدّم غير الموثّق»(4).
واستعملت كلمة (القويّ) في وصف الحديث بصفات رواته ، بدرجة الموثّق والحسن والصحيح :
أ ـ القوىّ كالموثّق : و«هو ما كان بعض رواته مسكوتاً عن مدحه وذمّه ، وواقعاً بعد من يقال في حقّه : (أجمعت العصابة) وكان الباقي ثقة ، وكان بعض الثقات غير إماميّ ، وكان بعضٌ من غير الإماميّ ممدوحاً بمدح
__________________
(1) نهاية الدراية : 398.
(2) الرعاية في علم الدراية : 84.
(3) مقباس الهداية 1 / 171.
(4) وصول الأخيار : 98.

يكون تالياً للوثاقة ، وكان الباقي ثقة»(1).
ب ـ القويّ كالحسن : و«هو ما يكون كلّ واحد من رواة سلسلته إماميّاً ، وكان الكلّ أو البعض مع وثاقة الباقي أو نحوها ممدوحاً بمدح يكون تالياً لمرتبة الحسن ، أو ما أدعىَّ العلم العادي بكونه من المعصوم عليه‌السلام»(2).
ج ـ القوىّ كالصحيح : و«هو ما يكون كلّ واحد من رواته إماميّين ، ويكون البعض مسكوتاً عن المدح والذمّ ، أو ممدوحاً بمدح غير بالغ إلى حدّ الحسن ، وكان واقعاً في الذكر بعد الثقات ، وبعد من يقال في حقّه : (أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحُّ عنه) على قول»(3).
خاتمة الفصل :
ومع أنّ أغلب اصطلاحات علم دراية الحديث متفقٌ على حدود تعريفها ، وكنه معناها بين الفقهاء ، إلاّ أنّ عدداً من المصطلحات الحديثية المهمّة لا تزال موضعاً للنقاش حول معناها وما أراد الفقهاء المتقدّمون منها بالضبط ، فلا تزال مصطلحات : القويّ ، وصحيح الحديث ، والثبت ، والأثر ، ومن أسند عنه موضع نقاش وبحث ، وتلك هي جزء من التحدّيات العلمية التي تواجه بحوث علم دراية الحديث اليوم.
__________________
(1) مقباس الهداية 1 / 177.
(2) مقباس الهداية 1 / 176.
(3) مقباس الهداية 1 / 176.

الفصل الثالث
المدارس الحديثية في التاريخ الإمامي
مقدّمة :
بعد أن كُتبت الأصول الأربعمائة ، ثمّ تلتها المجاميع الحديثية الكبرى ، اتّجه العرف العلمي الإمامي إلى تنشيط البحث العلمي حول رواة الحديث وسيرتهم ، ثمّ كلّ ما يتعلّق بعلم الحديث من حيث السند والمتن ، وهذا هو جوهر علم الدراية. فصُنّفت المصنّفات العلمية التي حاولت وضع الضوابط الخاصّة بالأخذ بالحديث الصحيح أو الحسن أو الموثّق وتشخيص الضعيف والمهمل.
وفي البداية كان الحديث الشريف قد كُتب زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله) عن طريق أهل البيت عليهم‌السلام ، ولم تكن بالطبع حاجة حينئذ إلى علم الدراية ، ولكن عندما طوت العصور صحفها ، وتقدّم الزمن ، ظهرت الحاجة إلى معرفة سلسلة الإسناد ، ومطابقة المتن للأصول العامّة للدين ، فبدأت الدراسات العلمية لعلم الدراية والحديث ، ومنهجنا أن نضع ذلك الفيض العلمي لعلمائنا الأبرار على شكل مدارس ، لكلّ مدرسة قرن كامل من الزمان.

مدرسة القرن الأوّل الهجري :
تشير الدلائل التاريخية إلى أنّ أوّل من كتب حديث النبي(صلى الله عليه وآله) هو عليّ ابن أبي طالب عليه‌السلام ، وفي ذلك كتابان لهما أهمّية عظيمة ، وهما :
1 ـ الصحيفة الجامعة : ويسمّى كتاب عليّ عليه‌السلام ، وهو من إملاء النبيّ(صلى الله عليه وآله) وخطّ عليّ عليه‌السلام بيده ، فكان أوّل تدوين للسنّة النبوية الشريفة ، وكان أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام كالسجّاد والباقر والصادق عليه‌السلام يشيرون إلية بإكبار ، فكان الإمام الصادق عليه‌السلام يقول : «وإنّ عندنا الجامعة ، وما يدريهم ما الجامعة؟ ! صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإملائه من فلق فيه ، وخطّ علىّ بيمينه»(1) ، و«إنّ عندنا ما لا نحتاجُ معه إلى الناس ، وإنَّ الناسّ ليحتاجون إلينا ، وإنّ عندنا كتاباً إملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وخطّ علىّ عليه‌السلام ، صحيفة فيها كلُّ حلال وحرام»(2).
الدلالات :
أ ـ إنّ أئمة أهل البيت عليهم‌السلام كانوا يصرّحون بأنّ الصحيفة الجامعة ضمّت أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله) فيما يتعلّق بالحلال والحرام ، أي الأحكام الشرعية الرئيسية ، أمّا الاستحباب والكراهة فربّما كُتبت في صحيفة أخرى ، أو ربّما حُفظت في القلوب.
__________________
(1) أصول الكافي 1 / 239 ح 1.
(2) أصول الكافي 1 / 241 ـ 242 ح 6.

ب ـ لو افترضنا أنّ ذراع رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يقدّر بمتر طولاً ، فإنّ المتر يمكن أن يكوّن خمس صفحات من كتاب ما ، فإذا كانت الجامعة سبعين ذراعاً ، فالصحيفة الجامعة يمكن أن تقدّر بثلاثمائة وخمسين صفحة أو نحو ذلك ، وهو كتاب كبير بكلّ المقاييس ، خصوصاً وهو يضمّ الأحاديث الصحيحة للنبيّ(صلى الله عليه وآله) دون سلسلة سند.
هذا إذا بنينا على أنّ (سبعين ذراعاً) إنّما جاءت بصيغة الحقيقة ، لا بصيغة المجاز ، ولو كانت بصيغة المجاز والمبالغة فيمكن أن يكون كتاب عليّ عليه‌السلام أكبر من ذلك بكثير.
ج ـ إنّ هذا الكتاب هو أوثق كتاب حديثيّ على الإطلاق لأنّه خرج مباشرة من فمّ النبيّ الشريف(صلى الله عليه وآله) إلى يمين علىّ عليه‌السلام وخطّه ، فليس هناك سلسلة سند ، بل سندٌ واحدٌ يسنده سيّد الأوصياء عليه‌السلام عن سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله).
د ـ إنّ في تلك الصحيفة علمُ الحديث كلّه ، فكما أنّ القرآن محفوظ بين الدفّتين فإنّ أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) محفوظة في ذلك الكتاب ، ولذلك احتاج المسلمون له ، ومن كان عنده ذلك الكتاب لا يحتاج إلى محدِّث آخر ، ولا إلى فقيه ، ولا إلى رواية.
2 ـ كتاب الجَفْر : وهو كتاب كتبه عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام على جلد شاة أو جلد ثور ، فيه أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) مباشرة. فالجَفْرُ لغةً : «من

أولاد الشاة إذا عَظُم واستكرش. قال أبو عبيد : إذا بلغ ولد المعزى أربعة أشهر ، وجَفَرَ جنباه ، وفُصل عن أمّهِ ، وأخذ في الرعي فهو جَفَرٌ»(1).
وطالما ذكر المؤرّخون الجفر والصحيفة الجامعة كتابان للإمام عليه‌السلام ، «قال ابن طلحة : الجفر والجامعة كتابان جليلان ، أحدهما ذكره الإمام علىّ ابن أبي طالب عليه‌السلام وهو يخطب بالكوفة على المنبر ، والآخر أسرَّه [إليه] رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وأمره بتدوينه»(2).
وكان كتاب الجفر معروفاً لدى المسلمين ، إلى درجة أنّ أبا العلاء المعرّي ذكره في قصيدته ، وهو يردّ فيها على من أنكر حقيقة العلم الذي حواه ذلك الكتاب ، فيقول :

لقد عَجِبوا لأهلِ البيتِ لمّا
 

 

أروهُمْ عِلمَهُمْ في مَسْكِ جَفْرِ
 

وَمِرآةُ المُنَجِّمِ وهي صُغرى
 

 

أرتْهُ كُلَّ عَامِرَة وقَفْرِ(3)
 

والظاهر أنّ محتويات (الجفر) و(الجامعة) وما فيهما من أحاديث وروايات قد وجدت طريقها إلى الكتب الحديثية الكبرى كالكافي ، والفقيه ، والاستبصار ، والتهذيب.
مصنّفات الأركان الأربعة :
ولم يكن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام لوحده في ميدان كتابة
__________________
(1) لسان العرب 2 / 304.
(2) كشف الظنون 1 / 591 ـ 592 تحت عنوان : علم الجفر والجامعة.
(3) لزوم ما لا يلزم 2 / 748. المَسْك : الجلد.

الحديث ، بل آزره أربعة من أعاظم الصحابة وهم : أبو ذر ، وسلمان الفارسي ، والمقداد بن الأسود ، وعمّار بن ياسر.
1 ـ ذكر الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) في كتابه (الفهرست) بأنّ لأبي ذر الغفاري جندب بن جنادة (ت 32 هـ) كتاباً عنونه باسم (الخطبة) ذكر فيه أحداث ما بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله).
2 ـ وصنّف سلمان الفارسي (ت 34 هـ) كتاباً بعنوان (حديث الجاثليق) ، يرويه عنه أبو وقّاص كما ذكره الشيخ في الفهرست باسناده إلى أبي وقّاص عن سلمان ، ويرويه عن سلمان أيضاً أبو عمرة زاذان الفارسي كما وقع في سند هذا الحديث المروي بطوله في أمالي الشيخ الطوسي بروايته عن الشيخ المفيد عن شيخه أبي الحسن عليّ بن خالد المراغي باسناده إلى زاذان عن سلمان. وجاثليق (أي كاثوليك) هو عالم النصارى ورئيس وفدهم الذين بُعثوا إلى المدينة المنوّرة لتحقيق دين الحقّ فوردوها بعد رحلة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وفي خلافة أبي بكر ، وحكاهُ نقلاً عن أمالي الشيخ في المجلّد الثالث من البحار في الاحتجاجات التي [كانت] لأمير المؤمنين عليه‌السلام على النصارى(1).
مصنّفات أخرى :
1 ـ وصنّف الصحابي أسلم بن رافع (ت 40 هـ) مولى رسول الله(صلى الله عليه وآله)
__________________
(1) الذريعة 6 / 376

وخازن أمير المؤمنين عليه‌السلام على بيت أموال المسلمين بالكوفة كتاباً بعنوان (كتاب السنن والأحكام والقضايا) ، مشتملاً على أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) في أبواب : الصلاة ، والصيام ، والحجّ ، والزكاة ... الخ.
2 ـ وصنَّف من شايع أهل البيت عليهم‌السلام من الذين لم يدركوا عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، لكنّهم كانوا موالين للعترة الطاهرة مصنّفات حديثية ، منهم : الأصبغ بن نباتة ، والحرث بن عبد الله ، وربيعة بن سميع ، وسُلَيم بن قيس الهلالي ، وعُبيد الله بن الحرّ ، وعُبيد الله بن أبي رافع ، وعلي بن أبي رافع ـ وهما أخَوان كانا يكتبان لعليّ عليه‌السلام ـ ومحمّد بن قيس البجلي ، وميثم التمّار (ت 60 هـ) ، ويعلى بن مرّة.
مدرسة القرن الثاني الهجري :
شهد هذا القرن حركة فكرية واسعة قادها أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام خصوصاً الإمامين الباقر (ت 114 هـ) والصادق (ت 148 هـ) عليهما‌السلام.
ومن أعلام المدوّنين للحديث في هذا القرن : زيد بن علي الشهيد (ت 122 هـ) ، وجابر الجعفي (ت 127 هـ) ، والحسين بن ثور ، وأبان بن تغلب (ت 141 هـ) ، وزياد بن المنذر المعروف بأبي الجارود (ت 150 هـ).
ومن الذين تركوا كتباً في الحديث ذُكرتْ في المصادر الروائية : زرارة ابن أعين (ت 150 هـ) ، ومحمّد بن مسلم (ت 150 هـ) ، وعبد المؤمن بن القاسم الأنصاري (ت 147 هـ) ، وأبو بصير (يحيى بن القاسم) ، وبسّام

الصيرفي ، وزكريّا بن عبد الله ، وحجدر بن المغيرة ، وحجر بن زائد ، وعبد الله بن ميمون القدّاح ، ومعاوية بن عمّار (ت 175 هـ).
وأحصى الحرّ العاملي (ت 1104 هـ) صاحب (وسائل الشيعة) أكثر من ستّة آلاف وستمائة كتاب(1) من مدوّنات الحديث عند مذهب أهل البيت عليهم‌السلام خلال قرنين ونصف من صدر الإسلام.
وكان عصر الإمام الصادق عليه‌السلام قد وصل القمّة في علم نقل الحديث ، إلى حدٍّ أن المحقّق الحلّي (ت 676 هـ) قال واصفاً دور الإمام عليه‌السلام : «... انتشر عنه من العلوم الجمّة ما بهر به العقول ، حتّى غلا فيه جماعة... وروى عنه من الرجال ما يقارب أربعة آلاف رجل ، وبرز بتعليمه من الفقهاء جمّ غفير ، كزرارة بن أعين ، وأخويه : بُكير وحمران ، وجميل بن درّاج ، ومحمّد بن مسلم ، وبريد بن معاوية ، والهشامين (هشام بن سالم ، وهشام بن الحكم) ، وأبي بصير ، وعبيد الله ومحمّد الحلبييّن ، وعبد الله بن سنان ، وأبي الصباح الكناني ، وغيرهم من أعيان الفضلاء. كُتِبَ من أجوبة مسائله أربعمائة مُصَنَّف ، سمّوها : أصولاً»(2).
وفي ترجمة الثقة الحسن بن علىّ بن زياد الوشّا ، شهد أنّه أدرك في مسجد الكوفة تسعمائة شيخ ، كلٌّ يقول : «حدّثني جعفر بن محمّد عليه
__________________
(1) وسائل الشيعة 30 / 165 ، الفائدة الرابعة من الخاتمة.
(2) المعتبر : 26 من المقدمة.

السلام»(1).
الأصول الأربعمائة :
وظهرت في هذا القرن مدوّنات شخصية دوّنت أحاديث الإمام عليه‌السلام مباشرة ، سُمّيت لاحقاً بالأصول الأربعمائة ، وهي مدوّنات حديثية كتبها تلامذة الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام ، وصدرها يقول : حدّثني جعفر بن محمّد ، أو حدّثني محمّد بن عليّ.
وكانت تلك الأصول من الوثاقة بحيث : «إنّك لا ترى بالاستقراء أحداً من أهل الأصول قد رُمي بالضعف أصلاً ، إلاّ شاذٌّ شديد الشذوذ كالحسن ابن صالح بن حىّ ، ولعلّه ممّن اتّفقت له حالتان كما في كثير منهم ، وبأنّ أكثر هذه الأصول مرويّة عن ابن أبي عمير ، وصفوان بن يحيى ، والحسن ابن محبوب ونظرائهم»(2).
والشيخ النعماني محمّد بن إبراهيم (من فقهاء القرن الرابع الهجري) يقول في عرضه لكتاب سُليم بن قيس الهلالي : «وليس بين جميع الشيعة ممّن حمل العلم ورواه عن الأئمّة عليهم‌السلام خلافٌ في أنّ كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الأصول التي رواها أهل العلم من حملة حديث أهل البيت عليهم‌السلام ، وأقدمها ، لأنّ جميع ما اشتمل عليه هذا الأصل إنّما هو عن
__________________
(1) رجال النجاشي : 39 ـ 40 رقم 80.
(2) زاد المجتهدين في شرح بلغة المحدّثين : 164.

رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وأمير المؤمنين عليه‌السلام ، وهو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها ، وتعوّل عليها...»(1).
الدلالات :
1 ـ إنّ الأصل لغةً يعني : الاعتماد ، أي ما يبتنى عليه غيره ، ولذلك كانت تلك الأصول المعتمد والمرجع التي رُجع فيها في تصنيف المجاميع الحديثية المتأخّرة عنها ، كالكافي ، ومن لا يحضره الفقيه ، والتهذيب ، والاستبصار.
2 ـ لاشكّ أنّ الميزة في تلك الكتب أو الأصول هو وثاقة مؤلّفيها ، إلى درجة أنّ الأصل أصبح صفةً مرادفةً للوثاقة ، أي أنّ الذي له أصلٌ كان موثقاً وإن لم يرد فيه توثيق.
3 ـ إنّ الأصول الأربعمائة تحكي قول المعصوم عليه‌السلام بصورة مباشرة ، وبدون واسطة غالباً ، وهذا أحد أسباب دقّتها وصدقها في نقل مراد المعصوم عليه‌السلام.
4 ـ اختصّت تلك الأصول بقول المعصوم عليه‌السلام ، من دون ذكر آراء مصنّفيها أو ترجيحاتهم.
القرن الثالث الهجري :
صُنّفت في هذا القرن كتبٌ رجالية ، وربّما تطوّر الاهتمام بالرواة أكثر
__________________
(1) كتاب الغيبة : 101 ـ 102 ذيل الحديث 30 من الباب الرابع.

من الاهتمام بالرواية ، لأنّ كتب الأصول (الحديثية) كانت موجودة ، إلاّ أنّ المهمّ كان التدقيق في صحّة انتسابها.
1 ـ صنّف الحسن بن عليّ بن فضّال (ت 224 هـ) كتاباً في الرجال. والمصنّف أدرك زمان الإمام الرضا عليه‌السلام (ت 203 هـ).
2 ـ أبو محمّد عبد الله بن جَبلَة بن أبْجَر بن الكِناني (ت 219 هـ) صنّف كتاباً في الرجال.
3 ـ البرقي (ت 274 هـ) صنّف أيضاً كتاباً في الرجال.
القرن الرابع الهجري :
في القرنين الرابع والخامس نُقلت الأصول الأربعمائة إلى الموسوعات الحديثية الكبرى ، وهي : الكافي ، والتهذيب ، والاستبصار ، ومن لا يحضره الفقيه ، وقد تناولنا بالتفصيل تلك الموسوعات الحديثية في بحث النظرية الرجالية(1) ، لكنّنا نشير هنا إشارة عابرة إلى تلك الكتب لعلاقتها بالموضوع الذي نحن فيه :
1 ـ الكافي ، للشيخ محمّد بن يعقوب الكليني البغدادي (ت 329هـ) ، وعدد الأحاديث الموجودة فيه (16199) حديثاً.
2 ـ من لا يحضره الفقيه ، للشيخ محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي (ت 381هـ) ، المعروف بالشيخ الصدوق ، ومجموع
__________________
(1) راجع مجلّة تراثنا الأعداد 89 ـ 90 و 91 ـ 92.

أحاديث الكتاب (5963) حديثاً.
3 ـ تهذيب الأحكام ، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460هـ) ، ومجموع أحاديث الكتاب (12590) حديثاً.
4 ـ الإستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار ، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460هـ) ، ومجموع أحاديث الكتاب (5521) حديثاً.
قال الشهيد الثاني (ت 966هـ) في (شرح البداية) : «أحسن ما جُمع منها [أي كتب الحديث] : كتاب (الكافي) لمحمّد بن يعقوب الكليني ، و(التهذيب) للشيخ أبي جعفر الطوسي ، ولا يُستغنى بأحدهما عن الآخر ، لأنّ الأوّل : أجمع لفنون الأحاديث ، والثاني : أجمع للأحاديث المختصّة بالأحكام الشرعية.
وأمّا (الإستبصار) فإنّه أخصّ من (التهذيب) غالباً ، فيمكن الغناءُ عنه به ، وإن اختصّ بالبحث عن الجمع بين الأخبار المختلفة ، فإنّ ذلك أمرٌ خارج عن أصل الحديث.
فكتاب (من لا يحضره الفقيه) حسنٌ أيضاً ، إلاّ أنّه لا يخرجُ عن الكتابين غالباً...»(1).
القرن الخامس الهجري :
ربّما يكون هذا القرن بداية مرحلة نشوء علم الدراية ، لأنّ البحث عن
__________________
(1) شرح البداية :

سند الحديث ومتنه قبل ذلك كانت قضية فطرية طبيعية يحكم بها العقل والذوق الشرعي للفقهاء. لكن في هذا القرن بدأ الإحساس بتنظيم قواعد علم الدراية ، وكان في ذلك كتابان :
1 ـ أصول علم الحديث ، لأبي عبد الله محمّد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ) صاحب تاريخ نيسابور ، الذي عدّه الشيخ الحرّ في خاتمة الوسائل من الكتب المعتمدة للشيعة التي ينقل عنها بالواسطة. قال الشيخ آقا بزرك الطهراني (ت 1389 هـ) : «وترجمه في الرياض في القسم الأوّل المختصّ بعلماء الأصحاب ، ونسَبَ إليه هذا الكتاب ، وكذا في باب الكنى والألقاب منه. ويظهر ذلك من الذهبي في تذكرة الحفّاظ حيث حكى عن ابن طاهر أنّه رافضيّ... ثمّ اختار أنّه شيعيّ لا رافضيّ ، ويحكي الجزم بتشيّعه عن ابن تيمية أيضاً ، لكنّه احتمل جمع من الأعلام أنّ رمي هؤلاء إيّاه بالتشيّع لإرادة إبطال احتجاج الشيعة بما أورده في مستدركه وغيره ممّا يضرّ بعقائدهم وهو غير بعيد فراجعه. وبسط القول فيه سيدنا في تأسيس الشيعة. وذكر أنّه أوّل من ألّف في هذا الفنّ ، وأنّ معرفة علوم الحديث المذكور في كشف الظنون هو هذا الكتاب الموجود في مكتبة الخيّاطين بدمشق ومكتبة محمّد باشا بإسلامبول. والظاهر اتّحاده مع المدخل إلى الأكليل في أصول علم الحديث وكذا مع المدخل إلى العلم الصحيح»(1).
2 ـ شرح أصول دراية الحديث ، لعليّ بن عبد الحميد الحسيني (من
__________________
(1) الذريعة 2 / 199.

المحتمل من أعلام القرن الخامس الهجري) الذي يروي عنه الشهيد الأوّل (ت 786 هـ) ، وأبو العبّاس أحمد بن فهد (ت 841 هـ) (1).
القرن السادس الهجري :
1 ـ مختصر رسالة في أحوال الأخبار ، للشيخ سعيد بن هبة الله قطب الدين الراوندي (ت 573هـ) (2) ، وهي مختصر للرسالة الأصل ، وفيها بعض مفاهيم علم الدراية ، حيث يتناول أقسام الخبر ، ويقول : «اعلم : أنّ التواتر ـ في اللغة ـ يقع على الثلاثة فما فوقها.
والمراد به : الجماعة التي يستحيل عليها التواطؤ على الأمر ، لبعد ديارها ، واختلاف أهوائها وآرائها ، فمتى حصلت على ذلك ، وقع العلمُ بصحّة خبرها عند مشاهدتها.
ثمّ هذا الخبرُ قد جاءَ بعينه في كثير من الشرع عنهم عليهم‌السلام ، وعُدِمَ من بعضه :
فما جاء فيه : كالصلاة وحدودها ، والزكاة وحكمها ، والصوم وأحكامه ، والحجّ وشرائطه ، والنكاح ووجوهه ، والطلاق وصفاته ، وتحريم كلّ مسكر.
__________________
(1) تأسيس الشيعة : 295.
(2) مختصر رسالة في أحوال الأخبار ، للراوندي ، تحقيق : السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي ، مجلّة (علوم الحديث) العدد الأوّل محرم 1418 هـ ـ ص 305 ـ 334.

وما عُدِمَ منه : فمسائل في الديّات ، ومسائل في الحدود ، وأبواب من العِدَد ، ومسائل في حوادث محصورة ، وأدعية جاءت في الصلوات والزيارات ونحوها.
وهذا الجنسُ ـ وإنْ عُدِمَ منه التواترُ ـ فلم يُعْدَمْ منه دلالته القائمة مقام َ التواترُ ، على ما نذكره»(1).
وفي الفصل الثالث ، يقول : «الذي يلي هذا الثاني في الحجّة : نقل متوسّط عن إمام في ما يلزم فرضه في حال البلاغ ، لوجوب عصمته في الأداء ، وإن عُدِمتْ ممّا عدا ذلك ، بدلالة حكمة القديم تعالى في تكليفه ، واستحالة إلزامه إصابة الحقّ بوساطة مَنْ يُبدِّل ما حُمِّل.
وهذه الصفة كانت في جماعة من رسُل النبيّ(صلى الله عليه وآله) ووسائطه بينه وبين من نابَ عنه في شرعه ، وكذلك جماعة من رُسُل الأئمّة والأبواب الرسمية الإمامية خاصّة.
وإذا ثبتَ بصفة من ذكرنا خبرٌ مرويٌّ كفى في حجّيته روايته ، ووجب العلم بدلالته والعمل به»(2).
القرن السابع الهجري :
وبقي البحث في علم الدراية ضعيفاً حتّى شمّر ابن طاووس (ت
__________________
(1) مختصر رسالة في احوال الأخبار : 322.
(2) مختصر رسالة في أحوال الأخبار : 322 ـ 323.

673هـ) ساعده في كتابة كتابه الرجالي (حلّ الإشكال في معرفة الرجال) الذي أصبح كتاباً رائداً في الدراية أيضاً.
حلّ الإشكال في معرفة الرجال ، لابن طاووس ، جمال الدين أحمد ابن موسى بن جعفر (ت 673 هـ) ، وهذا الكتاب أوّل من قسّم الحديث إلى أربعة أقسام ، فاعتُبر مصنّفه أوّل من ابتكر تقسيم مصطلحات الحديث إلى : الصحيح ، والحسن ، والموثّق ، والضعيف.
وقد أخذ منه العلاّمة الحلّي في كتابه (خلاصة الأقوال) ، وكذلك ابن داود في كتابه (الرجال).
القرن الثامن الهجري :
شرح أصول دراية الحديث ، للسيّد عليّ بن عبد الكريم بن عبد الحميد النجفي النيلي (من علماء القرن الثامن) تلميذ العلاّمة الحلّي.
القرن العاشر الهجري :
وهذا القرن خصب في مؤلّفات علم الدراية في التأريخ الإمامي ، حيث صدرت الكتب التالية :
1 ـ دراية الحديث ، للمحقّق الكركي ، نور الدين عليّ بن الحسين ابن عبد العالي (ت 940 هـ).
2 ـ زين الدين بن علي بن أحمد الشامي العاملي ، الشهيد الثاني (ت

966 هـ) وله ثلاثة كتب في الدراية ، وهي :
أ ـ البداية في علم الدراية : أوّله (نحمدك اللهمّ على البداية...).
ب ـ شرح بداية الدراية : وهو شرحٌ كتبه المصنّف يشرح فيه كتابه الأوّل (البداية في علم الدراية) شرحاً مزجيّاً انتهى منه سنة (959 هـ) ، أوّل الشرح (نحمدك اللهمّ على حسن توفيق البداية في علم الدراية...) ، طبع المتن والشرح مجتمعاً بطهران سنة (1310 هـ) وعليه حواش للشيخ عبد الواحد العاملي كما ذكرها صاحب الرياض.
ج ـ غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدّثين : صرّح به في آخر شرح درايته الموسومة (بداية الدراية) ، وقال : «من أراد الاستقصاء فيها مع ذكر الأمثلة الموضّحة للمطالب فعليه بكتابنا (غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدّثين) فإنّه قد بلغ في ذلك الغاية»(1).
3 ـ وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ، للعاملي ، للشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي (ت 984 هـ).
4 ـ منهاج الهداية إلى علم الدراية ، للسيّد حسين الحسيني الجعفري (ت 987هـ).
القرن الحادي عشر الهجري :
استمرّت شرارة البحث الحديثي في هذا القرن أيضاً ، وصدرت كتب
__________________
(1) الذريعة 16 / 68.

مهمّة أيضاً تبحث ذلك العلم ، ومنها :
1 ـ التحرير الطاووسي ، ومنتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان ، لصاحب المعالم حسن بن زين الدين العاملي (ت 1010 هـ).
2 ـ الوجيزة في علم الدراية ، لبهاء الدين العاملي المعروف بالشيخ البهائي (ت 1030 هـ) ، وأصبح الكتاب محوراً لدراسة علم الدراية في الحوزة لفترة طويلة. وكتب الشيخ البهائي مقدّمة في الدراية في كتابه الفقهي (مشرق الشمسين).
3 ـ الرواشح السماوية ، للمحقّق محمّد باقر الحسيني الأسترآبادي المعروف بـ : (ميرداماد) (ت 1041 هـ) ، ويحتوي الكتاب على مسائل علم الدراية ومصطلحاته.
والكتاب يبحث دراية الحديث وينتقد آراء من سبقه من الفقهاء ، ويطرح رأيه بقوّة. يبدأ بشرح خطبة الشيخ الكليني (ت 329هـ) على كتاب (الكافي) ، ثمّ يعقد المصنّف تسعاً وثلاثين راشحة أغلبها في مسائل علم الدراية ، وبعضها في أحوال بعض الرواة ، والبعض الآخر في الأبحاث اللغوية ، وأصول الفقه.
ومن رواشح المصنّف : تعريف الحديث الصحيح ، وفي صحّة أحاديث إبراهيم بن هاشم ، وصحّة أحاديث عبد العظيم الحسني... ، وفي الجرح والتعديل ، ومراسيل ابن أبي عمير ، والأصول الأربعمائة ، وفي تعارض الجرح والتعديل ، وغيرها من مواضيع علم الدراية.

نماذج من الكتاب : قال في الراشحة الثانية [في تعريف الحديث الصحيح] : «لعلماء الجمهور ـ كابن الصلاح ، والنواوي ، وابن جماعة ، والطيّبي وغيرهم ـ اعتبروا في حدّ الصحيح سلامته عن الشذوذ والعلّة ، وكونه مرويٌّ من يكون مع العدالة ضابطاً.
وأصحابنا ـ رضوان الله عليهم ـ أسقطوا ذلك عن درجة الاعتبار ، وهو الحقّ...»(1).
وقال في الراشحة الرابعة [في صحّة أحاديث إبراهيم بن هاشم] : «الأشهر الذي عليه الأكثر عدّ الحديث من جهة إبراهيم بن هاشم أبي إسحاق القمّي في الطريق حسناً ، ولكن في أعلى درجات الحسن ، التالية لدرجة الصحّة ، لعدم التنصيص عليه بالتوثيق.
والصحيح الصريح عندي أنّ الطريق من جهته صحيح ، فأمره أجلّ ، وحاله أعظم من أن يتعدّل ويتوثّق بمعدِّل وموثِّق غيره ، بل غيره يتعدّل ويتوثّق بتعديله وتوثيقه إيّاه...»(2).
وفي الراشحة التاسعة [في توثيق السكوني] قال : «لقد ملأ الأفواه والأسماع ، وبلغ الأرباع والأصقاع أنّ السكوني ـ بفتح السين نسبة إلى حيٍّ من اليمن ، الشعيري الكوفي ، وهو إسماعيل بن أبي زياد ، واسم أبي زياد : مسلم ـ ضعيف ، والحديث من جهته مطروح غير
__________________
(1) الرواشح السماوية : 75 الراشحة الثانية.
(2) الرواشح السماوية : 82 الراشحة الرابعة.

مقبول ؛ لأنّه كان عاميّاً حتّى صار من المثل السائر في المحاورات : الرواية سكونية.
وذلك غلط من مشهورات الأغاليط ، والصحيح أنّ الرجل ثقة ، والرواية من جهته موثّقة ، وشيخ الطائفة في كتاب العدّة في الأصول قد عدّ جماعة قد انعقد الإجماع على ثقتهم ، وقبول روايتهم ، وتصديقهم وتوثيقهم ، منهم : السكوني الشعيري وإن كان عاميّاً ، وعمّار الساباطي وإن كان فطحيّاً»(1).
4 ـ جامع المقال فيما يتعلّق بأحوال الحديث والرجال ، للشيخ فخر الدين الطريحي (ت 1085 هـ). ذكر المصنّف مصطلحات علم الحديث وما يجب على الطلبة معرفته في هذا العلم ، يضمّ مقدّمة وإثني عشر باباً وخاتمة. انتهى من تصنيفه عام (1053هـ).
القرن الثاني عشر الهجري :
1 ـ شرح الوجيزة في الدراية. الأصل للشيخ البهائي ، والشارح عبد النبي بن الشيخ المفيد الشيرازي (من علماء القرن الثاني عشر) ، أوّله (الحمد لله الذي أرشدنا إلى فهم الرواية بالدراية ، وأنقذنا من ظلم الغواية من البداية إلى النهاية...). ذكر في آخره أنّه خلاصة ما يتوقّف عليه الاجتهاد ، والزيادة عليه تضييع للعمر. تاريخ كتابة النسخة في سنة
__________________
(1) الرواشح السماوية : 97 الراشحة التاسعة.

(1187 هـ) (1).
2 ـ صفائح الإبريز في شرح الوجيز ، أيّ : الوجيزة البهائية في علم الدراية ، للسيّد أمجد حسين بن منوّر علي السونري (من المرجّح أنّ المصنّف عاش في القرن الثاني عشر). طبع بلكهنو. ذكرها مصنّف الذريعة ج 15 ص 43.
3 ـ سنن الهداية في علم الدراية ، للشيخ محمّد علي التبنيني (من المرجّح أنّ المصنّف عاش في القرن الثاني عشر). مرتّب على مقدّمة وفصول وخاتمة. أوّله (الحمد لله الذي صحّح عقائدنا بتصحيح الدراية...). قال الشيخ آقا بزرك (ت 1389هـ) : «رأيتُ بخطّ بعض العلماء أنّ للشيخ محمّد الشهير بالتبنيني كتاب الدراية وشرحه الموسوم : ملخّص أسرار اليقين في شرح دراية المتّقين»(2).
4 ـ الكفاية في علم الدراية ، للشيخ عبد الله السماهيجي البحراني (ت 1135هـ).
5 ـ مقدّمة جوامع الكلم ، للسيّد محمّد بن شرف الحسيني الجزائري (ت 1109هـ) أستاذ العلاّمة المجلسي (ت 1111هـ) صاحب بحار الأنوار. يضمّ الكتاب مقدّمة في علم الدراية وكلّيات علم الحديث.
6 ـ فائق المقال في علم الحديث والرجال ، لمهذّب الدين أحمد بن
__________________
(1) الذريعة 14 / 168.
(2) الذريعة 12 / 239.

عبد الرضا البصري الخراساني (من أعلام القرن الثاني عشر الهجري) من تلاميذ صاحب (وسائل الشيعة). ويضمّ الكتاب بين دفّتيه مواضيع علم الدراية.
القرن الثالث عشر الهجري :
1 ـ الإيجاز في قواعد الدراية والرجال ، لمحمّد جعفر بن سيف الدين الأسترآبادي (ت 1263 هـ). وهو رسالة موجزة في علم الدراية والرجال تقرب من ثلاثمائة بيت.
2 ـ سبل الهداية في علم الدراية ، لعليّ بن الميرزا خليل الطبيب الطهراني (ت 1296 هـ).
3 ـ طريق الهداية في علم الدراية ، لمحمّد مولانا الموسوي السرابي التبريزي (القرن الثالث عشر الهجري).
4 ـ المنتقى النفيس من درر القواميس ، للفاضل الدربندي (ت 1286هـ) (1) ، يحتوي على تحقيقات في علم الرجال وعلم الدراية ، يقول المصنّف في (الورقة 2) : «إنّي لمّا فرغتُ من تصنيف هذا الكتاب في فنّ الرجال ، ألحقتُ به بعد مدّة فنّ الدراية ، لأنّي رأيت أنّ تركه وطيّ الكشح
__________________
(1) مجلة (تراثنا) العدد 24 ص 155 ـ 237 تحقيق السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي.

عنه يفضي إلى عدم تمامية علم الإسناد وعلم أصول الحديث»(1).
ويقول في (الإجماع) (الورقة 28) : «العبارة المنقولة في قضية الإجماع :
1 ـ في شأن جماعة كجميل ، هكذا : (أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتعويلهم لما يقولون به ، وأقرّوا لهم).
2 ـ في شأن بريد بن معاوية ، هكذا : (أجمعت العصابة على تعديلهم وانقادوا لهم بالفقه).
[المقصود منه] : إنّ المقصود من العبائر المختلفة شيء واحد ، والمقصود من كلّها شيء واحد ، والقرائن الدالّة على ذلك غير عزيزة.
فمنها : أنّه لولا أنّ الأمر كذلك لزم إحداث قول ثالث في المسألة.
[رأي المجلسي] : وقد صرّح المجلسي المتقدّم بأنّ المراد منها : أنّ هؤلاء ـ أي أهل الإجماع ـ عدول وثقات قبل قولهم من حيث إنّه تولّهم الإجماع.
فهذا كما ترى ممّا لا تأثير له أصلاً فيما وقع بعد واحد أو متعدّد منهم ، فليس حال الأسانيد ألف وقع فيها واحد أو متعدّد منهم إلاّ كحال سائر الأسانيد.
وهذا الرأي يتراءى ـ أيضاً ـ من طريقة جمع كثير في الكتب الفقهية الاستدلالية ، كما لا يخفى على من تتبّع كتب المحقّق ، والعلاّمة ،
__________________
(1) مجلة (تراثنا) العدد 24 ص 164.

والشهيدين ، وصاحبي المعالم والمدارك.
[رأي المؤلّف] : والمتبادر من العبارة هو ما فهمه متأخّرو المتأخّرين من أنّ أسباب الضعف من الإرسال ، والإضمار والتعليق ، والوقف ، ووجود من هو ضعيف بأيّ نحو كان ضعفه ، ممّا لا يؤثر بعد واحد أو متعدّد من أصحاب الإجماع ، بل إرادة هذا المعنى مما انعقد عليه إجماع متأخّري المتأخّرين ، وهذا المسلك هو الأنسب الأولى»(1).
5 ـ مقدّمة كتاب (جامع المعارف والأحكام في مسائل الحلال والحرام) ، للسيّد عبد الله بن محمّد رضا شبّر الحسيني الكاظمي (ت 1242هـ). كتب المصنّف في المقدّمة مقاصد علم الدراية في عدّة مقامات.
6 ـ سبل الهداية في علم الدراية ، لعليّ بن خليل الرازي الطهراني (ت 1296هـ). وهي رسالة في علم الدراية تضمّ مقدّمة وأبواب ثلاثة :
الأوّل : تقسيم الحديث ، الثاني : فيمن يقبل حديثه ، الثالث : طرق تحمل الحديث ، وخاتمة تتضمّن فوائد رجالية.
7 ـ مقدّمة (منهج المقال) ، للوحيد البهبهاني ، محمّد باقر بن محمّد أكمل (ت 1206هـ). حيث كتب في المقدّمة خمسة فوائد رجالية ، هي : أوّلاً : في بيان الحاجة إلى علم الرجال ، ثانياً : بيان طائفة من الاصطلاحات المتداولة في الفنّ وفائدتها (كالممدوح ، والثقة ، والصحيح ، والضعيف ،
__________________
(1) مجلة (تراثنا) العدد 24 ص 178.

والمضطرب الحديث ونحوها) ، ثالثاً : في سائر أمارات الوثاقة والقوّة ، رابعاً : بعض مصطلحات صاحب الفوائد ، خامساً : في طريق ملاحظة الرجال.
8 ـ الفوائد الغروية (عمدة المقال في علمي الدراية والرجال) ، لأبي طالب بن أبي تراب الحسيني القائني (ت 1293هـ) ، في قسمين : الأوّل : علم الرجال ، الثاني : علم الدراية.
القرن الرابع عشر الهجري :
1 ـ دراية الحديث ، للميرزا محمّد التنكابني (ت 1302 هـ).
2 ـ شرح الوجيزة البهائية في علم الدراية ، للميرزا محمّد بن سليمان التنكابني (ت 1303 هـ). وربّما هو نفس مصنّف دراية الحديث ، وكون الاختلاف في تاريخ وفاته تصحيف.
3 ـ توضيح المقال في علم الدراية والرجال ، للمولى علي الكني (ت 1306 هـ). والمصنّف من تلامذة الشيخ النجفي صاحب جواهر الكلام (ت 1266 هـ) ، مطبوع مع (رجال الشيخ أبي علي) ، وأضيفت على طبعة (1302 هـ) استدراكات الشيخ النوري.
يتناول فيه المصنّف تعريف علم الرجال ، وموضوعه ، وفائدته ، ثمّ يتناول معرفة ذوات رجال السند ، ثمّ يحقّق في عدد من الرجال ، مثل : محمّد بن إسماعيل ، وأبي بصير ، وعمر بن يزيد.

وفيما يتعلّق بالدراية ، يعرض صفات رجال السند في الجرح والتعديل وأحوالهم ، ثمّ يعرض أقسام الحديث ، وأنحاء تحمّله.
يقول في معرض ألفاظ المدح المطلق : «(ومنها : قولهم (ثقة) فقد حُكي عن جماعة من المحقّقين أنّه إذا قال النجاشي : ثقةٌ ، ولم يتعرّض لفساد المذهب ، فظاهره أنّه عدل إماميٌّ ، لأنّ ديدنه التعرّض للفساد ، فعدمه ظاهرٌ في عدم ظفره ، وهو ظاهر في عدمه ، لبُعد وجوده مع عدم ظفره ، لشدّة بذل جهده وزيادة معرفته) (1).
وفي الفوائد(2) المشار إليها ـ بعد حكاية ما ذُكر ـ : (لا يخفى أنّ الرويّة المتعارفة المسلّمة أنّه إذا قال : عدل ـ النجاشي كان أو غيره ـ : ثقة ، الحكم بمجرّده بكونه عدلاً إماميّاً ـ كما هو ظاهر ـ إمّا لما ذُكر أو لأنّ الظاهر التشيّع ، والظاهر من الشيعة حسن العقيدة ، أو لأنّهم وجدوا أنّهم اصطلحوا ذلك في الإمامية وإن أطلقوا على غيرهم مع القرينة ، فإنّ معنى (ثقةٌ) عادل ثبْتٌ ، فكما أنّ (عادل) ظاهر فيهم فكذا ثقة ، أو لأنّ المطلق ينصرف إلى الكامل أو لغير ذلك) (3). انتهى.
قلتُ : المستفاد من [آخر] كلامه استفادة الضبط الذي يرادف الثبت وضعاً أو استعمالاً أو إرادةً أو يقرب منه من اللفظ المزبور ، وهو الظاهر من
__________________
(1) منتهى المقال 1 / 43.
(2) أي فوائد الوحيد البهبهاني.
(3) فوائد الوحيد البهبهاني : 18.
 

الفصول(1) ، بل من جملة ممّن عاصرناهم من المشايخ.
ويؤيّده جريان ما استندوا إليه في استفادة الإمامية في استفادة الضبط وزيادة عرفتها في اللفظة السابقة ، ولذا تراهم يصحّحون السند إذا كان رجاله ممّن قيل في حقّه : ثقة ، بل الغالب في الرجال إطلاق هذه اللفظة دون (عدل) أو (عادل)»(2).
4 ـ دراية الحديث ، لمحمود بن الميرزا عليّ أصغر شيخ الإسلام الطباطبائي التبريزي (ت 1310 هـ).
5 ـ ثلاثة كتب كتبها تاج العلماء علي محمّد بن دلدار علي النقوي (ت 1312 هـ) في الدراية ، وهي :
أ ـ سلسلة الذهب في شرح الوجيزة في الدراية. وهذا هو شرحه الكبير للوجيزة.
ب ـ شرح الوجيزة البهائية. وهو شرح متوسّط للوجيزة.
ج ـ الجوهرة العزيزة في شرح وسيط الوجيزة. وهو شرح صغير للوجيزة.
6 ـ دراية الحديث ، لمحمّد حسين بن المير محمّد علي المرعشي (ت 1315 هـ) (3).
__________________
(1) الفصول الغروية : 302.
(2) توضيح المقال في علم الرجال : 184 ـ 185.
(3) الذريعة 8 / 55.

7 ـ تميمة الحديث في علم الدراية ، لأبي الفضل بن ميرزا أبي القاسم الطهراني (ت 1316 هـ).
8 ـ دراية الحديث ، لمحمّد تقي بن محمّد باقر الأصفهاني (ت 1332 هـ). مطبوعة في آخر كتابه (جامع الأنوار) بعنوان رسالة في الدراية.
9 ـ الدرّة العزيزة في شرح الوجيزة ، لعلي بن المير محمّد حسين ابن محمّد الشهرستاني (ت 1344 هـ). الأصل هو الوجيزة في الدراية للشيخ البهائي.
10 ـ الدرّة الفاخرة (منظومة في علم دراية الحديث) ، نظم الملاّ حبيب الله الشريف الكاشاني (ت 1340هـ). وهي منظومة شعرية(8) مجموع أبياتها (241) بيتاً ، منها :
في أصول الحديث :

وهو صحيحٌ وموثقٌ حَسَنْ
 

 

وما سواها فضعيفٌ قد وهَنْ
 

وفي القوىِّ عندهُم قولانِ
 

 

فعدَّهُ بعضٌ من الحسانِ
 

وهذه الأصولُ للأخبارِ
 

 

إذ حكمها في الباقياتِ جارِ
 

11 ـ مقباس الهداية في علم الدراية ، للشيخ عبد الله المامقاني (ت 1351 هـ) ، وله أيضاً تنقيح المقال في علم الرجال.
__________________
(1) مجلّة (علوم الحديث) ، الدرّة الفاخرة للشريف الكاشاني ، العدد الأوّل محرّم 1418 ص 335.

12 ـ نهاية الدراية في شرح الوجيزة ، الشارح السيّد حسن صدر الدين (ت 1354 هـ) ، والأصل هو الوجيزة للشيخ البهائي. فرغ منه سنة (1314هـ).
13 ـ دراية الحديث ، للسيّد مهدي بن السيّد إسماعيل الموسوي الهروي (ت 1366 هـ).
14 ـ رسالة مختصرة في الدراية ، للميرزا أبو الحسن الشعراني (ت 1393هـ) ، ذكر فيها تعاريف : الأثر ، والسنّة ، وعلّة وجود الأخبار الكاذبة ، وسبب وضع الأحاديث ، وأقسام الخبر ، والتواتر ، وعلائم الكذب في الأخبار ، وأقسام الحديث ، والحديث الضعيف ، وألفاظ المدح والذمّ ، وطرق تحمّل الحديث ، وعبارة (أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه) (9).
خاتمة الفصل :
وهكذا مرّت القرون الطويلة ، وهي حافلة بالعطاء في تطوير علم تحمّل الحديث وأدائه ، وتطوّرت أساليب البحث والمصطلحات ، إلاّ أنّ فكرة علم الدراية بقيت ثابتة ، وجوهرها التدقيق والتثبّت في سند الحديث ومتنه.
__________________
(1) مجلّة نور علم ، العدد 50 ـ 51 ، ص 150 ـ 175.

فمن الصحيفة الجامعة وجفر الإمام عليّ عليه‌السلام ومصنّفات أبي ذر وسلمان إلى الأصول الأربعمائة وكتب الرجال في القرنين الثالث والرابع والموسوعات الحديثية الكبرى التمس الفقهاء طرقاً في تدقيق الأحاديث سنداً ومتناً. وبدأت أُسس الدراية تتبلور على أيدي فقهاء كبار مثل : ابن طاووس (ت 673هـ) ، والشهيد الثاني (ت 966هـ) ، والشيخ البهائي (ت 1030هـ) ، والمحقّق الداماد (ت 1041هـ) ، والشيخ الطريحي (ت 1085هـ) ، والشيخ المامقاني (ت 1351هـ) ، والسيّد حسن الصدر العاملي (ت 1354هـ) ، فوضعوا كتباً ومصنّفات رئيسية في علم دراية الحديث.

الفصل الرابع
الكتب الرئيسية (في الدراية)
نتناول في هذا الفصل الكتب الرئيسية في دراية الحديث عند علماء أهل البيت عليهم‌السلام ، وهي : 1 ـ شرح البداية في علم الدراية للشهيد الثاني (ت 966هـ). 2 ـ الوجيزة في الدراية للشيخ البهائي (ت 1030هـ). 3 ـ نهاية الدراية للسيّد حسن الصدر العاملي (ت 1354هـ). 4 ـ مقباس الهداية في علم الدراية للشيخ عبد الله المامقاني (ت 1351هـ).



1 ـ كتاب (شرح البداية في علم الدراية) للشهيد الثاني ، الشيخ زين الدين علي العاملي (ت 966هـ) :
وهو مع صغر حجمه حوى مسائل العلم الأساسية مع ذوق في النقد والتحليل من الدرجة الأولى.
قال في المقدّمة : «نحمدك اللهمّ على حُسن توفيق البداية في علم الدراية والرواية ونسألك حُسن الرعاية في جميع الأحوال إلى النهاية ... وبعد الحمد لله بما هو أهله ، والصلاة على مستحقّها ، فهذا كتاب مختصر ، وضعناه في علم دراية الحديث. وهو علمٌ يُبحَثُ فيه : عن متن الحديث ، وطرقه من صحيحها وسقيمها وعليلها ، وما يحتاج إليه ، ليُعَرف المقبولُ منه والمردود. وموضوعه : الراوي والمروي ...»(1).
ثمّ رتّبه على شكل : مقدّمة وأربعةِ أبواب.
وفي المقدّمة بحقولها العشرة عرَضَ : موضوع الخبر والحديث ، ومتن الحديث ، والسند والإسناد ، وفي صدق الخبر وكذبه ، والقطع وإخفائه ، والمتواتر وشروط تحقّقه ، وفي الآحاد ودرجاته ، وفي حصرِ الأخبار ، وفي تحديد البحث ، وخطّة البحث.
وبعد المقدّمة يتناول في الباب الأوّل : أقسام الحديث : الصحيح والحسن والموثّق والضعيف.
ففي موضوع الحديث الصحيح وبعد أن يذكر تعريفه يعرّج على
__________________
(1) شرح البداية : 45.

تعريف العامّة ، فيقول : «... حيث اعتبروا سلامته من الشذوذ ، وقالوا في تعريفه إنّه : ما اتّصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله وسَلِمَ عن شذوذ وعلّة. وشمل تعريفهم بإطلاق العدل جميع فرق المسلمين ، فقبلوا رواية المخالِف العدل ما لم يبلغ خلافه حدَّ الكفر ، أو يكن ذا بدعة ويروي ما يقوّي بدعته ، على أصحِّ أقوالهم.
وبهذا الاعتبار : كثُرتْ أحاديثهم الصحيحة ، وقلّت أحاديثنا [الصحيحة] ، مضافاً إلى ما اكتفوا به من العدالة من الاكتفاء بعدم ظهور الفسق ، والبناء على ظاهرِ حال المسلم. فالأخبار الحسنةُ والموثّقةُ عندنا صحيحةٌ عندهم ، مع سلامتها من المانعَين المذكورين [أي : الشذوذ والعلّة]» (1).
وفي موضوع الحديث الموثّق يذكر تعريفه فيقول : «هو ما دخل في طريقه : (من نص الأصحابُ على توثيقه مع فساد عقيدته) ، بأن كان من أحدى الفرق المخالِفة للإمامية ، وإن كان من الشيعة. واحترز بقوله : (نصَّ الأصحاب على توثيقه) عمّا لو رواه المخالفون في صحاحهم التي وثّقوا رواتها ، فإنّها لا تدخلُ في الموثَّق عندنا ، لأنّ العبرة بتوثيق أصحابنا للمخالف ، لا بتوثيق غيرنا ، لأنّا لم نقبل إخبارَهم بذلك ، وبهذا يندفع ما يُتوهَّم من عدم الفرق بين رواية مَن خالفنا ممن ذُكِرَ في كُتب حديثنا وما رووه في كتبهم. وحينئذ فذلك كلّه يلحق بالضعيف عندنا ...»(2).
__________________
(1) شرح البداية : 80.
(2) شرح البداية : 86.

ثمّ يتناول في النظر الثاني : حجّية العمل بالأخبار ، ومنها العمل بخبر الواحد ، صحيحاً كان أو حَسَناً أو موثّقاً. قال : «ويمكن اشتراك الثلاثة [أي : الصحيح ، أو الحسَن ، أو الموثّق] في دليل واحد يدلُّ على جواز العمل بها مطلقاً ، وهو : أنّ المانعَ من قبول خبر الفاسق هو فسقُه ، لقوله تعالى : (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا ...) (1). فمتى لم يُعلمْ الفسق لا يجبُ التثبت عند خبر المخبِر مع جهلِ حالهِ ، فكيف مع توثيقه ومدحه ، وإن لم يبلغ حدَّ التعديل ، وبهذا احتجَّ من قَبل المراسيل.
وقد أجابوا عنه : بأنّ الفسقَ لمّا كان علّة التثبُّت ، وجبَ العلمُ بنفيه ، حتّى يُعلمَ وجودُ انتفاءِ التثبّت ، فيجبُ التفحّص عن الفسق ليُعلم أو عدمه ، حتّى يُعلمَ التثبّت أو عدمه.
وفيه نظرٌ ، لأنّ الأصل عدمُ وجودِ المانعِ في المسلم ، ولأنّ مجهولَ الحال لا يمكن الحكمُ عليه بالفسق ، والمراد في الآية : المحكوم عليه بالفسق»(2).
ثمّ يناقش في القسم الثاني : في الأنواع والفروع ويوصلها إلى ستّة وعشرين فرعاً ، ومع الأصول : ثلاثين نوعاً ، فيشرح تلك الأنواع كالمسند والمتّصل والمرفوع والمعنعن والمعلّق والمفرد والمدرج والمشهور ، ونحوها.
ثمّ يتناول قضية الوضع في الحديث ، وفرق الوضّاعين ، وضررهم على الحديث.
__________________
(1) الحجرات : 7.
(2) شرح البداية : 93.

وبكلمة ، فإنّ هذا الكتاب غنىٌّ بالعلم الروائي ، وعرض الأفكار والأقوال المتعاكسة ، ويناقشها نقاشاً علميّاً ، ثمّ يعطي موقفه والرأي الذي يتبنّاه بالدليل العلمي.
الروح النقدية للكتاب :
يتميّز كتاب شرح البداية في علم الدراية بروح نقدية عالية ، فهو يناقش الأفكار الواردة في الموضوع ويفنّدها ، ويطرح رأيه المختار في ذلك.
ونعرض هنا ثلاثة نماذج :
النموذج الأوّل : في بحث السند والإسناد ، قال : «والسندُ طريقُ المتن ، وهو جملةُ من رواه ، من قولهم : فلانٌ سندٌ أي معتمدٌ. فسُمّي الطريقُ سنداً لاعتماد العلماءِ في صحّة الحديثِ وضعفهِ عليه.
وقيل : إنّ السندَ هو الإخبارُ عن طريقه ، أي طريق المتن.
والأوّل أظهر ؛ لأنّ الصحّةَ والضعف إنّما يُنسبانِ إلى الطريق باعتبار رواته لا باعتبار الإخبار. بل قد يكونُ الإخبار بالطريق الضعيف صحيحاً ، بأنّ رواه الثقةُ الضابطُ بطريق ضعيف ؛ بمعنى صحّة الإخبار بكون تلك الرواة طريقه مع الحكم بضعفه»(1).
النموذج الثاني : في موضوع صدق الخبر وكذبه ، وبعد أن يعرض الأقوال في ذلك إلى أن يصل إلى هذا المقطع : «[ونبَّهَ] بقوله : سواءٌ وافقَ
__________________
(1) شرح البداية : 53.

اعتقاد المخبر أم لا ، على خلاف النظام(1).
[تحريرُ كلامه] حيث جعل «صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر مطلقاً ، وكذبه عدم المطابقة كذلك ، فجعل قولَ القائل : السماءُ تحتنا ، معتقداً ذلك ، صدقاً. وقوله : السماءُ فوقنا ، غير معتقد ذلك ، كذباً ؛ مُحتجّاً بقوله تعالى : (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُوْنَ) .... إلى قوله : (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنّ الْمُنَافِقِيْنَ لَكَاذِبُوْنَ) (2) ، حيث شهِدَ اللهُ تعالى عليهم بأنّهم كاذبون في قولهم : (إِنَّكَ لَرَسُوْلُ الله) ، مع أنّه مطابقٌ للواقع ، حيثُ لم يكن موافقاً لاعتقادهم فيه ذلك ، فلو كان الصدقُ عبارة عن مطابقةِ الواقع مطلقاً لما صحَّ ذلك.
وأجُيبَ :
1 ـ بأنّ المعنى : لكاذبون في الشهادة ، وادّعائهم فيها : مواطاة قلوبهم لألسنتهم.
فالتكذيب راجعٌ إلى قولهم : نشهدُ ، باعتبار تضمّنه خبراً كاذباً ، وهو أنّ شهادتهم صادرةٌ عن صميم القلب وخلوص الاعتقاد ، بشاهد تأكيدهم الجملة بـ : (إنّ ، واللام ، والجملة الإسمية).
2 ـ أو أنَّ المعنى : لكاذبون في تسمية هذا الإخبار : شهادة. أو في المشهود به : أعني قولهم : إنّك لرسولُ الله ـ في زعمهم ـ لأنّهم يعتقدون أنّه غيرُ مطابق للواقع ، فيكون كذباً عندهم ، وإن كان صدقاً في نفس الأمر ، لوجود مطابقته فيه.
__________________
(1) نظام الدين الحسن بن محمّد القمي (ت 850 هـ).
(2) المنافقون : 1.

أو في حلفهم : أنّهم لم يقولوا : (... لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُوْل اللهِ حتّى يَنْفَضُّوا ...) (1) ، لما روي عن زيد بن أرقم : أنّه سمع عبد الله بن أبيّ يقول ذلك ، فأخبر النبيُّ (صلى الله عليه وآله) به ، فحلفَ عبد الله أنّه ما قال ، فنزلت»(2).
النموذج الثالث : وفي موضوع تحديد البحث ، قال : «واعلم : أنّ متن الحديث نفسه لا يدخل في الاعتبار ، أي اعتبار أهل الفنّ ، إلاّ نادراً ، وإنّما يدخل في اعتبار الباحثِ عنه بخصوصه كالفقيه في متون الأحاديث الفقهية ، والشارح لها ، حيث يبحثُ عمّا يتعلّقُ به منها.
واُستثني النادرُ ليدخل مثل الحديث المقلوب والمصحَّف والمضطرب والمزيد ، فإنّه يبحث عنها في هذا العلم مع تعلّقها بالمتن.
بل ، يكتسبُ الحديث صفةً من القوّة والضعف ـ وغيرهما من الأوصاف ـ بحسب أوصاف الرواةِ من : العدالة والضبط والإيمان وعدمها كغير ذلك من الأوصاف.
أو بحسب الإسناد من الاتّصال ، والإنقطاع والإرسال والإضطراب وغيرها»(3).
2 ـ كتاب (الوجيزة في الدراية) للشيخ البهائي (ت 1030هـ) :
وهو كتاب موجز استوعب علم الدراية بأسلوب رشيق وعبارة غير
__________________
(1) المنافقون : 7.
(2) شرح البداية : 56 ـ 58.
(3) شرح البداية : 75.

معقّدة ، خالف فيه آراء الشهيد الثاني (ت 966هـ) ومشهور العامّة.
قال في المقدّمة : «الحمد لله على نعمائه المتواترة ، وآلائه المستفيضة المتكاثرة ، والصلاة على أشرف أهل الدنيا والآخرة ، نبيّنا محمّد وعترته الطاهرة. هذه رسالة عزيزة ، موسومة بالوجيزة ، تتضمّن خلاصة علم الدراية ، وتشتمل على زبدة ما يحتاج إليه أهل الرواية ، جعلتها كالمقدّمة لكتاب الحبل المتين ، وعلى الله أتوكّل وبه أستعين. وهي مرتّبة على مقدّمة وفصول ستّة وخاتمة»(1).
ومنهجه في الوجيزة هو الاختصار الشديد ، مع إتقان العبارة وعدم الإسراف في الكلمات أو المفاهيم ، وكأنّ المصنّف صمّم الوجيزة للشروحات التي سيقوم بها اللاحقُ من الفقهاء.
مضمون كتاب الوجيزة :
قسّم المصنِّف الخبر إلى : متواتر (وهو الذي بلغت سلاسله في كلّ طبقة حدّاً يؤمن معه تواطؤهم على الكذب) ، وآحاد (وهو الخبر الذي لا يكون متواتراً).
بعد ذلك قام بتقسيمات خمسة للخبر :
أوّلاً : خبر الآحاد : وفروعه :
__________________
(1) الوجيزة ـ الشيخ البهائي : 22.

1 ـ المستفيض : إذا نقل الحديث في كلّ مرتبة أكثر من ثلاثة.
2 ـ الغريب : إذا انفرد به واحد في أحد المراتب.
3 ـ المسند : إذا عُلمت سلسلته بأجمعها.
4 ـ المعلّق : سقط من أوّلها واحد فصاعداً.
5 ـ المرسل : سقط في آخرها كذلك أو كلّها.
6 ـ المنقطع : سقط من وسطها واحد.
7 ـ المعضل : سقط من وسطها أكثر من واحد.
ثانياً : تقسيم الخبر باعتبار ما يعرض له ، إلى :
1 ـ المعنعن : المروي بتكرير لفظة (عن).
2 ـ المضمر : مطوي ذكر المعصوم عليه‌السلام.
3 ـ العالي : قصير السلسلة.
4 ـ المسلسل : ومشتركها ـ كلاًّ أو جلاًّ ـ في أمر خاص ، كالإسم ، والأوّلية ، والمصافحة ، والتقليم ونحو ذلك.
5 ـ الشاذ : مخالف المشهور.
ثالثاً : تقسيم الخبر المسند إلى :
1 ـ الصحيح : سلسلة السند إماميّون ممدوحون بالتعديل.
2 ـ الحسن : سلسلة السند بدون إماميّين ـ كلاًّ أو بعضاً ـ مع تعديل البقية.
3 ـ القويّ : مسكوت عن مدحهم وذمّهم.

4 ـ الموثّق : غير إماميّين ـ كلاًّ أو بعضاً ـ مع تعديل الكلّ.
5 ـ الضعيف : ما عدا الأربعة السابقة.
6 ـ المقبول : اشتهر العمل بمضمونه.
رابعاً : تقسيم الخبر بلحاظ المروي ، إلى :
1 ـ المعلّل : اشتمل على علّة خفية في متنه أو سنده.
2 ـ المدرج : اختلط به كلام الراوي فتوهّم أنّه منه ، أو نقل مختلفي الإسناد أو المتن بواحد.
3 ـ المدلّس : أوهم السماع ممّن لم يسمع منه.
4 ـ المقلوب : بدّل بعض الرواة ، أو كلّ السند بغيره ، سهواً ، أو للرواج ، أو للكساد.
5 ـ المصحّف : صحّف في السند أو المتن.
خامساً : تقسيم الخبر بلحاظ الراوي ، إلى :
1 ـ المتّفق والمفترق : إن وافق في اسم الراوي واسم أبيه آخر ، لفظاً.
2 ـ المؤتلف والمختلف : إن وافق في اسم الراوي واسم أبيه آخر ، خطّاً فقط. أي اتّفقا خطّاً واختلفا نطقاً ، مثل : بريد ويزيد ، وجرير وحريز.
3 ـ المتشابه : إن وافق في اسم الراوي فقط ، والأبوان مؤتلفان.
4 ـ رواية الأقران : وافق المروي عنه في السنّ.
5 ـ رواية الأكابر عن الأصاغر : تقدّم المروي عنه في أحدهما.

شروح الوجيزة :
وبلحاظ أهمّية هذا الكتاب الموجز وكونه لبنة أساسية في علم الدراية فقد شرحه الفقهاء ، ومن تلك الشروح :
1 ـ شرح الشيخ عبد النبي البحراني الشيرازي.
2 ـ شرح السيّد حسن الصدر وسمّاه نهاية الدراية.
3 ـ شرح علي محمّد النقوي النصير آبادي بثلاثة شروح : الصغير : الجوهر العزيزة ، المتوسط : شرح الوجيزة البهائية ، الكبير : سلسلة الذهب.
4 ـ شرح الميرزا محمّد بن سليمان التنكابني.
5 ـ شرح أمجد حسين الإله آبادي وسمّاه صفائح الإبريز في شرح الوجيزة.
6 ـ شرح ميرزا علي بن المير محمّد الحسين الشهرستاني الحائري ، وسمّاه بـ : الدرة العزيزة.
7 ـ شرح صاحب النزهة الاثنا عشرية وسمّاه شرح الوجيزة(1).
3 ـ كتاب نهاية الدراية للسيّد حسن الصدر العاملي (ت 1354هـ) :
وهو كتاب شامل في علم الدراية يشرح فيه المصنف كتاب الوجيزة في الدراية للشيخ البهائي (ت 1030هـ).
قال المصنّف في علّة تأليف الكتاب : «وحيث كانت ـ أي : الوجيزة ـ
__________________
(1) الذريعة 25 / 51.

تلويحات وإشارات في تلك الاصطلاحات لا تفيد المبتدي ، ولا تغني المنتهي ، أحببتُ أن أكشف حجابها ، وأرفع نقابها ، وأضيف إليها ما يتعلّق بهذا الفنّ من الفوائد والتنبيهات ، وعدّة من الاصطلاحات التي لم تكن فيها ، لتكون هذه رسالة بعد شرحها تامّة في بابها ، مغنيةٌ عمّا سواها»(1).
ومنهج المصنّف في الكتاب كان شرحاً مزجيّاً ، وإضافة موضوعات جديدة ، والتقيد بالأصل في تقسيم الفصول ، وبيان آرائه في المسائل والموضوعات.
نماذج من مضمون الكتاب :
ونعرض نماذج من الأفكار المطروحة في الكتاب :
النموذج الأوّل : عرض المصنّف أدلّة صاحب الحدائق الناضرة على بطلان تنويع الحديث ، ثمّ ردّ عليها ، فقال :
«الوجه الأوّل : ما قد عرفت في المقدّمة الأولى من أنّ منشأ الاختلاف في أخبارنا إنّما هو التقيّة من أهل الخلاف ، لا من دسّ الأخبار المكذوبة حتّى يحتاج إلى هذا الاصطلاح ...
ففيه :
أنّه لا ضرورة تلجئ إلى اصطلاحهم ، لأنّهم قد أمرونا بعرض ما شُكّ
__________________
(1) نهاية الدراية ـ المقدمة : 66.

فيه من الأخبار على الكتاب والسنّة ، فيؤخذ بما وافقهما ويطرح ما خالفهما ... انتهى الوجه الأوّل وفيه :
[الردّ على الوجه الأوّل] إنّ اختلاف الأخبار كما كان للتقية كذلك يكون للنقل بالمعنى ، وإغفال قرائن الأحوال ، والخطأ ، والنسيان ، والكذب ، والدسّ ، وغير ذلك من الوجوه كما لا يخفى على الخبير ، وقد نقلت بعض ذلك عند التعرّض للوضع في الحديث.
وكيف يستبطأ ذلك من المنحرفين وأعداء الدين؟
وأقصى ما في الوثاقة واشتهار الكتب بين الطائفة غلبة الظنّ بالصدور.
وقوله [أي صاحب الحدائق] رحمه‌الله : «لأنّهم قد أمرونا بعرض ما شكّ ... إلى آخره» غريب. وأين يقع ما في الكتاب المجيد والسنّة المعلومة من أخبار دوّن منها أربعمائة أصل ، وسوّد بها ما يزيد على أربعة آلاف كتاب.
ثمّ إنّهم عليهم‌السلام كما أمرونا بالعرض على الكتاب والسنّة ، فقد أمرنا الله عزّ وجلّ ، وأمرونا بالتبيّن عند خبر الفاسق والأخذ بما يروي الصادق ، وتقديم رواية الأصدق ، والأعلم ، والأورع ، فكيف استباح الشيخ عليهم الحكم بمخالفة الأئمّة عليهم‌السلام حتّى صحّ له أن يقول : إنّ اتّباع الأئمّة عليهم‌السلام أولى من اتّباعهم؟ على أنّ هؤلاء الأخبارية لا يراعون في الحكم بالصحّة والقطع بالصدق عرضاً على كتاب ولا سنّة ، ولا يختلفون بهما ، ولا يراعون مكانهما ، فلم يتابعوا العلماء ولا الأئمّة ....»(1).
__________________
(1) نهاية الدراية : 112.

ثمّ يذكر وجوهاً أخرى ويردُّ عليها بنفس الأسلوب.
النموذج الثاني : ويبحث في الحديث الحسن ، ويقول : «[الحسن] أو كان ما رواه الإمامي الممدوح (بدونه) ، أي بدون التعديل ، بأن كانت السلسلة (كلاًّ) كذلك ، (أو بعضاً) ولو واحداً منها ، (مع تعديل البقية ، فحسن) في الاصطلاح.
وعرّفه المحقّق الكركي في كاشفة الحال(1) : (بأنّه هو ما رواه الممدوح من الإمامية الذين لم يبلغ مدحهم له إلى التصريح بعدالته ، بأن تكون السلسلة كلّها كذلك ، ويكون في الطريق ولو واحداً).
ونقل جدّي في المنتقى عن والده تعريفه في بداية الدراية : (بما اتّصل سنده كذلك بإماميٍّ ممدوح بلا معارضة ذمٍّ مقبول ، من غير نصٍّ على عدالته في جميع مراتبه أو بعضها ، مع كون الباقي بصفة رجال الصحيح) ، واستجوده بعد نقله).
ولا يخفى عليك أنّ قيد (بلا معارضة ذم مقبول) لم يذكره جدّي في مبحث الحسن لا في البداية ولا في شرحها ، وإنّما ذكره في آخر مبحث الموثّق ، قال هناك : (ولو فرض كونه قد مدح وذمّ ، كما اتّفق لكثير ، وَرَد على تعريف الحسن أيضاً.
والأولى : أن يطلب حينئذ الترجيح ، ويعمل بمقتضاه ، فإن تحقّق التعارض لم يكن حسناً ، وعلى (هذا) فينبغي زيادة تعريف الحسن بكون
__________________
(1) ليس للمحقّق الكركي كتاب بهذا الاسم ، وربّما يقصد ابن أبي جمهور الأحسائي.

الممدوح مقبولاً ، فيقال : ما اتّصل سنده بإماميٍّ ممدوح مدحاً مقبولاً ... إلى آخره. أو غيره معارض بذمٍّ ونحو ذلك) (1).
فأخذه ولده قدس‌سره وزاده هذا القيد في المقام.
واحتراز بكون الباقي من رجال الصحيح عمّا لو كان دونه ، فإنّه يلحق بالمرتبة الدنيا ، كما لو كان فيه واحد ضعيف ، فإنّه يكون ضعيفاً ، أو واحد غير إمامي عدل فإنّه يكون من الموثّق.
وبالجملة ، يتبع آخر ما فيه من الصفات المتعدّدة»(2).
النموذج الثالث : «[الألفاظ الدالّة على المدح] : وأمّا ما ذكر أنّه يدلّ على المدح فأمور ، منها :
كثير الرواية : وحكى الشهيد أنّه قال في حديث الحكم بن مسكين ما لفظه : (لمّا كان كثير الرواية ، ولم يرد فيه طعن فأنا أعمل بروايته).
وعن صاحب البحار أنّ ذلك من شواهد الوثاقة.
وقال السيّد في العدّة : (وربّما جعلت هذه أمارة على التوثيق ، وليس بذلك البعيد [ربّما ليس ذلك ببعيد] ، بناء على الاكتفاء في العدالة بحسن الظاهر) (3).
واعترض جدّي الشهيد الثاني على الأوّل بأنّه لا يكفي عدم الجرح بل
__________________
(1) شرح البداية 1 / 87.
(2) نهاية الدراية : 259 ـ 260.
(3) عدة الرجال : 25 ـ 26.

لابدّ من التوثيق. وهو الوجه. ولا يبعد كون حديث الراوي المتّصف بذلك حسناً ، لقوله عليه‌السلام : (اعرفوا منازل الرجال على قدر روايتهم عنّا) (1)» (2).
4 ـ كتاب مقباس الهداية في علم الدراية :
يُعتبر كتاب مقباس الهداية في علم الدراية في 7 مجلّدات للشيخ عبد الله المامقاني (ت 1351 هـ) أوسع الكتب وأشملها في هذا الموضوع. فقام المصنّف بشرح علم الدراية بموضوعه ومصطلحاته شرحاً مسهباً ، وأثرى بحثه الحديثي بمباحث أصولية ، وتفرّد في جملة من بحوثه وتحقيقاته.
والكتاب يشتمل على مقدّمة وفصول وخاتمة.
قال في المقدّمة : «أنّه لمّا كان علما الدراية والرجال من العلوم المتوقّف عليها الفقه والاجتهاد عند أولي الفهم والاعتبار ، وصارا في أزمنتنا مهجورين بالمرّة ، حتّى لا تكاد تجد بهما خبيراً ، وبنكاتهما بصيراً ، بل صارا من العلوم الغريبة ، والمباحث المتروكة ، رأيت من الفرض اللازم علىَّ تصنيف كتابين فيهما ، جامعين لهما ، باحثين عنهما ، وافيين بشتاتهما ، كافيين لمن طلبهما ، كاشفين عن غوامضهما ، مبيِّنين لدقائقهما ، موضحين لحقائقهما ، مع اختلال البال ، وتشتّت الفكر والخيال ، وملال الخاطر عن عوارض الدهر الغدّار»(3).
__________________
(1) الكافي 1 / 50 ح 13.
(2) نهاية الدراية : 423.
(3) مقباس الهداية 1 / 35 ـ 36.

ثمّ يقدّم كتاب الدراية أوّلاً ثمّ كتاب الرجال ، ويقول : «أنّ سبب تقديم كتاب الدراية بسبب تقدّم علم الدراية فضلاً على علم الرجال».
فيتناول في المقدّمة بيان حقيقة علم الدراية ، وموضوعه ، وغايته. فيقول : «أصل الدراية : العلمُ مطلقاً ، أو بعد الشكّ. ونُقل هنا إلى علم أصول الحديث ، وخُصّ به اصطلاحاً ، ولذلك ساغ بعد صيرورته علماً لهذا العلم إضافة العلم إليه ، وإلاّ لكان من إضافة الشيء لنفسه»(1).
ثمّ قال : «وقد عُرّف في الاصطلاح بأنّه : علمٌ يبحث فيه عن متن الحديث ، وسنده وطرقه من صحيحها وسقيمها وعليلها ، وما يحتاج إليه لِيُعرف المقبول منه من المردود ، عرّفه به الشهيد الثاني في بداية الدراية.
وعرّفه شيخنا البهائي في الوجيزة بأنّه : علمٌ يبحث فيه عن سند الحديث ، ومتنه وكيفية تَحمّله ، وآداب نقله.
وهذا أجود من سابقه ؛ لأنّ كيفية التحمّل وآداب النقل من مسائل هذا العلم ، وإدراجهما في قوله : ما يحتاج إليه في تعريف البداية يحتاج إلى تكلّف»(2).
«وبعبارة أخرى : علم الرجال يبحث فيه بحثاً صغرويّاً ، بخلاف علم الدراية فإنّه يبحث فيه بحثاً كبرويّاً ، إذ يُستعلم منه أنّه كلّما كانت الرواة بصفة كذا فحكمه كذا ، وعلى هذا فبينهما تباين ، ويشهد بما ذُكِرَ أنّهم قد أخذوا في
__________________
(1) مقباس الهداية 1 / 40 ـ 41.
(2) مقباس الهداية 1 / 41 ـ 42.

تعريف الدراية لفظ السند الذي هو اسم للمجموع من حيث هو مجموع ، وفي تعريف الرجال رواة السلسلة»(1).
الاستنتاج :
1 ـ بعد أن ذكر نسبة تسمية الدراية إلى المُسمّى ، ذكر تعريفين لفقيهين كبيرين من فقهاء أهل البيت عليهم‌السلام وهما : الشهيد الثاني ، والشيخ البهائي. ثمّ أخذ بالتعريف الثاني.
2 ـ بعد أن استعرض الفرق بين علم الدراية وعلم الرجال ، قرّر أنّ البحث في علم الدراية بحث إجمالي لأحوال السند وعوارض المتن (وهو بحث كبروي). بينما البحث في علم الرجال هو بحث عن أوصاف الرواة على وجه التفصيل مدحاً أو قدحاً (وهو بحث صغروي).
الروح النقدية لمقباس الهداية :
في ذكره تعريفَي الحديث والخبر يناقش مباني القوم ويقول : «وقع الخلاف في المعنى الاصطلاحي للحديث وللخبر على أقوال :
الأوّل : إنّهما مترادفان ، وإنّهما يشملان ما إذا كان المخبر به رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، أو الإمام عليه‌السلام ، أو الصحابي ، أو التابعي ... فإذا كانا مترادفين لزم شمول الحديث أيضاً للكلّ. وقد وصف الشهيد الثاني هذا القول في البداية
__________________
(1) مقباس الهداية 1 / 42 ـ 43.

بالأشهرية في الاستعمال ، والأوفقية ، لعموم المعنى اللغوي. ولا يخفى عليك أنّ تسمية ما انتهى إلى غير المعصوم من الصحابي والتابعي حديثاً مبنيٌّ على أصول العامّة ، وأمّا أصحابنا فلا يسمّون ما لا ينتهي إلى المعصوم بالحديث.
الثاني : إنّ الحديث أخصّ من الخبر ، وإنّ الخبر عامٌّ لقول كلِّ إنسان ، والحديث خاصٌّ بقول النبيّ (صلى الله عليه وآله) وغيره ممّن ذكر ، فكلّ حديث خبر ، وليس كلّ خبر بحديث ، نقله جلال الدين السيوطي قولاً(1).
الثالث : إنّهما متباينان ، وإنّ الحديث خاصّ بما جاء عن المعصوم من النبيّ (صلى الله عليه وآله) والإمام عليه‌السلام ، والخبر خاصٌّ بما جاء عن غيره. ومن ثَمّ قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها : الأخباري ، ولمن يشتغل بالسنّة النبوية : المحدّث ، وما جاء عن الإمام عليه‌السلام عندنا في معناه.
ويردّه شيوع إطلاق الأخباري ـ سيما في العصر المتأخّر ـ على من يتعاطى أخبار أهل البيت عليهم‌السلام ويعمل بها لا غير.
الرابع : عكس الثاني ، نقله قولاً في البداية ، ونقل أنّ به قائلاً ولم يسمه.
وظنّي أنّه اشتباه من قلمه الشريف ، وأنّ غرضه نقل القول الثاني ، لأنّ أعمّية الحديث من الخبر ممّا لا شاهد عليه بوجه ...
[والنتيجة أنّ] إطلاق الخبر على ما يرادف الحديث اصطلاح أهل هذا العلم ...»(2).
__________________
(1) تدريب الراوي 1 / 42.
(2) مقباس الهداية 1 / 58 ـ 65.

نماذج من مقباس الهداية :
ونعرض نماذج منتقاة من الكتاب حتّى نحيط بمنهج المصنّف وطبيعة عرضه للأفكار وتفنيدها ، وطبيعة طرح ما يتبنّاه من رأي محكم مسند بالدليل.
النموذج الأوّل : في الحديث المرسل ، حيث يردُّ فيه على الشيخ البهائي (ت 1030هـ) من إجراء حكم المسانيد على مراسيل الصدوق (ت 329 هـ) ، فيقول : «ولقد أجاد صاحب التكملة حيث ردّه بوجود الفارق بين مراسيل ابن أبي عمير ومراسيل الصدوق رحمه‌الله بما مرّ ، لقلنا له هو حجّة عليه ، فلا يلزم من ذلك أن يكون حجّة علينا ، فلنفحص هل هو حجّة علينا أو لا كما فحصت أنت؟
ولكن [طأطأت] العصابة رؤوسها لأحاديث ابن أبي عمير وأضرابه و [طأطأناها] ونراهم أخذوا في كمال البحث والفحص لأخبار ابن بابويه في أخذ بعض وطرح بعض ، كذلك يجب علينا وهو الفارق وأي فارق ، على أنّا وجدناه في الفقيه يذكر روايتين متناقضتين لا يمكن الفتوى بهما معاً ، وذهب إلى ما اتّفق الأصحاب على خلافه ، ولم نجد في أخبار ابن أبي عمير ما أجمعوا على خلافه.
ثمّ قال : والأعجب أنّ الفاضل المذكور ـ يعني البهائي ـ والشيخ الحرّ ذهبا إلى وثاقة بعض الرجال لذلك ـ أي لوقوعه في طريق الصدوق في الفقيه ـ مع أنّه لا دخل له بوجه من الوجوه. انتهى ما في التكملة(1) ، وهو كلام كامل
__________________
(1) تكملة الرجال 2 / 324.

متين ، وبالتلقّي بالقبول قمين ...»(1).
النموذج الثاني : في دواعي وضع الاصطلاح ، يقول : «إنّ من أنكر ـ في علم الأصول ـ حجّية خبر الواحد ، وقصّر العمل بالمتواتر ، أو المحفوف بالقرائن القطعية ، في فسحة من مراجعة الرجال ، إلاّ في مقام الترجيح ، وأمّا القائلون بحجّية الخبر الواحد ، وهم الأكثرون ، فمن قال منهم بحجّيته من باب بناء العقلاء والوثوق والاطمينان العقلائي ، كما هو الحقّ المنصور ، جوّز العمل بما يوثق به من الصحيح والموثّق والحسن والضعيف المنجبر بالشهرة ، ومنع من العمل بالخبر الشاذّ المتروك المعرض عنه بين الأصحاب ، وبالخبر المعارض بمثله ، إلاّ مع وجود المرجّح.
وأمّا القائلون بحجّيته من باب التعبّد ، فمنهم من اقتصر على العمل بالصحيح الأعلى ولم يعتبر غيره ، نظراً منه إلى كون ما لا يعتبر فيه التثبّت ويجوز العمل به هو خبر العدل ، وإلى أنّ التعديل من باب الشهادة فيعتبر فيه التعدّد. ومنهم من زاد على ذلك الصحيح المعدّل بعدل واحد ، نظراً إلى أصالة عدم اعتبار التعدّد فيه ، وفيه نظر ظاهر ، ضرورة أنّ هذه الأصالة إنّما كانت تنفع أن لو كان هناك عموم مثبت لاعتبار الشهادة على الإطلاق ولو من واحد ، وأنّى للخصم بذلك! وغاية ما ثبت حجّية البيّنة ، وهي عبارة عن شهادة عدلين ، ولا تشمل شهادة الواحد ، فتبقى شهادة الواحد تحت أصالة عدم حجّية من غير معارض ، فالأقوى بناء على اعتبار خبر الواحد من باب
__________________
(1) مقباس الهداية 1 / 360 ـ 361.

التعبّد هو قصر الحجّية على الصحيح الأعلى ، كما عليه سيّد المدارك قدس‌سره)»(1).
ثمّ يستدرك المصنّف ، وبعد أن يدرك لاحقاً عدم صواب مبناه ، فيقول : «هذا ما اخترته في سالف الزمان وهو اشتباه ، ضرورة عدم كون اعتبار التوثيقات من باب الشهادة حتّى يعتبر فيها التعدّد ، لفقدها لأغلب أوصاف الشهادة ، كما نقّحنا ذلك في فوائد مقدّمة التنقيح [تنقيح المقال] ، فما عليه صاحب المدارك ومن وافقه خطأ جزماً»(2).
أقول : تلك شهادة عظمى على عظمة فقهائنا العظام وتقواهم وانقيادهم للدليل ، واعترافهم بالقصور إن وقع منهم ذلك.
النموذج الثالث : في الحديث المشترك : «وهو ما كان أحد رجاله أو أكثرها مشتركاً بين الثقة وغيره ، وأمثلة ذلك كثيرة ، ولابد من التمييز ، لتوقّف معرفة حال السند عليه.
والتمييز : تارة بقرائن الزمان ، وأخرى بالراوي ، وثالثة بالمرويّ عنه و .... وغير ذلك من المميّزات. وقد صنّفوا في تمييز المشتركات كتباً ورسائل ، وأتعبوا أنفسهم في ذلك جزاهم الله تعالى عنّا خيراً ، ولعلّنا نتوفّق للكلام في ذلك.
ثمّ إن تميّز بشيء ممّا ذكر أو كان جميع أطراف الشبهة ثقات فلا كلام ،
__________________
(1) مقباس الهداية 1 / 185 ـ 186.
(2) مقباس الهداية 1 / 187.

وإلاّ لزم التوقّف وعدم العمل بالخبر. نعم ليس للفقيه ردّ الرواية بمجرّد الاتّفاق في الاسم مع الاشتراك بين ثقة وغيره ، بل يلزمه الفحص والتميّز والتوقّف عند العجز ، وقد اتّفق لجمع من الأكابر منهم ثاني الشهيدين رحمهما‌الله في المسالك ردّ جملة من الروايات بالاشتراك في بعض رجالها ، مع إمكان التميّز فيها ....»(1).
خاتمة الفصل :
عرضنا آنفاً الكتب الرئيسية في علم الدراية عند فقهاء الشيعة الإمامية ، وهي كتب على صغر حجمها أحياناً كانت غنيّةً بمحتواها ، قويةً في دلالالتها ، تراوحت بين الإيجاز والتفصيل. ويدلّك الثراء الفكري وسعة الإحاطة في نهاية الدراية للسيّد العاملي (ت 1354هـ) ، ومقباس الهداية للشيخ المامقاني (ت 1351هـ) مقارنةً بما كُتب في شرح البداية في علم الدراية للشهيد الثاني (ت 966هـ) ، والوجيزة في الدراية للشيخ البهائي (ت 1030هـ) ، على أنّ علم الدراية في سعي حثيث نحو الرقي والكمال ، وتطوّر متواصل للوصول إلى أهدافه في معرفة المتون والأسانيد.
__________________
(1) مقباس الهداية 1 / 288 ـ 289.

الفصل الخامس
ميزان الأخذ بالأحاديث
ومصاعب البحوث الحديثية
لمّا كانت الأخبار الواردة إلينا بحاجة إلى تمحيص وتدقيق في سندها ومتنها ، فقد قُسّم الخبر عموماً إلى صحيح وغير صحيح. ولكن ذلك التقسيم مرّ بمراحل متعدّدة :
المرحلة الأولى : (من القرن الأوّل ولحدّ القرن السادس الهجري) :
حيث كان المتعارف بين القدماء إطلاق الصحيح على كلّ حديث يعتمدون عليه ، أو اقترن بما يوجب الوثوق به ، والركون إليه.
و «ذلك لأمور :
منها : وجود الخبر في كثير من الأصول الأربعمائة التي نقلوها عن مشايخهم بطرقهم المتّصلة بأصحاب العصمة عليهم‌السلام وكانت متداولة لديهم في تلك الأعصار ، مشتهرة فيما بينهم اشتهار الشمس في رابعة النهار.
ومنها : تكرّره في أصل أو أصلين منها فصاعداً بطرق مختلفة وأسانيد عديدة معتبرة.

ومنها : وجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الذين أجمعوا على تصديقهم كزرارة ، ومحمّد بن مسلم ، والفضيل بن يسار ، أو على تصحيح ما يصحّ عنهم كصفوان بن يحيى ، ويونس بن عبد الرحمن ، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر ، أو على العمل بروايتهم كعمّار الساباطي ونظرائه ممّن عدّهم شيخ الطائفة في كتاب العدّة كما نقله عنه المحقّق في بحث التراوح من المعتبر(1).
ومنها : اندراجه في الكتب التي عُرِضتْ على أحد الأئمة عليهم‌السلام فأثنوا على مؤلّفيها ككتاب عبيد الله الحلبي الذي عُرض على الإمام الصادق عليه‌السلام ، وكتاب يونس بن عبد الرحمن ، والفضل بن شاذان المعروضين على الإمام العسكري عليه‌السلام.
ومنها : أخذه من أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها سواء كان مؤلّفوها من الفرقة الناجية الإماميّة ككتاب الصلاة لحريز بن عبد الله السجستاني وكتب بني سعيد وعلي بن مهزيار ، أو من غير الإماميّة ككتاب حفص بن غياث القاضي ، وحسين بن عبيد الله السعدي ، وكتاب القبلة لعليّ بن الحسن الطاطري.
وقد جرى رئيس المحدّثين محمّد بن بابويه على متعارف المتقدّمين في إطلاق الصحيح على ما يركن إليه ويعتمد عليه ، فحكم بصحّة جميع ما أورده من الأحاديث في كتاب من لا يحضره الفقيه ، وذكر أنّه استخرجها من
__________________
(1) المعتبر 1 / 60.

كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع.
وكثير من تلك الأحاديث بمعزل عن الاندراج في الصحيح على مصطلح المتأخّرين ، ومنخرط في سلك الحسان والموثّقات بل الضعاف ، وقد سلك على هذا المنوال جماعة من أعلام علماء الرجال ، فحكموا بصحّة حديث بعض الرواة ـ غير الإماميّين ـ كعليّ بن محمّد بن رياح وغيره لمّا لاحَ لهم من القرائن المقتضية للوثوق بهم ، والاعتماد عليهم ، وإن لم يكونوا في عداد الجماعة الذين انعقد الإجماع على تصحيح ما يصحّ عنهم»(1).
المرحلة الثانية : (القرن السابع الهجري) :
ولمّا طال الزمن عن عصر النصّ ظهرت مشكلة رئيسية كان مصدرها أمرين :
الأوّل : اندراس بعض كتب الأصول الأربعمائة المعتمدة في الحديث بسبب بطش حكّام الجور ، وما أتبع ذلك من خوف من اندراسها.
الثاني : ظهور الموسوعات الحديثية الأربع (الكافي ، من لايحضره الفقيه ، الاستبصار ، تهذيب الأحكام) حيث تداخلت الأحاديث المأخوذة من الأصول المعتمدة بتلك المأخوذة من غير المعتمدة ، واشتبهت المتكرّرة في كتب الأصول بغير المتكرّرة.
فخُفيت على علماء المرحلة الجديدة أمورٌ كانت سبب وثوق القدماء
__________________
(1) مشرق الشمسين : 3 ـ 4.

بكثير من الأحاديث «ولم يمكنهم الجري على إثرهم في تمييز ما يعتمد عليه ممّا لا يركن إليه ، فاحتاجوا إلى قانون تتميّز به الأحاديث المعتبرة عن غيرها ، والموثوق بها عمّا سواها. فقرّروا لنا ذلك الاصطلاح الجديد [وهي : الصحيح ، والحسن ، والموثّق ، والضعيف] ، وقرّبوا إلينا البعيد ، ووصفوا الأحاديث الواردة في كتبهم الاستدلالية بما اقتضاه ذلك الاصطلاح من الصحّة والحسن والتوثيق»(1).
وقد اختلف العلماء في من هو الأوّل من سلك هذا الطريق ، وفي ذلك رأيان :
الأوّل : إنّ أوّل من سلك طريق (دراية الحديث) هو السيّد جمال الدين ابن طاووس (ت 673 هـ). قال السيّد حسن الصدر العاملي (ت 1354هـ) : «ولا يكاد يُعلم وجود هذا الاصطلاح قبل زمان العلاّمة إلاّ من جهة السيّد جمال الدين بن طاووس»(2).
الثاني : إنّ أوّل من سلك طريق الدراية هو العلاّمة الحلّي ، جمال الحقّ والدين الحسن بن المطهّر (ت 726 هـ). قال الشيخ البهائي (ت 1030هـ) : «وأوّل من سلك هذا الطريق من علمائنا المتأخّرين شيخنا العلاّمة جمال الحقّ والدين الحسن بن المطهّر الحلّي»(3).
__________________
(1) مشرق الشمسين : 4.
(2) منتقى الجمان 1 / 13.
(3) مشرق الشمسين : 4.

والتحقيق أنّ السيّد ابن طاووس (ت 673هـ) هو أوّل من سلك هذا الطريق ، حيث قسّم الحديث إلى الأقسام الأربعة : الصحيح ، والحسن ، والموثّق ، والضعيف ، ولم يسبقه في ذلك أحدٌ ، ثمّ أخذ منه تلميذه العلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) فطوّر مباني علم الدراية.
المرحلة الثالثة : (القرن الثامن الهجري وما بعده) :
استقرّ فقهاء أهل البيت عليهم‌السلام على التقسيم الرباعي ، بل بدأ ميزان الأخذ بالروايات الصحيحة علويّاً بالمناقشة والاستدلال ، ونعرض لمثالين هما : الشهيد الأوّل (ت 786هـ) ، والشهيد الثاني (ت 966هـ).
أوّلاً : الشهيد الأوّل ، محمّد بن مكّي (ت 786 هـ) قال :
1 ـ الصحيح : ما اتصلت روايته إلى المعصوم عليه‌السلام بعدل إماميّ.
2 ـ الحسن : ما رواه الممدوح من غير نصّ على عدالته.
3 ـ الموثّق : ما رواه من نصّ على توثيقه مع فساد عقيدته ، ويسمّى القويّ.
4 ـ الضعيف : ما يقابل الثلاثة(1).
أشار الشيخ حسين عبد الصمد والد الشيخ البهائي (ت 984هـ) إلى أنّ : «تقسيم الخبر إلى الموثّق من خواصّ علمائنا ، والعامّة يدخلونه في قسم
__________________
(1) الذكرى : 4.

الصحيح»(1).
ثانياً : الشهيد الثاني ، زين الدين بن علي العاملي (ت 966 هـ) ، قال :
1 ـ الصحيح : ما اتّصل سنده إلى المعصوم عليه‌السلام بنقل العدل الإمامىّ عن مثله في جميع الطبقات وإن اعتراه شذوذ.
أقول : نفهم من كلامه قدس‌سره أنّه لو اتّصلت الرواية في آخرها بعدل إماميٍّ بالإمام عليه‌السلام فهذا لا يكفي ، بل لابدّ أن يكون جميع رواته متّصفين بصفة العدالة ، وقوله : (وإن اعتراه شذوذ) يعني اعتراه إرسال أو قطع.
2 ـ الحسن : ما اتّصل سنده كذلك بإماميٍّ ممدوح بلا معارضة ذمّ مقبول ، من غير نصّ على عدالته في جميع مراتبه أو بعضها مع كون الباقي بصفة رجال الصحيح. ومن هذا القسم : «حكم العلاّمة [الحلّي ت 726هـ] وغيره بكونِ طريق الفقيه إلى منذر بن جبير حسناً ، مع أنّهم لم يذكروا حالَ منذر بمدح ولا قدح»(2).
3 ـ الموثّق : من دخل في طريقه مَن نصّ الأصحاب على توثيقه مع فساد عقيدته ، ولم يشتمل باقيه على ضعف.
4 ـ الضعيف : «ما لا يجتمع فيه شروط أحد الثلاثة المتقدّمة [الصحيح
__________________
(1) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار : 97.
(2) شرح البداية : 84.

والموثّق والحسن] ، بأن يشتمل طريقه على مجروح بالفسق ونحوه ، أو مجهول الحال ، أو ما دون ذلك كالوضّاع»(1).
المعركة حول اصطلاح (الصحيح) :
و (الصحيح) في الدراية هو محور البحث والاستدلال ، إلاّ أنّ الفقهاء المتقدّمين كانوا يأخذون بالصحيح المتداول بينهم بالقرائن الشرعية ، وكانت شهرة الحديث تجبر الضعف والوثاقة. فهنا لابدّ من بحث (الصحيح) عند القدماء و (الصحيح) عند المتأخّرين :
1 ـ الصحيح عند القدماء : كان «المتقدّمون من أصحابنا يريدون بالصحيح غالباً المعمول به والمفتى بمضمونه ، فيعمّ الموثّق والضعيف إذا جبرته الشهرة ، أو احتفّ بالقرائن وغير ذلك ممّا يوجب العمل»(2).
قال الشيخ البهائي (ت 1030هـ) في مشرق الشمسين أنّ الصحيح : «هو ما وثقوا بكونه من المعصوم عليه‌السلام ، أعمّ من أن يكون منشأ وثوقهم كون الراوي من الثقات أو أمارات أخر ، ويكونوا قطعوا بصدوره عنه عليه‌السلام أو يظنّون»(3).
ولكن معنى (الصحيح) عند المتأخّرين وبسبب تباعد الفترة الزمنية أصبح يعني سلامة الطريق إلى المعصوم عليه‌السلام.
__________________
(1) الرعاية في علم الدراية : 79 ـ 86.
(2) حاوي الأقوال 1 / 99 ـ100.
(3) مشرق الشمسين : 269.

2 ـ الصحيح عند المتأخّرين : و «هو ما اتّصل سنده إلى المعصوم عليه‌السلام بنقل العدل الإماميّ عن مثله في جميع الطبقات حيث تكون متعدّدة وإن اعتراه شذوذ»(1).
وقد «يطلق الصحيح عندنا على سليم الطريق من الطعن بما ينافي كون الراوي عدلاً إماميّاً ، وإن اعتراه مع ذلك الطريق السالم إرسال أو قطع ، وبهذا الاعتبار يقولون كثيراً : (روى ابن أبي عمير في الصحيح كذا) مع كون روايته المنقولة كذلك مرسلة. وبالجملة : فيطلقون الصحيح على ما كان رجال طريقه المذكورين فيه عدولاً إماميّةً ، وإن اشتمل على أمر آخر بعد ذلك»(2).
أقسام الصحيح عند المتأخّرين :
ويقسّم الصحيح عند المتأخّرين إلى ثلاثة أقسام :
1 ـ الصحيح الأعلى : و «هو ما كان كلّ واحد من الرواة في كلّ مرتبة معلوم الإماميّة والعدالة والضبط ، أو كان معدّلاً بتعديل عدلين ، أو معدّلين بعدلين وهكذا»(3).
2 ـ الصحيح الأوسط : و «هو ما كان رواة سلسلته كلاًّ أو بعضاً ـ مع كون الباقي من القسم الأعلى ـ معدّلاً بعدل يفيد قوله الظنّ المعتمد ، أو بمعدِّل
__________________
(1) وصول الأخيار : 93.
(2) الرعاية في علم الدراية : 79.
(3) مقباس الهداية 1 / 155.

كذلك»(1).
3 ـ الصحيح الأدنى : وهو الذي كان «رواته كلاًّ أو بعضاً ـ مع كون الباقي من القسم الأعلى أو الأوسط ـ ممّن حكم بعدالته بالظنّ الاجتهادي»(2).
وبالإجمال ، فإنّ الحديث الصحيح عند الفقهاء القدماء كان الحديث المعمول به المشهور بينهم ، لكن الصحيح عند المتأخّرين هو ما اتّصل سنده إلى المعصوم عليه‌السلام بنقل العدل الإمامي. وهذا المنحى الجديد جعل الاطمئنان إلى صحّة السند يتطلّب جهداً إضافيّاً بالتدقيق في سلسلة الإسناد ، والتأمّل في العلل التي كانت تؤدّي إلى شهرة الأحاديث الضعيفة ـ مثلاً ـ التي أخذ بها الفقهاء.
مصاعب البحوث الحديثية :
لا شكّ أنّ الفقيه يواجه صعوبات جمّة في تشخيص بعض الروايات من طرف المتون أو الأسانيد ، وبالخصوص عندما يحدس بأنّ هناك تدليساً في الرواية ، أو اضطراباً في المتن أو السند. وهنا نعرض أربع مشاكل تواجه البحث الحديثي ، وهي :
__________________
(1) توضيح المقال : 245.
(2) توضيح المقال : 245.

1 ـ الاضطراب في السند أو المتن.
2 ـ التدليس.
3 ـ توثيقات المتقدّمين.
4 ـ الإدراج.
1 ـ الاضطراب في السند أو المتن :
وهذا الاضطراب يهزّ الدليل ، لأنّه يمسّ أصل موضوع التوثيق.
أ ـ الاضطراب في السند :
وهو أنّ يروي الراوي رواية «تارةً عن أبيه عن جدّه مثلاً ، وتارةً عن جدّه بلا واسطة ، وثالثةً عن ثالث غيرهما»(1) ، وبتعبير عملي : «كأن يرويه مرّةً عن ابن أبي عمير ومرّةً عن محمّد بن مسلم»(2).
ب ـ الاضطراب في المتن :
وهو أن يروي الرواية «مرّة زائداً ومرّةً ناقصاً ، أو يرويه مرّةً بما يخالف المرّة الاُخرى ، وقد يكون ذلك من راو واحد وهو أقبح ، وقد يكون من
__________________
(1) مقباس الهداية 1 / 388.
(2) وصول الأخيار : 112.

أكثر»(1). وربّما «يروى حديث بمتنين مختلفين»(2).
وفي رواية الكافي والتهذيب حول الدم الذي تراه المرأة هل هو من دم الحيض أو القرحة ، اضطراب في المتن لنفس الرواية. قال في الكافي : «... فإن خرج الدم من الجانب الأيمن فهو من الحيض ، وإن خرج من الجانب الأيسر فهو من القرحة»(3).
بينما قال في التهذيب : «... فإن خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض ، وإن خرج من الجانب الأيمن فهو من القرحة»(4).
2 ـ التدليس :
وهو إخفاء العيب ، إمّا في السند أو في المكان أو في المشايخ.
أ ـ التدليس في السند :
و «هو أن يخفي الراوي عيباً في سنده ، وهو على قسمين :
الأوّل : أن يروي عمّن لقيه أو عاصره ما لم يسمع منه ، على وجه يوهم أنّه سمعه منه.
الثاني : أن لا يسقط شيخه الذي أخبره ولا يوقع التدليس في أوّل
__________________
(1) الرعاية في علم الدراية : 149.
(2) مقباس الهداية 1 / 390.
(3) الكافي 3 / 94.
(4) تهذيب الأحكام 1 / 385.

السند ، ولكن يسقط ممّن بعده رجلاً ضعيفاً أو صغير السنّ ، ليحسن الحديث بإسقاطه»(1).
ب ـ التدليس في المكان :
كأن يقول : «سمعتُ فلاناً وراء النهر ، وحدّثنا بما وراء النهر ، موهماً أنّه يريد بالنهر (جيحان) ... وإنّما يريد بذلك نهراً آخر»(2).
ج ـ التدليس في المشايخ :
وهو «أن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه ، ولكن لا يحبّ معرفة ذلك الشيخ ـ لغرض من الأغراض ـ فيسمّيه أو يكنّيه باسم أو كنية غير معروف بهما ، أو ينسبه إلى بلد أو قبيلة غير معروف بهما ، أو يصفه بما لا يُعرف به ، كي لا يُعرف»(3).
3 ـ توثيقات المتقدّمين :
كان الاعتماد على توثيقات الفقهاء المتقدّمين هو الطريقة الشائعة لدى الفقهاء للأخذ بالحديث ، لكنّ الفقهاء المتأخّرين رأوا التريّث بتوثيقات
__________________
(1) الرعاية في علم الدراية : 143 ـ 144.
(2) الرواشح السماوية : 186 الراشحة السابعة والثلاثون.
(3) وصول الأخيار : 114.

القدماء ، بل ذهب السيّد الخوئي (ت 1413هـ) إلى ضرورة الاجتهاد في التوثيقات. إذن أصبح توثيق المتقدّمين موضع نقاش ، ومن ذلك :
أ ـ توثيق ابن فضّال (وهو فطحيّ المذهب) ، وابن عقدة (وهو زيديّ جاروديّ) وأمثالهما :
قال في عدّة الرجال : «الذي يستفاد من تتبّع سيرة قدماء الأصحاب هو الاعتماد على أمثال هؤلاء»(1).
إلاّ أنّ الوحيد البهبهاني (ت 1206هـ) وجّه التوثيق لا من جهة ثبوت العدالة ، بل من باب رجحان قبول الرواية ، قال : «من لم يعتمد على توثيق أمثالهم فلا اعتراض عليه ، ومن اعتمد فلأجل الظنّ الحاصل منه ، وغير خفيٍّ على المطّلع حصوله ، بل وقوّته ، وأيضاً ربّما كان اعتماده عليه بناءً على عمله بالروايات الموثّقة فتأمّل ، ويمكن أن يكون اعتماده ليس من جهة ثبوت العدالة ، بل من باب رجحان قبول الرواية وحصول الاعتماد والقوّة»(2).
وقال أيضاً : «لو جعل تعديل مثل عليّ بن الحسن من مرجّحات قبول الرواية فلا إشكال ، بل يحصل منه ما هو في غاية القوّة ، وأمّا لو جعل من دلائل العدالة فلا يخلو من إشكال»(3).
__________________
(1) عدة الرجال 1 / 143.
(2) فوائد الوحيد : 10.
(3) فوائد الوحيد : 21.

أمّا الشيخ المامقاني (ت 1351هـ) فقد كان أكثر تمسّكاً بعدم حجّية تلك التوثيقات ، فقال : «قد تأمّل جمعٌ في توثيقاتهم نظراً إلى عدم كونهم من الإمامية. وهو بناءً على كون اعتبار التزكية من باب الشهادة لا بأس به ، وأمّا على المشهور من كونها من باب الوثوق والظنّ الذي ثبتت حجّيته في الرجال فلا وجه له»(1).
ب ـ توثيق ابن نمير (وهو عامّي) ومن جرى مجراه :
اشترط الفقهاء المتأخّرون أن تقوم قرينة قوية على توثيقه ، فصرّح الشيخ المامقاني (ت 1351هـ) : «إن قامت قرينة قوية انضمّت إلى توثيق ابن نمير وأثبتت وثاقة المشهود له ، وإلاّ فلكون ابن نمير موثّقاً نعتبر توثيقه مدحاً معتدّاً به في حقّ من وثّقه»(2).
وأشار الوحيد البهبهاني (ت 1206هـ) إلى أنّه : «لا يبعد حصول قوّة منه بعد ملاحظة اعتداد المشايخ به واعتمادهم عليه ، سيّما إذا ظهر تشيّع من وثّقوه ، وخصوصاً إذا اعترف الموثّق نفسه بتشيّعه»(3).
ج ـ توثيقات الشيخ المفيد (ت 413هـ) في الإرشاد :
وأشكل بعض الفقهاء المتأخّرين على توثيقات الشيخ المفيد (ت413هـ)
__________________
(1) مقباس الهداية 2 / 290.
(2) تنقيح المقال 1 / 217 الفوائد الرجالية.
(3) فوائد الوحيد : 51.

واعتبروها عوامل مساندة للتوثيق لا أساساً في إثبات عدالة الراوي ، وإلى ذلك قال الوحيد البهبهاني (ت 1206هـ) : «استفادة العدالة منها لا تخلو من تأمّل ، نعم يستفاد منها القوّة والاعتماد. والمحقّق الشيخ محمّد تأمّلَ ، لكن قال في وجهه : لتحقّقها بالنسبة إلى جماعة اختصّ بهم من دون كتب الرجال ، بل وقع التصريح بضعفهم من غيره على وجه يقرّب الاتّفاق ، ولعلّ مراده من التوثيق أمر آخر»(1).
بينما قدّم الشيخ المامقاني (ت 1351هـ) علاجاً لذلك فقال : «توثيقه [يعني الشيخ المفيد] من ضعّفوه أو توقّفوا في حاله لا يوجب وهن توثيقاته ، غايته عدم الأخذ بتوثيقه عند تحقّق اشتباهه»(2).
د ـ توثيقات العلاّمة وابن طاووس :
أثير الإشكال حول قبول توثيقات ابن طاووس (ت 673هـ) والعلاّمة الحلّي (ت 726هـ) ، ذلك لأنّهما عاشا في زمن بعيد عن زمن الرواة ، وزُعِمَ أنّ توثيقاتهم كانت مبنية على الحدس والاجتهاد ، لا الحسّ والاختبار.
لخّص الوحيد البهبهاني (ت 1206هـ) الموقف بالشكل التالي ، مؤيّداً قبول توثيقاتهم ، فقال : «توقّف بعضهم في توثيقات العلاّمة وتوثيقات ابن طاووس وكذا الشهيد ، ولعلّه ليس في موضعه ، لحصول الظنّ منها والاكتفاء
__________________
(1) فوائد الوحيد : 52.
(2) مقباس الهداية 2 / 291.

به»(1). بل «اعترض المجلسي الأوّل عليهم بأنّ العادل أخبرنا بالعدالة أو شهد بها فلا بدّ من القبول»(2).
وسار المقدّس الكاظمي (ت 1227هـ) على نهج الوحيد البهبهاني ، فقال : «إنّ التّوقّف في توثيق مثل ابن طاووس والعلاّمة ليس في محلّه»(3).
4 ـ الإدراج :
والمدْرَج هو ما أدخل في ثنايا الحديث شيء. وهو على قسمين : إمّا مُدْرَج السند أو مدرج المتن.
أ ـ مُدْرَج السند :
«كأن يعتقد بعض الرواة أنّ فلاناً الواقع في السند لقبه أو كنيته أو قبيلته أو بلده أو صنعته أو غير ذلك كذا ، فيوصفه بعد ذكر اسمه بذلك ، أو يعتقد معرفة من عبّر عنه في السند بـ : (بعض أصحابنا) ونحوه ، فيعبّر مكانه بما عرّفه من اسمه»(4).
ذكر السيّد حسن الصدر العاملي (ت 1354هـ) أقسام المدرج :
«1 ـ أن يذكر الراوي حديثاً ثمّ يتبعه كلاماً لنفسه أو لغيره ، فيرويه من
__________________
(1) فوائد الوحيد : 52.
(2) فوائد الوحيد : 52.
(3) عدة الرجال 1 / 138.
(4) مقباس الهداية 1 / 221.

بعده متّصلاً.
2 ـ أن يكون المتن عنده إلاّ طرفاً منه ، فإنّه عنده بإسناد آخر ، فيرويه راو عنه تامّاً بالإسناد الأوّل.
3 ـ أن يسمع الحديث من شيخه إلاّ طرفاً منه ، فيسمعه عن شيخه بواسطة ، فيرويه عنه تامّاً بحذف الواسطة.
4 ـ أو الخبر الذي رواه جماعة عن المعصوم عليه‌السلام بألفاظ مختلفة ، وروى عنهم بسند واحد ولا يذكر الاختلاف»(1).
ب ـ مُدْرَج المتن :
وهو «ما أدرج [في متن الحديث] كلام بعض الرواة ، فيظنّ أنّه من الأصل ، وهو على أقسام :
1 ـ ما أدرج فيه كلام بعض الرواة فيظنُّ أنّه من الأصل ، والغالب بل هو الظاهر منهم كون هذا في المتن ...
2 ـ ما إذا كان عنده متنان بإسنادين فيدرج أحدهما في الآخر ، فينقل أحد المتنين خاصّة بالسندين والمتنين بسند واحد.
3 ـ ما إذا كان حديث واحد مرويّاً عن جماعة مختلفين في سنده بأن رواه كلٌّ بسند ، أو اختلفوا في خصوص راو في وجوده في السند وعدمه ، أو في تعيينه بأن اختلفوا أنّ ثالثاً في السند مثلاً فلان أو فلان ، أو في متنه بأن
__________________
(1) نهاية الدراية : 294 ـ 295.

اختلفوا في وجود لفظ فيه وعدمه ، أو في أنّ الموجود هذا أو غيره وإدراجه بأن يسقط موضع الاختلاف مع مجيئه بالسندين ، أو يذكره مع السندين بما كان أحدهما يختصّ به»(1).
خاتمة الفصل :
وتركيز الفقهاء على الحديث (الصحيح) ، وإثراء بحوثه ، وإيجاد السبل الشرعية لتشخيصه ، لا يعني أنّ طريق الدراية كان يسيراً لم تعترضه المصاعب والموانع ، بل زخر تاريخ علم دراية الحديث بمختلف المشاكل التي لا زالت بحاجة إلى حلول ، وبالخصوص اضطراب السند والمتن ، والتدليس ، وتوثيقات المتقدّمين ، ونحوها.
__________________
(1) نهاية الدراية : 294 ـ 295.

الفصل السادس
شخصية الخبر وقيد العدالة
للخبر شخصية معنوية محاطة بهالة من الاحترام والإلزام والقدسية ، ذلك أنّ الخبر والحديث يعبّران عن كلام يحكي قول المعصوم أو فعله أو تقريره. وكم يتمنّى المرء أن تكون جميع الأخبار الواردة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) صحيحة ، إلاّ أنّ الواقع التأريخي لا يتّفق مع ذلك.
ولذلك وقف فقهاء أهل البيت عليهم‌السلام من البداية أمام الخبر وقوف المتأمّل ، ووضعوا لقبوله والالتزام بمحتواه وفحواه شروطاً عقلية وشرعية ، خصوصاً بعد انتشار الوضع والدسّ في الأخبار المروية عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في القرن الأوّل الهجري. وأوّل سؤال طرحوه عندما كان يردهم الخبر ، هو : هل كان ذلك الخبر متواتراً أم كان خبرَ آحاد؟
القسم الأوّل : الخبر والمخبِر :
1 ـ الخبر المتواتر والآحاد :
فالخبر على قسمين : متواتر ، وآحاد :

أ ـ الخبر المتواتر :
وطالما كان مدار قبول الخبر صدقه وسلامة نقله ، أصبح معرفة عدد الناقلين للخبر أمراً مهمّاً ، لأنّ العقل يدلّل على أنّ تتابع الرواة على نقلِ نصٍّ بعينه ـ شرطُ عدم تواطئهم على الكذب وتباين أحوالهم ـ يورث اليقين بصحّته. وهذا هو التواتر.
وقد أشار القرآن الكريم إلى مفهوم التواتر بقوله : «(ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنا تَتْرَا كُلّمَا جَاءَ أُمَةً رَسُوْلها كَذّبُوْهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضَاً وَجَعَلْناهُم أَحَادِيْثَ فَبُعْدَاً لِّقَوْم لاّ يُؤْمِنُوْنَ) (1) ، و «قوله : تترا ، مصدر ، كدعوى وذكرى وشورى ، وهو من المواترة ، وهي أن يتبع الخبر الخبر ، والكتاب الكتاب فلا يكون بينهما فصل كبير»(2).
فالخبر المتواتر ـ لفظاً أو معنىً ـ هو «خبر جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب عادةً»(3) ، و «يفيد بنفسه القطع بصدقه» ، بمعنى إن «بلغت سلاسله في كلّ طبقة حدّاً يؤمن معه تواطؤهم على الكذب ، فمتواتر»(4).
ولابدّ من ملاحظة مقدّمتين في الأخذ بالخبر المتواتر :
الأولى : أن يكون الجامع المشترك بين الرواة في رواية ما هو اتّفاقهم على الصدق وعدم اجتماعهم على الكذب ، مع تباين أحوالهم.
__________________
(1) المؤمنون : 44.
(2) مجمع البيان 4 / 107.
(3) قوانين الأصول 1 / 421.
(4) الوجيزة : 2.

الثانية : اتّفاقهم على الإخبار عن تلك الواقعة.
قال الشيخ محمّد حسين الإصفهاني (ت 1254هـ) : «إنّ ما يتوقّف عليه العلم هو المقدّمة الثانية وهي اتّفاقهم على الإخبار عن هذه الواقعة ، وأمّا المقدّمة الأولى أعني لا يجمعهم على الكذب جامع فهو عين النتيجة أو في مرتبتها ، فلا يتوقّف العلمُ بها عليه ، وليس مجرّد إمكان تأليف قياس ينتج المطلوب ملاكاً لكون النتيجة نظريّة ، بل لابدّ معه من كونه مستفاداً منها ، وإلاّ لأمكن تأليفه في كلّ ضروريّ ، كقولنا مشتمل على الجزء وزيادة»(1).
أقسام الخبر المتواتر :
وقد مثّل المحقّق القمّي (ت 1231هـ) الخبر المتواتر بشجاعة علي عليه‌السلام ، وجُوْد حاتم الطائي ، ثمّ قسّم المتواتر إلى ستّة أقسام :
«الأوّل : أن تتواتر الأخبار باللفظ الواحد سواء كان ذلك اللفظ تمام الحديث مثل (إنّما الأعمالُ بالنيّاتِ) على تقدير تواتره ... ولفظ (من كنت مولاه فعلىٌّ مولاه) ، ولفظ (إنّي تارك فيكم الثقلين) لوجود تفاوت في سائر الألفاظ الواردة في تلك الأخبار.
الثاني : أن تتواتر بلفظين مترادفين أو ألفاظ مترادفة ، مثل : أنّ الهرّ طاهر ، والسنّور طاهر ، أو الهرّ نظيف والسنّور طاهر ، وهكذا ، فيكون
__________________
(1) الفصول في الأصول : 270 ـ 271.

اختلاف الأخبار باختلاف الألفاظ المترادفة.
الثالث : أن تتوافر الأخبار بدلالتها على معنى مستقلّ ، وإن كان دلالةُ بعضها بالمفهوم والأخرى بالمنطوق ، وإن اختلف ألفاظها أيضاً ، مثل نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة الحاصلة [كما] يرد في بعض الأخبار : إنّ الماء القليل ينجس بالملاقاة ، وفي آخر : إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء. بل ويتمّ ذلك على وجه فيما كانت النجاسة في تلك الأخبار مختلفة كما في قوله عليه‌السلام : ولا تشرب [الماء المختلط] بـ : سؤر الكلب إلاّ أنّ يكون حوضاً كبيراً يستسقى منه الماء ...
الرابع : أن تتواتر الأخبار بدلالة تضمّنية على شيء مع اختلافها بأن يكون ذلك المدلول التضمّني قدراً مشتركاً بين تلك الأخبار ، مثل أن يخبر أحدٌ أنّ زيداً اليوم ضربَ عمراً ، وآخر أنّه ضربَ بكراً ، وآخر أنّه ضربَ خالداً وهكذا إلى أن يحصل حدّ التواتر مع فرض الواقعة واحداً ، فإنّه يحصل العلم بوقوع الضرب من زيد وإن لم يحصل العلم بالمضروب ...
الخامس : أن تتواتر الأخبار بدلالة التزامية بكون ذلك المدلول الالتزامي قدراً مشتركاً بينهما ، مثل أن ينهانا الشارع عن التوضّؤ عن مطلق الماء القليل إذا لاقته العذرة ، وعن الشرب عنه إذا ولغ فيه الكلب ، وعن الاغتسال عنه إذا لاقته الميتة ، وهكذا. فإنّ النهي عن الوضوء في عرف الشارع يدلّ بالالتزام على النجاسة ، وهكذا الشرب والاغتسال ، فإنّه يحصل العلم بنجاسة الماء القليل بذلك.

السادس : أن تتواتر الأخبار بذكر أشياء تكون ملزومات للازم ، يكون ذلك اللازم منشأً لظهور تلك الأشياء ، مثل الأخبار الواردة في غزوات عليٍّ عليه الصلاة والسلام ، وما ورد في عطايا حاتم ...»(1).
ب ـ خبر الواحد :
هو الخبر الذي لا يكون متواتراً «ولو في بعض الطبقات»(2) ، فإذا «لم ينتهِ الحديث إلى التواتر أو التظافر والتسامع فخبر آحاد ، سواء كان الراوي واحداً أو أكثر ، ولا يفيد بنفسه ـ مع قطع النظر عن القرائن ـ إلاّ ظنّاً»(3).
ويسمّى بالغريب أيضاً ، وفسّره المحقّق الداماد (ت 1040هـ) بالرواية «التي يرويها راو واحدٌ في الطبقة الأولى ، واثنان في الطبقات اللاحقة»(4).
وإن كان الانفراد في أصل سنده فيطلق عليه (الفرد المطلق) ، وإن لم يكن الانفراد في أصل سنده ، يطلق عليه (الفرد النسبيّ) لأنّ التفرّد حصل بالنسبة إلى شخص معيّن بذاته ، ومثاله : «إذا روى الكليني تارة عن طريق أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، واُخرى عن طريق عليّ ابن مهزيار عن الحسن بن محبوب ، وثالثة عن طريق إبراهيم بن هاشم عنه ، فهذا الخبر غريب لأنّ الحسن بن محبوب الذي انتهت إليه المسانيد راو
__________________
(1) قوانين الأصول 1 / 426 ـ 427.
(2) الوجيزة : 4.
(3) نهاية الدراية : 102.
(4) الرواشح السماوية : 130.

واحدٌ ، سواء نقل هو عن واحد أيضاً أو نقل عن الكثير»(1).
وخبر الآحاد على قسمين :
الأوّل : يذكر فيه السند بتمامه ويتّصل بالمعصوم عليه‌السلام ، ويسمّى بالمسند.
الثاني : لم يذكر فيه السند بتمامه ، أو لم يذكر فيه السند أصلاً.
وقد شرحنا أقسام خبر الآحاد في الفصل الرابع من هذا البحث.
2 ـ الراوي والرواية :
وإذا كان للخبر شخصية متميّزة ، لها خصائصها في الحُسن والقبح ، كان لزاماً علينا معرفة من يتحمّل ثقلها والحفاظ عليها. فهنا لابدّ في البحث عن الراوي والرواية.
الراوي : هو «من يروي الحديث مطلقاً ، سواء رواه مسنداً أو مرسلاً أو غيرهما»(2). والمعروف أنّ الراوي لا يعدُّ راوياً إلاّ أن ينقل الحديث بإسناده ، ولا يمكننا تصديق الراوي إلاّ أن يكون متحمّلاً للحديث بأحد الطرق المعروفة المقرّرة في النقل ، وإلاّ فإنّه لا يعدُّ فيما رواه راوياً ، بل حاكياً أو ناقلاً لا غير.
أما الرواية فهي : «الخبر المنتهي بطريق النقل من ناقل إلى ناقل حتّى
__________________
(1) الرواشح السماوية : 130.
(2) مقباس الهداية 3 / 49.

ينتهي إلى المنقول عنه من النبيّ (صلى الله عليه وآله) أو الإمام عليه‌السلام»(1).
أقسام الرواية : ولمّا كانت الرواية على تلك الدرجة من الأهمّية ، كان لزاماً معرفة جذرها وطريق سندها ، فهي على أقسام ، منها :
1 ـ رواية الثقة (أو الجليل) عن أشياخه : وتعدُّ قوية ، كما يراها الوحيد البهبهاني (ت 1206هـ) ، حيث قال : «إن علِم أنّ فيهم ثقة فالظاهر صحّة الرواية ، وإلاّ فإن علِم أنّهم مشايخ الإجازة أو فيهم من جملتهم ، فالظاهر أيضاً صحّتها ، وكذا الحال فيما إذا كانوا أو كان فيهم من هو مثل شيخ الإجازة ، وإلاّ فهي قوية غاية القوّة مع احتمال الصحّة لبعد الخلوّ عن الثقة»(2).
2 ـ رواية الثقة الثبت عن رجل سمّاه : فإذا روى الثقة الثبت رواية عن رجل سمّاه ، فهل يصحّ عدّ الرجل من العدول أم لا؟ قال الشيخ حسين عبد الصمد (ت 984هـ) : «لم يكن تعديلاً عن الأكثرين ، وهو الصحيح»(3).
لكن المحقّق الداماد (ت 1041هـ) عارض ذلك ، وقيّد الموضوع بالطريقة التالية وقال : «إن علِم أنّ من عادته أنّه لا يروي إلاّ عن عدل فهو تعديل ، وإلاّ فلا»(4).
3 ـ رواية الثقة الجليل عن غير واحد : فلو روى الثقة الجليل عن
__________________
(1) مجمع البحرين 1 / 199.
(2) فوائد الوحيد : 53.
(3) وصول الأخيار : 189.
(4) الرواشح السماوية : 104 الراشحة الثالثة والثلاثون.

جماعة قيّدهم بالقول : (من أصحابنا) ، أو قول (قول الثقة : حدّثني غير واحد من أصحابنا ، أو جماعة من أصحابنا) ، فهل الرواية قوية أم لا؟ قال في عدّة الرجال : «من أمارات الوثاقة ، لبعد أن لا يكون ثقة في جماعة يروي عنهم الثقة ويتناول»(1).
بينما ذهب الوحيد البهبهاني (ت 1206هـ) إلى : «إنّ الرواية قوية غاية القوّة ، بل وأقوى من كثير من الصحاح ، وربّما يعدُّ من الصحاح بناءً على أنّه يبعد أن لا يكون فيهم ثقة ، وفيه تأمّل!»(2).
«قال المحقّق الشيخ محمّد : إذا قال ابن أبي عمير : عن غير واحد ، عدّ روايته في الصحيح حتّى عند من لا يعمل بمراسيله»(3).
إلاّ أنّ السيّد حسن الصدر العاملي (ت 1354هـ) عارض ذلك ، وقال : «لا أعدّ مثل هذا في الحسن ، فضلاً عن الصحيح ، فلابدّ من الفحص والبحث»(4).
4 ـ رواية الجليل عن الرجل : فإذا روى الجليل الثقة عن رجل فتلك أمارة قوّة للرجل ، كما في رأي الوحيد البهبهاني (ت 1206هـ) حيث قال : «هو
__________________
(1) عدة الرجال1 / 135.
(2) فوائد الوحيد : 53.
(3) فوائد الوحيد : 53.
(4) نهاية الدراية : 422.

أمارة الجلالة والقوّة»(1). وفي منتهى المقال : «من أسباب المدح»(2). وعند المحقّق المامقاني (ت 1351هـ) : «من أمارات القوّة دون الوثاقة ، إذا كان الجليل ممّن يطعن على الرجال في الرواية عن المجاهيل»(3).
5 ـ رواية الأكابر عن الأصاغر : و «هي رواية الراوي عمّن دونه في السنّ أو في اللقى أو في المقدار ، كرواية الصحابي عن التابعي»(4) ، و «من هذا القسم وهو أخصّ من مطلقه رواية الآباء عن الأبناء ، كرواية العبّاس بن عبد المطّلب عن ابنه الفضل أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) جمع بين الصلاتين بالمزدلفة»(5).
6 ـ رواية الأقران : «الراوي والمروىّ عنه إن استويا في السنّ أو في اللقى وهو الأخذ عن المشايخ فهو من رواية الأقران ، لأنّه حينئذ يكون راوياً عن قرينه»(6). ويُضرب لها مثال : «رواية كلٍّ من الشيخ أبي جعفر الطوسي والسيّد المرتضى عن الآخر ، فإنّهما أقرانٌ في طلب العلم والقراءة على الشيخ المفيد»(7).
__________________
(1) فوائد الوحيد : 47.
(2) منتهى المقال 1 / 88.
(3) مقباس الهداية2 / 263.
(4) الرعاية في علم الدراية : 352 ، 353.
(5) الرعاية في علم الدراية : 355.
(6) الرعاية في علم الدراية : 349.
(7) وصول الأخيار : 116.

3 ـ المجهول :
و «هو من لم يقع في كتب الرجال تصريحٌ بعدالته ووثاقته ، ولا بضعفه ومجروحيته»(1).
والمجهول ـ إصطلاحاً ـ يطلق في موردين :
الأوّل : يقع وصفاً للحديث ، «وهو المرويّ عن رجل غير موثّق ولا مجروح ولا ممدوح أو غير معروف أصلاً ، ومنه قولهم : (عن رجل) ، أو (ممّن حدّثه) ، أو (عمّن ذكره) ، أو (عن غير واحد) أو نحو ذلك»(2).
الثاني : يقع وصفاً للراوي.
«اصطلاحي : وهو مَن حكم أئمّة الرجال عليه بالجهالة ...
ولغويٌّ : وهو ليس بمعلوم الحال ، لكونه غير مذكور في كتب الرجال. ولا هو من المعهود أمره المعروف حاله من حال من يروي عنه من دون حاجة إلى ذكره.
والأوّل : متعيّن بأنّه يحكم بحسبه ومن جهته على الحديث بالضعف. ولا يطلق الأمر على الاجتهاد فيه واستبانة حاله على خلاف الأمر في الثاني»(3).
قال في قاموس الرجال : هناك «فرق بين كلمة (المجهول) في كلام
__________________
(1) مقباس الهداية 2 / 130.
(2) نهاية الدراية : 192.
(3) الرواشح السماوية : 60 الراشحة الثالثة عشر.

العلاّمة وابن داود ، وبينها في كلام المتأخّرين ، فإنّها في كلامهما عبارة عمّن صرّح أئمّة الرجال فيه بالمجهولية ، وهو أحد ألفاظ الجرح ، وأمّا في كلام المتأخّرين ـ من الشهيد الثاني والمجلسي إلى المامقاني ـ فأعمّ منه ، ومن المهمل الذي لم يذكر فيه مدح ولا قدح»(1).
4 ـ العُلوّ في الحديث :
يُقاس الحديث بقرب سنده وعلوّ مرتبته.
ويُفهم العُلوّ في (علم الدراية) :
إمّا بقرب الإسناد من المعصوم عليه‌السلام (2).
وإمّا بقرب الإسناد من أحد أئمّة الحديث ، كالشيخ الصدوق والكليني والحسين بن سعيد(3).
وإمّا بتقدّم السماع ، وهو أن يسمع شخصان من شيخ ، وسماع أحدهما أقدم فهو أعلى ، وإن تساوى العدد الواقع في الإسناد(4).
ويُفهم العلوّ أيضاً بالنسبة إلى رواية أحد كتب الحديث المعتمدة (من المجاميع المعتبرة أو غيرها من الأصول المعتبرة عندنا) وهو إمّا بالموافقة أو
__________________
(1) قاموس الرجال 1 / 44.
(2) الرعاية في علم الدراية : 113.
(3) الرعاية في علم الدراية : 113.
(4) الرعاية في علم الدراية : 113.

الإبدال أو المساواة أو المصافحة(1).
ويُفهم العلوّ أيضاً «بتقدّم وفاة الراوي ، فإنّه أعلى من إسناد آخر يساويه في العدد مع تأخّر وفاة من هو في طبقته عنه ، ومثاله ، في قول الشهيد الثاني : ما نرويه بإسنادنا إلى الشيخ الشهيد عن السيّد عميد الدين عن العلاّمة جمال الدين بن المطهّر ، فإنّه أعلى ممّا نرويه عن الشهيد عن فخر الدين بن المطهّر ، عن والده جمال الدين ، وإن تساوى الإسنادان في العدد ، لتقدّم وفاة السيّد عميد الدين على وفاة فخر الدين بنحو خمس عشرة سنة»(2).
__________________
(1) وصول الأخيار : 146.
(2) الرعاية في علم الدراية : 114.


المصدر: زهير طالب الأعرجي - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
715
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :