معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

المصابيح في تفسير القرآن ..

المصابيح في تفسير القرآن
كنزٌ من تراث التفسير الشيعي

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد طوت مدرسة التفسير الشيعي مرحلتين مهمّتين من مسارها العلمي وذلك حتّى نهاية القرن الرابع الهجري.
فالمرحلة الأولى تتمثّل بعهد الأئمّة عليهم‌السلام ، وهي المرحلة التي نشأ فيها أخذ الروايات التفسيرية عنهم عليهم‌السلام شفاهاً مع تدوينها مشتّتة في كتب الروايات.
والمرحلة الثانية هي مرحلة تدوين المصنّفات التفسيرية في القرن الثالث والرابع الهجري ، حيث تعدّ جلّ هذه المصنّفات ذات منحىً واحد تقريباً من تناولها تفسير بعض الآيات وشرحها ومن اقتصارها على نقل الروايات الشيعية فقط.
وهذا ما يشبه كثيراً النصوص الروائية القديمة لأهل السنّة ، حيث نقلت

بعض الروايات الدالّة على تحريف القرآن ولم تتطرّق إلى بعض الآليّات والمناهج التفسيرية المعهودة في تفاسير أهل السنّة مثل اختلاف القراءات المشهورة ، والاستشهاد بالشعر الجاهلي ، والأمثال البلاغية ، والقواعدالنحوية ، وتشريح جذور الكلمات وأمثالها.
يعدّ أواسط القرن الخامس الهجري منعطفاً مهمّاً في منهجية التفسير عندالشيعة الإمامية ، فإنّ التبيان في تفسير القرآن لشيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي المعروف بالشيخ الطوسي (385 ـ 460هـ) هو أوّل تفسير شيعيٍّ كامل للقرآن اتّخذ طريقة مغايرة لطريقة السلف ، فإنّ منهجيّته في هذا التفسير تختلف كلّياً عن منهجية جميع من سبقه في التفسير ؛ حيث يعدّ تفسيراًكاملا للقرآن من أوّله إلى آخره ، وقد قلّص فيه المصنّف من الروايات الشيعية مستفيداً من المناهج المعهودة في تفاسير أهل السنّة ، فقد استطاع الشيخ الطوسي أن ينقل عدداً كبيراً من روايات وأقوال الصحابة والتابعين في التفسير مستفيداً بذلك من كتاب تفسير الطبري ، وأبدى اهتماماًكبيراً في نقل المواضيع اللغوية ، والصرفية ، والنحوية ، واختلاف القراءات ، والاستشهاد بالشعر العربي الجاهلي ، وقد تطرّق إلى مباحث كلامية وبالأخصّ الأقوال التفسيرية لمتكلّمي السنّة مثل أبي علي الجبّائي وأبي مسلم محمّد بن بحر الأصفهاني وأبي القاسم البلخي والرمّاني و ... وقدمال إلى الكثير من آرائهم.
وقد قام الشيخ الطبرسي رحمه‌الله (ت 548 هـ) بمراجعته وتنظيمه من جديد وذلك بعد قرن من تصنيفه تحت عنوان مجمع البيان لعلوم القرآن ، ممّا أدّى

إلى ظهور تفسير علمي أصبح فيما بعد معياراً ومصدراً ومرجعاً في القرون اللاحقة والمعاصرة في تاريخ التفسير عند الشيعة(1).
هذا ويمكن أن تعدّ طريقة الشيخ الطوسي في التبيان في تفسير القرآن تركيباً بين التفسير الشيعي وبين سائر المناهج التفسيرية من أهل السنّة والمعتزلة ، وبالرغم من الصبغة الشيعية التي طغت على تفسيره إلاّ أنّه هناك ثلاث مناهج أخرى اقتبسها من تفاسير أهل السنّة نراها واضحة في كتابه :
الأوّل : هو التفسير الروائي المأخوذ من تفسير الطبري.
الثاني : التفسير اللغوي والأدبي ومصدره بعض المصنّفات التي أُلّفت في هذا المجال مثل معاني القرآن للفرّاء ومجاز القرآن لأبي عبيدة.
والثالث : تفاسير المعتزلة مثل أبي علي الجبّايي وأبي الحسن الرمّاني وأبي مسلم الإصفهاني(2).
وقد حظيت هذه الطريقة بالقبول واعتمدها المفسّرون الشيعة(3) وما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يمكننا أن نطلق اسم (عصر الشيخ الطوسي) على هذه الحقبة ، أنظر مقالتنا تحت عنوان : (چهار بارادايم تفسيرى شيعه : مقدمه اى در تاريخ تفسير شيعى بر قرآن كريم).لتطّلع على أهمّية تفسير الشيخ الطوسي ومنهجيّته بالمقارنة مع منهجيّة المدارس التفسيرية الشيعية الثلاثة.
(2) لقد تعرّض كلّ من تفسيري التبيان ومجمع البيان إلى آراء المعتزلة بشكل ملفت للنظربحيث قال في ذلك دانيل جيمارة : «إنّ تفيسري الطوسي والطبرسي أكثر اعتزاليةً من كشّاف الزمخشري». أنظر :
Daniel Gimaret, "Mu tazila", in EI2, vol. 7,p. 876.
(3) إنّ منهجية المفسّرين مثل الطبرسي في مجمع البيان والشيباني في نهج البيان

هجرت إلاّ في العهد الصفوي حيث أهملها الإخباريّون ولكنّها سرعان ما استعادت نشاطها واستمرّت حتّى عهدنا وعصرنا الحاضر.
ولكن بقي هناك سؤال وهو : هل من الصحيح أنّه لم يصنّف أيّ تفسيرقبل الشيخ الطوسي على غير الطريقة الروائية والطريقة المأثورة؟ وإذا قلنا بوجود تفاسير قبله فما هو مدى تأثيرها على تبيان الطوسي؟
منذ سنين ونتيجة لاهتمامي وتأثّري بالشيخ الطوسي وكتابه التبيان كنت أظنّ أنّ الشيخ الطوسي هو المفسّر الشيعي الوحيد بل هو أوّل مفسّر في القرن الخامس الهجري أخرج التفسير الشيعي من حالته التقليدية المأثورة والروائية المحضة وأوجد تحوّلا جديداً في التفسير الشيعي ولا زلت أعتقد بذلك ، ولكنّني اليوم لا أعتقد بأنّه الوحيد والفريد في أداء هذا الدور ، كما أنّي ولعدّة جهات لم أر تفسيره حاز قصبة السبق في هذا المضماربل هناك من سبقه وتقدّمه في ذلك التحوّل في التفسير ، فإنّ العالم الشاعر والأديب والسياسي الشيعي أبوالقاسم الحسين بن علي المعروف بالوزيرالمغربي أو ابن الوزير أو ابن المغربي قد خطا خطوته في تطوّر التفسير الشيعي بتصنيفه المصابيح في تفسير القرآن وذلك قبل نصف قرن من الشيخ الطوسي ، ولا شكّ في أنّ الشيخ الطوسي قد استفاد من هذا الأنموذج في تفسيره التبيان وقد صاغ صورة متكاملة لذلك المنهج في تفسيره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأبو الفتوح الرازي في روض الجنان ... مستلهمة من منهجية الشيخ الطوسي في التبيان في تفسير القرآن.

لقد ذكر القدماء هذا المصنَّف بعناوين مختلفة مثل خصائص علم القرآن(1) ، وإملاءات عدّة في تفسير القرآن العظيم وتأويله(2) ولكنّهم لم يصرّحوا أبداً عن وجود مثل هذا الكتاب إلاّ الشيخ الطوسي ، وأنّه قلّما نعرف مفسّراً كان هذا التفسير في حوزته وقد نقل منه مثل ابن عديم في بغية الطلب وحتّى ابن طاووس (589 ـ 664هـ) في سعد السعود فإنّه ذكر تفاسير قيّمة مثل مصنّفات الرمّاني وأبي مسلم الأصفهاني لكنّه لم يذكر عن تفسير الوزير المغربي هذا شيئاً أبداً.
إنّ الشيخ الطوسي هو أوّل من نقل في التبيان في تفسير القرآن الآراءالتفسيرية للوزير المغربي في أكثر من خمس وخمسين مورداً مع ذكر الإسم(3) ، فإنّ بعض هذه النصوص ـ النصوص التفسيرية المذكورة في تفسير التبيان ـ قد تناقلتها من بعده سائر التفاسير الشيعية شيئاً فشيئاً ، ومن أهمّ هذه النصوص يمكن الإشارة هنا إلى :
ـ الطبرسي (468 ـ 548 هـ) في مجمع البيان في مواضع عديدة.
ـ القطب الراوندي (573هـ) في فقه القرآن (1 / 13 ، 113 ، 116 ، 226 ، 224 ، 304 ، 336 ؛ 2 / 99 ، 225 ، 337).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رجال النجاشي : 69.
(2) طبقات المفسّرين للدّاوودي 1 / 156.
(3) للاطّلاع عمّا نقله الشيخ الطوسي من تفسير الوزير المغربي وتقييمه أنظر مقالة السيّدمحمّد جواد الشبيري تحت عنوان (مصادر الغيبة) في مجلّة انتظار موعود ، العدد19 ، ربيع سنة 1386 ش.

ـ أبو الفتوح الرازي (القرن السادس) في روض الجنان (5 / 279 ، 279 ؛ 6/ 20 ، 117 ، 221 ، 225 ، 227 ، 410 ؛ 7 / 19 ، 123 ، 319 ، 415 ؛ 8 / 166).
ـ ابن شهر آشوب (489 ـ 588هـ) في متشابه القرآن ومختلفه (1 / ؛2/ 114)(1).
ـ محمّد بن الحسن الشيباني (ت640هـ) في نهج البيان عن كشف معاني القرآن (1 / 164 ، 313 ؛ 2 / 307)(2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لقد نقل ابن شهرآشوب (489 ـ 588 هـ) في موضعين من متشابه القرآن ومختلفه (1/141 ؛ 2 / 114) عن الوزير المغربي موضوعاً حيث تبيّن لنا بالمقارنة أنّه مأخوذ من تفسير التبيان للشيخ الطوسي وليس من مجمع البيان للطبرسي (468 ـ 548 هـ) ، «قال الحسين بن علي المغربي : معناه : لو شاء الله ألاّ يبعث إليهم نبيّاً فيكونون متعبّدين بمافي العقل ويكونون أمّة واحدة» (التبيان 3 / 546).
«وقال الحسن [كذا] المغربي : معناه : لو شاء الله لا يبعث إليهم أنبياء فيكونوا متعبّدين بما في العقل ويكونون أمّة واحدة» (متشابه القرآن ابن شهر آشوب ، 1 / 141)«وقال الحسين بن علي المغربي : المعنى : لو شاء الله لم يبعث إليكم نبيّاً فتكونون متعبّدين بما في العقل وتكونون أمّة واحدة ولكن ليختبركم فيما كلّفكم من العبادات وهو عالم بما يؤول إليه أمرك» (مجمع البيان ، 3 / 314).
فإنّ النموذج المذكور يبيّن بوضوح أنّ ابن شهر آشوب استنسخ من تفسير التبيان.
(2) نسب الشيباني في نهج البيان عن كشف معاني القرآن (2 / 307) أبياتاً للوزير المغربيوكان المعاصرون للوزير المغربي أمثال الشيخ المفيد في الفصول المختارة (73)والشريف المرتضى في أماليه (1 / 152) والكراجكي في كنز الفوائد (1 / 366) هم أوّل من نقل هذه الأبيات عن شاعر مجهول من دون ذكر اسم المغربي أو غيره.

ـ الفاضل المقداد (ت حدود 826هـ) في كنز العرفان في فقه القرآن (2/121)(1).
فإنّ أغلب هؤلاء الأعلام تقريباً لم يرجعوا إلى تفسير المغربي مباشرةً.
ويمكن القول بأنّ تفسير المغربي لم يرد إلى إيران في القرون الوسطى ، كما يستبعد وفور نسخه في إيران في ذلك الزمان(2).
وفي التفاسير الجديدة نرى العلاّمة محمّد جواد البلاغي في آلاء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يتبيّن لنا من بعض العبارات الموجودة في التفسير الفقهي للفاضل المقداد أنّه كان متأثّراًبتفسير التبيان للطوسي وليس بمجمع البيان للطبرسي ومثال ذلك ما ورد في تفسير (آية 89 المائدة) فإنّ نقل الأقوال وترتيبها جاء مشابهاً لما أتى به الطوسي لا الطبرسي ، كما أنّ نقله للأقوال من تفسير المغربي عثرنا عليه في التبيان فقط وبعد التبيان فإنّها قد ذكرت في فقه القرآن للقطب الراوندي ولم نعثر عليها في سائر التفاسيرمثل مجمع البيان.
(2) وإنّ أقوى شاهد على هذا الأمر هو أنّ اسم المغربي وأقوإله وحتّى رواياته عن أئمّة الشيعة لم تأت في أيّ من الجوامع الحديثية ولا في التفاسير المصنّفة في العهد الصفوي مثل بحار الأنوار للمجلسي ، الصافي للفيض الكاشاني ، نور الثقلين للعروسي الهويزي ، والبرهان للبحراني ، بالرغم من أنّهم كانوا تارة يذكرون في مصنّفاتهم حتّى الروايات الضعيفة المنسوبة لأئمّة الشيعة عليهم‌السلام وحتّى الروايات المرسلة المنسوبة إليهم عليهم‌السلام.
كما أنّهم تركوا حجماً غفيراً من الروايات التفسيرية للمغربي عن أئمّة الشيعة والتي لم ترد بعضها في أيّ مصدر آخر من المصادر ، ويبدو أنّ الدليل الوحيد على هذا الأمر هوعدم وجود هذا التفسير في متناول يد العلماء والمحدّثين في إيران في ذلك الزمان.

الرحمن (1 / 114 ، 123 ، 362) والسيّد محمّد حسين فضل الله في كتابه من وحي القرآن (5 / 112) قد نقلا أيضاً عن الوزير المغربي اعتماداً على مانقله الطبرسي في مجمع البيان(1).
هذا وإنّ أهمّ المفسّرين من أهل السنّة الذين نقلوا من تفسير المغربي هم :
نجم الدين محمود بن أبي الحسن النيشابوري (القرن السادس) في إيجاز البيان عن معاني القرآن.
ـ أبو حيّان الغرناطي (654 ـ 745 هـ) في البحر المحيط.
ـ وبرهان الدين الزركشي (745 ـ 794 هـ) في البرهان في علوم القرآن(2).
وفي الواقع لا أعلم كيف حصل كلّ من نجم الدين محمود بن أبي الحسن النيشابوري وأبو حيّان الغرناطي على هذا التفسير؟
ولماذا لم يذكر أحدٌ من مفّسري مصر والمغرب والأندلس عنه شيئاً أبداً؟
حتّى إحسان عبّاس حينما كتب بحثه القيّم في المغربي والذي جاء تحت عنوان الوزير المغربي أبو القاسم الحسين بن علي العالم الشاعر الناثر الثائر (عمّان الأردن 1988م) فإنّه لم يطّلع على هذا التفسير ولم يُشر إليه ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد أحال ما نقله في موضعين إلى مجمع البيان والتبيان.
(2) البرهان في علوم القرآن 3 / 65.

حتّى أنّه لم يكن لديه أيّ اطلاع عمّا اقتبسه أو نقله المفسّرون مثل الشيخ الطوسي عن تفسير المغربي.
هذا ويبدو أنّ متأخّري المفسّرين من أهل السنّة اعتمدوا بأسرهم في منقولاتهم اليسيرة من تفسير المغربي على تفاسير الشيعة المشهورة مثل مجمع البيان للطبرسي ، وإنّ الآلوسي (1217 ـ 1270هـ) كان أكثرهم نقلا في روح المعاني(1) وكذلك ابن عاشور (1296 ـ 1393هـ) في التحرير والتنوير(2). فإنّه نقل قولا عن الوزير المغربي مرّةً واحدة ويبدو أنّ هذا الكلام نقله أوّلا الآلوسي في روح المعاني(3) ثمَّ نقله رشيد رضا (1282 ـ 1354هـ) في المنار في تفسير القرآن وقد أشار رشيد رضا إلى مصدر الكلام وهو الآلوسي ، كما قد يمكن العثور على موارد أخرى غير هذا الموردكان قد أخذها ابن عاشور من كلام المغربي دون أن يصرّح باسمه في حين أنّ المغربي أوّل من تكلّم بها ، ولكن بما أنّه قد تكرّر منه ذكر الطبرسي فيمكن القول بأنّ المصدر الذي أخذ منه هو مجمع البيان للطبرسي(4).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) 3 / 59 ، 4 / 92 و 230 ، 5 / 49 ، 6 / 154 ، 7 / 54 ، 8 / 59 و 107. إنّ أكثر ما نقله الآلوسي قد جاء ذكره في التبيان.
(2) التحرير والتنوير 2 / 576 و 577.
(3) روح المعاني 2 / 57 ـ 58.
(4) ومثال ذلك أنّ الوزير المغربي في (آية 6 من سورة المائدة) يقول : «إنّ معنى قوله إذاقمتم إلى الصلاة أي عزمتم على الصلاة وهممتم بها» فقد أتى الشيخ الطوسي في

ولابدّ لنا من الإشارة هنا إلى أمر مهمّ وهو أنّ الشيخ الطوسي كثيراً ما نقل عن المغربي في كتابه التبيان من دون الإشارة إلى اسمه.
ويتّضح لنا هذا الأمر بوضوح في المواضيع التي تفرّد بها الوزير المغربي في تفسيره وذلك مثل الآراء التفسيرية الشاذّة التي وردت في تفسير المغربي دون غيره ، أو النقل المباشر من العهدين القديم والجديد(1) ، فقدعلّق الوزير المغربي في المصابيح في تفسير القرآن على قوله تعالى (مَا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التبيان 3 / 448 بهذا الكلام على النحو التالي : «وقال الحسين بن علي المغربي : معنى إذاقمتم : إذا عزمتم عليها وهممتم بها».
حيث انتقلت عباراته بعد ذلك إلى سائر تفاسير الشيعة ، (أنظر روض الجنان 6 / 267 ، فقه القرآن للراوندي 1 / 13) وكذلك ذكرها الطبرسي في مجمع البيان (3 / 253)بتفصيل أكثر بالنحو التالي : «معناه إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم على غير طهروحذف الإرادة لأنّ في الكلام دلالة على ذلك».
ويبدو أنّ ابن عاشور أخذ هذا الرأي من تفاسير الشيعة ولكن لم يذكر اسم المغربي ، وبما أنّه ذكر الطبرسي في كلامه كراراً وأنّ الطبرسي أيضاً ذكر هذا الكلام من المغربي فلا يستبعد أن يكون قد أخذ الكلام من الطبرسيّ : «ومعنى إذا قمتم إلى الصلاة : إذا عزمتم على الصلاة ، لأنّ القيام يطلق في كلام العرب بمعنى الشروع في الفعل» (التحرير والتنوير 5 / 49 ـ 50).
(1) لقد بحثت كثيراً فلم أعثر على مفسّر شيعيٍّ أو سنّيٍّ مثل الوزير المغربي يحيل في تفسيره مباشرة إلى نصّ العهدين أو إلى أقوال علماء اليهود والنصارى المعاصرين له ، وإنّه قد ذكر حتّى أسامي أناجيل يوحنّا ، لوقا ، متّي ، مرقس ، كما ذكر كذلك أرقام الأبواب والآيات في الأناجيل والأسفار الخمسة من التوراة وإنّ ما ذكره في هذا المجال كثيرٌ جدّاً بحيث سوف أفرد له مقالة على حدة.

قُلْتُ لَهُمْ إلاّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ)(1) قائلا : «وقوله عزّ وجلّ : (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبّي وَرَبَّكُمْ ...) شاهدٌ بلفظ الإنجيل ، فإنّه ذكر في الفصل الرابع من انجيل لوقا : قال المسيح مكتوب أن اسجد لله ربّك وإيّاه وحده فاعبد ، وهذا لفظه ، وهو النصّ على التوحيد بحمد الله تعالى». فقد أورد الشيخ الطوسي نفس هذا الموضوع برمّته في التبيان من دون ذكر للوزيرالمغربي : «وقوله (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ...) شاهدٌ بلفظ الإنجيل ، فإنّه ذكر في الفصل الرابع من إنجيل لوقا : قال المسيح مكتوب أن اسجد لله ربّك وإيّاه وحده فاعبد ، وهذا لفظه وهو صريح التوحيد»(2).
وفي أنموذج آخر في باب تعبير (وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر) فقد علّق المغربي على قوله تعالى : (فَتَمَّ مِيْقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِيْنَ لَيْلَةً)(3) قائلا : «لأنّه لو لم يورد الجملة على التفصيل وهو الذي يسمّيه الكتّاب : الفذلكة ، لتوهّم أنّ قوله وأتممناها بعشر أيّ كملت الثلاثين بعشر حتّى كملت ثلاثين كما يقال : ضممت العشرة بدرهمين وسلّمتها إليه» ، فقد جاء نفس هذا الكلام في التبيان : «وقوله تعالى (فَتَمَّ مِيْقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِيْنَ لَيْلَةً) ومعناه فتمّ الميقات أربعين ليلة ، وإنّما قال ذلك مع أنّ ماتقدّم دلّ على هذا العدد ، لأنّه لو لم يوردالجملة بعد التفصيل وهو الذي يسمّيه الكتّاب : الفذلكة ، لظنّ قوله :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة : 117.
(2) التبيان : 4 / 70.
(3) سورة الأعراف آية : 142.

(وأتممناها بعشر) أي كمّلنا الثلاثين بعشر حتّى كملت ثلاثين ، كما يقال : تمّمت العشرة بدرهمين وسلّمتها إليه»(1) ، كما جاء فيما بعد نفس هذا الكلام في مجمع البيان : «(فَتَمَّ مِيْقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِيْنَ لَيْلَةً) إنّما قال هذا مع أنّ ما تقدّمه دلّ على هذه العدّة للبيان والتفصيل الذي تسمّيه الكتّاب : الفذلكة ، ولو لم يذكره لجاز أن يتوهّم أنّه أتمَّ الثلاثين بعشر منها على معنى كمّلنا الثلاثين بعشر حتّى كملت ثلاثين ، كما يقال : كمّلت العشرة بدرهمين»(2).
ويبدو أنّ محمود بن أبي الحسن النيشابوري (القرن السادس) كثيراً ماكان متأثّراً بتفسير المغربي في كتابيه إيجاز البيان عن معاني القرآن وباهر البيان في معاني مشكلات القرآن ، والملفت للنظر أنّه لم يذكر اسم المغربي وتفسيره قط ، ولعلّ ذلك بدليل تشيّع المغربي ، وقد عثرنا على عدّة موارد نذكر بعضها :
الأنموذج الأوّل : قال الوزير المغربي في بيان معنى (البدو)(3) في تفسير المصابيح : «البادية : المجتمعون ، وقد زلّ الرمّاني زلّة يرتفع علمه عنها عندنا ، فقال : البادية : بلد الأعراب ، وهذا لا يعرف وإنّما هو معتاد في ألفاظ عامّة العراق ، السالكين لطريق الحجّ ، وكرّر على سمع أبي الحسن (الرمّاني)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التبيان : 4 / 532.
(2) مجمع البيان 4 / 729.
(3) سورة يوسف : 88.

حتّى ظنّه عربيّاً».
وقد تكرّرت خلاصة هذا الكلام في تفسير إيجاز البيان للنيشابوري(1)حيث قال : «(وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ ...) : وكانوا بادية أهل وبرومواش ، والبادية : القوم المجتمعون الظاهرون للأعين ، وعادة العامّة أنّ البادية بلد الأعراب».
الأنموذج الثاني : قال الوزير المغربي في تعليقه على الآية 21 من سورة المائدة : «(كَتَبَ اللهُ لَكُم ...) : الذين كتب الله لهم دخولها غير الطائفة التي حرّمت عليهم أربعين سنة ، ودخلوها بعد موت موسى بشهرين مع يوشع بن نون».
وقد وردت نفس هذه العبارة في إيجاز البيان للنيشابوري «(كَتَبَ اللهُ لَكُم ...) : الذي كتب لهم دخولها غير الذين حرّمت عليهم أربعين سنة ، دخلوها بعد موت موسى بشهرين مع يوشع بن نون عليهما‌السلام»(2).
الأنموذج الثالث : قد ذكر الوزير المغربي في تفسير قوله تعالى : (إنّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ أَنْفُسَهُمْ)(3) قائلا : «والاشتراء في قوله : (إنّ اللهَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير إيجاز البيان : 1 / 447.
(2) إيجاز البيان 1 / 273 ـ 274.
(3) سورة التوبة : 111.

اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ أَنْفُسَهُمْ) مجاز ؛ لأنّ المشتري إنّما يشتري مالا يملك ، والقصد به تحقيق العوض في نفوسهم».
وقد تكرّر مضمون هذه العبارة في إيجاز البيان : «(إنّ الله اشترى من المؤمنين ...) : مجازٌ ، لأنّه إنّما يشتري ما لا يملك ، ولكن المعنى تحقيق العوض في النفوس»(1).
والأنموذج الرابع : قد علّق الوزير المغربي على الآية 88 من سورة يونس قائلا : «(ليضلّوا عن سبيلك ...) : على الاستفهام ، كأنّه قال : أليضلّوا عن سبيلك أعطيتهم ذلك كلّه؟» فإنّ النيشابوري أيضاً نقل نفس عبارة المغربي في إيجاز البيان(2) قائلا : «(ليضلّوا عن سبيلك ...) : استفهام ، أي ليظلّوا عن سبيلك أعطيتهم ذلك كلّه؟».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إيجاز البيان 1 / 392 ـ 393.
(2) إيجاز البيان 1 / 402 ـ 403.

الخصائص التي امتاز بها الوزير المغربي في المصابيح
أ ـ هو أوّل مفسّر شيعيّ حاول التقليص من حجم الروايات الشيعية في تفسيره ، وقد حذا الشيخ الطوسي حذوه في التبيان(1) ، فبالرغم من أنّ المغربي مفسّرٌ شيعيٌّ ومن أصول شيعية(2). لكنّه لم ينقل مباشرة من المصادرالحديثية والتفسيرية الشيعية ، ولذلك لم يذكر أيّاً من المحدّثين والمفسّرين الشيعة في تفسيره.
وقد ذكر بعض الروايات عن الإمام زين العابدين عليه‌السلام والإمامين الصادقين عليهما‌السلام. من دون ذكر للمصدر الذي أخذ منه.
والجدير بالذكر هنا أنّه قد ذكرت لأوّل مرّة في تفسير المغربي زهاء مئتي رواية تاريخية في السيرة وأسباب النزول المنسوبة لأبي جعفر وقد نقل منه الشيخ الطوسي معظمها إلى تفسيره التبيان ومنه انتقلت إلى تفسير مجمع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إنّ نقل الروايات التفسيرية للشيعة أخذت تزداد شيئاً فشيئاً في مجمع البيان ، وأمّا التفاسير الشيعية في العهد الصفوي فإنّها لم تعتمد إلاّ الروايات الشيعية ، أنظر مقالتي الأخرى تحت عنوان (چهار پارادايم تفسيري شيعة : مقدّمه اى در تاريخ تفسيرشيعى بر قرآن كريم).
(2) أنظر ترجمته في رجال النجاشي : 69.

البيان ، وعندما بحث نعمة الله الصالحي النجف آبادي طاب ثراه عن نماذج من هذه الروايات في تفسير التبيان للشيخ الطوسي ولم يعثر على شاهدلها في المصادر الحديثية الشيعية المتقدّمة فقد تبنّى الرأي القائل بأنّ الشيخ الطوسي نقل هذه الروايات من تفسير الطبري والتي هي في واقع الأمرأقوال الصحابة والتابعين ، والمراد من (أبو جعفر) في عبارات الشيخ الطوسي في واقع الأمر هو أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري.
وكما بيّنت في مقالة مستقلّة أنّ هذا الرأي لا يمكن أن يكون صحيحاً ، فإنّ هذه الروايات بأسرها جاءت لأوّل مرّة في تفسير المغربي المصابيح في تفسير القرآن وأنّ مصدرها الأصلي تفسير محمّد بن سائب الكلبي (ت 146 هـ)حيث يعدّ ـ بناءً على بعض الأقوال ـ من تلامذة الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام (1).
وللتفصيل في هذا الأمر بشكل أدقّ يمكننا بيان أنموذج من روايات الكلبي التي وردت في تفسير المغربي تحت عنوان أبو جعفر وقد نقلها ابن طاووس نصّاً من نصّ تفسير الكلبي.
فقد قام ابن طاووس في كتابه سعد السعود بنقل فصول من التفاسير القديمة ومن جملتها أصل تفسير الكلبي الذي كان بحوزته ، ومن ضمن ما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ولمزيد من التوضيح في هذا المجال أنظر مقالة كاتب هذه السطور تحت عنوان (مأكله ى سالانه ى يهود : بررسى روايت تفسيرى در منابع كهن شيعى وسنّى).في مجلّة بژوهشهاى قرآن وحديث (مقالات وبررسيها) العدد 2 سنة 1390 ش.

أسهب في نقله مباشرة من تفسير الكلبي في حين أنّه موجود نصّاً بعينه في تفسير المغربي ـ وذلك قبل مئتي عام من ابن طاووس ـ وقد نسبه إلى أبي جعفر ؛ أذكر أوّلا عبارة ابن طاووس ومن ثمّ عبارة الوزير المغربي :
قال ابن طاووس : «فيما نذكره من الجزء السابع عشر من تفسير الكلبي ونذكر حديثاً أوّله من آخر الجزء السادس عشر وتمامه من الجزء السابع عشر في تفسير قوله تعالى : (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُوْلُنا يُبَيِّنُ لَكُم كَثِيْراً مِمّاكُنْتُمْ تُخْفُوْنَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيْر) :
وضع ابن صوريا يده على ركبة رسول الله وقال : هذا مكان العائذ بك أعيذك بالله أن تذكر لنا الكثير الذي أمرت أن تعفو عنه ؛ فأعرض رسول الله عن ذلك ، فقال ابن صوريا : أخبرني عن خصال ثلاث أسألك عنهن؟ فقال رسول الله : ما هنّ؟ فقال : أخبرني كيف نومك؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : تنام عيني وقلبي يقضان ، فقال له : صدقت ، فأخبرني عن شبه الولد بأمّه ليس فيه من أبيه شيء أو شبهه أباه ليس فيه من أمّه شيء؟ فقال : أيّهما أعلى ماؤه ماءصاحبه كان له الشبه ، قال : صدقت ، أمرك أمر نبيٍّ ، قال : فأخبرني ما للرجل من الولد وللمرأة منه؟ قال : فأغمي على رسول الله طويلا ثمّ جلى عنه محمرّاً وجهه يفيض عرقاً ثمّ قال رسول الله : اللحم والدم والظفر والشعر للمرأة ، والعظم والعصب والعروق للرجل ، قال : صدقت ، أمرك أمر نبيٍّ ، فأسلم ابن صوريا ، قال : يا محمّد من يأتيك بما تقول؟ قال : جبرئيل ، قال : صفه لي؟ فوصف له النبيُّ ، قال : فإنّي أشهد أنّه في التوراة كما قلت ، فإنّك

رسول الله حقّاً صدقاً ، وأسلم ابن صوريا ووقعت به اليهود فشتموه»(1).
وأذكر الآن عبارة الوزير المغربي في المصابيح في تفسير القرآن في تعليقه على الآية 15 من سورة المائدة في قوله تعالى : (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيْر).
«لمّا أخبرهم بالرجم وأخرجه من التوراة ، وأعلمهم (علمه) بغير ذلك ليتركوا المجاحدة ، لئلاّ يظنّوا ما أعلمهم به اتّفاقاً لا مدد له. قال أبو جعفر : (كانت امرأة من خيبر في شرف منهم زنت وهي محصنة ، فكرهوا رجمها ، فأرسلوا إلى يهود المدينة يسألون النبيّ(صلى الله عليه وآله) طمعاً أن يكون رخصة ، فسألوا ، فقال : هل ترضون بقضائي؟ قالوا : نعم ، فأنزل الله (عليه الرجم فأبوه) ، فقال جبرئيل : سلهم عن ابن صورا ، واجعله حكماً بينك وبينهم ، فقال : هل تعرفون شابّاً أبيض أعور أمرد يسكن فدكاً يقال له : ابن صورا؟ قالوا : نعم ، هوأعلم يهودي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى ، قال : فأرسلواإليه ، فأتى ، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله) : أنت عبدالله بن صورا؟ قال : نعم ، قال : أنت أعلم يهودي؟ قال : كذلك يقولون ، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : فإنّي أنشدك الله الذي لا إله إلاّ هو القويّ ، إله بني إسرائيل ، الذي ظلّل عليكم الغمام ، وأنزل عليكم المنّ والسلوى ، وأنزل عليكم كتابه ، فيه حلاله وحرامه ... هل تجدون في كتابكم الذي جاء به موسى الرّجم على من أُحصن؟ قال عبدالله بن صورا : نعم والذي ذكّرتني به ، ولولا مخافة التوراة أن تهلكني إن كتمت ما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سعد السعود لابن طاووس : 213.

أعترفت لك به ، فأنزل الله سبحانه : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُم رَسُوْلُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيْراً مِمّا كُنْتُم تُخْفُوْنَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَن كَثِيْر) فقام ابن صورا فوضع يديه على ركبتي رسول الله ثمّ قال : هذا مكان العايذ بك ، أعوذ بالله وبك أن تذكر لنا الكثير الذي أُمرت أن تعفو عنه ، فأعرض عليه‌السلام عن ذلك ، وسأله ابن صورا عن نومه ، وعن شبه الولد بأبيه وأمّه ، وما حظُّ الأب من أعضاء المولود وما حظّ الأم؟ فقال : تنام عيناي ولاينام قلبي ، والشبه بغلبة أيّ الماءين علا ، وللأب العظم والعصب والعروق ، وللأمّ اللحم والدم والشعر ، فقال : أشهد أنّ أمرك أمر نبيٍّ .. وأسلم ، فشتموه اليهود وعضهوه ، فقال المنافقون ليهود ...».
ب ـ وهو أوّل مفسّر شيعيٍّ استفاد من تفاسير المعتزلة على نطاق واسع أمثال (الجبّائي ، والرمّاني ، وأبو مسلم الأصفهاني) ونقل منها ، وتارة كان يدلي بآرائه الانتقادية ، وعلى إثره فقد انتحى بعض مفسّري الشيعة والسنّة نفس الطريقة أيضاً بعد الوزير المغربي ، أشهرهم الشيخ الطوسي في التبيان وفخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير ، وقد اعتمد بعض المحقّقين هذين التفسيرين سعياً منهم لإصلاح شطراً من الآراء والأقوال التفسيرية للمعتزلة ، فمن الواضح أن أقدّم تفسير تطرّق للنقل من تفاسير المعتزلة هو المصابيح في تفسير القرآن للوزير المغربي ، وبعض منقولاته من تفاسير المعتزلة لم تذكر في أيّ من التفاسير التي صنّفت فيما بعد.

ج ـ هو أوّل مفسّر شيعيّ أبدا في تفسيره اهتماماً كبيراً بالجانب الأدبيواللغوي والنحوي للآيات ، وبرأيي أنّ النكات اللغوية والأدبية للوزيرالمغربي لا مثيل لها في تاريخ التفسير الشيعي ، وبما أنّ الوزير المغربي شاعر عارف بمواقع الكلام ولغوي لامع نراه قد اعتنى بهذا الجانب في تفسيره لفهم القرآن ، وله آراء لغوية من ابتكاراته تفرّد بها بحيث لم يسبقه أحد بها وقد ذكرت تارةً في بعض قواميس اللغة المتأخّرة مثل لسان العرب(1) ، وقد اعتمد لأوّل مرّة على الشعر الجاهلي في بيان مفهوم آيات القرآن حيث انتقلت هذه المنهجية إلى تفسير التبيان ومن بعده اعتمدتها سائر تفاسير الشيعة عن طريق مجمع البيان للطبرسي.
ولتضلّعه في أمر اللغة من صرف ونحو فإنّه لم يدع زلّة لغوية في تفاسيرالقدماء إلاّ وأشار إليها حيث سخر من أبي بكر الجصّاص في أحكام القرآن قائلا : «وقد قال أبو بكر الرازي في كتاب أحكام القرآن : إنّ المحسور : المتحسّر على ما أنفق ، ومن مثل هذا المقام استعاذ الجاحظ فقال : ونعوذ بك من العجب بما نحسن ، كما نعوذ بك من التكلّف لما لا يحسن»(2).
وفي موضع آخر تعرّض مرّةً أخرى إلى أبي بكر الرازي وذلك في قوله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبعة دار صادر ، 1414 هـ ، 1 / 223 ؛ 2 / 197 ، 224 ، 10 / 137 ؛ 11 / 313 ؛ 12 /593 ؛ 14 / 381 ، 444.
(2) في تفسير سورة الإسراء الآية : 29.

تعالى : (حَمُوْلَةً وَفَرْشاً)(1) حيث قال : «الفرش : صغار الإبل. قال الرازي في كتابه الذي سمّاه أحكام القرآن : إنّ الفرش ما يفرش من أصوافها ، ولو اقتصر هذا الرجل على علمه كان أولى به من تعاطي ما ليس من شأنه».
والملفت للنظر أنّ المغربي رغم احترامه الخاصّ للمعتزلة إلاّ أنّه لم يتجاوز عن اشتباهاتهم اللغوية قط ، وإنّ نقده الأدبي الذي يشوبه الاعتذار من أبي حسن الرمّاني ـ اللغوي والأديب المعتزلي اللامع ـ لمثيرٌ للإعجاب في تعليقه على قوله تعالى : (البَدْوِ)(2) يقول : «(البدو) : البادية المجتمعون.وقدزلّ الرمّاني زلّة يرتفع علمه عنها عندنا ، فقال : البادية : بلدالأعراب ، وهذا لا يعرف وإنّما هو معتاد في ألفاظ عامّة العراق ، السالكين لطريق الحجّ ، وكرّر على سمع أبي الحسن حتّى ظنّه عربيّاً».
د ـ وهو أوّل مفسّر شيعيّ أورد في تفسيره روايات الصحابة والتابعين من مصادر أهل السنّة ، وإنّ تفسير الطبري هو من أهمّ المصادر التي أخذ منها ومن بعد ذلك اعتمد على روايات السِّيَر من أشخاص مثل عمر بن شبّه ، الواقدي ، ابن هشام ، ابن إسحاق ، ومحمّد بن مسلم الزهري ، وإنّ ما نُقل من مصادر أهل السنّة في تفسير التبيان أكثر من ذلك بكثير وقد اعتمدت هذه المنهجية في تفاسير أخرى مثل مجمع البيان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنعام الآية : 142.
(2) سورة يوسف الآية : 88.

والجدير بالذكر أنّه قلّ ما نعثر قبل الوزير المغربي على من ذكر روايات الصحابة والتابعين أو من أسند إلى رواة السنّة في مصنّفات تفسير السلف من الشيعة كأمثال الجزي والسياري وفرات الكوفي وعلي بن إبراهيم القمّي والعيّاشي ، حتّى روايات الإمامين الصادقين عليهما‌السلام من طرق أهل السنّة والمذكورة في تفاسيرهم مثل تفسير الصنعاني والطبري وابن أبي حاتم فإنّها لم تُذكر في أيّ من تلكم المصادر التفسيرية لسلف الشيعة قبل الوزير المغربي.
هـ ـ وإنّ المغربي هو من جملة من راجع العهدين القديم والجديد مباشرة وينقل تارة أقوالا يأيّد بها رأياً أو يردّه(1) ، وإنّي لم أعرف حتّى الآن مفسّراً قبله تناول أجزاءً مختلفة من العهد الجديد بهذه الصراحة أو يصرّح أنّه سمع مباشرة من اليهود والنصارى.
ولم يعلم هل أنّه كان يحسن اللغة السريانية أم لا؟
فإنّ حواره في أواخر سنيّ عمره مع إيليا إسقف نصيبين(2) المعروف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ولا بأس هنا من الإشارة إلى أنّ المغربي في تفسير الآية 150 من سورة الأعراف كان قدصرّح بتحريف التوراة ليس فقط من خلال الشواهد التاريخية بل من خلال نفس النصوص الواردة فيه ومثال ذلك ما جاء في التوراة من أنّ هارون قد توجّه لعبادة العجل وقد أشاع ذلك بين بني إسرائيل ، وهو أمرٌ نحن لا نستحسنه للعقلاء فكيف بالأنبياء.
(2) إنّ مدينة نصيبين التي تقع اليوم في جنوب تركيا كانت من أهمّ مراكز المسيحيّين

بـ : إيليا برشينايا (975 ـ 1049م) يتبيّن منه أنّه كان يحسن السريانية قليلا(1).
وعلى كلّ حال فإنّ نقله من العهدين أمرٌ لا يقاس به أيّ من المفسّرين من قبله ولا من بعده ، ومثال ذلك قال في موضع : «في الإنجيل الأوّل في الفصل الثاني عشر منها أنّهم سألوه أن يريهم آية من السماء فقال في جواب طويل : القبيلة الخبيثة الفاجرة تطلب آية ولا تؤتى آية وكذلك في إنجيل لوقا» (في تفسير آية 97 من سورة المائدة).
وفي الآية 112 من سورة المائدة يقول : «وقيل لم ينزل مائدة لما شرط بنزولها من تغليظ العذاب عليهم إن كفروا وعلى ذلك يدلّ الفصل السادس من انجيل يوحنّا».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النسطوريين في القرون المتمادية. وإنّ إيليا نصيبي أو إلياس برشينايا (975 ـ 1049م) قدتربّع على كرسي الأسقفية في الكنيسة النسطورية في هذه المنطقة ، ولمّا جاء الوزيرالمغربي سنة (417 هـ) إلى نصيبين أتى إليه إيليا والتقى به في مجلسه وقد طلب منه الوزير المغربي أن يتناظرا معاً في بعض المسائل الكلامية والدينية وإنّ تفصيل هذه المناظرات التي استغرقت سبع جلسات كتبت بقلم إيليا باللغة العربية وقد احتوت العديد من مكتبات العالم نسخاً كثيرة من هذه الرسالة ، وقد نشرها لوئيس شيخوقبل مائة عام تقريباً في مجلّة المشرق مع حذف الفقرات المرتبطة بالتثليث.
(1) يسأل الوزير المغربي من إيليا أنّه كيف يتمّ التمييز عندكم في اللغة بين الفاعل والمفعول؟ ترى هل لديكم علائم نصب ورفع كما لنا ذلك في اللغة العربية؟
يجيب عليه إيليا قائلا : أمّا في السريانية فإنّه يتمّ التمييز بسهولة جدّاً بحيث نستطيع أن نميّز بين الفاعل والمفعول ولا حاجة لنا إلى العلائم.

وكذلك في تفسير قوله تعالى (دَرَاهِمَ مَعْدُوْدَة)(1) قال : «وهي في التوراة عشرون درهماً».
وتارة كان يتكلّم بكلام يوحي بأنّه استنبط كلامه من العهدين من دون أن يسند كلامه إليهما ، ومثال ذلك ما قاله في تفسير قوله تعالى (فَلَمّا أَحَسَّ عِيْسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصارِي إلَى اللهِ)(2) قال : «(من أنصاري)حين عاد ـ بعد رفعه ـ إلى الأرض وجمع الحواريّين الإثني عشر وبثّهم في الآفاق يدعون إلى الحقّ ..»(3) إنّ هذه العبارة تبيّن بوضوح أنّ المغربي استفاد من نصّ الإنجيل(4).
والأمر الآخر هو أنّ المغربي كسائر من عاصره من المفسّرين مال إلى نقل بعض القصص الروائية عن الصحابة والتابعين الواردة في شأن شخصيّات بني إسرائيل الواردة في القرآن الكريم وهي الروايات المعروفة بـ : (الإسرائيليّات) ومثال ذلك ما نقله في باب التابوت في تفسير الآية 248 من سورة البقرة حيث نقل كلاماً عن الحسن البصري مأخوذاً من مصادر تفسيرية مثل تفسير الطبري. وكذلك في آية (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِيْنَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوْفٌ)(5) فقد ذكر عن ابن إسحاق مطالباً. كما ذكر حول قصّة طالوت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة يوسف الآية : 20.
(2) سورة آل عمران الآية : 52.
(3) ص : 248.
(4) انجيل متّي ، باب 18 ، انجيل مرقس ، باب 16 ، انجيل لوقا ، باب 24.
(5) سورة البقرة الآية : 242.

وجالوت(1) خلاصة من أقوال الصحابة والتابعين نقلها من الطبري.
و ـ كان الوزير المغربي كثيراً ما يهتمّ بالتاريخ والسيرة سواء في تفسيرالآيات أو بيان أسباب النزول ، حيث كان له ولعٌ شديدٌ بالتاريخ والسيرة ، كما أنّ له تهذيب على سيرة ابن هشام أيضاً(2) ، وذلك لولعه وتضلّعه بروايات السيرة ، وإنّ أحد أهمّ اهتماماته في تفسيره هو اهتمامه بروايات السيرة في بيان وتفسير بعض آيات القرآن ، فإنّ هذا الأمر عموماً يتعلّق بالحوادث المعاصرة لحياة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) أو يرتبط بسبب نزول آية من آيات القرآن الكريم(3).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة الآية : 246.
(2) لقد نظّم الوزير المغربي متن سيرة ابن هشام تنظيماً جديداً وبوّبه إلى ثلاثين قسماً كالقرآن الكريم ليستطيع أن يقرأ كلّ يوم قسماً منها ، وقال رفيع الدين إسحاق بن محمّدالهمداني قاضي أبرقوه (م 623هـ) : «إنّ من أفاضل العصر وأكابر الدهر في إقليم المغرب شخص يسمّى ابن الوزير المغربي ولم يكن له مثيلٌ في الفضل والعلم والزهد والورع وقد قسّم كتاب السيرة على غرار القرآن إلى ثلاثين جزءاً وكان يقرأ في كلّ صباح أربعة أجزاء بعد فراغه من درس القرآن ثمّ كان يشتغل بشغل آخر» (أنظر سيرة رسول الله ترجمة رفيع الدين إسحاق بن محمّد الهمداني ، تحقيق أصغر مهدوي ، طهران ، خوارزمي ، الطبعة الثالثة ، 1377 ش ، ج1 ، ص 5 ـ 6) ولابدّ هنا من الإشارة إلى أنّ سهيل زكّار نشر هذا الأثر تحت عنوان السيرة النبوية لابن هشام بشرح الوزير المغربي في مجلّدين طبع في بيروت في دار الفكر ، 1412هـ.
(3) وفي مكان آخر بعد أن بيّن رواية طويلة في سبب نزول (الآية 13 من سورة الرعد)

وكان ينقل في تفسيره بعض الروايات التاريخية المعروفة بـ : (الإسرائيليّات) ولم يذكر في بعض مواردها اسم الراوي أو المصدر الذي أخذمنه(1).
كما كان ينتقد روايات السيرة ، ففي سورة الأنفال الآية 65 ينقل عن محمّد بن يزيد المبرّد «أنّ النبيّ كان يطلق الأسرا إزاء تعليمهم المسلمين القراءةوالكتابة ولذلك شاعت القراءة والكتابة في المدينة» فإنّه يقول معلّقاً على ذلك «وليس هذا يثبت عندنا».
ولا بأس هنا من الإشارة إلى أمر مهم فهو بالرغم من أنّه كان يعيش بين أهل السنّة وكان مجبوراً على عدم البوح عن مذهبه في بعض المواضع ولكن كان يدافع في تفسيره عن المعتقدات الأصيلة للشيعة إزاء المعتزلة وجمهور أهل السنّة ، مثلا علّق على قوله تعالى (بَعَثْنَاكُم)(2) قائلا : «وأنكرت المعتزلة الرجعة عقلا وقالوا : لأنّ فيها إغراءً بالمعاصي ، من أين الإغراء والقوم غير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول : «اعلم إنّ مذهبنا الاختصار وإنّما نورد بعض القصص في بعض المواضع لأنّه يدلّ على آيات لرسول الله(صلى الله عليه وآله) يجب أن نزيدها من الإبانة والوضوح ولا تطيب أنفسنابتركها في طيّ الغموض وبالله التوفيق». هذا وإنّ سيرة ابن هشام (م 218 هـ) في الواقع ما هي إلاّ تهذيب لسيرة ابن إسحاق (85 ـ 150هـ).
(1) مثلا في آية (يُرْسِلِ الصّوَاعِقَ فَيُصِيْبُ بِها مَن يّشَاءُ) (الرعد 13) قال ضمن بيان رواية طويلة : «نزلت لمّا أهلكت الصاعقة أربد بن قيس ...» ولكن لم يذكر المصدر الذي أخذمنه.
(2) سورة البقرة الآية : 56.

معيّن عليهم ولا معروفين» وفي قوله تعالى (لَن يَّسْتَنْكِفَ الْمَسِيْحُ)(1) ، يقول : «دليل عند بعض المتكلّمين على تفضيل الملائكة على الأنبياء ، ولنا في هذا نظر» ، وفي آية (امْسَحُوا بِرُؤُوْسِكُم وَأَرْجُلِكُم إلى الْكَعْبَيْنِ)(2) يقول : «فأمّا القراءة بالخفض فدلالتها على المسح ظاهرة ، وأمّا القراءة بالنّصب فهي عندنا دالّة على مثل ذلك ، فالخفض عطف على اللفظ ، والنصب عطفٌ على الموضع» ، ثمّ بعد أن أبدا توضيحاته النحوية ردّ بشكل مفصّل جميع الاعتراضات ، وكذلك في قوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُم مّنْ شيء فَأَنّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُوْلِ)(3) فقد أعرب عن رأيه مفصّلا فيما ذهب إليه الشيعة.
وفي ختام هذا الكلام أنقل مقتطفات من الصفحات الأولى لتفسير المغربي ليكون القرّاء الكرام على اطّلاع تام بمنهجيّة ومحتوى هذا التفسير ، آملا أن أقدّم في القريب العاجل للعلماء والمحقّقين العاملين في مجال تفسيرالقرآن والعلوم القرآنية دورة كاملة لكتاب المصابيح في تفسير القرآن والتي تمّ مقابلتها على بعض المخطوطات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء الآية : 172.
(2) سورة المائدة الآية : 6.
(3) سورة الأنفال الآية : 41.

مقتطفات ممّا افتتح به الوزير المغربي تفسيره
(المصابيح في تفسير القرآن)
بسم الله الرحمن الرحيم. ربّ أعن. اللهمّ إنّا نُقدّم بين يديك ما نأتمر من عزم ونتصرّف فيه من علم ، شُكراً لنعمك وحديثاً بواقع حِكَمِك ، وتعزّزاًبالانقطاع إليك وتفانياً بالتوكّل عليك ، وإقراراً بوجوب حجّتك وتعرّياًمن الحَول والقوّة إلاّ بقدرتك ، ونسألك أن تصلّي على محمّد فإنّه رحمتك وعلى أهل بيته المصطفين من بريّتك ، و ...
... بين قلبه ولسانه [واجعل لنا] من بين علمه وعمله أقرب الزلفة وأدوم الألفة ، وأن تُلبسنا من قَولك ما يكون زلفة في العاجل وذمّة في الآجل ، وأن تأخذ بنا في ديمة من طاعتك لا تُستبدل بها ورحمة من لدنك لانفتقر في الدنيا والآخرة معها ، وأن تهدينا للتي هي أقوم وتستعملنا بما هوأغنم ، إنّك سميع قريب.
وحقّ على من علّمه الله البيان واستحفظ صدره القرآن ، أن يقسّم جزيل الحظِّ فيه بين قلبه واعياً ولسانه تالياً ، وأن يستخدم له أشرف ما أعطيه من آلات الفَهم والإفهام فلا يزال بين استفادة منه وترجمة فهمه عنه ، ليصل

إلى الغرض المقصود لمشكل معانيه وامتثال أوامره ونواهيه ، وليعدّ من السابقين بالخيرات البالغين به أعلى الدرجات ، فقد كفانا في الحثّ على تفهمّه قول الله تعالى : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ)(1) ، فجعل غرض تنزيله ينتهي إلى تدبّر تأويله.
ولم أزل منذ علّمني الله كتابه طامحاً بفكري إلى معرفة إعجازه باليقين الذي يخصّ دون التقليد الذي يعمّ ، فكان البحث يهجم بي على بدائع فصاحة تروق أسماع العالمين وودائع بلاغة تفوق قدر المخلوقين ، وتسبح بي خواطر تحصينه عن شكّ المتأمّل وإعنات المتأوّل أراها مواهب ـ من الله تعالى ـ مبتكرة وعوائد من لطفه ـ جلّت قدرته ـ مقبلة ، حتّى أنّني لم أكن أكرّ فيه كرّة إلاّ استسرّ فيها قلبي في كلّ موقف أجسر عليه عنان الفكرة ، متمهّلاكمين من الفائدة لم يكن طلع أوّلا ، فكأنّني منه حديقة تتلاحق جناها و (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِيْن بِإِذْنِ رَبِّها)(2) ، فأحببت نظم ذلك كلّه وجمع شمله بما أورده العلماء من مثله ليكون النفع تامّاً والقصد عامّاً ـ بعون الله تعالى.
فاخترت أحسن ما اختلف فيه أهل النقل وأخلصه على عيار السّمع والعقل ، فاقتضبته لُمَعاً هادية ونكتاً كافية ، ونزّهته عن التطويل المملّ والإيجازالمخِلّ ، وأخليته من استقصاء العلوم المفردة بذواتها ، كالإعراب والأحكام والقراءات واشتقاق اللغات ، إذ كان قصدنا تفسير اللفظ الغريب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة ص الآية : 29.
(2) سورة إبراهيم الآية : 25.

وإيضاح المعنى اللطيف مع ما لا يتسغني التأويل عنه من العلوم المذكورة ، وأوردناه عشراً عشراً ليسهل وجود المطلوب منه ، وإنّا لنسأل الله تعالى أن يصلّي على محمّد وأهل بيته وأن يُحسن ثوابي عمّا يرضاه ويغفر زللي فيما سواه ، فقد علم ـ جلّت قدرته ـ ما أردت من البيان عمّا في كتابه من شرف النظم والأسلوب الممتنع عن الخلق ، وإنّي توقّيت بجهدي أن أحِلّ حراماً أوأحرّم حلالا أو أفضّل ناقصاً ، أو أنقص ـ وأعوذ بالله ـ فاضلا أو أقطع على مراد الله في المتشابه أو أخرج عن الإجماع في المحكم ، ويعلم الله لقدصنعته وأنا أراوح بين إملائه والاستغفار متأرجحاً بين الأمل والحذار ، وفي سعة رحمة الله تحقيق أحسن ما ظننت وهِبته ما أعلنتُ لما أكننتُ ، ولكلّ امرىء ما نوى(1) (وَحَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيْلُ)(2).
ومن طلب تأويلا يعرفه ففقده في هذا الكتاب فلا يظنّ بنا إغفالا له ، فإمّاأن يكون قد استوفينا شرحه في موضع آخر رأيناه أليق به ، فإنّ متشابه التلاوة كثير ، وإمّا أن يكون لم نره أهلا لأن نُثبته وكرهنا التطويل بذكر الوجه الذي يطلّ منه ، غير مدّعين في ذلك كلّه ولا في شيء منه الإحاطة ، ولا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حديث معروف عن النبيّ رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطابّ «قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : إنّما الأعمال بالنيّات ، وإنّما لكلّ امرىء مانوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ـ وفي رواية يتزوّجها ـ فهجرته إلى ما هاجر إليه».
(2) سورة آل عمران الآية : 173.

متبرّين من السهو والعجز (وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيْلَ)(1).
واعلم أنّ تفسير القرآن على أربعة أقسام : قسم محكم يكاد تأويله يظهرفي تلاوته ، وقسم بين الواضح والمشكل قد ازدحم العلماء في تفسيره فاجتبينا أحسن ما ذكروه وضممنا أطراف ما نشروه ، وقسم يُظنّ واضحاًفي التلاوة وتحته جِنىً من العلم يشهد بأعلى رتب البلاغة ، وقد أوردنامنه أكثر ما يحتمله هذا الكتاب على خفّة حجمه ، وقسم محتمل الإشكال ، مرّ أكثر العلماء به صفحاً وألمُّوا بتأويله لمحاً ، فعنده يجب أن تطلب نيابتنا عنك وتلتقط ثمر ما غرسناه لك إن شاء الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. فاتحة الكتاب : افتتاح القراءة بقولنا : (بسم الله الرحمن الرحيم) [1] واجب ، لقوله عزّ وجلّ : (اقْرَأ باسْمِ ربِّك)(2) ، [سورة العلق ، 1] ، وقد أجمع المسلمون على استحباب افتتاح كلّ أمر بها ، فصارت علماً من أعلام الدّين ، وهي في الذّبح فرض وفي المآكل سنّة مؤكّدة.
و (الرَّحْمن) ذو الرّحمة بالناس كلّهم ، (الرّحِيْم) بالمؤمنين خاصّة عن جعفر بن محمّد [عليه السلام](3). وقُدِّم (الرّحمن) لأنّه كالعَلم الخاص
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النحل الآية : 9.
(2) نصّ العبارة نقلها النيسابوري في باهر البيان في معاني مشكلات القرآن : 1 / 4. والظاهرأنّ الوزير لخّص تفسير أبى بكر الرازي في هذا الموضع. أنظر أحكام القرآن : 1 / 5ـ 6.
(3) أنظر المحاسن : 1 / 238 ، الكافي : 1 / 114 ، تفسير القمّي : 1 / 28 ، تفسير العيّاشي :

بتسمية الله عزّ وجلّ(1) ؛ ولذلك قُدّم عليهما جميعاً اسم الله تعالى ، لأنّه كالعَلم الخاصّ الذي يزيد على لفظ الرحمن خصوصية بتسمية الخالق جلّت قدرته.
و (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيْمِ) عندنا من كلّ سورة غير براءة ، بدلالة إثباتهم إيّاها في المصاحف مع توقّيهم أن يثبتوا فيها الأخماس والأعشار.
و (الحَمْدُ لله) [2] تعليم من الله لعباده كيف يحمدونه كأنّه قال : قولوا (الْحَمْد) ، ويجوز أن يكون إخباراً بأنّ الحمد له كلّه ؛ لأنّ كلّ نعمة فهوفَعلها أو عرض لها ، ولذلك قيل : الحمد لله بالألف واللام إخباراً بأنّ النعم على القائل الحامد دون غيره.
و (الحمد) في الأصل بناء لعموم النعم (والشكر) بناء لخصوصها ، والخصوص يدخل في العموم.
و (العالَم) [2] قيل : هو اسمٌ لما حواه الفلك ، رواه(2)أبوالحسن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1/22 ، وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحّاك في تفسيره بقوله : «حدّثنا أبي ، ثنا محمّد بن عبدالرحمن العرزمي ، ثنا أبي ، عن جويبر ، عن الضحّاك في قوله : الرحمن الرحيم قال : الرحمن بجميع خلقه ، والرحيم بالمؤمنين خاصّة» (تفسير القرآن العظيم : 1 / 28).والعجيب أنّ شيخ الطائفة مع إشرافه على مصادر الشيعي الروائية والتفسيرية ورغم نقل كثير من الأقوال والمرويّات من تفسير المغربي ، نسب هذا القول إلى بعض التابعين : «وروى عن بعض التابعين أنّه قال : الرحمن بجميع الخلق والرحيم بالمؤمنين خاصّة» (التبيان : 1 / 29).
(1) نصّ العبارة في التبيان للطوسي : 1 / 29.
(2) نقل النيسابوري هذا الرأي في إيجاز البيان : 1 / 59 ونسبه في كتابه الآخر إلى الحسن البصري. أنظر باهر البيان في معاني مشكلات القرآن : 1 / 7.

الرماني (1) واشتقاقه من العلامة ، لأنّه علامة ودلالة على صانعه(2)جلّت قدرته وهو ...
سورة البقرة
لأنّ منفعة الهُدى لهم من حيث اختصّوا باتّباعه واجتَنَوا ثمرة نفعه.
(الريب) [2] الشكّ(3) ، قال ساعدة بن جؤيّة الهُذلي(4) :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أبو الحسن الرمّاني : هو علي بن عيسى بن علي بن عبدالله ، المعروف بالرمّاني (196 ـ384 هـ) أصله من سامرّاء ولكن مولده ووفاته ببغداد ، له حوالي مئة مصنّف أشهرهاتفسير حجيم على القرآن المسمّى بـ الجامع لعلم القرآن ، لم يصل إلينا غير قطعات متفرّقة منه. طبع منه خضر محمّد نبها قطعة من سورة هود مع آيات من سورة إبراهيم ضمن «موسوعة تفاسير المعتزلة» في بيروت (دار الكتب العلمية ، 2009).فمفسّرنا الوزير المغربي هو أوّل من نقل جمّاً غفيراً من تفسير الرمّاني وأخريات من تفاسير المعتزلة في كتابه هذا.
(2) نصّ العبارة نقلها الطوسي في تفسيره التبيان : 1 / 32.
(3) العين لخليل بن أحمد : 8 / 287 ؛ معاني القرآن للفرّاء : 1 / 11 ، ومجاز القرآن : 1 / 29.وقال ابن أبي حاتم في تفسيره : «الريب ـ يعني الشك ـ من الكفر ولا أعلم في هذاالحرف اختلافاً بين المفسّرين منهم ابن عبّاس وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر وعطاء بن أبي رباح وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيّانوالسدّي وإسماعيل بن أبي خالد» (1 / 34).
(4) ساعدة بن جؤية الهذلي : أحد بني كعب بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدسمة ، شاعر محسن جاهلي ، وشعره محشوّ بالغريب والمعاني الغامضة.

 

وقالوا تركنا الحيّ قد حصروا به
 

 

فلا ريب أن قد كان ثمّ لحيم(1)
 

أي : أطافوا به(2).
(الغيب) [3] ما غاب عن الحواس ؛ لأنّ المدرَك بها لا مدح في الإقراربوجوده.
(الفلاح) : إدراك المطلوب.
(يُوْقِنُوْنَ) [4] مدحوا بعلم الاستدلال.
قوله : (مِمّا رَزَقْنَاهُم يُنْفِقُوْنَ) [3] ، قيل : إنّه أراد الزكاة ، وقيل : أراد التطوّع بالصدقات وكلّ خير ورزق الله هو الحلال ، وإلى ذلك ذهب ابن جريرالطّبري من بين أصحاب الحديث(3).
(رَزَقْنَاهُم) الرزقُ : الحظُّ. (وَتَجْعَلُوْنَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمَ تُكَذِبُوْنَ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البيت من قصيدة يرثي ابن عمّ له لقيه عبد شمس ، واسمه جندب ، قتلته قبيلة قسر ، ومطلعها :

أهاجك مغنى دِمنة ورسوم
 

 

لِقَيْلة منها حادث وقديم
 

 (2) أخذ الوزير هذا النقل من السيرة النبوية لابن هشام : «يقول الله سبحانه وبحمده : الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ، أي لا شكّ فيه. قال ابن هشام : قال ساعدة بن جؤية الهذلي :

فقالوا عهدنا القوم قد حصروا به
 

 

فلا ريب أن قد كان ثمّ لحيم
 

وهذا البيت في قصيدة له ، والريب (أيضاً) : الريبة. قال خالد بن زهير الهذليّ : كأنّني أرببه بريب. قال ابن هشام : ومنهم من يرويه : كأنّني أريته بريب. وهذا البيت في أبيات له. وهو ابن أخي أبي ذؤيب الهذلي» (السيرة النبوية : 1 / 530).
(3) لا يوجد صريح هذا الاختيار في جامع البيان للطبري.

[سورة الواقعة : 82] أي : حظَّكم من الشكر.
(هُدى) [5] بَيانٌ.
(أَأَنْذَرْتَهُم) [6] إخبار خرج مخرج الاستفهام(1) ، كما قال جرير(2) :

ألستم خير من ركب المطايا
 

 

وأندَى العالمين بطون راح(3)
 

و (هم) [5] اسم مبتدأ وخبره : (المفلحون) ، والجملة خبر (أولئك)(4).
وقوله : (أَأَنْذَرْتَهُم) [6] نزلت في أبي جهل وخمسة من قومه من قادة الأحزاب قُتلوا يوم بدر(5) ، وقال ابن عبّاس : نزلت في قوم بأعيانهم من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة : 1 / 31.
(2) جرير بن عطية الخَطَفَي (33 ـ 133 هـ) ، من بني كليب بن يربوع بن عمرو بن تميم ، من شعراء بني أمية وهو من أشهر شعراء العرب في فنّ الهجاء وفي المدح أيضاً. ولدومات في اليمامة ، أنظر طبقات فحول الشعراء : 2 / 297 ؛ الشعر والشعراء : 309 ؛ والأغاني : 8 / 54.
(3) استشهد أبو عبيدة بهذه الدلالة في هذا البيت في مواضع مختلفة من مجاز القرآن (1/35 ـ 36) والطبري في تفسير سورة العنكبوت (21 / 11) ؛ والبيت في ديوانه : 98 ، وهومن قصيدة في مدح الخليفة عبدالملك بن مروان مشهورة.
(4) هذا تلخيص لرأي الزجّاج في معاني القرآن : 1 / 74 : فـ (أولئك) مبتدأ و (المفلحون)خبر ، و (هم) فصل. والكوفيّون يقولون : عماد ويجوز أن يكون (هم) ابتداءثانياً ، و (المفلحون) خبر ، والجملة خير (أولئك).
(5) نسب الثعلبي الكشف والبيان : 1 / 149 والواحدي أسباب النزول : 25 ، هذا القول إلى الضحّاك نقل الطوسي هذا القول من الوزير المغربي في تفسيره التبيان : 1 / 59 وأخذمنه الطبرسي في مجمع البيان : 1 / 128.

أحبار اليهود(1).
(خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوْبِهِم) [7] : شهد عليها كما يختم الشاهد حقيقة ، وجملة الختم أنّه استعارة ، فليس لأحد أن يتعلّق منه بتأوّل. وقيل : إنّ (خَتَمَ) بمعنى طبع فيها أثر الذنوب كالسِّمة والعلامة ليعرفها الملائكة(2) فيتبرّءوا منهم ولا يوالوهم ولا يستغفروا لهم(3) مع من يستغفرون له في قولهم : (فَاغْفِرْ لِلَّذِيْنَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيْلَك) [سورة غافر : 7].
(وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشاوَة) [7] لطول اكتساب الذنوب.
و (سَمْعِهِم) جاء مفرداً لأنّه مصدر.
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يّقُوْلُ آمَنّا) [8] هم المنافقون ، ثمّ قال : (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِيْنَ) لأنّ (مَن) تقع على الواحد والجميع ، كما قال الشاعر(4) :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا تلخيص لرأي ابن عبّاس ذكره الطبري بتفصيله هكذا : «وحدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس : أن صدر سورة البقرة إلى المائة منها نزل في رجال سمّاهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار اليهود ومن المنافقين من الأوس والخزرج.كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائه» جامع البيان : 1 / 84.
(2) نقلها أبو علي الفارسي في الحجّة للقرّاء السبعة : 1 / 301 والماوردي في تفسيره : 1/67.
(3) نقل الطوسي هذه العبارة في تفسير التبيان : 1 / 63.
(4) الفرزدق وهو همّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمّد بن سفيان بن مجاشع بن دارم ، وإنّما لُقّب بالفرزدق لغلظه وقصره ، الشعر والشعراء : 315 ـ 316.

 

 ...................................
 

 

نُكُن مثل مَن يا ذئب يصطحبان(1).
 

(يخادعون) [9] ممّا جاء (فاعَلَ) فيه بمعنى (فَعَل) ، كقوله (باعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)(2) [سورة سبأ : 19] وكقولك : عافاك الله.
(وَمَا يَخْدَعُوْنَ إلاّ أَنْفُسَهُم) [9] أي ضرر الخديعة عائد عليهم ، فكأنّهم خدعوا أنفسهم وإن لم يقصدوا ذاك.
(وَمَا يَشْعُرُوْنَ) أنّهم مغلوبون ، وأنّ ضرر خداعهم عائد عليهم.
(فِي قُلُوْبِهِم مَرَضٌ) [10] غمّ ووجع من الحسد والعداوة لكم.
(فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضَاً) [10] دعاءٌ كما قال : (ثُمّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوْبَهُم) [سورة التوبة : 127].
(هُمُ الْمُفْسِدُوْنَ) [12] لأمر أنفسهم في الآخرة.
(إِنّما نَحْنُ مُصْلِحُوْنَ) [11] قالوا : الذي عندكم أنّه هو فسادٌ عندنا صلاح. قال أبو جعفر : (كانت الأرض قبل بعث الأنبياء عليهم‌السلام تُسْفَك فيها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عجز بيت ، صدره : تعشَّ فإن واثْقَتني لا تَخونَني. والبيت في ديوان الفرزدق : 2 / 329.
(2) هذا أمر معروف بين النحاة ومفسّريهم وقد ذكروا له أقساماً (راجع ابن الحاجب ، شرح الشافية : 1 / 96 ـ 99 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 1 / 31). وفي آثارهم نجد بعض الأمثلة القرآنية لهذا الأسلوب مثل : قاتلهم الله (سورة التوبة ، 30) أي قتلهم(القرطبي : 6 / 267) ، فلمّا جاوزه (سورة البقرة : 249) أي جاز (أبو حيان : 2 / 590)أمّا استشهاده بهذه الآية أعني باعِد بين أسفارنا (سورة سبأ : 19) ، فالظاهر أنّ الوزيرمتفرّد فيه.

الدّماء ، وتحلّ المحارم ، ويُعمل بغير الحقّ ، وذلك هو الفساد ، ولمّا بُعث النبيّ(صلى الله عليه وآله) أمر بالحلال ونهى عن الحرام ، وذلك الصّلاح)(1).
وقوله : (لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ) [11] لا تمنعوا من ظهور الدّين الذي هو صلاحها ، كما قال : (آمَنَ النّاس) [13] يُراد بالناس هاهنا (المؤمنون).
(وَإِذَا خَلَوا إلَى شَيَاطِيْنِهِمْ) [14] رؤسائهم من المشركين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يوجد شيء من هذه الرواية في تفسير أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري ولا أثرلنسبة هذا القول إلى الإمام أبي جعفر الباقر عليه‌السلام في أي من التفاسير المتقدّمة الشيعية. نعم هناك أقوال غير منتسبة إلى شخص معيّن في تفسير أبي الليث السمرقندي (بحر العلوم : 1/ 27) ، والثعلبي (الكشف والبيان عن تفسير القرآن : 4 / 260 ـ 261) ولعلّ القرطبي (الجامع لأحكام القرآن : 1 / 202) أخذ منهما حينما قال : «قيل كانت الأرض قبل أن يبعث النبيّ(صلى الله عليه وآله) فيها الفساد ، ويفعل فيها بالمعاصي ، فلمّا بعث النبيّ(صلى الله عليه وآله) ارتفع الفساد وصلحت الأرض. فإذا عملوا بالمعاصي فقد أفسدوا في الأرض بعدإصلاحها». وجدير بالذكر أنّ القرطبي نسب هذه الرواية إلى ابن عبّاس في تفسير قول شعيب في آية : 56 من سورة الأعراف : «قال ابن عبّاس : كانت الأرض قبل أن يبعث الله شعيباً رسولا يُعمل فيها بالمعاصي وتستحلّ فيها المحارم وتسفك فيها الدماء. قال : فذلك فسادها ، فلمّا بعث الله شعيباً ودعاهم إلى الله صلحت الأرض. وكلّ نبيٍّ بعث إلى قوم فهو صلاحه». (القرطبي : 7 ـ 248) وهذا شاهد على أنّ للكلبي دخلا في نقل هذه الرواية في تفسيره الذي لم يصل إلينا بعد ؛ إذ كلّ من السمرقندي والثعلبي والوزيرالمغربي حريصون على نقل أقوال الكلبي في تفاسيرهم ولكن الوزير أسند كلّ منقولاته إلى هذه الكنية المشهورة بأبي جعفر.

والمنافقين.قال أبو عبدالله(1) : «شياطينهم كَهَنتهم» ، وقال بعض العلماء : الشيطان المتمرّد من كلّ جنس(2) ، وأصله [من] الشطون ، وهو البُعد ، وهو هاهناالبُعد عن الخير وقال ابن إسحاق(3) : «شياطينهم قُرناؤهم من اليهود الذين يأمرونهم بالتكذيب بالحقّ»(4).
و (الاستهزاء) [14] لا يجوز من فعل الحكيم ، وإنّما ذكر في فعل الله تعالى ؛ لأنّ الفعل والجزاء عنه يُسمّيان اسماً واحداً ، كما قال : (وَإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوْقِبْتُمْ بِهِ) [سورة النحل : 126] ، والأوّل ليس بعقوبة ، وقال : (وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [سورة الشورى : 40] ، والثانية ليست
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الظاهر أنّ مراد الوزير هنا هو أبو عبدالله الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام.
(2) لعلّ الوزير أشار إلى قول أبي عبيدة في مجاز القرآن : 1 / 32 : «كلّ عات متمرّد من الجنّوالإنس والدواب ، فهو شيطان» أو إلى قول الطبري في تفسيره (1 / 38) : «حدّثنابذلك يونس بن عبد الأعلى قال : أنبأنا ابن وهب قال : خبّرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال أبو جعفر : وإنّما سمّي المتمرّد من كلّ شيء شيطاناً لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاق سائر جنسه وأفعالهم وبعده من الخير» وقال الثعلبي : «والشيطان : المتمرّد العاصي من الجنّ والإنس ، ومن كلّ شيء» (الكشفوالبيان : 1 / 156).
(3) أبو عبدالله (وقيل : أبو بكر) محمّد بن إسحاق بن يسار بن خيار المدني (85 ـ 151 هـ)كان مولى لقيس بن مخرمة بن المطّلب القرشي. هو أوّل مؤلّفي السيرة. ومن جملة أساتذته ذُكر ابن شهاب الزهري والإمام محمّد الباقر والإمام جعفر الصادق عليهما‌السلامولدبالمدينة وتوفّي ببغداد.
(4) أنظر ابن هشام ، السيرة النبوية : 1 / 531 ، ونسب الطبري : 1 / 101 ، وابن أبي حاتم الرازي : 1 / 47 ، هذا القول إلى ابن عبّاس.

بسيّئة ولكنّها حكمة مستحسنة ؛ وكذلك (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) [سورة البقرة : 119] ، والثاني قصاص ليس باعتداء ، والعرب تقول : الجزاء بالجزاء ، وقال الشاعر(1) :

ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا
 

 

فنجهل فوق جهل الجاهلينا(2)
 

والاستهزاء من الله تعالى ، هو الإملاء الذي يظنّونه إغفالا(3). قال أبو مسلم(4) (يَسْتَهْزِيءُ بِهِم) [15] : يحلّ عقابه جزاء استهزائهم ، فلمّا كان رجوع الاستهزاء يظهر مع عقاب الذنوب نسب الاستهزاء إليه.
(وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُوْنَ) [15] يمدُّهم : يُمهلهم ويزيد في أعمارهم ، كما قال : (وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر) [سورة لقمان : 27] أي يزيد فيه ، والمعنى يُمهلهم وهم في حال طغيانهم تأنيباً بهم ، وإنظاراً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عمر بن كلثوم ، هو من بني تغلب من بني عتّاب ، شاعر جاهليّ وأحد أصحاب المعلّقات ، وهو قاتل عمرو بن هند ملك الحيرة الشعر والشعراء : 141.
(2) البيت في ديوان عمرو بن كلثوم : 78 ، والأغاني : 25 / 252 ، وجمهرة أشعار العرب : 1
/414.
(3) نصّ العبارة في التبيان للطوسي : 1 / 80.
(4) هو أبو مسلم محمّد بن بحر الأصبهاني (254 ـ 322هـ) ، كاتب ، نحوي ، أديب ، مفسّرومتكلّم على مذهب المعتزلة. لم يصل إلينا شيء من آثاره في النحو والتفسير ، سمّى تفسيره بـ : (جامع التأويل لمحكم التنزيل) والذي كان في متناول أيدي المفسّرين حتّى نهاية القرن السادس الهجري. قال الوزير المغربي أوّل من نقل منه آراءه الأدبية والكلامية والتفسيرية وبعده أثنى عليه الشيخ الطوسي لأوّل مرّة في مقدّمة تفسيره التبيان ونقل منه أقوالا كثيرة.

لهم وإيجاباً للحُجّة عليهم ، وقوله : (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُوْنَ) [15] : في تقدير حال ، والعمه ضدّ الاستبصار وأصله الحيرة قال رؤبة :

ومَهْمَه أطرافُه في مَهمِه
 

 

أعْمَى الهُدَى بالحائرين العُمَّه(1)
 

يُقال : عَمِه وعَامِه ، والعُمّه هاهنا جمع عامِه ، وجمع عَمِه (عَمِهُون).
(اشْتَرَوُا الضّلالَةَ بِالْهُدْى) [16] أخذوا الضّلالة وتركوا الهُدى. وأصْلُ الشّراء استبدال العين بالثّمن ، فلمّا استبدل قول الكفر بالإيمان الذي فَطَرهم الله عليه قِيل : (اشْتَرَوُا) ، وإن كانوا من قبل كفرهم لم يكونوا مؤمنين.وجعل التجارة هي الرابحة ، كما قال رؤبة(2) :

 ......................
 

 

ونام ليلِي وتجلّى همّي(3)
 

قال : (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِيْنَ) [16] لأنّ التاجر قد يخسر وهو مهتد غير ضالّ. والاشتراء استعارة ، وحسنت هذه الاستعارة لأنّها تمثيل بما يظهر للحِسّ ، ولأنّ الغَبن في الشراء أقبح.
وضرب (مَثَلُهُمْ كَمَثِلَ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَارَاً) [17] أي استوقد ناراً ، فلمّاعرف جميع ما حوله ممّا يضرّه فيتّقيه وينفعه فيبتغيه ، أطفأ الله النار ، وضرب الله الإضاءة والإظلام مثلا لدخولهم في الإسلام تفْرِقةً وإجمالا ، ثمّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البيت في ديوانه 166 ، وبدل بالحائرين (الجاهلين) ، وفي لسان العرب : (عمه) أنظرأيضاً مجاز القرآن لأبي عبيدة : 1 / 32 ، ومعاني القرآن للزجّاج : 1 / 91.
(2) مرّت ترجمته.
(3) هو رجز رؤبة في ديوانه ، ص : 166 ، وقبله : حارث ، قد فرّجت عنّي غمّي.

خروجهم منه بالنّفاق.
(وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) [20] إذا عزّ الإسلام سكنوا ، وإذا نُكب المسلمون شكّوا ورجعوا وتبدّلت إلى اليهود الذين كانوا يتمنّون رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فلمّا بعث كفروا به ، فكانوا كمن أوقد ناراً ، فلمّا أضاءت ، عَمِي ، وقال : بنورهم. وقد تقدّم ذكر واحد ؛ لأنّه أراد ذهب نُورهُ ونورُ من حوله ، فكان أبلغ في الخسران ، إذ لم ينتفع به هو ولا غيره ، وعلى أنّ (الذي) يُخبر بها عن الجمع كما يُخبر بها عن الواحد.
وأنشدوا :

إنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم
 

 

هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد(1)
 

وحال من يقع في الظلمة بعد الضياء أشدّ في الحيرة فكذلك كان حال المنافقين في حيرتهم بعد اهتدائهم ، ثمّ يزيد استضرارُه على استضرار من طَفِئَت ناره بسوء العاقبة ودوام المضرّة ، وقال أبو مسلم(2) : «والمراد به أنّه لا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البيت للأشهب بن رميلة : وهو ابن ثور بن أبي حارثة بن عبد الدار بن جندل بن نهشل بن دارم ، ورميلة اسم أمّه ، وهو شاعر إسلاميٌّ مخضرم ، أسلم ولم تعرف له صحبةواجتماع بالنبيّ(صلى الله عليه وآله) أنظر الإصابة لابن حجر وطبقات فحول الشعراء : 2 / 585 ، والأغاني : 9/308. حانت دماؤهم : أي لم يؤخذ لهم بدية ولا قصاص.
(2) ذكر الطوسي هذا القول في التبيان : 1 / 88. مع إضافات أُخر : «وقال أبو مسلم : معناه أنّه لا نور لهم في الآخرة ، وإنّ ما أظهروه في الدنيا ، يضمحلّ سريعاً كاضمحلال هذه اللمعة.وحال من يقع في الظلمة بعد الضياء أشقى في الحيرة ، فكذلك حال المنافقين في حيرتهم بعد اهتدائهم ، ويزيد استضرارهم على استضرار من طفئت ناره بسوء العاقبة».

نور لهم في الآخرة ، وأنّ ما أظهروه في الدنيا يذهب سريعاً كاضمحلال هذه اللمعة القريبة». ثمّ ضرب مثلا آخر بالرّعد والبرق لما هم فيه من الحيرةوالالتباس ، يقول : لا يرجعون للحقّ إلاّ خلساً كما يلمع البرق ثمّ يعودون إلى ضلالتهم وأصلهم الذي هم ثابتون عليه وراجعون إليه. والكفر كظلمة الليل والمطر اللذين يعرض خلالهما البرق لمعاً وهم في أثناءذلك يحذرون الوعيد والعذاب العاجل إن أظهروا الكفر ، كما يحذرون الصواعق من الرعد فيضعون أصابعهم في آذانهم ارتياعاً وانزعاجاً في الحال ، ثمّ يعودون إلى الحيرة والضلال(1) ، وكان قوم يسدُّون آذانهم لئلاّ يسمعوا القُرآن ، فضُرب لهم هذا المثل ، فهم لا يرجعون : لا يتوبون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نصّ العبارة ذكرها الطوسي في التبيان : 1 / 94 ـ 95. مع انتساب ألفاظ المغربي إلى نفسه.

المصادر
1 ـ آلاء الرحمن في تفسير القرآن : للبلاغي النجفي ، محمّد جواد ، قم ، منشورات بنياد بعثت ، 1420 ق.
2 ـ أمالي المرتضى : للشريف المرتضى ، أبو القاسم علي بن الحسين ، تحقيق : محمّدأبو الفضل إبراهيم ، القاهرة ، منشورات دار الفكر العربي ، 1998.
3 ـ إيجاز البيان عن معاني القرآن : للنيشابوري ، نجم الدين محمود بن أبو الحسن ، بيروت ، منشورات دار الغرب الإسلامي ، 1415 ق.
4 ـ البحر المحيط في التفسير : لأبي حيّان الغرناطي ، محمّد بن يوسف بيروت ، منشورات دارالفكر ، 1420 ق.
5 ـ البرهان في علوم القرآن : للزركشي ، برهان الدين محمّد بن عبدالله ، بيروت ، منشورات دار المعرفة ، 1410 ق / 1990م.
6 ـ بغية الطلب في تاريخ حلب : لابن العديم ، عمر بن أحمد بن هبة الله ، تحقيق : سهيل زكّار ، بيروت ، 1408 ق / 1988 م.
7 ـ التحرير والتنوير : لابن عاشور ، محمّد بن طاهر ، تونس ، منشورات الدار التونسية ، 2008.
8 ـ تفسير من وحي القرآن : لفضل الله ، سيّد محمّد حسين ، بيروت ، منشورات دارالملاك للطباعة والنشر ، 1419 ق.
9 ـ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم : للآلوسي ، سيّد محمود. بيروت ، منشورات دار الكتب العلمية ، 1415 ق.
10 ـ روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن : لأبي الفتوح الرازي ، حسين ابن علي ، تحقيق : محمّد جعفر ياحقي ومحمّد مهدي ناصح ، مشهد ، منشورات بنيادپژوهشهاى اسلامى آستان قدس رضوى ، 1408 ق.
11 ـ سعد السعود للنفوس منضود : لابن طاووس الحلي ، سيد علي ، قم ، محمّد كاظم الكتبي.
12 ـ سيرة رسول الله : للهمداني ، رفيع الدين إسحاق بن محمّد ، تحقيق : اصغر مهدوي ، طهران ، منشورات الخوارزمي ، 1377ش.
13 ـ السيرة النبوية لابن هشام بشرح الوزير المغربي : لابن هشام ، أبو محمّد عبدالملك ، تحقيق : سهيل زكّار ، بيروت ، دار الفكر ، 1412 ق.
14 ـ طبقات المفسّرين : للداوودي ، محمّد بن علي بن أحمد ، بيروت ، منشورات
دارالكتب العلمية.
15 ـ الفصول المختارة : للشيخ المفيد ، محمّد بن محمّد بن النعمان ، قم ، منشورات الموتمر العالمي للشيخ المفيد ، 1413 ق.
16 ـ فقه القرآن في شرح آيات الأحكام : للراوندي ، قطب الدين سعيد بن هبة الله ، قم ، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي ، 1405.
17 ـ فهرست أسماء مصنّفي الشيعة المشتهر بـ : رجال النجاشي : للنجاشي ، أبوالعباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس ، تحقيق : السيّد الشبيري الزنجاني ، قم ، منشورات مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة ، 1407 ق.
18 ـ كنز العرفان في فقه القرآن : للفاضل المقداد ، جمال الدين مقداد بن عبدالله ، تحقيق : سيّد محمّد القاضي ، طهران ، منشورات مجمع جهاني تقريب مذاهب اسلامي ، 1419 ق.
19 ـ لسان العرب : لابن منظور ، أبو الفضل جمال الدين محمّد بن مكرم ، بيروت ، منشورات دار صادر ، 1410 ق.
20 ـ (مأكله ى سالانه ى يهود : بررسي روايتي تفسيري در منابع كهن شيعه وسنّي) : لكريمي نيا ، مرتضى ، مجله پژوهشهاي قرآن وحديث (مقالات وبررسيها) ، لسنة 44 ، رقم2 ، خريف ـ شتاء 1390ش.
21 ـ متشابه القرآن ومختلفه : لابن شهرآشوب ، محمّد بن علي ، قم ، منشورات بيدار ، 1410 ق.
22 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن : للطبرسي ، فضل بن حسن ، طهران ، منشورات ناصر خسرو ، 1372 ش.
23 ـ مقالة (النعماني ومصادر الغيبة) : للشبيري ، سيّد محمّد جواد ، في مجلة (انتظارموعود) ، رقم 19 ، لسنة 1386 ش.
24 ـ نهج البيان عن كشف معاني القرآن : للشيباني ، محمّد بن الحسن ، تحقيق : حسين درگاهى ، طهران ، 1413 ق.
25 ـ الوزير المغربي أبو القاسم الحسين بن علي العالم الشاعر الناثر الثائر : لإحسان عباس ، عمّان ، الأردن ، 1988.
26 ـ Daniel Gimaret, "Mu tazila", in EI2, vol. 7, Leiden : Brill, 1993.

المصدر: مرتضى كريمي نيا - مجلة تراثنا ..


الوزير المغربي (تفسيره ومذهبه)

جعفر السبحاني

بسم الله الرحمن الرحيم

أخبرني أحد الأخوة أنّه توجد من كتاب المصابيح في تفسير القرآن العظيم للحسين بن علي المعروف بالوزير المغربي (370 ـ 408 هـ) نسخة في جامعة الإمام محمّد بن سعود في الرياض ، فطلبت من الأخ الدكتور الرسولي سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية هناك أن يسعى للحصول على صورة من هذه النسخة ، فوافانا الجواب منه ـ مشكوراً ـ بإرسال نسخة محقّقة للباحث عبد الكريم بن صالح الزهراني ، فقد حقّق الكتاب من سورة الفاتحة إلى سورة الإسراء ونال بهذا العمل درجة الدكتوراه عام 1421 هـ.

وقد قرأت مقدّمة الباحث وتصفّحت الموجود من التفسير سريعاً فوجدت أنّ الباحث بذل جهده في تحقيق النصّ وإزالة الصعاب عنه إلى غير ذلك من المزايا التي أشار إليها في مقدّمته ، وقد حقّق الكتاب بعد الحصول على نسختين :
النسخة الأُولى : وهي من فاتحة الكتاب إلى آخر سورة الإسراء مع سقط قليل في موردين ، وهي من ممتلكات عبد الرحمن بن سليمان العثيمين ، وهي مصوّرة على ميكروفيلم في جامعة الإمام محمّد بن سعود ضمن مخطوطات قسم التفسير برقم 2002.
النسخة الثانية : نسخة مبتورة من أوّلها وآخرها ، فهي تبدأ بسورة النساء وتنتهي بآيات من سورة يوسف ، وهي مصوّرة من نسخة في مكتبة تشستربتي برقم 3538 وهي في مركز التراث بجامعة أُمِّ القرى.
ثمّ أشار المحقّق إلى أنّ للكتاب نسخة ثالثة في المغرب بخزانة القرويّين تحت رقم 1476 وقد راجع الباحث المكتبة فأخبره أمينها بأنّها متلاشية جدّاً ولا يمكن تصويرها.
ونحن إذ نثمّن جهوده في إحياء ذلك التراث القيّم ، غير أنّه لمّا وصل إلى بيان مذهب المؤلّف نقل عن الذهبي في سير أعلام النبلاء أنّه كان شيعيّاً ، لكنّه أضاف : «أنّي بعد تتبّع آثاره وما كتبه من رسائل لكي أقف على هذه الحقيقة لم أجد ما يدلّ على ذلك ... أمّا ما جاء في كتاب المصابيح عندما يذكر أبا جعفر فيقول عليه‌السلام فهذا بلا شكّ أنّه من الناسخ بدليل سقوط هذه

العبارة في النسخة الثانية» (1).
يلاحظ عليه : بأنّ ما ذكره ضعيف جدّاً إذ لقائل أن يقول : إنّ النسخة كانت مشتملة على التسليم لكن أسقطها الناسخ ، هذه مؤاخذة جزئية ولكن الذي يؤخذ على الباحث أنّه لو أمعن النظر في نفس الكتاب الذي حقّقه يرى فيه دلائل واضحة على أنّه شيعيٌّ إماميٌّ لا ريب في ذلك ، ولأجل ذلك نذكر شيئاً من حياته التي جاء ذكرها في مصادرنا الرجالية وشيئاً ممّا ورد في مصادر غيرنا ، والغاية رفع الستر عن مذهبه فنقول :
الوزير المغربي في مصادر الشيعة :
1 ـ أوّل من ترجم له الرجالي المشهور أبو العبّاس النجاشي (372 ـ 450 هـ) ، قال : «الحسين بن علي بن الحسين بن محمّد بن يوسف الوزير (أبو القاسم المغربي) من وُلد بلاس بن بهرام جور ، وأُمّه فاطمة بنت أبي عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني ، شيخنا صاحب كتاب : الغيبة ، له كتب منها : كتاب خصائص علم القرآن ، كتاب اختصار إصلاح المنطق ، كتاب اختصار غريب المصنّف ، رسالة في القاضي والحاكم ، كتاب الإلحاق بالاشتقاق ، اختيار شعر أبي تمّام ، اختيار شعر البحتري ، اختيار شعر المتنبيّ والطعن عليه ، توفّي رحمه‌الله يوم النصف من شهر رمضان سنة ثمان عشرة وأربعمائة»(2).
__________________
(1) لاحظ : المصابيح : 39 (رسالة الدكتوراه).
(2) رجال النجاشي 1/191 ـ 192 ، برقم 165.

قال المحقّق التستري : «قوله : (شيخنا) وصف للنعماني جدّ الوزير للأُمّ ، ثمّ أضاف : قول النجاشي : من وُلد بلاس بن بهرام جور وهمٌ ، فإنّ بلاساً ليس ابن بهرام بل ابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام ، وبلاس عمّ أنوشيروان ، وهو الباني لساباط المدائن ، وأصل ساباط (بلاس آباد) فخفّف وعُرّب فصار (ساباط) ، وعنونه الحموي بقوله : الحسين بن علي بن الحسن بن محمّد بن يوسف بن بحر بن بهرام بن المرزبان بن ماهان بن باذام بن سامان بن الحرون من ولد بهرام جور ملك فارس أبو القاسم المعروف بالوزير المغربي الأديب اللغوي الكاتب الشاعر ، ولد فجر يوم الأحد ثالث عشر ذي الحجّة سنة سبعين وثلاثمائة»(1).
2 ـ ذكره ابن شهرآشوب (484 ـ 584 هـ) في معالم العلماء وقال : «أبو القاسم المغربي الوزير له كتاب المصابيح في تفسير القرآن»(2).
3 ـ ذكره قطب الدين الراوندي (ت 537 هـ) «وقال الحسين بن علي المغربي : معنى (إذا قمتم) : إذا عزمتم عليها وهممتم بها ، قال الراجز للرشيد :

ما قاسم دون الفتى ابن امِّه
 

 

وقد رضيناه فقم فسمّه
 

فقال : يا أعرابي ـ ما رضيت أن تدعونا إلى عقدة الأمر له قعوداً حتّى أمرتنا بالقيام ، فقال : قيام عزم لا قيام جسم.
__________________
(1) قاموس الرجال 3/491 ـ 496 ولاحظ : معجم الأُدباء 10/79 ، بغية الطلب في تاريخ حلب 6/2537 ، وقد بسط الكلام في ترجمته.
(2) معالم العلماء : 172 ، برقم 952. فهو أوّل من سمّى تفسيره بـ : (المصابيح) من الإمامية.

وقال خزيم الهمداني :

فحدّثت نفسي أنّها أو خيالها
 

 

أتانا عشاءً حين قمنا لنهجعا
 

أي حين عزمنا للهجوع»(1).
4 ـ قال العلاّمة الحلّي (647 ـ 726 هـ) : «الحسين بن علي بن الحسين بن محمّد بن يوسف الوزير المغربي ، ثمّ لخّص ما ذكره النجاشي»(2).
5 ـ قال الحرّ العاملي (ت 1104) : «الحسين بن علي بن الحسين بن محمّد بن يوسف الوزير المغربي ، أُمّه فاطمة بنت أبي عبد الله محمّد بن إبراهيم النعماني صاحب كتاب الغيبة ، ثمّ ذكر تصانيفه»(3).
6 ـ عنونه القهبائي في مجمع الرجال واكتفى بما ورد في النجاشي ثمّ أشار إليه في ترجمة جدّه من جانب الأُمّ أعني محمّد بن إبراهيم بن جعفر مؤلّف كتاب الغيبة(4).
7 ـ عنونه الأردبيلي في جامع الرواة حيث اكتفى بما ورد في رجال النجاشي وخلاصة العلاّمة(5).
8 ـ عنونه المامقاني في تنقيح المقال وذكر نصّ النجاشي ثم الخلاصة وتكلّم في أنّ قوله (شيخنا) وصف لمن؟(6) ، وقد مرّ من المحقّق التستري أنّه
__________________
(1) فقه القرآن 1/12 ، ولاحظ : المصابيح : 365.
(2) خلاصة الأقوال : 120 ، برقم 303.
(3) أمل الآمل 2/97 ، برقم 264.
(4) مجمع الرجال 2/189.
(5) جامع الرواة 1/248.
(6) تنقيح المقال 1/338 برقم 2996.

وصفٌ للنعماني ؛ وهو بمعنى أنّه شيخ الطائفة.
9 ـ قال السيّد الخوئي. الحسين بن عليّ بن الحسين بن محمّد بن يوسف الوزير أبو القاسم المغربي ، ثمّ اقتصر بما ذكره النجاشي في رجاله(1).
10 ـ ذكر شيخنا العلاّمة آقا بزرگ الطهراني مؤلّفات الوزير المغربي في الذريعة(2).
إلى هنا تمّ ما ذكره مشايخنا الكبار في ترجمة الوزير المغربي ، وهؤلاء اقتصروا بما ذكرنا.
نعم بسط عدّة من علمائنا الكلام في ترجمته ونشير إلى مواضعها من كتبهم :
11 ـ السيّد محمّد باقر الخونساري (ت 1313 هـ)(3).
12 ـ المحقّق التستري ـ وقد نقلنا شيئاً ممّا ذكره(4).
13 ـ السيّد محسن الأمين(5).
14 ـ موسوعة طبقات الفقهاء(6).
وبما أنّا لسنا بصدد ترجمة الوزير اكتفينا بما ذكرنا ، وهؤلاء كلّهم متّفقون على تشيّعه ، ولذلك عمدوا إلى ترجمته في كتبهم بلا أيّ ريب
__________________
(1) معجم رجال الحديث 6/44 ، برقم 3521.
(2) لاحظ : الذريعة إلى مؤلّفات الشيعة 4/220 ، و420 ، 9/1/249.
(3) روضات الجنّات 3/166 ـ 169.
(4) لاحظ قاموس الرجال 3/491 ـ 496.
(5) لاحظ أعيان الشيعة 6/111.
(6) طبقات الفقهاء 5/111 ـ 114.

وشكّ ، ولأجل رفع الستر عن الموضوع الذي ذكره الباحث على عواهنه ، ندرس مذهبه من خلال أمرين :
1 ـ القرائن الخارجية التي ذكرها غير واحد من أصحاب المعاجم.
2 ـ القرائن الداخلية وهي النصوص الموجودة في أثره القيّم المصابيح ، على وفق ما حقّقه الباحث عبد الكريم بن صالح بن عبد الله الزهراني حفظه الله.
القرائن الخارجية الدالّة على تشيّعه :
هناك قرائن خارجية (خارج التفسير) وتشهد على أنّه كان شيعيّاً حقيقيّاً ، وإليك ما وقفنا عليه :
1 ـ إنّ أُمّه كانت بنت الشيخ النعماني شيخ الطائفة الإمامية المعاصر للشيخ الكليني (ت 329 هـ) صاحب كتاب الغيبة في الإمام المهدي (عج) ، وقد صرّح بذلك الرجالي النجاشي وغيره كما مرّ.
2 ـ ذكر الحموي أنّه كانت وفاته في (ميّافارقين) وحمل بوصية منه إلى الكوفة ودفن بها في تربة مجاورة لمشهد عليّ رضي‌الله‌عنه ، وأوصى أن يكتب على قبره :

كنت في سفرة الغواية والجهـ
 

 

ـل مقيماً فحان منّي قُدوم
 

تُبت من كلّ مأثم فعسى يُمـ
 

 

ـحى بهذا الحديث ذاك القديم
 

بعد خمس وأربعين لقد ما
 

 

طلتُ إلاّ أنّ الغريم كريمُ(1)
 

__________________
(1) معجم الأُدباء 10/79.

3 ـ قال الجزري : «لمّا أحسّ بالموت كتب كتاباً عن نفسه إلى كلّ من يعرفه من الأُمراء والرؤساء الذين بينه وبين الكوفة ويعرّفهم أنّ حظيّة له توفّيت وأنّه قد سيّر تابوتها إلى مشهد أمير المؤمنين عليٍّ عليه‌السلام وخاطبهم في المراعاة لمن في صحبته ، كان قصد أن لا يتعرّض أحد لتابوته بمنع وينطوي خبره ، فلمّا توفّي سار به أصحابه كما أمرهم ، وأوصلوا الكتب ، فلم يتعرّض أحد له ، فدفن بالمشهد ولم يعلم به أحد إلاّ بعد دفنه»(1).
وذكره الصاحب كمال الدين المعروف بابن العديم(2) ، وقد ترجم مؤلّفنا بصورة مبسّطة(3).
4 ـ القصيدة التي أنشأها في مدح الأنصار ، وقد نقل أكثرها ابن أبي الحديد في شرحه ، ونحن نقتبس من هذه القصيدة ما يرجع إلى مهمّتنا ، وإليك مستهلُّ القصيدة ، قال :

نحن الذين بنا استجار فلم يَضِعْ
 

 

فينا ، لأصبح في أعزّ جوار
 

إلى أن قال :

وتداولتها أربع لولا أبو
 

 

حسن لقلت : لؤمت من إستار(4)
 

__________________
(1) الكافي في التاريخ 9/362.
(2) لاحظ : بغية الطلب في تاريخ حلب 6/2555.
(3) نفس المصدر : 2523 ـ 2555.
(4) الإستار بالكسر أربعة في العدد.

إلى أن قال :

تالله لو ألقوا إليه زمامها
 

 

لمشى بهم سَجُحاً بغير عِثار
 

ولو أنّها حلّت بساحة مجده
 

 

بادي بدا سكنت بدار قرار
 

إلى أن قال :

وتنقّلت في عصبة أموية
 

 

ليسوا بأطهار ولا أبرار(1)
 

5 ـ أورد ابن شهرآشوب في المناقب أبياتاً للمغربي في الإمام الباقر عليه‌السلام ، والظاهر أنّه أراد به الوزير المغربي لأنّها لا توجد في ديوان ابن هانىء ، وهي :

يا ابن الذي بلسانه وبيانه
 

 

هُدي الأنام ونزِّل التنزيل
 

عن فضله نطق الكتاب وبشّرت
 

 

بقدومه التوراة والإنجيل
 

لولا انقطاع الوحي بعد محمّد
 

 

قلنا محمّد من أبيه بديل
 

هو مثله في الفضل إلاّ أنّه
 

 

لم يأته برسالة جبريل(2)
 

6 ـ نقل السيّد الأمين عنه الأبيات التالية :

صلّى عليك الله يا من دنا
 

 

من قاب قوسين مقام النبيه
 

أخوك قد خولفت فيه كما
 

 

خولف في هارون موسى أخيه
 

هل برسول الله من أُسوة
 

 

لم يقتد القوم بما هنّ فيه
 

__________________
(1) شرح نهج البلاغة 6/15 ـ 16.
(2) المناقب لابن شهرآشوب 4/197.

ثمّ قال : وهي أطول من هذا ، وقوله :

أيا غامصين المزايا الجليلة
 

 

من المرتضى والسجايا الجميلة
 

ويا غامضين عن الواضحات
 

 

كأنّ العيون لديها كليلة
 

إذا كان لا يعرف الفاضلين
 

 

إلاّ شبيههم في الفضيلة
 

فمن أين للأُمّة الاختيار
 

 

عفا لعقولكم المستحيلة
 

عرفنا عليّاً بطيب النجار
 

 

وفصل الخطاب وحسن المخيلة
 

تطلع كالشمس رأد الضحى
 

 

بفضل عميم وأيد جزيلة
 

فكان المقدّم بعد النبيّ
 

 

على كلّ نفس بكلّ قبيلة(1)
 

هذا ما يرجع إلى القرآئن الخارجية ، وأمّا ما يرجع إلى القرائن الداخلية فهي بين الصريح وكالصريح على أنّه شيعيٌّ إماميٌّ فنأتي به حسب تسلسل السور ، إلى سورة الإسراء ، ولو وفّق الله الباحث أو غيره لتحقيق النصف الآخر من الكتاب ربّما زادت القرائن أكثر من ذلك ، وإليك البيان.
القرائن الداخلية الدالّة على تشيّعه :
نعني بالقرائن الداخلية ما فسّر به كلام الله سبحانه من خطبة الكتاب إلى تفسير آخر سورة الإسراء ففيها دلائل واضحة على تشيّعه ، نشير إلى ما وقفنا عليه :
__________________
(1) أعيان الشيعة 6/116.

1 ـ كيفية الصلاة على النبيِّ (صلى الله عليه وآله).
ابتدأ خطبة الكتاب بقوله : «اللّهم إنّا نقدّم بين يديك ما تأمر من عزم ... إلى أن قال : ونسألك أن تصلّي على محمّد فإنّه رحمتك وعلى أهل بيته المصطفين من بريّتك»(1).
فإنّ هذا النوع من الصلاة على النبيِّ من خصائص الشيعة حيث لم يعطف الصحابة على أهل بيته ، إذ لم يرد حتّى في حديث واحد أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) علّم الصلاة عليه بعطف الأصحاب على الآل ...
ويذكر في تفسير قوله : (وَارْكَعُوا مَعَ الْرَّاكِعِينَ)(2) «أي ادخلوا دين محمّد صلّى الله عليه وآله»(3).
وأيضاً يذكر في تفسير قوله : (أَتَأْمُرُونَ الْنَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ)(4) «أي كانوا يأمرون الناس باتّباع محمّد صلّى الله عليه وآله»(5).
إلى غير ذلك من الموارد التي يعطف الآل على النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولا يذكر شيئاً من الصلاة على الأصحاب ، ويتجنّب الصلاة البتراء التي هي الصلاة على النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقط دون عطف آل عليه ، وقد روى البخاري وغيره كيفية الصلاة عليه(6).
__________________
(1) المصابيح : 94.
(2) البقرة : 43.
(3) المصابيح : 126.
(4) البقرة: 44.
(5) المصابيح : 126.
(6) البخاري في صحيحه في كتاب الأنبياء ، راجع فتح الباري 6/408 ، الصواعق المحرقة : 233.

2 ـ كلامه في بسملة كلّ سورة.
اختلف الفقهاء في جزئية البسملة من السور :
1 ـ إنّ مالكاً لا يرى أنّ البسملة جزء من السور مطلقاً.
2 ـ الحنفية والحنابلة يرونها جزءاً من فاتحة الكتاب فقط لكن يقرؤونها سرّاً ، وأمّا الشافعية فيرونها جزءاً من فاتحة الكتاب ويقرؤونها في الجهر جهراً وفي السرّ سرّاً.
وأمّا كونها جزءاً من سائر السور ففيه عن الشافعي قولان ، وأمّا الشيعة الإمامية فليس عندهم في المسألة إلاّ قول واحد وهو أنّ البسملة جزء من كلّ سورة ويجهر بها في الصلوات الجهرية وجوباً وفي الصلوات السرّية سرّاً(1).
فلنرجع إلى كلام الوزير المغربي يقول : «(بسم اللّه الرحمن الرحيم) عندنا من كلّ سورة غير براءة ، بدلالة إثباتهم إيّاها في المصاحف مع توقّيهم أن يثبتوا فيها الأخماس والأعشار»(2).
3 ـ الجمع بين الحجّة والعمرة.
كان الناس من عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى عصر الخليفة الثاني يجمعون بين العمرة والحجّ ، غير أنّ الخليفة منع من الجمع كما هو معروف.
يقول الوزير في تفسير قوله تعالى : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ)(3) :
__________________
(1) الخلاف 1/328 ، المسألة 82 ، بداية المجتهد 1/119.
(2) المصابيح : 98 ـ 99.
(3) البقرة : 196.

«اعلم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع بين حجّة وعمرة ولم ينزل فيها كتاب ولم ينه عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، قال فيها رجل برأيه ما قال ـ يعني عمر ـ»(1).
4 ـ كلامه في ليلة المبيت.
قال في تفسير قوله سبحانه : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله)(2) : «وروى عمر بن شبّة أنّها نزلت في عليّ عليه‌السلام لمّا بات على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند الهجرة وكذلك قال أبو جعفر»(3). ولعلّه أراد بقوله : أبو جعفر : الإمام الباقر عليه‌السلام.
5 ـ كلامه في المباهلة.
قال في تفسير قوله سبحانه : (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ)(4) : قال في تفسير (نَبْتَهِل) : «نلتعن ، والبهلة : اللعنة ، وفي امتناعهم من المباهلة وعدولهم إلى الموادعة أعظم الحجج في نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله) ، وأخذ بيد عليٍّ عليه‌السلام وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام ، كذا روى البلخي والرمّاني ، قال أبو بكر الرازي : وفي الآية
__________________
(1) المصابيح : 219.
(2) البقرة : 207.
(3) المصابيح : 224.
(4) آل عمران : 61.

دليل على أنّ الحسن والحسين ابناه»(1).
6 ـ كلامه في متعة النساء.
قال في تفسير قوله سبحانه : (وَالُمحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)(2) : «عليكم كتاب الله فاتّبعوه ، وقيل نصب على المصدر تقدّم : كتب الله عليكم كتاباً أي فرض ، وهذا آية ظاهرة في تحليل المتعة ، لأنّه استوفى أقسام ما أحلّه ثمّ جاء بذكر المتعة بعد ذلك ، وفي حرف ابن عبّاس «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى» وقد روي نسخها بالسنّة. والله أعلم»(3). وعزو النسخ إلى (روي) ثم تعقيبه بقوله : والله أعلم ، دليل على كونه إحتمالاً ضعيفاً عنده.
7 ـ كلامه في آية الوضوء.
اتّفقت الشيعة الإمامية على مسح الرجلين بدل غسلهما واتّفقت السنّة على غسلهما دون مسحهما والاختلاف نابع في أنّ (أَرْجُلَكُمْ) في قوله : (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(4) عطف إلى أين؟ فالشيعة الإمامية يقولون : عطف على (بِرُؤُوسِكُمْ) ، فعلى قراءة النصب فهو معطوف
__________________
(1) المصابيح : 249 ـ 250.
(2) النساء : 24.
(3) المصابيح : 304 ـ 305.
(4) المائدة : 6.

على محل (بِرُؤُوسِكُمْ) لأنّه مفعول لقوله : (وَامْسَحُوا) ، وعلى قراءة الجرّ منصوب على ظاهر (بِرُؤُوسِكُمْ) وأمّا السنّة فالقراءة الرائجة هي النصب فقالوا بأنّه معطوف على قوله : (وُجُوهَكُمْ) وهذا هو الذي ردّ عليه الوزير بوضوح وقال : «وقد أجاز قوم أن يكون النصب عطفاً على قوله : (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) وهذا إنّما يجوز شبيهه في الكلام المعقّد ، أو في ضرورة الشعر ، وما يجوز على مثله هُجنة العيّ وظلمة اللبس ، فأمّا القول العربي المبين ، المتميّز بالبلاغة عن فصاحة العالمين ، فلا يجوز أن يأتي فيه جملة طويلة كاملة متعلّقة بمعنى يخصّها ، ثمّ تأتي جُملة أُخرى طويلة كاملة بمعنى يخصّها ، فنعطف من آخر الجملة الثانية شيئاً على أوّل الجملة الأُولى»(1).
إلى أن قال : «ولم يبق إلاّ أن يكون هذا التنزيل منسوخاً بالسنّة فقد بلغني عن الشعبي أنّه قال : جاء القرآن بالمسح والسُنّة بالغسل وعلى أنّه قد حدّثنا أبو الحسن علي بن محمّد بن يزيد الحلبي عن أبي بكر محمّد بن زيّاد النيسابوري في كتاب الزيادات أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسح ولم يغسل ، والكتاب معروف والحديث فيه موجود وكذلك في كتاب الوضوء لأبي عبيد القاسم بن سلاّم ، وبالله التوفيق»(2).
أقول : إنّ القول بأنّ المسح قد نسخ بالسنّة أمر غير صحيح لأنّ سورة المائدة آخر ما نزل على الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وقد قال غير واحد من المحقّقين أنّه لم ينسخ شيء منها ، ومن عجيب الأمر أن ينزل الوحي لتعليم الوضوء للناس ثمّ
__________________
(1) المصابيح : 367.
(2) المصابيح : 368.

يأتي بعد فترة قليلة فينسخ ما نزل في كتاب الله بسنّة الرسول (صلى الله عليه وآله).
8 ـ كلامه في الغنائم.
قال سبحانه : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْء فَأَنَّ لله خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)(1).
قال الوزير : «قال ابن إسحاق : حدّثني أبو جعفر محمّد بن علي أنّ التقاءهم ببدر كان صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان من يوم الجمعة.
ثمّ إنّه شرح مواضع الخمس بقوله : ثمّ يقسّم خمس الله ورسوله على خمسة(2) أخماس لله خمس ، وخمس لرسوله ، يقبضهما الإمام العدل ، يعملُ بهما ما أحبّ ، وخمسٌ لذي القربى ، وهم بنو هاشم وبنو المطلّب ، وخمس ليتامى هذين البطنين ، وخمس لمساكينهم ، وخمس لابن السبيل منهم ومواليهم في ذلك كلّه يدخلون معهم ، إذ كانت الصدقة محرّمة على جميعهم ، فعُوِّضوا بهذه الأنصاب عنها»(3).
وأمّا فقهاء السنّة فقد اختلفت كلمتهم :
قالت الحنفية : إنّ سهم الرسول (صلى الله عليه وآله) سقط بموته ، وأمّا ذوي القربى فهم كغيرهم من الفقراء يعطون لفقرهم لا لقرابتهم من الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وقال المالكية : يرجع أمر الخمس إلى الإمام يصرفه حسب ما يراه من المصلحة ،
__________________
(1) الأنفال : 41.
(2) الصحيح : (ستة).
(3) المصابيح : 491 ـ 492.

إلى غير ذلك من الأقوال(1).
9 ـ كلامه في تفسير قوله تعالى : (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(2).
قال : «أراد بالصادقين هاهنا الذين ذكرهم في موضع آخر فقال : (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ)(3) حمزة بن عبد المطّلب (وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ) عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام»(4).
10 ـ كلامه في تفسير قوله : (لِكُلِّ قَوْم هَاد)(5).
قال : «روى شيخنا أبو عبد الله رحمه‌الله : إنّ الهادي المبين هاهنا من الهدي والبيان وهو الذي يبيّن شريعة محمّد (صلى الله عليه وآله) ويوضّح مجملها كعليّ بن أبي طالب ومحمّد عليهما‌السلام ، ومنهم من لم يهد له بمعنى أي لم يبين لهم»(6).
11 ـ كلامه في تفسير قوله : (ذَوي الْقُرْبَى).
قال : «تفسير قوله سبحانه : (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ)(7) وذوي القربى : قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن عليّ بن الحسين»(8).
هذا ما وقفنا عليه من آرائه في تفسير قسم من الآيات وهو يدلّ على
__________________
(1) لاحظ الفقه على المذاهب الخمسة : 188.
(2) التوبة : 119.
(3) الأحزاب : 23.
(4) المصابيح : 541.
(5) الرعد : 7.
(6) المصابيح : 609.
(7) الإسراء : 26.
(8) المصابيح : 666.

تشيّعه دلالة صريحة أو ما يقرب منها ، والتعمية على مذهبه بعيدة عن ساحة الموضوعين ، ولو قُرئ مجموع ما طبع ربّما زادت الدلالات على ما ذكرنا.
مآخذ أو محاسن؟
إنّ الباحث قال في المطلب العاشر : المآخذ على كتاب المصابيح ، وما آخذه به ، قال : «إيراده لبعض أقوال المعتزلة دون تعليق عليها ، ومن ذلك قوله في معنى الاستواء : على عدّة وجوه منها العلوّ بالقهر ، ومنه قوله في سورة الأعراف ، وقد يكون الاستواء بمعنى الاستيلاء ، وهو هاهنا متّجه»(1).
أشار إلى قوله سبحانه : (إِنَّ رَبَّكُمُ الله الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ والأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَات بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ)(2).
والباحث بما أنّه نشأ في بيئة المحدّثين بالأخصّ قسم الحنابلة فهؤلاء يريدون أن يحملوا الصفات الخبرية على الله سبحانه بنفس معانيها غاية الأمر يفرّون عن التجسيم بقولهم : بلا كيف؟ أو الاستواء اللائق.
والوزير المغربي لمّا كان من الشيعة الإمامية وهم أهل التنزيه تبعاً للإمام عليّ عليه‌السلام والأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ذهبوا إلى أنّ الإستواء على العرش كناية عن الاستعلاء عليه لغاية تدبير العالم بقرينة ما جاء في الآية من الأُمور المربوطة
__________________
(1) المصابيح (المقدّمة) : 88.
(2) الأعراف : 54.

إلى خلق الكون وتدبيره فأيّ إشكال ومؤاخذة على المؤلّف ، لولا المؤاخذة على قول المحقّق فإنّ حمل الصفات الخبرية على الله بنفس معانيها اللغوية يستلزم التشبيه والتجسيم وتقييدها بلا كيف يستلزم التعقيد في العقائد الإسلامية السمحة.
وقد أوضحنا الحال فيها في كتابنا منية الطالبين في تفسير الكتاب المبين الجزء الحادي والعشرين ، فلاحظ.
الحمد لله الذي تتمّ به الصالحات
تمّ تحريره صبيحة يوم الخميس
الثالث والعشرون من شهر صفر المظفّر
من شهور عام 1435 هـ

المصادر
1 ـ القرآن الكريم.
2 ـ أعيان الشيعة : للسيّد محسن الأمين العاملي ، تحقيق : حسن الأمين ، دار التعارف ، بيروت ، 1968 م.
3 ـ أمل الآمل في علماء جبل عامل : للحرّ العاملي ، مطبعة الآداب النجف الأشرف ، 1385.
4 ـ بداية المجتهد : لابن رشد ، مطبعة الاستقامة ، القاهرة ، 1928م.
5 ـ بغية الطلب في تاريخ حلب : لابن العديم ، دار القلم العربي ، دمشق ، 1408هـ.
6 ـ تنقيح المقال في علم الرجال : لعبد الله المامقاني ، المطبعة المرتضوية ، النجف الأشرف ، 1352هـ.
7 ـ جامع الرواة : لمحمّد الأردبيلي ، مكتبة آية الله المرعشي ، قم المقدّسة ، 1403هـ.
8 ـ خلاصة الأقوال في معرفة الرجال : للعلاّمة الحلّي ، نشر الفقاهة ، قم المقدّسة ، 1417هـ.
9 ـ الخلاف : للشيخ الطوسي ، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين ، قم المقدّسة ، 1409هـ.
10 ـ الذريعة إلى مؤلّفات الشيعة : للعلاّمة آقا بزرك الطهراني ، دار الأضواء ، بيروت ، 1403هـ.
11 ـ رجال النجاشي : لأحمد بن علي النجاشي ، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين ، قم المقدّسة ، 1407هـ.
12 ـ روضات الجنّات : للسيّد محمّد باقر الخوانساري ، مكتبة إسماعيليّان ، قم المقدّسة ، 1390هـ.
13 ـ شرح نهج البلاغة : لابن أبي الحديد ، مكتبة آية الله المرعشي ، قم المقدّسة ، 1404هـ.
14 ـ صحيح البخاري : لمحمّد بن إسماعيل البخاري ، دار الفكر ، بيروت 1401هـ.
15 ـ الصواعق المحرقة : لابن حجر الهيتمي ، مكتبة القاهرة ، القاهرة ، 1385 هـ ، الطبعة السادسة.
16 ـ فتح الباري : لابن حجر العسقلاني ، دار المعرفة ، بيروت.
17 ـ الفقه على المذاهب الخمسة : لمحمّد جواد مغنية ، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1979م ، الطبعة السادسة.
18 ـ فقه القرآن : لقطب الدين الراوندي ، مكتبة آية الله المرعشي ، قم المقدّسة ، 1405هـ.
19 ـ قاموس الرجال : لمحمّد تقي التستري ، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين ، قم المقدّسة ، 1410هـ.
20 ـ الكامل في التاريخ : لعزّ الدين ابن الأثير ، دار صادر ، بيروت ، 1402هـ.
21 ـ معجم الرجال : لعناية الله القهباني ، أصفهان ، 1384هـ.
22 ـ المصابيح :للوزير المغربي ، (رسالة الدكتوراه).
23 ـ معالم العلماء : لابن شهرآشوب ، المطبعة الحيدرية ، النجف الأشرف ، 1380هـ.
24 ـ معجم الأدباء : لياقوت الحموي ، دار الفكر ، بيروت ، 1400هـ.
25 ـ معجم رجال الحديث : للسيّد أبو القاسم الخوئي ، منشورات مدينة العلم ، قم المقدّسة ، 1403هـ.
26 ـ مناقب آل أبي طالب : لابن شهر آشوب ، دار الأضواء ، بيروت ، 1412هـ.
27 ـ موسوعة طبقات الفقهاء : للّجنة العلمية في مؤسّسة الإمام الصادق عليه‌السلام ، طبع مؤسّسة الإمام الصادق عليه‌السلام ، قم المقدّسة ، 1422هـ.


المصدر: مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
561
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :