معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

مناهج الفقهاء في المدرسة الإمامية ..

مناهج الفقهاء في المدرسة الإمامية

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدّمة :
المنهج هو الطريقة العلمية التي يستخدمها الفقيه لإيصال الشريعة وأحكامها إلى طلاّبها ، والمنهج العلمي ـ الذي هو عملية علمية لترتيب الأفكار وتنظيمها ـ له أهداف طولية متوازية ، فالمنهج الاستدلالي يخاطب الفقهاء والمجتهدين ، والمنهج الفتوائي والرسائل العملية يخاطبان المقلِّدين ، والمنهج المقارَن يخاطب المعتقدين بعقائد المذاهب الأخرى ، والمنهج الإختصاري يخاطب أهل العلم بدرجاتهم ، ومنهج التقريرات يخاطب الطلبة من العلوم الدينية و... ، واستقراءً لنتاجات فقهاء الشيعة الإمامية من فطاحل مذهب أهل البيت عليهم‌السلام فقد استخلصنا ستّة عشر منهجاً انتهجها الفقهاء في مسلكهم العلمي منذ القرن الرابع الهجري وحتّى اليوم ، وهذه المناهج هي :



1 ـ منهج الفقه الاستدلالي.
2 ـ منهج المختصرات.
3 ـ منهج الفقه المقارَن.
4 ـ منهج الشرح الاستدلالي.
5 ـ منهج التعليقات والحواشي.
6 ـ منهج النقد العلمي.
7 ـ منهج العويص والأشباه والنظائر.
8 ـ منهج الردود والمواجهات العلمية.
9 ـ منهج الرسائل العملية.
10 ـ منهج الفقه الفتوائي.
11 ـ منهج المجاميع الحديثية.
12 ـ منهج التقريرات.
13 ـ منهج الرسائل (القصيرة).
14 ـ منهج الأمالي والمجالس.
15 ـ منهج السؤال والجواب.
16 ـ منهج القواعد الفقهية.
ولاشكّ أنّ طريقة الفقهاء على مذهب أهل بيت النبوّة عليهم‌السلام تتميّز بالميزة العلمية في البحث عن الدليل الشرعي ، ونقصد بالعلمية هو التزام طريق القطع واليقين في الركون إلى النصوص الشرعية التي يحتاجها الفقيه في استنباط الأحكام ، ولايتوقّف منهج الفقيه عند الوصول إلى مدارك الحكم الشرعي ، بل يتعدّى إلى عرض ذلك الحكم على أهل العلم

والمعرفة ؛ فإذن لدينا خطّان غير منفصلين في مناهج فقهاء الإمامية :
الأوّل : الوصول إلى مدارك الحكم الشرعي.
الثاني : توصيل الحكم الشرعي إلى طلبة العلم الديني والمكلّفين عبر المتون الفقهية والموسوعات والرسائل والمختصرات والجوابات والفتاوى والتقريرات والتعليقات والحواشي ونحوها.
ومنهجنا في هذا البحث :
1 ـ عرض نماذج منتقاة من المصادر الفقهية في المدرسة الإمامية ، وقدلوحظ في تلك النماذج مقدار القيمة العلمية والتاريخية للمصدر الفقهي. ولابدّ من التنويه هنا بأنّنا حاولنا مراعاة الموضوعية والاستقصاء الشامل لمصادر الفقه الإمامي ، إلاّ أنّ ذلك لا يعني استقصاءَها جميعاً ، فذلك عمل خارج عن قدرتنا المحدودة.
2 ـ حاولنا اقتطاف مقاطع مفصّلة وطويلة على الأغلب من الكتب الفقهية ، لأنّ هدف البحث هو دراسة المنهج في كلِّ كتاب ، وذلك يستدعي اقتطاع أمثلة متميّزة ونماذج تعكس المستوى العلمي للكتاب موضوع البحث ، ومجرّد الإشارة العابرة أو النصّ المختصر لا يكفي أحياناً في طلب المراد.
3 ـ ومن أجل فهم المنهج العلمي للفقيه انتخبنا موضوعاً فقهيّاً واحداً أوأكثر للتدليل على قوّة استدلال المصنّف وطبيعة منهجه العلمي للوصول إلى الثمرة التي توخّاها من بحثه.
4 ـ الكلمات المطبوعة بالحروف الغامقة أحياناً ترجع إلى متن

المصنّف ، بينما ترجع الكلمات بالحروف العادية إلى الشارح.
5 ـ نحاول التأكيد مرّة أخرى أنّ مناهج الفقهاء في البحث هي الطرق التي استخدمها فقهاء الإمامية في ترتيب الأفكار الفقهية وتنظيمها ، ولابدّ من قراءة هذا البحث لكي يتوضّح الأمر.
1 ـ منهج الفقه الاستدلالي :
أ ـ المنهج الموسوعي :
مقدّمة :
المنهج الموسوعي الاستدلالي هو المنهج الذي يعرض الأحكام الشرعية مع أدلّتها التفصيلية مع بحث ونقاش علمي بإبرام أو نقض ، ترجيح أوتضعيف ، قبول أو ردٍّ ، على نحو الإحاطة بالروايات المسندة والمباني المؤيّدة وكثرة الفروع وتشعّبها ، بحيث تتمدّد المسائل الفقهية على مساحات واسعة من البحث العلمي فتخرج عن إطار الكتاب المحدود لتتعدّى بسعتها بحراً واسعاً من العلم.
طبيعة المنهج الاستدلالي الموسوعي :
يأخذ الإستدلال الفقهي في طبيعته مباني البحث عن ظواهر القرآن الكريم وسند الرواية ومتنها والأصول الشرعية والعقلية والأصول اللغوية بهدف الوصول إلى ثمرة استخراج الحكم الشرعي من مصادره الصحيحة ، ولايتمّ الإستدلال إلاّ بالإحاطة الشاملة بأقوال الفقهاء وأدلّتهم ومناقشتها مناقشة موضوعية ، ويتحتّم على الفقيه اتّخاذ الموقف الاجتهادي من

الروايات الضعيفة المنجبرة بعمل الأصحاب ، بل لابدّ من استلهام حجّية الإجماع ودليل العقل والبراءة والاحتياط والاستصحاب والعلّة المنصوصة والتعارض والترجيح بين الأدلّة الشرعية.
ولاشكّ أنّ بناء المنهج الاستدلالي الموسوعي يرجع فضله إلى عصبة من فقهاء الإمامية الأجلاّء بمثابرتهم في فهم أفق الشريعة الواسع واستحداثهم أُسلوب البحث العلمي عن الدليل ، ومن ذلك : الشمولية والاستيعاب عند الشّيخ النجفي (ت 1266 هـ) في جواهر الكلام ، ونقدالروايات ومواخاة الآراء عند الشّيخ البحراني (ت 1186 هـ) في الحدائق الناضرة ، ومناقشة الآراء الفقهية بعد عرضها عند السيّد محمّد جواد العاملي (ت1226 هـ) في مفتاح الكرامة ، والتفصيل في شرح المسائل الفقهية عندالفاضل الهندي (ت 1137 هـ) في كشف اللثام ، ودقّة نقل الرواية وقوّة الاستدلال عند السيّد السند محمّد العاملي (ت 1009 هـ) في مدارك الأحكام ، وكثرة التفريعات وتشعّبها عند الشّيخ النراقي (ت 1245 هـ) في مستند الشيعة.
1 ـ منهج جواهر الكلام :
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمّد حسن النجفي (ت1266 هـ) في ثلاثة وأربعين مجلّداً ، وهو كتاب فقهي استدلالي موسوعي ، قام المصنِّف فيه بشرح كتاب شرائع الإسلام للمحقِّق الحلِّي شرحاً متميّزاً بحيث يصعب على القارئ التفريق عند قراءته بين المتن والشرح.

ولا شكّ أنّ هناك فاصلاً زمنيّاً واسعاً بين تأليف كتاب شرائع الإسلام في (ق. 7 هـ) وتأليف كتاب جواهر الكلام في (ق. 13 هـ) يقرب من ستّة قرون ، فاقتضى ذلك تضخّم المطالب الفقهية وتوسّعها وتكاملها ، فتعرّض لها الشّيخ النجفي بأجود الطرق موصلاً عصر المحقّق الحلّي بعصره.
تميّز منهج الجواهر :
ويتميّز منهج جواهر الكلام بالشمولية في فهم المسألة الفقهية والإستدلال بما قاله الفقهاء السابقون أمثال : ابن أبي عقيل ، وابن الجنيد ، والصدوقين ، والشّيخ المفيد ، والسيّد المرتضى ، والشّيخ الطّوسي ، وسلاّر ، وابن حمزة ، وابن زهرة ، وابن إدريس ، والمحقّق الحلّي ، والعلاّمة الحلّي ، وفخرالمحقّقين ، والشّهيد الأوّل ، والشّهيد الثاني ، والمقدّس الأردبيلي ، والعلاّمة المجلسي ، والوحيد البهبهاني ، وغيرهم من الأجلاّء.
وللتدليل على خصوصية اعتماد المصنِّف على المصادر الفقهية نذكر اعتماده على كتاب واحد مثل كشف اللثام للفاضل الهندي ، فقد ذكره في الجزءالأوّل في (80) مورداً ، وذكره في الجزء الثامن (138) مرّة ، وفي الجزء التاسع (80) مرّة ، وفي الجزء العاشر في (85) مورداً ، وفي الجزء الحادي عشرفي (150) مورداً ، وفي الجزء الثالث والأربعين في (280) مورداً ، وفي الجزء الحادي والأربعين في (200) مورداً (1).
قال الشّيخ محمّد رضا المظفّر (ت 1380 هـ) في مقدّمته على جواهر الكلام :
__________________
(1) كشف اللثام ـ المقدّمة : 33.

«كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام الموسوعة الفقهية التي فاقت جميع ما سبقها من الموسوعات سعةً وجمعاً وإحاطةً بأقوال العلماء وأدلّتهم ، فوفّق الكتاب توفيقاً منقطع النظير في إقبال أهل العلم عليه ... والسرّ في هذا الإقبال على الكتاب يرجع إلى أنّه كتاب لم يؤلّف مثله في سعته وإحاطته بأقوال العلماء وأدلّتهم ومناقشتها مع بعد نظر وتحقيق. مضافاً إلى أنّه كتاب كامل في أبواب الفقه كلّها جامع لجميع كتبه. وميزة ثالثة تفرّد بها أنّه على نسق واحد وأسلوب واحد وبنفس السعة التي ابتدأ بها انتهى إليها. ورابعاً أنّ به الغنى عن كثير من الكتب الفقهية الأخرى ولا يستغنى بها عنه ، فإنّ المجتهد ـ إذا حصل على نسخة صحيحة منه ـ يستطيع أن يطمئنّ إلى استنباط الحكم الشرعي بالرجوع إليه فقط وليس له أن يطمئنّ إلى ذلك عند الرجوع إلى ما سواه في أكثر المسائل الفقهية حتّى في هذه العصور الأخيرة ... وميزة خامسة في الجواهر أنّه احتوى على كثير من التفرّعات الفقهية النادرة بما قد لا تجده في غيره من الموسوعات الأخرى ، فهو جامع لاُمّهات المسائل وفروعها فالجواهر جواهر بجميع ما تعطي هذه الكلمة من دلالة ، فهو اسم على مسمّاه ، وهذا كلّه سرّ خلوده وتفوّقه وبقائه مرجعاً للفقهاء على طول الزمن ...» (1).
خصائص منهج الجواهر :
ويستند منهج جواهر الكلام على خصائص متعدّدة ، منها :
__________________
(1) جواهر الكلام ـ المقدّمة: 13 ـ 14.

أوّلاً : الشمولية والاستيعاب في عرض المسألة الفقهية من زاوية تأريخها الفقهي أو الآراء التي قيلت فيها أو أسماء المصادر التي تناولتها ، ومن النماذج التي يمكن عرضها في هذا النطاق :
النموذج الأوّل : القنوت من مستحبّات الصّلاة : والقنوت من مستحبّات الصّلاة كما ورد في الكثير من الروايات عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، وماورد من أنّه سنّة حمله الفقهاء على إرادة قصد الاستحباب. قال المصنّف :
«القنوت وهو لغةً : الطاعة والسكون والدعاء والقيام في الصّلاة والإمساك عن الكلام والخشوع والصّلاة وطول القيام والعبادة ، وعرفاً شرعيّاً أومتشرّعيّاً : الذكر في حال مخصوص ، وربّما يفوح من بعض النصوص اعتبار رفع اليدين فيه وإن كان ما ستعرف من كلام الأصحاب ظاهراً في أنّه من المستحبّات فيه. وكيف كان فلا خلاف بين المسلمين في مشروعيته في الصّلاة في الجملة ، كما أنّه لا خلاف أجده بين الفرقة المحقّة منهم في مشروعيته في كلِّ صلاة مستقلّة لا يراعى فيها الجزئية من صلاة أخرى ولو كانت ركعة واحدة كالوتر والوتيرة ، لكن المشهور بينهم شهرة عظيمة كادت تبلغ الإجماع الندب ، بل في الذكرى دعواه صريحاً ، بل حكاه في التذكرة أيضاً. قال في موضع منها : وهو مستحبٌّ في كلِّ صلاة مرّة واحدة فرضاً كانت أونفلاً أداءً أو قضاءً عند علمائنا أجمع. وفي آخر : القنوت سنّة ليس بفرض عند علمائنا أجمع ، وقد يجري في بعض عبارات علمائنا الوجوب ، والقصد شدّة الاستحباب. وقال في بحث الجمعة من المنتهى : القنوت كلّه مستحبّ وإن كان بعض الأصحاب قد يأتي في عبارته الوجوب. وقال في المعتبر : اتّفق الأصحاب على استحباب القنوت في كلِّ صلاة ـ فرضاً كانت

أونفلاً ـ مرّةً ، وهو مذهب علمائنا كافّة. ثمّ حكى خلاف العامّة ، لكن قال بعدذلك : المسألة الثانية : قال ابن بابويه : القنوت سنّة واجبة من تركه عمداً أعادلقوله تعالى : (وَقُوْمُوا للهِِ قَانِتِيْنَ) (1) ، وروى ذلك ابن أذينة عن وهب عن أبي عبد الله عليه‌السلام : (القنوت في الجمعة والوتر والعشاء والعتمة والغداة ، فمن ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له) ، وبه قال ابن أبي عقيل ... إلى آخره. ثمّ أخذ في الاحتجاج بالأصل ونحوه. لكنّه كما ترى ظاهر في إرادته مطلق المشروعية من الاستحباب أوّلاً في مقابلة العامّة ، ومثله وقع للمنتهى في بحث القنوت ، بل الظاهر أنّه المراد ممّا وقع في كشف الحقِّ أيضاً : ذهبت الإمامية إلى أنّ القنوت مستحبٌّ ، ومحلّه بعد القراءة قبل الركوع ...» (2).
وهكذا يستمرّ في بحث استحباب القنوت بتلك الكيفية على مدار اثنتينوثلاثين صفحة (أي من الصفحة 353 ولحدّ الصفحة 385 من الجزء العاشر).
ويستفاد من بحثه في هذه المسألة الأمور التالية :
1 ـ تعريف مختصر لمعنى القنوت عرفاً وشرعاً وعدم الخوض في مناقشة التعاريف الأُخرى وردِّها.
2 ـ إجماع المسلمين بمختلف مذاهبهم على مشروعية القنوت.
3 ـ الشهرة العظيمة التي تكاد تبلغ الإجماع باستحباب القنوت.
4 ـ عند الإشارة إليه بالوجوب إنّما كان يُقصد به شدّة الاستحباب.
__________________
(1) سورة البقرة 2 : 239.
(2) جواهر الكلام 10 / 352 ـ 353.

5 ـ الردّ على من قال بإعادة الصّلاة إذا ترك القنوت عمداً.
وينتهي البحث باستحباب القنوت عند الإمامية ، ومحلّه بعد القراءة قبل الركوع.
ولايستطيع القارىء وبعد أن يقرأ هذا البحث في جواهر الكلام إلاّ أن يسجّل الملاحظة التالية : إنّ في البحث شمولية رائعة واستيعاباً لموارد الموضوع من جميع أطرافه وبداية معمّقة ونهاية موفّقة في استنباط الحكم.
ثانياً : اختصار التعاريف وعدم الوقوف عندها طويلاً مناقشةً وردّاً. فالتعريف ينبغي أن يكون جامعاً مانعاً لا مورداً للأخذ والردّ كما يعتقد المصنّف. ومن تلك التعاريف نعرض ثلاثة تعاريف وردت في جواهر الكلام ضمن النموذج الثاني.
النموذج الثاني : التعاريف :
«اللعان هو لغةً الطرد والإبعاد ، وشرعاً مباهلة بين الزوجين على وجه مخصوص» (1).
«والعتق قيل : هو بالكسر الحرّية ، وبالفتح المصدر كالإعتاق ، ويقال : عتق العبد ، خرج من الرقّ فهو عتيق» (2).
«الجعالة بتثليث الجيم وإن كان كسرها أشهر كما في المسالك ، وهي على ما صرّح به غير واحد لغةً ما يجعل للإنسان على شيء بفعله ، وشرعاً إنشاءالالتزام بعوض على عمل محلّل مقصود بصيغة دالّة على ذلك ،
__________________
(1) جواهر الكلام 34 / 2.
(2) جواهر الكلام 34 / 86.

والمراد مايعتبر فيها شرعاً كما في غيرها من العقود والإيقاعات ، إذ لا حقيقة لها في الشرع غير ما في اللغة كما ذكرناه» (1).
والمستفاد من تعاريف المصنِّف :
1 ـ إنّها مختصرة جامعة مانعة لحدود المعرَّف به.
2 ـ إنّه لم يتطرَّق أصلاً إلى الموارد المختَلف عليها في التعاريف إلاّ إذاكان المورد يتطلّب ذلك ، حيث أورد قول المشهور في المسالك.
3 ـ إنّه يعرض التعريف بقسميه : اللغوي ـ وهو ما أجمع عليه أهل اللغة ـ والشرعي ـ وهو المشهور المتداول بين الفقهاء ـ ثمّ يعطي المراد ممّا أراده الفقهاء بتعريفهم.
4 ـ إبراز تطابق اللغة مع الشرع في موارد التطابق وإبراز الإختلاف في موارد الإختلاف.
ثالثاً : استخدم المصنِّف مصطلحات مثل : الإجماع ، والشهرة ، والعرف ، وضرورات الدين والمذهب :
أ ـ الشهرة والإجماع : فالشهرة في لغة الفقهاء هي ما لا يبلغ درجة الإجماع من الأقوال في المسائل الفقهية ، وهي على قسمين : الشهرة في الرواية وهو شيوع نقل الخبر من عدّة رواة ولكن لا يبلغ حدّ التواتر ، والشهرة في الفتوى وهو شيوع نقل الفتوى عند الفقهاء بدرجة لا يبلغ حدّ الإجماع الموجب للقطع بقول المعصوم عليه‌السلام.
__________________
(1) جواهر الكلام 35 / 187.

والإجماع : هو اتفاق الفقهاء على حكم شرعيٍّ بحيث يكشف كشفاً قطعيّاً عن قول المعصوم عليه‌السلام ، فالحجّة في الحقيقة هو المنكشف لا الكاشف.
النموذج الثالث : في قول : (آمين) : ومن منهج المصنّف تطبيق اصطلاحات الإجماع والشهرة والعرف وضرورات الدين والمذهب على المسائل العملية ، فعدم جواز (آمين) بعد الحمد مثلاً مشهور شهرة كادت تكون إجماعاً. ولمّا كان المقصد في العبادة هو الصحّة والفساد فإنّ النهي عن (آمين) بعد الحمد يعبّر عن فساد المنهي عنه عقلاً. قال المصنّف :
«لا يجوز قول : (آمين) في آخر الحمد عند المشهور بين الأصحاب القدماء والمتأخّرين شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً كما اعترف به في جامع المقاصد ، بل في المنتهى وعن كشف الالتباس نسبته إلى علمائنا مشعرين بدعوى الإجماع عليه ...» (1).
ب ـ العرف : اُختلف في تعريف حدود العرف ، ولكن الواضح أنّ العرف ينطبق على ما تعارفه النّاس من قضايا عقلية أو مباني ذهنية وساروا عليه قولاً أو فعلاً ، وهو أقرب إلى عادة الناس ، والعرف ليس أصلاً بذاته.
ويستأنف المصنّف نقاشه في عدم جواز قول : (آمين) بعد الحمد بقوله :
«والمناقشة في ذلك كلّه بأنّ النهي إنّما يقتضي الحرمة دون البطلان المنحصر في المتعلّق بها أو جزئها أو شرطها بخلاف الأمر الخارج كما في المقام يدفعها منع حصر اقتضاء الفساد في ذلك ، بل العرف أكمل شاهد
__________________
(1) جواهر الكلام 10 / 2.

على اقتضائه مع تعلّقه ولو بالأمر الخارج ، خصوصاً من مثل الشارع المعدّ لبيان الصحّة والفساد اللذين هما المقصد الأهمّ في العبادة ، وخصوصاً مع ملاحظة حاله في الإتّكال على بيانهما في مثل هذه المركّبات بالأمر والنهي ، بل لعلّه المتعارف في بيان كلّ مركّب حسّي وعقلي كما لا يخفى على من اختبرالعرف ...» (1).
والعرف يفهم أنّ (آمين) من كلام الناس ، وهذا تعليل للبطلان ، حيث لاتصلح تلك الكلمات في الصّلاة ، وهي ليست دعاءً ولا قرآناً بل اسم للدّعاء ، والإسم غير المسمّى.
ج ـ ضرورات الدين والمذهب : والضرورة هي الصورة التي لا يقوم الدين إلاّ بها ، وإذا كان الطعام ضرورة لبقاء الإنسان على قيد الحياة ـ وهذالا يحتاج إلى استدلال ـ فإنّ الصّلاة وأركانها ضرورة لثبوت الدين في قلوب الناس ، ومن ذلك الركوع باعتباره فعلاً من أفعال الصّلاة. قال في الركوع :
«الركوع : وهو واجب فيها في الجملة بالضرورة من الدين ـ كما اعترف به بعض الأساطين ـ فضلاً عن السنّة المتواترة والكتاب المبين» (2).
والضروري هو ما يقابل الاستدلالي (3) ، أي إنّ الضروري لا يحتاج إلى استدلال لإثباته ؛ فالمقصود من كونه ضرورة من الدين أنّ إثبات الركوع في الصّلاة لا يحتاج إلى استدلال.
الثمرة : والمستفاد من استخدام المصنّف للمصطلحات الفقهية
__________________
(1) جواهر الكلام 10 / 5.
(2) جواهر الكلام 10 / 69.
(3) ذكرى الشيعة 1 / 41.

والأصولية :
1 ـ إنّ المصنّف استخدم اصطلاحاً جديداً نسبيّاً وأعطاه أبعاداً مهمّةً ، وهو الاصطلاح الوسطي بين الشهرة والإجماع أو كما يعبّر عنه بـ (الشهرة العظيمة التي كادت أن تكون إجماعاً) ، وهذا الاصطلاح أقرب إلى الإجماع من الشهرة نفسها ، ولم نجد من استخدم ذلك الأُسلوب بتلك الكثرة إلاّ صاحب الحدائق (ت 1186 هـ) رحمه‌الله.
2 ـ إنّه في بحثه عن عدم جواز قول : (آمين) بعد الحمد بيَّن أنّ صيغة النهي ظاهرةٌ في التحريم ، لا لأنّها موضوعة لمفهوم الحرمة وحقيقتها ، بل لظهور صيغة (إفعل) في الوجوب ، فيكون صدور النهي من المولى مصداقاًلحكم العقل أو ارتكاز العقلاء ، وطبيعة النهي عن الشيء يقتضي فساد المنهىّ عنه عقلاً. وهذا هو مبنى المصنّف في مناقشة عدم جواز قول : (آمين) بعد الحمد.
3 ـ التأكيد على جملة أحكام اعتبرها المصنّف من ضرورات الدين أوالمذهب ، كما في عرضه لماهية الركوع.
رابعاً : ومن منهج المصنّف مناقشة أسانيد الروايات ، فقد ناقش العلاّمة الحلّي في توثيق عليّ بن الحسن بن فضّال (1) ، وناقش الشّهيد الثاني في توثيق معاوية بن حكيم في كونه فطحيّاً (2) ، لكنّه آمن بقبول الروايات الضعيفة المنجبرة بعمل الأصحاب ، وهو منهج آمن به أغلب فقهاء الإمامية.
__________________
(1) جواهر الكلام 17 / 191.
(2) جواهر الكلام 29 / 108.

2 ـ منهج الحدائق الناضرة :
كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة للشيخ يوسف البحراني (ت 1186 هـ) في خمسة وعشرين مجلّداً أضيف إليه مجلّدان باسم عيون الحقائق الناضرة في تتمّة الحدائق الناضرة للشيخ حسين البحراني ، هو مجموعة فقهية في الفرائض والسنن تحوي على جميع فروع الفقه ، منهجها أنّها ضمّت : «في طيِّها الأقوال والآراء وأصول الدلائل ، وحوت بين دفّتيها جميع ما ورد من الأحاديث عن الصادع الكريم وأئمّة العترة الطاهرة ـ صلوات الله عليه وعليهم ـ في الأحكام الشرعية ، وقد انبرى لكلمات الفقهاءوما فهموه من الروايات فافتوا بمؤدّى اجتهادهم ونتيجة أنظارهم ومحصّل استنباطهم وافقَ الشهرة القائمة والإجماع بقسميه أو خالف ، ثمّ ضمّ إلى كلِّ رأي أدلّته وأضاف إلى كلِّ قول مستنده وما يؤيّده ويدعمه ، ثمّ حاول نقاشها بما يمكن أن يورد عليها من نقود ومؤاخذات ، فإن تمّ عنده دليل ورأى الشبهة مزيّفة ردّها وأبطلها وأحكم الدليل وأثبته واختار ماأدّى إليه اجتهاده ...» (1).
ومن أجل توضيح ذلك المنهج وضع المصنِّف مقدّمات أوصلها إلى اثنتي عشرة مقدّمة في بداية كتابه شرَحَ فيها متبنّياته الإخبارية (والأصولية أيضاً) في أخبار الكتب الحديثية الأربعة ، وحجّية ظواهر الكتاب ، وحجّية الإجماع ، ودليل العقل ، والبراءة ، والاحتياط ، والاستصحاب ، والعلّة المنصوصة ، والتعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية ، ونحوها.
ومن استوعب تلك المقدّمات استوعب منهجه النقدي الاستدلالي في
__________________
(1) الحدائق الناضرة ـ مقدّمة السيّد عبد العزيز الطباطبائي 1 / ذ ـ ض.

مناقشة الأحكام الشرعية.
نماذج من منهج الحدائق :
ولو أردنا الوصول إلى منهج المصنّف فلابدّ لنا من دراسة بعض المسائل الفقهية التي ناقشها بإسهاب ، ومنها ـ مثلأ ـ : حكم ملاقاة النجاسة للماءالقليل الراكد ، وحكم : ليس في مال اليتيم زكاة.
النموذج الأوّل : حكم ملاقاة النجاسة للقليل الراكد : لم يشأ المصنّف أن يذكر الحكم الشرعي المجمع عليه بين الفقهاء وإسناده بالروايات الصحيحة عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام حتّى ذكر أوجه الخلاف بينهم ، فقال :
«المقام الأوّل : الظاهر أنّه لا خلاف بين أصحابنا رضوان الله عليهم ـ نصّاً وفتوىً ـ في نجاسة الماء القليل بتغيّره بالنجاسة في أحد الأوصاف الثلاثة ، إنّما الخلاف في النجاسة بمجرّد الملاقاة ، فالمشهور ـ بل كاد يكون إجماعاً بل ادّعى عليه في الخلاف في غير موضع الإجماع ـ هو النجاسة ، وعُزي إلى الحسن بن أبي عقيل رحمه‌الله القول بعدم النجاسة إلاّ بالتغيّر ، واختار هذا القول جمعٌ من متأخّري المتأخّرين.
ولابدّ من نقل الأخبار هنا من الطرفين والكلام بما يرفع التناقض من البين ، فنقول : أمّا ما يدلّ من الأخبار على القول المشهور الذي هو عندنا المؤيّد المنصور ، فمنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه‌السلام وسئل عن الماء تبول فيه الدوابّ وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب ،

قال : إذا كان الماء قدر كرٍّ لم ينجّسه شيء» (1).
وبعد نقل تلك الرواية استطرد المصنِّف بنقل روايات عديدة تسند هذا الرأي فأوصلها إلى ستّة وثلاثين حديثاً صحيحاً أو حسناً أو موثّقاً أو روايةً يؤيّد القول الأوّل (المشهور) وهو أنّ ما نقص عن الكرِّ ينفعل بالنجاسة ، ثمّ قال : «هذه جملة ما وقفت عليه من الأخبار التي تصلح لأن تكون مستنداً للقول المشهور ، وهي كما ترى على ذلك المطلب واضحة الظهور عارية عن القصور» (2).
ولم يكن عرض الروايات المؤيّدة للقول الأوّل نهاية مطلب المصنّف ولا غاية مبتغاه ، بل قام بعرض الروايات المؤيّدة للقول الثاني ، ومنها صحيحة حريز عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنّه قال : (كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء واشرب ، وإذا تغيّر الماء وتغيّر الطعم فلا تتوضّأ منه ولاتشرب) (3). ثمّ يذكر بعد هذا الحديث ثلاثة عشر حديثاً يؤيّد القول الثاني الدالّ على جواز الوضوء والشرب من الماء الذي لاقته النجاسة إلاّ مع غلبة أوصاف النجاسة.
وأمام هذا الكمّ الكبير من الأحاديث المتعارضة كان لابدّ له من تحليل ظروف السؤال والسائل ومعرفة المكان والزمان وطبيعة الحياة زمن النصّ ، وهذا ما يفهم من كلام المصنِّف ملخّصاً ضمن النقاط التالية :
1 ـ إنّ الغالب في السؤال عن مياه الغدران ومياه الطرق هو بلوغها الكرّ الواحد أو أكثر ، وجواب الإمام عليه‌السلام كان يلحظ بلوغ الكثرة التي لا
__________________
(1) الحدائق الناضرة 1 / 280 ـ 281.
(2) الحدائق الناضرة 1 / 289.
(3) الحدائق الناضرة 1 / 290.
 

ينفعل معها الماء بمجرّد الملاقاة.
2 ـ إنّ المناط في النجاسة والطهارة هو التغيّر وعدمه مثل وقوع الميتة وأبوال الدواب ونحوها.
3 ـ إنّ ورود الدوابّ للشرب أو لغيره وتبوّلها في الماء إنّما يكون في المياه التي لا تنقص مساحتها عن كرور عديدة فضلاً عن كرٍّ ، وما قدر كرٍّ من ماءوما قدر مساحته حتّى يحتمل أنّه يقوم بشيء واحد من تلك الأشياء المعدودة.
4 ـ إنّ ظاهر السؤال كان عن مياه الطرق الواقعة بين مكّة والمدينة أو بينها وبين العراق ونحوها من الأمكنة التي لا وجود للمياه الجارية فيها غالباً.
ويستفيض المصنّف في نقاش موضوع البحث نقضاً وإبراماً ويورد العديد من آراء الفقهاء ويردها ثمّ يوصلنا إلى نتيجة مبناه فيقول :
«والتحقيق عندي في الجواب أنّ المقصود بالإفادة بمثل هذا الكلام أمران : أحدهما عموم المنطوق والثاني عموم المفهوم ، والرواة قد فهموا حكم المفهوم من ذلك كذلك ولذلك سكتوا عن الاستفسار ، وإلاّ فمثل هؤلاءالأجلاّء كزرارة ومحمّد بن مسلم وأضرابهما من فضلاء الرواة ومحقّقيهم كيف يسكتون ويرضون بفهم بعض المقصود مع توفّر حاجة الأمّة إلى ذلك ـ ولاسيّما زرارة الذي من عادته تنقيح الأسئلة والفحص عن جملة فروع المسألة ـ ويقنعون باستفادة انه إذا نقص عن كر نجسه شيء ما؟!
ويرشدك إلى ما ذكرنا جوابه عليه‌السلام في صحيحة محمّد بن مسلم الأولى من تلك الروايات المتقدّمة لما سأل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه

الكلاب ويغتسل فيه الجنب ، قال : (إذا بلغ قدر كرٍّ لم ينجّسه شيء) فإنّه من الظاهر البيّن أنّ السائل أراد السؤال عن حال هذا الماء بعد وقوع هذه الأشياء أوأحدها فيه وأنّه هل ينجس بمجرّد ملاقاتها أم لا ، فأجابه عليه‌السلامبوجه عامٍّ وقاعدة كلّية في كلّ ماء وكلِّ نجاسة وهو التحديد ببلوغ الكرّية وعدمه وأنّه لا ينجس مع الأوّل وينجس مع الثاني ، ولو لم يفهم السائل عموم المفهوم من جوابه عليه‌السلام بذلك وأنّه إذا نقص عن الكرّية ينجس بملاقاة تلك النجاسات المسؤول عن ملاقاتها لاستفسر منه البتة لأنّه أحد طرفي الترديدفي جوابه عليه‌السلام ، إذ حاصل جوابه أنّه إذا بلغ الماء كرّاً لم ينجّسه شيء وإذالم يبلغ نجّسه شيء ، فلو لم يفهم السائل عموم لفظ (شيء) الذي في جانب المفهوم على وجه يشمل النجاسات المسؤول عنها وغيرها بقرينة المقام ـ ولاسيّما السؤال هنا عن وقوع تلك الأشياء المخصوصة ـ لراجع في السؤال عن تنجّسه بتلك الأشياء المخصوصة ، إذ بناء على ما يقولونه من عدم العموم لم يحصل الجواب عن السؤال ، ومع غفلة السائل كيف يرضى الإمام عليه‌السلام بعدم إفادته ذلك مع أنّه مناط السؤال والبلوى به عامّ في جميع الأحوال؟!» (1).
وبذلك أوصلنا المصنِّف إلى فهم نتيجة الإستدلال ، وهي أنّ منطوق المسألة واضح جليّ وهو أنّ الماء إذا بلغ كرّاً لا ينجّسه شيء ، ومفهوم المسألة أنّ الماء إذا لم يبلغ الكرّ نجّسه الشيء النجس ، وبذلك فهو يؤيّد القول الأوّل (المشهور) الذي ورد فيه سبعة وثلاثون حديثاً ويطرح القول الثاني الذيورد فيه أربعة عشر حديثاً معارضاً.
__________________
(1) الحدائق الناضرة 1 / 312.

النموذج الثاني : ليس في مال اليتيم زكاة : أحياناً يحمل الفقهاء لفظ الأمر لوجود القرينة في الروايات على معنى الاستحباب ، إلاّ أنّ المصنّف لم يؤمن بذلك واستدلّ استدلالاً عقليّاً بعدم وجوب أو استحباب الزكاة في مال اليتيم : بأنّ الزكاة كناية عن محو الذنوب ، وهو أمرٌ منتف في اليتيم لأنّه قاصر. واستدلّ استدلالاً شرعيّاً بعدم انطباق الرواية على المورد ، لأنّها جاءت تقيّةً. وهذا المنحى يؤيّد ما قاله في المقدّمة الثالثة بشأن لحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب (1) ، ومرجعه إلى دلالة المفهوم موافقة أو مخالفة. لاحظ هنا منهج المصنّف في نقده لآراء الفقهاء في باب : هل يعتبر البلوغ والعقل في زكاة الغلاّت والمواشي؟ قال :
«ففي صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما‌السلام أنّهما قالا : مال اليتيم ليس عليه في العين والصامت شيء ، فأمّا الغلاّت فإنّ عليها الصدقة الواجبة» (2). قال في ردّه :
«أجاب عنها جملة من المتأخّرين بالحمل على الاستحباب ، وأيّده بعضهم بأنّ لفظ الوجوب في الأخبار أعمّ من المعنى المصطلح فإنّه كثيراً ما يرد بمعنى مجرّد الثبوت أو تأكّد الاستحباب ، فيجب حمل هذه الصحيحة
__________________
(1) أحد أدلّة العقل هو ما يتوقّف فيه الخطاب ، وهو ثلاثة :
أ ـ لحن الخطاب ، كقوله تعالى : (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَت) أراد : فضرب.
ب ـ فحوى الخطاب : وهو ما يدلّ عليه بالتنبيه ، كقوله تعالى : (وَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ).
ج ـ دليل الخطاب : وهو تعليق الحكم على أحد وصفي الحقيقة ، كقوله : (في سائمة الغنم الزكاة).
(2) الحدائق الناضرة 1 / 18.

على تأكّد الاستحباب أو ثبوته جمعاً بين الأدلّة» (1). ثمّ ردّ على ذلك قائلاً :
«أقول : فيه أوّلاً : إنّ ما ذكروه من أنّ لفظ الوجوب في الأخبار أعمّ من المعنيين المذكورين متّجه ، إلاّ أنّه متى كان الأمر كذلك فإنّه يصير لفظ الوجوب في الأخبار من قبيل اللفظ المشترك الذي لا يحمل على أحد معنييه إلاّ مع القرينة ، ومجرّد اختلاف الأخبار ووجود هذه الرواية في مقابل هذه الصحيحة لا يكون قرينةً على الاستحباب. وبالجملة : فإنّ الجمع المذكور غير تامٍّ وإن اشتهر بينهم الجمع بين الأخبار بذلك في كلِّ موضع وأنّه قاعدة كلّيّة في جميع أبواب الفقه في مقام اختلاف الأخبار إلاّ أنّه لا دليل عليه. وأيضاً فإنّه متى قيل بالاستحباب وجواز التصرّف في مال اليتيم فالقول بالوجوب وقوفاً على ظاهر الصحيحة المذكورة أحوط وأولى كما لا يخفى.
وثانياً : إنّ الأظهر هو حمل الصحيحة المذكورة على التقية ، فإنّ الوجوب مذهب الجمهور كما نقله العلاّمة في المنتهى حيث قال : واختلف علماؤنا في وجوب الزكاة في غلاّت الأطفال والمجانين ، فأثبته الشيخان وأتباعهما وبه قال فقهاء الجمهور ونقلوه أيضاً عن عليّ والحسن بن عليّ عليهما‌السلاموجابر بن زيد وابن سيرين وعطاء ومجاهد وإسحاق وأبي ثور (2) ، انتهى.
أقول : وممّا يؤيّد القول الأوّل إطلاق جملة من الأخبار بأنّه ليس في مال اليتيم زكاة ، وظاهر قوله عزّ وجلّ : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
__________________
(1) الحدائق الناضرة 12 / 19.
(2) المغني 2 / 602.

وَتُزَكِّيْهِمْ بِهَا) (1) ، وهو كناية عمّا يوجب محو الذنوب والآثام ، وهذا إنّما يترتّب على البالغ ، ومنه تظهر قوّة القول المشهور.
وأنت خبير بأنّ ظاهر الصحيحة التي هي مستند الشيخين واتباعهما إنّمادلّ على الغلاّت خاصّة ، وأمّا المواشي فلا دلالة فيه عليها ، وليس غير ذلك في الباب ، ومورد النصِّ المذكور إنّما هو اليتيم وأمّا المجنون فلا نصّ فيه ، مع أنّ المنقول عنهم القول بالوجوب في الموضعين ، ومنه يظهر أنّ حكم المتأخّرين بالاستحباب في الموضعين المذكورين للتفصّي من خلاف الشيخين لا معنى له ، فإنّ الاستحباب حكم شرعي كالوجوب والتحريم يتوقّف على الدليل ، ومجرّد وجود الخلاف ولاسيّما إذا لم يكن عن دليل لا يصلح لأن يكون مستنداً ، وكذا حكمهم بالاستحباب في غلاّت اليتيم ، ومتى حملنا الصحيحة المذكورة على التقية كما هو الظاهر فإنّه لا وجه للاستحباب حينئذ» (2).
ويمكننا عرض استدلاله ملخّصاً عبر النقاط التالية :
1 ـ طَرَحَ المصنّف عنوان المسألة على شكل استفهامي لا تقريري ، وهو : هل يعتبر البلوغ والعقل في زكاة الغلاّت والمواشي؟ وهذا الأسلوب أبلغ في طرح موضوع البحث من مجرّد ذكر العنوان.
2 ـ ذَكرَ رواية زرارة ومحمّد بن مسلم الصحيحة التي يُفهم منها وجوب الزكاة على الغلاّت التي يملكها اليتيم.
3 ـ ذَكرَ ردّ جملة من الفقهاء المتأخّرين على تلك الرواية ، حيث
__________________
(1) سورة التوبة 9 : 103.
(2) الحدائق الناضرة 12 / 19 ـ 20.

حملوا الوجوب على شدّة الاستحباب.
4 ـ ردّ على من قال بالحمل على الاستحباب وقال : إنّ الجمع بين الصحيحة واختلاف الأخبار لا يكون قرينةً على الاستحباب ، بل لو أخذنا الصحيحة ـ دون بقية الأخبار والقرائن ـ لكان الوجوب ظاهراً هو الحكم.
5 ـ وبعد أن مهّد الطريق لاستدلاله تمهيداً قويّاً أعلن أنّ حمل الرواية ـ الصحيحة سنداً ـ على التقية هو الأصحّ.
6 ـ أثبت مبناه الجديد ـ وهو الحمل على التقية ـ عبر :
أ ـ اختلاف فقهائنا في وجوب الزكاة في غلاّت الأطفال والمجانين.
ب ـ إنّ الوجوب قال به فقهاء الجمهور.
7 ـ أيّد مبناه تأييداً عقليّاً بأنّ العلّة في دفع الزكاة عموماً هي محو الذنوب والآثام ، وهي علّة منتفية بانتفاء الموضوع في اليتيم وذلك لقصوره.
8 ـ ثمّ أيّده مرّة أُخرى بأنّ حكم المتأخّرين بالاستحباب لا دليل عليه ، وربّما كان منشأ الحكم هو الابتعاد عن مبنى الشيخين (المفيد والطّوسي) القائل بوجوب الزكاة في غلاّت الأطفال والمجانين ، فأحكم رأيه الذي لا نقاش فيه ، وهو أنّ الاستحباب حكم شرعيٌّ كالوجوب والتحريم ولايثبت إلاّ بالدليل.
9 ـ الحكم الأخير للمصنّف أنّه لا زكاة على مال اليتيم لا وجوباً ولا استحباباً.
3 ـ منهج مفتاح الكرامة :
كتاب مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاّمة للسيّد محمّد جواد العاملي(ت 1226 هـ) في واحد وعشرين مجلّداً ، وهو كتاب فقهي

استدلالي موسوعي ، يميّزه شمولية البحث في المسألة الفقهية ، يحتوي على جميع كتب الفقه عدا مقدار من كتاب الزكاة وتمام كتاب الخمس والحجّ والصوم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسبق والرماية وبعض الوصايا وكتب قليلة أخرى.
نقل المصنّف عن ابن عقيل وابن الجنيد والشّيخ المفيد والسيّد المرتضى والشّيخ الطّوسي والعلاّمة الحلّي ، وما وجده في المقنع والهداية والنهاية والخلاف والمبسوط ، وروايات الكافي والاستبصار والتهذيب ومن لايحضره الفقيه ، وما وجده في التذكرة والتحرير والمختلف والمنتهى وغيرهامن تصنيفات الطائفة ومصنّفيهم.
ومنهجه يبدأ بتقديم نصِّ القواعد ، ثمّ يعقّبه بما وافقه من كتب الفقهاء ، ثمّ ينقل الإجماع والشهرة ، ثمّ يذكّر بحجّة المخالِف وأدلّته ، ثمّ ينهي القول بإبداء رأيه بديباجة : قلتُ.
نماذج من منهجه :
درج المصنِّف على مناقشة من سبقه من الفقهاء ، فهو وإن يصرِّح بنقل الإجماع والشهرة إلاّ أنّه يناقش مبانيهم ويردّها حتّى يصل إلى ثمرة النزاع ومن ثمّ يحكم برأيه العلمي في المسألة الفقهية ، ومن ذلك نقاشه في وجوب الوضوء والشكِّ في النية.
النموذج الأوّل : وجوب الوضوء : ولا يفهم الوضوء في الشريعة إلاّ كمقدّمة لواجب آخر وهو الصّلاة ، ولكن أيّ صلاة؟ هل هي مطلق الصّلاة أم الصّلاة المخصوصة؟ قال الفقهاء : إنّ الوضوء واجب للواجب منالصّلاة ، وهي الصّلاة التي من أركانها الركوع ، فتخرج عندها الصّلاة على

الميِّت. قال قدّس الله تعالى روحه «... فالوضوء يجب للواجب من الصّلاة ... بالأصل أو بالعارض ، واللام للعهد ، يعني ذات الركوع ؛ أو المراد بالواجب : الواجب العيني ، فلا تدخل صلاة الجنازة ؛ أو يقال : إنّ إطلاق اسم الصّلاة عليها مجاز كما صرّح به جماعة كما في المسالك.
ووجوبه للصلاة معلوم بالضرورة من الدين ونصّ الكتاب المجيد والسنّة الغرّاء ، مضافاً إلى الإجماعات المنقولة في عدّة مواضع ، ووجوبه للصّلاة لا لنفسه ثابت بالإجماع المعلوم والمنقول كما في التذكرة والذكرى ومجمع الفوائد في مبحث الغسل وروض الجنان وظاهر السرائر في مبحث الغسل ، وهو ظاهر الأمالي وظاهر آيات أحكام الجواد حيث قال : صدر الآية يدلّ على الوجوب لغيره وعجزها كذلك إجماعاً ، بل ربّما لاح من البيان حيث قال : والأكثر على انحصار وجوب الطهارة في هذه الأمور حيث تجب.
واستثنى بعضهم غسل الجنابة من البين ، وهو تحكّم ظاهر ، وفرّعوا على ذلك الإيقاع قبل هذه الأسباب بنيّة الوجوب أو الندب ، مع اتّفاقهم على أنّ الوجوب موسّع وأنّ تضييقه تابع لتضييق هذه الغايات. وقال الفاضل فيض الله : نفى الشّهيد الثاني في شرح الإرشاد الخلاف بين الأصحاب في غيرغسل الجنابة» (1).
ونستفيد من هذا البحث جملة موارد ، منها :
1 ـ شرح قاعدة (وجوب الوضوء للواجب من الصّلاة) عبر تعيين الواجب العيني وهو الصّلاة الواجبة التي لا تتمّ إلاّ بالوضوء ، أمّا صلاة
__________________
(1) مفتاح الكرا مة 1 / 9 ـ 10.

الجنائز فهي إمّا أنّها صلاة بالمعنى المجازي فليس فيها وضوء ، وإمّا أنّها ليست واجباً عينيّاً فليس لها مقدّمة.
2 ـ إنّ الوضوء واجب لغيره ، وهو معلوم بالضرورة.
3 ـ استخدام الإجماع المعلوم والمنقول على وجوب الوضوء لغيره.
4 ـ الردّ على من قال باستثناء غسل الجنابة من كونه واجباً لغيره واعتبره تحكّماً ظاهراً.
النموذج الثاني : الشكّ في النية : لاشكّ أنّ النية شرطٌ في الطهارة. وإذاكانت النية جزءً من الفعل العبادي ـ وهو الوضوء هنا ـ فإنّ الشكّ في النية ينزل منزلة الشكّ في غسل الوجه أو اليدين. يبحث المصنِّف هذه المسألة قائلاً :
«قوله قدّس الله تعالى روحه ... ولو شكّ في شيء من أفعال الطهارة فكذلك إن كان على حاله ...» (1). وبعد أن ينقِّح البحث ينتهي منه ويقول :
«وفي نهاية الأحكام والدروس والبيان وإرشاد الجعفرية والمقاصد العلية : إنّ الشكّ في النية كالشكّ في بعض الأعضاء ، وقرّبه في الذكرى واستندفي ذلك إلى أنّها من أفعال الصّلاة.
قلتُ : والمصنّف في نهاية الأحكام يذهب إلى أنّها شرطٌ في الطهارة ، ونقل على ذلك الإجماع في المنتهى وغيره ، وقضية ذلك أنّ الشكّ في الشروط كالشكِّ في الأعضاء ، لكن قضية احتجاجهم في الأعضاء قصرُهم الحكم عليها ، وعليه فتظهر ثمرة النزاع في أنّ النية شرطٌ أو
__________________
(1) مفتاح الكرامة 1 / 494.

جزء ...» (1).
ويفهم من ذلك :
1 ـ عند البحث في الشكِّ في نية الطهارة يعرض المصنِّف رأي الفقهاء في مصنّفاتهم بأنّ الشكّ في النيّة يطابق الشكّ في غسل الأعضاء أو مسحها.
2 ـ يعرض المصنّف رأيه عبر عرض رأي العلاّمة في القواعد بقوله : «قلتُ ـ أي صاحب مفتاح الكرامة ـ : والمصنِّف ـ أي العلاّمة ـ في نهاية الأحكام يذهب إلى أنّها شرط في الطهارة». ثمّ ينقل الإجماع في المسألة ويردّعليها.
3 ـ يذكر المصنّف أخيراً زبدة البحث وهي أنّ النية شرطٌ في الطهارة ، أوبمعنى آخر أنّ وجوب الطهارة متوقِّف على النية بنحو الشرطية.
4 ـ منهج كشف اللثام :
كتاب كشف اللثام عن قواعد الأحكام للشيخ بهاء الدين محمّد بن الحسن الأصفهاني المعروف بالفاضل الهندي (ت 1137 هـ) في عشر مجلّدات ، وهو كتاب فقهي استدلالي موسع.
ومنهجه الاستدلال بالطريق المعهود عند الإمامية والنقل المسهب للأقوال الواردة في الكتب الفقهية للمتقدّمين بلا واسطة ، ويمتاز الكتاب باستيعاب الآراء الفقهية عند فقهاء الشيعة وعرضها باختصار
__________________
(1) مفتاح الكرامة 1 / 496.

ابتدأ المصنِّف شرحه على قواعد الأحكام بكتاب النكاح وما تلاه من الكتب الفقهية ، فقد جاء الكتاب ليتمِّم جامع المقاصد في شرح القواعد ، ثمّ عادمبتدئاً بكتاب الطهارة ثمّ الصّلاة حيث توقّف في نهاية مبحث (ما يوجب إعادة الصّلاة) ، فهذه الدورة الفقهية ناقصة لبعض الأبواب ككتاب الزكاةوالخمس والأنفال والصوم والمتاجر وكتب قليلة أخرى.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهج المصنِّف اقتطفناها من كتابه :
النموذج الأوّل : الوضوء يبيح مسّ القرآن الكريم : هل يجوز مسّ كتابة القرآن الكريم بدون أداء الوضوء؟ اختلف الفقهاء في ذلك ، فمنهم من قال بالحرمة ، ومنهم من قال بالكراهية. ومبنى المصنّف هو وجوب الوضوء قبل مسِّ كتابة القرآن الكريم ، لأنّ معنى التطهير في آية (لاَ يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُوْنَ) (1) هو الطهارة من الحدث والجنابة والحيض. يقول في أحكام الصّلاة :
«يستباح بالوضوء الصّلاة مطلقاً والطواف الواجب للمحدث إجماعاً ومسُّ كتابة القرآن له في الأقوى ، إذ يحرم مسّها عليه على الأقوى وفاقاً للخلاف والتهذيب والفقيه والكافي وأحكام الراوندي وابني سعيد ، لقوله تعالى : (لاَ يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُوْنَ). وفيه احتمال العود على (كِتَاب مَكْنُوْن) والتطهير من الكفر. ولكن حكى في المجمع عن الباقر عليه‌السلام أنّ المعنى : المطهّرون من الأحداث والجنابات ، وأنّه لا يجوز للجنب
__________________
(1) سورة الواقعة 96 : 79.

والحائض والمحدث مسّ المصحف. ولخبر أبي بصير سأل الصادق عليه‌السلام عمّن قرأ القرآن وهو على غير وضوء ، فقال : (لا بأس ولا يمسُّ الكتاب). ومرسل حريز عنه عليه‌السلام : أنّه كان عنده ابنه إسماعيل فقال : (يا بُني إقرأ المصحف ، فقال : إنّي لستُ على وضوء ، فقال : لا تمسُّ الكتابة ومسَّ الورق واقرأه). وقول أبي الحسن عليه‌السلام في خبر إبراهيم بن عبد الحميد : (المصحف لا تمسّه على غير طهر ولا جُنُباً ، ولا تمسّ خيطه ، وتعلِّقه ، إنّ الله يقول : (لاَ يَمَسُّهُ إِلاّالْمُطَهَّرُوْنَ)).
وخلافاً للمبسوط وابني إدريس والبرّاج ، للأصل ، واحتمال الأخبار بعد تسليمها الكراهة ؛ لورود جواز مسِّ الجنب ما عليه اسم الله أو اسم رسوله من الدراهم فالمحدث أولى. وفيه احتمال عدم مسِّ الإسم» (1).
ونستنتج من كشفه للثام القواعد :
1 ـ إنّه أبرز الحكم القائل بإباحة الوضوء لمسِّ القرآن الكريم.
2 ـ إنّه ذَكَرَ من آمن بذلك من الفقهاء كالشيخ الطّوسي والصدوق والكليني والراوندي وابني سعيد.
3 ـ إنّه استدلّ على الحكم بالآية القرآنية : (لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُوْنَ).
4 ـ إنّه ذكر من احتمل أن يكون التطهير في الآية من باب التطهير من الكفر ، وذلك المبنى لا يقتضي مجرّد الوضوء.
5 ـ ثمّ ردّ من احتمل ذلك برواية الإمام الباقر عليه‌السلام بأن المطهَّر هو
__________________
(1) كشف اللثام 1 / 575 ـ 576.

المطهَّرمن الحدث والجنابة والحيض.
6 ـ ذَكَرَ المخالفين لهذا الرأي من الفقهاء وعدّدهم بأشخاصهم ، وهم : الشّيخ الطّوسي في المبسوط وابن ادريس وابن البرّاج.
7 ـ احتمل أن يكون مبنى المخالفين للرأي الكراهة وليست الحرمة.
8 ـ افتى بحرمة مسِّ كتابة القرآن للمحدِث.
النموذج الثاني : الوضوء ومسألة غسل الأذنين وهل أنّ الأذنين من الوجه أم لا؟
قال بعض فقهاء العامّة : إنّهما من الوجه ، وأوجب غسلهما أو مسحهما ، وقال البعض الآخر باستحباب ذلك ، بينما حرّم فقهاء الإمامية ذلك وقالوا : إنّ ذلك بدعة في الدين. قال المصنّف في الوضوء باب غسل الأذنين :
«وغسل الأذنين كما أوجبه الزهري لكونهما من الوجه ، ومسحهما كما استحبّه الجمهور ، وأوجبه إسحاق بن راهويه وأحمد في وجه بدعة عندنا ، ومن العامّة من يغسل ما أقبل منهما ويمسح ما أدبر ، وكذا التطوّق ـ أي مسح العنق عند مسح الرأس ـ بدعة عندنا ؛ لخلوّ النصوص والوضوءات البيانية عنه ، واستحبّه الشافعي ، نعم روي عن الصادق عليه‌السلام : (إذا فرغ أحدكم من وضوئه فليأخذ كفّاً من ماء فليمسح به قفاه يكون فكاك رقبته من النّار) وإذاكانت هذه بدعاً فلا يجوز شيء منها إلاّ للتقية فقد يجب ، وليس شيء منهاإلاّ للتقية مبطلاً للأصل بل لغو وإن اعتقد المشروعية والجزئية ، مع احتمال الإبطال حينئذ» (1).
__________________
(1) كشف اللثام 1 / 583 ـ 584.

ونستنتج من ذلك :
1 ـ إنّ في غسل الأذنين أو مسحهما أربعة آراء :
أ ـ الوجوب في غسل الأذنين ، قال به الزهري لكونهما من الوجه.
ب ـ الوجوب في مسح الأذنين ، وقال به إسحاق بن راهويه وأحمد.
ج ـ الاستحباب في مسح الأذنين ، وقال به الجمهور.
د ـ غسل الأذنين أو مسحهما بدعة عند فقهاء الإمامية.
2 ـ إنّ في التطوّق وهو مسح العنق عن مسح الرأس ثلاثة آراء :
أ ـ الاستحباب ، قال به الشافعي.
ب ـ إنّه بدعة عند فقهاء الإمامية.
ج ـ الوجوب تقيّةً عند فقهاء الإمامية.
ويمكن ملاحظة طريقة المصنِّف في تسلسل الأفكار وضغط العبارة ونقل الآراء المتفاوتة ، بحيث تبدو ظاهراً وكأنّها فقرة واحدة منسجمة في الترتيب والعرض.
النموذج الثالث : إعادة الطهارة والصّلاة عند تذكّر الخلل : هناك بعض حالات الابتلاء التي تواجه المكلّف أحياناً ، ومنها أنّه لو توضّأ وضوءين الأوّل واجب والثاني مستحبّ والتفت إلى أنّه أخلّ بغسل عضو أو بمسحه في أحد الوضوءين فعليه إعادة الطهارة والصّلاة. يقول المصنِّف :
«ولو جدّد الطهارة ندباً وذكر إخلال عضو من إحديهما أعاد الطهارة والصّلاة إن صلّى بعدهما أو بينهما ، وإن تعدّدت الصّلاة حتّى صلّى بكلّ طهارة صلاة فإنّه يعيد الثانية أيضاً على رأي وفاقاً لابن إدريس ، فإنّ الندب لايجزئ عن الواجب مع احتمال الإخلال في الواجب ، فالطهارة مشكوكة ، وكذا لو جدّد واجباً بالنذر وشبهه على ما اختار من لزوم نية الرفع أو

الاستباحة ، وخلافاً للشيخ والقاضي وابني حمزة وسعيد فصحّحوا ما وقع بعدالثانية مع إيجابهم نية الرفع أو الإستباحة ، فلعلّهم استندوا إلى أنّه شرع التجديد لتدارك الخلل في السابق.
وفي المعتبر : الوجه صحّة الصّلاة إذا نوى بالثانية الصّلاة ، لأنّها طهارة شرعية قصد بها تحصيل فضيلة لا تحصل إلاّ بها ، فهو ينزل نية هذه الفضيلة منزلة نية الإستباحة. وقوّى في المنتهى صحّة الصّلاة بناءً على شكّه في الإخلال بشيء من الطهارة الأولى بعد الإنصراف فلا عبرة به ، وهو قويٌّ محكيٌّ عن ابن طاووس ...» (1).
ونستنتج من ذلك :
1 ـ إنّ المكلّف لو كان متوضّأً ثمّ بدا له تجديد الطهارة بالوضوء ثانية على وجه الاستحباب ثمّ تذكّر أنّه أخلّ بأحد الوضوءين أصبحت الطهارة الآن مشكوكاً فيها ، والندب لا يجزىء عن الواجب مع احتمال الإخلال بالواجب ، وهذا هو رأي ابن إدريس.
2 ـ أمّا الشّيخ والقاضي وابنا حمزة وسعيد فقد صحّحوا ما وقع من صلاة بعد الطهارة الثانية ، وهذا خلاف الرأي الأوّل.
3 ـ وأمّا العلاّمة في المعتبر فقد قال بصحّة الصّلاة إذا نوى المكلّف بالطهارة الثانية الصلاة ، لأنّها طهارة شرعية قصد بها تحصيل فضيلة الصّلاة.
4 ـ أمّا صاحب كتاب المنتهى فقد قوّى صحّة الصّلاة بناءً على شكِّه في الإخلال بشيء من الطهارة الأولى بعد الإنصراف ، وذلك الشكّ لا عبرة له.
__________________
(1) كشف اللثام 1 / 589 ـ 590.

5 ـ إنّ رأي المصنِّف أن يعيد الصّلاة والطهارة وإن تعدّدت الصّلاة كمافي المتن.
5 ـ منهج مدارك الأحكام :
كتاب مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام للسيِّد محمّد بن عليّ العاملي (ت 1009 هـ) في ثمانية مجلّدات ، وهو من الكتب الفقهية الاستدلالية ، ومنهج المصنِّف الإعتماد على الروايات المعتبرة مع الدقّة في نقلها ، ولذلك يعتبر من الكتب المعتمدة في نقل الرواية وقوّة الاستدلال ، وكان من منهج المصنِّف اعتقاده بضعف ما يرويه غير الإمامي الإثني عشري.
نقد كتاب المدارك :
ولذلك تعرّض هذا الكتاب إلى بعض الانتقادات ، ومنها انتقاد الشّيخ البحراني للمصنّف بأنّه قد سلك في الأخبار مسلكاً وعراً ونهج منهجاً عسراً و.... قال ما نصّه :
«... السيّد محمّد صاحب المدارك ، فإنّه ردّ أكثر الأحاديث من الموثّقات والضعاف باصطلاحه ، وله فيها اضطراب كما لا يخفى على من راجع كتابه ، فيما بين أن يردّها تارة وما بين أن يستدلّ بها أخرى ، وله أيضاً في جملة من الرجال مثل إبراهيم بن هاشم ومسمع بن عبد الملك ونحوهما اضطراب عظيم ، فيما بين أن يصف أخبارهم بالصحّة تارة وبالحسن أخرى وبين أن يطعن فيها ويردها ، يدور في ذلك مدار غرضه في المقام ، مع جملة من المواضع التي سلك فيها سبيل المجازفة ، كما

أوضحنا جميع ذلك ممّا لا يرتاب فيه المتأمّل في شرحنا على كتاب المدارك الموسوم بتدارك المدارك وكتاب الحدائق الناضرة» (1).
ورُدَّ على ذلك بأنّ المصنِّف لم يضطرب مبناه ، والتمسُّك بالمبنى الأصولي أو الفقهي أو الرجالي لا يدلّ على الاضطراب ، فقد يردُّ المصنِّفُ روايةً معيّنةً ولكن يستدلّ بها إذا كانت مشهورة عند الفقهاء ، فالمبنى هو الأخذ بعمل الأصحاب لا الأخذ بالرواية ، وهذا الفارق ينبغي ملاحظته في مباني الفقهاء.
والتحقيق أنّ المنهج الاستدلالي للسيِّد العاملي صاحب المدارك لا يعلوه منهج آخر ، فتراه متقناً في البحث عن أسانيد الرواة ، واستدلاله لا يعلو عليه استدلال مصنّف آخر في زمانه.
نماذج من منهجه :
من أجل تشخيص منهج المصنّف لابدّ من دراسة نماذج من بحثه ، ومن ذلك منزوحات البئر :
النموذج الأوّل : منزوحات البئر في حالة صبِّ المسكر : والبئر كان من أهمِّ مصادر الماء في الحجاز زمن النصِّ ، وكان الناس يحفرون الآبار للسقايةوالغسل والوضوء ونحوها ، ولذلك فقد كثر في الرواية استخدام البئروكثرت الأسئلة حول المشاكل التي كان يبتلي بها الناس مع الآبار كوقوع الميتة والخمر فيها ، فكان يقتضي تطهير البئر من النجاسات بنزح كمّية معيّنة من ماء البئر بالدلاء ، وفي ذلك يقول المصنّف :
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 45.

«قوله : وطريق تطهيره بنزح جميعه إن وقع فيها مسكر : المراد بالمسكرهنا ما كان مائعاً بالأصالة ، وإطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق بين قليل المسكر وكثيره ، وبه صرّح المتأخّرون ، واحتجّ عليه في المختلف بصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله عليه‌السلام في البئر يبول فيه الصبيّ أو يصبّ فيها بول أو خمر ، فقال : (ينزح الماء كلّه). وصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : (إن سقط في البئر دابّة صغيرة أو نزل فيها جنب نزح منها سبع دلاء ، فإن مات فيها ثور أو نحوه أو صبّ فيها خمر نزح الماء كلّه). وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : (إذا سقط في البئر شيء صغيرفمات فيها فانزح منها دلاء ، قال : فإن وقع فيها جنب فانزح منها سبع دلاء ، وإن مات فيها بعير أو صبّ فيها خمر فلينزح).
وفيه نظر ، فإنّ هذه الأخبار كلّها واردة بلفظ الصبِّ وهو يؤذن بالغلبة والكثرة ، مع أنّها مخالفة لما عليه الأصحاب في حكم البول وموت الدابّة الصغيرة وغير ذلك ، وتأويلها بما يوافق المشهور بعيد جدّاً. ونقل عن ابن بابويه رحمه الله في المقنع أنّه أوجب في القطرة من الخمر عشرين دلواً ، وربّماكان مستنده رواية زرارة عن الصادق عليه‌السلام في بئر قطر فيها قطرة دم أو خمر ، قال : (الدَّم والخمر والميِّت ولحم الخنزير في ذلك كلّه واحد يُنزَح منها عشرون دلواً ، فإن غلبت الريح نُزِحت حتّى تطيب). وهي قاصرة من حيث السند لجهالة بعض رجالها فلا يسوغ العمل بها ، وأيضاً فإنّ ظاهرها الإكتفاء بالعشرين في الخمر وما معه مطلقاً ولا قائل به.
وبالجملة : فالفرق بين قليل الخمر وكثيره متّجه إلاّ أنّ مقدار النزح في القليل غير معلوم ، ولا يبعد إلحاقه بغير المنصوص إن قلنا بنجاسة الخمر ، وإلاّلم يجب في القليل شيء ، وكان الكلام في الكثير كما في اغتسال

الجنب» (1).
ونستنتج ممّا ذكر :
1 ـ تصريح المصنّف أنّ إطلاق عبارة المسكر يفهم منها الكثير أو القليل على حدٍّ سواء ، فالإطلاق لا يترك للمرء إدراك كمّية محدّدة تنجّس البئر.
2 ـ احتجاج الفقهاء المتأخّرين على صحّة ذلك بروايات صحيحة ثلاث عن رواة إجلاّء هم : معاوية بن عمّار ، وعبد الله بن سنان ، والحلبي.
3 ـ ردّ المصنّف على تلك الروايات وما حُمِلت عليه قائلاً : إنّها وردت بلفظ الصبِّ وهو يؤذن بالغلبة والكثرة ، ولا يمكن تأويلها بحكم البول أو موت الدابّة الصغيرة وغير ذلك.
4 ـ احتجّ بقصور رواية زرارة (الدَّم والخمر والميِّت ولحم الخنـزير في ذلك كلِّه واحد ... الخ) ، وقال : إنّها قاصرة السند ، حيث إنّ نوح بن شعيب الخراساني لم يذكر في كتب الرجال. وإنّ ظاهرها الاكتفاء بالعشرين في الخمر ... ولا قائل به.
5 ـ يتوصّل المصنّف إلى أنّه لابدَّ من التفريق بين الخمر الكثير والقليل ، والقليل غير منصوص فلا يبعد إلحاقه بالمنصوص إن قلنا بنجاسة الخمر ، وإلاّ لم يجب في وقوع القليل منه في البئر شيء.
النموذج الثاني : منزوحات البئر في حالة موت الدابّة : ومشكلة وقوع الدابّة في البئر أكثر ابتلاءً من صبّ الخمر ، لأنّ الدابة تبحث عن
__________________
(1) مدارك الأحكام 1 / 62 ـ 63.

رزقها في الأرض على الأغلب وهي جاهلة بما يخبِّىء لها القدر فتقع في البئر وتموت ، فكان لابدَّ من تطهير البئر من نجاستها. قال المصنِّف :
«قوله : وبنزح كرٍّ إن مات فيها دابّة : هذا هو المشهور بين الأصحاب ولم أقف له على مستند ، والذي وقفت عليه في ذلك صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليهما‌السلام في البئريقع فيها الفأرة والدابّة والكلب والطير فيموت؟ قال : (يخرج ، ثمّ ينزح من البئر دلاء ، ثمّ اشرب وتوضّأ). ويندرج في الدابّة البغل والفرس وغيرهما ، وقرّب المصنّف رحمه الله في المعتبر إلحاق الفرس بما لا نصّ فيه ، وهو مشكل للقطع بدخولها في مفهوم الدابّة سواء قلنا : إنّها ما يدبُّ على الأرض ، أو ذات الحوافر ، أو ما يُركب ....» (1).
ونستفيد من قوله :
1 ـ إنّ المشهور بين الفقهاء هو نزح كرٍّ إذا وقع في البئر دابّة وماتت فيه استناداً إلى صحيحة زرارة.
2 ـ إنّ السؤال المطروح حول الرواية هو : ما هي طبيعة الدابّة؟ وقد قرّب العلاّمة الحلّي في المعتبر إلحاق الفرس بالدّابّة ، ولكن صاحب المدارك ردّه وقال : إنّه لا نصّ فيه ، وهو مشكل للقطع بدخولها في مفهوم الدّابّة ، فهل هي ما يدبُّ على الأرض؟ أو أنّها من ذوات الحوافر؟ أو أنّها ما يُركب من الحيوانات؟ وطالما كان الجواب غامضاً بقي الاستدلال ناقصاً.
6 ـ منهج مستند الشيعة :
كتاب مستند الشيعة في أحكام الشريعة للشيخ محمّد مهدي النراقي (ت1245 هـ) في عشرين مجلّداً ، من كتب الفقه الاستدلالي ، امتاز بكثرة
__________________
(1) مدارك الأحكام 1 / 69.

التفريعات وإيراد آراء الفقهاء ، يقوم المصنّف في الغالب وبعد أن يعرّف موضوع البحث بالاتكاء على وسادة فتاوى بقية الفقهاء عن طريق إجماعهم على ذلك أو عن طريق تسمية آرائهم في كتبهم المعروفة ، وغالباً ما يستدلّ المصنّف بالآيات والروايات الصحيحة المسندة عنده ، وتلك قضية اجتهادية محضة ، ولو كان هناك ضعف في سند الرواية فإنّه قد يأخذ بها لأنّها منجبرة بعمل الأصحاب ، وعندها يكون ملزمَاً بالتصريح بمنهجه ذلك بالخصوص ، وعندما يتهيّأ له ثبوت الدليل وقوّته يقوم عندئذ بنسف حجِّية الدليل الأضعف عبر دحضه من مختلف الجهات العلمية ، كحمله على التقية ، أو منافاته للإجماع المتّفق عليه ، أو القصور في فهم الأخبار العلاجية ، أو فقدان المرجّحات المنصوصة. وربّما استدلّ بالقرائن الموضوعية أو الشرعية والقواعد الأصولية كالاستصحاب.
نماذج من منهجه :
ويمكننا عرض منهج مستند الشيعة عبر النماذج التالية :
النموذج الأوّل : حرمة الفقاع : الفقاع هو الشراب المستخلص من ماء الشعير ، وقد اختلف الفقهاء في نجاسته ، فمنهم من قال بنجاسته ، ومنهم من قال بطهارته. والفقاع على قسمين : مسكر وغير مسكر ، فإذا كان مسكراً فهو نجس بالإجماع بدليل قوله تعالى : (فَاجْتَنِبُوْهُ) (1). ومن أجل الإلمام بأطراف المسألة قام المصنّف أوّلاً بعرض الرأي الأوّل القائل بنجاسة الفقاع ، ثمّ قام ثانياً بعرض الرأي الثاني القائل بطهارة الفقاع ومناقشته ، ثمّ
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 92.

ثالثاً بعرض الرأي الراجح عنده من الناحية الشرعية ومستنداً على الأخبار العلاجيةوموافقة الكتاب والشهرة القوية التي تكاد تبلغ حدّ الإجماع.
أوّلاً : الإستدلال على نجاسة الفقاع. يقول في الفقاع :
«... وهو ـ ما سمّي عرفاً ، أو ما يؤخذ من ماء الشعير فقط ، أو مع غيره ـ نجس بالإجماع المحقِّق والمحكي عن المبسوط والخلاف والانتصار والغنيةوالمنتهى والتذكرة والنهاية للفاضل وغيرها ، سواء أسكر أم لا. وتدلّ عليه روايتا أبي جميلة والقلانسي المنجبرتان بالعمل.
وأمّا الأوّل : فهو أيضاً نجس عند السواد الأعظم من الفريقين ، وعليها الإجماع عن الخلاف والمبسوط والنزهة والسيّد والحلّي وابن زهرة والفاضل وولده وغيرهم ، بل الخامس نسب إلى المخالف خلاف إجماع المسلمين ، وهو الحجّة فيه.
مضافاً إلى قوله سبحانه : (فَاجْتَنِبُوْه) فإنّ الاجتناب الإمتناع عمّا يوجب القرب منه مطلقاً ، ولا معنى للنَّجس إلاّ ذلك. وحمل الاجتناب المطلق على بعض أفراده تحكّم. وعدم وجوب الاجتناب عن النجس في جميع الأحوال أو عن ملاقاة الأنصاب والأزلام بدليل لا يوجب خروج باقي الأفراد. وإخراج ملاقاة النجس عن الأفراد المتعارفة مكابرة.
والأخبار المستفيضة بل المتواترة معنىً الواردة في موارد متعدِّدة المتضمِّنة للأمر بغسل الثوب منها ، أو إعادة الصّلاة مع الثوب الذي أصابته ، أوغسل إنائها ثلاثاً أو سبعاً ، أو إهراق حُبّ أو قدر فيه لحم ومرق كثير قطرت فيه قطرة منها مع كونها مستهلكة فيه. وللنّهي عن الأكل في آنية أهل الذمّة التي يشربون فيها الخمر ، وعن الصّلاة في ثوب أصابته ، معلِّلاً بأنّها

رجس» (1).
وهنا استدل المصنِّف بنجاسة الفقاع عن طريق :
1 ـ الإجماع المحقَّق.
2 ـ روايتي أبي جميلة والقلانسي.
3 ـ الدليل القرآني بالاجتناب.
4 ـ الأخبار الواردة في غسل الثوب منه ... الخ
5 ـ النهي عن آنية أهل الذمّة الملوثة بالخمر.
لكنّه في نفس الوقت ناقش موضوع الإجتناب في قوله تعالى : (فَاجْتَنِبُوْه) وحصره بموضوع الإمتناع لا النجاسة ، ثمّ احتجّ على أنّ الإجتناب المطلق لا يمكن أن يحمل على جميع أفراد الفقاع ، ففيه الطاهر وفيه النجس.
ثانياً : مناقشة الأدلّة القائلة بطهارة الفقّاع وتفنيدها ، وذكر من حكم بطهارة الفقّاع قائلا :
«... خلافاً للمحكي عن الصدوق والعماني والجعفي فقالوا بطهارتها ، ويظهر من جماعة من المتأخِّرين كالأردبيلي وصاحبي المدارك والذخيرة والمحقِّق الخوانساري الميل إليها لأخبار متكثِّرة أيضاً ، أصرحها دلالةً ما يدلّ على جواز الصّلاة في الثوب الذي أصابته قبل غسله ، وفي بعضها : (إنّ الله حرّم شربها دون لبسها والصّلاة فيها) ، بترجيح هذه الأخبار بموافقة الأصل والاستصحاب ، وكونها قرينةً لحمل الأخبار المتقدّمة على التقية أو الاستحباب.
__________________
(1) مستند الشيعة 1 / 190.

وفيه ـ مع عدم صلاحية كثير منها للتقية ، حيث يتضمّن حرمة الجري أوالنبيذ أو نجاسة أهل الكتاب ، ولا للحمل على الاستحباب ، للأمر بإعادة الصّلاة المنفي استحبابها بعد صحّتها بالإجماع ـ أنّ الحمل على أحدهما أو الرجوع إلى الأصل إنّما يكون فيما لم يكن هناك دليل على علاج آخر ، وأمّا معه فكيف يمكن طرحه؟!
والعجب من هؤلاء المائلين إلى طهارتها أنّ رجوعهم إلى أحد هذه الأمور في مقام التعارض لا يكون إلاّ بعد اليأس عن العلاجات الواردة في الأخبار العلاجية العامّة.
مع أنّ الخبر العلاجي في خصوص اختلاف الأخبار في المقام وارد ، وهي صحيحة عليّ بن مهزيار ، قال : قرأت في كتاب عبد الله بن محمّد إلى أبي الحسن عليه‌السلام : جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما‌السلام في الخمر يصيب ثوب الرجل أنّهما قالا : (لا بأس أن يصلّي فيها ، إنّما حرّم شربها). وروى غير زرارة عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنّه قال : (إذا أصاب ثوبك خمرأو نبيذ ـ يعني المسكر ـ فاغسله إن عرفت موضعه ، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كلَّه ، وإن صلّيت فيه فأعد صلاتك) فأعلمني ما آخذ به؟ فوقّع بخطِّه عليه‌السلام : (خذ بقول أبي عبد الله عليه‌السلام). وظاهر أنّ المراد قوله منفرداً.
وخبر خيران الخادم من أصحاب أبي الحسن الثالث صلوات الله عليه : كتبت إلى الرجل عليه‌السلام أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلّى فيه أم لا؟ فإنّ أصحابنا قد اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : صلِّ فيه فإنّ الله إنّما حرّم شربها ، وقال بعضهم : لا تصلّ فيه ؛ فكتب عليه‌السلام : (لا تصلّ فيه

فإنّه رجس)» (1).
واستدلّ المصنِّف بضعف الرأي القائل بطهارة الفقاع عبر الموارد التالية :
1 ـ الأخذ بالروايات الواردة بجواز الصّلاة في ثوب أصابته قبل غسله ، لا لقوّتها سنداً بل لحمل الأخبار المتقدّمة عليها على التقية.
2 ـ عدم الالتفات إلى الأخبار العلاجية في المقام.
3 ـ عدم الالتفات إلى موارد التقية.
ثالثاً : الترجيح الشرعي : وبعد أن أوصل المصنّف البحث إلى هذا المستوى قدَّم لنا ترجيحه الشرعي فقال :
«هذا ، مع أنّه لو قطع النظر عن ذلك وانحصر الأمر بالمرجّحات العامّة لكان الترجيح مع أخبار النجاسة أيضاً ؛ لموافقة الكتاب التي هي أقوى المرجّحات المنصوصة ، والمخالفة لمذهب أكثر العامّة ـ كما هي عن الاستبصار محكية وإن كان الظاهر من كلام جماعة خلافه ـ ولما هو أميل إليه حكّام أهل الجور وذوو الشوكة منهم من طهارة الخمر ، حيث إنّ ولوعهم بشربها وتلوّثهم غالباً بها مع نجاستها يورث مهانةً لهم في أنظار العوامِّ والحكم ببطلان صلاتهم وصلاة من كان يقتدي بهم والإزدراء والاستخفاف بهم ، فالحكم بالنجاسة مخالف للتقية ، بخلاف الحرمة حيث كانت ضرورية من الدين منسوباً مخالفه إلى الإلحاد ، فلم تكن بهذه المثابة. واعتضادها بالشهرة القوية التي كادت أن تبلغ حدّ الإجماع ، مع أنّ من المرجّحات المنصوصة التي عمل بها جماعة من الأصحاب الأخذ بالأخير ،
__________________
(1) مستند الشيعة 1 / 192.

ولاريب أنّ صحيحة ابن مهزيار وخبر خيران قد تضمّنا ذلك ؛ فالمسألة بحمدالله واضحة غاية الوضوح» (1).
النموذج الثاني : نجاسة النبيذ : والنبيذ كالفقاع مثال آخر على ثبوت نجاسته عند المصنِّف وكونه خمراً بالنصوص المتعاضدة ، فاستند المصنِّف على قواعد فقهية أو أصولية كالإجماع والاستصحاب وانجبار الرواية بعمل الأصحاب وقاعدة الصواب ما خالف رأي مذاهب العامّة ونحوها.
قال المصنّف في النبيذ هو : «كلُّ ما يعمل من الأشربة كما صرّح به الجوهري والطريحي. ولو قيل باختصاصه بنوع خاصٍّ منه ـ كما استعمل في بعض الأخبار ـ يتمّ المطلوب بعدم الفصل. مع أنّ الآية تعمّ الجميع بضميمة ماورد في تفسيره ـ المنجبر بالعمل بل بإجماع المفسرين ـ كالمروي في تفسيرالقمّي في بيان قوله تعالى : (إنّما الْخَمْرُ ...) إلى آخره : (أمّا الخمر فكلُّ مسكر من الشراب إذا خُمِّر فهو خمر) (2).
ويدلّ عليه أيضاً تصريح الأخبار بأنّ كلَّ مسكر خمر (3) بالتقريب المتقدِّم في الميتة ، لا كونه خمراً لوجود علّة التسمية أو للاستعمال فيه مطلقاً أوبدون القرينة ؛ لضعف الجميع. وأمّا نفي البأس في بعض الأخبار عن إصابة المسكر والنبيذ الثوب فغير دالٍّ على الطهارة. وتجويز الصّلاة في ثوب أصابه مطلق النبيذ أو الشرب من حبّ قطرت فيه قطرة منه محمول على النبيذ الحلال.
نعم ، في قرب الإسناد للحميري : عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب
__________________
(1) مستند الشيعة 1 / 191 ـ 193.
(2) الوسائل 25 / 280 أبواب الأشربة المحرّمة ب 1 ح5.
(3) الوسائل 25 / 326 أبواب الأشربة المحرّمة ب 15 ح 5.
 

ثوبي أغسله أو اُصلّي فيه؟ قال : (صلّ فيه إلاّ أن تقذِّره فتغسل منه موضع الأثر) (1).
وهو مع ضعفه وموافقته لمذهب أبي حنيفة في المائعات المسكرة الذي هو المتداول في زمانهم ـ بل لكلِّ العامّة في خصوص النبيذ ـ معارض لماتقدّم مرجوح منه بما ذكر.
وإنّما خصّصنا بالمائعة بالأصالة ؛ لطهارة غيرها من المائعة عرضاً ، أو غيرالمائعة ، بالأصل السالم عن المعارض ؛ لأنّ ما يدلّ من الأخبار على النجاسة مخصوص بالنبيذ الصريح في المائع بالأصالة ، وما ليس بمخصوص غير صالح لإثبات النجاسة ، لخلوّه عن دالّ على وجوب الغسل.
نعم ، نقل شيخنا البهائي ـ وتبعه جمع ممّن تأخّر عنه ـ عن التهذيب موثقة الساباطي : (لا تصلّ في ثوب أصابه خمر أو مسكر ، واغسله إن عرفت موضعه ، فإن لم تعرف موضعه فاغسل الثوب كلّه ، فإن صلّيت فيه فأعد صلاتك). ولكنّي لم أعثر عليها لا في التهذيب ولا في غيره من كتب الأخبار.
وأمّا الجامد بالعرض فهو نجس للاستصحاب» (2).
ونستفيد ممّا عرضه المصنّف :
1 ـ إنّ عموم آية (إنّما الْخَمْرُ ...) يشمل النبيذ لأنّه مسكر ، وكلُّ مسكريعدُّ خمراً.
__________________
(1) الوسائل 3 / 472 أبواب النجاسات ب 38 ح 14.
(2) مستند الشيعة 1 / 194 ـ 195.

2 ـ إنّ الروايات الواردة في طهارة النبيذ ضعيفة ، بل هي موافقة لمذاهب العامّة.
3 ـ إنّ النجاسة تعمّ مطلق النبيذ مائعاً كان أو جامداً ، سائلاً كان أو صلباً.
الاستنتاج :
وبالإجمال : فإنّ المنهج الاستدلالي الموسوعي في المدرسة الإمامية تميّزبالشمولية والسعة في فهم المسألة الفقهية والاستدلال عليها بالطريق المعهود بين الفقهاء عن طريق تطبيق الأصول على الفروع ، وقد ربط جميع أهل العلم والمعرفة قدماء الفقهاء بمتأخِّريهم ولم يشذّ عن تلك القاعدة أحد ، فالفاضل الهندي ينقل ما قاله ابن أبي عقيل وابن الجنيد والصدوقان ، والشّيخ صاحب الجواهر ينقل ما قاله الشّيخ المفيد والسيّد المرتضى والشّيخ الطّوسي ، والسيّد العاملي ينقل ما قاله المحقّق الحلّي والعلاّمة والشّهيد الأوّل والثاني. وهكذا نجد المدرسة الفقهية الاستدلالية الإمامية مترابطة ومتماسكة تماسكاً محكماً في الفتوى ونقل الأحكام وتسلسل الأفكار ونقد الآراء وتحكيم الأصول.


1 ـ منهج الفقه الاستدلالي
ب ـ غير الموسوعي
مقدّمة :
وهذا المنهج يشبه المنهج الاستدلالي الموسوعي إلاّ أنّ عرض الأحكام الشرعية هنا لا يتمّ بالإسهاب الذي عليه المنهج الموسوعي. وعلى الأغلب يرسم المصنِّف هذا المنهج الاستدلالي فيكون موضوعه متوسِّطاً في الحجم. وأحياناً يبدأ المصنِّف بطريقة موسوعية إلاّ أنّ القدر لا يمهله بتكملة المنهج الذي صمّم بناءه ، كما حصل للشهيد الأوّل مع كتاب ذكرى الشيعة ، فأوصله القدر إلى ذلك المقدار من العطاء ، ثمَّ توقّف دون اختياره.

طبيعة المنهج الاستدلالي غير الموسوعي :
من طبيعة المنهج الاستدلالي غير الموسوعي وحدة الأُسلوب وتماسك النسق اللفظي والعلمي ، فالمصنِّف يبدأ كتابه غالباً بالدقّة والاختصاروينتهي به بنفس الدقّة والاختصار لأُمّهات المطالب الفقهية ، أي إنّ قلّة التفريعات والتشعّبات الفقهية تجعل المسائل أكثر تماسكاً وانسجاماً. والمنهج غير الموسوعي يضمّ بين دفّتيه أقوال الفقهاء وآراءهم وأصول الأدلّة الشرعية وفروعها. ويتّخذ هذا المنهج أحياناً الاقتصار على بحث موضوع معيّن ولا يشمل كتب الفقه كلّها كما في كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري.
كتب الاستدلال غير الموسوعي :
1 ـ إيضاح الفوائد لفخر المحقّقين (ت 771 هـ).
2 ـ ذكرى الشيعة للشهيد الأوّل (ت 786 هـ)
3 ـ المكاسب للشيخ الأنصاري (ت 1281 هـ).
1 ـ منهج كتاب (إيضاح الفوائد) :
كتاب إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد لفخر المحقّقين الشّيخ محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي (ت 771 هـ) في أربعة مجلّدات ، كتاب فقهي استدلالي شامل لجميع أبواب الفقه وعنوانه يُفصح على أنّه شرحٌ لإشكالات القواعد ، لكنّه في الواقع كتاب استدلالي يطرح فيه المصنّف آراءه ويناقش آراء الفقهاء عامّة وآراء الماتن خاصّة.
اتّخذ الكتاب أُسلوباً معيّناً في العرض ، وهو أنّه يذكر المتن في الجزء

الأعلى من الصفحة ثمّ يذكر رأيه أو تعليقته في الجزء الأسفل منها.
نماذج من منهجه :
ومن أجل فهم منهج المصنّف لابدّ من دراسة مقاطع من كتابه في بحث الزكاة :
النموذج الأوّل : أصناف مستحقّي الزكاة : الفقراء والمساكين : ويستحقّ الفقير والمسكين الزكاة ، إلاّ أنّ السؤال : أيّهما يقدّم أوّلاً؟ بل أيّهما أدنى درجةً من الآخر؟ اختلف الفقهاء في ذلك. قال المصنّف :
«قال دام ظلّه : واختلف في أنّ أيّهما أسوء حالاً ، فقيل : الفقير للابتداء بذكره الدالّ على الاهتمام ، ولقوله تعالى : (وَأَمّا السَّفِيْنَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِيْنَ ...)(1) ، ولتعوّذ النبيّ عليه‌السلام من الفقر وسؤال المسكنة. وقيل : المسكين للتأكّد به ، ولقوله تعالى : (أَوْ مِسْكِيْناً ذَا مَتْرَبَة ...)(2).
أقول : اتّفق الكلّ على أنّ الفقراء والمساكين اشتركا في موجب الاستحقاق ، وهو وصف عدمي [من] عدم الملكة ، وهو من لا مال له يكفيه وعياله الفقراء الواجبي النفقة عليه لو كان غنيّاً ولا يقدر على كسبه ، لقوله عليه‌السلام : لاصدقة على غنيّ ولا على ذي مرّة سويٍّ. والأكثر على أنّ أحدهما أسوء حالاًمن الآخر ، بمعنى أنّه لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من حاجته ، والآخرأحسن حالاً أي له مال وكسب يقع موقعاً من حاجته لكن لا يكفيه. فقيل : الأوّل الفقير من الفقر كأنّه أصيب فقاره. قال الجوهري : رجل فقيرمن المال. والثاني : المسكين بُني من السكون كأنّ العجز أسكنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الكهف 18 : 79.
(2) سورة البلد 90 : 16.

قال الأصمعي : المسكين أحسن حالاً من الفقير. وهذا اختيار الشّيخ في الجمل والمبسوط وابن حمزة وابن ادريس. وقيل : الأوّل المسكين. قال ابن السكّيت : الفقير الذي له بلغة من العيش والمسكين الذي لا شيء له ، ونقل قول ابن الراعي :

أمّا الفقير الذي كانت حلوبته
 
  وفق العيال فلم يترك له سبد (1)
 

وهو اختيار الشّيخ في النهاية والمفيد وابن الجنيد. وقد ذكر المصنِّف دليل الفريقين ، وفي الأخير نظر ، فإنّ الاستعمال الدال على الحقيقة مع الإطلاق ، أمّا مع التقييد بوصف يصلح أن يكون قرينةً للمجاز فلا ، وهنا قيّد المسكين بكونه ذا متربة ، فجاز كونه قرينة إرادة الفقير مجازاً. وأجاب والدي عنه بأنّ المجاز على خلاف الأصل. وهذا البحث ليس من علم الفقه ، بل هو بحث لغويٌّ» (2).
ونستنتج ممّا سبق :
1 ـ اتّفاق جميع الفقهاء باشتراك الفقير والمسكين في استحقاق الزكاة للنصوص القطعية من القرآن الكريم والسنّة الشريفة.
2 ـ إنّ الفارق أنّ أحدهما لا مال له ولا كسب والثاني له مال وكسبه لايكفيه ، فمن هو الأوّل ومن هو الثاني؟
3 ـ اختيار الشّيخ في الجمل والمبسوط وابن حمزة وابن ادريس أنّ الأوّل الفقير (لا مال له ولا كسب) والثاني المسكين (له مال وكسب لا يكفيه) ، ولذلك ـ بموجب هذا الرأي ـ فإنّ المسكين أحسن حالاً من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السبد : من الشعر ، واللبد : من الصوف.
(2) إيضاح الفوائد 1 / 193 ـ 194.

الفقير.
4 ـ اختيار الشّيخ في النهاية والمفيد وابن الجنيد أنّه الأوّل المسكين (لامال له ولا كسب) والثاني الفقير (له مال وكسبه لا يكفيه) ، وهو قول ابن السكّيت (العالم اللغوي).
5 ـ ذكر المصنّف أنّ في الرأي الثاني نظر ، ثمّ أنهى البحث بإبعاده عن علم الفقه واعتباره بحثاً لغويّاً محضاً.
النموذج الثاني : أصناف مستحقّي الزكاة : المؤلّفة قلوبهم : وتعطى الزكاة أيضاً إلى المؤلّفة قلوبهم. واختلف الفقهاء من هم هؤلاء ، فقال البعض : إنّهم من الكفّار من أجل استمالتهم إلى الدين ، وقال آخرون : إنّهم من المسلمين في الأطراف لحماية الدولة من الأعداء. قال المصنّف :
«قال دام ظلّه : ... المؤلّفة وهم قسمان : كفّار يستمالون إلى الجهاد أو إلى الإسلام ، ومسالمون إمّا من ساداتهم لهم نظراء من المشركين إذا أعطوا رغب النظراء في الإسلام ، وإمّا سادات مطاعون يرجى بعطائهم قوّة إيمانهم ومساعدة قومهم في الجهاد ، وإمّا مسلمون في الأطراف إذا اعطوا منعوا الكفّارمن الدخول ، وإمّا مسلمون إذا اعطوا أخذوا الزكاة من مانعيها. وقيل : المؤلّفة الكفّار خاصّة.
أقول : الأوّل قول المفيد وابن ادريس ، واحتجّ الأوّلون بعموم الآية ولرواية زرارة ومحمّد بن مسلم الحسنة عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنّه قال : إنّما يعطى من لا يعرف دينه ليرغب في الدين فيثبت عليه ... الحديث ، علّل بالرغبة في الدين ، والنصّ على العلّة يقتضي التعدّي. احتجّ الآخرون بأنّ الزكاة مودّة لأنّها معونة وإنفاق ، وكلّ مودّة للكافر منهيٌّ عنه حرام لقوله تعالى : (لاَ تَجِدُ قَوْمَاً يُؤْمِنُوْنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّوْنَ مَنْ حَادَّ اللهَ

وَرَسُوْلَهُ)(1) ، خرج إعطاء المقاتلة إجماعاً فيبقى الباقي على الأصل ، وهو الأقوى عندي لعموم الأخبار الدالّة على منع إعطاء الكافر ...» (2).
ونستنتج من ذلك :
1 ـ إنّ المؤلّفة قلوبهم هم إمّا كفّار وهو رأي الشّيخ المفيد وابن إدريس ، أو مسلمون وهو الأقوى عند المصنّف.
2 ـ إنّ تقسيم المؤلّفة قلوبهم هو كالتّالي :
أوّلاً : الكفّار ، وهم ثلاثة أصناف :
أ ـ كفّار يعطون من الزكاة بهدف تقريبهم من الإسلام.
ب ـ مسالمون من ساداتهم لهم نظراء من المشركين.
ج ـ سادات مطاعون يرجى منهم معونة قومهم للإسلام.
ثانياً : مسلمون ، وهم :
أ ـ في أطراف الدولة لحمايتها.
ب ـ إذا اعطوا أخذوا الزكاة من مانعيها.
3 ـ إنّ الزكاة مودّة لأنّها معونة ، ومودّة الكافر حرام ، فلا يمكن اعطاؤه منها.
2 ـ منهج ذكرى الشيعة :
كتاب ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة للشهيد الأوّل محمّد بن جمال الدين العاملي (ت 786 هـ) في أربعة مجلّدات ، هو كتاب فقهيٌّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المجادلة 58 : 21.
(2) إيضاح الفوائد 1 / 195 ـ 196.

استدلاليٌّ غير مبسوط ، خرج منه الطهارة والصّلاة فقط. وكان المصنّف قد عزم على إتمامه ، لكن استشهاده رضوان الله عليه حال دون ذلك.
ومنهجه في ذلك إبراز الأدلّة القوية من الكتاب والروايات والإجماعات ، وكان أُسلوبه قويّاً وافياً بأقلِّ العبارات وأجزلها. وترتيب الكتاب على أربعة أقسام : العبادات ، والعقود ، والإيقاعات ، والأحكام.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذجَ من كتابه :
النموذج الأوّل : في غسل مسِّ الميِّت : وجسد الميِّت ينجس بعد برده باعتبار أنّ الحرارة علامة من علامات الحياة ، فلابدّ من الغسل إذا مُسّ الميِّت. ولكن الاختلاف هو : هل أنّ الحرارة والبرودة متلازمان بصورة قطعية مع الحياة والموت؟ وإذا لم يكن كذلك فكيف نفسِّر تلازم البرودة مع النجاسة؟ يقول المصنّف :
«تفريع : لو مسّه قبل برده فلا غسل لما مرّ ، وهل يجب غَسل ما مسّه؟ الأقرب المنع لعدم القطع بنجاسته حينئذ ، وأصالة البراءة ، ولأنّ نجاسته ووجوب الغسل متلازمان ، إذ الغسل لمسّ النجس ، وإن قلنا : إنّ وجوبه تعبّد محض فبطريق الأولى سقوط غسل اليد ، ويلوح ذلك من كلام ابن أبي عقيل رحمه الله ، إلاّ أنّه مخالف للجماعة ، ولدعوى الشّيخ الإجماع عليه.
والفاضل أوجب غسل يده بمسّه قبل البرد محتجّاً بأنّ الميّت نجس ، وجوابه : إنّما يقطع بالموت بعد البرد.
ولو مسّ ما تمّ غسله منه فالأقرب سقوط الغسل للحكم بطهارته ، ولو

غلّبنا النجاسة الحكمية وقلنا : إنّ زوالها عن جزء مشروط بزوالها عن آخر أمكن الوجوب ، ولأنّه يصدق عليه أنّه ميّت لم يغسّل ، أمّا على القول بالنجاسة العينية ـ كما هو ظاهر الأصحاب ـ فلا إشكال في عدم الوجوب.
ولا فرق بين مسّ المسلم والكافر لشمول اللفظ. ولا دخل لقيد الغسل هنا في إجراء الكافر مجرى البهيمة لأنّه قيد لعدم وجوب الغسل لو مسّ بعده ، ولايلزم منه كون صحّته شرطاً لوجوب الغسل بمسّه قبله لأصالة عدم الاشتراط. نعم لا فرق في مسّ الكافر بين مسّه قبل الغسل أو بعده ، لأنّ غسله لم يفده طهارةً»(1).
ونستنتج من ذلك ترتيب الأفكار التالية :
1 ـ إنّ الميّت قبل أن يبرد كالحيِّ ولا يجب الغسل بمسِّه إلى أن يبرد جسده ، فإذا برد أصبح نجساً فلابدّ من الغسل بعد المسِّ ، فالموت والنجاسة متلازمان ، كما أنّ النجاسة والغسل متلازمان.
2 ـ إنّه يلوح من كلام ابن أبي عقيل سقوط غسل اليد عند مسِّه قبل البرد.
3 ـ أوجب الفاضل غسل يده بمسّه قبل أن يبرد ، وذلك لاعتقاده بأنّ الميِّت نجس بارداً كان جسده أو حارّاً.
4 ـ الردّ على الفاضل بأنّ النجاسة متلازمة مع القطع بالموت ، والعلامة على ذلك هو برودة الجسد.
5 ـ إنّ المغسول من جسد الميِّت يُحكم بطهارته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكرى الشيعة 2 / 99 ـ 100.

6 ـ شمول لفظ النجاسة بعد البرد للكافر والمسلم معاً.
النموذج الثاني : البكاء على الميِّت : ولاشكّ أنّ البكاء على الميِّت حالة طبيعية مستندة على المشاعر الإنسانية بفقد العزيز ، ولا يكره البكاء ذاته إنّما يكره رفع الصوت بالعويل. قال المصنّف :
«البكاء جائز إجماعاً قبل خروج الروح وبعده لما روي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قبَّلَ عثمان بن مظعون وهو ميّت ورفع رأسه وعيناه تهرقان ...»(1). ثمّ أورد تسع روايات لم يذكر سندها ، ثمّ قال :
«ولا يكره عندنا البكاء بعد الموت ، وقول النبيّ (صلى الله عليه وآله) : (فإذا وجبت فلا تبكينّ باكية) يُحمل على رفع الصوت بالبكاء ؛ لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لمّا بكى وقال عبدالرحمن : أو لم تكن نهيت عن البكاء؟! قال : (لا ، ولكن نهيت عن صوتين فاجرين : صوت عند مصيبة خمش وجوه وشقِّ جيوب ورنّة شيطان). وفي صحيح مسلم : إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) زار قبر أمِّه فبكى وأبكى من حوله»(2).
وتلحظ من عرض تلك النماذج أنّ المصنّف استخدم الاستدلال الشرعي في الوصول إلى الفتوى عبر نقل آراء الفقهاء المتقدّمين ومناقشتها والرجوع إلى الدليل الأقوى ، ولاشكّ أنّ ترتيب الأفكار في مورد البحث يعدُّ من أعظم مناهج الفقهاء في الوصول إلى الدليل العلمي.
منهج المصنّف :
أوّلاً : الشهرة الفتوائية : الأخذ بالشهرة الفتوائية أو الروائية حسبما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكرى الشيعة 2 / 47.
(2) ذكرى الشيعة 2 / 49.

يقتضيه الدليل منهج أخذ به الفقهاء المتقدّمون ، فقد آمن المصنّف بصحّة فتاوى الأصحاب خصوصاً في الأخبار العلاجية ، وقد برّر ذلك في مقدّمة ذكرى الشيعة بقوله :
«... ولقوّة الظّنِّ في جانب الشهرة سواء كان اشتهاراً في الرواية ـ بأن يكثرتدوينها أو رووها بلفظ واحد او ألفاظ متغايرة ـ أو الفتوى فلو تعارضا فالترجيح للفتوى إذا علم اطلاعهم على الرواية ، لأنّ عدولهم عنها ليس إلاّ لوجود أقوى. وكذا لو عارض الشهرة المستندة إلى حديث ضعيف حديث قوي فالظّاهر ترجيح الشهرة ، لأنّ نسبة القول إلى الإمام قد تُعلم وإن ضعف طريقه ...»(1).
ونلحظ في منهجية الشّهيد الأوّل ميلاً قويّاً نحو الأخذ بالشهرة الفتوائية أحياناً ، وبالروائية أحياناً أُخرى ، وبالجمع بينهما في مواطن ثالثة.
أ ـ ففي حقل الشهرة الفتوائية يقول في صلاة الجمعة : «ليس من شرط الجمعة المصر على الأظهر في الفتاوى ...»(2).
ب ـ وفي حقل الشهرة الروائية عندما يعقّب على الخبر الذي يقول بعدم نجاسة الماء القليل إلاّ بالتغيّر يقول : «إنّه معارض بأشهر منه ....»(3).
ج ـ وفي حقل الجمع بينهما في قوله تعقيباً على عدم وجوب التسليم في صلاة الجنائز مقابل الروايات المضادّة : «إنّها ضعيفة الإسناد مخالفة للمشهور محمولة على التقية»(4).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكرى الشيعة 1 / 52.
(2) ذكرى الشيعة 4 / 154.
(3) ذكرى الشيعة 1 / 82.
(4) ذكرى الشيعة 1 / 444.

ثانياً : التعليل العقلي : استخدم المصنِّف جوانب في التعليل العقلي في تشخيص الحكم الشرعي أو في تعزيز استنباط الحكم ، ومن ذلك :
أ ـ فقد علّل النهي عن استخدام الأواني المصنوعة من الذهب والفضّة في الوضوء بقوله : «لما فيه السّرف وتعطيل الإنفاق ... لعظم خيلائه وكسرقلوب الفقراء»(1).
ب ـ وعلّل سببية مطهّرية الماء المطلق بالقول : «واختصاصه بإزالة الحدث والخبث من بين المائعات إمّا تعبّداً ـ أيّ لا لعلّة معقولة فيجب الاقتصارعليه ـ أو لاختصاصه بمزيد رقّة وطيب وسرعة اتصال وانفصال بخلاف غيره فإنّه لاينفكّ من أضدادها ، حتّى أنّ ماء الورد لايخلو من لزوجة ، وأجزاء منه تطهر عند طول لبثه ما دام كذلك»(2).
ج ـ وعلى افتراض عدم وجود الكافور والسدر في تغسيل الميِّت أو كفايته لغسلتين أو واحدة يجزم المصنِّف قائلا : «لو عدمَ الخليط فظاهر كلام الشّيخ الإجزاء بالمرة ، وابن إدريس اعتبر ثلاثاً ، والأوّل أوجه .... ولأنّ المراد بالسدر الاستعانة على النظافة وبالكافور تطييب الميّت وحفظه من تسارع التغيير وتعرّض الهوامّ ، فكأنّهما شرط في الماء»(3).
3 ـ منهج كتاب المكاسب :
يعتبر كتاب المكاسب للشيخ مرتضى الأنصاري (ت1281 هـ) في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكرى الشيعة 1 / 146.
(2) ذكرى الشيعة 1 / 71.
(3) ذكرى الشيعة 1 / 345.

ستّة مجلّدات بالطبعة الحديثة(1) من أهمِّ الكتب الفقهية الاستدلالية لاشتماله على مطالب المعاملات في الفقه وهي التجارة التي يبتني عليها النظام الاقتصادي والمعيشي في المجتمع الإسلامي.
والتكسّب باعتبار الحكم ينقسم إلى أربعة أقسام : الحرام ، والمكروه ، والمستحبّ ، والمباح.
والكتاب يشمل المكاسب المحرّمة كحرمة بيع الأعيان النجسة كالعذرة النجسة والخمر والرشوة والغشّ والغيبة ونحوها ، ويشمل المكاسب غير المحرّمة أيضاً كالبيع والمعاطاة وشروط العقد وأحكام المقبوض بالعقد الفاسد والخيارات ونحوها.
وصحّة التكسّب في الإسلام تتوقّف على كونه مالاً عرفاً وعدم إلغاء الشارع جهة ماليته للفساد ، فالخمر يحرم التكسّب به مثلاً لما فيه من الفساد وارتكاب الفواحش.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من بحثه :
النموذج الأوّل : عقد الفضولي : لو أخذنا عقد الفضولي نموذجاً فإنّ المنهجية العلمية عند الشّيخ الأنصاري في الاستدلال يمكن ترتيبها ضمن النقاط التالية :
1 ـ المقدّمة : وتتناول عرض الكلّيّات الخاصّة بموضوع البحث ، والكلّيّة هنا هي مطلق عقد الفضولي لا خصوص بيعه ، والبحث في عقده لا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشّيخ الأنصاري ، قم 1415 هـ.

في إيقاعه ، لأنّ الإيقاع هنا باطل بالاتفاق. قال المصنّف : «إنّ من شرائط المتعاقدين أن يكونا مالكين أو مأذونين من المالك أو الشارع ، ولذلك لا يترتّب على عقد الفضولي ما يترتّب على عقد غيره من اللزوم»(1).
2 ـ التعريف لعناصر الموضوع : ومن ضمنها تعريف موضوع الحكم نقلاً عن الشّهيد الأوّل ، قال : «هو الكامل غير المالك للتصرّف ولو كان غاصباً ... ويشمل العقد الصادر عن الباكرة الرشيدة بدون إذن الولي ، ومن المالك إذا لم يملك التصرّف لتعلّق حقِّ الغير بالمال ...»(2).
3 ـ الاستدلال : تقسيم الموضوع تقسيماً منطقيّاً إلى ثلاثة أقسام ، وهي : بيع الفضولي للمالك مع عدم سبق المنع أو مع السّبق أو البيع لنفسه ؛ فيكون البحث في كلِّ قسم بحثاً مستقلاًّ. وعند بحث موضوع الإجازة قسّمها أيضاً إلى البحث في حكمها ثمّ في المجيز ثمّ في المجاز.
4 ـ المنهجية في الاستدلال : فقد أخضع النقاش إلى مراحل ، منها : العمومات ، ثمّ رواية عروة البارقي ، ثمّ رواية محمّد بن قيس ، ثمّ أولوية صحّة البيع من النكاح الذي ثبت صحّة الفضولية فيه ، ثمّ غير العمومات ، ثمّ أدلّة القائلين بالبطلان ومناقشتهم.
وعندما بحث في الإجازة ذكر أنّ حكم الإجازة هو الكشف والنقل ، فالأوّل هو المشهور. ثمّ ذكر استدلال جامع المقاصد عليه وأنّ العقد سبب تامٌّ وإنّما يُعلم تماميّته في الفضولي بعد العلم برضى المالك ، فالإجازة تكون كاشفة عن تمامية سببيّة العقد.
لكنّه لم يقبل بذلك بل ردّه بالقول بأنّ لازم صحّة عقد الفضولي قيام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب 1 / 19.
(2) المكاسب : 124 طبعة حجرية.

الإجازة مقام الرضى المقارن ، فيكون لها دخل في تمامية السبب.
ولم يقبل بفكرة شرط الإجازة القائل بأنّ الشرط هو لحوق الإجازة وصفة اللحوق مقارنة للعقد. ولم يتوقّف عند ذلك ، بل ناقش استدلال فخر الدين القائل بأنّ الإجازة لو لم تكن كاشفة لزم تأثير المعدوم في الموجود ، وكان رأي المصنِّف بأنّه كما أنّ الزّمان يكون ظرفاً للعقد لاقيداً له فكذلك الإجازة ، فكما إذا امضى الشارع العقد حصل النقل من زمانه فكذا إذا أمضى الإجازة حصل النقل من زمانها.
النموذج الثاني : التنجيم : يشرحه شرحاً استدلالياً مفصّلاً ويقول :
«التنجيم حرام ، وهو ـ كما في جامع المقاصد ـ الإخبار عن أحكام النجوم باعتبار الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية. وتوضيح المطلب يتوقّف على الكلام في مقامات :
الأوّل : الظاهر أنّه لا يحرم الإخبار عن الأوضاع الفلكية المبتنية على سيرالكواكب ـ كالخسوف الناشي عن حيلولة الأرض بين النيّرين ، والكسوف الناشي عن حيلولة القمر أو غيره ـ بل يجوز الإخبار بذلك إمّا جزماًإذا استند إلى ما يعتقده برهاناً ، أو ظنّاً إذا استند إلى الأمارات ...
الثاني : يجوز الإخبار بحدوث الأحكام عند الاتّصالات والحركات المذكورة ـ بأن يحكم بوجود كذا في المستقبل عند الوضع المعيّن من القرب والبعد والمقابلة والاقتران بين الكوكبين ـ إذا كان على وجه الظّنِّ المستند إلى تجربة محصّلة أو منقولة في وقوع تلك الحادثة بإرادة الله عند الوضع الخاصِّ من دون اعتقاد ربط بينهما أصلاً ...
الثالث : الإخبار عن الحادثات والحكم بها مستنداً إلى تأثير الاتّصالات المذكورة فيها بالاستقلال أو بالمدخلية ، وهو المصطلح عليه بالتنجيم.

فظاهر الفتاوى والنصوص حرمته مؤكّدة ، فقد أرسل المحقّق في المعتبر عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه (من صدّق منجّماً أو كاهناً فقد كفر بما اُنزل على محمّد (صلى الله عليه وآله)) ، وهو يدلّ على حرمة حكم المنجّم بأبلغ وجه ...»(1).
ميزة منهج المكاسب :
أهمّ ما ميّز منهجية الشّيخ الأنصاري هو استيعابه للمسائل المبحوثة وبيان أقوال الفقهاء فيها وردّها أو تأييدها ، واستعراض الأدلّة الشرعية والعقلية ، والإشارة إلى نماذج تطبيقية للقواعد والأحكام ، وعدم الغفلة عن التنبيهات التي تتّحد مع الحكم ولكنّها تغاير الأصل.
وجانب آخر من منهجية المصنّف هو ابتكاره لقواعد فقهية ، مثل التركيزعلى (أصالة اللزوم) في العقود ، فبحثها في بيع المعاطاة وخيارات البيع ، واستدلَّ عليها بآية (أَوْفُوا بِالْعُقُوْدِ)(1) وآية (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(2) وآية (إلاّ أَنْ تَكُوْنَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِّنْكُم)(3) وآية (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)(4) ، وحديث : (لا يحلّ مال امرى مسلم إلاّ بطيب نفسه) وحديث : (الناس مسلّطون على أموالهم) وحديث : (المؤمنون عند شروطهم) وحديث : (البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع) ، وذلك المنهج عمّق البحوث الفقهية النظرية وربط بين النظرية والمصداق على أتمِّ وجه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب 1 / 201 ـ 205.
(2) سورة المائدة 5 : 1.
(3) سورة البقرة 2 : 275.
(4) سورة النساء 4 : 29.
(5) سورة البقرة 2 : 188.

2 ـ منهج المختصرات :
مقدّمة :
أوّل من استخدم منهج الاختصار في الكتب الفقهية هو عليّ بن الحسين بن بابويه (ت329 هـ) مصنّف كتاب الشرائع حيث حذف الأسانيد وأتى بالمتون على ترتيب الكتب الفقهية ، ثمّ قام ابنه الصدوق (ت381 هـ) فصنّف المقنع والهداية على نفس الغرار ، ثمّ قام الشّيخ المفيد (ت413 هـ) فصنّف المقنعة ، وتبعه الشّيخ الطّوسي (ت460 هـ) فصنّف النهاية ، وقام ابن البرّاج (ت481 هـ) بتصنيف جواهر الفقه. ولمّا كان منهج المختصرات يتقاطع مع منهج الفقه الفتوائي فقد عرضنا بعض المختصرات ضمن منهج الفقه الفتوائي.
طبيعة منهج المختصرات :
منهج المختصرات يعرض الأحكام الشرعية مجرّدة عن الاستدلال المفصّل ، والهدف منها إيصال المخاطَب إلى الحكم الشرعي بطريق مختصر. وقد يستخدم المصنِّف جوانب في التعليل العقلي في تشخيص الحكم ، وقد يأخذ بالشهرة الفتوائية أو الروائية ، وقد يستعرض فتاوى الفقهاء تأييداً لما وصل إليه من رأي. وبالإجمال : فإنّ الفقيه يحاول إعطاء الرأي المقتضب على الرغم من سعة أطراف المسألة الفقهية وتشعّبها.
كتب المختصرات الفقهية :
1 ـ النهاية للشيخ الطّوسي (ت 460).
2 ـ شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي (ت 676 هـ).

3 ـ الدروس الشرعية للشهيد الأوّل (ت 786 هـ).
4 ـ المراسم العلوية للشيخ أبي يعلى الديلمي (ت 448 هـ).
5 ـ الجُمل والعقود للشيخ الطّوسي (ت 460 هـ).
6 ـ غُنية النزوع للسيّد ابن زهرة (ت 585 هـ).
1 ـ منهج كتاب النهاية :
كتاب النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى للشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطّوسي (ت 460 هـ) ، في مجلّد واحد ، كتاب فتوائي كامل من الطهارة وحتّى الدّيات ، لخّص فيه الشّيخ الطّوسي جميع أحكام الفقه في الشريعة الإسلامية. والظاهر أنّ الشّيخ الطّوسي وضع فتاواه الأخيرة في هذا الكتاب ، ولو قارنّا بين كتاب النهاية وبين كتابي المبسوط والجمل والعقود لرأيناأنّ رأي المصنّف ربّما تبدّل في مسائل معيّنة ، وهذه مسألة طبيعية ، لأنّ الفقيه يبحث عن مظنّة الدليل فإن وجدها اهتدى إلى الحكم الشرعي.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من كتاب النهاية :
النموذج الأوّل : في كتاب الصّلاة ـ باب ما يجوز الصّلاة فيه من الثياب ... قال المصنّف :
«لا تجوز الصّلاةُ في ثوب قد أصابته نجاسةٌ مع العلم بذلك أو غلبة الظّنّ ، فمن صلّى فيه والحال ما وصفناه وجبت عليه الإعادة ، فإن علم أنّ فيه نجاسةً وهو بعدُ في الصّلاة لم يفرغْ منها طرح الثوب الذي فيه النجاسة وتمّم الصلاةَ فيما بقي عليه من الثياب ، فإن لم يكن عليه إلاّ ثوبٌ واحد

رجع فغسل الثوب واستأنف الصّلاة. ولا يجوزُ الصلاةُ في جلودِ الميتةِ كلّها ولاتطهرُ بالدِّباغ سواء كان ممّا تقعُ عليه الذكاةُ أو ممّا لا تقع ، ولا يجوزُ الصّلاةُ في جلدِ ووبرِ ما لا يؤكلُ لحمه مثلُ الكلبِ والخنزير والثعلب والأرنب وما أشبهها سواءٌ كانت مذكاةً أو مدبوغةً أو لم تكن كذلك ، فمن صلّى فيه وجب عليه إعادةُ الصّلاة»(1).
النموذج الثاني : في باب الصّلاة في السفر : قال المصنّف : «التقصيرُ واجبٌ في السفر إذا كانت المسافة ثمانية فراسخ ، فإن كانت المسافة أربعة فراسخ وأراد الرجوع من يومه وجب أيضاً التقصير ، فإن لم يُردِ الرجوعَ فهو بالخيار في التقصير والإتمام»(2).
الاستنتاج :
ويمكن تلخيص منهج الشّيخ الطّوسي في النهاية بالنقاط التالية :
1 ـ إنّ أُسلوب الكتاب أُسلوب فتوائي ، أي إنّ ديباجة المصنّف هي : (يجوز أو لا يجوز) أو (إفعل أو لا تفعل).
2 ـ تعدّد المواضيع لنفس المسألة الفقهية ، فالمحور في المسألة الأولى المذكورة هنا هو الثوب النجس هل تجوز الصّلاة فيه ولكن مواضيع المسألة ثلاثة ، وفي كلِّ مرّة يتبدّل الحكم بتبدّل الموضوع ، والمواضيع هي :
أ ـ العلم بنجاسة الثوب قبل الصّلاة ، فلا تجوز الصّلاة فيه وتجب الإعادة.
ب ـ العلم بالنجاسة وهو لا يزال في الصّلاة ، فعليه طرح الثوب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النهاية : 96.
(2) النهاية : 122.

ويتيمّم للصّلاة فيما بقي عليه من الثياب.
ج ـ ليست لديه ثياب إلاّ ذلك الثوب ، غسله واستأنف الصّلاة.
3 ـ ونفس منهج التعدّد ينطبق على موضوع عدم جواز الصّلاة في جلودالميتة والتقصير في السفر.
4 ـ إنّ هذا الأُسلوب المتميّز يؤسّس لجسر قويٍّ بين المباني العلمية للفقيه والمباني العملية للمكلّف ، حيث يوصله إلى مبتغاه بأيسر الطرق اللفظية.
2 ـ منهج شرائع الإسلام :
كتاب شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام للشيخ أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن المشهور بالمحقّق الحلّي (ت 676 هـ) في أربعة مجلّدات ، وهو «من أحسن المتون الفقهية ترتيباً وأجمعها للفروع ، وقد ولع به الأصحاب من لدن عصر مؤلّفه إلى الآن ، ولا يزال من الكتب الدراسية في عواصم العلم الشيعية ، وقد اعتمد عليه الفقهاء خلال هذه القرون العديدة ، فجعلوا أبحاثهم وتدريساتهم فيه وشروحهم وحواشيهم عليه»(1).
وللفقهاء عليه شروح وحواشي ذكرها صاحب الذريعة قدس‌سره ، منها : أساس الأحكام ، وتقرير المرام ، وجامع الجوامع ، وجواهر الكلام ، ودلائل الأحكام ، وغاية المرام ، وكشف الإبهام ، وكشف الأسرار ، ومدارك الأفهام ، ومسالك الأفهام ، ومصباح الفقيه ، ومواهب الأفهام ، ومناهج الأحكام وغيرها من الشروح. والكتاب مبوّب إلى أربعة أقسام : العبادات والعقود والإيقاعات والأحكام ، وهو دورة فقهية كاملة مختصرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الذريعة 13 / 47 ـ 48.

نماذج من منهجه :
وفيما يلي مقاطع من كتاب شرائع الإسلام :
النموذج الأوّل : الطهارة : ذكر المصنّف أنّها : «اسم للوضوء أو الغسل أوالتيمّم على وجه له تأثير في استباحة الصّلاة ، وكلّ واحد منها ينقسم إلى واجب ومندوب ، فالواجب من الوضوء : ما كان لصلاة واجبة ، أو لطواف واجب ، أو لمسّ كتابة القرآن إن وجب. والمندوب ما عداه.
والواجب من الغسل : ما كان لأحد الأمور الثلاثة ، أو لدخول المساجد أولقراءة العزائم إن وجبا ، وقد يجب إذا بقي لطلوع الفجر من يوم يجب صومه بقدر ما يغتسل الجنب ، ولصوم المستحاضة إذا غمس دمها القطنة. والمندوب ما عداه
والواجب من التيمّم : ما كان لصلاة واجبة عند تضييق وقتها ، وللجنب في أحد المسجدين ليخرج به. والمندوب ما عداه.
وقد تجب الطهارة بنذر وشبهه»(1).
النموذج الثاني : الوصية : قال : «وهي تمليك عين أو منفعة بعد الوفاة ، ويفتقر إلى إيجاب وقبول ، والإيجاب كلّ لفظ دلّ على ذلك القصد ، كقوله : أعطوا فلاناً بعد وفاتي ، أو لفلان كذا بعد وفاتي ، أو أوصيت له.
وينتقل بها الملك إلى الموصَى له بموت الموصي وقبول الموصَى له ، ولاينتقل بالموت منفرداً عن القبول على الأظهر.
ولو قَبِلَ قبل الوفاة جاز ، وبعد الوفاة آكد وإن تأخّر القبول عن الوفاة ، مالم يردّ ، فإن ردَّ في حياة الموصي جاز أن يقبل بعد وفاته إذ لا حكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرائع الإسلام 1 / 11.

لذلك الردّ ، وإن ردّ بعد الموت وقبل القبول بطلت ، وكذا لو ردّ بعد القبض وقبل القبول ...»(1).
الاستنتاج :
نستنتج ممّا سبق أنّ للمصنِّف طريقة علمية في معالجة المسائل الفقهية ، ولتوضيح ذلك ندرج النقاط التالية :
1 ـ إنّ طريقة شرائع الإسلام في الكتابة الدقيقة المختصرة تشجّع بقية الفقهاء على شرح الكتاب ، فالكتاب متن فقهيٌّ مختصر ، لكنّه دقيق المنهج متعدّد الفروع في المسألة الواحدة. لاحظ هنا أنّ المصنِّف قسّم الطهارة بعد تعريفها إلى ثلاثة أقسام : وضوء وغسل وتيمّم ، وقسّم الوضوء إلى قسمين : واجب ومندوب ، وقسّم الواجب إلى ثلاثة أقسام : ما كان لصلاة واجبة أو لطواف واجب أو لمسِّ كتابة القرآن. وهكذا يستمرّ بنفس المنهجية مع بقية أقسام الطهارة ، وفي الوصية أيضاً.
2 ـ إنّ تلك المنهجية العلمية تعطيك الصورة بالخطوط السوداء ـ إذا صحّ التعبير ـ وما عليك إلاّ إضافة الألوان حتّى ترتسم الصورة الحقيقية ظاهراً ، هكذا أحسّ الفقهاء ممّن شرحوا شرائع الإسلام في مصنّفاتهم كـجواهر الكلام ومدارك الأحكام ومسالك الأفهام ، وجميع تلك المصنّفات حاولت النهوض إلى المستوى العلمي الراقي لشرائع الإسلام.
3 ـ منهج الدروس الشرعية :
ويعدُّ كتاب الدروس الشرعية في فقه الإمامية للشهيد الأوّل محمّد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرائع الإسلام 2 / 243.

ابن مكّي (ت786 هـ) من كتب المختصرات في ثلاثة مجلّدات ، وهو وإن كان متأخّراً عن نتاجات فقهاء القرن الخامس الهجري إلاّ أنّ منهجه في الاختصار لم يختلف كثيراً عن منهجهم ، وكان يعرض المواضيع الفقهية على شكل دروس. والكتاب هو كتاب فقهي لم يشمل جميع أبواب الفقه ، بل اشتمل على أبواب الطهارة ولحدِّ الرهن. ثمّ أضاف السيّد جعفر الملحوس إضافةً أسماها بـ تكملة الدروس ، حيث أكملت الكتاب فقهيّاً. وكتاب الدروس الشرعية مختصر لكتاب أكبر هو ذكرى الشيعة ، وقد تناولنا كتاب ذكرى الشيعة بالعرض والتحليل آنفاً.
نماذج من منهجه :
ويمكن تشخيص منهج الشّهيد الأوّل الاختصاري في الموارد التالية :
أوّلاً : طغى على الكتاب الطابع الفتوائي ، حيث عرض المصنِّف فتاواه ـ على الأغلب مجرّدةً عن الاستدلالات التي اعتمد عليها في استنباطه ، ففي وجوب الزكاة مثلاً قال :
«درسٌ : يشترط في وجوبها الملك ، فلا زكاة على العبد وإن قلنا بملكه لعدم التمكّن من التصرّف ، ولو صرفه مولاه فهو تصرّف متزلزل ، ولو تحرّر بعضه وجبت في نصيب الحرّية»(1).
وتلك العبارات الدقيقة المختصرة تجمع سبعة أفكار في تملّك المال وزكاته وقدرة التصرّف به والحرّية والعبودية وفكّ الرقاب وتزلزل الملك.
وفي إصدار الفتاوى نراه أكثر اختصاراً ودقّةً :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الدروس الشرعية 1 / 169. درس 60.

أ ـ ففي السجود يقول : «... والأقرب تعيين (سبحان ربّي الأعلى وبحمده) أو (سبحان الله) ثلاثاً ...»(1).
ب ـ وفي قراءة سورة الحمد يقول : «... ولا يسقط التخيير بنسيان القراءة في الأوّليين على الأصحّ ، وإسماع الإمام من خلفه ...»(2).
ج ـ وبعد إيجاب القراءة بالعربية للعربي ذكر الأعجمي فقال : «... ولو أحسن الذكر بالعجمية فالأقرب وجوبه ، وفي ترجيحه على القراءة بالعجمية نظر ...»(3).
ثانياً : استعرض المصنّف فتاوى بقية الفقهاء خلال عرضه لفتواه ، فقال في الصّلاة على الميّت :
«وتجب الصّلاة على كلِّ مسلم ومن بحكمه ممّن بلغ ستّ سنين ... ومنع المفيد والتقي من الصّلاة على المخالف بجبر أو تشبيه أو اعتزال أو إنكارإمام إلاّ لتقية ، وأوجب ابن الجنيد الصّلاة على المستهلّ ، ومنع الحسن من وجوب الصّلاة على غير البالغ ، وهما متروكان. ولا صلاة على الغائب»(4).
وقال في مكان المصلّي : «وتحرم في المكان المغصوب ولو كان صحراء ، خلافاً للمرتضى والعلاّمة أبي الفتح الكراجكي رحمهما الله تعالى ...»(5).
وقال في أحكام الأذان والإقامة : «ولو لم يوجد متطوّع [يؤدّي الأذان]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الدروس الشرعية 1 / 115. درس 43.
(2) الدروس الشرعية 1 / 110. درس 41.
(3) الدروس الشرعية 1 / 106. درس 40.
(4) الدروس الشرعية 1 / 34. درس 13.
(5) الدروس الشرعية 1 / 83 ، درس 31.

جاز الرزق من بيت المال أو من الإمام أو من الرعية ، وتحرم الأُجرة ، وكرهها المرتضى»(1).
وبالإجمال : فقد التزم المصنّف بالمنهج الموضوعي في عرض آراء بقية الفقهاء ، موضحاً موقفه في مخالفتهم أو موافقتهم.
ثالثاً : الإشارة إلى النصّ بصورة مجرّدة عن الاستدلال ، وتلك الطريقة تنمّ عن منهج المصنّف في إيصال المخاطَب إلى الحكم مباشرة. ولاشكّ أنّ تصميم هذا الكتاب لايسمح بالاستدلال التفصيلي المعمّق ، فقد ذكر في عرضه لغسل الميّت عند عدم وجود المماثل رواية المفضّل بن عمر عن الصادق عليه‌السلام : (يغسل بطن كفّيها ثمّ يغسل وجهها ثمّ ظهر كفّيها(2)) فلو قلنا به هنا أمكن انسحابه في الرجل ، فتغسل النساء الأجانب منه تلك الأعضاء»(3).
وفي الصّلاة على الميِّت قال : «ولو حضرت جنازة في الأثناء ففي رواية عليّ بن جعفر عن أخيه عليه‌السلام : (إن شاؤوا تركوا الأولى حتّى يفرغوا من التكبير على الأخيرة ، وإن شاؤوا رفعوا الأُولى وأتمّوا التكبير على الأخيرة)(4). وعلى هذه الرواية تُجمع الدعوات بالنسبة إلى الجنازتين فصاعداً»(5).
وفي زكاة التجارة يقول : «... وروى شعيب عن الصادق عليه‌السلام : (كلّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الدروس الشرعية 1 / 97 ، درس 36.
(2) الكافي 3 / 159 ، حديث 13.
(3) الدروس الشرعية 1 / 25 ، درس 10.
(4) الكافي 3 / 190 ، حديث 1.
(5) الدروس الشرعية 1 / 38 ، درس 14.

شيءجرَّ عليك المال فزكّه ، وما ورثته أو اتّهبته فاستقبل به)(1) ، وروى عبد الحميد عنه عليه‌السلام : (إذا ملك مالاً آخر في أثناء حول الأوّل زكّاهما عند حول الأوّل)(2) ، وفيهما دلالة على أنّ حول الأصل يستتبع الزائد في التجارة وغيرها ، إلاّ السّخال ففي رواية زرارة عنه عليه‌السلام : (حتّى يحول عليها الحول من يوم تنتج)(3)»(4).
4 ـ منهج المراسم العلوية :
كتاب المراسم العلوية في الأحكام النبوية للشّيخ أبي يعلى حمزة بن عبدالعزيز الديلمي (ت 448 هـ) ، يضمّ بين دفّتيه دورة فقهية كاملة مختصرة من الطهارة حتّى الحدود. ومنهجه هو إبراز الأحكام الشرعية المستفادة من الآيات الكريمة والروايات المسندة دون التطرّق إلى ذكر الدليل إطلاقاً.
نماذج من منهجه :
مثلاً في باب (ذكر بيع ماء الشرب) قال :
«بيع الشرب جائز ، وكُلّ المياه. ولا يجوز لأحد المنع من ذلك ، سواء بيع ما هو ملك له في الأصل أو ما أخذه من ماء مباح ، ومَن حفر نهراً في أرض موات فأحياها بمائه فله بيع فاضله ...»(5).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 3 / 527 ، حديث 1.
(2) الكافي 3 / 527 ، حديث 2.
(3) الكافي 3 / 533 ، حديث 3.
(4) الدروس الشرعية 1 / 180 ، درس 63.
(5) المراسم العلوية : 181.

وفي باب (ذكر أحكام الهبة) قال :
«الهبة على ضربين : هبة لذوي الرحم ، وهبة للأجنبي. وهبة ذوي الأرحام على ضربين : مقبوضة وغير مقبوضة ، فالمقبوضة لا يجوز الرجوع فيها ، وهي على ضربين : مقبوض بيد الموهوب له ومقبوض بيد وليِّه إذا كان صغيراً ، وكلاهما لا يجوز الرجوع فيه. وغير المقبوض يجوز الرجوع فيه.
والهبة للأجنبي على ضربين : هبة ما يستهلك وهبة غيره ، فما كان ممّا يستهلك كالمواكيل فلا رجوع فيه ، وما لم يكن من ذلك فعلى ضربين : معوّض عنه وغير معوّض عنه ، فما عوّض عنه لا يجوز الرجوع فيه ، وما لم يعوّض عنه فله الرجوع وإن كان مكروهاً»(1).
وهذا المنهج يعطي المخاطَب صفة الإلزام الشرعي التكليفي من حرمة أو كراهية أو وجوب أو استحباب أو إباحة ، خصوصاً إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أنّ الفقهاء في القرن الخامس الهجري كانوا يتحدّثون بابتلاءات زمانهم ، فالحديث عن بيع الماء في كتب الفقه يعكس قضية اجتماعية كان يعيشها ذلك الزمان من حيث قلّة الموارد المائية وصعوبة نقلها إن وجدت ، فلذلك كانت المشكلة : هل يجوز بيع الماء أو لا يجوز؟ والأصل في المسألة هوليس أجرة الماء ذاتها إنّما هي أجرة نقله أو استخراجه. وكذلك الأمر في الهبة ، فلمّا إزدادت الخيرات أصبحت أحكام الهبة مورد ابتلاء الناس من حيث التصرّف بها ، أو إن كانت لذي رحم أو أجنبي ؛ ولذلك كان كتاب المراسم العلوية مرآةً لوضع ذلك الزمان ومشكلاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المراسم العلوية : 202.

5 ـ منهج الجُمل والعقود :
كتاب الجُمل والعقود في العبادات للشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطّوسي (ت 460 هـ) في مجلّد واحد ضمن رسائل الشّيخ الطّوسي ، هو كتاب فقهي مختصر من الطهارة وحتّى الحجّ ، ضمَّ المصنِّف إليه كتاب الجهادوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومنهجه عرض الأحكام الشرعية في العبادات على صيغة الأوامر والنواهي في الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة بدون ذكر الاستدلال. مثلاً ذكر ما يلي : «فصلٌ في ذكر السعي وأحكامه ومقدّماته : للسعي مقدّمات مندوب إليها ، وهي أربعة أشياء :
1 ـ استلامُ الحجر إذا أراد الخروج إلى السعي.
2 ـ وإتيانُ زمزم والشرب منه والصبُّ على البدن.
3 ـ ويكون ذلك من الدلو المقابل للحَجر.
4 ـ ويكون الخروج من الباب المقابل للحَجر.
فإذا أراد السعي يجب عليه أفعال ويستحبُّ له أفعال.
فالواجبات ثلاثة :
1 ـ أن يسعى سبع مرّات بينهما. 2 ـ وأن يبدأ بالصفا. 3 ـ ويختم بالمروة.
والمسنونات خمسة :
1 ـ الإسراع في موضع السعي راكباً كان أو ماشياً للرجال ، والمشي أفضل من الركوب. 2 ـ والدعاء عند الصفا. 3 ـ والدعاء عند المروة.

4 ـ والدعاء فيما بينهما. 5 ـ وأن يكون على طهر»(1).
ولم أجد كتاباً فقهيّاً أكثر اختصاراً من كتاب الجمل والعقود للشّيخ الطّوسي ، فهو يبوّب الموضوعات ويرتّب الأحكام الشرعية بالأرقام ولا يفوّت منها واجباً أو مستحبّاً ، والفارق أنّ الشّيخ الطّوسي كتب الكتاب في زمن كانت الحياة فيه رتيبة لا تستدعي السرعة أو العجلة.
6 ـ منهج كتاب غُنية النزوع :
كتاب غُنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع للسيِّد حمزة بن عليّ ابن زهرة الحلبي (ت 585 هـ) في مجلّدين ، كتاب له منهج خاصّ ، فهو مؤلَّف من جزئين : الأوّل : (الأصول) في علم الكلام وأصول الفقه ، والثاني : (الفروع) في علم الفقه ، وهو ما يهمّنا في هذا البحث.
والجزء الفقهي هو دورة فقهية مختصرة كاملة ، يستدلّ فيها بالكتاب والسنّة النبوية وأحاديث أهل البيت عليهم‌السلام والإجماع ، ويعتمد المصنّف على الإجماع ، وملاك حجّية الإجماع عند الإمامية هو اشتماله على قول المعصوم عليه‌السلام.
نماذج من منهجه :
ونذكر فيما يلي نموذجين من كتابه :
النموذج الأوّل : في الوكالة ، قال المصنّف :
«لا تصحّ الوكالة إلاّ فيما يصحّ دخول النيابة فيه مع حصول الإيجاب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجُمل والعقود : 231 ـ 232.

والقبول ممّن يملك عقدها بالإذن فيه أو بصحّة التصرّف منه فيما هي وكالة عليه بنفسه ، فلا تصحّ الوكالة في أداء الصّلاة والصّوم عن المكلّف بأدائهما ، لأنّ ذلك ممّا لا يدخل النيابة فيه ، ولا يصحّ من محجور عليه أن يوكِّل فيما قد منع من التصرّف فيه ، ولا تصحّ الوكالة من العبد وإن كان مأذوناً له في التجارة ، لأنّ الإذن له في ذلك ليس بإذن في الوكالة ، وكذلك التوكيل لا يجوز له أن يوكّل فيما جعل له التصرّف فيه إلاّ بإذن موكّله. ولا يصحّ أن يتوكّل المسلم على تزويج المشركة من الكافر ، ولا أن يتوكّل الكافر على تزويج المسلمة من المسلم ، لأنّهما لا يملكان ذلك لأنفسهما ولا يجوز للمسلم أن يوكِّل الكافر ولا يتوكّل له على مسلم ، بدليل إجماع الطائفة ...»(1).
النموذج الثاني : في الوصية ، قال المصنّف :
«قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : الوصية حقٌّ على كلِّ مسلم. وقال : لا ينبغي لامرىءمسلم أن يبيت ليله إلاّ ووصيّته تحت رأسه. وقال : من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية.
والواجب منها البداية بالإقرار على جهة الجملة بما أوجب الله سبحانه عِلْمَه والعمل به ، ثمّ الوصية بالاستمساك بذلك وبتقوى الله ولزوم طاعته ومجانبة معاصيه ، ويعيّن من ذلك ما يجب من غسله وتكفينه ومواراته ، ثمّ الوصية بقضاء ما عليه من حقٍّ واجب دينيٍّ أو دنيويٍّ ، ويخرّج ذلك من أصل التركة إن أطلق ولم يقيّد بالثلث. فإن لم يكن عليه حقٌّ استحبّ له أن يوصي بجزء من ثلثه ، ويصرف في النذور والكفّارات ، وجزء في الحجِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غنية النزوع 2/268.

والزيارات ، وجزء يصرف إلى مستحقّي الخمس ، وجزء إلى مستحقّي الزكاة ، وجزء إلى من لا يرثه من ذوي أرحامه ...»(1).
الاستنتاج :
نستفيد ممّا سبق :
1 ـ إنّ كتاب غُنية النزوع رائدٌ في منهجه ، فربّما هو الكتاب الأوّل في المدرسة الإمامية الذي يجمع بين أصول الفقه وفروعه ، بالإضافة إلى مباحث كلامية في التوحيد وضعها في المقدّمة.
2 ـ إنّ أُسلوب الكتاب يتميّز بالوضوح والإنسجام بين الأفكار والتفريع بلا إفراط ولا تفريط ، ويبدأ بالحكم مباشرة دون مقدّمات.
3 ـ إنّ منهج الكتاب منهج فتوائي ، فهو يذكر الأحكام الشرعية مباشرة بماأوصله دليله الشرعي إليه.
3 ـ منهج الفقه المقارَن :
مقدّمة :
وهو المنهج الذي يعتمد على عرض الآراء الفقهية للمذاهب الإسلامية وترجيح الأصوب منها وفق الدليل العلمي ، ولاشكّ أنّ الفقيه يسلك طريق الاحتجاج بالأدلّة والاحتكام إلى المذهب الذي يتعبّد به. وهذا المنهج قد يساهم في تقريب شقّة الخلاف بين المذاهب ، وقد يوسّعها ، لأنّ مجرّد المقارنة بين الآراء الفقهية الاجتهادية قد لا يرفع النـزعة الطائفية ولا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غنية النزوع 2 / 305.

يدفعها.
ولابدّ أن نذكر نقطة مهمّة في هذا المقام ، وهي أنّ منهج الفقه المقارَن لدى فقهاء الشيعة كان ولا يزال يعبّر عن محاولة علمية لتقريب شقّة الخلاف بين المسلمين ومذاهبهم ولوناً من ألوان الدفاع عن فقه أهل البيت عليهم‌السلام عبر ترجيح الأدلّة العلمية التي يمتلكها الفقيه.
ولاشكّ أنّ منهج الفقه المقارَن أكثر تطوّراً من الفقه الآحادي الجانب الراجع إلى مذهب معيّن بذاته ، لأنّ الغاية من هذا المنهج المقارَن الفصل بين آراء المجتهدين من مختلف المذاهب وتقديم أقرب الاستدلالات إلى مرادالشارع ، ولاريب أنّ هذا الفصل والتمييز بين الآراء المختلفة لايصله الفقيه إلاّ بعد ارتقاء قدرة ذاتية على الوصول إلى منابع الأدلّة الشرعية والعقلية عند المذاهب المختلفة.
ومنهج المقارنة من المناهج الأصيلة التي استخدمها فقهاء الإمامية في نشاطهم الاستدلالي على طول التأريخ الفقهي للمذهب ، فقد ظهرت كتب الانتصار والناصريّات للسيِّد المرتضى (ت436 هـ) ، والخلاف للشيخ الطّوسي(ت460 هـ) ، والتذكرة ومنتهى المطلب للعلاّمة الحلّي (ت726 هـ).
طبيعة منهج الفقه المقارَن :
والفقه المقارَن أو علم الخلاف كما كانت تسمية الفقهاء المتقدّمين هوجمع الآراء الفقهية وتقييمها عبر التماس أدلّتها العملية ، وقد قام الفقهاء على مذهب أهل البيت عليهم‌السلام بتبيين الخلاف بصورة موضوعية فيها النزاهة والمصداقية ، بحيث كان الدليل هو المحور في العرض والنقاش ، والأصل في الاستدلال هو القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة عبر روايات صحيحة

عن أهل بيت النبوّة عليهم‌السلام ، وكانوا يعرضون مسائل الوفاق والخلاف دون أدنى قيد أو حرج.
كتب منهج الفقه المقارَن :
1 ـ الخلاف للشيخ الطّوسي (ت 460 هـ).
2 ـ الانتصار لما انفردت فيه الإمامية للسيِّد المرتضى (ت 436 هـ).
3 ـ الناصريّات للسيّد المرتضى (ت 436 هـ).
4 ـ تذكرة الفقهاء للعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ).
5 ـ منتهى المطلب للعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ).
6 ـ المعتبر في شرح المختصر للمحقّق الحلّي (ت 676 هـ).
1 ـ منهج كتاب الخلاف :
كتاب الخلاف للشيخ محمّد بن الحسن الطّوسي (ت 460 هـ) في ستّة مجلّدات ، كتاب استدلالي مقارَن ، أراد المصنِّف من تأليفه درج الخلاف في المسائل الفرعية بين الخاصّة والعامّة بنحو استدلالي جامع ، وبيان النظر الصائب والرأي الصحيح الموافق للكتاب والسنّة. قال المصنِّف في المقدّمة :
«سألتم أيّدكم الله إملاء مسائل الخلاف بيننا وبين من خالفنا من جميع الفقهاء من تقدّم منهم ومن تأخّر ، وذكر مذهب كلِّ مخالف على التعيين ، وبيان الصحيح منه وما ينبغي أن يعتقد ، وأن أقرن كلّ مسألة بدليل نحتجّ به على من خالفنا موجب للعلم من ظاهر قرآن أو سنّة مقطوع بها أو إجماع أو دليل خطاب أو استصحاب حال ـ على ما يذهب إليه كثير من أصحابنا ـ أو

دلالة أصل أو فحوى خطاب ، وأن أذكر خبراً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) الذي يلزم المخالف العمل به والانقياد له ، وأن أشفع ذلك بخبر من طريق الخاصّة المرويّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) والأئمّة عليهم‌السلام. وإن كانت المسألة مسألة إجماع من الفرقة المحقّة ذكرت ذلك ، وإن كان فيها خلاف بينهم أومأت إليه ، وأن أتعمّدفي ذلك الإيجاز والاختصار ، لأنّ ذلك يطول ...»(1).
ومنهجه العملي هو أن يذكر المسألة الفقهية بتعريف ، ثمّ بعرضِ أقوال أرباب المذاهب الأربعة ، ثمّ يذكر دليل فقهاء الإمامية ويصطلح عليه بـ(دليلنا).
نماذج من منهجه :
ومن أجل فهم المنهج الفكري للمصنِّف نقتطع الموارد التالية من كتاب الخلاف : معنى كلمة الطهور ، جواز الوضوء بماء البحر ، عدم إجتزاء الوضوء إلاّ بالماء المطلق.
النموذج الأوّل : معنى الطهور : «مسألة : في معنى الطهور عندنا : إنّ الطهورهو المطهّر المزيل للحدث والنجاسة ، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفةوالأصمّ : الطهور والطاهر بمعنى واحد.
دليلنا : هو أنّ هذه اللفظة وضعت للمبالغة ، والمبالغة لا تكون إلاّ فيما يتكرّر فيه الشيء الذي اشتقّ الإسم منه ، ألا ترى أنّهم يقولون : فلان (ضارب)إذا ضرب ضربة واحدة ، ولا يقال : (ضروب) إلاّ بعد أن يتكرّر منه الضرب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الخلاف 1 / 45.

وإذا كان كونه طاهراً ممّا لا يتكرّر ولا يتزايد فينبغي أن يكون كونه طهوراًلما يتزايد ، والذي يتصوّر التزايد فيه أن يكون مع كونه طاهراً مطهِّراً مزيلاً للحدث والنجاسة ، وهو الذي نريده.
وأيضاً وجدنا العرب تقول : ماء طهور وتراب طهور ولا تقول : ثوب طهور ولا خلّ طهور ، لأنّ التطهير غير موجود في شيء من ذلك ؛ فثبت أنّ الطهور هو المطهّر على ما قلناه»(1).
النموذج الثاني : ماء البحر : «مسألة : في ماء البحر : يجوز الوضوء بماء البحر مع وجود غيره من المياه ومع عدمه ، وبه قال جميع الفقهاء. وروي عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاصّ أنّهما قالا : التيمّم أحبّ إلينا منه. وقال سعيد بن المسيّب : يجوز التوضّؤ به مع عدم الماء ولا يجوز معوجوده.
دليلنا : قوله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوْرَاً)(2) ، وماء البحر يتناوله اسم الماء. وقال تعالى أيضاً : (فَلَمْ تَجِدُوْا مَاءً فَتَيَمَّمُوا)(3) ، فشرط في وجوب التيمّم عدم الماء ، ومن وجد ماء البحر فهو واجد للماء الذي يتناوله الطاهر ، وعلى المسألة إجماع الفرقة. وروي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه سئل عن التوضّؤ بماء البحر فقال : هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته. وروى عبد الله بن سنان وأبو بكر الحضرمي قالا : سألنا أبا عبد الله عليه‌السلام عن ماء البحر أطهور هو؟قال : نعم»(4).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الخلاف 1 / 49 ـ 50.
(2) سورة الفرقان 25 : 48.
(3) سورة النساء 4 : 43 ، وسورة المائدة 5 : 6.
(4) الخلاف 1 / 50 ـ 52.

النموذج الثالث : الماء المطلق : «مسألة : لا يجوز الوضوء بالمايعات غيرالماء ، وهو مذهب جميع الفقهاء. وقال الأصمّ : يجوز ذلك. وذهب قوم من أصحاب الحديث وأصحابنا إلى أنّ الوضوء بماء الورد جائز.
دليلنا : قوله تعالى : (فَلَمْ تَجِدُوْا مَاءً فَتَيَمَّمُوْا صَعِيْدَاً طَيِّبَاً)(1) ، فأوجب عند فقد الماء المطلق التيمّم ، ومن توضّأ بالمائع لم يكن تطهّر بالماء ، فوجب أن لا يجزيه. وروى حريز عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه‌السلام عن الرجل يكون معه اللبن أيتوضّأ منه للصلاة؟ قال : لا ، إنّما هو الماء والصعيد»(2).
الاستنتاج :
ونستفيد من قراءة كتاب الخلاف وتشخيص منهج المصنِّف :
1 ـ تقسيم الدليل إلى قسمين : الأوّل وهو دليل المذاهب الأربعة ، فيذكرها بالإسم والمسمّى ومن قال بها كالشافعي وأبي حنيفة وعبد الله بن عمروعبد الله بن عمرو بن العاصّ والأصمّ ، والثاني مذهب الإمامية ويصفه بـ (دليلنا). وبينما يذكر أدلّة المذاهب ذكراً إجماليّاً إلاّ أنّه يفصّل الدليل عند الإمامية ويشرحه شرحاً وافياً.
2 ـ استخدام المعنى اللغوي في الدليل عندما يقتضي الأمر ذلك ويعتبره مؤيّداً للدليل الشرعي.
3 ـ الاستدلال بالكتاب المجيد والسنّة النبوية الشريفة وبضمنها الروايات الصحيحة المروية عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء 4 : 43.
(2) الخلاف 1 / 55.

2 ـ منهج الانتصار :
كتاب الانتصار لما انفردت فيه الإمامية للسيِّد المرتضى عليّ بن الحسين(ت 436 هـ) في مجلّد واحد ، كتاب فقهي مقارَن انتصر فيه المصنِّف لفرقة الحقّ ، قال في سبب تأليفه الكتاب :
«أمّا بعد ، فإنّي ممتثل ما رسمته الحضرة السامية ... من بيان المسائل الفقهية التي شنّع بها على الشيعة الإمامية ، واُدّعي عليهم مخالفة الإجماع ، وأكثرها موافق فيه الشيعة غيرهم من العلماء والفقهاء المتقدّمين أو المتأخِّرين ، وما ليس لهم فيه موافق من غيرهم فعليه من الأدلّة الواضحة والحجج اللائحة ما يغني عن وفاق الموافق ولا يوحش معه خلاف المخالف ، وأن أبيّن ذلك وأفصّله وأزيل الشبهة المعترضة فيه»(1).
ثمّ يحدّد منهجه في الكتاب ـ وهو البحث عن الدليل ـ قائلاً :
«... إنّ الشناعة إنّما تجب في المذهب الذي لا دليل عليه يعضده ولا حجّة لقائله فيه ، فإنّ الباطل هو العاري من الحجج والبيّنات البريء من الدلالات ، فأمّا ما عليه دليل يعضده وحجّة تعمده فهو الحقّ اليقين ولا يضرّه الخلاف فيه وقلّة عدد القائل به ، كما لا ينفع في الأوّل الاتّفاق عليه وكثرة عدد الذاهب إليه ...»(2).
وأهمّ ما في منهج المصنِّف هو أخذه بالإجماع كدليل من الأدلّة التي اعتمدت عليها الإمامية ، فقال : «وممّا يجب علمه أنّ حجّة الإمامية في صواب جميع ما انفردت به أو شاركت فيه غيرها من الفقهاء هي إجماعها عليه ، لأنّ إجماعها حجّة قاطعة ودلالة موجبة للعلم ، فإن انضاف إلى ذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الانتصار : 1.
(2) الانتصار : 2.

ظاهركتاب الله تعالى أو طريقة أخرى توجب العلم وتثمر اليقين فهي فضيلةودلالة تنضاف إلى أخرى ، وإلاّ ففي إجماعهم كفاية»(1).
وقد ذكرنا سابقاً أنّ تأكيد الفقهاء على حجّية الإجماع هو لدخول قول الإمام عليه‌السلام في أقوال المجمعين.
نماذج من منهجه :
انتخبنا مسألتين من مسائل النذر كنموذجين من كتابته :
النموذج الأوّل : «مسألة : وممّا انفردت به الإمامية أنّ النذر لا ينعقد إلاّ بأن يقول الناذر : (لله عليَّ كذا وكذا) بهذا اللفظ ، فإن خالف هذه الصيغة وقال : (عليَّ كذا وكذا) ولم يقل : (لله) عزّ وجلّ لم ينعقد نذره ، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ، وروي عن الشافعي وأبي ثور موافقة الإمامية في ذلك ، ودليلناعلى ما ذهبنا إليه الإجماع الذي تكرّر.
وأيضاً فإنّه لا خلاف في أنّه إذا قال باللفظ الذي ذكرناه يكون ناذراً ، وإنعقاد النذر حكم شرعي لابدّ فيه من دليل شرعي ، وإذا خالف ما ذكرناه فلادليل على انعقاده ولزوم الحكم به.
وأيضاً فإنّ الأصل براءة الذمّة من حكم النذر ، فمن ادّعى مع اللفظ المخالف لقولنا وجوبه في الذمّة فعليه الدليل»(2).
النموذج الثاني : «مسألة : وممّا كانت الإمامية تنفرد به أنّ النذر لا يصحّ في معصية ولا بمعصية ، ولا تكون المعصية فيه سبباً ولا مسبّباً فأمّا كون المعصية فيه سبباً فمثاله أن ينذر إن شرب خمراً أو ارتكب قبيحاً اعتق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الانتصار : 6.
(2) الانتصار : 161 ـ 162.

عبده ، ومثال كون المعصية مسبّباً أن يعلّق بما يبلغه من غرضه أن يشرب خمراًأو يرتكب قبيحاً.
والشافعي يوافق الشيعة في أنّ نذر المعصية لا كفّارة فيه ، وما كان عندي أنّه يوافقنا في إبطال كون المعصية سبباً حتّى قال بعض شيوخ الشافعية : إنّ الشافعي يوافقنا أيضاً في ذلك ، والدلالة على قولنا بعد إجماع الطائفة أنّ لزوم النذر حكم شرعي ولا يثبت إلاّ بدليل شرعي ، وقد علمنا أنّ السبب أو المسبّب إذا لم يكن معصية انعقد النذر ولزم الناذر حكمه بلا خلاف ، فمن ادّعى ذلك في المعصية فعليه الدّلالة.
وأيضاً فمعنى قولنا في انعقاد النذر أنّه يجب على الناذر فعل ما أوجبه على نفسه ، وإذا علمنا بالإجماع أنّ المعصية لا تجب في حال من الأحوال علمنا أنّ النذر لا ينعقد في المعصية ، ويجوز أن يعارض المخالفون بالخبر الذي يروونه عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : (لا نذر في معصية) ولم يفرق بين أن تكون المعصية سبباً أو مسبّباً»(1).
الاستنتاج :
1 ـ إنّ سبب تأليف الكتاب هو أنّ المخالفين قد أشاعوا بأنّ مذهب الإمامية مغاير لما عليه بقية المذاهب الإسلامية في الأصول والفروع ، فقام المصنّف بإثبات أنّ الإمامية هم أصل الإسلام في المسائل الفقهية ، وأنّ أكثر الأحكام التي أخذ بها الشيعة الإمامية هي موافقة للأحكام الشرعية التي أخذت بها بقية المذاهب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الانتصار : 162.

2 ـ إنّ المصنِّف اعتمد الإجماع كدليل قطعي على صحّة الأحكام لاعتقادالإمامية دخول قول الإمام عليه‌السلام في أقوال الفقهاء المجمعين.
3 ـ ذكر النذر كنموذج من الأحكام ، وقال : إنّ الشافعي وأبي ثور وافق الإمامية في ذلك.
4 ـ استدلّ المصنّف للآراء التي طرحتها الإمامية بالدليلين : الشرعي والعقلي.
5 ـ تحدّى كلَّ من خالف أقوال فقهاء الإمامية أن يأتوا بالدليل المخالف ، وهذا التحدّي بذاته يعكس اطمئنان المصنّف على صحّة الأدلّة التي استند إليها.
3 ـ منهج الناصريّات :
كتاب الناصريّات للسيّد الشريف المرتضى علم الهدى عليّ بن الحسين بن موسى (ت 436 هـ) في مجلّد واحد ، من كتب الفقه المقارَن ، كتبه المصنِّف (الإمامي) لجدّه الناصر (الزيدي) ، وهو لا يقتصر على ذكر المسائل الخلافية بين الإمامية والزيدية فحسب بل يورد الخلافات الفقهية على مستوى المذاهب الإسلامية. ومجموع الكتاب (207) مسئلة في العبادات والمعاملات.
ومنهج الكتاب أنّه يستدلّ بإجماع الإمامية ، ويعرض مسائل الوفاق والخلاف ، ويستدلّ بالحكم الشرعي من طرقنا ، ويعرض إجمالاً آراء فقهاء المذاهب الأُخرى.
نماذج من منهجه :
ومن أجل فهم منهجه لابدّ من ترتيب مباني المصنِّف ضمن الموارد التالية :

أوّلاً : الاهتمام بذكر الحكم الشرعي وآراء المذاهب ثمّ الاستدلال من مذهبنا على الرأي الذي يعتمده المصنّف ، وفي ذلك يقول في المسألة الخامسةوالخمسين :
«ومن لم يجد ماءً ولا تراباً نظيفاً وجب عليه أن يصلّي بغير طهارة ، فإن وجد الماء أو التراب بعد مُضي وقتها فلا إعادة عليه. وليس لأصحابنا في هذه المسألة نصٌّ صريح ، ويقوى في نفسي أنّه إذا لم يجد ماءً ولا تراباً نظيفاًفإنّ الصّلاة لا تجب عليه ، وإذا تمكّن من الماء أو التراب النظيف قضى الصّلاة وإن كان الوقت قد خرج ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وفي بعض الروايات عن محمّد ، وفي رواية أُخرى عنه أنّه يُصلّي ويُعيد. وقال الشافعي وأبو يوسف : يُصلّي بغير طهارة ثمّ يقضي.
الدليل على صحّة ما اخترناه قوله تعالى : (لاَ تَقْرَبُوا الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتّى تَعْلَمُوا مَا تَقُوْلُوْنَ وَلاَ جُنُباً وَلاَ عَابِرِي سَبِيْل حَتّى تَغْتَسِلُوا)(1) ، فمنع من فعل الصّلاة مع الجنابة إلاّ بعد الاغتسال. وأيضاً قوله عليه‌السلام : (لا يقبل الله صلاةً بغير طهور)(2) ، والطهور هو الماء عند وجوده
والتراب عند فقده ، وقد عدمهما جميعاً ، فوجب أن لا تكون له صلاة.
وليس للمخالف أن يتعلّق بقوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدِلُوْكِ الشَّمْسِ)(3) وقوله تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ)(4) ، لأنّه تعالى إنّما أمرنا بإقامة الصّلاة ، وهذه ليست بصلاة ، لأنّها بغير طهارة ولا يتناولها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء 4 : 43.
(2) صحيح مسلم1 / 204 ، 224.
(3) سورة الإسراء 17 : 78.
(4) سورة هود 11 : 114.

الإسم»(1).
ثانياً : عرض مسائل الوفاق والخلاف دون حرج :
فمن مسائل الوفاق قال : «هذا مذهبنا» أو «هذا هو الصّواب» أو نحو ذلك. ومنها :
«المسألة الحادية والثلاثون : المسح على الرجلين إلى الكعبين هو الغرض ، وهذا صحيح. وعندنا أنّ الغرض في الرجل المسح دون الغسل ، فمن غسل لم يجزه ، وقد روي القول بالمسح عن جماعة من الصحابة والتابعين»(2).
ومن مسائل الخلاف مثلاً المسألة السادسة : ولا يجوز الوضوء بالماء المستعمل ، قال المصنّف : «وعندنا أنّ الماء المستعمل في تطهير الأعضاء والبدن الذي لا نجاسة عليه إذا جُمع في إناء نظيف كان طاهراً مطهّراً ، ووافقنافي ذلك الحسن والنخعي والزهري والثوري ومالك وداود ، وقد قيل : إنّ مالكاً كرهه بعض الكراهية ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : إنّ الماء المُستعمل لايجوز الوضوء به ، واختلفوا في نجاسته ، فقال أبو يوسف : هو نجس ، وروي مثل ذلك عن أبي حنيفة ...»(3).
ثالثاً : إجماع الإمامية : ومن منهج المصنِّف الاستدلال بإجماع الإمامية ، وهو حجّة شرعية عند الفقهاء ، مثلاً قال في عدم جواز إمامة الفاسق : «هذا صحيح وعليه إجماع أهل البيت عليهم‌السلام كلُّهم على اختلافهم ، وهذه من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناصريّات : 161 ـ 162.
(2) الناصريّات : 120.
(3) الناصريّات : 77.

المسائل المعدودة التي يتّفق أهل البيت عليهم‌السلام كلُّهم على اختلافهم عليها»(1).
رابعاً : التصريح بعدم الوقوف على نصٍّ : ومن أخلاقية فقهاء أهل البيت عليهم‌السلام أنّهم إذا افتقدوا المصادر صرّحوا بعدم وقوفهم على نصٍّ للإمامية. يقول المصنِّف في مسألة أنّه لا فرق في الطهارة بين ورود الماء على النجاسة أو العكس : «لا أعرف فيها نصّاً لأصحابنا ولا قولاً صريحاً» ، ثمّ ذكرقول الشافعي ومخالفة سائر الفقهاء له فقال : «ويقوى في نفسي عاجلاً ـ إلى أن يقع التأمّل لذلك ـ صحّة ما ذهب إليه الشافعي ، والوجه فيه أنا لو حكمنابنجاسة الماء القليل الوارد على النجاسة لأدّى ذلك إلى أنّ الثوب لا يطهِّر من النجاسة إلاّ بإيراد كرٍّ من الماء عليه ، وذلك يشقّ ، فدلّ على أنّ الماء إذاورد على النجاسة لا يعتبر فيه القلّة والكثرة كما يعتبر فيما ترد النجاسة عليه»(2).
4 ـ منهج تذكرة الفقهاء :
وكتاب تذكرة الفقهاء للعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) كتاب فقهي استدلالي مقارَن في سبعة عشر مجلّداً ، وصلنا منه من بداية الطهارة إلى كتاب النكاح. يقول في أوّل كتابه : «قد عزمنا في هذا الكتاب الموسوم بتذكرة الفقهاء على تلخيص فتاوى العلماء وذكر قواعد الفقهاء ، على أحقِّ الطرائق وأوثقها برهاناً وأصدق الأقاويل وأوضحها بياناً ... وأشرنا في كلِّ مسألة إلى الخلاف واعتمدنا في المحاكمة بينهم طريق الإنصاف»(3).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناصريّات : 244.
(2) الناصريّات : 72 ـ 73.
(3) تذكرة الفقهاء 1 / 4.

نماذج من منهجه :
ومنهجه في البحث هو :
أوّلاً : عرض الحكم الشرعي ، ثمّ الاستدلال بآية أو رواية عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)وأهل بيته عليهم‌السلام ورأي الفقهاء ، ثمّ عرض رأي فقهاء المذاهب الأربعة. مثلاً في أحكام غسل الميِّت قال في المسألة 125 :
«فإذا فرغ [أي فرغ من تحضير السدر] شرع في غسله الواجب ، والمشهور عند علمائنا أنّه ثلاث مرّات : مرّة بماء السدر والثانية بماء فيه كافوروالثالثة بالقراح ، لأنّ أمّ عطية روت أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال في ابنته : (ثمّ اغسليها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك بماء وسدر ، واجعلي في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من الكافور)(1). ومن طريق الخاصّة قول الصادق عليه‌السلام : (يغسل الميّت ثلاث غسلات : مرّة بالسدر ، ومرّة بالماء يطرح فيه الكافور ، ومرّة اُخرى بالماء القراح)(2) ، والأمر للوجوب. وقال بعض علمائنا : الواجب مرّة واحدة بماء القراح ، والباقيتان مستحبّتان ـ وهو مذهب الجمهور ـ لأنّه كغسل الجنابة ، وللأصل. والأوّل أشهر وأحوط ، فتعيّن العمل به»(3).
ثمّ قال في تفريع المسألة :
«لا يغسل أكثر من ثلاث مرّات ، لأنّه أمر شرعيٌّ فيقف على النقل. وقال الشافعي وأحمد : الأفضل أن يغسل ثلاث مرّات ، فإن لم يحصل الإنقاء غسل خمس مرّات أو سبعاً ، وتراً لا شفعاً ، لحديث أم عطية(4) ، ولم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 2 / 93 و 94 و 95.
(2) الكافي 3 / 140/3.
(3) تذكرة الفقهاء 1 / 351.
(4) صحيح البخاري 2 / 93 ـ 95.

يقدّره مالك ... الواجب عند أكثر علمائنا جعل السدر في الغسلة الأولى خاصّة والكافور في الثانية خاصّة. وقال الشافعي : يجعل السدر في الأولى استحباباً. وهل يحصل بها التطهير؟ عنده وجهان : المنع لتغير الماء بالسدر ، والطهارة لأنّ المراد الإنقاء والتنظيف وهي أبلغ فيه ، فعلى الأوّل لا تحسب من الثلاث بل يستحبّ صبِّ الماء القراح عليه بعدها ثلاثاً ، وفي وجه : تحتسب»(1).
ثانياً : مناقشة آراء المدارس الفقهية وتفنيدها ، ومنها : في أحكام الغاسل مسألة 128 حيث قال :
«الأصل أن يغسل الرجالُ الرجالَ والنساءُ النساءَ ، وليس للرجل غسل المرأة إلاّ بأحد أسباب :
أحدها : الزوجية ، فللزوج غسل زوجته اختياراً عند أكثر علمائنا ـ وبه قال عطاء وجابر بن زيد وسليمان بن بشّار وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعلقمةوقتادة وأبو الشعثا وحمّاد ومالك والشافعي وإسحاق وداود وزفر وأحمد في أصحّ الروايات عنه ـ لأنّ فاطمة عليها السّلام أوصت أن تغسلها أسماء بنت عميس وعليّ عليه‌السلام ، فكان عليّ عليه‌السلام يصبّ الماء عليها(2) ، واشتهر ذلك في الصحابة ولم ينكره أحد ، فكان إجماعاً ، وسئل الصادق عليه‌السلام عن الرجل يخرج إلى السفر ومعه امرأته يغسلها؟ قال : نعم ، واُخته ونحو هذا ، ويلقي على عورتها خرقة(3). وللشيخ قول آخر بالمنع إلاّ مع عدم النساء من وراء الثياب ـ وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأبو يوسف ومحمّد وأحمد في رواية ـ لأنّ الموت فرقة تبيح الأخت والرابعة سواها ، فحرّمت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تذكرة الفقهاء 1 / 353 ـ 354.
(2) سنن البيهقي 3 / 396.
(3) الكافي 3 / 158/8.

اللمس والنظر ، كما لو طلّقها قبل الدخول(1). وقياسهم باطل ، لأنّه يمنع الزوجة من النظر إلى الزوج ، وهنا بخلافه»(2).
الاستنتاج :
1 ـ إنّ الكتاب هو تلخيص للأحكام الشرعية مع عرض الآيات الشريفة والروايات عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، مع مقارنة ذلك مع آراء فقهاء المذاهب الأُخرى.
2 ـ استدلال المصنّف في غسل الميّت بماء السدر والكافور والقراح (المطلق) برواية أمّ عطية في صحيح البخاري أوّلاً ثمّ استدلّ ثانية برواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، ولاشكّ أنّ الاستدلال بطرق الفريقين في الفقه المقارَن هوأفضل الأساليب العلمية في هذا الفنّ.
3 ـ ذكر الشاذّ من الأقوال عندنا ـ وهو الغسل مرّة واحدة بماء القراح والباقيتان مستحبّتان ـ وقال : إنّه مذهب الجمهور ، فأبطل الاستدلال بها.
4 ـ ثمّ ذكر أنّ الرأي الأوّل (الغسلات الثلاث) أشهر وأحوط ولذلك تعيّن العمل به ، وتلك هي فتواه.
5 ـ حكم بعدم غسل الميّت بأكثر من ثلاث غسلات وعلّله بأنّه أمر شرعيٌّ فيقف على النقل ، ثمّ ذكر اختلاف آراء فقهاء المذاهب في ذلك.
6 ـ ثمّ ذكر آراء فقهاء المذاهب في جعل السدر في الغسلة الأولى.
7 ـ وفي مسألة وجوب المماثلة في الغاسل ذكر الأصل في المماثلة ، ثمّ عرض ما قاله فقهاء المذاهب وإجماع الفقهاء على تغسيل أسماء بنت عميس لفاطمة الزهراء عليها‌السلام وكان عليٌّ عليه‌السلام يصبّ الماء عليها ، فاشتهر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المبسوط للسرخسي 2 / 71.
(2) تذكرة الفقهاء 1 / 357 ـ 358.

تغسيل الزوج لزوجته بين الصحابة.
8 ـ إنّه ربّما كان كتابه في الفقه المقارن من أشمل المصنّفات في هذا الفنّ عند الإمامية ، وهو في الواقع على مسمّاه تذكرةٌ للفقهاء.
5 ـ منهج منتهى المطلب :
كتاب منتهى المطلب للعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) في أربعة عشر مجلّداً ، يعرض أقصى قدر ممكن من آراء الفقهاء من مذهب أهل البيت عليهم‌السلاموالمذاهب الأربعة ، محاولاً إشباع موضوع البحث من مختلف جوانبه العلمية ثمّ إبداء رأيه الفقهي في الدرجة الأولى عبر الاستدلال العلمي.
نماذج من منهجه :
فالمنهج مركّب من خطوات أربع ، هي :
الأولى : إبراز الأدلّة العامّة : حيث يعرض المصنِّف وجهات نظر الفقهاءمن مختلف المذاهب ، مبتدئاً بعرض وجهة نظره ثمّ وجهة نظر فقهاء الطائفة ثمّ وجهة نظر الجمهور ، وهو بذلك المنهج ملتزمٌ بالحياد ، فنلحظ ذلك في موضوع (مسح الرأس في عملية الوضوء) فيقول :
«الواجب من مسح الرأس لايتقدّر بقدر في الرجل ، وفي المرأة يكفي منه أقلّ ما يصدق عليه الإسم ، وبه قال الشّيخ في المبسوط ، والأفضل أن يكون بقدر ثلاث أصابع مضمومة ، وبه قال السيّد المرتضى. وقال في الخلاف : يجب مقدار ثلاث أصابع مضمومة ، وهو اختيار ابن بابويه وابي حنيفة في إحدى الروايتين. وقال الشافعي : يجزي ما وقع عليه الإسم. وذهب بعض الحنابلة إلى أنّ قدر الواجب هو الناصية ، وهو رواية عن أبي

حنيفة. وحكي عن أحمد أنّه لايجزي إلاّ مسح الأكثر»(1).
فهو وبعد أن يعلن عن فتواه يعرض آراء الفقهاء من الإمامية وفتاواهم كالمرتضى والطّوسي وابن بابويه ، ثمّ يعرض آراء الجمهور كأبي حنيفة والشافعي وبعض الحنابلة ، ثمّ يضع جميع الآراء في ميزان عادل ليعرف مدى توافقها مع فقهاء الإمامية.
الثانية : استعراض الأدلّة التي توصل إليها : حيث يعرض دليله الذي استنبطه متمثّلاً بعبارة لنا ، فبعد أن يعرض فتاوى أرباب المذاهب يقدِّم دليله الاجتهادي من الكتاب والسنّة. يقول مثلاً في باب نواقض الوضوء :
«مسألة : قال علماؤنا : النوم الغالب على السمع والبصر ناقض للوضوء ... وهو مذهب المزني وإسحاق وأبي عبيد .. لنا : النصّ والمعقول ، أمّاالنصّ فقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُم إِلَى الصَّلاَةِ ...)(2) ، وأمّاالمعقول فهو أنّ النّوم سبب لخروج الحدث ...»(3).
فاستدلّ هنا بالكتاب المجيد ـ وهو دليل شرعي ـ وبالمعقول ـ أي بالدليل العقلي ـ على أنّ النوم ناقضٌ للوضوء.
واستدلّ في مكان آخر على طهارة الماء ومطهّريته ـ عقلاً وإجماعاً فقال :
«أمّا الإجماع فلأنّ أحداً لم يخالف في أنّ الماء المطلق طاهر ، وأمّا المعقول فلأنّ النجاسة حكم طارئ على المحلِّ والأصل عدم الطريان ، ولأنّ تنجّس الماء يلزم منه الحرج ...»(4).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منتهى المطلب 1 / 60 ، و 2 / 246.
(2) سورة المائدة 6 : 6.
(3) منتهى المطلب 1 / 14.
(4) منتهى المطلب 1 / 15.

فهنا استعمل نفس أُسلوب الاستدلال ولكن بأدوات جديدة هي : الإجماع ، فضلاً عن الدليل العقلي.
الثالثة : إلزام المخالف بدليله من أجل إبطال حجّته : حيث يعتمد المصنِّف في بحثه المقارَن على روايات العامّة التي لايعتبر سندها حجّة ، وذلك الاعتماد هو طريق المصنِّف في إلزام المخالف من أجل نسف ما استندعليه ، فيقول في معرض حديثه عن إحدى الروايات التي زعمت بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد سلّم في ركعتي الرباعية نسياناً :
«لنا .... ورواية ذي اليدين ـ وهي الرواية التي ساقها للتدليل على جواز التكلّم لمن ظنّ الإتمام وإن لم تكن حجّة لنا فهي في معرض الإلزام»(1).
وقد ردّ المصنِّف تلك الرواية بجملة وجوه ، منها : إنّ الراوي أبا هريرة أسلم بعد وفاة الشخص المشار إليه بسنتين. ومنها : إنّ تلك الرواية تتضمّن مايتنافى مع عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وهو النسيان.
وأيضاً في تعقيبه على صلاة جعفر ذكر زعم المخالِف أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) علّم العبّاس بن عبد المطّلب تلك الصّلاة ، بينما تشير الروايات الواردة من طرقنا بأنّه (صلى الله عليه وآله) قد علّمها جعفراً. قال : «ونحن إنّما ذكرنا تلك الرواية احتجاجاً على أحمد النافي لمشروعيّتها»(2).
وبذلك أبطل المصنِّف حجّة المخالِف بإلزامه بتلك الروايات التي آمن بها على الرغم من عدم صحّتها وعدم صحّة الإستدلال بها.
الرابعة : النقض والحلّ في عرض الدليل : فكان من طريقة المصنِّف عرض الإشكالات الواردة على الدليل والردّ عليها ، فعندما عرض رواية عدم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منتهى المطلب 1 / 17.
(2) منتهى المطلب 1 / 17.

انفعال ماء البئر بالنجاسة ، وهي : (كتبتُ إلى رجل أسأله أن يسألَ أبا الحسن الرضا عليه‌السلام ، فقال : ماء البئر واسع لا يفسده شيء ...)(1) قام بنقضها وحلِّها قائلاً :
«واعترضوا على الحديث الأوّل بوجوه :
أحدها : إنّ قوله عليه‌السلام : (لا يفسده) أي : فساداً يوجب التعطيل.
الثاني : إنّ الراوي أسندها إلى المكاتبة ، وهي ضعيفة.
الثالث : المعارِضة بخبر ابن بزيع ـ وهو الخبر القائل بأن ينـزح من البئردلاء حيث نَستَشِفُّ منه نجاسة البئر.
والجواب عن الأوّل : إنّه تخصيص لايدلُّ اللفظ عليه ....
وعن الثاني : إنّ الراوي قال : فقال عليه‌السلام كذا ، والثقة لايخبر بالقول إلاّ مع القطع ، على أنّ الرسول كان ينفذ رسله بالمكاتبات ...
وعن الثالث : إنّه إنّما يتمّ على تقدير نصوصية الحديث ... وليس كذلك»(2).
وهذا الأُسلوب من أروع الأساليب الإستدلالية في الفقه.
6 ـ منهج المعتبر :
كتاب المعتبر في شرح المختصر للمحقّق الحلّي نجم الدين جعفر بن الحسن (ت 676 هـ) في مجلّدين ، دورة فقهية مختصرة في الفقه المقارَن. والكتاب هو شرح المختصر النافع للمحقّق نفسه. يقول المصنّف في سبب تصنيفه الكتاب :
«... أحببتُ أن أكتب دستوراً يجمع أُصول المسائل وأوائل الدلائل ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منتهى المطلب 1 / 20.
(2) منتهى المطلب 1 / 21.

أذكر فيه خلاف الأعيان من فقهائنا ومعتمد الفضلاء من علمائنا ، وألحقُ بكلِّ مسألة من الفروع ما يمكن إثباته بالحجّة وسياقته إلى المحجّة ، فقطعت الحوادث عن ذلك القصد ومنعت الكوارب ورود ذلك الورد ، حتّى اتّفق لنا اختصار كتاب الشرائع بالمختصر النافع ، فدُقّ كثير من معانيه لشدّة اختصاره واشتبهت مقاصده لبعد أغواره ، فحرّكني ذلك لشرح مشتمل على تحرير مسائله وتقرير دلائله»(1).
نماذج من منهجه :
ونذكر فيما يلي نموذجين من كتابته :
النموذج الأوّل : فاقد العلم باتّجاه القبلة : قال المصنِّف :
«مسألة : فاقد العلم يجتهد ، فإن غلب على ظنِّه جهة القبلة لإمارة بنى عليه ، وهو اتّفاق أهل العلم ، ويؤيّده ما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : (يجزي التحرّي أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة) ، ولو لم تحصل الأمارات واشتبهت الجهات صلّى الصّلاة الواجبة إلى أربع جهات ، وهو مذهب علمائنا.
وقال أبو حنيفة وأحمد : يصلّي ما بين المشرق والمغرب ، ويتحرّى الوسط ثمّ لا يعيد لقوله عليه‌السلام : (ما بين المشرق والمغرب قبلة) ، وهذا حقّ إن تبيّن له المشرق والمغرب ، ويؤيّده ما روى معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله عليه‌السلام : (قلت : الرجل يقوم في الصّلاة ثمّ ينظر بعدما فرغ فيرى أنّه قد انحرف عن القبلة يميناً وشمالاً؟ قال : قد مضت صلاته ، وما بين المشرق والمغرب قبلة) ، لكن بتقدير أن تخفى عليه الجهات كانّ القول ما قلناه ، لأنّ الاستقبال بالصّلاة واجب ما أمكن ، ولا يتحصّل الاستقبال إلاّ كذلك ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المعتبر 1 / 19 ـ 20.

فيجب»(1).
النموذج الثاني : في النية : قال المصنّف :
«... والإخلاص هو نية التقرّب ، ومحلّها القلب ، ولا اعتبار فيها باللسان ، ولا يحتاج إلى تكلّفها لفظاً أصلاً ، كذا ذكره الشّيخ في المبسوط والخلاف ، وقال بعض الشافعية : يستحبّ أن يضاف اللفظ ، وقال آخرون منهم : يجب. وقول الشّيخ حسن ، لأنّ الأفعال يفتقر في وقوعها على وجوهها إلى الإرادة وهي من فعل القلوب ولا أثر للفظ في اختصاص الفعل بوجه دون وجه ، فيسقط اعتباره عملاً بالأصل ، وهل هي جزء من الصّلاة أو شرط في صحّتها؟ الأقرب أنّها شرط ، لأنّ الشرط هو ما يقف عليه تأثير المؤثّرأو ما يقف عليه صحّة الفعل ، ولأنّ أوّل الصّلاة التكبير والنية مقارنة أوسابقة فلا يكون جزء.
ويشترط في نية الصّلاة الفريضة ، وكونها فرضاً أداءً ، كذا قال الشّيخ رحمه‌الله ، وقال ابن أبي هريرة : يكفي نية الظهر لأنّ الظهر لا يكون إلاّ فرضاً ، وقال المروزي : ينوي ظهراً فريضة ...»(2).
الاستنتاج :
1 ـ اتّفق المصنِّف مع ما قاله أبو حنيفة وأحمد في موضوع كون ما بين المشرق والمغرب قبلة ، فهو بعد أن يذكر ما يراه صحيحاً بشأن فاقد العلم باتّجاه القبلة ـ وهو الاجتهاد في طلب جهة القبلة ـ يعود ويذكر رأي أبي حنيفة وأحمد ويؤيِّده ، وهذا في غاية الموضوعية والإنصاف ، فالمصنِّف لم يرفض الرأي الصادر عن أبي حنيفة ـ مع أنّه يأخذ بالقياس ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المعتبر 2 / 70.
(2) المعتبر 2 / 149.

لكنّه أخذ ما قاله في الموضوع فأقرّه على ذلك مؤيّداً برواية معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق عليه‌السلام ومؤكّداً على أنّ (ما بين المشرق والمغرب قبلة).
2 ـ صحّح المصنّف رأي أبي حنيفة وأحمد بن حنبل بأنّ ما بين المشرق والمغرب قبلة بتقدير أو بشرط أن تخفى عليه الجهات ، لأنّ الاستقبال بالصّلاة واجب ما أمكن ، ولا يحصل الاستقبال إلاّ بتحديد ما بين المشرق والمغرب.
3 ـ وفي موضوع النية يذكر تعريفها وشروطها وما يؤيّده من أقوال فقهاءالإمامية ، ثمّ يذكر أقوال أئمّة المذاهب ، ثمّ يتوصّل إلى ثمرة بحثه وهي أنّ النية من أفعال القلوب ولا أثر للفظ في اختصاص الفعل ، فلا يحتاج في أدائها إلى اللسان.
4 ـ إنّ إنصاف المحقِّق الحلِّي في نقل عبارات فقهاء المذاهب والإقرار بصحّتها إذا كانت صحيحة يعبّر عن مصداقية فقهائنا الأعلام وتوخّيهم الدليل العلمي.



4 ـ منهج الشرح الاستدلالي :
مقدّمة :
يعتمد الشرح الاستدلالي على تبيين مقصد الماتن عن طريق الشرح والاستدلال المفصّل للروايات وتشخيص السند وعرض أقوال الفقهاء المتقدّمين والمتأخّرين والإفتاء بالحكم الشرعي الصحيح عند المصنِّف حسب الدليل العلمي ، وليست هناك حدود أو قيود للتفريعات الفقهية في هذا المنهج ، فقد يناقش الشارح الأدلّة الشرعية نقاشاً مبسوطاً على مدى صفحات طويلة.
طبيعة الشرح الاستدلالي :
لا شكّ أنّ النصوص المختصرة الدالّة على الدقّة والاختصار تنفع في

موارد عديدة ، منها : سهولة حمل الكتاب في السّفر والحضر ، وقلّة مؤونته فيمايتعلّق بالنسخ والطباعة. ومع أنّ وصول المكلّف إلى الحكم الشرعي أيسرفي المختصر إلاّ للشّرح الاستدلالي مكانته العلمية في عالم المعرفة الدينية ، فالفقيه لا يكتفي بكتاب مختصر بل يريد أن يستكشف آراء بقية الفقهاء ويوازن بينها ويستفيد من الرأي الصحيح ويطرح الشاذّ النادر ويبحث عن سند الرجال وتوثيق الروايات ويناقش الدليل فيفنّد الأضعف ويأخذ بالأقوى ، ويساعد الشرح على إشباع البحث من زوايا علمية متعدّدة ، خصوصاً عندما تتشعّب المسائل ويتعقّد الترتيب العلمي للأفكار.
وعلى طول تاريخ الفقه الإمامي فقد فازت مجموعة من الكتب المختصرة الدقيقة في المدرسة الإمامية بشرف الشرح الاستدلالي ، ومنها : كتاب اللمعة الدمشقية للشهيد الأوّل ، وقواعد الأحكام وإرشاد الأذهان للعلاّمة الحلّي ، وشرائع الإسلام والمختصر النافع للمحقّق الحلّي ، فتوالت عليهاالشروح الاستدلالية.
كتب الشرح الاستدلالي :
1 ـ رياض المسائل للسيِّد عليّ الطباطبائي (ت 1231 هـ).
2 ـ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني (ت965هـ).
3 ـ مسالك الأفهام للشهيد الثاني (ت 965 هـ).
4 ـ مجمع الفائدة والبرهان للأردبيلي (ت993 هـ).
5 ـ جامع المقاصد في شرح القواعد للشيخ الكركي (ت 940 هـ).
6 ـ مصباح الفقيه للشّيخ الهمداني (ت 1322 هـ).

1 ـ منهج رياض المسائل :
كتاب رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدلائل للسيِّد عليّ الطباطبائي(ت 1231 هـ) في ستّة عشر مجلّداً ، كتاب استدلالي يشمل جميع أبواب الفقه عدا كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكتاب الإفلاس ، يشرح فيه المصنِّف كتاب المختصر النافع للمحقِّق الحلّي شرحاً مزجيّاً بحيث ينسجم المتن والشرح انسجاماً فنّياً رائعاً.
نماذج من منهجه :
من خلال دراسة خصائص منهج المصنِّف نلحظ أنّه كان يحاول أن يجمع بين الشرح والاختصار ، وتلك مهمّة صعبة للكاتب. فلندرس مثلاً حكم مياه الحمّامات عند انفعالها بالنجاسة في كتاب الرياض. ولابدّ أوّلاً من ملاحظة أنّ الحمّامات العامّة زمن المصنّف كانت تحتوي على خزانة الماء ـ وهي قطعاً أكبر حجماً من الكرّ ـ وعلى حياض صغيرة منفصلة لكلِّ مستحِمٍّ ـ وهي أقلّ حجماً من الكرِّ ـ وهذه غالباً ما تستخدم لإزالة نجاسة البدن ونحوها ، فالحديث هنا هو عن ملاقاة تلك المياه القليلة إذا كان فيها نجسٌ بالمياه الكثيرة ، وأفكار الكتاب مرتّبة ضمن الترتيب التالي :
أوّلاً : شرح النصّ المختصر عبر التعامل مع النصوص الروائية على نحو الدقّة والاختصار وتشخيص سند الرواية في الصحّة أو الإرسال أو التوثيق ، ولاشكّ أنّ عرض الأحاديث بصورة مفصّلة سوف يوضّح المطلب ويشرحه ، ذلك أنّ تعدّد موارد السؤال وتباين مواضعه يقتضي استخدام هذا الأُسلوب. يقول المصنّف :
«وحكم ماء الحمّام ـ أي ما في حياضه الصغار ونحوها ـ في عدم

الانفعال بالملاقاة حكمه ـ أي الجاري أو الكثير ـ إذا كانت له مادّة متّصلة بها حين الملاقاة بالإجماع منّا على الظاهر ، والمعتبرة ، منها الصحيح : عن ماء الحمّام ، فقال : (هو بمنزلة الجاري) (1)» (2).
ثمّ يذكر أحاديث أخرى مؤيّدة لنفس الموضوع ويقول : «ومطلقها يحمل على مقيّدها ، وقصور الإسناد فيما سوى الأوّل منجبر بالشهرة» (3).
ثانياً : عرض آراء الفقهاء وترجيح القويّ دلالة. وللفقهاء آراء متباينة تجاه موضوع البحث اقتضاها تهافت الدليل أحياناً. قال المصنّف :
«وفي اعتبار الكرّية في المادّة خاصّة ـ كما نسب إلى الأكثر ـ أو مع ما في الحياض مطلقاً ـ كما نسب إلى الشّهيد الثاني ـ أو مع تساوي سطحَي المادّةوما في الحوض أو اختلافهما بالانحدار ، ومع عدمهما فالأوّل ـ كما اختاره بعض المتأخّرين ، وربّما نسب إلى العلاّمة جمعاً بين كلماته في كتبه ـ أوالعدم مطلقاً ـ كما هو مختار المصنِّف ـ أقوال ، ما عدا الأخير منها مبنيٌّ على ماتقدّم من الاختلاف في اعتبار تساوي السطوح في الكثير وعدمه ، وحيث قدعرفت عدم الاعتبار ظهر لك صحّة القول الثاني ، فيتّحد حينئذ حكم المفروض مع غيره كما نسب إلى الأكثر» (4).
ثالثاً : الإفتاء بما يراه دليلاً قويّاً. وهنا يبرز اجتهاد الفقيه وحسن استثماره للأدلّة المتوفّرة لديه. يستطرد المصنّف في بحثه ويقول :
«وهل يكفي مقدار الكرّ فيها أم لابدّ فيها من الزيادة بمقدار ما يحصل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التهذيب 1 / 378/ 1170.
(2) رياض المسائل 1 / 16.
(3) رياض المسائل 1 / 16.
(4) رياض المسائل 1 / 17.
 

به الامتزاج لما في الحياض؟ قولان مبنيّان على الاختلاف في اعتبار الامتزاج بالماء الطاهر في تطهير القليل أو الاكتفاء بمجرّد الاتصال ، ولاريب أنّ الأوّل أحوط وأولى لو لم نقل بكونه أقوى» (1).
رابعاً : تطبيق القواعد الفقهية على المسائل موضوع البحث. وحسن تطبيق القواعد الكلّية على المصاديق الفقهية مَلَكَة لا يهتدي إليها إلاّ من كان قريباً من منابع الإستنباط. قال المصنِّف في عدم نقض اليقين بالشّكّ :
«من تيقّن الحدث وشكّ في الطهارة بعده أو ظنّ ـ على الأشهر الأظهرهنا وفيما سيأتي ـ أو تيقّنهما وجهل المتأخّر منهما والحالة السابقة عليهما تطهّرفيهما إجماعاً فتوىً ونصّاً. فممّا يتعلّق بالأولى منه الصحيح : (ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشّكّ أبداً) (2) ، وبمعناه الأخبار المستفيضة ، مضافاًإلى الإطلاقات والقاعدة فيها وفي الثانية ، لتكافؤ الاحتمالين الموجب لتساقطهما من البين الرافع لليقين بالطهارة الواجب للمشروط بها. وممّا يتعلّق بالثانية منه الرضوي : (وإن كنت على يقين من الوضوءوالحدث ولا تدري أيّهما أسبق فتوضّأ) (3) ، وإطلاقه يعمّ صورتي العلم والجهل بالحالة السابقة على الأمرين في الثانية كما هو الأظهر الأشهر ، وضعفه بها قد انجبـر ، مضافاً إلى ما تقدّم» (4).
خامساً : مناقشة الآراء التي لا تنهض بدليل وتفنيدها ثمّ الأخذ بالدليل الأقوى. ففي استحباب غسل الجمعة يستدلّ المصنِّف بالطريقة التالية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رياض المسائل 1 / 18.
(2) التهذيب 1 / 421 / 1335.
(3) فقه الرضا عليه‌السلام : 67.
(4) رياض المسائل 1 / 179 ـ 180.
 

«... وإمّا المندوب من الأغسال فالمشهور غسل الجمعة : على الأظهر الأشهر ، بل عليه الإجماع في الخلاف والأمالي ، ومنه يظهر فساد نسبة القول بالوجوب إلى الكليني والصدوق ، مضافاً إلى عدم دلالة لفظ الوجوب في كلامهم على المعنى المصطلح صريحاً ، سيّما مع إردافه بلفظ السنّة في كلام الثاني ، فلا خلاف للأصل والنصوص المستفيضة ، وهي ما بين صريحة وظاهرة ، ففي الصحيحين : (إنّه سنّة وليس بفريضة) (1) بعد أن سئل ظاهراً عن حكمه دون مأخذه ، وبه يندفع حمل السنّة هنا على ما ثبت وجوبه بالسنّة ، ويؤكّده درج الفطر والأضحى في السؤال في أحدهما. وفي الخبر : كيف صار غسل الجمعة واجباً؟ قال : (إنّ الله تعالى أتمّ صلاة الفريضة بصلاة النافلة ، وأتمّ صيام الفريضة بصيام النافلة ، وأتمّ وضوء النافلة بغسل الجمعة ، ماكان في ذلك من سهو أو تقصير أو نقصان) كذا في الكافي والتهذيب. وعن المحاسن والعلل : (وأتمّ وضوء الفريضة بغسل الجمعة) (2) ، وهو الأنسب بالسياق ، والأوّل أقوى في الدلالة (3)».
2 ـ منهج الروضة البهية :
كتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني زين الدين الجبعي العاملي (ت 965 هـ) في عشرة مجلّدات ، هو شرح مزجي استدلالي مختصر لكتاب اللمعة الدمشقية للشهيد الأوّل (ت 786 هـ).
يقول المصنّف في مقدّمة الكتاب : «... هذه تعليقةٌ لطيفةٌ وفوائدُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التهذيب 1 / 112/ 295 ـ 296.
(2) الكافي 3 / 42 / 4.
(3) رياض المسائل 1 / 482 ـ 483.
 

خفيفة ، أضفتها إلى المختصر الشريف والمؤلَّف المنيف ، المشتمل على أمّهات المطالب الشرعية الموسوم بـ اللمعة الدمشقية من مصنّفات شيخنا وإمامنا المحقّق [الشّهيد الأوّل ...] ، جعلتها جاريةً له مجرى الشّرح الفاتح لمغلقه والمقيِّد لمطلقه ، والمتمِّم لفوائده والمهذِّب لقواعده ، ينتفع بها المبتدي ويستمدّ منه المتوسّط والمنتهي ...» (1).
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
النموذج الأوّل : في أحكام صلاة الجماعة : يحتاج المأموم إلى أجوبة على أسئلة من قبيل : هل يقرأ خلف الإمام؟ وهل نيّة الجماعة مختصّة بالصّلاة وراء إمام جماعة بعينه؟ وهل يجب على الإمام نية الجماعة؟ يجيب المصنّف على تلك الأسئلة ويقول :
«ومن الأصحاب من أسقط القراءة وجوباً ، أو استحباباً مطلقاً ، وهو أحوط ، وقد روى زرارة في الصحيح عن الباقر عليه‌السلام قال : (كان أميرُ المؤمنين عليه‌السلام يقول : من قرأ خلف إمام يأتمُّ به بُعثَ على غير الفطرة) (2). ويجب على المأموم نيّةُ الإئتمام بالإمام المعيّن بالإسم أو الصفة أو القصد الذهني ، فلو أخلَّ بها أو اقتدى بأحد هذين أو بهما وإن اتّفقا فعلاً لم يصحّ ، ولوأخطأ تعيينه بطلت وإن كان أهلاً لها. أمّا الإمام فلا تجب عليه نية الإمامة إلاّ أن تجب الجماعة كالجُمعةَ في قول نعم يستحبّ. ولو حضر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الروضة البهية 1 / 5.
(2) الوسائل 4 / 31 من أبواب صلاة الجماعة.
 

المأموم في أثناءصلاته نواها بقلبه متقرّباً» (1).
النموذج الثاني : في المطهّرات : عند ذكره المطهّرات ينهيها إلى عشر مطهّرات ، يبدأها بالماء فيقول :
«وهو مطهِّر مطلقاً من سائر النجاسات التي تقبل التطهير ، والأرض تطهِّرباطنَ النعلِ ـ وهو أسفله الملاصقُ للأرض ـ وأسفلَ القدم مع زوال عين النجاسة عنها بها بمشي ودَلك وغيرهما ـ والحجرُ والرملُ من أصناف الأرض ـ ولو لم يكن للنجاسة جرم ولا رطوبة كفى مسمّى الإمساس ؛ ولا فرق في الأرض بين الجافّة والرطبة ما لم تخرج عن اسم الأرض. وهل يشترط طهارتها؟ وجهان ، وإطلاق النصِّ والفتوى يقتضي عدمه» (2).
الاستنتاج :
نستفيد ممّا سبق ترتيب الأفكار التالية :
1 ـ في موضوع القراءة خلف الإمام استدلّ المصنّف في البداية برأي الفقهاء من قبله ، فمنهم من قال بإسقاط القراءة وجوباً ومنهم من قال بإسقاطها استحباباً ، أخذ المصنّف بالرأي الثاني وأفتى به ثمّ استدلّ بصحيحة زرارة عن الإمام الباقر عليه‌السلام كمؤيّد لفتواه.
2 ـ وفي نية المأموم والإمام فقد فصّلها بالطريقة التالية :
أ ـ وجوب نية المأموم قاصداً الصّلاة خلف الإمام الفلاني باسمه أو صفته أو قصده الذهني.
ب ـ لو أخلّ بالقصد أو اقتدى بأحد إمامين أو أخطأ تعيين الإمام لم تصحّ النية من المأموم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الروضة البهية 1 / 382.
(2) الروضة البهية 1 / 66.
 

ج ـ عدم وجوب نيّة الجماعة على الإمام.
3 ـ هناك قول شاذّ بوجوب الجماعة ، فلو أخذنا ـ افتراضاً ـ بذلك الرأي عندها تصبح نية الإمام للجماعة مستحبّة.
4 ـ إذا التحق المأموم بالإمام أثناء صلاة الجماعة نواها بقلبه بقصد القربة إلى الله تعالى.
5 ـ وفي موضوع المطهّرات قال المصنّف :
أ ـ الماء مطهّر مطلقاً من سائر النجاسات القابلة للتطهير.
ب ـ الأرض تطهّر باطن النعل.
ج ـ الأرض تطهّر أسفل القدم مع زوال عين النجاسة.
د ـ الحجر والرمل من أصناف الأرض.
هـ ـ لو لم يكن للنجاسة جرم ـ كبخار الخمر ـ ولا رطوبة ـ كالعذرة النجسة اليابسة ـ كفى في التطهير المسُّ بالأرض.
6 ـ هل يشترط طهارة الأرض المطهِّرة للنجس؟ يذكّرنا المصنِّف بفتواه وهي عدم الاشتراط.
وبالإجمال : فإنّ منهج الروضة البهية قائمٌ على :
1 ـ اختصار الأفكار الشرعية والإشارة غالباً إلى الدليل وبعض الآراء الفقهية المهمّة في موضوع البحث.
2 ـ الرّد على آراء الماتن الشّهيد الأوّل مصنّف اللمعة الدمشقية.
3 ـ عرض الاستدلال الذي يعتقد الشارح بصحّته.
3 ـ منهج مسالك الأفهام :
كتاب مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام للشهيد الثاني زين

الدين بن عليّ العاملي (ت 965 هـ) في ستّة عشر مجلّداً. سلك فيه المصنّف في البداية مسلك الإختصار على سبيل الحاشية حتّى انتهى من المجلّد الأوّل ، ثمّ استدرك ما فاته فأخذ في الإطناب حتّى صار موسوعة في الفقه الإسلامي. وأُسلوب الكتاب في غاية القوّة والمتانة والدقّة في شرح المطالب أو مناقشتها.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي مقاطع متنوّعة من كتابه :
النموذج الأوّل : في تعريف الطهارة :
«قوله بعد الخطبة : الطهارة اسم للوضوء أو الغسل أو التيمّم على وجه له تأثير في استباحة الصّلاة. هذا التعريف للطهارة بالمعنى الشرعي ، وأشار بقوله : (اسم) إلى أنّ التعريف لفظي لا حقيقي. وخرج بالثلاثة ما يتحقّق معه الطهارة اللغوية كإزالة النجاسة وشبهها ، وبقوله : (له تأثير) وضوء الحائض للكون في مصلاّها ذاكرة ، فإنّه لا تسمّى طهارة كما ورد في الخبر.
وأراد بـ(التأثير) ولو بالصلاحية بالقوّة القريبة ، فيدخل فيها الوضوء المجدّد ونحوه ، والتأثير يشمل الناقص والتامّ ، فيدخل فيه وضوء الحائض وغسلها ، لأنّ كلَّ واحد منهما له تأثير ناقص في الاستباحة.
وقيّد الإباحة بالصّلاة مع أنّ الطهارة قد تبيح غيرها من العبادات لعموم البلوى بها ، وأنّها الفرد الأكمل ، ولأنّ ماهيّتها تتوقّف على الطهارة واجبة كانت أو مندوبة بالاتفاق ، بخلاف غيرها من العبادات لتخلّف بعض القيود فيها. هذا إن جعلنا صلاة الجنازة مجازية شرعية كما اختاره جمع ،

وإلاّ لم يتمّ التعليل» (1).
النموذج الثاني : كراهية التطهير بماء سخّنته الشّمس :
«قوله : وتكره الطهارة بماء اُسخن بالشّمس في الآنية لورود النهي عنه عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وعلّل بأنّه يورث البرص. وكما يكره الطهارة به يكره استعماله في غيرها من إزالة النجاسة والأكل والشرب ، ولا يشترط القصد إلى التسخين ، ولا بقاء السخونة. ولا فرق في الآنية بين المنطبعة وغيرها وإن كانت المنطبعة أقوى فعلاً في الماء ، ولا بين البلاد الحارّة وغيرها ، ولا فرق بين القليل من الماء والكثير للإطلاق في ذلك كلّه»(2).
النموذج الثالث : في نية تطهير الثياب :
«ولا تعتبر النية في طهارة الثياب ولا غير ذلك ممّا يقصد به رفع الخبث بمعنى زوال النجاسة بدونها لكن يتوقّف عليها حصول الثواب»(3).
الاستنتاج :
1 ـ في موضوع الطهارة حاول المصنّف ـ وبعد تعريف الماتن ـ شرح مفردات التعريف ، فتقييد الموضوع بكلمة (اسم) يعني أنّ التعريف كان لفظيّاً اعتبارياً وليس حقيقيّاً. وما أن انتهى من الإسم حتّى قام بشرح معنى (التأثير) الوارد في التعريف وتوصّل إلى أنّ معنى التأثير هو القوّة القريبة التي تدخل في معنى الطهارة كوضوء الحائض والوضوء المجدَّد ونحوها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مسالك الأفهام 1 / 10.
(2) مسالك الأفهام 1 / 22.
(3) مسالك الأفهام 1 / 34.
 

2 ـ ذكر الشارح تقييد الماتن الإباحة للصّلاة مع أنّ الطهارة من الجنابة تبيح الصوم أيضاً ، وكلام الشارح يُشعرنا بأنّه يفضّل أن يكون التعريف بالشكل التالي : الطهارة اسم للوضوء أو الغسل أو التيمّم على وجه له تأثير في استباحة بعض العبادات. فيدخل الصوم والإحرام للحجّ بالإضافة إلى الصّلاة فيها.
3 ـ وفي كراهية التطهير بماء سخّنته الشمس ذكر النهي عنه من النبيّ (صلى الله عليه وآله) بعلّة منصوصة ، ثمّ فصّل في حكم الكراهية بما يلي :
أ ـ كراهية الطهارة بالماء المسخّن بالشّمس.
ب ـ كراهية استعمال الماء المذكور في إزالة النجاسة أو الشّرب أو الأكل.
ج ـ الأصل هو سخونة الماء بقصد كان أو بغير قصد.
د ـ إنّه لا يفرّق في الآنية التي يكون فيها الماء المسخّن بالشّمس.
هـ ـ إنّه لا فرق بين البلاد الحارّة والبلاد الباردة.
و ـ إنّه لا فرق بين القليل من الماء المسخّن بالشّمس أو الكثير.
4 ـ وفي تطهير الثياب قال : لا تعتبر نية التطهير في ذلك.
وهكذا نفهم من ترتيب الأفكار ان منهج المصنّف دقيق جداً ومتشعب حسب تشعب الحكم الشرعي وملمّ بجميع وجوه المسألة الفقهية.
4 ـ منهج مجمع الفائدة والبرهان :
كتاب مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان للمولى أحمد الأردبيلي (ت 993 هـ) في أربعة عشر مجلّداً ، شرحٌ استدلالي لكتاب

إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان للعلاّمة الحلّي. ذكر مصنّف إرشاد الأذهان في سبب تأليفه الكتاب أنّه كتبه لابنه محمّد (1). لكن صاحب مجمع الفائدة والبرهان لم يقدّم مقدّمة تبيّن منهج كتابه بل اختصر الموضوع بالقول : «الحمدلله خالق الهداية والإرشاد ومميّز الإنسان من بين المخلوقات بالكرامة والوداد ، والصّلاة والسّلام على عبده المنتجب الملقّب بأحمد ...» (2).
وعلى أيّة حال ، فإنّ منهجه شرحيّ استدلاليّ.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من كتابه :
النموذج الأوّل : في ذكر الموارد التي لا ينبغي أخذ الأُجرة عليها :
«الخامس : ما يجبُ فعله (ما يحرم الأجرة عليه ـ خ ل» كتغسيل الأموات وتكفينهم ودفنهم ، وكذا أخذ الأجرة على الأذان والصّلوة بالنّاس : الظّاهر أنّه لا خلاف في عدم جواز أخذ الأجرة على فعل واجب على الأجير سواء كان عينيّاً أم كفائيّاً ، فكأنّ الإجماع دليله. وأيضاً إنّه لما استحقّ فعله لله لغير غرض آخر يحرم عليه فعله لذلك الغرض ويحرم الأجر عليه ، هذاظاهر ولكن يرد عليه إشكال ، وهو أنّ أكثر الصناعات واجب كفائي على ماصرّحوا ، فيلزم عدم جواز الأجر ، وكذا يحرم على الطبيب أخذ الأجر لوجوب الطبابة كفائيّاً كالفقه ، بل يلزم عدم جواز أخذ الأجرة لعمله الذي يعمله لضرورة نفسه ، أو دفعها عن غيره ، أو لتحصيل النفقة الواجبة ، وغير ذلك. فالتحقيق بحيث يستحقّ ببعضه الأجرة دون البعض يحتاج إلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إرشاد الأذهان 1 / 218.
(2) مجمع الفائدة والبرهان 1 / 65.
 

التأمّل والدليل.
ويمكن أن يقال : بعضها خارج بنصٍّ أو إجماع ، فكلّ ما دلّ عليه أحدهمايخرج ويبقى الباقي تحت التحريم. وأن يقال أيضاً : فعل الواجب إذا لم يكن الأتيان به إلاّ على الوجه الذي يجب ـ مثل أن لا يرتفع المرض إلاّبعلاج الطبيب ولا يحصل الستر إلاّ بأن يحوك الحائك وغير ذلك ـ لا يجوز له الأجرلوجوبه عليه ، وإلاّ فلا ، فإنّه قد يكون هذا المرض يرتفع بنفسه بغير علاج أو بعلاج آخر غير هذا العلاج الذي يفعله الطبيب ، ويمكن الستر بغير مايحوكه الحائك بأن يفعله بغير المحوك ، وغير ذلك. وأمّا دفع الضرر فوجوب الكسب بالأجرة به لدفعه ، فلا معنى لعدم جواز أخذ الأجرة حينئذلوجوبه ، فتأمّل. هذا بخلاف العبادات التي يحرم أخذ الأجرة عليها مثل التغسيل ، فإنّه لا يمكن الخروج عن العهدة إلاّ بالغسل ...» (1).
النموذج الثاني : في مورد حرمة الأجر على القضاء قال :
«وأمّا الأجر على القضاء والحكم بين المتحاكمين فالظاهر تحريمه مطلقاً ـ سواء كان القضاء متعيّناً عليه أم لا ، وسواء كان بين المتحاكمين أم لا ـ للأخبار الدالّة على أنّه رشوة وهي كفر بالله ، ولأنّه واجب إمّا كفائيّاً أو عينيّاً ولا أجرة على الواجب ، لثبوت استحقاق العمل لأمر الشارع كما مرّ. وقيل : بالجواز على تقدير الاحتياج ، وقيل : مطلقاً ، وقيل : بعدمه على تقدير تعيين القضاء عليه إمّا بتعيين الإمام عليه‌السلام أم لعدم غيره ، والأوّل أظهر كما هو رأي المصنّف» (2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع الفائدة والبرهان 8 / 89 ـ 90.
(2) مجمع الفائدة والبرهان 8 / 93.
 

النموذج الثالث : في مورد جواز بيع كلب الحائط قال :
«أي لا بأس ببيع كلب الحائط الذي يحفظ البساتين والكلب الذي يحفظ الماشية ـ مثل الغنم من الذئب ـ والكلب الذي يحفظ الزرع من السراق والخنازير وكلب الصيد ، وبالجملة : لا بأس ببيع جميع الكلاب التي لهانفع مقصود محلّل. وكذا لا بأس بإجارتها ، لأنّها عين لها نفع محلّل مقصودفيجوز بيعها وإجارتها كساير المباحات ، وللأصل ، ولأنّه لا خلاف عندنا في جواز بيع كلاب الصيد ، ولأنّه قد استثني في الخبر ، وكذا غيرها للاشتراك في النفع. وما ورد من النهي فمحمول على كلاب لا نفع فيها والكلب العقور ، مثل ما تقدّم : السحت ثمن الميتة وثمن الكلب» (1).
الاستنتاج :
1 ـ في البداية ذكر قاعدة فقهية كلّية وهي عدم جواز أخذ الأجرة على فعل واجب عينيّاً كان أو كفائيّاً ، وعلّل الحرمة بأنّ مستند الفعل لله عزّ وجلّ.
2 ـ أورد المصنّف الإشكال التالي : إنّ أكثر الصناعات واجب كفائي ويلزمها عدم أخذ الأجر ، فالفقيه والطبيب والقاضي ينبغي عليهم أن لا يأخذوا أجراً لأنّ عملهم واجب وجوباً كفائيّاً.
3 ـ ذكر أنّ دفع الضرر يمكن أن يوجب أجراً ، فالضّرر المحتمل لا يندفع إلاّ بدافع. وهذا التوجيه هو المخرج الوحيد لإعالة أهل ذلك الاختصاص. ولا يمكن تطبيق فكرة دفع الضرر في العبادات ، لأنّ العبادات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع الفائدة والبرهان 8 / 95 ـ 96.
 

يحرم أخذ الأجرة عليها مطلقاً.
4 ـ إنّ القضاء بين المتنازعين من مختصّات الفقيه ، فيجب عليه أداؤه من باب الوجوب الكفائي ، ويحرم الأجر عليه لأنّه رشوة.
5 ـ جواز بيع وشراء وإجارة كلاب الحراسة لأنّ لها نفعاً محلّلا مقصوداً ، وما ورد من النهي فهو يقع على الكلاب التي ليس لها منفعة محلّلة.
وتبيّن لنا أنّ منهج المصنّف يتميّز بالأُمور التالية :
1 ـ وضوح العبارة وعدم تشعّب المطالب وتفريعها.
2 ـ الاستدلال بمقدار الحاجة التي يقتضيها البحث العلمي.
3 ـ عدم الرجوع إلى أقوال بقية الفقهاء والمصادر الفقهية إلاّ نادراً ، فقدكانت طريقته في الاستدلال الفقهي هو الاعتماد على استدلاله من دون النظر إلى آراء بقية الفقهاء.
5 ـ منهج جامع المقاصد :
كتاب جامع المقاصد في شرح القواعد للشيخ عليّ بن الحسين الكركي (ت 940 هـ) في أربعة عشر مجلّداً ، كتاب فقهي استدلالي. أوصل المصنّف كتابه إلى كتاب النكاح ولم يتيسّر له إتمامه بعد ذلك ، فتمّمه الفاضل الهندي بكتابه كشف اللثام عن وجه قواعد الأحكام ، فابتدأ بشرح كتاب النكاح إلى آخر القواعد.
ومنهج الشّيخ الكركي في جامع المقاصد ومنهج الأردبيلي (ت 993 هـ) في مجمع الفائدة والبرهان متشابهان إلى حدٍّ ما.

نماذج من منهجه :
وفيما يلي موارد من كتابته نعرضها في نماذج :
النموذج الأوّل : «قوله : يجب الغسل على من مسّ ميّتاً من النّاس بعد برده بالموت وقبل تطهيره بالغسل. لمّا كان وجوب غسل المسِّ من لوازم تغسيل الميّت غالباً كان بيان أحكامه كالمتمّم لأحكام الأموات ، والقول بوجوب غسل المسِّ هو المشهور بين الأصحاب ، وعليه دلّت الأخبار ، مثل خبرحريز عن أبي عبد الله عليه‌السلام : من غسّل ميّتاً فليغتسل ، قلت : فإن مسّه؟ قال : فليغتسل» (1).
ثمّ يذكر روايات أُخرى ثمّ يقول :
«وهذه كلّها وغيرها دالّة على الوجوب ، وفي بعضها التصريح بأنّ مسّه قبل البرد لا يوجب غسلاً وإنّ تغسيله حينئذ جائز ، والظاهر أنّ إطلاق وجوب الغسل على الغاسل خرّج محلّ الغالب ، إذ لابدّ له من مسّه غالباً ، وخلاف المرتضى ضعيف» (2).
النموذج الثاني : «قوله : ولا تشترط الرطوبة هنا. المشار إليه بـ (هنا) هو ماسبق من وجوب الغسل بمسّ الميّت وليس هو من متمّمات حكم هذه المسائل الثلاث بدليل السياق ، فإنّ المطلوب بيان أحكام المسِّ. وأيضاً فإنّ قوله : (والظّاهر أنّ النجاسة هنا حكمية ...) يقتضي عدم تعدّي النجاسة مع اليبوسة ، فلو كان المراد عدم اشتراط الرطوبة في المسائل الثلاث تدافعا.
والمراد أنّ وجوب الغسل بمسِّ الميِّت المذكور لا تشترط فيه رطوبة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جامع المقاصد 1 / 458.
(2) جامع المقاصد 1 / 458.
 

واحد من المحلّ الملاقي وما يلاقيه من بدن الميّت ، إذ ليس الحكم مقصوراً على العضو الملاقي بل هو شامل لجميع البدن ، فلا وجه لاشتراط الرطوبة لاستلزامه قصر الحكم على محلّها ، ولإطلاق النصوص ووجوب الغسل بالمسّ من غير تقييد بالرطوبة ، وإلى هذا المعنى ترشد عبارة المنتهى» (1).
النموذج الثالث : «قوله : ولا فرق بين كون الميّت مسلماً أو كافراً. أي : في وجوب الغسل بمسّه ، لأنّ نجاسته أغلظ ، ولصدق المسّ قبل الغسل ، إذ المانع من تغسيله كفره ، ويحتمل عدم الوجوب بمسّه ، لأنّ قولهم : قبل تطهيره بالغسل ، إنّما يتحقّق في ميّت يقبل التطهير ، والأوّل أقوى تمسّكاً بمفهوم الموافقة. ولا فرق في ذلك بين أن يغسل الكافر أو لا» (2).
الاستنتاج :
1 ـ ذكر المشهور بين الأصحاب من الأقوال في موضوع وجوب غسل مسّ الميّت بعد برده ، واستدلّ عليه بالأخبار الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام.
2 ـ علّل إطلاق وجوب الغسل على الغاسل بأنّه غالباً ما يحصل من خلال نقل الميّت بعد برده ونحوها.
3 ـ وأضاف المصنّف بعدم اشتراط الرطوبة في المسِّ الذي يوجب الغسل ، فالنجاسة هنا غير سارية بالرطوبة ، فالنجاسة بموجب هذا الفهم إعتبارية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جامع المقاصد 1 / 460.
(2) جامع المقاصد 1 / 463.
 

4 ـ ولا يفرُقْ جسد المسلم عن الكافر بعد الموت ، فالنجاسة إعتبارية كما ذكرنا في النقطة السابقة.
6 ـ منهج مصباح الفقيه :
كتاب مصباح الفقيه للشيخ رضا بن محمّد هادي الهمداني (ت1322هـ) في أربعة عشر مجلّداً في الطهارة والصّلاة ، ومجلّد واحد في الزكاة ، ومجلّد واحد في الخمس والصوم والرهن ، فيكون المجموع ستّة عشر مجلّداً. وهو شرح مزجيٌّ مفصّل لكتاب شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي.
يقول في مقدّمة كتابه : «... لمّا وفّقني الله تعالى للبحث في مسائل الفقه وبنائها على مبانيها أحببت أن أضع في ذلك كتاباً يهدي في كلِّ فرع إلى أصله مع بسط الكلام في مبانيه حسبما يناسبه المقام ، مستقصياً لنقل الروايات الواردة فيه كي يكون وافياً بمقام الاستدلال مغنياً عمّا سواه ممّا نسج على هذا المنوال ، وجعلته شرحاً على كتاب شرائع الإسلام ...» (1).
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
النموذج الأوّل : في موضوع الماء المضاف ، قال المصنِّف :
«الطرف الثاني في الماء المضاف ، وهو كلّ ما لا يستحقّ إطلاق اسم الماءعليه عرفاً على الإطلاق ، وإنّما يستحقّ إطلاق اسم الماء عليه بعد إضافته إلى شيء آخر إضافة الفرع إلى أصله أو إضافة الجزء إلى كلِّه ، لا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الفقيه 1 / 3.
 

إضافة المظروف إلى ظرفه أو ما يشابهها من الإضافات التي لا ينافيها استحقاق الإطلاق كماء النّهر والبحر ، بل كإضافة الماء الذي اعتصر من جسم محتو عليه أصالةً إلى ذلك الجسم كماء العنب والحصرم والليمون ، لا بالعرض كالمعتصر من الصّوف أو القطن الذي أصابه الماء ، أو كإضافته إلى ما يتصعّد منه كماء الورد ، أو إلى ما مزج به مزجاً يسلبه إطلاق الإسم كماء الزعفران. والحاكم بصحّة السلب وعدمها هو العرف كما عن المشهور ، فلا عبرة بكمّية أحدهما كما عن المبسوط من تحديده بعدم أكثرية المضاف» (1).
النموذج الثاني : في نفس موضوع الماء المضاف ، قال المصنّف :
«وهل يحكم بنجاسته بملاقاة النجس لو كان كثيراً؟ وجهان ، أقواهما الطهارة لقاعدتها. واختار شيخ مشايخنا المرتضى رحمه‌الله الأوّل ؛ نظراً إلى أنّ ملاقاة النجس مقتضية لتنجيس ملاقيه ، وإطلاق الماء ـ ككثرته ـ من قبيل الموانع ، فلا يلتفت إلى احتمال وجوده بعد إحراز المقتضي (2).
وفيه ما عرفت غير مرّة من عدم كفاية إحراز المقتضي في الحكم بثبوت المقتضى ما لم يحرز عدم المانع كما اعترف به شيخنا ـ قدّس سرّه ـ في غير موضع من أصوله (3).
نعم قد يتخيّل في مثل المقام ممّا استفيد فيه عموم الاقتضاء من الأدلّة اللفظية أنّ الشّكّ في وجود المانع مرجعه إلى الشّكّ في تخصيص تلك العمومات ، فينفيه أصالة عدم التخصيص التي هي حجّة معتمدة عند العرف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الفقيه 1 / 267.
(2) كتاب الطهارة ـ الشّيخ الأنصاري : 46.
(3) فرائد الأصول : 404 و409.
 

والعقلاء كما أشار إليه شيخنا ـ قدّس سرّه ـ في مبحث الماء الجاري (1).
وفيه أنّه لو تمّ فإنّما هو في الشبهات الحكمية ـ أعني الشّكّ في مانعية مفهوم كلّيٍّ ـ لا في الشّكّ في كون الموضوع الخارجي مصداقاً لمانع معلوم ؛ لما تقرّر في محلّه من عدم جواز التشبّث بالعمومات في الشبهات المصداقية ، فلو قال : أكرم العلماء ، ثمّ قال : لا تكرم فسّاقهم ، وشكّ في أنّ زيداً فاسق أم عادل لا يجوز الحكم بوجوب إكرام زيد لأصالة العموم ، لأنّ اندراجه تحت عنوان الفاسق لا يستلزم تخصيصاً زائداً على ما علم حتّى ينفيه أصالة العموم أو أصالة عدم التخصيص.
ثمّ إنّه لا فرق بين الماء المضاف وغيره من الأجسام المائعة الطاهرة في جميع الأحكام ، فلو اُريد بالعنوان ما يعمّ الجميع ولو بنحو المسامحة لكان أشمل» (2).
الاستنتاج :
قام المصنّف في النموذجين بما يلي :
1 ـ عرّف الماء المضاف بأنّه كلّ ما لا يستحقّ اسم الماء عليه عرفاً.
2 ـ أعطى بعض مصاديق الماء المضاف وهو :
أ ـ المعتصَر من جسم كماء العنب والحصرم والليمون.
ب ـ ما يتصاعد من غليان الورد بالماء ، وهو ماء الورد.
ج ـ ما مزج بالماء مزجاً سلبه إطلاق الإسم كماء الزعفران.
3 ـ أفتى بطهارة الماء المضاف الكثير لو أصابته نجاسة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب الطهارة ـ الشيخ الأنصاري : 3 و 4.
(2) مصباح الفقيه 1 / 269 ـ 270.
 

4 ـ خالف فتوى الشّيخ الأنصاري الذي قال بالنجاسة وناقشه بعدم كفاية إحراز المقتضي (الماء) في الحكم بثبوت المقتضى (النجاسة) ما لم يحرز عدم المانع (كثرة الماء).

5 ـ منهج التعليقات والحواشي :
مقدّمة :
التعليقة والحاشية عنوانان لمطلب واحد وهو شرح مواضع من الكتاب وبيانها يكتب على الأغلب على هامش ذلك الموضع ، فالحاشية هو ما يكتب في أطراف الكتب من الشروح ، والحشو بمعنى الزائد ، والحاشية بمعنى الطرف من باب تسمية الحال باسم المحلّ.
يقول الشّيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة : «يرجع تاريخ تعليق الحواشي على الكتب في الإسلام إلى عهد انتشار الكتب نفسها ، فإنّ من قرأ

شيئاً من العلوم وكان عارفاً بالكتابة لم يفته هذا النوع من التصنيف ، لأنّ إبداء الرأي طبيعي لكلِّ فرد يمكنه ذلك.
لقد كانت كتابة الحواشي قبل القرن العاشر منحصرة لكشف بعض الغوامض من المسائل وشرح بعض العبارات المعقّدة ، وتمتاز عن الحواشي بعد هذا التاريخ بكونها أوضح من المتون التي علّقت عليها للتّوضيح ، وأمّا في العهد الصفوي القاجاري فنرى الحواشي قد ازدادت عدداً وزادت عباراتها إغلاقاً وتعقيداً بحيث لا تقلّ في ذلك عن المتن الذي علّقت عليه ، وكلّما نتقدّم في هذا العصر نرى هذا الأثر يشتدّ ويتّضح أكثر من ذي قبل. والحواشي في ذلك التاريخ على ثلاثة أقسام :
1 ـ الحواشي على الكتب الأدبية ولا سيّما المتداول تدريسها ، فقد كثرت الحواشي عليها للتشريح والتنقيح والبسط والتعليلات الزائدة واستدراك نكات تركها المصنّف اختصاراً ...
2 ـ الحواشي على الكتب الدينية ، وهي إمّا مسائل أصلية أو فرعية. أمّا الأوّل فإنّ الحواشي عليها إنّما كانت توضيحية لمراد الماتن واستدلالات عقلية أو نقلية له ، أمّا الردّ والانتقاد فما كانوا يكتفون فيها بالحاشية بل يكتبون فيها رسالات مستقلّة. وأمّا المسائل الفرعية فإنّ الحواشي عليها إمّا مختصرة فتوائية وهي التي يكتب المحشّي ما يستنبطه من الحكم في المسألة على خلاف ما استنبطه الماتن ، وإمّا مشروحة يتضمّن البحث في إسناد الأخبار المستدلّة بها أو في كيفية الاستدلال والاستنباط أو انتقاد خفيف.
3 ـ الحواشي على العلوم العقلية ـ وكانت قد تقلّصت في العهد التيموري الأخير ـ فبما كان لأصحابها الحقّ في إظهار النظر واتّخاذ رأي

يرونه حقّاً عندهم صارت معركة للآراء المتخالفة ، فما كان أحدهم يكتب رسالة أو كتاباً إلاّ وتتوارد عليه الحواشي ، وما كانت تبرز حاشية وتشتهر بين قرّائها حتّى تصير هدفاً يتقاطر عليها سهام الحواشي نصرةً لمؤلّف الكتاب على المحشّي الأوّل أو إبداءً لرأي ثالث ، وربّما جاء آخر يتحاكم بين هؤلاء.
وعلى أىٍّ فإنّا نرى أنّ الكتب بضميمة الحواشي تخرج عمّا كانت عليه سابقاً ويعدّ مجموعه تأليفاً جديداً للمحشّي ، لأنّه ألّف بعضه إمضاءً وبعضه الآخر إبداعاً ، كما هو الحال في أكثر التصانيف المستقلّة أيضاً ، حيث يجمع المؤلّف فيها بين جملة من المطالب التي تعرّض لها غيره من قبل وبين ما يبدعه هو نفسه ، غاية الأمر أنّ المحشّي لا يتعب نفسه إلاّ في كتابة ما أبدعه في الهامش فقط ؛ ولهذا فقد كثر عدد الحواشي بحيث خرج عن حدّ الإحصاء. ولجميع هذه الأقسام أهمّيّتها التاريخية للبحث عن التطوّر العقلي للمجتمع الذي ولدت فيه هذه الأفكار»(1).
طبيعة الحواشي :
تكتب التعليقة أو الحاشية لتدارك ما فات الماتن من أفكار وآراء ، وشرح المطالب الغامضة ، وتوثيق أو تضعيف السند ، والاستدلال أحياناً على المطلب عن طريق الآيات الشريفة والروايات الصحيحة. ويعتبر في قوّة الحاشية المكتوبة الفقيه المحشّي نفسه. وقد اهتمّ فقهاء الإمامية بكتابة الحواشي والتعليقات.
__________________
(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 6 / 7 ـ 8.

فالوحيد البهبهاني (ت 1205 هـ) كتب حاشية على مدارك الأحكام ، والشّهيد الثاني (ت 965 هـ) كتب حاشيتين الأولى على شرائع الإسلام والثانية على إرشاد الأذهان ، والشّيخ النراقي (ت 1245 هـ) كتب حاشية على الروضة البهية.
وسوف نذكر الحواشي ، وهدفنا فهم منهجها وطريقة ترتيب أفكارها.
كتب الحواشي :
1 ـ الحاشية على مدارك الأحكام للوحيد البهبهاني (ت 1205 هـ).
2 ـ حاشية شرائع الإسلام للشهيد الثاني (ت 965 هـ).
3 ـ حاشية إرشاد الأذهان للشهيد الثاني (ت 965 هـ).
4 ـ الحاشية على الروضة البهية للشيخ النراقي (ت 1245 هـ).
1 ـ منهج الحاشية على المدارك :
كتاب الحاشية على مدارك الأحكام للمولى محمّد باقر البهبهاني (ت 1205 هـ) ، في ثلاثة مجلّدات ، هو حاشية على كتاب مدارك الأحكام للسيّد الموسوي العاملي. وكتاب المدارك ذاته هو شرح على كتاب شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي.
ومنهج المصنّف في الحاشية هو :
1 ـ تحديد المباني الأصولية والفقهية لكتاب مدارك الأحكام ومحاولة مناقشتها وتدارك ما فات صاحب المدارك من أفكار وآراء وتنبيهات.

2 ـ استخدام الطريقة الاستدلالية من حيث استخدام الأمارات الشرعية والأصول العملية وإشباع البحث تفريعاً وتوجيهاً وعرض الروايات المتعارضة.
3 ـ تعميق البحث الرجالي من توثيق أو تضعيف وأخذ أو ردّ ، محاولاً تطبيق الطّرق التي يعتمدها في توثيق الرجال.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
النموذج الأوّل : في موضوع بعض الطّهارات الواجبة :
«قال : مطلق الطهارة(1) ... : إن أراد الأعمّ من الترابية ففيه ما فيه ، وإن إراد الطبيعة اللابشرط ففيه : إنّا لم نقف على ما ذكرت ، فإنّ الصّلاة تتوقّف على الوضوء في صورة وعلى الغسل في صورة أُخرى وعلى كليهما في صورة أُخرى على المشهور ، والمراد من قوله : (لا صلاة إلاّ بطهور) ليس توقّفها عليه من دون خصوصية.
وقوله : (وما يثبت ...) ، فيه : إنّ النوع الخاصّ طهارة أيضاً لتوقّف صحّة الصوم عليه كما صرّح به ، بل صرّح بأنّه طهارة حيث جعله نوعاً منها ، والخصوصية لا تخرجه عن كونه فرداً للطهارة ، وهو رحمه‌الله يوجب التيمّم للخروج من المسجدين كما ورد النصّ به ، بل ويوجبه لدخول المساجد عموماً ...»(2).
__________________
(1) في المدارك 1 / 24 : «فما ثبت توقّفه على مطلق الطهارة من العبادات يجب له التيمّم».
(2) الحاشية على مدارك الأحكام : 37.

النموذج الثاني : في موضوع : ما يستحبّ له الوضوء :
«قال : لأنّ الاستحباب ... : الحكم شرعيٌّ وعقليٌّ وعاديٌّ ، والأخيران لا مانع منهما بأن يقال : عقلاً كذا أو عادة كذا ، ولا مانع من متابعتهما سيّما العقلي ، ولذا ترى الشارح رحمه‌الله مع حكمه بأنّ الاحتياط ليس بدليل شرعيٍّ يأمر به مهما أمكن ، وديدنه ذلك. وبالجملة : لا مانع من متابعتهما ما لم يدخلهما في الشرع ، بل أمر بهما ونهى عن خلافهما. وربّما قيل بإدخال العقلي في الشرعي بناءً على تطابقهما ، ومنّا من أنكر مع القول بالتطابق. ولاشكّ في اعتبارهما في موضوع الحكم ، نعم لو كان من العبادات فحكمه حكم نفس الحكم ، وهو بعنوان الجزم يتوقّف على دليل قطعي والظّنّ على الظّنّي والاحتمال على أمارة مورثة له مثل الخبر الضعيف متناً أو سنداً أو دلالة أو تعارض الأدلّة أو قول الفقهاء ـ لا إجماعهم ـ أو فقيه أيضاً أو حكم العقل على القول الآخر ، فالأوّل لاشكّ في اعتباره ، والثاني من المجتهد إمّا مطلقاً أو إذا كان عليه بخصوصه دليل شرعيٌّ ، وأمّا الثالث فلا مانع له من مجرّد القول مطلقاً ، وأمّا العمل فلا مانع منه إذا كان احتياطاً ولاشكّ في حسنه عقلاً ونقلاً ، فظهر وجه تسامح القوم في السنّة والمكروه. مضافاً إلى حديث : (من بلغه شيءٌ من الثواب على عمل فعمل ذلك التماس الثواب أوتيه وإن لم يكن الحديث على ما بلغه)(1).
لا يقال : ما ذكر أوّلاً يتمّ في محتمل الضرر مثل الوجوب والحرمة لا ما يفيد الاستحباب أو الكراهة ، والحديث غاية ما يثبت مجرّد الثواب لا الاستحباب.
__________________
(1) الوسائل 1 / 80 أبواب مقدّمة العبادات ب 18.

لأنّا نقول : الاحتياط يتحقّق عقلاً وعرفاً في جانب المنفعة أيضاً ، مضافاً إلى أنّ الحسنات يذهبن السيّئات ، مع أنّ ثواب الله أعظم من الدرهم والدينار ، ويتحقّق فيهما أيضاً.
بل من بذل جهده في جميع ما هو مطلوب السيّد حتّى المحتمل كونه مطلوبه فإنّه عند العقل والعرف ـ بل لعلّه عند الشرع أيضاً ـ ليست مرتبته مساوية لمرتبة المقتصر على القدر الثابت ، وهذا أيضاً طريق آخر للمسامحة.
بل من ارتكب مباحاً من حيث إنّ السيّد أباحه وإنّه مباحه لعلّه يصير حسناً عند السيّد ووسيلة لقربه جالباً لمحبّته ، فإذا كان ما هو مقطوع عدم رجحانه كذلك فما ظنّك بما نحن فيه. وهذا أيضاً طريق آخر.
وأيضاً ربّما يرتكب من حيث إنّه نسب إلى السيّد أنّه يحبّه ويستحسنه. وهذا أيضاً طريق آخر.
وأمّا الجواب للحديث فبأنّ الطريقة المسلّمة المعهودة المقرّرة أنّهم يحكمون باستحباب الفعل بمجرّد أن يرد من الشرع بإزائه ثواب ، وذلك إمّا لأنّهم يريدون من المستحبّ ما يكون بإزائه ثواب والثواب الذي فيه يكفي لرجحانه ، أو لأنّ الثواب عندهم لا يكون إلاّ برجحان فيه فلا يكون بغير رجحان لمنافاته الحكمة ولزوم الترجيح بلا مرجّح ، والمرجّح ربّما كان وجوهاً واعتبارات يمكن أن يكون ممّا أشرنا إليه أو غيره ممّا يمكن أو لا يمكن دركه»(1).
__________________
(1) الحاشية على مدارك الأحكام 1 / 20 ـ 22.

الاستنتاج :
1 ـ يشرح المحشّي المطالب الفقهية للماتن شرحاً وافياً ، ولا يخالُ القارئ أنّ ما يقرأه هو حاشية بل هو شرحٌ مبسوط لكتاب فقهيٍّ ، فيشرح التيمّم مثلاً وكون له خصوصية مثل وجوبه للخروج من المسجدين إذا أصابته جنابة.
2 ـ يناقش المحشّي أصل الاحتياط وتوقّفه على الدليل القطعي أو الظّنّ على الظنّي والاحتمال على أمارة مورثة له ، ويتوصّل إلى نتيجة مفادها أنّه لابدّ من مرجّح شرعي في الأخذ بأصل الاحتياط.
2 ـ منهج حاشية شرائع الإسلام :
كتاب حاشية شرائع الإسلام للشهيد الثاني زين الدين بن عليّ العاملي (ت 965 هـ) في مجلّد واحد ، هو حاشية موجزة ومختصرة ، يذكر قول المحقّق ثمّ يعلّق عليه بما يراه ، ولم يستدلّ بالآيات القرآنية أو الأحاديث الشريفة إلاّ في موارد قليلة نادرة ، ولا ينقل آراء الفقهاء إلاّ نادراً. يقول في مقدّمة كتابه :
«وبعد ، فهذه تعليقةٌ مختصرةٌ وقيودٌ مُحبَّرةٌ(1) على كتاب شرائع الإسلام ، تُنظِّمُ ما اعتمد عليه من فتواه وتقيِّد ما أطلقه وتُبيِّن ما أجمله ، وعلى الله سبحانه أعتمد وهو حسبي ونعم الوكيل»(2).
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من حاشيته :
__________________
(1) مُحبَّرة : أي محَسَّنة.
(2) حاشية الشرائع : 19.

النموذج الأوّل : في كتاب العمرة [صورتها]
«قوله : وصورتها أن يحرم من الميقات الذي يسوغ له الإحرام منه ، ثمّ يدخل مكّة فيطوف ويصلّي ركعتيه ، ثمّ يسعى بين الصّفا والمروة ويقصّر : في عود ضمير (وصورتها) التباس ، لأنّه إن عاد إلى مطلق العمرة الشامل للمفردة والمتمتّع بها ـ كما يشعر به قوله بعد ذلك : وهي تنقسم إلى متمتّع بها ومفردة ـ لم يصحّ ، لاختلاف صورتهما وإن اشتركا في أكثر الأفعال. وإن عاد إلى المتمتّع بها ـ كما يظهر من قوله : ثمّ يدخل مكّة ... إلى آخر الأفعال التي عدّدها ولم يذكر فيها طواف النساء المختصّ بالمفردة ـ لم يكن للضمير مرجع صالح ، ثمّ ينافيه قوله بعد ذلك : (وأفعالها ثمانية) وعدّ منه طواف النساء. وإن عاد إلى المفردة حصل التنافي أيضاً بين العبارتين المقدّرة فيهما الأفعال. لكن الأولى إرادة المفردة ، ويكون الاقتصار في العبارة الأولى على ما عدا طواف النساء بملاحظة الأفعال المشتركة بين العمرتين ، ثمّ أكمل المراد من المفردة بعد ذلك معيداً للضمير إليها ، ولا يحتاج المقام إلى التصريح بها لأنّها هي الواجبة بأصل الشرع ، والإطلاق منـزّل عليها»(1).
النموذج الثاني : في أحكام الطواف.
«قوله : الطواف ركن مَن تركه عامداً بطل حجّه : المراد به غير طواف النساء فإنّه ليس بركن إجماعاً ، وترك الطواف بخروج ذي الحجّة قبل فعله(2).
قوله : ولو تركه ناسياً قضاه : المراد بالقضاء هنا الإتيان بالفعل من باب
__________________
(1) حاشية شرائع الإسلام : 302.
(2) حاشية شرائع الإسلام : 270.

(فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ)(1) لا القضاء المتعارف؛ إذ لا توقيت هنا للطّواف حقيقيّاً»(2).
الاستنتاج :
1 ـ يناقش المحشّي الماتنَ ويُشكل عليه ، مثلاً في صورة العمرة يقول : «في عود ضمير : (وصورتها) التباس» ثمّ يذكر الالتباس ويعرض رأيه في ذلك.
2 ـ يصحّح المحشّي ما فاتَ الماتن من تفصيل ، مثلاً يقول الماتن : «إنّ الطواف ركن» فيعلّق المحشّي : «المراد به غير طواف النساء فإنّه ليس بركن إجماعاً».
3 ـ يشرح المحشّي ما لم يشرحه الماتن ، مثلاً يقول الماتن : «ولو تركه ناسياً قضاه» فيشرح المحشّي : «المراد بالقضاء هنا الإتيان بالفعل من باب (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُم) لا القضاء المتعارف ، إذ لا توقيت هنا للطّواف حقيقة».
3 ـ منهج حاشية إرشاد الأذهان :
كتاب حاشية إرشاد الأذهان للشهيد الثاني زين الدين العاملي (ت 966 هـ) في مجلّد واحد ، هو حاشية وتعليقات كتبها الشّهيد الثاني على إرشاد الأذهان للعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ).
ونذكر نموذجاً في دراسة منهجه ، وهو : كتاب الحجّ [النظرُ] الأوّل في أنواعه :
__________________
(1) سورة البقرة 2 : 200.
(2) حاشية شرائع الإسلام : 270.

قوله : ثمّ يحرم من مكّة يومَ التروية : الثامن من ذي الحجّة على الأفضل.
قوله : ثمّ يمضي إلى مكّة : من يومه أو غده ، ولا يجوز التأخير من غده.
«قوله : باثني عشر ميلاً : بل ثمانية وأربعينَ ميلاً من كلِّ جانب.
قوله : إلى فرضِ الآخرِ اضطراراً : يتحقّقُ الاضطرارُ في المتمتّعِ بخوف المرأة الحيضَ المانعَ لها من التحلّل من العُمرة قبل الإهلالِ بالحجّ وإدراك عرفةَ نظراً إلى عادتها ، فيعدلُ حينئذ إلى أحدهما. ويتحقّق العكس إذا خافت طرءَ الحيضِ بعد الإتيان بأفعال الحجِّ بحيثُ لا يمكنها الإتيان بالعمرة المفردةِ بعده وخشيتْ معاجلةَ سفر رفقتها ، ونحو ذلك.
قوله : ويستحبُّ لهما تجديدُ التلبية : الأقوى وجوب تجديد التلبية بعد كلِّ طواف عقيب ركعتيه ، وبدونها يُحلاّن.
قوله : وينتقلُ فرضُ المقيم : ويُشترط الاستطاعةُ من بلده.
قوله : ثلاث سنين : بل المعتبرُ سنتان وينتقل فرضه في الثالثة.
قوله : إلى الميقاتِ : أيّ ميقات شاء(1)».
الاستنتاج :
1 ـ يشرح المحشّي ما فاتَ الماتن من شرحه ، مثلاً يقول الماتن : «ثمّ يحرم من مكّة يوم التروية» فيقول المحشّي : «الثامن من ذي الحجّة على الأفضل». أيضاً يشرح المحشّي معنى الاضطرار.
__________________
(1) حاشية إرشاد الأذهان : 117.

2 ـ يعارض المحشّي ما ذكره الماتن ، مثلاً يقول الماتن : «باثني عشر ميلاً» يقول المحشّي : «بل ثمانية وأربعين ميلاً من كلِّ جانب».
3 ـ يفتي المحشّي بخلاف رأي الماتن ، يقول الماتن : «ويستحبّ لهما تجديدُ التلبية» ويجيب المحشّي : «الأقوى وجوب تجديد التلبية بعد كلِّ طواف ...».
4 ـ منهج كتاب الحاشية على الروضة :
كتاب الحاشية على الروضة البهية للشيخ أحمد بن محمّد مهدي النراقي (ت 1245 هـ) ، والكتاب تعليق على كتاب الروضة البهية للشهيد الثاني (ت 965 هـ) الذي هو شرحٌ لكتاب اللمعة الدمشقية للشّهيد الأوّل (ت 786 هـ). وأُسلوب المصنِّف توضيحيٌّ شرحيٌّ.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
النموذج الأوّل : في كتاب الصّلاة ـ الفصل الأوّل.
«قوله : تغليباً : التغليب يكون في النسبة ، فإنّه يقال في المنسوب إلى اليوم : (يومي) وإلى الليل : (الليلي) وإذا غلب اليوم يقال : (اليومية).
وقوله : أو بناءً على إطلاقه : أي إطلاق اليوم. يريد أنّ التجوّز في لفظة اليوم ، حيث يراد به ما يشمل الليل أيضاً ـ أي : الزمان ـ من باب عموم المجاز»(1).
__________________
(1) الحاشية على الروضة البهية : 193.

النموذج الثاني : في «قوله : بالكسوفين : الباء إمّا السببية أي : جعلها ثلاثاً بسبب الكسوفين ، أو بمعنى : (مع) أي : مع الكسوفين. ووجه أسدّيّة عدّها سبعة بإدخال الكسوفين في الآيات أنّهما قسمان من الآيات لدخولهما فيها ، فعدّهما قسمين لها من عيوب القسمة. وقد تعدّ تسعة بجعل الآيات ثلاثاً بالزلزلة فالكسوفين وغيرها ، وهو أيضاً غير سديد. وجعل التسعة في القواعد بذلك وبجعل شبه المنذور قسماً على حدة وإخراج صلاة الأموات»(1).
النموذج الثالث :
«قوله : صلاة الأموات اختيار إطلاقها : وذلك لأنّه صرّح كثير من الأصوليّين ومنهم العلاّمة وولده بأنّ التقسيم يدلّ على كون المقسّم مشتركاً بين الأقسام ، ولكن وقع الخلاف في أنّه يدلّ على الاشتراك المعنوي أو اللفظي ، وعلى التقديرين يثبت مطلوب الشارح هنا كما لا يخفى.
وإنّما قيّد الحقيقة بالشرعية لأنّها إذا كانت حقيقة فيها لم يكن إلاّ شرعية ، إذ لا يحتمل خلاف في عدم كونها حقيقة لغوية فيها. وأمّا الحقيقة المتشرّعية وإن جازت إلاّ أنّ جعلها قسيماً لسائر المعاني التي هي حقائق شرعية عند المصنّف يشعر بكونها أيضاً كذلك»(2).
الاستنتاج :
1 ـ غالباً ما يعرّف المحشّي العبارات التي ذكرها الماتن ، مثلاً في قول الماتن «تغليباً» يقول المحشّي : «التغليب يكون في النسبة ...».
__________________
(1) الحاشية على الروضة البهية : 193.
(2) الحاشية على الروضة البهية : 193 ـ 194.

2 ـ أحياناً يناقش المحشّي ما كتبه الماتن ويعترض عليه بأنّه رأي غير سديد ، كما في شرح «... بالكسوفين».
3 ـ وأحياناً أُخرى يؤيّد ما كتبه الماتن ، فيقول : «وعلى التقديرين يثبت مطلوب الشارح هنا كما لا يخفى».
وبالإجمال : فإنّ التعليقة أو الحاشية هي أفكار ومعلومات سريعة يكتبها المحشّي تذكرةً لنفسه غالباً ، وقد يُستفاد منها ، وقد لا يعرف معناها إلاّ المحشّي نفسه.
6 ـ منهج النقد العلمي :
مقدّمة :
ولا يتطوّر المنهج إلاّ بالنقد والردّ والنقاش المثمر. وإذا كان الميزان هو البحث عن الدليل كان النقد العلمي من أهمّ ميزات تطوّر الفكر.
طبيعة النقد العلمي :
مع أنّ الشّيخ الطّوسي (ت 460 هـ) قد مهّد الأرضية الصلبة للمدرسة الإمامية في الأصول والفقه والرجال والحديث إلاّ أنّه تعرّض للنقد العلمي أيضاً ، فقد انتقده ابن البرّاج (ت 481 هـ) مباشرة ودون واسطة في نقاشات علمية ، وانتقده ابن إدريس (ت 598 هـ) بعد أكثر من مائة سنة في كتاب السرائر. ومن قبله وعلى نفس الشاكلة انتقد الشّيخ المفيد (ت 413 هـ) استاذه الشّيخ الصدوق (ت 381 هـ). وكلّما اقتصر النقد على المباني العلمية كان أنفع لفكر الطائفة الحقّة ومتبنّياتها. ولولا النقد العلمي بين الفقهاء لما وصل الفكر الفقهي الشيعي إلى ما هو عليه اليوم من سموٍّ

وإرتقاء. والكتب التي نذكرها في هذا المنهج لم تكتب لأجل النقد ، بل إنّ فيها نقداً علميّاً لآراء بعض الفقهاء.
كتب المنهج النقدي العلمي :
1 ـ كتاب تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد (ت 413 هـ).
2 ـ كتاب المهذّب في الفقه للشيخ ابن البرّاج (ت 481 هـ).
3 ـ كتاب السرائر لابن إدريس الحلّي (ت 598 هـ).
1 ـ منهج تصحيح الاعتقاد :
نقد الشّيخ المفيد (ت 413 هـ) أُستاذه الشّيخ الصدوق (ت 381 هـ) نقداً علميّاً في كتاب تصحيح الاعتقاد ، فقد ألّف الشّيخ الصدوق كتاب الاعتقادات الذي تتميّز أُطروحته بالاعتماد في معرفة أُصول الدين على النصوص الواردة عن أهل البيت عليهم‌السلام. وأُصول الدين ومسائل العقيدة من الأُمور التي ينبغي أن يتوصّل إليها المكلّف بنفسه عن طريق العقل الذي وهبه الله إيّاه ، مسترشداً بالكتاب المجيد وسنّة أهل البيت عليهم‌السلام.
فتصدّى الشّيخ المفيد لكتاب الاعتقادات بالنقد والردّ وأصدر كتاب تصحيح الاعتقاد معتمداً المنهج الكلامي للطائفة ، منتقداً شيخه قدس‌سره ومخالفاته في المسائل الكلامية بكلّ جرأة. وكان الشّيخ الصدوق قد انتهج في الاعتقادات منهج الحديث والرواية والفقه ، بينما انتهج الشّيخ المفيد منهج علم الكلام. وقد أضفنا رأي الشّيخ المفيد والشّيخ الطّوسي إلى هذا البحث لأنّهما فقيهان من فقهاء الإمامية ، هدفنا دراسة المنهج عبر كتاب تصحيح الاعتقاد.

وفي كتاب تصحيح الاعتقاد يناقش المصنّف استاذه «في موارد كثيرة يرد عليه في الأغلب ، ويختلف معه في فهم ما ورد من ذلك في حديث أئمّة العترة الطاهرة عليهم‌السلام ، فالصدوق ابن بابويه يفهمها فهمَ محدِّث والشّيخ المفيد ينظر إلى الأحاديث نظرة متكلّم متعمّق عارف بفنون الكلام ومغازيها ، ومن هنا اختلفا فيما بينهما ، كما اختلفا من هذا المنطلق أيضاً في سهو النبيّ(صلى الله عليه وآله) وفي العدد والرؤية في شهر رمضان»(1).
نموذج من منهجه :
[حكمة الكناية والاستعارة] : «فصل : والذي قاله أبو جعفر [الصدوق] في تفسير قوله تعالى : (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)(2) أنّ المراد : قدرتي وقوّتي(3).
قال أبو عبد الله [المفيد] : ليس هذا هو الوجه في التفسير لأنّه يفيد تكرار المعنى ، فكأنّه قال : بقدرتي وقدرتي أو بقوّتي وقوّتي ، إذ القدرة هي القوّة والقوّة هي القدرة ، وليس لذلك معنىً في وجه الكلام. والوجه ما قدّمناه من ذكر النعمة ، وأنّ المراد بقوله : (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ) إنّما أراد به نعمتيَّ اللتين هما في الدنيا والآخرة ، والباء في قوله تعالى : (بيديَّ) تقوم مقام اللام ، فكأنّه قال : خلقت ليدىَّ ، يريد به لنعمتي ، كما قال : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُوْنَ)(4) ، والعبادة
__________________
(1) حياة الشّيخ المفيد ومصنّفاته ـ القسم الثاني كتبه السيّد عبدالعزيز الطباطبائي : 229.
(2) سورة ص 38 : 75.
(3) الاعتقادات : 23.
(4) سورة الذاريات 51 : 56.

من الله تعالى نعمته عليهم ، لأنّها تعقبهم ثوابه تعالى في النعيم الذي لا يزول. وفي تأويل الآية وجه آخر ، وهو أنّ المراد باليدين فيها هما القوّة والنعمة ، فكأنّه قال : خلقتُ بقوّتي ونعمتي ...»(1).
الاستنتاج :
1 ـ لم يكن نقد التلميذ لأُستاذه مألوفاً في القرون الهجرية الأولى ، ولعلّ الشّيخ المفيد هو أوّل من قام بذلك. والنقد العلمي يعني محاولة تصويب الهفوة التي وقع بها الفقيه الذي سبقه لقصور في المقدّمات أو تقصير في الفهم.
2 ـ ينقد الشّيخ المفيد أُستاذه الشّيخ الصدوق في تفسير الآية (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) ، حيث يفهم الشّيخ الصدوق منها أنّ المراد من (يدىَّ) هو قدرتي وقوّتي ، ولكن ذلك يستلزم تكرار المعنى وهو غير صحيح على رأي الشّيخ المفيد. والصحيح عند الشّيخ المفيد هو أنّ المراد باليدين هما النعمتين واحدة في الدنيا والأُخرى في الآخرة ، أو : القوّة والنعمة.
3 ـ يظهر من كتابة المصنّف أنّ منحاه العلمي في نقاش تلك المسائل هو منحى كلامي فلسفي ، لذلك فقد كان قادراً على الخوض في مسائل الكناية والاستعارة ونحوها بكلِّ كفاءة.
2 ـ منهج المهذّب :
وكتاب المهذّب في الفقه للقاضي عبد العزيز بن البرّاج الطرابلسي
__________________
(1) مصنّفات الشّيخ المفيد ـ (تصحيح الاعتقاد) ـ المجلّد الخامس : 33 ـ 34.

(ت 481 هـ) المعاصر للشيخ الطّوسي (ت 460 هـ) من الكتب الفقهية المختصرة في مجلّدين ، ويضمّ الكتاب دورة فقهية مختصرة كاملة. ومنهج الكتاب عرض الأحكام الشرعية بلغة واضحة بعيدة عن الاستدلال الفقهي. يقول على سبيل المثال في باب المساجد وما يتعلّق بها :
«المساجد أفضل المواضع والأمكنة التي يصلّى فيها ، ولمّا كانت كذلك وجب ذكرها وما يتعلّق بها. قال الله سبحانه : (إِنَّما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)(1) ، وروي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : من بنى مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنّة ، وروي عنه(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : من كان القرآن حديثه والمسجد بيته بنى الله له بيتاً في الجنّة ، وروي عن الأئمّة عليهم‌السلام أنّ الصّلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، والصّلاة في مسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله) بعشرة آلاف صلاة ، والصّلاة في بيت المقدس بألف صلاة ، وفي المسجد الأعظم بمائة صلاة ، وفي مسجد القبيلة بخمس وعشرين صلاة ، وفي السوق باثنتي عشرة صلاة ، وصلاة الرجل في بيته وحده صلاة واحدة»(2).
المنهج النقدي :
والذي يهمّنا هنا منهج النقد العلمي الذي استخدمه المصنّف مع الشّيخ الطّوسي ، ومن ذلك نأخذ نموذجين :
النموذج الأوّل : اختلاط المضاف بالمطلق ورفع الحدث : خذ على سبيل المثال ما ورد في كتاب الطهارة في حالة اختلاط الماء المضاف
__________________
(1) سورة التوبة 9 : 18.
(2) المهذّب 1 / 76 ـ 77.

الطاهر بالماء المطلق الطاهر وهما متساويان في المقدار. فقد قال ابن البرّاج بعدم جواز استعماله في رفع الحدث وعدم جواز استعماله في إزالة النجاسة والجواز في غير ذلك. وبعد ذلك قال :
«وقد كان الشّيخ أبو جعفر الطّوسي رحمه‌الله قال لي يوماً في الدرس : هذا الماء يجوز استعماله في الطهارة وإزالة النجاسة.
فقلتُ له : ولم أجزت ذلك مع تساويهما؟
فقال : إنّما أجزتُ ذلك لأنّ الأصل الإباحة.
فقلت له : الأصل وإن كان هو الإباحة فأنت تعلم أنّ المكلّف مأخوذ بأن لا يرفع الحدث ولا يزيل النجاسة عن بدنه أو ثوبه إلاّ بالماء المطلق ، فتقول أنت بأنّ هذا الماء مطلق؟
فقال : أفتقول أنت بأنّه غير مطلق؟
فقلتُ له : أنت تعلم أنّ الواجب أن تجيبني عمّا سألتك عنه قبل أن تسألني بـ : (لا) أو (نعم) ثمّ تسألني عمّا أردت ، ثمّ إنّني أقول بأنّه غير مطلق.
فقال : ألستَ تقول فيها إذا اختلطا وكان الأغلب والأكثر المطلق فهما مع التساوي كذلك؟
فقلتُ له : إنّما أقول بأنّه مطلق إذا كان المطلق هو الأكثر والأغلب ، لأنّ ما ليس بمطلق لم يؤثّر في إطلاق اسم الماء عليه ، ومع التساوي قد أثّر في إطلاق هذا الإسم عليه فلا أقول فيه بأنّه مطلق ، ولهذا لم تقل أنت بأنّه مطلق ، وقلتَ فيه بذلك إذا كان المطلق هو الأكثر والأغلب ، ثمّ إنّ دليل الاحتياط تناول ما ذكر. فعاد إلى الدرس ولم يذكر فيه شيئاً»(1).
__________________
(1) المهذّب ـ كتاب الطهارة 1 / 24 ـ 25.

ونستنتج من ذلك :
1 ـ إنّنا نقف أمام فقيهين يمثّلان رأيين مختلفين ، أوّلهما : ابن البرّاج ، وثانيهما : الشّيخ الطّوسي.
2 ـ إنّ المسألة المتنازع حولها هي حالة اختلاط الماء المضاف الطاهر بالماء المطلق الطاهر وهما متساويان في المقدار ، فابن البرّاج يقول بعدم جواز استعماله في رفع الحدث أو إزالة النجاسة لأنّه ماء غير مطلق والأصل أنّ الماء المطلق فقط يرفع الحدث ويزيل النجاسة ، والشّيخ الطّوسي يقول بجواز استعماله في رفع الحدث وإزالة النجاسة للأصل وهو الإباحة ، وإذا اختلط المضاف مع المطلق فهما مع التساوي.
3 ـ إنّك عرفتَ أنّ حجّة ابن البرّاج أقوى من حجّة الشّيخ الطّوسي ، فأذعن الأخير قدس‌سره لابن البرّاج.
النموذج الثاني : إذا حلف الرجل على عدم أكل شيء : ومثال آخر في كتاب الكفّارات من المهذّب أنّ الرجل إذا ما حلف على عدم أكل الحنطة فهل يستطيع أن يأكلها دقيقاً دون أن يحنث؟ يقول ابن البرّاج :
«كان الشّيخ أبو جعفر الطّوسي ـ رحمه الله ـ قد قال لي يوماً في الدرس : إن أكَلَها على جهتها حَنَثْ ، وإن أكلها دقيقاً أو سويقاً لم يحنث.
فقلتُ له : ولِمَ ذلك وعين الدقيق هي عين الحنطة وإنّما تغيّرت بالتقطيع الذي هو الطحن؟
فقال : قد تغيّرت عمّا كانت عليه وإن كانت العين واحدة ، وهو حلفَ أن لا يأكل ما هو مسمّى بحنطة لا ما يسمّى دقيقاً.
فقلتُ له : هذا لم يجز في اليمين ، فلو حلف : لا أكلتُ هذه الحنطة ما دامت تسمّى حنطة كان الأمر على ما ذكرت ، فإنّما حلفَ أن لا يأكل هذه

الحنطة أو من هذه الحنطة.
فقال : على كلِّ حال قد حلفَ أن لا يأكلها وهي على صفة وقد تغيّرت عن تلك الصفة فلم يحنث.
فقلتُ : الجواب ها هنا مثل ما ذكرته أوّلاً ، وذلك إن كنت تريد أنّه حلف أن لا يأكلها وهي على صفة أنّه أراد على تلك الصفة ، فقد تقدّم ما فيه ، فإن كنتَ لم ترد ذلك فلا حجّة فيه. ثمّ يلزم على ما ذكرته أنّه لو حلف أن لا يأكل هذا الخيار وهذا التفّاح ثمّ قشّره وقطّعه وأكله لم يحنث ، ولا شبهة في أنّه يحنث.
فقال : من قال في الحنطة ما تقدّم يقول في الخيار والتفّاح مثله.
فقلتُ له : إذا قال في هذا مثل ما قاله في الحنطة علم فساد قوله بما ذكرته من أنّ العين واحدة ، اللّهمّ إلاّ إن شرط في يمينه أن لا يأكل هذا الخيار أو هذا التفاح وهو على ما هو عليه ، فإنّ الأمر يكون على ما ذكرت ، وقد قلنا : إنّ اليمين لم يتناول ذلك. ثمّ قلتُ : إنّ الاحتياط يتناول ما ذكرته. فأمسك»(1).
ونستنتج من ذلك :
1 ـ فلنتصوّر مرّة أخرى وضع نفس الفقيهين وهما يتناقشان حول موضوع رجل أقسم اليمين الشرعية على عدم أكل الحنطة ثمّ أكلها دقيقاً (مطحوناً) فهل يحنث بذلك العمل؟ فابن البرّاج يعتقد أنّه إذا أكلها حنطةً فقد حنث وإذا أكلها مطحونة (دقيقاً أو سويقاً) حنث أيضاً ، لأنّ الدقيق عين الحنطة وإنّما تغيّرت بالتقطيع أو الطحن ، والاحتياط يشمل ذلك. والشّيخ
__________________
(1) المهذّب ـ كتاب الكفّارات 2 / 419 ـ 420.

الطّوسي يعتقد أنّه إذا أكلها حنطةً فقد حنث وإذا أكلها مطحونة (دقيقاً أو سويقاً) لم يحنث ، لأنّه لم يأكل مسمّى الحنطة بل أكل شيئاً آخر هو الدقيق ، وهذا يعني أنّه حلف على أن لا يأكل وهي على صفة وقد تغيّرت عن تلك الصفة.
2 ـ عرفت أنّ حجّة ابن البرّاج كانت أيضاً أقوى من حجّة الشّيخ الطّوسي.
وبالإجمال : فإنّ هذا المستوى العلمي الراقي قد ميّز فقهاء الإمامية عن غيرهم من فقهاء المذاهب الأُخرى ، حيث إنّ المدار عندهم هو الدليل والحجّة الأقوى مهما كانت مكانة صاحب الرأي أو منـزلته العلمية.
3 ـ منهج كتاب السرائر :
كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي لأبي جعفر محمّد بن منصور ابن أحمد بن إدريس الحلّي (ت 598 هـ) في ثلاثة مجلّدات ، وهو كتاب فقهي جامع لكل أبواب الفقه ، وقد اعتبرناه كتاباً نقديّاً لأنّه ناقش مباني الفقهاء كالشيخ الطّوسي قدس‌سره. والكتاب ذاته تعرّض للنقد الشديد بسبب آرائه الرجالية.
نقد كتاب السرائر :
يقوم منهج الكتاب على مبنى عدم العمل بخبر الواحد ، ولذلك أصبح الكتاب مرمىً للنّقد والطّعن. وما ذكره الشّيخ محمود الحمصي من أنّ ابن إدريس مخلّط لا يُعتمد على تصنيفه ، فهو صحيح من جهة وباطل من جهة ، أمّا أنّه مخلّط في الجملة فممّا لاشكّ فيه ويظهر ذلك بوضوح من

الروايات التي ذكرها فيما استطرفه من كتاب أبان بن تغلب ، فقد ذكر فيها عدّة روايات ممّن لم يدرك الصّادق عليه‌السلام ، وكيف يمكن أن يروي أبان المتوفّى في حياة الصّادق عليه‌السلام عمّن هو متأخّر عنه بطبقة أو طبقتين؟!
ومن جملة تخليطه أنّه ذكر روايات استطرفها من كتاب السيّاري وقال : اسمه أبو عبد الله صاحب موسى والرّضا عليه‌السلام. وهذا فيه خلط واضح ، فإنّ السيّاري هو أحمد بن محمّد بن السيّار أبو عبد الله وهو من أصحاب الهادي والعسكري عليهما‌السلام ولا يمكن روايته عن الكاظم والرّضا عليهما‌السلام.
وأمّا قوله : لا يعتمد على تصنيفه. فهو غير صحيح ؛ وذلك أنّ الرجل من أكابر العلماء ومحقّقيهم ، فلا مانع من الاعتماد على تصنيفه في غير ما ثبت فيه خلافه(1).
أمّا عدم عمله بأخبار الآحاد غير المحفوفة بالقرائن فهو ليس وحيداً في ذلك ، بل إنّ الشّيخ المفيد والسيّد المرتضى (علم الهدى) وابن زهرة وابن قبة لم يعملوا بأخبار الآحاد. يقول المصنّف في مقدّمة كتابه :
«... إنّ الحقّ لا يعدو أربع طرق : إمّا كتاب الله سبحانه أو سنّة رسوله(صلى الله عليه وآله) المتواترة المتّفق عليها أو الإجماع أو دليل العقل ، فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسائل الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة التمسّك بدليل العقل فيها ، فإنّها مبقاة عليه وموكولة إليه ، فمن هذا الطريق يوصل إلى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه ، فيجب الاعتماد عليها والتمسّك بها ، فمن تنكّب عنها عسف وخبط
__________________
(1) معجم رجال الحديث 15 / 70 و 71.

خبط عشواء وفارق قوله من المذهب ...»(1).
وفي طبعة جماعة المدرّسين للكتاب ورد في مقدّمة التحقيق :
«إنّ كتاب السرائر يبرز العناصر الأصولية في البحث الفقهي وعلاقتها به بصورة أوسع ممّا يقوم به كتاب المبسوط للشيخ الطّوسي ، فقد أبرز ابن إدريس في استنباطه لأحكام المياه ثلاث قواعد أصولية وربط بحثه الفقهي بها بينما لا نجد شيئاً منها في أحكام المياه من كتاب المبسوط وإن كانت هي بصيغتها النظرية العامّة موجودة في كتب الأصول قبل ابن إدريس. وإنّ الإستدلال الفقهي لدى ابن إدريس أوسع منه عمّا في كتاب المبسوط ، وهو يشتمل على النقاط التي يختلف فيها مع الشّيخ على توسّع في الإحتجاج وتجميع الشواهد ، حتّى أنّ المسألة التي لا يزيد بحثها في المبسوط على سطر واحد قد تبلغ في السرائر صفحة مثلاً ...»(2).
وهذا التوجيه فيه لون من المبالغة ، فمنهج ابن إدريس الاستدلالي لا يوازي منهج الشّيخ الطّوسي. نعم كان ابن إدريس جريئاً في نقد الشّيخ قدس‌سرهلكنّه لم يكن بمستوى استدلال شيخ الطائفة.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج منتقاة من تصنيفه :
النموذج الأوّل : في أحكام صلاة الكسوف : وصلاة الكسوف باعتبارها صلاة واجبة تتزاحم مع الصّلاة اليومية المفروضة إذا وقعت في وقت الفريضة ـ خصوصاً إذا لم يبق على وقت الفريضة زمان معقول
__________________
(1) السرائر 1 / 46 مقدّمة المؤلّف.
(2) السرائر 1 / 22 مقدّمة التحقيق.

لأدائهما معاً ـ فماذا يعمل المكلّف؟ هل يبتدئ بالصّلاة المفروضة أو يبتدئ بصلاة الآيات (الكسوف)؟
قال المصنّف : «وقال شيخنا أبو جعفر الطّوسي رحمه‌الله في مبسوطه : فمتى كان وقت صلاة الكسوف وقت فريضة فإن كان أوّل الوقت صلّى صلاة الكسوف ثمّ صلاة الفرض فإن تضيّق الوقت بدأ بصلاة الفرض ثمّ قضى صلاة الكسوف ، وقد روي أنّه يبدأ بالفرض على كلِّ حال وإن كان في أوّل الوقت ، وهو الأحوط ، فإن دخل في صلاة الكسوف فدخل عليه الوقت قطع صلاة الكسوف ثمّ صلّى الفرض ثمّ استأنف صلاة الكسوف ، وإن كان وقت صلاة الليل صلّى أوّلاً صلاة الكسوف ثمّ صلاة الليل.
وهذا هو مذهبه في نهايته ، وقد رجع عن هذا القول في جمله وعقوده ، فقال : خمس صلوات تصلّى في كلِّ وقت ما لم يتضيّق وقت فريضة حاضرة : من فاتته صلاة فريضة فوقتها حين يذكرها ، وكذلك قضاء النوافل ما لم يدخل وقت فريضة ، وصلاة الكسوف.
وهذا هو الصحيح الذي يعضده الأدلّة ؛ لأنّ وقت الفريضة ممتدّ موسّع لا يخشى فوته ، وهذه الصّلاة يخشى فوتها»(1).
ونستنتج من ذلك :
1 ـ إنّ ابن إدريس يطرح رأي الشّيخ في كتاب المبسوط ثمّ رأيه في كتاب النهاية إلاّ أنّه يغيّر رأيه في كتاب الجمل والعقود ، وهذا هو ديدن الاجتهاد ، فالمجتهد يعرض رأيه ثمّ يقع تحت يده دليل أقوى فتتغيّر فتواه بموجب الدليل الجديد الأقوى.
__________________
(1) السرائر 1 / 322 ـ 323.

2 ـ كان الشّيخ الطّوسي يرى في المبسوط ما يلي :
أ ـ إذا وقع الكسوف أوّل وقت الفريضة صلّى صلاة الكسوف ثمّ صلاة الفرض.
ب ـ إذا وقع الكسوف آخر وقت الفريضة صلّى صلاة الفرض ثمّ قضى صلاة الكسوف.
3 ـ روي أنّه يبدأ بصلاة الفرض في كلا الحالتين : أوّل وقت الفريضة أو آخرها ، وهو الأحوط. وهنا أمران :
أ ـ إن صلّى صلاة الكسوف ودخل عليه وقت الفريضة قطع صلاة الكسوف ثمّ صلّى الفرض ثمّ استأنف صلاة الكسوف.
ب ـ إذا كان الكسوف في وقت صلاة الليل صلّى صلاة الكسوف ـ لأنّها فرض ـ أوّلاً ثمّ صلاة الليل لأنّها ليست بفرض. وهذا هو رأي الشّيخ الطّوسي في النهاية.
4 ـ رأي الشّيخ الطّوسي في الجمل والعقود هو أن يصلّي صلاة الكسوف أوّلاً ثمّ يصلّي صلاة الفريضة.
5 ـ يتوصّل ابن إدريس إلى أنّ الرأي الأخير هو الصحيح ، لأنّ وقت الفريضة متّسع ولا يخشى فوت الفريضة بينما وقت صلاة الكسوف مضيّق ويخشى فوتها إن صلّى الفريضة أوّلاً.
6 ـ في نقاش ابن إدريس نقداً ضمنيّاً للشّيخ الطّوسي ، فذكر أنّ هذا هو مذهبه في كتاب النهاية ثمّ رجع عن هذا القول في كتاب الجمل والعقود ، وهذا المستوى من النقد ليس غريباً ، فالفقهاء ينقدون بعضهم البعض نقداً يتناسب مع قوّة الدليل أو ضعفه ، لكن الجديد هو أن ينقد ابن إدريس فقيهاً بمنزلة الشّيخ الطّوسي قدس‌سره.

النموذج الثاني : في أحكام زكاة الفطرة :
«قال شيخنا أبو جعفر [الطّوسي] في نهايته : ولا يجوز حمل الفطرة من بلد إلى بلد. وهذا على طريق الكراهية دون الحظر. وقال في مختصر المصباح : ويجوز إخراج الفطرة في أوّل الشهر رخصة قال محمّد بن إدريس رحمه الله : لا يجوز العمل بهذه الرخصة ، إلاّ على ما قدّمناه من تقديمها على جهة القرض وينوي الأداء عند هلال شوّال ، وإلاّ فكيف يكون ما فعل قبل تعلّق وجوبه بالذمّة مجزياً عمّا يتعلّق بها في المستقبل؟! وقد ذكر شيخنا أبو جعفر في الجزء الثالث من مسائل خلافه في كتاب الإيمان أنّه لا يجوز تقديم الكفّارات والزكوات قبل وجوبها بحال عندنا وناظر على ذلك ، وهو الحقّ اليقين.
وينبغي أن تحمل الفطرة إلى الإمام ليضعها في مواضعها حيث يراه ، فإن لم يكن هناك إمام حملت إلى فقهاء شيعته ليفرّقوها في مواضعها فإنّهم أعرف بذلك. وإذا أراد الإنسان أن يتولّى ذلك بنفسه جاز له ذلك غير أنّه لايعطيها إلاّ لمستحقّ زكاة المال ، فإن لم يجد لها مستحقّاً انتظر بها المستحقّ ، ولا يجوز له أن يعطيها لغيره ، فإنّه لا يجزيه.
وقال شيخنا أبو جعفر الطّوسي رحمه‌الله في نهايته : فإن لم يوجد لها مستحقّ من أهل المعرفة جاز أن يعطي مكلّفها المستضعفين من غيرهم ، ولا يجوز إعطاؤها لمن لا معرفة له إلاّ عند التقية أو عدم مستحقّيه من أهل المعرفة. وهذا غير واضح ، بل ضدّ الصّواب. والصحيح والصّواب ما ذكره في جمله وعقوده من أنّه لا يجوز أن يعطي إلاّ لمستحقّ زكاة المال ، فإن لم يوجد عزلت وانتظر بها مستحقّها. وإنّما أورده إيراداً من طريق أخبار الآحاد دون الاعتقاد منه والفتيا. وقال في نهايته أيضاً : والأفضل أن يعطي الإنسان

من يخافه من غير الفطرة ويضع الفطرة موضعها ...»(1).
وكما تلحظ فإنّ المصنّف حاول ترتيب الأحكام الشرعية ومنهجتها دون تفصيل استدلالي ، ولم نلمس في كتابه ما لمسناه في الأعمال الموسوعية كالجواهر والحدائق والمدارك والمستند ونحوها ، بل كان منشغلاً في رصد آراء الشّيخ الطّوسي قدس‌سره ونقدها.
7 ـ منهج العويص والأشباه والنظائر :
مقدّمة :
وهذا المنهج يهتمّ بحلِّ الألغاز العلمية ويسمّى بالعويص ، ويهتمّ بجمع الموضوعات المختلفة المشتركة في حكم معيّن في موضع واحد ويسمّى بجمع الأشباه ، ويهتمّ أيضاً بجمع الأحكام المتعدّدة والمتباينة لموضوع واحد في محلٍّ واحد ويسمّى بجمع النظائر. وكتاب العويص في الفقه للشّيخ المفيد (ت 413 هـ) يحوي على مسائل من نوع الأحكام المتماثلة في الموضوع الواحد ، ويحوي على الموضوعات المتناظرة في الحكم الواحد. وكتاب نزهة الناظر ليحيى بن سعيد (ت 690 هـ) يحوي الأشباه والنظائر.
طبيعة منهج العويص والأشباه والنظائر :
لمسائل العويص وجهان : الأوّل للفقيه ، والثاني للتلميذ. ويقتضي أن يكون الفقيه حاضر الذِّهن سريع الخاطر محيطاً بجميع أبواب الفقه كي
__________________
(1) السرائر 1 / 470 ـ 471.

يتمكّن من حلِّ المشكلات وجمع الأشباه والنظائر حكماً وموضوعاً ، أمّا بالنّسبة للتلميذ فإنّ تلك طريقة تمرينية تساعد طالب العلم على تذكّر الأحكام الشرعية. وكان الشّيخ المفيد (ت 413 هـ) رائداً في ذلك ، فقد كتب رسالة في العويص ، وكتب ابن البرّاج (ت 481 هـ) مسائل العويص في كتابه جواهر الفقه ، وكتب يحيى بن سعيد الحلّي (ت 690 هـ) نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر.
كتب العويص والأشباه والنظائر :
1 ـ رسالة العويص للشّيخ المفيد (ت 413 هـ).
2 ـ جواهر الفقه لابن البرّاج (ت 481 هـ).
3 ـ نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر ليحيى بن سعيد الحلّي (ت 690 هـ).
1 ـ منهج رسالة العويص :
لهذا الكتاب الصغير أسماء مختلفة ، منها : العويص ، والعويص في الفقه ، ومسائل العويص في الأحكام(1) ، وجوابات المسائل النيشابورية(2).
والعويص هو «ما اعتاص فهمه على الذِّهن ودقّ معناه وصعب حلّه من المسائل الفقهية المعقّدة الملتوية أشبه شيء بالألغاز والأحاجي لا يستطيع حلّها والإجابة عليها إلاّ الفقيه البارع المنتهي في الفقه المتمكّن منه المحيط بزواياه المستحضر لها ، وهذا الكتاب على صغره وحده يكفي أن يكون
__________________
(1) الذريعة 15 / 362.
(2) الذريعة 5 / 240.

شاهداً على مقدرة الشّيخ المفيد الفقهية وإحاطته بأبوابه ومسائله وتفريعاته ، والواصل إلينا القسم الثّاني منه ولم يصلنا الكتاب كلّه ، فمخطوطاته الواصلة إلينا كلّها تبدأ بكتاب النكاح ، وأمّا ما قبله من أبواب الفقه من كتاب الطهارة إلى هنا ـ وهو القسم الأوّل منه ـ فمفقود لم نظفر به حتّى الآن»(1).
قال المصنّف في المقدّمة : «الحمد لله على نعمائه وله الشكر على حسن بلائه. وبعد ، سألت وفّقك الله تعالى أن أثبّت لك ما كنت سمعته منّي في مذاكرة أخينا الوارد من نيسابور ، بالمسائل المنسوبة إلى العويص في الفقه ...»(2).
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج منتقاة من منهجه :
النموذج الأوّل : «مسألة : في امرأة أطاعت ربّها عزّ وجلّ ففارقت بالطّاعة زوجها؟
الجواب : هذه امرأة كانت مشركة وزوجها مشرك أيضاً ، فأسلمت من الشّرك وأقام زوجها عليه ، وهذا إجماع»(3).
النموذج الثاني : «مسألة في المهور : رجل تزوّج امرأة على مهر غير موزون ولا مكيل ولا ممسوح ولا جسم ولا جوهر ولا هو شيءٌ من الأموال والعروض فتمّ نكاحه بذلك وكان مصيباً للسنّة؟
الجواب : عقد ذلك العاقد على سورة أو آية من القرآن ، وفي هذا
__________________
(1) حياة الشّيخ المفيد ومصنّفاته : 260.
(2) مصنّفات الشّيخ المفيد ـ المجلّد السّادس ، رسالة العويص : 21.
(3) رسالة العويص : 32.

الجواب إجماع من الإمامية ووفاق من بعض العامّة لهم وخلاف من آخرين»(1).
النموذج الثالث : «مسألة : في رجل حرّ كامل وجب عليه في يوم واحد الحدّ الكامل ونصف الحدّ وبعض الحدّ وربع الحدّ وثمن الحدّ؟
الجواب : هذا رجل زنى وهو بكر في يوم من شهر رمضان ، ثمّ تزوّج بعد ساعة امرأة أكرهها على نفسها بالجماع ، ثمّ أتى بهيمة ، ثمّ عاد إلى امرأته وقد حاضت فجامعها. فوجب عليه للزّنا جلد مائة ، ولحرمة شهر رمضان تعزير ببعض الحدِّ ، ولإكراه امرأته على الجماع في نهار شهر رمضان نصف الحدِّ ، ولإتيان البهيمة خمسة وعشرون سوطاً ، ولإتيان امرأته في الحيض اثنا عشر سوطاً ونصف ، بالأثر عن آل محمّد عليهم‌السلام»(2).
الاستنتاج :
1 ـ إنّ طبيعة هذا المنهج هو أن يُمتحن الطالب بعرض الموضوع المشكِل من أجل الوصول إلى حكم شرعيٍّ معروف عند الفقهاء ، فالمرأة تفارق زوجها إذا كانت وزوجها مشركَين ثمّ أسلمت وبقي زوجها على الكفر.
2 ـ يتبادر إلى الذّهن غالباً أنّ المهر موضوع مادّيٌّ : مال أو ذهب أو عين لها منفعة ، أمّا أن يكون آية من القرآن الكريم فهذا ما يحتاج الطالب إلى معرفته لأنّه ليس متعارفاً مع أنّه جائز شرعاً.
3 ـ المسألة الثالثة مسألة افتراضية من أجل شحذ ذهن الطّالب وتنمية إدراكه وتمديد سعة أفقه ، فما قام به ذلك الإنسان المفترض من أعمال
__________________
(1) رسالة العويص : 36.
(2) رسالة العويص : 42.

بشعة يصعب تصديقها ، ولذلك فالقضية تخيّلية وليست واقعية لكنّها تحرّك الذّهن لمعرفة الأحكام الشرعية الخاصّة بتلك المواضيع المطروحة.
2 ـ منهج كتاب جواهر الفقه :
كتاب جواهر الفقه لابن البرّاج (ت 481 هـ) كتاب فتوائي مختصر ولكن بسبب إيراد المصنّف باباً في أعيان المسائل من العويص فقد أوردنا الكتاب هنا في هذا المنهج.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
النموذج الأوّل : «مسألة 819 : إنسان دخل عليه وقت الصّلاة وتوضّأ لها فأحسن الوضوء ثمّ صلّى ولم يفرط في شيء من صلاته فلمّا فرغ وجبت عليه إعادتها ، ما الجواب عن ذلك؟
الجواب : هذا إنسان كانت على بدنه أو قميصه نجاسة لم يعلم بها حتّى فرغ من صلاته والوقت باق فوجبت عليه الإعادة ، ويحتمل أيضاً أن يكون جنباً ونسى ذلك وتوضّأ وصلّى ثمّ ذكر ذلك فوجبت عليه إعادة الصّلاة بعد الإغتسال»(1).
النموذج الثاني : «مسألة 820 : إنسان دخل عليه وقت الصّلاة فتطهّر لها ولم يخل بشيء من طهارته وأراد استباحة الصّلاة بتلك الطهارة فلم يصحّ له ذلك ، ما الجواب؟
__________________
(1) جواهر الفقه : 237.

الجواب : هذا إنسان تطهّر بماء نجس أو مغصوب ولم يعلم بذلك منه حين التطهّر به ثمّ علم وقت قيامه للصّلاة ، فلم يجز أن تستبيح الصّلاة بتلك الطهارة»(1).
الاستنتاج :
1 ـ هذا الأُسلوب مشابه لأُسلوب الشّيخ المفيد في رسالة العويص ، فهو امتحان للطالب بمدى معرفته بالأحكام الشرعية.
2 ـ على الطالب أن يعلم أنّ المكلّف ينبغي أن يطهّر نفسه من نجاسة عالقة على بدنه أو قميصه قبل الصّلاة ، وأن لا يتطهّر بماء نجس أو مغصوب.
3 ـ منهج نزهة الناظر :
كتاب نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر ليحيى بن سعيد الحلّي (ت 690 هـ) في مجلّد واحد موضوع الكتاب هو الأشباه والنظائر أو المسائل المختلفة المنتشرة في أبواب فقهية مختلفة لكن يجمعها شبهٌ من نوع ما ، وهذا الكتاب هو أشمل كتاب في هذا الفنّ.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من كتابه :
النموذج الأوّل : «فصل : العمرات الواجبة :
__________________
(1) جواهر الفقه : 237.

العُمرات الواجبة عشرة : عمرة التمتّع ، وعمرة القارن ، وعمرة المفرد ، والعمرة التي تؤدّى عن العمرة التي أفسدها ، وعمرة من فاته الوقوف بالموقفين ، والعمرة الآتية من قابل لمن أفسد حجّه ، والعمرة المندوبة إذا دخل فيها ، والعمرة لمن دخل مكّة في حاجة وتسقط هذه العمرة عن المرضى والحطّابة ، والعمرة التي استؤجر عليها ، والعمرة الواجبة بالنذر أو العهد أو اليمين»(1).
النموذج الثاني : «فصل : أشياء لا يجوز بيعها سلفاً :
لا يجوز بيع السلف في سبعة وعشرين شيئاً : الخبز ، واللحم ، وروايا الماء ، والجلود ، والحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب منسوبات إلى الأرض بعينها ، والثوب من غزل امرأة بعينها أو نساجة رجل بعينه ، والكتّان والقطن والإبريسم منسوبات إلى أرض بعينها ، والتّمر من نخل معيّن ، والفاكهة من شجر معيّن ، والخضر من موضع معيّن ، ودهن بزر الكتّان بحبّه وبالعكس ، ودهن السّمسم بالسّمسم وبالعكس ، ودهن الزّيتون بالزّيتون وبالعكس. وكذلك الحكم فيما يعمل منه الأدهان والمخيض من اللبن والقزّ مضافاً إلى دوده ، وجميع ما لا يختبر إلاّ بالشّمِّ أو بالذوق ، والقسي ، والنبل ، وجميع الأواني سواء كانت من خشبة أو طين ، والآجر ، وجميع الأوعية سواء كانت من صوف أو شعر أو وبر أو كتّان أو إبريسم أو غير ذلك ، والمختلط من الطيب كالذريرة والغالية ، والجوهر ، والذهب ، والفضّة»(2).
__________________
(1) نزهة الناظر : 53.
(2) نزهة الناظر : 78 ـ 79.

الاستنتاج :
هذا الكتاب دورة فقهية كاملة في الأشباه والنظائر ، فهو يأتي على المواضيع المختلفة التي يجمعها حكم واحد ، وهو جهد كبير بذله المصنّف من أجل جمع تلك المواضيع تحت عنوان حكم واحد ، وهو أقرب إلى الحكم الموضوعي على شاكلة التفسير الموضوعي ، إلاّ أنّ هذا المنهج لم يتطوّر عند الفقهاء ، فبقي كتاب الأشباه والنظائر ليحيى بن سعيد الحلّي فريد زمانه.
8 ـ منهج الردود والمواجهات العلمية :
مقدّمة :
هذا المنهج كثير التداول بين الفقهاء إلاّ أنّه نادراً ما يدوّن على صحائف ، فالمواجهات العلمية والردود أغلبها لفظية. «والردّ هو باب واسع من المناظرة الدائرة بين الخلائق ، وذلك لأنّ الله تعالى الخالق للبشر أودع في نفس كلِّ واحد منهم لطيفة ربّانية وهي العقل الذي هو الطريق إلى المعرفة ، وهو مقسوم بينهم بقدر : (إِنّا كُلَّ شَيء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر)(1) ، وله مراتب ودرجات بعضها فوق بعض ، فأَخَصُّ مراتبه ما يصحّ معه التكليف وبزواله يسقط التكليف ، وأعلى مراتبه هو مرتبة عقل الكلِّ الذي خُصّ به أكمل أفراد البشر ، وبينهما درجات متفاوتة بعدد نفوس خلق الله (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارَاً)(2). فلكلّ فرد من البشر نصيب من العقل الذي هو آلة لإدراك الكلّيّات ، وكلّ ما وعاه الإنسان من تلك المدركات فلا محالة يترشّح
__________________
(1) سورة القمر 54 : 49.
(2) سورة نوح 71 : 13.

منه يوماً بالخطابة أو الكتابة كما هو المتعارف ، فإذا سمع خطابه أو رأى كتابه غيره من أفراد البشر فأمّا أن يرتضيه الغير ويقبله منه لموافقته لما أدركه نفسه ـ سواءٌ كان ما أدركه مطابقاً لما هو الواقع وفي نفس الأمر أو مخالفاً له ـ فلا مناظرة بينهما ، وأمّا إذا لم يرتضه الغير لكونه مطلعاً على ما هو من منافياته أو منافراته فيجب عليه عقلاً أن يبدي معلوماته ويعلن بما يراه الحقّ الواقعي إمّا بالمشافهة والخطابة أو بالتأليف والكتابة ، ويقال لإبداء الرأي كذلك : ردّاً ، لأنّ الردّ في اللغة التخطئة ، يقال : ردّ فلان فلاناً ، أي خطّأه ، ويقال : ردّ عليه قوله ، أي لم يسلمه منه ، بل منعه ، ويصدق على الكتاب المشتمل على تخطئة قائل أو منع قوله كتاب الردّ ، وبما أنّ أكثر المدركات ممّا يختلف فيه الأنظار فيسعنا أن نقول بصدق كتاب الردّ على أكثر الكتب لعدم خلوّه عن تخطئة شخص واحد أو أشخاص معيّنين أو غير معيّنين من الملل والنحل والفرق والمذاهب ، فظهر أنّ الردّ باب واسع واستقصاء الكتب المشتمل عليه خارج عن طوق البشر ....»(1).
طبيعة الردود والمواجهات العلمية :
كان للشّيخ المفيد مناظرات كثيرة مع متكلّمي الفرق المختلفة ، وكان يناظر أهل العقائد بعقائدهم ، فقد واجه محمّد بن أحمد بن محمود النسفي من أعيان فقهاء الحنفية (ت 414 هـ) وردّه في رسالة المسح على الرجلين ، وردّ محمّد بن الطّيّب الباقلاّني القاضي (ت 403 هـ) شيخ الأشعرية في رسالة مسألة أُخرى في النصِّ على عليٍّ عليه‌السلام. وللشّيخ الطّوسي (ت 460 هـ)
__________________
(1) الذريعة 10 / 173 ـ 174.

أيضاً مناظرات. وقد جمع الشّيخ المفيد مناظراته ومحاسن مجالسه ومختار كلامه في كتاب له سمّاه بـ : العيون والمحاسن ، وقد لخّص تلميذه الشريف المرتضى ذلك الكتاب في كتاب سمّاه بـ : الفصول المختارة من العيون والمحاسن.
كتب الردود والمواجهات العلمية :
1 ـ رسالة المسح على الرجلين للشّيخ المفيد (ت 413 هـ).
2 ـ رسالة مسألة أُخرى في النصِّ على عليٍّ عليه‌السلام للشّيخ المفيد (ت 413 هـ).
3 ـ رسالة تحريم الفقّاع للشّيخ الطّوسي (ت 460 هـ).
1 ـ منهج المسح على الرجلين :
تمثّل رسالة المسح على الرجلين للشّيخ المفيد (ت 413 هـ) واحدة من تلك المناهج العلمية في المواجهة العلنية على الملأ. يقوم منهج الشّيخ المفيد في ذلك على مبنيين : الأوّل مجاراة الخصم في استدلالاته ، الثاني وضع ضوابط المناظرة.
فالمبنى الأوّل في هذه الرسالة هو موافقة الخصم على حديث يرويه بطرقه الخاصّة فلا ينكره الشّيخ المفيد ولا يردّ الرواية باعتبارها من أخبار الآحاد التي لا يعترف الشّيخ المفيد بحجّيّتها ، فيقول للخصم : «أنا أسلّم لك العمل بأخبار الآحاد تسليم نظر وإن كنتُ لا أعتقد ذلك»(1). وهو يفعل ذلك
__________________
(1) رسالة المسح على الرجلين : 18 ، المجلّد التاسع من المصنّفات الكاملة للشيخ المفيد (مؤتمر الشيخ المفيد ـ قم).

استظهاراً في الحجّة ، فهو ألزمه على مبناه وأبطل مستنده ، وذلك أقوى في الحجّة. ثمّ يقول له : «... وأبين أنّه لا دليل لك في الخبر الذي تعلّقت به على ما تذهب إليه من فرض غسل الرجلين في الوضوء»(1). ويطلب منه الإنصاف واتّباع نفس الطريقة فيقول : «ينبغي لك أن تنصف وترضى لغيرك بما ترضاه لنفسك»(2).
والمبنى الثاني أنّ الضابطة في المناظرة هو أن لا يتمّ الانتقال من فكرة إلى أخرى ما لم يتمّ إكمال الدليل الأوّل والاعتراض بشيء آخر جديد.
تصدّي الشّيخ قدس‌سره للردّ :
فقد تصدّى الشّيخ المفيد قدس‌سره للجواب عن الخبر الذي استدلّ به الخصم وهو المنسوب للنبيّ(صلى الله عليه وآله) : (هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصّلاة إلاّ به) بعد أن غسل رجليه في ذلك الوضوء ، وذلك :
أوّلاً : تحليل الخبر على أساس من ألفاظه ، فقال : «إنّ اسم الإشارة (هذا) يدلّ على أنّ الحكم المذكور وارد على المشار إليه المعيّن بالإشارة ، فالحكم مختصٌّ بما صدر من رسول الله(صلى الله عليه وآله) في تلك القضية والواقعة ولا يسري إلى غيره ، لأنّ التعدّي بحاجة إلى دليل من عقل وليس هناك عقلي عليه ـ وليس هذا محلاًّ للقياس ، لأنّ اللفظ (هذا) يدلّ على الخصوصية في المستعمل فيه فلا يمكن شمول غيره ـ وإذا كان لفظ (هذا)
__________________
(1) المسح على الرجلين : 18 ، المجلّد التاسع من المصنّفات الكاملة للشيخ المفيد (مؤتمر الشيخ المفيد ـ قم).
(2) المسح على الرجلين : 18 ، المجلّد التاسع من المصنّفات الكاملة للشيخ المفيد (مؤتمر الشيخ المفيد ـ قم).

إشارة إلى خصوص ما صدر منه في هذا المورد ـ سواءٌ كان ما وقع منه ـ من غسل الرجل ـ جزءً للعمل أو خارجاً منه لضرورة التطهير مثلاً ، كما إذا كانت الرجِل محتاجة إلى الغسل لإماطة نجاسة ظاهرية أو مانع عن مسح البشرة ونحو ذلك فإنّ عمل الغسل ودخوله في خصوص هذا العمل لا يدلّ على دخوله في خصوص فرض الوضوء ، لأنّه أعمّ كما ذكرنا.
ثمّ إنّ إطلاق كلمة (الوضوء) على مجموع ما هو داخل في فرض الوضوء وما هو خارج عنه باعتبار المجموع أمرٌ متعارف وفيه من المسامحة العرفية ما هو متداول ، لأنّ اللوازم القريبة والمقدّمات اللازمة التي يتوقّف عليها العمل تدخل في التعبير به للمناسبة اللغوية وإن لم تكن داخلة في حقيقة لفظه».
ثانياً : النقض على خبر الخصم بأخبار تدلّ على عدم اشتراط غسل الرجلين في الوضوء.
ثالثاً : تحليل ظاهر الرواية المنسوبة إلى مصادرنا ، فقد عمد الخصم إلى رواية نسبها إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام وفيها : «أنّه توضّأ ومسح على رجليه ، وقال : (هذا وضوء مَن لَم يُحْدث)(1) وجعلها دليلاً على رأيه الذي يقول بأنّ الغسل واجب في الوضوء ، ذلك لأنّ قوله عليه‌السلام : (مَن لم يُحدث) معناه : مَن لم يصدر منه الحدثُ الناقض للطهارة ، فيكون الوضوء المجرّد من غسل الرجلين والذي حوى على المسح فقط وضوءً غير رافع للحدث. قال الشّيخ المفيد في ردّه :
«إنّ ظاهر الرواية أنّه عليه‌السلام أخبر عن أنّ الوضوء المشتمل على مسح
__________________
(1) كنز العمّال 9 / 474.

الرجلين هو الوضوء الذي لم يتغيّر ولم يدخله إحداث أو تغيير ، فيكون الوضوء بغسل الرجلين وضوءً محدثاً مبتدعاً ، حيث لم يجئ به كتاب ولا سنّة ، فكان الغاسل بدلاً عن المسح محدثاً بدعة في الدين.
والدليل على صحّة هذا التأويل دون الأوّل انعقاد إجماع الأمّة على صحّة وضوء مَن أحدث إذا أتى به من لم يحدث ، كالمتوضّىء تجديداً ، وعلى أنّ من لم يحدث فليس له وضوء خاصّ به.
ثمّ إنّ هذا التأويل الثاني وإذا لم يكن متعيّناً معلوماً فهو على الأقلّ احتمال مفروض في الرواية ، وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال»(1).
ثمّ ختم الشّيخ المفيد حديثه بالقول : «وقلت بعد انفصال المجلس لبعض أصحابنا في حلِّ كلام أمير المؤمنين عليه‌السلام من قوله : (هذا وضوء من لم يحدث) زيادة لم أوردها على الخصم ، لأنّني لم أوثر اتّفاقه عليها في الحال ، ولم يكن لي فقر إليها في الاحتجاج ...»(2).
2 ـ منهج في النصّ على عليّ عليه‌السلام :
ورسالة مسألة أُخرى في النصّ على عليٍّ عليه‌السلام للشّيخ المفيد محمّد ابن محمّد بن النعمان (ت 413 هـ) ، رسالة مختصرة في النصِّ على إمامة عليِّ بن أبي طالب عليه‌السلام. وقد دار جدل واسع بين الإمامية وخصومهم حول دلالة النصوص الواردة في الإمامة وحجّية أسانيدها وتواترها ، ومن ذلك
__________________
(1) المسح على الرجلين : 27 ، المجلّد التاسع من المصنّفات الكاملة للشيخ المفيد (مؤتمر الشيخ المفيد ـ قم).
(2) المسح على الرجلين : 30 ، المجلّد التاسع من المصنّفات الكاملة للشيخ المفيد (مؤتمر الشيخ المفيد ـ قم).

هذه المناظرة التي جرت بين الشّيخ المفيد ومحمّد بن الطّيّب الباقلاّني القاضي شيخ الأشعرية ، ولا نعرف مكان المناظرة ولا من شارك فيها لأنّها غير مدوّنة في الرسالة. سأل الباقلاّني الشّيخ المفيد :
«أخبرونا عن أسلافكم في النصِّ [على أمير المؤمنين عليه‌السلام] أكثيرٌ أم قليل؟ فإن قلتم : قليل ، قيلَ لكم : فلا تنكرون أن يتواطؤوا على الكذب لأنّ افتعال الكذب يجوز على القليل ، وإن قلتم : كثير ، قيل لكم : فما بالُ أمير المؤمنين سلام الله عليه لم يقاتل بهم اعداءَه ، لا سيّما وأنتم تدّعونَ أنّه لو أصاب أعواناً لقاتل؟
الجواب وبالله الثقة : قيل له : أسلافنا ـ بحمد الله ـ في النصِّ كثيرٌ لا يجوز عليهم افتعال الكذب ، لكن ليس كلُّ من يصلحُ لنقل الخبر يصلحُ للجهاد ، لأنّه قد يصلحُ لنقل الخبر الشيخُ الكبير الثقةُ الأمين ولا يصلح ذلك لضرب السيف. وأيضاً فليست الحروب الدينية موقوفة على كثرة الرجال وإنّما هي موقوفة على المصلحة ، ألا ترى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) جاهد وهو في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً وقعدَ عن الجهاد يوم الحديبية وهو في ثلاثة آلاف وستمائة رجل ، فعلمت أنّ الحروب الدينية الشرعية موقوفةٌ على المصلحة لا على العدد.
قال السائل : فأرنا وجهَ المصلحة في قعوده عن أخذ حقِّه لنعلم بذلك صحّة ما ذكرتموه؟
قيل له : أوّلُ ما في هذا أنّه لا يلزمنا ما ذكرت لأنّه الإمام المعصوم من الخطأ والزلل لا اعتراض عليه في قعوده وقيامه ، بل يُعلم ـ في الجملة ـ أنّ قعوده لمصلحة في الدين والدنيا. ثمّ تبيّن بعد ذلك بعض وجوه المصلحة ، فيكونُ بعضُ ذلك أنّه علم أنّ في المخالفين من يرجع عن الباطل إلى الحقِّ

بعد مدّة ويستبصر ، فكان تركُ قتله مصلحة. ومنه أنّه علم أنّ في ظهورهم مؤمنين لا يجوز قتلهم واجتياحهم ، فكان تركُ قتلهم مصلحةً. ومنه شفقة منه على شيعته ووُلده أن يصطلموا فينقطعُ نظام الإمامة. وهذا كلامٌ معروفٌ يعرفه أهلُ العدل والمتكلّمون وهو من أصول الدين ، ألا ترى أنّا إذا سُئلنا عن تغريق قوم نوح عليه‌السلام وهلاك قوم صالح لأجل ناقته وبقاء قاتل الحسين عليه‌السلام والحسين عند الله أعظم من ناقة صالح لم يكن الجواب إلاّ ما ذكرناه من المصلحة وما علمه الله من بقاء من بقاه. فلم يأتِ بشيء لذلك»(1).
الاستنتاج :
1 ـ تدور الرسالة حول سؤال سأله الباقلاّني للشيخ المفيد عن عدد الرواة الذين رووا النصّ بخلافة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وزعم بأنّهم إن كانوا قلّة في العدد ربّما تواطؤوا على الكذب ، وإن كانوا كثرة فلِمَ لم يقاتل بهم عليٌّ عليه‌السلام أعداءه. والسؤال والجواب هو من مناهج المواجهة العلمية.
2 ـ نفى الشّيخ المفيد قلّة المؤمنين وأثبت كثرتهم ولكن الإمام عليه‌السلام لا يقوم إلاّ لمصلحة دينية ظاهرة كانت أو غير ظاهرة ، وبذلك أُفحم الباقلاّني. وتنتهي الرسالة بقول المقرّر : فلم يأتِ بشيء لذلك.
3 ـ منهج تحريم الفقّاع :
رسالة تحريم الفقّاع للشيخ الطّوسي محمّد بن الحسن (ت 460 هـ)
__________________
(1) رسالة أخرى في النصِّ على عليٍّ عليه‌السلام : 21 ـ 26 ، المجلّد السابع.

ضمن كتاب الرسائل العشر ، هي رسالة دوّن فيها النقاش العلمي الذي جرى حول تحريم الفقّاع ، واحتجّ بقول الإمامية في وسط رسمي كان يؤمن بمذهب آخر. يقول في المقدّمة :
«جرت مسألة بالحضرة العادلة القاهرة المنصورة ولية النعم الوزيرية السلطانية شيّد الله أركانها وأعلى بنيانها وبسط سلطانها ونشر راياتها ... في تحريم الفقّاع على مذهب أصحابنا وتشدّدهم في شربه وإلحاقهم إيّاه بالخمر المجمع على تحريمها ، وقلت في الحال ما حضرني وذكرت ما قال أصحابنا فيه ، وسنح لي فيما بعد أن أذكر هذه المسألة مشروحة وأذكر الأدّلة على خطرها وأورد الروايات المتضمّنة لتحريمها من جهة الخاصّة والعامّة وما يمكن الاعتماد عليه من الاعتبار فيه ، والله تعالى موفق لذلك بلطفه ومنّه»(1).
ومنهجه هو أنّه يذكر الأخبار التي روتها العامّة ثمّ يذكر الأخبار التي روتها الخاصّة.
نموذج من منهجه :
«... وفي حديث سلمة بن الفضل وحديث الضحّاك في حديث الساجي : حرّم رسول الله(صلى الله عليه وآله) الخمر والميسر والكوبة والغبيراء ، وقال : كلّ مسكر حرام.
فذكر الغبيراء كما ذكر الخمر وأنّ الله حرّمها كتحريم الخمر التي حكم شارب قليلها حكم شارب كثيرها وكما ذكر الميسر الذي حكم قليله حكم
__________________
(1) الرسائل العشر ، رسالة تحريم الفقّاع : 255.

كثيره في التحريم وأوردها جميعاً عن المسكر ، فقال بعد تحريمها : وكلّ مسكر حرام. فكان المسكر حراماً بالوصف ، والغبيراء كالخمر في تعليق التحريم باسمها وأنّ قليلها ككثيرها ولا يسكر وإن كان حراماً. وقليل تحريم الغبيراء كتحريم لحم الخنزير الذي لا يعرف علّته ...»(1).
الاستنتاج :
1 ـ الأمر المهمّ في هذه الرسالة أنّ الشّيخ الطّوسي ذكر علناً الأخبار الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام في حرمة الفقّاع في الحضرة السلطانية التي كان مذهبها خلاف مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، وإذا أخذنا الوضع السياسي في ذلك الزمان بالحسبان أدركنا شجاعة الشّيخ الطّوسي وجرأته في قول الحقِّ.
2 ـ إنّ منهج الشّيخ قدس‌سره كان عرض الأخبار التي روتها العامّة أوّلاً ثمّ الأخبار التي روتها الخاصّة ، وهذا في غاية الموضوعية ، لأنّ فيها ميزاناً عادلاً للأخذ بالدليل الأقوى.
3 ـ ذكّر الشّيخ الطّوسي بالقاعدة الكلّية للموضوع وهي أنّ كلّ مسكر حرام قلّ أو كثر ، وترك الرأي النهائي لمن حضر من الفقهاء وأهل العلم.
9 ـ منهج الرسائل العملية :
مقدّمة :
«الرسالة العملية عنوان عام لرسائل فتوائية تجمع مسائل يحتاج إليها العوام في أعمالهم الشرعية اليومية ، كثر تأليفها في القرون الحادي عشر
__________________
(1) الرسائل العشر ، رسالة تحريم الفقّاع : 258 ـ 259.

والثاني عشر والثالث عشر ، وفي هذا القرن اكتفى العلماء وفي مقدّمهم السيّد بحر العلوم والشّيخ الأنصاري بتعليق الحواشي على هذه الرسائل ... وبما أنّ المتأخّرين لا يجوّزون العمل بفتوى الميّت فإنّ هذه الرسائل العملية والحواشي الفتوائية عليها لا يُعتنى بها بعد وفاة المفتي بها إلاّ بعد التعليق عليها وإصلاح مسائلها على حسب فتوى الأحياء بعده من العلماء»(1).
طبيعة الرسائل العملية :
لا شكّ أنّ اهتمام النّاس بالرسائل العملية نما مع ازدياد حركة التعليم في المجتمع ، فأصبحت شريحة واسعة من الناس تبحث عن الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات ، والغالبية من المكلّفين تريد معرفة الحكم الشرعي دون استدلال فقهي أو أُصولي أو رجالي ، وإلى ذلك تصدّى الفقهاء لإكمال تلك المهمّة ، وهي الإفتاء بالوظيفة الشرعية للمكلّف بخصوص العبادات والمعاملات. ولعلّ رسالة نجاة العباد للشّيخ الجواهري (ت 1266 هـ) من الرسائل الرائدة في هذا المضمار. وأهمّ الرسائل العملية في هذا العصر هي العروة الوثقى لأنّها ضمّت تقريباً جميع الأسئلة المتعلّقة بحاجات الإنسان في هذا الزّمان ، ولذلك كثرت عليها التعليقات والشروح الاستدلالية.
كتب الرسائل العملية :
1 ـ رسالة نجاة العباد للشّيخ الجواهري (ت 1266 هـ).
__________________
(1) الذريعة 11 / 211 ـ 212.

2 ـ العروة الوثقى للسيِّد محمّد كاظم اليزدي (ت 1337 هـ).
3 ـ وسيلة النجاة للميرزا محمّد حسين النائيني (ت 1355 هـ).
4 ـ وسيلة النجاة للسيِّد أبي الحسن الإصفهاني (ت 1365 هـ).
1 ـ منهج نجاة العباد :
نجاة العباد رسالة عملية استخرجها الشّيخ محمّد حسن الجواهري (ت 1266 هـ) من كتابه جواهر الكلام لعمل المقلّدين واعتمد عليها تلميذه الشّيخ الأنصاري (ت 1281 هـ) وأمضاها مقلّديه إلاّ بعض المواضع ممّا أشار إليه في حواشيها ، وحذا حذوه عامّة من نشأ بعده فكتبوا فتاواهم على حواشيه(1). لم نعثر على نسخة من هذا الكتاب.
2 ـ منهج العروة الوثقى :
كتاب العروة الوثقى للسيِّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي (ت1337هـ) في مجلّدين ، هو من أهمّ الكتب الفتوائية الحديثة عند الإمامية ، عباراته قوية ، وقد استوعب أكبر عدد من فروع الفقه حيث احتوى على (3260) مسألة حسب عدّ الشّيخ آقا بزرك في الذريعة ، وأصبح الكتاب محوراً رئيسيّاً للمسائل الفقهية الدراسية والاستدلالية في هذا العصر ، وغالباً ما يعلّق عليه الفقهاء بآرائهم النهائية.
يحتوي الكتاب على كتب فرعية ، هي : 1 ـ التقليد 2 ـ الطهارة 3 ـ الصّلاة 4 ـ الصّوم 5 ـ الاعتكاف 6 ـ الزكاة 7 ـ الخمس 8 ـ الحجّ 9 ـ
__________________
(1) الذريعة 14 / 100.

الإجارة 10 ـ المضاربة 11 ـ المزارعة 12 ـ المساقاة 13 ـ الضمان 14 ـ الحوالة 15 ـ النكاح 16 ـ الوصية.
وللكتاب تتمّة تعرف بـ : ملحقات العروة تشمل : 17 ـ الربا 18 ـ الوكالة 19 ـ الهبة 20 ـ الوقف 21 ـ الحدود 22 ـ القضاء.
قال المصنّف في المقدّمة : «... هذه جملة مسائل تعمّ به البلوى وعليها الفتوى ، جمعت شتاتها وأحصيت متفرّقاتها ، عسى أن ينتفع بها إخواننا المؤمنين ...»(1).
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من كتابه :
النموذج الأوّل : في التقليد :
«مسألة 1 : يجب على كلِّ مكلّف في عباداته ومعاملاته أن يكون مجتهداً أو مقلّداً أو محتاطاً.
مسألة 2 : الأقوى جواز العمل بالاحتياط مجتهداً كان أو لا ، لكن يجب أن يكون عارفاً بكيفية الاحتياط بالإجتهاد أو التقليد.
مسألة 3 : قد يكون الاحتياط في الفعل كما إذا احتمل كون الفعل واجباً وكان قاطعاً بعدم حرمته ، وقد يكون في الترك كما إذا احتمل حرمة فعل وكان قاطعاً بعدم وجوبه ، وقد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار كما إذا لم يعلم أنّ وظيفته القصر أو التمام»(2).
النموذج الثاني : «فصل في بعض أحكام المسجد :
__________________
(1) العروة الوثقى 1 / 13.
(2) العروة الوثقى 1 / 17.

الأوّل : يحرم زخرفته ـ أي تزيينه بالذهب ـ بل الأحوط ترك نقشه بالصور.
الثاني : لا يجوز بيعه ولا بيع آلاته ـ وإن صار خراباً ولم يبق آثار مسجديّته ـ ولا إدخاله في الملك ولا في الطريق ، ولا يخرج عن المسجدية أبداً ، ويبقى الأحكام من حرمة تنجيسه ووجوب احترامه ، وتصرف آلاته في تعميره ، وإن لم يكن معمّراً تصرف في مسجد آخر ، وإن لم يمكن الانتفاع بها أصلاً يجوز بيعها وصرف القيمة في تعميره أو تعمير مسجد آخر.
الثالث : يحرم تنجيسه ، وإذا تنجس يجب إزالتها فوراً وإن كان في وقت الصّلاة مع سعته ، نعم مع ضيقه تقدّم الصّلاة ، ولو صلّى مع السعة أثم لكن الأقوى صحّة صلاته ، ولو علم بالنجاسة أو تنجّس في أثناء الصّلاة لا يجب القطع للإزالة وإن كان في سعة الوقت ، بل يشكل جوازه ، ولا بأس بإدخال النجاسة غير المتعدّية إلاّ إذا كان موجباً للهتك كالكثيرة من العذرة اليابسة مثلاً ، وإذا لم يتمكّن من الإزالة بأن احتاجت إلى معين ولم يكن سقط وجوبها ، والأحوط إعلام الغير إذا لم يتمكّن ، وإذا كان جنباً وتوقّفت الإزالة على المكث فالظّاهر عدم وجوب المبادرة إليها بل يؤخّرها إلى ما بعد الغسل ، ويحتمل وجوب التيمّم والمبادرة إلى الإزالة»(1).
الاستنتاج :
1 ـ لا شكّ أنّنا لا نستطيع تقييم كتاب العروة الوثقى بهذا المقدار من
__________________
(1) العروة الوثقى 1 / 434 ـ 435.

الاختصار ، إلاّ أنّنا ينبغي أن نؤكّد أنّ منهجه في عرض الأحكام الشرعية هو أنّه أقرب الكتب الفقهية إدراكاً لمتطلّبات هذا الزّمان ، فبعد تراكم هذا الكمّ الهائل من العلم والمعرفة في الكلّيّات والمصاديق الفقهية لابدّ من كتاب جامع لمسائل البلوى بلغة الفتوى الملزِمة للمكلّف.
2 ـ إنّ قضايا الاجتهاد والاحتياط والتقليد أصبحت بعد العروة الوثقى من القضايا التي لابدّ أن يعرفها المكلّف بوضوح ، وتبدّل الزّمان اقتضى تبدّل عرض المواضيع ، فقد غابت كتب الجهاد والرقّ التي كانت تلوّن ثقافة القرن الرابع والخامس الهجري لعدم الابتلاء بها اليوم وحلّت مكانها كتب الاجتهاد والتقليد) والحوالة والمضاربة ونحوها.
3 ـ إنّ منهج العروة الوثقى يمتاز بالوضوح والبلاغة وإيصال المكلّف إلى المعنى بسهولة ، وأيضاً بتشعّب الفروع الفقهية المطابقة لواقع الحال. ولاشكّ أنّ تلك المسائل كانت بالأصل أسئلة وجّهها النّاس إلى الفقهاء فجُمعت شتاتها وهُذّبت مواردها حتّى أصبحت على ما هي عليه.
3 ـ منهج وسيلة النجاة :
كتاب وسيلة النجاة للميرزا محمّد حسين الغروي النائيني (ت 1355 هـ) ، رسالة عملية للمكلّفين. يقول المصنّف في المقدّمة : «إنّ أحكام الشريعة المقدّسة الختمية على الصادع بها وآله أفضل الصلوة والتحية تنقسم إلى عبادات شرّعت لأداء رسم العبودية ، وعقود معاملات تنعقد بين المتعدّدين ، وإيقاعات لا يتوقّف على قبول أحد لها ، وأحكام تصلح بها المعايش وتحفظ بها أكمل النظام ...»(1).
__________________
(1) وسيلة النجاة : ب ـ ج.

نموذج من منهجه :
وفيما يلي نموذج من منهجه :
«الفصل الأوّل : في الاحتياط ، وفيه مسائل :
الأولى : حقيقة الاحتياط في كلّ مسألة هي الأخذ بالأوثق والمتيقّن في تلك المسألة ، فإن كان متيقّناً بالنسبة إلى جميع محتملاتها ولم يعارضه احتياط آخر من جهة أخرى كان حقيقيّاً حينئذ وموجباً للقطع بإصابة الواقع ، ولو كان متيقّناً بالنسبة إلى بعضها ـ كأقوال أهل العصر مثلاً أو العدّة المعلومة أعلمية أحدهم ـ أو كان معارضاً باحتياط آخر ولكنّه كان أولى بالرعاية منه ـ كالتطهّر بالمستعمل في رفع الحدث الأكبر عند الانحصار ونحو ذلك ـ كان حينئذ إضافيّاً يوجب القطع بالخروج عن عهدة التكليف دون إصابة الواقع.
الثانية : لو احتمل وجوب شيء لا يحتمل حرمته كغسل الجمعة مثلاً أو احتمل دخله شطراً أو شرطاً في العبادة ولم يحتمل البطلان به كجلسة الاستراحة ونحو ذلك فالأحوط فعله ، ولو انعكس الفرض فكان المحتمل هو حرمته أو فساد العبادة به فالأحوط تركه. ولو دار الأمر بين وجوب شيء وحرمته ، أو علم دخل أحد الضدّين أو النقيضين في صحّة العبادة ، ففي القسم الأوّل يتعذّر الاحتياط رأساً ، وفي الثاني يتوقّف على تكرار العبادة ، وهذا هو الضابط فيما يستلزم من الاحتياط للتكرار.
الثالثة : الظاهر عدم الإشكال في جواز الاحتياط في غير العبادات مطلقاً ، وكذا في العبادات أيضاً مع عدم استلزامه للتكرار ـ بناء على ما هو الأقوى من عدم توقّف العبادية على قصد الوجه ولا على معرفته مطلقاً وكفاية العلم بالمحبوبية ونية القربة المطلقة في تحقّقها كما سيأتي في مباحث النية ـ أمّا مع استلزامه للتكرار فإن توقّف على تكرار جملة العمل

كما في موارد التردّد بين وجوب القصر أو التمام ونحو ذلك فالأحوط بل الأقوى تعيّن الاجتهاد أو التقليد حينئذ مع التمكّن منه ـ ويتوقّف حسن الاحتياط وكفايته في العبادية على تعذّره ـ ولو أدّى اجتهاده أو تقليده إلى وجوب أحدهما توقّف حسن الاحتياط بإتيان المحتمل الآخر حينئذ على الفراغ عمّا أدّى تقليده أو اجتهاده إلى وجوبه لا فيما قبله ...
الرابعة : يتوقّف جواز العمل بالاحتياط في العبادات على الاجتهاد أو التقليد في هذه المسألة ، فإنّها خلافية ويتوقّف تشخيصه على خبرة كاملة بأقوال الفقهاء وأدلّتها ، ولو لم يكن خبيراً بها ففي الرجوع في تشخيصه إلى التقليد أو الاستعلام من أهل الخبرة ـ إمّا مطلقاً أو بشروط الشهادة ـ وجوه وإشكال ، لكن لو تعارضت الاحتياطات فالمرجع في تعيين أحوطها هو التقليد بلا إشكال ، والله العالم»(1).
الاستنتاج :
1 ـ هذه الرسالة فيها تفريعات متشابكة ومنهجيّتها ليست واضحة ، والسرّ في ذلك أنّ أفكارها بحاجة إلى ترتيب وتقسيم جديد.
2 ـ نفهم من كلامه ان الاحتياط هو الأخذ بالأوثق والمتيقن ، وهنا تفريعان :
أ ـ التيقن من جميع الوجوه يورث القطع.
ب ـ التيقن من وجوه معينة وعدم التيقن من وجوه أُخرى يوجب الخروج عن عهدة التكليف دون اصابة الواقع ، أي انه يصيب الوظيفة العملية لكنه لا يصيب الواقع.
__________________
(1) وسيلة النجاة : ج ـ هـ.

3 ـ يتداخل الأمر أحياناً بالشكل التالي :
أ ـ إذا دار الأمر بين وجوب الشيء وعدم حرمته فعليه ان يلتزم بمنحى الوجوب احتياطاً.
ب ـ إذا دار الأمر بين حرمة الشيء وعدم وجوبه فعليه أن يلتزم بالاجتناب عنه.
ج ـ إذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة هنا يتعذّر الاحتياط.
د ـ إذا علم بدخول أحد الضدّين أو النقيضين في العبادة فإنّه يستلزم من الاحتياط التكرار.
4 ـ مسألة الاحتياط في العبادات وغير العبادات تكون كالتالي :
أ ـ جواز الاحتياط في غير العبادات.
ب ـ جواز الاحتياط في العبادات مع عدم استلزامه للتكرار.
ج ـ إذا استلزم التكرار مثل التردّد بين وجوب القصر أو التمام فعليه الاجتهاد أو التقليد.
5 ـ مسألة جواز العمل بالاحتياط في العبادات إجتهاداً أو تقليداً مسألة خلافية ، فإذا لم يكن مجتهداً فعليه التقليد.
6 ـ إذا تعارضت الاحتياطات فالمرجع في تعيين أحوطها هو التقليد.
4 ـ منهج وسيلة النجاة :
كتاب وسيلة النجاة للسيِّد أبي الحسن الموسوي الإصفهاني (ت 1365 هـ) في مجلّدين ، رسالة عملية للمكلّفين. يقول المصنّف في المقدّمة :
«وبعد ، فيقول العبد الحقير أبو الحسن الموسوي الإصفهاني وفّقه الله

تعالى لمراضيه وجعل مستقبل أمره خيراً من ماضيه : لمّا كانت الرسالة المسمّاة بـ : ذخيرة الصالحين رسالة وجيزة قليلاً لفظها كثيراً نفعها سهلاً تناولها قد علّقت عليها بعض الحواشي أوّلاً وبيّنت فيها مواقع الاختلاف في الفتوى لتكون مرجعاً لمن يرجع إليَّ فيها ، ثمّ أدرجت الحواشي في المتن ثانياً كي تكون أسهل تناولاً ، ثمّ كرّرت النظر فيها ثالثاً فأضفت إليها بعض الفروع وألحقت بها بعض المسائل المبتلى بها من المعاملات وغيرها لتكون أكثر نفعاً ، ومع ذلك لم تكن وافية بحلِّ المسائل والفروع ، ولذلك كثرت الشكوى من المؤمنين إلىَّ وزاد إلحاحهم على أن أدرج في طيِّها بعض الفروع التي تعمّ بها البلوى وألحق بها بعض المسائل الكثيرة الجدوى ، فأجبت مسؤولهم وقضيت مأمولهم مع تشويش البال وكثرة الأشغال ، فصارت بحمد الله تعالى رسالة كافية جامعة لأمّهات المسائل ومهمّاتها ، وسمّيتها وسيلة النجاة»(1).
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
النموذج الأوّل : في العدالة :
«مسألة 27 : يعتبر في المفتي والقاضي العدالة ، وتثبت بشهادة عدلين ، وبالمعاشرة المفيدة للعلم أو الاطمئنان ، وبالشياع المفيد للعلم.
مسألة 28 : العدالة عبارة عن ملكة راسخة باعثة على ملازمة التقوى من ترك المحرّمات وفعل الواجبات ، وتعرف بحسن الظاهر ومواظبته في
__________________
(1) وسيلة النجاة 1 / 9.

الظاهر على الشرعيّات والطاعات ومزايا الشرع من حضور الجماعات وغيره ممّا كان كاشفاً عن الملكة وحسن الباطن علماً أو ظنّاً ، وتعرف أيضاً بشهادة العدلين ، وبالشياع المفيد للعلم.
مسألة 29 : تزول صفة العدالة بارتكاب الكبائر أو الإصرار على الصغائر ، وتعود بالتوبة إذا كانت الملكة المذكورة باقية»(1).
النموذج الثاني : في البيع :
«مسألة 1 : عقد البيع يحتاج إلى إيجاب وقبول ، والأقوى عدم اعتبار العربية بل يقع بكلّ لغة ولو مع إمكان العربي ، كما أنّه لا يعتبر فيه الصراحة بل يقع بكلِّ لفظ دالّ على المقصود عند أهل المحاورة كـ(بعتُ) و (ملكتُ) ونحوهما في الإيجاب و (قبلتُ) و (اشتريتُ) و (ابتعتُ) ونحو ذلك في القبول ، كما أنّ الظاهر عدم اعتبار الماضوية فيجوز بالمضارع وإن كان المشهور اعتبارها ، ولا ريب أنّه الأحوط. وهل يعتبر فيه عدم اللحن من حيث المادّة والهيئة والإعراب لو أوقعه بالعربي؟ الظاهر العدم إذا كان دالاًّ على المقصود عند أبناء المحاورة وعُدّ ملحوناً من الكلام لا كلاماً آخر دون ذكر هذا المقام ، كما إذا قال : (بعت) بفتح الباء أو (بِعِتْ) بكسر العين وسكون التاء ، وأولى بذلك اللغات المحرّفة كالمتداولة بين أهل السواد ومن ضاهاهم.
مسألة 3 : يعتبر الموالاة بين الإيجاب والقبول ، بمعنى عدم الفصل الطويل بينهما بما يخرجهما عن عنوان العقد والمعاقدة ، ولا يضرّ القليل بحيث يصدق معه أنّ هذا قبول لذلك الإيجاب»(2).
__________________
(1) وسيلة النجاة 1 / 16.
(2) وسيلة النجاة 1 / 382.

الاستنتاج :
1 ـ إنّ منهج الرسالة يغلب عليه الوضوح في التعبير والعلمية في طرح الموضوع وترتيب الأفكار ، ولعلّها من أفضل الرسائل العملية المكتوبة من ناحية اللغة والأُسلوب والمحتوى.
2 ـ يشرح المصنّف العبارات التي تحتاج إلى شرح مثل العدالة أو البيع ونحوهما. والتشعّبات في الكتاب ليست كثيرة بل فيها لونٌ من الاعتدال ، بحيث يستطيع القارئ غير الملمِّ بعلوم الفقه أن يستوعب مادّة الكتاب إستيعاباً معقولاً.
3 ـ مع أنّ الرسالة حافظت على قوّة التعبير الفقهي إلاّ أنّ المصنِّف أبعدها عن اصطلاحات الفقهاء ـ مثل : الأقوى ، والأحوط ، والأظهر ـ وجعل ألفاظها ميسورة للمكلّف الذي لم يطّلع بعد على اصطلاحات أهل الفنِّ.
10 ـ منهج الفقه الفتوائي :
مقدّمة :
وهو الفقه الذي يعتني ببيان الأحكام والفتاوى الشرعية من دون التعرّض إلى أدلّتها التفصيلية بالنّقض والإبرام ، وتبرز في الكتاب علمية المصنِّف وعمقه ودقّته وقوّة مبانيه الأصولية والفقهية ، وغالباً ما تكون العبارات مضغوطة وتميل إلى لغة أهل الفنِّ والاختصاص.
طبيعة الفقه الفتوائي :
تتبلور طبيعة الفقه الفتوائي في صورة الفتاوى الفقهية التي يجمعها وحدة الموضوع ، فالفتاوى الصادرة من الفقهاء المتقدّمين كانت ألفاظاً

لأحاديث مسندة حذف المصنّف إسنادها للاختصار ، وفتاوى المتأخرين اتّخذت منحى تبيّن الأوامر والنواهي الاستحباب أو الكراهة ، أو بكلمة ثالثة : إنّها كتبت بصيغة : يجوز لك فعل هذا ولا يجوز لك فعل ذاك. وغالباً ما يكون الفقه الفتوائي مجرّداً عن الاستدلال. ولا يزال الفقه الفتوائي من زمن الشّيخ الصدوق (ت 381 هـ) ولحدِّ اليوم فعّالاً وحيوياً في رفد المجتمع بالأفكار الفقهية.
الإيمان بالشهرة الفتوائية :
وهو منهج آمن به الفقهاء المتأخّرون. والشهرة الفتوائية تعني أنّه يشتهر بين الفقهاء القدماء الذين كان عهدهم قريباً من زمن النصّ فتاوى صادرة منهم لكنّها مجرّدة من كلّ رواية أو خبر. والشهرة الفتوائية هي أحد أقسام الشهرة الثلاثة ، وهي :
أ ـ الشهرة الروائية : وتعني اشتهار الرواية بين نقلة الروايات من دون إفتاء على أساس مضمونها. ولكن النقل دون الإفتاء موهن للرواية. أمّا إذا أعرض الفقهاء عن الإفتاء بتلك الرواية فهذا يعني وجود خلل في جهة صدورها. وبكلمة : فإنّ هذه الشهرة ليست من التي يركن إليها في الاستدلال.
ب ـ الشهرة العملية : وتعني اشتهار الرواية بين أصحاب الفتيا بالنقل والإفتاء على أساس مضمونها. ويمكن الركون إلى هذه الشهرة لأنّها حجّة. وقد ورد في مقبولة عمر بن حنظلة : ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به ، المجمع عليه بين أصحابك ، فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذّ النادر الذي ليس بمشهور عند أصحابك ، فإنّ المجمع عليه

لاريب فيه ... وإنّما الأُمور ثلاثة : أمر بيّن رشده فيتبع ، وأمر بيّن غيّه فيجتنب ، وأمر مشكل يردُّ علمه إلى الله ورسوله(1).
ولاشكّ أنّ المراد بـ : (المُجمع عليه) في لسان الدليل هو المشهور بين الأصحاب اجماعاً لا ما اتّفق الكلّ ـ من غير الفقهاء ـ على روايته. والمراد من (المشهور عند الأصحاب) المشهور بالإفتاء بمضمونه ، وإلاّ فإنّ عدم الإفتاء بالرواية لا ينفي الريب عنه.
ج ـ الشهرة الفتوائية : وهي الشهرة التي ذكرناها آنفاً(2) ، حيث كان القدماء من فقهاء الإمامية يعرضون فتاواهم مجرّدة من كلِّ رواية وخبر ، فالفتوى المشهورة عند أصحاب الائمة عليهم‌السلام تعدّ بمنزلة النصِّ ، لأنّ أُولئك الأصحاب كانوا بطانة علومهم عليهم‌السلام وخزانة أسرارهم ، فهذا عبد الله بن محرز وسلمة بن محرز يعملان بالفتوى الروائية من الأصحاب ، فهنا روايتان :
الأولى : رواية سلمة بن محرز : قلتُ لأبي عبد الله عليه‌السلام : إنّ رجلاً مات وأوصى إليَّ بتركته وتركة ابنته؟ قال : فقال لي : أعطها النِّصف. قال : فأخبرت زرارة بذلك فقال لي : اتّقاك إنّما المال لها. قال : فدخلت بعد فقلت : أصلحك الله إنّ أصحابنا زعموا أنّك اتّقيتني؟ فقال : لا والله ما اتّقيتك ولكنّي اتّقيت عليك أن تضمن ، فهل علم بذلك أحد؟ قلت : لا. قال : فأعطها ما بقي(3).
__________________
(1) الوسائل 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 1.
(2) بحثت في حجّية الظّنّ في كتب الأُصول للمتأخّرين ، مثل : تهذيب الأُصول ـ السيّد الخميني 2 / 100 ـ 102 ، ومصباح الأُصول ـ السيّد الخوئي 2 / 202.
(3) الوسائل 17 باب 4 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد ح 3.

الثانية : رواية عبد الله بن محرز ، قال : أوصى إلىّ رجل وترك خمسمائة درهم أو ستمائة درهم وترك ابنته وقال لي : عصبة بالشام. فسألت أبا عبد الله عن ذلك فقال : أعط الإبنة النِّصف والعصبة النِّصف الآخر. فلمّا قدمت الكوفة أخبرت أصحابنا فقالوا : اتّقاك. فأعطيت ابنته النِّصف الآخر. ثمّ حججت فلقيت أبا عبد الله فأخبرته بما قال أصحابنا وأخبرته أنّي دفعت النِّصف الآخر الابنة ، فقال : أحسنت إنّما أفتيتك مخافة العصبة عليك(1).
والاعتناء بالشهرة الفتوائية يضع الفتاوى الصادرة من فقهاء عصر النصِّ بمنزلة النصوص ، ولذلك اُخذت كتب كلّ من الشّيخ الصدوق المقنع والشّيخ المفيد المقنعة والشّيخ الطّوسي النهاية والمبسوط بمنزلة النصِّ ، لأنّهم كانوا لا يذكرون شيئاً إلاّ وله واسطة بمنبع علوم آل محمّد(صلى الله عليه وآله).
كتب الفقه الفتوائي :
1 ـ المقنع للشّيخ الصدوق (ت 381 هـ).
2 ـ المقنعة للشّيخ المفيد (ت 413 هـ).
3 ـ إرشاد الأذهان للعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ).
4 ـ المبسوط للشّيخ الطّوسي (ت 460 هـ).
5 ـ المختصر النافع للمحقّق الحلّي (ت 676 هـ).
6 ـ قواعد الأحكام للعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ).
7 ـ تبصرة المتعلّمين للعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ).
__________________
(1) الوسائل 17 باب 5 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد ح 4.

8 ـ اللمعة الدمشقية للشهيد الأوّل (ت 786 هـ).
9 ـ الوسيلة إلى نيل الفضيلة لابن حمزة (من أعلام القرن السادس).
1 ـ منهج المقنع :
كتاب المقنع للشّيخ محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381 هـ) في مجلّد واحد ، رسالة فتوائية عباراتها ألفاظٌ لأحاديث مسندة حذف المصنِّف أسانيدها بهدف الإختصار ثقةً بورودها في الكتب الحديثية المعروفة في زمانه. يقول المصنِّف في المقدّمة :
«إنّي صنّفتُ كتابي هذا وسمّيته كتاب المقنع لقنوع من يقرأه بما فيه ، وحذفت الأسانيد منه لئلاّ يثقل حمله ولا يصعب حفظه ولا يملّ قارئه ، إذ كان ما أُبيّنه فيه في الكتب الأصولية موجوداً مبيّناً عن المشايخ العلماء الفقهاء الثقات رحمهم‌الله»(1).
عقب المحدّث النوري (ت 1320 هـ) في المستدرك قائلاً :
«إنّ هذه العبارة كما ترى متضمّنة لمطالب :
الأوّل : إنّ ما في الكتاب خبر كلّه إلاّ ما يشير إليه.
الثاني : إنّ ما فيه من الأخبار مسند كلّه ، وعدم ذكر السند فيه للإختصار لا لكونها من المراسيل.
الثالث : إنّ ما فيه من الأخبار مأخوذ من أصول الأصحاب التي هي مرجعهم وعليها معوّلهم وإليها مستندهم وفيها مباني فتاويهم.
__________________
(1) المقنع : 5.

الرابع : إنّ أرباب تلك الأصول ورجال طرقه إليها من ثقات العلماء ، وبذلك فاق قدره عن كتاب الفقيه.
والحقّ أنّ ما فيه عين متون الأخبار الصحيحة بالمعنى الأخصّ الذي عليه المتأخّرون»(1).
وإذا كان هذا رأي المحدّث النوري فقد كان المجلسي (ت 1111 هـ) يقول : «ينزّل أكثر أصحابنا كلامه [الصدوق] وكلام أبيه منـزلة النصِّ المنقول والخبر المأثور»(2).
نماذج من منهجه :
ومنهج الكتاب مبنيٌّ على أمرين :
الأوّل : إنّ الأحكام الفقهية مرتّبة على صورة الفتاوى التي يجمعها وحدة الموضوع ، مثلاً في باب الوصايا يقول المصنِّف :
«اعلم أنّ الوصية حقٌّ على كلِّ مسلم ، ويستحبّ أن يوصي الرجل لقرابته بشيء من ماله قلّ أم كثر ، وأوّل شيء يبدأ به من المال الكفن ثمّ الدّين ثمّ الوصية ثمّ الميراث. وعلى الزوج كفن امرأته إذا ماتت ...
ولا يجوز تغيير الوصية وتبديلها ، لأنّه عزّ وجلّ يقول : (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الّذِيْنَ يُبَدِّلُوْنَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ)(3). فإن أوصى في غير حقٍّ ولا سنّة فلا حرج على الوصيِّ أن يردّه إلى الحقِّ والسنّة. فإن أوصى بربع ماله فهو أحبّ إليّ من أن يوصي بالثلث ، ومن
__________________
(1) مستدرك الوسائل 3 / 327 طبعة حجرية.
(2) بحار الأنوار 10 / 405.
(3) سورة البقرة 2 : 181.

أوصى بالثلث فلم يترك. وإذا دعا رجل ابنه إلى قبول وصيّته فليس له أن يأبى. وإذا أوصى الرجل بمال في سبيل الله فإن شاء جعله لإمام المسلمين ، وإن شاء جعله في حجٍّ ، وإن شاء فرّقه على قوم مؤمنين»(1).
الثاني : نلحظ في عبارات المصنِّف صيغة الإلزام ، فكتابه أشبه برسالة عملية للمكلّفين. يقول في باب زكاة الفضّة :
«اعلم أنّه ليس على الفضّة شيءٌ حتّى تبلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم ، وليس فيها إذا كانت دون مائتي درهم شيء وإن كانت مائتي درهم إلاّ درهم ، ومتى زاد على مائتي درهم أربعون درهماً ففيها درهم. وليس في العطر والزعفران والخضر والثمار والحبوب زكاة حتّى تباع ويحول على ثمنه الحول»(2).
وفي باب زكاة مال اليتيم يقول :
«اعلم أنّه ليس على مال اليتيم زكاة إلاّ أن يتّجر به ، فإن اتّجر به فعليه الزكاة»(3).
2 ـ منهج المقنعة :
كتاب المقنعة للشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان (ت 413 هـ) في مجلّد واحد ، دورة فقهية كاملة يبتدئ بكتاب الطهارة وينتهي بكتاب الوكالة ، أضاف لها في المقدّمة أصول الدين. والكتاب كما ذكر مصنّفه في المقدّمة :
__________________
(1) المقنع : 477 ـ 479.
(2) المقنع : 162.
(3) المقنع : 163.

«جمع مختصر في الأحكام وفرائض الملّة وشرائع الإسلام ، ليعتمده المرتاد لدينه ويزداد به المستبصر في معرفته ويقينه ...»(1).
نماذج من منهجه :
ومنهج الكتاب مبنىٌّ على أمرين :
الأوّل : التعريف بالموضوع الشرعي ثمّ الإفتاء دون التعرّض للاستدلال إلاّ في الموارد التي تقتضي إيراد الآية أو الرواية المؤيّدة ، ومن ذلك في باب نيّة الصيام ، قال :
«قال الله عزّ وجلّ : (وَمَا أُمِرُوْا إِلاّ لِيَعْبُدُوْا اللهَ مُخْلِصِيْنَ لَهُ الدِّيْنَ)(2). والإخلاص للديانة هو التقرّب إلى الله تعالى بعملها مع ارتفاع الشوائب ، والتقرّب لا يصحّ إلاّ بالعقد عليه والنية له ببرهان الدلالة. روي عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه عليهم‌السلام قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : لا قول إلاّ بعمل ، ولا قول ولا عمل إلاّ بنية ، ولا عمل ولا نية إلاّ بإصابة السنّة ، ومن تمسّك بسنّتي عند اختلاف أمّتي كان له أجر مائة شهيد.
فيجب لمكلّف الصيام أن يعتقده قبل دخول وقته تقرّباً إلى الله جلّ اسمه بذلك وإخلاصاً له على ما قدّمناه في المقال ، فإذا اعتقد قبل الفجر من أوّل يوم من شهر رمضان صيام الشهر بأسره أجزأه ذلك في صيام الشهر بأجمعه وأغناه في الفرض عن تجديد نية في كلِّ يوم على الاستقبال ، فإن جدّد النية في كلِّ يوم قبل فجره كان بذلك متطوّعاً فعلاً فيه فضل يستحقّ عليه الثواب ، وإن لم يجدّد نية بعد ما
__________________
(1) المقنعة : 27.
(2) سورة البيّنة 98 : 5.

سلف له لجملة الشهر فلا حرج عليه كما بيّنّاه ...»(1).
الثاني : التأكيد على السنن الأخلاقية في الدين ، ومن ذلك باب سنن الصيام ، قال :
«ومن سنن الصيام غضّ الطرف عن محارم الله تعالى ، وشغل اللسان بتلاوة القرآن ، وتمجيد الله والثناء عليه ، والصّلاة على رسول الله صلّى الله عليه وآله ، واجتناب سماع اللّهو وجميع المقال الذي لا يرضاه الله تعالى ، وهجر المجالس التي يصنع ما يسخط الله عزّ وجلّ ، وترك الحركة في غير طاعة الله عزّ وجلّ ، والإكثار من أفعال الخير التي يرجى بها ثواب الله تعالى. وقد روي عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنّه قال لمحمّد بن مسلم : يا محمّد إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك ولحمك ودمك وجلدك وشعرك وبشرك ولا يكون يوم صومك كيوم فطرك»(2).
وبالإجمال : فإنّ منهج المصنِّف في غاية البلاغة والوضوح.
3 ـ منهج إرشاد الأذهان :
كتاب إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان للعلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن المطهّر (ت 726 هـ) في مجلّدين ، كتاب فتوائي مختصر شمل جميع أبواب الفقه من الطهارة إلى الديات ، وهو حسن الترتيب. يقول في المقدّمة :
«لما كثر طلب الولد العزيز محمّد ـ أصلح الله تعالى أمر داريه ووفّقه للخير وأعانه عليه ، ومدّ الله له في العمر السعيد والعيش الرغيد ـ لتصنيف
__________________
(1) المقنعة : 301 ـ 302.
(2) المقنعة : 309 ـ 310.

كتاب يحوي النكت البديعة في مسائل الشريعة ، على وجه الإيجاز والاختصار خال عن التطويل والإكثار ، فأجبت مطلوبه وصنّفت هذا الكتاب ...»(1).
والكتاب بطبيعته مشابه في الأسلوب لكتاب قواعد الأحكام.
نموذج من منهجه :
ونعرض نموذجاً في المساقاة وأحكامها :
«المساقاة : وفيه مقامان :
الأوّل : في الأركان ، وهي أربعة : العقد ، والمحلّ ، والمدّة ، والفائدة.
وصيغة الإيجاب : ساقيتك ، أو : عاملتك ، أو : سلّمت إليك ، وشبهه.
وهي لازمة لا تبطل بالموت ولا البيع بل بالتقايل ، وتصحّ قبل ظهور الثمرة وبعدها إن ظهر للعمل زيادة. وأمّا المحلّ فهو كلّ أصل ثابت له ثمرة ينتفع بها مع بقائه كالنخل والشجر ، وفي التوت والحنّاء نظر ، وإنّما تصحّ إذا كانت الأشجار مرئية ....
المقام الثاني في الأحكام : وإطلاق العقد يقتضي قيام العامل بكلِّ عمل يتكرّر في كلِّ سنة وتحتاج الثمرة إليه : من السقي ، والتقليب ، وتنقية الأجاجين والأنهار ، وإزالة الحشيش المضرّ ، وتهذيب الجريد والتلقيح ، والتعديل ، واللقاط ، وإصلاح موضع التشميس ، ونقل الثمرة إليه وحفظها ...»(2).
ومنهج المصنّف لا يختلف بالأساس عن منهج بقية الكتب الخاصّة
__________________
(1) إرشاد الأذهان 1 / 218.
(2) إرشاد الأذهان 1 / 428.

بالفقه الفتوائي ، فقد لخّص المصنّف موضوع المساقاة بعدّة جمل وافية بالمقصود جامعة مانعة في الحلال والحرام ، ابتدأ الموضوع بالأركان وانتهى بالأحكام ، وهو أُسلوب يعرض الفكرة الفقهية ثمّ يبيّن الإلزام المتّصل بها.
4 ـ منهج المبسوط في فقه الإمامية :
كتاب المبسوط في فقه الإمامية للشّيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطّوسي (ت 460 هـ) ، في ثمانية مجلّدات ، هو موسوعة فقهية فتوائية غير استدلالية. وكان الفقهاء القدماء يقدّمون فتاوى الشّيخ الطّوسي قدس‌سره ويقدّرونها أعظم تقدير ويعدّون تصانيفه أصلاً مسلّماً ويكتفون بها في الاستدلال ، فكان شيخ الطائفة قدس‌سره سدرة المنتهى في التصنيف الفقهي والأصولي والرجالي. يقول الشّيخ الطّوسي في مقدّمة كتابه شارحاً منهجه في التأليف :
«... فعدلتُ إلى عمل كتاب يشتمل على عدد جميع كتب الفقه التي فصلوها الفقهاء وهي نحو من ثلاثين كتاباً أذكر كلّ كتاب منه على غاية ما يمكن تلخيصه من الألفاظ ، واقتصرت على مجرّد الفقه دون الأدعية والآداب ، واُعقّد فيه الأبواب واُقسّم فيه المسائل وأجمع بين النظائر وأستوفيه غاية الإستيفاء ، وأذكر أكثر الفروع التي ذكرها المخالفون وأقول ما عندي على ما يقتضيه مذاهبنا ويوجبه أصولنا بعد أن أذكر جميع المسائل ، وإذا كانت المسألة أو الفرع ظاهراً أقنع فيه بمجرّد الفتيا ، وإن كانت المسألة أو الفرع غريباً أو مشكلاً أومئ إلى تعليلها ووجه دليلها ليكون الناظر فيها غير مقلّد ولا مبحّث ، وإذا كانت المسألة أو الفرع ممّا فيه أقوال العلماء ذكرتها وبيّنت عللها والصحيح منها والأقوى واُنبّه على جهة دليلها لا على

وجه القياس ، وإذا شبّهت شيئاً بشيء فعلى جهة المثال لا على وجه حمل إحديهما على الاُخرى أو على وجه الحكاية عن المخالفين دون الاعتبار الصحيح ، ولا أذكر أسماء المخالفين في المسألة لئلاّ يطول به الكتاب ، وقد ذكرت ذلك في مسائل الخلاف مستوفاً ، وإن كانت المسألة لا ترجيح فيها للأقوال وتكون متكافية وقفتُ فيها ويكون المسألة من باب التخيير»(1).
فكان الكتاب بحقٍّ لا نظير له في زمانه في كتب الأصحاب ولا في كتب المخالفين كما توقّع مصنّفه له ذلك ، فقد اشتمل على الأصول والفروع بين دفّتي عنوان واحد.
نماذج من منهجه :
ونستطيع أن نستقرىء منهجه عبر الموارد التالية :
أوّلاً : تماسك المعاني ووضوح الألفاظ بحيث يبدأ بالتعريف ثمّ يذكر الأحكام الخاصّة بموضوع البحث بفروعها وشعبها ، ففي فصل الطهارة يقول : «الطهارة في اللغة النظافة ، وفي الشريعة عبارة عن إيقاع أفعال في البدن مخصوصة على وجه مخصوص يستباح بها الدخول في الصّلاة ، وهي على ضربين : طهارة بالماء وطهارة بالتّراب.
فالطّهارة بالماء على ضربين : أحدهما يختصّ بالأعضاء الأربعة فتسمّى وضوءً ، والآخر يعمّ جميع البدن فتسمّى غسلاً. والتي بالتراب يختصّ عضوين فقط على ما سنبيّنه.
والوضوء على وجهين : واجب وندب ، فالواجب هو الذي يجب
__________________
(1) المبسوط 1 / 3.

لاستباحة الصّلاة والطّواف ولا وجه لوجوبه إلاّ هذين ، والندب فإنّه مستحبّ في مواضع كثيرة لا تحصى. وأمّا الغسل فعلى ضربين أيضاً : واجب وندب ، فالواجب يجب للأمرين اللذين ذكرناهما ولدخول المساجد ومسّ كتابة القرآن وما فيه اسم الله تعالى وغير ذلك ...
والطهارة بالماء هي الأصل وإنّما يعدل عنها إلى الطّهارة بالتراب عند الضرورة وعدم الماء ، وتسمية التيمّم بالطهارة حكم شرعي لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)قال : جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً. وأخبارنا مملؤة بتسمية ذلك طهارة ، فليس لأحد أن يخالف فيه ...»(1).
نستنتج من ذلك :
إنّه قسّم الطهارة إلى قسمين : الأوّل بالماء والثاني بالتراب.
وقسّم الطهارة المائية إلى قسمين : الأوّل الوضوء والثاني الغسل.
وقسّم الوضوء إلى قسمين : الأوّل الواجب والثاني المستحبّ.
وقسّم الوضوء الواجب إلى قسمين : الأوّل لاستباحة الصّلاة والثاني لاستباحة الطواف.
وقسّم الوضوء المستحبّ إلى أقسام شتّى.
وقسّم الغسل إلى قسمين : الأوّل الواجب والثاني المستحبّ.
وقسّم الغسل الواجب ـ بالإضافة إلى استباحة الصّلاة والطواف ـ إلى قسمين أخريين : الأوّل دخول المساجد والثاني مسّ كتابة القرآن.
وهذا التقسيم الموضوعي للواجبات والمستحبّات يساعد الذّهن
__________________
(1) المبسوط 1 / 4.

الإنساني على فهم الموضوع فهماً تدريجيّاً متسلسلاً ، فالمصنّف لم يقفز من موضوع إلى موضوع آخر ولم يخرق المراحل الطبيعية للتعريف بل وضع الأفكار والمفاهيم في مواضعها الصحيحة وقسّم الأشياء قسمين قسمين ، وهذا المنهج من أفضل المناهج التعليمية في الفكر الإنساني.
ثانياً : التأكيد على وضوح عبارات الحكم الشرعي بحيث يعرض الحكم أحياناً قبل التعريف ، ومن ذلك ما ذكره في التشهّد وأحكامه ، قال المصنّف :
«التشهّد في الصّلاة فرض واجب للأوّل والثاني في الثلاثية والرباعيّات وفي كلّ ركعتين في باقي الصّلوات ، فمن تركهما أو واحداً منهما متعمّداً فلا صلاة له ، ومن تركهما أو واحداً منهما ناسياً حتّى فرغ من الصّلاة قضاهما بعد التسليم وأعاد التسليم بعد التشهّد الأخير ، فإن ترك التشهّد الأوّل قضاه وليس عليه تسليم بعده. والتشهّد يشتمل على خمسة أجناس : الجلوس والشهادتان والصّلاة على محمّد النبيّ(صلى الله عليه وآله) والصّلاة على آله ، فهذه الخمسة لا خلاف بين أصحابنا فيها أنّها واجبة. والسادس : التسليم ، ففي أصحابنا من جعله فرضاً ، وفيهم من جعله نفلاً. وصفة الجلوس أن يجلس متورّكاً يضع ظاهر رجله اليمنى على باطن رجله اليسرى ، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى واليسرى على فخذه اليسرى ويبسطهما مضمومتي الأصابع ، وهذه الهيئة مسنونة. ويطمئنّ فيه ـ وهو فرض ـ ويشهد الشهادتين ، وهو أقلّ ما يجزيه في التشهّد ، والصّلاة على النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) ، فإن نقص شيئاً من ذلك فلا صلاة له ، وكلّما زاد على ذلك من الألفاظ الواردة فيه فهو زيادة في العبادة والثواب ، ومن ترك

التشهّد ناسياً أو شيئاً منه قضاه بعد التسليم طالت المدّة أم قصرت»(1).
نستنتج من ذلك :
1 ـ إنّه شخّص الوظيفة الشرعية بخصوص وجوب التشهّد بما يلي :
أ ـ إنّه فرض واجب للأوّل والثاني في الثلاثية والرباعيّات.
ب ـ إنّه فرض واجب في كلِّ ركعتين.
ج ـ من تركه أو تركهما متعمّداً تبطل صلاته.
د ـ من تركه أو تركهما سهواً يعيد التسليم.
2 ـ يعرّف التشهّد بـ : الجلوس والشهادتين والصّلاة على محمّد(صلى الله عليه وآله)والصّلاة على آله عليهم‌السلام ، ويعرّف التسليم بعد ذلك.
3 ـ يصف صفة الجلوس في التشهّد والتسليم.
4 ـ إنّ أي نقص في التشهّد يبطل الصّلاة.
وبالإجمال : فهذا الترتيب العلمي للأفكار يضع الحكم في المقدّمة فنعلم أنّ ما سنقرأه هو واجب فنلتفت بانتباه كامل إلى الشرح ، ثمّ نتعلّم طبيعة الجلوس وما ينبغي علينا أن نقول تشهّداً وتسليماً حتّى لا تبطل صلاتنا الواجبة.
ثالثاً : استخدام اللغة والقواعد اللغوية في إيصال المطلوب ، قال : «فصل في ذكر العقيقة وأحكامها :
العقيقة عبارة عن ذبح شاة عند الولادة ـ كما أنّ الوليمة طعام النكاح ـ
__________________
(1) المبسوط 1 / 115 ـ 116.

والعقيقة في اللغة : شعر المولود إذا جمع. ومن شأنه وهو المستحبّ أن يحلق يوم السابع ويذبح عنه في يوم حلقه ، فسمّيت عقيقة لمجاورتها يوم الحلق كما قالوا للزوجة : ظعينة ـ والظعينة الناقة التي تحملها وتظعن عليها ـ فإذا ثبت ذلك فهي سنّة مؤكّدة ثابتة وليست بفرض ولا واجب. والكلام فيها في فصلين : في المقدار والوقت ، فالمقدار أن يذبح عن الغلام بفحل وعن الاُنثى باُنثى ويكون ذلك من الضأن لا غير. والوقت فالمستحبّ أن يعقّ يوم السابع لما روي عن النبيِّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : كلّ غلام رهينة بعقيقته يذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمّي. وروي عنه(صلى الله عليه وآله) أنّه عقّ عن الحسن يوم السابع. ولا ينبغي أن يمسّ رأسه بشيء من دمها ، ومتى لم يعقّ الوالد عن ولده وأدرك عقّ عن نفسه استحباباً ، ولا يقوم مقام العقيقة الصدقة بثمنها ، ومن لا يقدر عليها فلا شيء عليه ، فإن قدر فيما بعد قضاها ...»(1).
ونستنتج من ذلك :
1 ـ بدأ المصنّف بتعريف معنى العقيقة.
2 ـ أيّد استدلاله بالمعاني والقواعد اللغوية كالأمثال والنظائر ونحوها.
3 ـ وبعد أن عرفنا معنى العقيقة لغةً واصطلاحاً لخّص الكلام في حكم العقيقة وأورده في أمرين : المقدار والوقت.
4 ـ أيّد ما توصّل إليه برواية عن النبيِّ(صلى الله عليه وآله).
__________________
(1) المبسوط 1 / 394 ـ 395.

5 ـ منهج المختصر النافع :
كتاب المختصر النافع في فقه الإمامية للمحقّق الحلّي نجم الدين جعفر بن الحسن (ت 676 هـ) في مجلّد واحد ، من المتون المختصرة ، لخّصه المصنّف من كتابه الأوسع : شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام ، وهو مرتّب على أربعة أقسام :
الأوّل : العبادات من الطهارة حتّى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
الثاني : العقود من التجارة وحتّى النكاح.
الثالث : الإيقاعات من الطلاق وحتّى النذر.
الرابع : الأحكام من الصيد والذباحة وحتّى الديات.
يقول المصنّف في المقدّمة : «أمّا بعد : فإنّي مورد لك في هذا المختصر خلاصة المذهب المعتبر ، بألفاظ محبرة وعبارات محرّرة ، تظفرك بنخبه وتوصلك إلى شعبه ، مقتصراً على ما بان لي سبيله ووضح لي دليله»(1).
نموذجٌ من منهجه :
ولنعرض نموذجاً من كتاب المختصر النافع لمعرفة منهجه ـ وهو في كتاب البيع ـ يقول :
«في الخيار والنظر في أقسامه وأحكامه :
وأقسامه ستّة :
__________________
(1) المختصر النافع : 1.

الأوّل : خيار المجلس ، وهو ثابت للمتبايعين في كلِّ مبيع لم يشترط فيه سقوطه ما لم يفترقا.
الثاني : خيار الحيوان ، وهو ثلاثة أيّام للمشتري خاصّة على الأصحّ. ويسقط لو شرط سقوطه ، أو أسقطه المشتري بعد العقد ، أو تصرّف فيه المشتري سواء كان تصرّفاً لازماً كالبيع أو غير لازم كالوصية والهبة قبل القبض.
الثالث : خيار الشرط ، وهو بحسب ما يشترط. ولابدّ أن تكون مدّته مضبوطة ، ولو كانت محتملة لم تجز كقدوم الغزاةِ وإدراك الثمرات. ويجوز اشتراط مدّة يرد فيها البائع الثمن ويرتجع البيع ، فلو انقضت ولما يَرُدَّ لزم البيع. ولو تلف في المدّة تلف من المشتري ، وكذا لو حصل له نماء كان له.
الرابع : خيار الغبن ، ومع ثبوته وقت العقد بما لا يتغابن فيه غالباً وجهالة المغبون يثبت له الخيار في الفسخ والإمضاء.
الخامس : من باع ولم يقبض الثمن ولا قبض المبيع ولا اشترط التأخير فالبيع لازم ثلاثة أيّام ، ومع انقضائها يثبت الخيار للبائع ، فإن تلف قال المفيد : يتلف في الثلاثة من المشتري وبعدها من البائع. والوجه تلفه من البائع في الحالين لأنّ التقدير أنّه لم يقبض. ولو اشترى ما يفسد من يومه ففي رواية يلزم البيع إلى الليل ، فإن لم يأت بالثّمن فلا بيع له.
السادس : خيار الرؤية ، وهو يثبت في بيع الأعيان الحاضرة من غير مشاهدة ، ولا يصحّ حتّى يذكر الجنس والوصف ، فإن كان موافقاً لزم وإلاّ كان للمشتري الردّ. وكذا لو لم يره البائع واشترى بالوصف كان الخيار للبائع لو كان بخلاف الصفة ...

وأمّا الأحكام فمسائل :
الأولى : خيار المجلس يختصّ البيع دون غيره.
الثانية : التصرّف يسقط خيار الشرط.
الثالثة : الخيار يورث مشروطاً كان أو لازماً بالأصل.
الرابعة : المبيع يملك بالعقد. وقيل : به وبانقضاء الخيار. وإذا كان الخيار للمشتري جاز له التصرّف وإن لم يوجب البيع على نفسه.
الخامسة : إذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال البائع وكذا بعد قبضه وقبل انقضاء خيار المشتري ما لم يفرط ، ولو تلف بعد ذلك كان من المشتري.
السادسة : لو اشترى ضيعة رأى بعضها وَوُصِفَ له سائرها كان له الخيار فيها أجمع إن لم يكن على الوصف»(1).
الاستنتاج :
1 ـ إنّ المصنِّف وبعد أن حدّد الموضوع ـ وهو خيار البيع ـ عاد وقسّمه إلى قسمين : الأوّل أقسام الخيار ، وهو تهيئة ذهنية للحالات التي يقع فيها خيار البيع. والثاني أحكام الخيار ، وهي الصحّة والفساد من جهة الشرع أو الأوامر والنواهي المتعلّقة بموضوع البيع والشّراء.
2 ـ التقابل الدقيق بين القسم والحكم ، فلكلِّ قسم حكمٌ خاصٌّ به. ولو وضع كلّ حكم بعد الإنتهاء من الحديث عن القسم لتمّ الأمر ، ولكن المنهج الذي استخدمه المصنِّف أرسخ في الفهم والإدراك.
__________________
(1) المختصر النافع 1 / 121 ـ 122.

3 ـ أحدث تفريعات وتشعّبات في كلِّ قسم من الأقسام ، والترتيب الفكري والتنسيق اللفظي من أروع ما كتب في الفقه.
6 ـ منهج قواعد الأحكام :
كتاب قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام للعلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف (ت 726 هـ) في ثلاثة مجلّدات ، كتاب فقهي فتوائي يشتمل على جميع أبواب الفقه من كتاب الطهارة إلى كتاب الديات.
قال فخر المحقّقين ابن العلاّمة الحلّي في مقدّمة إيضاح الفوائد في شرح القواعد :
«إنّي لمّا اشتغلت على والدي قدّس سرّه في المعقول والمنقول وقرأت عليه كثيراً من كتب أصحابنا فالتمستُ منه أن يعمل لي كتاباً في الفقه جامعاً لقواعده وحاوياً لفرائده ، مشتملاً على غوامضه ودقائقه ، جامعاً لأسراره وحقائقه ، يبني مسائله على علم الأصوليّين وعلى علم البرهان ، وأن يشير عند كلِّ قاعدة إلى ما يلزمها من الحكم ...»(1). فأجابه الوالد إلى ذلك فكتب قواعد الأحكام.
يقول مصنِّف الذريعة قدس‌سره حول قواعد الأحكام للعلاّمة الحلّي : «وقد أحصيت مسائله في ستمائة وستّين ألف مسألة» ثمّ ذكر ما يقرب من ثلاثين شرحاً وحاشيةً عليه.
نماذج من منهجه :
ونذكر فيما يلي نموذجين من كتابة العلاّمة في أحكام الحجّ : الإحرام ، والطواف.
__________________
(1) قواعد الأحكام 1 / 160 ـ المقدّمة.

النموذج الأوّل : «المطلب الثالث : في كيفية [الإحرام] ، ويجب فيه ثلاثة :
أ ـ النية : وهي القصد إلى ما يُحرم له من حجِّ الإسلام أو غيره متمتّعاً أو غيره لوجوبه أو ندبه قربة إلى الله تعالى ، ويبطل الإحرام بتركها عمداً وسهواً ، ولا اعتبار بالنطق ، فلو نوى نوعاً ونطق بغيره صحّ المنويّ ، ولو نطق من غير نيّة لم يصحّ إحرامه ، ولو نوى الإحرام ولم يعيّن لا حجّاً ولا عمرة أو نواهما معاً فالأقرب البطلان وإن كان في أشهر الحجّ ، ولو نسي ما عيّنه تخيّر إذا لم يلزمه أحدهما ، وكذا لو شكّ هل أحرم بهما أو بأحدهما ، ولو قال : كإحرام فلان ، صحّ إن علم حال النية صفته ، وإلاّ فلا.
ب ـ التلبيات الأربع ، وصورتها : لبّيك اللّهم لبّيك ، لبّيك إنّ الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك لبّيك. ولا ينعقد إحرام المتمتّع والمفرد إلاّ بها ، والأخرس يشير مع عقد قلبه بها ، ويتخيّر القارن في عقد إحرامه بها أو بالإشعار المختصّ بالبدن أو التقليد المشترك بينها ، ولو جمع بين التلبية وأحدهما كان الثاني مستحبّاً ، ولو نوى ولبس الثوبين من غير تلبية لم يلزمه كفّارة بفعل المحرّم ، وكذا القارن إذا لم يلبّ ولم يشعر ولم يقلِّد.
ج ـ لبس ثوبي الإحرام : يأتزر بأحدهما ويتوشَّح بالآخر أو يرتدي به ، ويجوز الزيادة والإبدال لكن الأفضل الطواف فيما أحرم فيه؛ وشرطهما جواز الصّلاة في جنسهما ، والأقرب جواز الحرير للنساء؛ ويلبس القباء منكوساً لو فقدهما»(1).
النموذج الثاني : في أحكام الطواف ، قال : «من ترك الطواف عمداً
__________________
(1) قواعد الأحكام 1 / 418 ـ 419.

بطل حجُّه ، وناسياً يقضيه ولو بعد المناسك ، ويستنيب لو تعذّر العود؛ ولو نسي طواف الزيارة وواقع بعد رجوعه إلى أهله فعليه بدنة والرجوع لأجله ، وقيل : لا كفّارة إلاّ على من واقع بعد الذكر؛ ولو نسي طواف النساء استناب ، فإن مات قضاه وليُّه واجباً ...»(1).
الاستنتاج :
1 ـ لخّص مطالب الإحرام الواجبة بثلاثة أعمال : النية ، والتلبيات الأربع ، ولبس ثوبي الإحرام.
2 ـ لاحظ أنّه شقّق موضوع النية ـ بعد أن عرّفها بأنّها القصد إلى الإحرام من حجّ الإسلام ـ إلى ثلاث عشرة تشقيقة :
1 ـ نية حجّ التمتّع الواجب.
2 ـ نية حجّ التمتّع المستحب.
3 ـ نية غير حجّ التمتّع الواجب.
4 ـ نية غير حجّ التمتّع المستحبّ.
5 ـ بطلان الإحرام بترك النية عمداً.
6 ـ بطلان الإحرام بترك النية سهواً.
7 ـ النية من أفعال القلوب فلا اعتبار للنطق.
8 ـ لو نوى شيئاً ونطق بغيره صحّ المنويّ.
9 ـ لو نطق من غير نية لم يصحّ إحرامه.
10 ـ لو نوى الإحرام ولم يعيّن الأقوى البطلان.
__________________
(1) قواعد الأحكام 1 / 428 ـ 429.

11 ـ لو نسي ما عيّنه تخيّر.
12 ـ لو شكّ هل أحرم بهما ـ الحجّ والعمرة ـ أو بأحدهما صحّ بشرط العلم بحال النية.
13 ـ لو شكّ هل أحرم بهما ـ الحجّ والعمرة ـ أو بأحدهما لا يصحّ ما دام لا يعلم حال النية.
3 ـ ويستمرّ المصنّف على هذا المنهج العلمي الذي يشعّب المسألة بذلك القدر من التشعيبات في جميع أنحاء الكتاب ويعطي الحكم الشرعي في كلّ تشعيبة.
7 ـ منهج تبصرة المتعلّمين :
كتاب تبصرة المتعلّمين في أحكام الدين للعلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن عليّ (ت 726 هـ) في مجلّد واحد ، كتاب فقهي مختصر يحتوي على جميع أبواب الفقه. قال في المقدّمة : «هذا الكتاب الموسوم بتبصرة المتعلّمين في أحكام الدين وضعناه لإرشاد المبتدئين وإفادة الطالبين ...»(1).
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نموذجان من منهجه :
النموذج الأوّل : «في الحجر ، وأسبابه ستّة :
الأوّل : الصغر ، فالصغير ممنوع من التصرّف إلاّ مع البلوغ والرشد ، ويعلم الأوّل بالإنبات أو الاحتلام أو بلوغ خمس عشرة سنة في الذكور
__________________
(1) تبصرة المتعلّمين : 13.

وتسع في الأنثى [وبالحيض] ، والثاني بإصلاح ماله عند اختباره بحيث يسلم من المغابنات وتقع أفعاله على الوجه الملائم. ولا يزول الحجر مع فقد أحدهما وإن طعن في السنّ ، ويثبت في الرجال بشهادة أمثالهم وفي النساء بشهادتهنّ أو بشهادة الرجال.
الثاني : الجنون ، ولا يصحّ تصرّف المجنون إلاّ في أوقات إفاقته.
الثالث : السفه ، ويحجر عليه في ماله خاصّة.
الرابع : الملك ، فلا ينفذ تصرّف المملوك بدون إذن مولاه ، ولو ملكه شيئاً لم يملكه على الأصحّ.
الخامس : المريض تمضي وصيّته في الثلث خاصّة ، ومنجزاته المتبرّع بها كذلك إذا مات في مرضه.
السادس : الفلس ، ويحجر عليه بشروط أربعة : ثبوت ديونه عند الحاكم ، وحلولها ، وقصور أمواله عنها ، ومطالبة أربابها الحجر ...»(1).
النموذج الثاني : «في الضمان : وإنّما يصحّ إذا صدر عن أهله ، ولابدّ من رضا الضّامن والمضمون له ، ويبرأ المضمون عنه وإن أنكره وينتقل المال على الضّامن ، فإن كان مليّاً أو علم المضمون له بإعساره وقت الضمان صحّ ، وإلاّ كان له الفسخ. ويصبح مؤجّلاً وإن كان الدين حالاً ، وبالعكس. ويرجع الضّامن على المضمون عنه بما أدّاه إن ضمن بسؤاله [وإلاّ فلا]. ولا يشترط العلم بقدر المضمون ، ويلزمه ما تقوم به البيّنة خاصّة. ولو ضمن المملوك بغير إذن مولاه تبع به بعد العتق. ولابدّ في الحقّ من الثبوت سواء كان لازماً أو آيلاً إليه.
__________________
(1) تبصرة المتعلّمين : 113 ـ 114.

ولو ضمن عهدة الثمن لزمه مع بطلان العقد لا تجدّد فسخه»(1).
الاستنتاج :
1 ـ يحاول المصنّف تجنّب المقدّمات والدخول في صلب الموضوع مباشرة حيث ذكر أسباب الحجر دون مقدّمات وذكر أحكام الضمان دون مقدّمات أيضاً.
2 ـ هذا المنهج يعطيك معنى الموضوع ضمن الحديث عن أسبابه وأحكامه ، فيبقى الموضوع متكاملاً غير مبتور. مثلاً ذكر في الحجر ستّة أسباب ثمّ أسهب في تفصيل الأسباب ، وفي النهاية فإنّك تفهم معنى الحجر من خلال دراستك لأسبابه. وهكذا مع موضوع الضمان.
3 ـ ويستخدم المصنّف أُسلوب مخاطبة الشخص الثالث في الحديث عن الحكم الشرعي ، فهو لا يقول : يجب عليك الضّمان إذا تعهّدتَ بالثمن ، وإنّما قال : ولو ضمن عهدة الثمن لزمه .... ومن منافع هذا الأُسلوب أنّ المرء يتعلّم الأحكام الشرعية بصورة غير مباشرة تختلف عن صيغة إفعل أو لا تفعل.
8 ـ منهج اللمعة الدمشقية :
كتاب اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية للشّهيد الأوّل محمّد بن جمال الدين بن مكّي العاملي (ت 786 هـ) ، كتاب فتوائي مختصر يشمل جميع أبواب الفقه. يقول المصنّف في المقدّمة :
__________________
(1) تبصرة المتعلّمين : 115 ـ 116.

«... الله أحمدُ والحمدُ فضله ، وإيّاه أشكرُ استسلاماً لعزّته والشكرُ طولُه ، حمداً وشكراً كثيراً كما هو أهله ، وأسأله تسهيل ما يلزم حمله وتعليم ما لا يسع جهله ، وأستعينه على القيام بما يبقي أجره ويحسنُ في الملأ الأعلى ذكره ... أمّا بعد ، فهذه اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية إجابة لالتماس بعض الديّانين وحسبنا الله ونعم المعين ، وهي مبنية على كتب ...»(1).
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
النموذج الأوّل : «كتاب النكاح : الفصل الأوّل في المقدّمات :
النكاح مستحبّ مؤكّد وفضله مشهور محقّق حتّى أنّ المتـزوّج يحرز نصف دينه ، ورُوي : ثلثا دينه. وهو من أعظم الفوائد بعد الإسلام ، وليختر البكر العفيفة الولود الكريمة الأصل ولا يقتصر على الجمال أو الثروة ، ويستحبّ صلاة ركعتين والاستخارة والدعاء بعدهما بالخيرة وركعتي الحاجة والدعاء والإشهاد والإعلان والخطبة أمام العقد وإيقاعه ليلاً ...»(2).
النموذج الثاني : «الفصل الثاني في العقد :
فالإيجاب : زوّجتك وأنكحتك ومتّعتك ، لا غير. والقبول : قبلتُ التزويجَ أو النكاحَ أو تزوّجتُ أو قبلتُ. مقتصراً كلاهما بلفظ الماضي ، ولا يشترط تقديم الإيجاب ولا القبول بلفظه ، فلو قال : زوّجتك ، فقال : قبلتُ النكاحَ صحّ. ولا يجوز بغير العربية مع القدرة ، والأخرس بالإشارة ، ويعتبر
__________________
(1) مقدّمة اللمعة : 1.
(2) اللمعة الدمشقية ـ عن الينابيع الفقهية كتاب النكاح 2 / 677.

في العاقد الكمال ، فالسكران باطلٌ عقده ولو أجاز بعده ، ويجوز تولّي المرأة العقد عنها وعن غيرها إيجاباً وقبولاً ، ولا يشترط الشاهدان ولا الوليّ في نكاح الرشيدة وإن كانا أفضل ، ويشترط تعيّن الزوج والزوجة ، فلو كان له بنات وزوّجه واحدة ولم يسمّها فإن أبهم ولم يعيّن شيئاً في نفسه بطل ، وإن عيّن فاختلفا في المعقود عليها حلف الأب إن كان الزوج رآهن ، وإلاّ بطل العقد.
ولا ولاية في النكاح لغير الأب والجدّ له وللمولى والحاكم والوصيّ ، فولاية القرابة على الصغيرة أو المجنونة أو البالغة سفيهة وكذا الذكر لا على الرشيدة في الأصحّ ، ولو عضلها فلا بحث في سقوط ولايته ، والمولى يزوّج رقيقه ، والحاكم والوصي يزوّجان من بلغ فاسد العقل مع كون النكاح صلاحاً له وخلوّه من الأب والجدّ»(1).
الاستنتاج :
1 ـ منهج المصنّف واضح ولغته فصيحة تخلو من التعقيد ، حيث يبدأ الموضوع الفقهي بمقدّمة كما وضّح ذلك في النكاح ثمّ يدخل في الأحكام.
2 ـ شقّق موضوع عقد النكاح إلى تسعة أقسام.
1 ـ ذكر شروط الإيجاب والقبول في العقد.
2 ـ لم يشترط تقديم الإيجاب ولا القبول بلفظه.
3 ـ أوجب أن يكون العقد باللغة العربية.
__________________
(1) اللمعة الدمشقية ـ عن الينابيع الفقهية كتاب النكاح 2 / 678 ـ 679.

4 ـ تمّم عقد الأخرس بالإشارة.
5 ـ اشترط في العاقد أن يكون كامل العقل فلا يصحّ العقد من السكران مثلاً.
6 ـ جوّز التوكيل في الزواج للرجل والمرأة إيجاباً وقبولاً.
7 ـ لم يشترط الشاهدين ولا الولي في نكاح الرشيدة.
8 ـ اشترط تعيين الزوج أو الزوجة في العقد.
9 ـ حصر ولاية النكاح في الأب والجدّ والسيّد والحاكم والوصيّ.
3 ـ راعى المصنِّف في ذكر تلك التشعيبات أفضل الأساليب البيانية ، فعلى الرغم من تعقيد المطلب وتشابكه فقد عرضه بطريقة أقرب إلى الفهم والتدبّر.
9 ـ منهج الوسيلة إلى نيل الفضيلة :
كتاب الوسيلة إلى نيل الفضيلة للشّيخ محمّد بن عليّ الطّوسي المعروف بابن حمزة (من أعلام القرن السادس) في مجلّد واحد ، كتاب فقهيٌّ فتوائيٌّ تضمّن جميع أبواب الفقه ، يشتمل على مقدّمة وعلى واحد وعشرين كتاباً وسبعة أبواب ، يبوّب المصنِّف كتابه هكذا : كتاب العبادات ، باب الشفعة ، فصل حكم القراض. قال المصنِّف يصفُ كتابه :
«وقد بيّنته على بيان الجمل وحصرها ونظم العقود ونثرها ، وانقسام أبوابه على التمييز بين الواجب والمندوب والمحظور والمكروه والفعل والترك والكيفية والكمّية ، على وجه لا يلحقه خلل ولا يبلغ طالبه ملل ، وقد سمّيته بـ : الوسيلة إلى نيل الفضيلة ، مستمدّاً

من الله تعالى التوفيق على الإتمام ...»(1).
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
النموذج الأوّل : في كتاب المباحات ـ فصل أحكام الصيد يقول المصنّف :
«الصيد ضربان : صيد البحر وصيد البرّ ، فصيد البحر ضربان : طير وغيره ، والطير حكمه حكم طير البرّ ... وغير الطير : سمك وغير سمك ، فالسمك ضربان : ذات فلس وغير ذات فلس ، فذات الفلس حلال إذا كانت مذكّاة ـ وذكاتها صيدها ، وهو إخراجها من الماء حيّة ، والتسمية مستحبّة فيه ـ وغير ذات الفلس حرام على كلّ حال. وما مات في الماء حرام وإن كان ذا فلس ، طافياً كان أو غير طاف. وإن التبسَ ما مات في الماء بما لم يمت لم يؤكل منها شيء. وإن وجدت سمكة على شاطىء الماء ولم يعلم حالها ألقيت في الماء ، فإن طفت على الظهر فهي ميتة ، وإن طفت على الوجه فذكية. وبيضها يحلّ الخشن منها ويحرم الأملس.
وأمّا صيد البرّ : فوحش وطير ، فالوحش يحلّ منها ستّة أنواع : الظباء والكباش الجبلية واليحمور والأوعال والحمر الوحشية والبقر الوحشي ، وما سوى ذلك فحرام أكله من جميع أجناس الحيوانات الوحشية والحشرات والهوامّ والمؤذيات والسنانير»(2).
النموذج الثاني : في : فصل في بيان أحكام حيوان الحضر.
__________________
(1) الوسيلة : 43.
(2) الوسيلة : 355.

يقول المصنّف :
«حيوان الحضر ضربان : نعم وطير ، فالنعم ثلاثة أضرب : إبل وبقر وغنم ، والطير أيضاً ثلاثة : دجاج وحمام وبطّ. وجميع ذلك ضربان : أحدهما عرض له شيء يحرم لحمه بسببه أو يكره والآخر لم يعرض ، فالأوّل ضربان : إمّا يمكن إزالته بالاستبراء أو لا يمكن ، فما يمكن إزالته أن يكون جميع غذائه عذرة الإنسان ، فإن كان إبلاً وربطه أربعين يوماً وعلفه العلف الطاهر وإن كان بقراً وربطه عشرين يوماً وإن كان غنماً وربطه عشرة أيّام وإن كان بطّاً وربطه خمسة أيّام وإن كان دجاجاً أو حماماً وربطه ثلاثة أيّام على ما ذكرنا زال حكم الجلل والتحريم عنه جميعاً»(1).
الاستنتاج :
1 ـ منهج كتاب الوسيلة لابن حمزة يشابه منهج كتاب المبسوط للشّيخ الطّوسي ، والظاهر أنّ ابن حمزة اقتبس ذلك المنهج من شيخ الطائفة بعد أكثر من قرن كامل على وفاة الشّيخ الطّوسي.
2 ـ يقسّم المصنّف الأحكام الشرعية إلى قسمين قسمين ، مثلاً : الصيد قسمان :
أ ـ صيد البحر. ب ـ صيد البرّ.
ثمّ يقسّم صيد البحر إلى قسمين :
أ ـ طير. ب ـ غير الطير.
ثمّ يقسّم غير الطير إلى قسمين :
__________________
(1) الوسيلة : 359.

أ ـ سمك. ب ـ غير سمك.
ثمّ يقسّم السمك إلى قسمين :
أ ـ ذات فلس. ب ـ وغير ذات فلس.
وهكذا يستمرّ في هذا النهج على طول الكتاب.
3 ـ طابع الكتاب الاختصار الشديد في عرض الأحكام دون ذكر الآيات أو الروايات المؤيّدة ، وهو أُسلوب نافع للتذكرة بالأحكام الشرعية اختصاراً للوقت والجهد.
وبالإجمال : فإنّ منهج المصنّف في غاية الوضوح وفتاواه على الأغلب خالية من الاستدلال.
11 ـ منهج المجاميع الحديثية :
مقدّمة :
صنّفت الروايات في عصر النصّ على شكل كتب سُمّيت لاحقاً بالأصول الأربعمائة ، وكانت تلك الأصول الأربعمائة من أكثر كتب الروايات دقّةً لأنّ الروايات فيها نقلت عن المعصوم عليه‌السلام دون واسطة ، ولكن بعد فترة زمنية جُمعت تلك الأصول الأربعمائة في مجموعات الحديث الكبرى التي اُلّفت في أواخر عهد الغيبة الصغرى وأوائل عهد الغيبة الكبرى.
طبيعة المجاميع الحديثية :
انصرف فقهاء أهل البيت عليهم‌السلام في القرن الرابع الهجري إلى جمع الروايات الصادرة عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام في موسوعات حديثية مصنّفة حسب التصنيف الموضوعي مع إشارة تامّة إلى الأسانيد تارة وحذف

الأسانيد تارة أخرى للاختصار ، فانصرف الشّيخ الكليني (ت 329 هـ) إلى تأليف كتاب الكافي خلال عشرين عاماً ، وقام الشّيخ الصدوق (ت 381 هـ) بكتابة من لا يحضره الفقيه لكنّه حذف الأسانيد من أجل الاختصار ، ثمّ أكمل الشّيخ الطّوسي (ت 460 هـ) هذا المسار بتأليفه كتاب تهذيب الأحكام والاستبصار.
الكتب الحديثية :
1 ـ الكافي للشّيخ الكليني (ت 329 هـ).
2 ـ من لا يحضره الفقيه للشّيخ الصدوق (ت 381 هـ).
3 ـ تهذيب الأحكام للشّيخ الطّوسي (ت 460 هـ).
4 ـ الاستبصار للشّيخ الطّوسي (ت 460 هـ).
5 ـ وسائل الشيعة للحرّ العاملي (ت 1104 هـ).
6 ـ بحار الأنوار للمجلسي (ت 1110 هـ).
7 ـ الوافي للفيض الكاشاني (ت 1091 هـ).
8 ـ مستدرك الوسائل للشّيخ النوري (ت 1320 هـ).
9 ـ جامع أحاديث الشيعة للسيّد البروجردي (ت 1380 هـ).
منهج المجاميع الحديثية عند الإمامية :
أودع الشّيخ الكليني (ت 329 هـ) في كتابه الكافي من الأخبار : الأصول والفروع والسنن والآداب والأخلاق وقليل من التفسير والتأريخ.
وأودع الشّيخ الصدوق (ت 381 هـ) في كتابه من لايحضره الفقيه السنن والأحكام وشيئاً من المواعظ والحكم ، وضمّن كتابه الكثير من فتاواه

بحيث يصعب التمييز بينهما ، وأسقط أسانيد الأحاديث وأورد طرقه إلى رواتها أو الذي أخذ من كتابه الحديث أو الرواية في آخر الكتاب.
بينما أودع الشّيخ الطّوسي (ت 460 هـ) في كتابه الاستبصار فيما اختلف من الأخبار الأخبار المتعارضة ممّا ورد في السنن والأحكام ، ثمّ قام بجمع ما يمكن جمعه منها أو ترجيح بعضها على بعض حسبما أوصله علمه ، ولكنّه لم يذكر جميع ما وصل إليه من الروايات المتعارضة وأحال استقصاءها إلى كتابه الكبير تهذيب الأحكام.
وأورد شيخ الطائفة في تهذيب الأحكام ـ وهو شرح لكتاب المقنعة في الفقه لشيخه المفيد (ت 413 هـ) ـ في مؤخّرة مسائله أكثر ما وصل إليه من الأحاديث الفقهية ، ونقل بعضها في باب الزيادات من كلّ كتاب ، وجمع غالباً بين ما تعارض ببعض الوجوه.
فاصبحت تلك الكتب الاربعة مرجعاً عاماً للفقهاء ، وعنى بتلك الكتب ـ منذ صدورها ـ فقهاؤنا الاعلام عناية تامة واهتموا بضبط نسخها وقراءتها على الشيوخ واستجازتهم في النقل عنها.
ثمّ جاء محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي (ت 1110 هـ) فجمع الأحاديث التي تراكمت في مكتبته من غير الكتب الأربعة المعروفة ليحفظها عن الضياع والزوال في مائة وعشرة مجلّدات بالطبعة الحديثة ، ولكنّه لم يفلت من مخالفة منهجه الأوّل فأورد في كتابه الكثير من أحاديث الكافي.
ثمّ قام الحرّ العاملي (ت 1104 هـ) بتصنيف كتاب وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة وقام الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) بتصنيف كتاب الوافي ، وجمعا فيهما جميع ما يتعلّق من روايات بكلِّ مسألة فقهية ، لأنّ الأخبار المتعلّقة بكلِّ فرع من الفروع الفقهية لم تكن مجتمعة في كتاب

واحد بل كانت متفرّقة في الكتب الأربعة.
وكتاب وسائل الشيعة أخرج فيه المصنّف الأحاديث المتعلّقة بالفروع الفقهية والآداب الشرعية من الكتب الأربعة المشهورة ومن الكتب المعتمدة عند الطائفة التي يقرب عددها من ثمانين كتاباً وعقد لكلِّ مورد أو مسألة باباً مستقلاًّ وأورد فيه ما ظنّ دلالته عليه من الأحاديث ، فصارت الأبواب مجتمعةً تنوف على سبعة آلاف باب. وأضاف المصنّف إلى الكتاب فهرساً مشتملاً على الكتب التي يحتويها الوسائل وأبوابها وعدد أحاديث كلِّ باب منها وما تدلّ عليه من الأحكام.
أمّا كتاب الوافي فقد ضبط فيه المصنِّف أحاديث الكتب الأربعة من الأصول والفروع ، وزاد في مواعظ كتاب الروضة. وعرض المصنّف الآيات الدالّة على الأحكام وشرح كلِّ حديث كان بحاجة إلى شرح وتوضيح ببيان واف ، ولكنّه لم يذكر سلسلة الأسانيد بأسماء الرواة بل اصطلح على ذلك برموز ذكرها في مقدّمة الكتاب.
ثمّ استدرك الشّيخ حسين بن محمّد تقي النوري (ت 1320 هـ) ما فات من الوسائل من المصادر التي نقل عنها ومن غيرها من الكتب المعتمدة لديه في ثلاثة مجلّدات ـ طبعة حجرية حجم رحلي ـ سُمّيت بـ : مستدرك الوسائل ، وأفاد في المجلّد الثالث بفوائد رجالية قيّمة.
ثمّ قام السيّد حسين الطباطبائي البروجردي (ت 1380 هـ) بتصنيف جامع أحاديث الشيعة وهو يشتمل على الآيات الدالّة على الأحكام وعلى الأحاديث المرتبطة بالفروع وما يحتاج إليه في الفقه من الأصول ، وحاول المصنّف أن يتجنّب التكرار والتقطيع والفضول الذي ساد الوسائل والمستدرك.

وبالإضافة إلى عدم تكرار الأحاديث المروية وأسانيدها فقد حاول المصنّف في منهج الكتاب وكما ذكر «رعاية ارتباط الأحاديث الواردة في كلِّ باب ومناسبتها واستقصائها مهما أمكن بحيث لا يورد في الباب ما ليس بمربوط ولا يسقط عنه ما هو المرتبط ، مثلاً في باب استحباب غسل الجمعة نلتزم أن نورد فيها جميع الأخبار التي يستفاد منها حكم غسل الجمعة من الاستحباب وغيره حتّى يطمئنّ الفقيه بأنّ جميع ما في الوسائل والمستدرك من الأحاديث المرتبطة بغسل الجمعة في الباب موجود أو محلّه معلوم ...»(1).
ويتميّز منهج السيّد البروجردي في جامع أحاديث الشيعة بتنظيم الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة على نسق المسائل الفقهية ، فقد تضمّن الجزء الأوّل مثلاً على : حجّية ظواهر الكتاب ، وحجّية سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وحجّية أقوال الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ، وحجّية أخبار الثّقات ، ومعالجة الروايات المتعارضة ، وعدم حجّية القياس ، ونحوها.
وقد اختصرنا الحديث عن هذا المنهح ، لأنّنا كنّا قد فصّلنا الكلام عن كتب الرواية والحديث في النظرية الحديثية ، وأشرنا إليه في النظرية الفقهية أيضاً المنشورة على صفحات هذه المجلّة العلمية الغرّاء.
12 ـ منهج التقريرات :
مقدّمة :
«التقريرات عنوان عامّ لبعض الكتب المؤلّفة من أواخر القرن الثاني
__________________
(1) جامع أحاديث الشيعة ـ السيّد البروجردي 1 / (ش) المقدّمة.

عشر وبعده حتّى اليوم ، وهي نظير الأمالي في كتب الحديث للقدماء ، والفرق أنّ الأمالي كانت تكتب في مجلس إملاء الشّيخ الحديث عن كتابه أو عن ظهر قلبه وكان السامع يصدّر الكتاب باسم الشّيخ ويعدّ من تصانيف الشّيخ ، بخلاف التقريرات فإنّها مباحث علمية يلقيها الأُستاذ على تلاميذه عن ظهر قلب ويعيها التلاميذ في حفظهم ثمّ ينقلونها إلى الكتابة في مجلس آخر ويعدّ من تصانيفهم ، ولذلك لاحظنا الترتيب في الأمالي على حسب أسماء المشايخ وفي التقريرات حسب أسماء التلاميذ. والذي لابدّ من ذكره هو أن كتب التقريرات أكثر من أن يستقصيها أحد ، ولاسيّما التقريرات الأصولية التي كتبها تلاميذ شريف العلماء وصاحبي الضوابط والفصول في كربلاء وتلاميذ العلاّمة الأنصاري ومن بعده في النّجف الأشرف وسامرّاء ومشهد الرضا وقم وغيرها. وقد أنهيتُ المشاهير الأفاضل من تلاميذ آية الله سيّدنا المجدِّد الشيرازي في كتابي هداية الرازي إلى نيف وخمسمائة ، وقد سمعتُ ممّن أحصى تلاميذ شيخنا الأستاذ الأعظم المولى محمّد كاظم الخراساني في الدورة الأخيرة في بعض الليالي بعد الفراغ من الدرس أنّه زادت عدّتهم على الألف والمائتين ، وكان كثيرٌ منهم يكتب تقريراته ...»(1).
طبيعة التقريرات :
من أفضل التقريرات المكتوبة هي تقريرات بحث السيّد أبي القاسم الخوئي (ت 1413 هـ) ، كتبها تلامذته وطبعت أيّام حياته قدس‌سره. والملاحظ أنّ
__________________
(1) الذريعة 4 / 366 ـ 367.

التقريرات المطبوعة في القرن الأخير أغلبها في أصول الفقه ومن النادر أن تجد تقريرات في دورة فقهية كاملة عدا هذه التقريرات ، يُضاف إلى ذلك أنّ أغلب التقريرات التي يكتبها الطلبة تبقى مدوّنة عندهم ، ونادراً ما ترى نور الظهور إلى الملأ.
ومن أبرز ذلك التقريرات المكتوبة على العروة الوثقى وهي دورة فقهية شبه كاملة كتبت من قبل تلامذة السيّد أبي القاسم الخوئي (ت 1413 هـ) في ثلاثة وثلاثين مجلّداً ، وهي :
أ ـ التنقيح : في شرح العروة الوثقى تقرير الشيخ عليّ الغروي في عشرة مجلّدات ، مجلّدٌ يبحث في التقليد وتسعة مجلّدات أخريات في موضوع الطهارة.
ب ـ المستند : وهو تقرير الشيخ مرتضى البروجردي في ستّة عشر مجلّداً ، عشر مجلّدات تبحث عن الصلاة ، ومجلّدان في الصوم ، ومجلّدان آخران في الزكاة ، ومجلّد واحد في الخمس ، ومجلّد واحد في الإجارة.
ج ـ المعتمد : وهو تقرير السيّد محمّد رضا الموسوي الخلخالي في أربعة مجلّدات تبحث في الحجّ.
د ـ المباني : وهو تقرير السيّد محمّد تقي الخوئي ، مجلّدان في مبحث النكاح ، ومجلّد واحد في المضاربة والمساقاة.
ويُضاف إلى كلّ ذلك :
أ ـ مصباح الفقاهة : في المعاملات (المكاسب المحرّمة) للميرزا محمّد علي التوحيدي ، في مجلّد واحد.
ب ـ التنقيح : في شرح المكاسب (البيع والخيارات) للشيخ عليّ الغروي في خمسة مجلّدات.

وتُعدّ هذه الدورة الفقهية من أعمق وأوسع ما كتب في هذا الموضوع في المدرسة الإمامية.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من كتابه :
النموذج الأوّل : «مسألة 1 : يجب على كلِّ مكلّف ...
وهل هذا الوجوب شرعيٌّ ـ نفسيٌّ أو طريقيٌّ أو غيريٌّ ـ أو أنّه عقليٌّ؟ الصحيح أنّه عقليٌّ ، ومعنى ذلك أنّ العقل يدرك أنّ في ارتكاب المحرّم وترك الواجب من دون استناد إلى الحجّة إستحقاقاً للعقاب ، كما أنّ في ارتكاب المشتبهات احتمال العقاب لتنجز الأحكام الواقعية على المكلّفين بالعلم الإجمالي أو بالاحتمال كما يأتي تفصيله ، فلا مناص لدى العقل من تحصيل ما هو المؤمّن من العقاب ، وهذا يحصل بأحد الأمور الثلاثة :
فإنّ المجتهد إمّا أن يعمل على طبق ما قطع به بالوجدان كما في القطعيات والضروريّات وهو قليل ، وإمّا أن يعمل على طبق ما قطع بحجّيته من الأمارات والأصول ، كما أنّ المقلِّد يستند إلى فتوى المجتهد وهو حجّة عليه على ما يأتي في مورده ، وأمّا العامل بالاحتياط فهو يأتي بعمل بسبب القطع بعدم استحقاقه العقاب. إذن وجوب الأمور الثلاثة عقليٌّ بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، ويترتّب عليه بطلان عمل المكلّف التارك للاجتهاد والتقليد والاحتياط ...»(1).
__________________
(1) التنقيح 1 / 1 ـ 2.

النموذج الثاني : «فصل في العاقلة : مسألة 405 : عاقلة الجاني عصبته ، والعصبة هم المتقرّبون بالأب كالأُخوة والأعمام وأولادهم وإن نزلوا.
على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة ، وذكر المحقّق في الشرائع أنّ من الأصحاب من خصّ به ـ العقل ـ الأقرب ممّن يرث بالتسمية ، ومع عدمه يشترك في العقل بين من يتقرّب بالاُمّ مع من يتقرّب بالأب أثلاثاً ، وهو استناداً إلى رواية سلمة بن كهيل عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وفي سلمة ضعف(1).
أقول : لم يثبت هذا القول لأحد من الأصحاب وإن كان قد نسب إلى أبي عليّ ، إلاّ أنّ عبارته المحكية لا تنطبق على هذا القول ، وعلى تقدير تحقّقه فلا مستند له ، فإنّ رواية سلمة بن كهيل ـ مضافاً إلى أنّها ضعيفة سنداً ـ لا ينطبق مضمونها على ذلك القول ... فإنّ ظاهر هذه الرواية هو تقسيم الدية على قرابتي الأب والاُمّ بالسويّة»(2).
وبعد ذلك يذكر معتبرة أبي بصير وصحيحة ابن أبي نصر ومرسلة يونس بن عبد الرحمن ، ثمّ يستأنف :
«أقول : إنّ معتبرة أبي بصير وصحيحة ابن أبي نصر موردهما القتل العمدي وليس على العاقلة فيه شيءٌ ، والحكم بثبوت الدية على الوارث حكم تعبّدي يختصّ بمورده ولا يتعدّى منه إلى القتل الخطئي الذي تكون الدية فيه على العاقلة. وأمّا المرسلة ـ فمضافاً إلى أنّها ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها ـ فإنّ موردها القتل الشبيه بالعمد بقرينة أنّ المفروض في
__________________
(1) شرائع الإسلام 4 / 299.
(2) التنقيح 42 / 540.

موردها أنّ الدّية كانت واجبة على القاتل فمات قبل أن يفرغ ذمّته ، فهي أيضاً خارجة عن محلّ الكلام وهو ثبوت الدّية على العاقلة. فالنتيجة : إنّ الصحيح ما هو المشهور بين الأصحاب ، والدليل على ذلك هو اختصاص العصبة لغةً وعرفاً بالمتقرّبين بالأب ولا تشمل المتقرّبين بالاُمّ»(1).
الاستنتاج :
1 ـ يبحث المصنّف في : هل أنّ وجوب التقليد أو الاحتياط أو الاجتهاد في العبادات والمعاملات هو وجوب شرعيٌّ أو عقليٌّ ، ويتوصّل إلى أنّ الوجوب هو وجوب عقليٌّ ، ذلك أنّ العقل الإنساني يدرك أنّ في ارتكاب الحرام وترك الواجب أثراً وهو استحقاق العقاب.
2 ـ لابدّ للعقل أن يحصِّل مؤمِّناً من العقاب عن طريق التقليد أو الاحتياط أو الاجتهاد. والوجوب نتيجة لمباني عقلائية تدعو الإنسان إلى دفع الضرر المحتمل عنه وهو العقاب.
3 ـ في موضوع العاقلة المشهور أنّ عاقلة الجاني هم العصبة المتقرّبون بالأب ، يناقش المصنّف هذا الرأي عبر :
1 ـ المشهور شهرة عظيمة أنّ العاقلة هم العصبة المتقرّبون بالأب ، فلا يدخل المتقرّبون بالأمّ.
2 ـ نسب إلى أبي عليّ ما يخالف المشهور ولكن عبارته المحكية لا تنطبق على ذلك.
3 ـ يقول المصنّف : إنّ رواية سلمة بن كهيل ـ التي هي أصل ما
__________________
(1) التنقيح 42 / 542.

نسب إلى أبي عليّ ـ ضعيفة السند ولا ينطبق مضمونها على ذلك القول ، بل إنّ الرواية تقول بتقسيم الدّية على قرابتي الأب والأمّ بالتساوي.
4 ـ رأي آخر ذكره المصنّف مخالفٌ للأوّل ، وهو أنّ العاقلة هم الورثة على ترتيب الأرث ، ذكره الفاضل الهندي مستدلاًّ بمعتبرة أبي بصير وصحيحة ابن أبي نصر.
5 ـ يردّ المصنّف استدلال الفاضل الهندي ويقول : إنّ معتبرة أبي بصير وصحيحة ابن أبي نصر موردهما القتل العمدي ، وليس على العاقلة فيه شيء.
6 ـ يوصلنا المصنّف إلى نتيجة بحثه ، وهي : إنّ الصحيح ما هو المشهور بين الأصحاب ، والدليل على ذلك هو اختصاص العصبة لغةً وعرفاً بالمتقرّبين بالأب ولا تشمل المتقرّبين بالأمّ.
13 ـ منهج الرسائل (القصيرة) :
مقدّمة :
منهج الرسائل هو منهج موضوعيٌّ مختصر يختصّ بموضوع فقهيٍّ معيّن يراد توضيحه أو الاستدلال على حكمه. وبكلمة ، فإنّ الرسالة الفقهية تحمل فكرة واحدة خاصّة بالموضوع المبحوث. وأحياناً تكتب الرسالة لسائل يطلب توضيحاً لموضوع العبادات مثلاً فيتصدّى الفقيه لذلك.
طبيعة الرسائل القصيرة :
انتشرت كتابة الرسائل بين الفقهاء لسببين :
الأوّل : لا يحتاج إنجاز كتابة رسالة من بحث وتدقيق إلى مؤونة

كبيرة ، فبعض الرسائل مؤلَّف من وريقات معدودة وبعضها يتّسع لكتاب ، ووحدة الموضوع تجعل البحث العلمي ميسوراً للغالبية من العلماء.
الثاني : حاجة المكلّفين من طلبة العلم أو غيرهم لتلك الرسائل كان كبيراً ، فهناك حبٌّ وشغف لطلب العلم من أنامل العلماء. ولم يتوانَ الفقهاء في إشباع حبِّ النّاس للعلم ، ولذلك كانت رسائل بحر العلوم (ت 1326 هـ) من أوسع الرسائل الفقهية العملية ، بينما كانت رسائل الشّيخ المفيد (ت 413 هـ) والعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) من أشمل الرسائل الفقهية وأكثرها اختصاراً ، بينما استقرت رسائل المحقّق الكركي (ت 940 هـ) في نقطة الوسط بين الاختصار والإسهاب.
الرسائل القصيرة :
1 ـ بُلغة الفقيه للسيِّد محمّد آل بحر العلوم (ت 1326 هـ).
2 ـ الرسالة السعدية للعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ).
3 ـ رسالة الإشراف للشّيخ المفيد (ت 413 هـ)
4 ـ رسائل المحقّق الكركي للشّيخ الكركي (ت 940 هـ).
1 ـ منهج بُلغة الفقيه :
كتاب بُلغة الفقيه للسيِّد محمّد آل بحر العلوم (ت 1326 هـ) ، مجموعة رسائل فقهية في أربعة مجلّدات ، وفيها : رسالة الفرق بين الحقِّ والحكم ، وقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، والقبض وحقيقته ، وقاعدة تلف المبيع قبل قبضه ، والأراضي الخراجية ، وغيرها من الرسائل الفقهية.

نماذج من منهجه :
يمكننا ملاحظة رسالة الفرق بين الحقِّ والحكم كنموذج لمنهج المصنِّف قدس‌سره في الكتاب ، فهو يقوم بالخطوات التالية :
1 ـ تحديد عنوان الموضوع وتعريف الحكم والحقّ : يقوم المصنّف بشرح تفصيلي للحكم والحقّ ومقوّمات السلطنة التي هي أثر من آثار الحقّ الممنوح من قبل الشريعة للإنسان المكلّف. يقول :
«الحكم هو جعلٌ بالتكليف أو بالوضع متعلّق بفعل الإنسان من حيث المنع عنه والرخصة فيه أو ترتّب الأثر عليه ، فجعل الرخصة مثلاً حكم والشخص مورده ومحلّه وفعله موضوعه ، وهو لا يسقط بالإسقاط ولا ينقل بالنواقل ـ بالبديهة ـ لأنّ أمر الحكم بيد الحاكم لا بيد المحكوم عليه. نعم لو كان معلّقاً على موضوع وكان داخلاً فيه كان له الخروج عنه فيسقط به ـ حينئذ ـ لا بالإسقاط.
وأمّا الحقّ فهو يطلق مرةً في مقابل الملك وأخرى ما يرادفه ، وهو بمعنييه : سلطنة مجعولة للإنسان من حيث هو على غيره ولو بالاعتبار من مال أو شخص أو هما معاً ، كالعين المستأجرة ، فإنّ للمستأجر سلطنة على المؤجر في ماله الخاصّ. وهو أضعف من مرتبة الملك أو أوّل مرتبة من مراتبه المختلفة في الشدّة والضعف. وله طرفان : أحدهما طرف النسبة والإضافة ويعبّر عن المنسوب إليه بصاحب السلطنة وذي السلطان ، والآخر طرف التعلّق ويعبّر عن متعلّقه بالمسلّط عليه.
وهو قد يكون مستقلاًّ بنفسه كحقِّ التحجير وقد لا يكون مستقلاًّ بنفسه بل متقوّم بغيره كحقِّ المجني عليه على الجاني وحقِّ القصاص ، فهو

كالملك الذي قد يكون متعلّقه مستقلاًّ وقد لا يكون كالكلّي في الذمّة ، وقد يتّحدان في المورد وإنّما يختلفان بالاعتبار كسلطنة الإنسان على نفسه ، ولذا قيل : الإنسان أملك بنفسه من غيره. ومنه قوله تعالى ـ حكاية عن كليمه ـ : (إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِيْ وَأَخِيْ)(1). فما به التعلّق عين ما إليه الإضافة وإنّما يختلف بالإعتبار.
ومن فروع السلطنة : تملّكه للمباح الأصلي والعرضي بالحيازة الذي مرجعه إلى حصول الربط بها بين الحائز والمحوز ، وإرجاع أمر المال إلى نفسه وجعل نفسه في وثاق المال وبعهدته بحيث لو كان ممّا يجب عليه الإنفاق وكسوته وحفظه لاحترامه كان أولى به ، فتعلّق المال بالمالك له طرفان : الغُنم والغُرم ، وأولويّته به ليس في خصوص النفع ، وكلّ ذلك من فعل نفسه بنفسه وليس إلاّ لسلطنته عليها ، ومنه يظهر الوجه في توقّف نفوذ التمليكات المجّانية كالهبة والوصية على قبول المتّهب والموصى له ، لأنّ المالك لا سلطنة له على غيره حتّى يدخل المال في ملكه قهراً عليه وإلاّ لكان من الإيقاعات لا من العقود ، نعم له التمليك لأنّه من آثار سلطنته على ماله»(2).
2 ـ شرح إمكانية انتقال الحقّ أو اسقاطه أو نقله : وبعد أن ينتهي المصنّف من شرح فروع مسألة الحقِّ يتحدّث عن الإمكانيّات الثلاث ، فيقول :
«ثمّ إنّ الحقّ ـ بما هو حقٌّ ـ يختلف بحسب اختلافه في سقوطه
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 25.
(2) بُلغة الفقيه 1 / 13 ـ 15.

بالإسقاط وعدمه ونقله إلى غيره مجّاناً أو بعوض وعدمه وانتقاله قهراً بالإرث وعدمه إلى أنحاء شتّى :
منها : ما لا يجوز عليه شيء من ذلك ، فلا يسقطه بالإسقاط ولا ينقل بالنواقل ولا ينتقل بالإرث ونحوه ، كحقِّ الأبوّة وولاية الحاكم وحقّ الاستمتاع بالزوجة للزوج وحقِّ الجار على جاره والمؤمن على أخيه ، فإنّها حقوق لأربابها لا تسقط ولا تنتقل إلى غيرهم بوجه من الوجوه.
ومنها : ما يجوز فيه كلّ ذلك ، كحقِّ الخيار وحقِّ القصاص وحقِّ الرهانة وحقِّ التحجير وحقِّ الشرط المطلق.
ومنها : ما يسقط بالإسقاط ولا ينقل ولا ينتقل ، كحقِّ الغيبة والإيذاء بضرب أو شتم أو إهانة أو نحو ذلك ـ بناء على كونه حقّاً ـ ولذا يجب الاستحلال منه ولا يكتفي بالتوبة في التخلّص عنه.
ومنها : ما يسقط بالإسقاط وينتقل بالإرث ـ على قول ـ ولا ينقل بالنواقل ، كحقِّ الشفعة للشّريك المسبّب عن بيع شريكه.
ومنها : ما ينقل مجّاناً لا بعوض ، كحقِّ القسم بين الزوجات بناء على عدم مقابلته بالأعواض.
ومنها : المصاديق المشتبهة بين كونها حكماً أو حقّاً ...»(1).
3 ـ عرض الثمرة العملية للبحث : ويصل في نقاشه إلى الاستنتاج العلمي فيقول :
«إنّ المطلّقة إن كانت زوجة بعد ـ كما يعطيه صدق (وبعولتهنّ)
__________________
(1) بُلغة الفقيه 1 / 17 ـ 18.

الظّاهر في الإتّصاف الفعلي وترتّب أحكام الزوجية الظّاهر في كونها زوجة حقيقة ـ فمرجعه إلى ضعف سبب الفرقة وهو الطّلاق وأنّه لم يؤثّر قطع علقة الزوجية بالكلّية ، فالقدرة على الرّجوع من آثار بقاء علقة الزوجية التي مرجعها إلى إبقاء تلك العلقة وإرجاعها كما كانت ، وكما أنّ قطع العلقة بمعنى فكّها عن الزوجية بيده ـ كالعتق في فكّ الملك بيد المالك ـ فكذلك إبقاؤها على الزوجيّة ، فكلٌّ من الإمساك والتسريح بيد الزوج ومن أحكام سلطنته على الزوجة لأنّها من عوارضها المتعلّقة بها ، فيكون الرجوع في العدّة للزوج من قبيل جواز الرجوع في العقود الجائزة الذي هو من الأحكام لكونه من آثار علقة الملكية السابقة ، بناء على ضعف سببية العقد الجائز في قطع علاقة الملكية»(1).
الاستنتاج :
1 ـ موضوع الفرق بين الحكم والحقّ من المواضيع الدقيقة في الفقه ، فقد قسّم المصنّف الحقّ والحكم بالصّورة التالية :
أ ـ الحكم : جعلٌ بالتكليف أو بالوضع.
ب ـ الحقّ : سلطنة مجعولة للإنسان على غيره.
ج ـ للحقّ طرفان : الأوّل : النسبة (صاحب السلطنة). الثاني : التعلّق (الشيء الذي يتسلّط عليه).
2 ـ يقسّم الحقوق إلى أنواع ، منها :
أ ـ الحقّ الثابت الذي لا يسقط ولا ينتقل ، كحقِّ الأبوّة ، وولاية
__________________
(1) بُلغة الفقيه 1 / 21.

الحاكم ، وحقِّ الاستمتاع ، ونحوها.
ب ـ الحقّ الذي يمكن أن يسقط أو ينتقل ، كحقِّ الخيار ، وحقّ القصاص ، ونحوها.
ج ـ الحقّ الذي يسقط بالإسقاط ولكن ينبغي الاستحلال منه ، كحقِّ الغيبة ، والإيذاء ، ونحوها.
د ـ الحقّ الذي يمكن أن ينتقل بالإرث على قول ، مثل حقّ الشفعة للشّريك المسبّب عن بيع شريكه.
هـ ـ الحقّ الذي ينقل مجّاناً دون عوض ، كحقِّ القسم بين الزوجات بناءً على عدم مقابلته بالأعواض.
3 ـ إنّ القدرة على رجوع الزوج إلى المطلّقة الرجعية في العدّة إنّما هو من آثار بقاء علقة الزوجية بعد ، فالرجوع في العدّة للزوج من قبيل جواز الرجوع في العقود الجائزة. وهذا تشبيه لطيف من إبداعات المصنّف.
2 ـ منهج الرسالة السعدية :
الرسالة السعدية للعلاّمة الحلّي جمال الدين الحسن بن يوسف (ت 726 هـ) في كتاب واحد ، وهي على قسمين : الأوّل في أصول الدين والثاني في فروعه ، كتبها المصنّف لسعد الدّين محمّد السّاوجي الشّهيد 711 هـ وزير خدابنده(1). وهي رسالة تتّصف بصفة الرسائل من حيث الاختصار وحذف الأسانيد. ويلحظ من منهج الرسالة أنّ العلاّمة الحلّي تحاشى ذكر موارد الخلاف بين المذاهب الفقهية ، وكان يذهب إلى أنّ
__________________
(1) الرسالة السعدية : 20.

الاحتياط يقتضي الأخذ بالمسألة الفلانية حيث يقول : «اختلف المسلمون في المسألة وذهبت طائفة إلى ذلك ...» الخ. ولا نعلم مذهب الوزير الذي كتبت له الرسالة.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
النموذج الأوّل : «المسألة الحادية عشرة : في الصّلاة ، وفيه مباحث :
البحث الأوّل : أ ـ في التكبير والتكفير :
اختلف المسلمون في صيغة التكبير ، فذهبت طائفة إلى أنّه يجب أن يأتي بصيغة (الله أكبر) ولا يُجزئ الترجمة ولا المعنى ولا الزيادة فيها ولا النقصان ، لأنّ النّبيّ(صلى الله عليه وآله) قال : (صلّوا كما رأيتموني أصلّي) ، والمنقول عنه هذه الصيغة لا غير. وقالت طائفة أُخرى : إنّه يجزي الترجمة والعجمية والإتيان بالمعنى.
والاحتياط يقتضي الأوّل ، لأنّه إذا فعل ما فعله النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقد برئت ذمّته بالإجماع ، وإذا لم يفعل ما فعله النبيّ(صلى الله عليه وآله) برئت ذمّته عند البعض ولم تبرأ عند الباقين ، فتعيّن الأخذ بالمجمع عليه وترك المختلَف فيه ليحصل يقين الخروج عن عهدة التكليف»(1).
النموذج الثاني : «البحث : في القراءة :
اختلف المسلمون هنا ، فذهبت طائفة إلى أنّه يجب في الركعتين الأوّليين قراءة الحمد وسورة كاملة في كلِّ ركعة ، وذهبت طائفة إلى أنّه
__________________
(1) الرسالة السعدية : 100 ـ 101.

يُجزئ في كلِّ ركعة بعض آية ولا يجب عندهم قراءة الحمد ولا سورة أخرى بعدها.
والأوّل أصحّ لقوله(صلى الله عليه وآله) : (لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب) ، وصلّى بالحمد وسورة كاملة ، وقال : (صلّوا كما رأيتموني أصلّي) ، وكان عليه‌السلام يصلّي بالحمد وسورة كاملة في كلّ ركعة. والاحتياط يقتضي ذلك أيضاً ، فإنّه إذا قرأ في كلِّ ركعة الحمد وسورة كاملة صحّت صلاته إجماعاً ، وإذا قرأ بعض ذلك صحّت صلاته عند البعض ولا تصحّ عند الآخرين ، فتعيّن العمل بالأوّل ليحصل يقينُ براءة الذمّة»(1).
الاستنتاج :
1 ـ هذه الرسالة شاملة لأفكار الإسلام النظرية والعملية في الأصول والفروع ، وأُسلوبها واضح وأفكارها منسجمة.
2 ـ استدلال المصنّف بالآيات والروايات عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، لكنّه كان محاولاً تجنّب الخلاف بين المذاهب ، بل كان يتحاشى ذكر طائفة دون أُخرى. والاستدلال موضوعيٌّ مبسّط لكنّه مقنع.
3 ـ حاول المصنّف بكلِّ ذكاء ترجيح مذهب أهل البيت عليهم‌السلام دون ذكر اسم الإمامية أو أسماء أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام أو فقهاء الشيعة.
3 ـ منهج رسالة الإشراف :
كتاب رسالة الإشراف للشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النّعمان (ت
__________________
(1) الرسالة السعدية : 101 ـ 102.

413 هـ) ، أشبه بالرسالة العملية ، وهي خاصّة بالعبادات ، تمتاز بسهولة عباراتها وخلوّها من الاستدلال.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من رسالة الإشراف :
النموذج الأوّل : «باب عدد من يجتمع في العيدين : وعدد ذلك سبعة نفر عدد : الإمام ، وقاضيه ، والمدّعي حقّاً ، والمدّعى عليه ، والشاهدين ، والمتولّي لإقامة الحدود»(1).
النموذج الثاني : «باب عدد تكبيرة صلاة العيدين : وعدد ذلك اثنتا عشر تكبيرة في الركعتين جميعاً : سبع في الأولى ، وخمس في الثانية ، منها تكبيرة الافتتاح ، ومنها تكبيرة الركوع»(2).
النموذج الثالث : «باب القراءة في صلاة العيدين : والقراءة فيها (سورة فاتحة الكتاب) بسورتين في الأولى منهما (هَلْ أَتَاكَ حَدِيْثُ الْغَاشِيَة) وفي الأخرى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى). والتكبير فيها بعد القراءة والقنوت بين كلِّ تكبيرتين»(3).
الاستنتاج :
هذه الرسالة مختصرة أشدّ الاختصار ، ويبدو أنّها مكتوبة إلى شريحة معيّنة من النّاس : إمّا أن يكونوا من أصحاب السفر والتجارة فيحتاجون إلى
__________________
(1) رسالة الإشراف : 26.
(2) رسالة الإشراف : 26.
(3) رسالة الإشراف : 26 ـ 27.

كتاب مختصر ينفعهم في أسفارهم ، وإمّا أن يكونوا في مكان يستوجب التقية فلا يستطيعون الرجوع إلى كتاب استدلالي ضخم من مجلّدات بل ينفعهم كتاب مختصر بحجم رسالة الإشراف. والرسالة واضحة ومنهجها جليٌّ لا تحتاج إلى تعليق.
4 ـ منهج رسائل المحقّق الكركي :
كتاب رسائل المحقّق الكركي للشيخ عليّ بن الحسين الكركي (ت 940 هـ) ، في ثلاثة مجلّدات ، هي مجموعة تحتوي على ستّ رسائل هي :
1 ـ الرسالة النجمية.
2 ـ الرسالة الجعفرية.
3 ـ رسالة في صلاة الجمعة.
4 ـ رسالة صيغ العقود والإيقاعات.
5 ـ الرسالة الرضاعية.
6 ـ رسالة قاطعة اللجاج في تحقيق حلّ الخراج.
نموذج من منهجه :
ونذكر فيما يلي نموذجاً من منهجه :
في الرسالة الجعفرية نقرأ في فصل التيمّم بالصعيد :
«التيمّم بالصعيد ـ وهو التّراب بأيّ لون اتّفق أو المدر أو الحجر أو الرمل وأرض النورة والجصّ قبل الإحراق ، دون المعدن والنبات والمشوب بغيره مع سلب الإسم ـ ولو بشراء أو استئجار أو عارية أو شاهد حال ، ويجب قبول هبته وهبة الماء لا الثمن ، ومع فقده فبغبار الثوب واللبد

وعرف الدابّة ، ثمّ الوحل ـ لا بالثلج ـ ولو أمكن الغسل بنداوته قدم على التيمّم.
ويجب طلب الماء في الجهات الأربع : غلوة في الحزنة وغلوتين في السهلة ولو بوكيله ، وشراؤه وإن زاد عن ثمن المثل مع القدرة وعدم الضّرر ، وخوف استعمال ولو في بعض الأعضاء كفقده ـ ومنه الشّين ـ وكذا الخوف على نفس أو مال أو بضع.
ولا إعادة على من صلّى بتيمّم وإن كان متعمّداً الجنابة أو الممنوع بزحام الجمعة ، ويقدم الجنب على الميّت والمحدث بالماء المبذول للأحوج ، وكذا على باقي المحدثين ، وذو النّجاسة على الجميع.
ويجب فيه النية مقارنة للضّرب على الأرض مستدامة الحكم : أتيمّم بدلاً من الوضوء أو الغسل لاستباحة الصّلاة لوجوبه قربة إلى الله ، ولا مدخل للرفع هنا.
ويجب الضرب بكلتا يديه معاً ببطونهما اختياراً وطهارتهما وطهارة المضروب عليه ومحلّ التيمّم ، ولو تعذّر إزالة النّجاسة عن الأعضاء صحّ إن لم تكن حائلة ولا متعدّية. ومسح الجبهة ببطن الكفّين من قصاص الشعر إلى طرف الأنف الأعلى بادئاً بأعلاها ، والأولى مسح الجبينين والحاجبين وبلوغ طرف الأنف الأسفل ، ثمّ مسح ظهر كفّه اليمنى ببطن اليسرى من الزند إلى أطراف الأصابع ، ثمَّ مسح اليسرى كذلك ، والموالاة ولو بدلاً من الغسل ، ولا يقدح الفصل بما لا يعدّ تفريقاً ، والمباشرة بنفسه إلاّ مع التعذّر كما ذكر ...»(1).
__________________
(1) رسائل المحقّق الكركي 1 / 94 ـ 95.

الاستنتاج :
1 ـ هذه رسالة فقهية وكأنّها رسالة عملية للمكلّفين ، فهي تعرض الأحكام الشرعية بصورة مفصّلة إلاّ أنّها خالية من الاستدلال تماماً.
2 ـ أُسلوب الرّسالة ولغتها على درجة عالية من الوضوح والفصاحة ، وترتيب الأفكار فيها ترتيب علمي منسجم مع تسلسل الأفكار الفقهية.
وبالإجمال : فإنّ منهج الرسائل (القصيرة) المختصرة منهج موضوعي له فضل في نشر العلوم الفقهية بين النّاس. ولاشكّ أنّ قبول النّاس لذلك النّمط من المعرفة الدينية يعني أنّها تقنع باليسير من أجل معرفة الحلال والحرام كي تطبّق مفرداته على حياتها.
14 ـ منهج الأمالي أو المجالس :
مقدّمة :
«الأمالي عنوان لبعض كتب الحديث غالباً ، وهو الكتاب الذي أدرج فيه الأحاديث المسموعة من إملاء الشّيخ عن ظهر قلبه وعن كتابه ، والغالب عليها ترتيبه على مجالس السماع ، ولذا يطلق عليه المجالس أو عرض المجالس أيضاً ، وهو نظير الأصل في قوّة الاعتبار وقلّة تطرّق احتمال السهو والغلط والنّسيان ، ولا سيّما إذا كان إملاء الشّيخ عن كتابه المصحّح أو عن ظهر القلب مع الوثوق والاطمينان بكونه حافظاً ضابطاً متقناً. والفرق أنّ مراتب الاعتبار في أفراد الأصول تتفاوت حسب أوصاف مؤلّفيها وفي

الأمالي تتفاوت بفضائل ممليها ...»(1).
وأوّل أمالي كتبت في الإسلام بإملاء النبيّ(صلى الله عليه وآله) وخطِّ عليٍّ أمير المؤمنين عليه‌السلام كتبه بخطّه الشريف. و «النسخة التامّة منه مذخورة عند الحجّة المنتظر كسائر مواريث الأنبياء عليهم‌السلام ورثها عن آبائه الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. وهو كتاب مدرج عظيم يفتح ويقرأ منه على ما ترشدنا إليه أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام ... [روى] النجاشي في كتابه في ترجمة محمّد ابن عذافر بإسناده إلى عذافر بن عيسى الصّيرفي قال : كنت مع الحكم بن عيينة عند أبي جعفر الباقر عليه‌السلام فجعل يسأله الحكم وكان أبو جعفر له مكرماً ، فاختلفا في شيء ، فقال أبو جعفر : يا بنيّ قم فأخرِج كتاب عليّ عليه‌السلام ، فأخرَج كتاباً مدرجاً عظيماً ، ففتحه وجعل ينظر حتّى أخرج المسألة ، فقال أبو جعفر عليه‌السلام : هذا خطّ عليٍّ وإملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وأقبل على الحكم وقال : يا أبا محمّد اذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل ، انتهى.
وقطعة من هذه الأمالي موجودة بعينها حتّى اليوم في كتب الشيعة ـ وذلك من فضل الله تعالى ـ أوردها الشّيخ أبو جعفر بن بابويه الصّدوق في المجلس السّادس والستّين من كتاب أماليه ، وهي مشتملة على كثير من الآداب والسنن وأحكام الحلال والحرام يقرب من ثلاثمائة بيت رواها بإسناده إلى الإمام الصّادق عليه‌السلام بروايته عن آبائه الكرام ، وقال الصّادق عليه‌السلام في آخره : إنّه جمعه من الكتاب الذي هو إملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخط عليّ
__________________
(1) الذريعة 2 / 305 ـ 306.

ابن أبي طالب عليه‌السلام ، ونحن بحمد الله تعالى على تداول هذه القطعة منه بأيدينا ونسأله توفيق زيارة تمامه بزيارة من هو مذخور عنده. وظهر ممّا مرّ أنّ الأمالي هذا كتاب مدرج عظيم يفتح وينظر فيه ، وهو غير الجفر والجامعة والصحيفة ...»(1).
طبيعة الأمالي :
أمالي المشايخ الأجلاّء الثلاثة الصّدوق والمفيد والطّوسي عبارة عن أحاديث عقائدية وأخلاقية مذكورة بأسانيدها ألقيت على طلبة العلم لما فيها من فائدة روحية ومذهبية ، ويشعر من يقرأها اليوم أنّها أشبه بروضة الكافي ، لكنّها مرتّبة حسب التاريخ لا الموضوع.
كتب الأمالي :
1 ـ أمالي الشّيخ الصّدوق (ت 381 هـ).
2 ـ أمالي الشّيخ المفيد (ت 413 هـ).
3 ـ أمالي الشّيخ الطّوسي (ت 460 هـ).
1 ـ منهج أمالي الصّدوق :
كتاب أمالي الصّدوق للشّيخ أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه (ت 381) في مجلّد واحد ، يحتوي على ستّة وتسعين مجلساً ، تحوي أخبار النبيّ(صلى الله عليه وآله) والأنبياء الذين سبقوه عليهم‌السلام وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام
__________________
(1) الذريعة 2 / 305 ـ 306.

وأحوالهم وسيرتهم وكلامهم. والمجالس مؤرّخة بتاريخ اليوم والشهر والسنة.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
النموذج الأوّل : «حدّثنا الشّيخ الفقيه أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي ، قال : حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ، قال : حدّثنا الحسن بن متيل الدقّاق ، قال : حدّثنا أحمد ابن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن الحجّاج ، قال : سمعتُ الصادق عليه‌السلام يقول : من رأى أخاه على أمر يكرهه فلم يردّه عنه وهو يقدر عليه فقد خانه ، ومن لم يجتنب مصادقة الأحمق أوشك أن يتخلّق بأخلاقه»(1).
النموذج الثاني : «حدّثنا الحسين بن أحمد بن أدريس ، قال : حدّثنا أبي عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب عن الحكم بن المسكين الثّقفي عن أبي بصير عن الصّادق جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم‌السلام ، قال : قال أبو عبد الله الحسين بن عليّ عليه‌السلام : أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلاّ استعبر»(2).
2 ـ منهجية أمالي المفيد :
كتاب الأمالي للشّيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النّعمان (ت 413 هـ)
__________________
(1) أمالي الصّدوق : 222 المجلس السّادس والأربعون.
(2) أمالي الصدوق : 118 المجلس الثامن والعشرون.

في مجلّد واحد ، يحتوي على اثنين وأربعين مجلساً ، وأكثر أخباره من طرق العامّة وأسانيدها مشتملة على الكثير من رجالهم ، ويحتوي على الكثير من أخبار النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام وقضايا الأخلاق والفضائل. والمجالس مؤرّخة بتاريخ اليوم والشهر والسّنة.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
النموذج الأوّل : «1 ـ قال : حدّثني أبو حفص عمر بن محمّد ، قال : حدّثنا عليّ بن مهرويه القزويني ، قال : حدّثنا داود بن سليمان الغازي ، قال : حدّثنا الرضا عليّ بن موسى ، قال : حدّثني أبي موسى بن جعفر ، قال : حدّثني أبي جعفر بن محمّد ، قال : حدّثني أبي محمّد بن عليّ ، قال : حدّثني أبي عليّ بن الحسين ، قال : حدّثني أبي الحسين بن عليّ ، قال : حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : أتاني ملكٌ فقال : يا محمّد إنّ ربّك يقرئك السّلام ويقول : إن شئت جعلت لك بطحاء مكّة ذهباً. قال : فرفعت رأسي إلى السّماء وقلت : ياربّ أشبع يوماً فأحمدك ، وأجوع يوماً فأسألك»(1).
النموذج الثاني : «8 ـ قال : أخبرني أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه ـ رحمه الله ـ عن أبيه عن عليّ بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى بن عبيد عن عثمان بن عيسى عن سماعة بن مهران عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه‌السلام ، قال : سمعته يقول : لا تستكثروا كثير الخير ، ولا
__________________
(1) أمالي الشّيخ المفيد : 124. المجلس الخامس عشر.

تستقلّوا قليل الذنوب ، فإنّ قليل الذنوب يجتمع حتّى يكون كثيراً ، وخافوا الله عزّ وجلّ في السّر حتّى تعطوا من أنفسكم النَّصَف ، وسارعوا إلى طاعة الله ، وأصدقوا الحديث ، وأدّوا الأمانة ، فإنّما ذلك لكم ، ولا تدخلوا فيما لا يحلُّ فإنّما ذلك عليكم»(1).
3 ـ منهج أمالي الطّوسي :
كتاب الأمالي للشّيخ الطّوسي محمّد بن الحسن (ت 460 هـ) في مجلّد واحد ، عبارة عن مجالس عقدت في مشهد الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام في النّجف الأشرف في منتصف القرن الخامس الهجري.
وأمالي الشّيخ الطّوسي على قسمين :
الأوّل : يشتمل على ثمانية عشر مجلساً تبتدئ جميعها بالشّيخ أبي عليّ الطّوسي ، وأغلبها مؤرّخة بالشّهر والسّنة.
الثاني : مرتّب على المجالس ، ابتدأ المجلس الأوّل في يوم الجمعة المصادف لليوم الرّابع من المحرّم من سنة 457 هـ ، وعدد مجالس القسم الثاني سبعة وعشرين مجلساً.
ويحتوي الأمالي على أحاديث تُذكر بأسانيدها عن قضايا الإمامة وتاريخ النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام وقضايا فقهية وتاريخية ونحوها.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
__________________
(1) أمالي الشّيخ المفيد : 157. المجلس التاسع عشر.

النموذج الأوّل : «1158/ 65 ـ وبإسناده عن عليٍّ عليه‌السلام قال : سلوني عن كتاب الله عزّ وجلّ ، فوالله ما نزلت آية منه في ليل أو نهار ولا مسير ولا مقام إلاّ وقد أقرأنيها رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعلّمني تأويلها. فقال ابن الكوّاء : يا أمير المؤمنين فما كان ينزل عليه وأنت غائب عنه؟ قال : كان يحفظ على رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما كان ينزل عليه من القرآن وأنا عنه غائب حتّى أقدم عليه فيُقرئنيه ويقول لي : يا علىّ أنزل الله علىَّ بعدك كذا وكذا وتأويله كذا وكذا ، فيعلّمني تنزيله وتأويله»(1).
النموذج الثاني : «1256/ 4 ـ وعنه ، قال : أخبرنا جماعة عن أبي المفضّل ، قال : حدّثنا محمّد بن العبّاس بن اليزيدي النحوي أبو عبد الله ، قال : حدّثنا أبو الأسود الخليل بن أحمد النوشجاني ، قال : حدّثني محمّد ابن سلام الجمحي ، قال : حدّثني يونس بن حبيب النحوي وكان عثمانياً ، قال : قلت للخليل بن أحمد : اُريد أن أسألك عن مسألة فتكتمها علىَّ؟ قال : إنّ قولك يدلّ على أنّ الجواب أغلظ من السؤال ، فتكتمه أنت أيضاً؟ قال : قلت : نعم أيّام حياتك. قال : سل. قال : قلت : ما بال أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) كأنّهم كلّهم بنو اُمّ واحدة وعليّ بن أبي طالب من بينهم كأنّه ابن علَّة(2)؟ قال : من أين لك هذا السؤال؟ قال : قلت : قد وعدتني الجواب. قال : وقد ضمنتَ الكتمان. قال : قلت : أيّام حياتك. فقال : إنّ عليّاً عليه‌السلام تقدّمهم إسلاماً وفاقهم علماً وبذّهم(3) شرفاً ورجحهم زهداً وطالهم جهاداً فحسدوه ، والنّاس إلى أشكالهم
__________________
(1) أمالي الشّيخ الطّوسي : 523. المجلس الثامن عشر.
(2) العلَّة : الضَّرة.
(3) بذّهم: أي غلبهم.

وأشباههم أميل منهم إلى من بان منهم ، فافهم»(1).
الاستنتاج :
1 ـ إنّ من طبيعة أحاديث الأمالي أن يُذكر فيها سلسلة السند كاملة ، فليس هنا مجالٌ للاختصار أو الحذف. وهذا يدلّ على أنّ حذف الأسانيد أصلاً كان لتسهيل الأمر على النّاس للوصول إلى الحكم الشرعي ، أمّا عندما يتعلّق الأمر بطلبة العلم فإنّ العلم كان في تثبيت الأسانيد لا في حذفها.
2 ـ إنّ هذا اللّون من الكتابة أو النشاط العلمي هو لونٌ من ألوان المعرفة الترفيهية إذا صحّ التعبير ، فليس فيه مشقّة الاستدلال ولا حرارة المواجهة العلمية ولا تعقيدات الشرح المزجي الموسوعي.
3 ـ تميّزت أمالي الشّيخ الصّدوق والشّيخ الطّوسي بأحاديث من رجال الإمامية ، بينما تميّزت أمالي الشّيخ المفيد بأحاديث من رجال العامّة. وهذا يدلّ على أنّ لكلِّ فقيه ظروفاً خاصّة به تنعكس على أماليه ، فظروف الشّيخ الصدوق تختلف عن ظروف الشّيخ المفيد ، والأصل أنّ كلّ فقيه من فقهاء الإمامية قد عمل بوظيفته الشرعية حسبما سنحت له الشروط الموضوعية للزمان الذي عاش فيه.
15 ـ منهج الجوابات (أو الأجوبة) :
مقدّمة :
إنّ الجواب أو الجوابات «هما عنوانان يشار بهما إلى كثير من
__________________
(1) أمالي الشّيخ الطّوسي : 609. المجلس الثامن والعشرون.

تصانيف أصحابنا ... وإنّ كثيراً من مصنّفيهم قد بلغوا من تواضع النّفس وخضوع الجوانح وخلوص النيّات حدّاً لا يرون أنفسهم شيئاً قابلاً للذكر والإشارة ولا يحسبون تصانيفهم مع كونها جيّدة قيّمة كتاباً لائقاً بالعنوان والتسمية ، فبقيت الكتب بعد عصر المصنّفين بغير اسم خاصٍّ يدعى به ، فمسّت الحاجة إلى أن يشار إليها بعنوان ينطبق عليها ، فإذا علم أنّ الكتاب في جواب شخص خاصٍّ أو في جواب اعتراض معيّن ، أو أنّه جواب عن سؤال مخصوص أو عن شبهة معلومة ، أو أنّه جواب عن مسألة مخصوصة أو عن مسائل متعدّدة كما هو الشائع من إلقاء المسألة الواحدة أو المسائل من القرب أو من البلاد البعيدة عن العلماء وهم يكتبون جواباتها بغير عنوان خاصّ ، أو عُلم أنّه جواب رسالة أو كتاب أو مكتوب ، يصحّ أن يعبّر عنه بالجواب ...»(1).
و «جوابات المسائل أو السؤال والجواب : اسم نوعيٌّ لتأليف خاصٍّ يوجد لكثير من أصحابنا ولا سيّما الفقهاء منهم ، وهو الكتاب الذي يدوّن فيه المصنّف نفسه أو يأمر من يدوّن فيه مجموع السؤالات أو الاستفتاءات التي ألقيت إليه على الدفعات التدريجية وما كتبه من جواباتها في أوقات متطاولة ، فإنّه بعد التدوين كذلك في مجلّد يسمّى بأحد العنوانين ، والغالب التعبير عنه بـ : السؤال والجواب»(2).
طبيعة الجوابات :
يعدُّ الفقهاء الجواب على أسئلة المكلّفين وظيفة شرعية تقتضي القيام
__________________
(1) الذريعة 5 / 171.
(2) الذريعة 5 / 213.

به على أيّ حال ، فما أن يرد على الفقيه سؤال شرعيّ حتّى قام ببحثه واستنباط حكمه الشرعي من خلال الأصول المتّفق عليها بينهم ، ثمّ يصدر الفقيه الجواب بأُسلوب مقتضب واحد خال من الاستدلال. والنّاس تحتاج عموماً إلى معرفة الأوامر والنواهي بدون استدلال. أو بمعنىً آخر أنّها تحتاج معرفة وظيفتها الشرعية فحسب دون الخوض في النّقاش العلمي.
الجوابات أو الأجوبة :
1 ـ جواهر الفقه لابن البرّاج (ت 481 هـ).
2 ـ جوابات المسائل الميافارقيّات للسيّد المرتضى (ت 436 هـ).
3 ـ المسائل العكبرية للشّيخ المفيد (ت 413 هـ).
4 ـ أجوبة المسائل للشهيد الثاني (ت 965 هـ).
5 ـ أجوبة المسائل المهنائية للعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ).
1 ـ منهج جواهر الفقه :
كتاب جواهر الفقه لابن البرّاج عبد العزيز الطرابلسي (ت 481 هـ) في مجلّد واحد ، رسالة ذكر فيها المصنّف المسائل المستحسنة والأجوبة الموجزة المنتخَبة»(1) ، وهي رسالة فقهية كاملة ، نهج فيها المصنّف عرض كلّ مسألة ثمّ يعرض الجواب عليها.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من جواهر الفقه :
__________________
(1) جواهر الفقه : 4.

النموذج الأوّل : في كتاب الوكالة :
«مسألة 289 : إذا ادّعى الحاكم أو أمينه تلف الأمانة ما الحكم في ذلك؟
الجواب : إنّ القول قولهما مع يمينهما ، لأنّ ذلك قد يتلف ظاهراً وباطناً وتتعذّر عليهما إقامة البيّنة عليه»(1).
النموذج الثاني : «مسألة 292 : إذا ادّعى الموكِّل على وكيله أنّه طالبه بردّ المال الذي له في يده وامتنع من الردّ مع تمكّنه منه ـ فهو ضامن ـ وأنكر الوكيل ذلك وقال : ما طالبتني بردّه ، ما الحكم في ذلك؟
الجواب : القول في ذلك قول الوكيل مع يمينه ، لأنّ الخيانة اُدّعيت عليه والأصل أمانته ، فإن حلَفَ كان على أمانته ، وإن كان المال قد هلك فلا ضمان عليه ، وإن نكل عن اليمين ردّت على الموكّل ، فإن حلف أنّه طالبه به فامتنع من الرّدّ مع التمكّن منه كان عليه الضّمان ، وهكذا الحكم إن أقام عليه البيّنة بذلك ، فإنّ الضّمان أيضاً يلزمه»(2).
الاستنتاج :
1 ـ في موضوع الأمانة الأصل هو تعذّر إقامة البيّنة على تلف الأمانة ، فينحصر الأمر عندئذ بقول الأمين مع يمينه.
2 ـ في موضوع التوكيل طالب الموكِّل وكيله بردِّ المال ، فهنا ثلاثة أمور :
أ ـ لا ضمان على الوكيل حتّى مع تلف المال إذا حلف على حفظ
__________________
(1) جواهر الفقه : 78.
(2) جواهر الفقه : 79.

الأمانة ، ذلك أنّ الوكيل اُتّهم بالخيانة وأنكر ذلك فعليه اليمين ، كما في الحديث الشريف : البيّنةُ على من ادّعى واليمينُ على من أنكر.
ب ـ إن نكل الوكيل عن اليمين طُلب من الموكِّل أن يحلف ، فإن حلف على أنّه طالبه بالأمانة فامتنع عن الردّ فعلى الوكيل الضّمان.
ج ـ إن أقام الموكِّل البيّنة على الوكيل يكون الوكيل ضامناً.
3 ـ نلحظ أنّ منهج المصنّف هو تكثيف جميع تلك المطالب الفقهية في جمل قليلة مختصرة.
2 ـ منهج جوابات المسائل الميافارقيّات :
كتاب جوابات المسائل الميافارقيّات للسيّد المرتضى علم الهدى عليّ ابن الحسين (ت 436 هـ) في كرّاس ، تضمّن ستّاً وستّين مسألة مع جوابها.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
النموذج الأوّل : مسألة عدالة إمام الجماعة :
«الصّلاة جماعة والفضل فيها ، ولا يجوز خلف عدم الوثوق بدينه أم لا؟
الجواب : صلاة الجماعة فيها فضل كثير وثواب كبير إذا وثقنا باعتقاد المؤتمّ به وصحّة دينه وعدالته ، لأنّ إمامة الفاسق عند أهل البيت عليهم‌السلام لا يجوز»(1).
__________________
(1) جوابات المسائل الميافارقيّات : 5 ـ 6.

النموذج الثاني : مسألة أحكام صلاة الجمعة :
«صلاة الجمعة : هل يجوز أن يصلّي خلف المؤالف والمخالف جميعاً؟ وهل هي ركعتان مع الخطبة تقوم مقام أربع؟
الجواب : صلاة الجمعة ركعتان من غير زيادة عليها ، ولا جماعة إلاّ مع إمام عادل أو من ينصبه الإمام العادل ، فإذا عدم ذلك صلّيت الظهر أربع ركعات. ومن اضطرّ إلى أن يصلّيها مع من لا يجوز إمامته تقية وجب عليه أن يصلّي بعد ذلك ظهراً أربعاً»(1).
النموذج الثالث : مسألة ما يجوز السجود عليه :
«على ماذا يجوز السجود عليه؟ وأيّ شيء يتوقّى السجود عليه؟
الجواب : لا يجوز السجود إلاّ على الأرض بعينها إذا كانت طاهرة ، أو على ما أنبتته إلاّ أن يكون مأكولاً كالثّمار أو ملبوساً كالقطن والكتان ولا ما اتّخذ منهما ، ولا بأس بالسجود على القرطاس الخالي من الكتابة ، ويكره على المكتوب فيه لشغل القلب بقراءته»(2).
الاستنتاج :
1 ـ نلحظ في المصادر الفقهية الإمامية التأكيد على عدالة إمام الجماعة وعدم جواز إمامة الفاسق ، وهذه مسألة فقهية وعقائدية في نفس الوقت. واعتقادنا بإمامة أهل البيت عليهم‌السلام إنّما كان لعصمتهم في شؤون الدين والدنيا.
2 ـ نستشفّ من تلك الأسئلة مشاكل ذلك الزّمان ، وأهمّها على
__________________
(1) جوابات المسائل الميافارقيّات : 6.
(2) جوابات المسائل الميافارقيّات : 9 ـ 10.

الإطلاق الظلم الذي تعرّض له اتباع أهل البيت عليهم‌السلام ، ولذلك كثر السؤال عن التقية وإمامة الفاسق وطبيعة السجود على الأرض ، فصلاة الجمعة والجماعة عند العامّة يؤمّها الفاسق والعادل ولا يشترط عندهم عدالة إمام الجمعة ، ولا يلتزمون بالسّنة الشريفة التي أعلنت بأنّ الأرض هي المسجد وهي الطهور ، ولذلك ينحصر السجود على الأرض الطاهرة وما انبتت.
ولا يستطيع المرء إلاّ أن يكبر جهود فقهاء الإمامية على تصدّيهم لمشاكل الزمان وتشخيص منارات الهداية لأتباعهم.
3 ـ منهج المسائل العكبرية :
كتاب المسائل العكبرية للشّيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النّعمان (ت 413 هـ) ، هو رسالة جوابية لمجموعة أسئلة واستفسارات وردت المصنّف.
نموذج من منهجه :
«المسألة الأولى : عن قول الله تعالى : (إِنَّما يُرِيْدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الْرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْرَاً)(1). قال السائل : وإذا كانت أشباحهم قديمة وهم في الأصل طاهرون فأيّ رجس أُذهب عنهم؟ ...
الجواب عمّا تضمّنته هذه الأسئلة : إنّ الخبر عن إرادة الله تعالى إذهاب الرجس عن أهل البيت عليهم‌السلام والتطهير لهم لا يفيد إرادة عزيمة أو ضميراً أو قصداً على ما يظنّه جماعة ضلّوا عن السبيل في معنى إرادة الله عزّ
__________________
(1) سورة الأحزاب 33 : 33.

اسمه ، وإنّما يفيد إيقاع الفعل الذي يُذهب الرجس وهو العصمة في الدين أو التوفيق للطّاعة التي يقرب العبد بها من ربّ العالمين ، وليس يقتضي الإذهاب للرجس وجوده من قبل كما ظنّه السائل ، بل قد يذهب بما كان موجوداً ويذهب بما لم يحصل له وجود للمنع منه ، والإذهاب عبارة عن الصّرف ، وقد يُصرف عن الإنسان ما لم يعتره كما يصرف ما اعتراه ، ألا ترى أنّه يقال في الدعاء : صَرَفَ اللهُ عنك السوء ، فيقصد إلى المسألة منه تعالى عصمته من السوء دون أن يُراد بذلك الخبر عن سوء به والمسألة في صرفه عنه. وإذا كان الإذهاب والصرف بمعنىً واحد فقد بطل ما توهّمه السائل فيه ، وثبت أنّه قد يذهب بالرجس عمّن لم يعتره قطّ الرّجس على معنى العصمة له منه والتوفيق لما يبعده من حصوله به ، فكان تقدير الآية حينئذ : إنّما يذهب الله عنكم الرجس الذي قد اعترى سواكم بعصمتكم منه ويطهّركم أهل البيت من تعلقه بكم ، على ما بيّنّاه.
وأمّا القول بأنّ أشباحهم عليهم‌السلام قديمة فهو منكر لا يطلق ، والقديم في الحقيقة هو الله تعالى الواحد الذي لم يزل ، وكلّ ما سواه محدث مصنوع مبتدأ له أوّل. والقول بأنّهم لم يزالوا طاهرين قديمي الأشباح قبل آدم كالأوّل في الخطأ ، ولا يقال لبشر : إنّه لم يزل قديماً»(1).
الاستنتاج :
1 ـ يقوم المصنّف بالرّد على شبهتين في آن واحد :
الشبهة الأولى : إنّ الرجس الذي أراد الله سبحانه صرفه عن أهل
__________________
(1) المسائل العكبرية : 26 ـ 2.

البيت عليهم‌السلام كان موجوداً عندهم.
وجوابه : إنّ إرادة الله تعالى إذهاب الرجس عن أهل البيت عليهم‌السلام لم يكن إرادة عزيمة ، إنّما هو إيقاع الفعل الذي يُذهب الرجس وهو العصمة في الدين.
الشبهة الثانية : إنّ أشباحهم قديمة.
وجوابه : إنّ القديم في الحقيقة هو الله عزّ وجلّ الواحد الذي لم يزل ، وأهل البيت عليهم‌السلام بشر مخلوقون من قبله تعالى ، ولا يقال لبشر : إنّه لم يزل قديماً.
2 ـ إنّ ما ميّز عصر الشّيخ المفيد (ت 413 هـ) هو المسائل الاعتقادية ، فقد كان النّاس بحاجة إلى معرفة عقيدتهم وتثبيتها خصوصاً بعد غيبة الإمام المهدي عليه‌السلام في سنة (260 هـ) ، ولذلك طغى على مصنّفات الشّيخ المفيد المنهج الكلامي ، وهذه الرّسالة نموذج لذلك المنهج.
4 ـ منهج أجوبة المسائل :
رسالة أجوبة المسائل ضمن رسائل الشّهيد الثاني زين الدّين بن عليّ (ت 965 هـ) ، هي مجموعة رسائل للمصنّف ، ومن ضمنها أجوبة مسائل شكر بن حمدان.
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من أجوبته :
النموذج الأوّل : «سؤال 3 : ما يقول مولانا العلاّمة دام ظلّه فيمن غسل وجهه بيديه جميعاً في حال الوضوء هل فيه كراهيّةٌ أم لا؟ أفتنا

مأجوراً.
الجواب : نعم يُكْره لغير تقيّة»(1).
النموذج الثاني : «سؤال 5 : ما يقول سيّدنا دام ظلّه في الذي ينتهي حاله من الخوف إلى التسبيح بدلاً من الصّلاة ، هل يحتاج إلى تكبيرة الإحرام عند نيّة ذلك وإلى السّلام عند الفراغ منه أم لا يحتاج إلى ذلك؟ أفتنا مأجوراً.
الجواب : لابدّ من النيّة والتكبير أوّلاً والتشهّد أخيراً ، ويجزىء التسبيح عن عدا ذلك من الأفعال والكيفيّات ؛ ولو قلنا بوجوب التسليم فلابدّ منه أيضاً»(2).
النموذج الثالث : «مسألة 8 : ما يقول سيّدنا الإمام العلاّمة في الصابون إذا جُهِلَ عامله ، فهل يكون طاهراً أم لا؟ ولو تنجّس هل يقبل التطهير بغسلِ الموضع الذي لاقته أم لا؟ أفتنا مأجوراً.
الجواب : الأصل فيه وفي أمثاله الطهارةُ إلى أن يُعلَم خلافها ، ويَقبل التطهيرَ حال كونه من الجامدات ، وما فيه من اللزوجة غيرُ مانع من قبول الطهارة بالقليل ، وأمّا بالكثيرِ فلا إشكالَ»(3).
الاستنتاج :
1 ـ إنّ الأسئلة تدور حول الرخصة التي منحتها الشريعة لتجنّب الظالم وهي التقية ، وتبدّل التكليف حال الخوف ، والأُمور المستحدثة في
__________________
(1) رسائل الشّهيد الثاني : 558.
(2) رسائل الشّهيد الثاني : 559.
(3) رسائل الشّهيد الثاني : 560.

القرن العاشر وهو الصّابون. وكلّ ذلك يعطينا صورة عن حياة القرن العاشر الهجري ، فكانت التقية تمثّل منهج حياة النّاس ولذلك كثرت الأسئلة حولها ، وكان السفر محفوفاً بالمخاطر والخوف من الأشرار ولذلك كان السّؤال حول تكبيرة الإحرام في صلاة الخوف ، والسؤال الأخير عن طهارة الصّابون وهو ما أخاله من الأسئلة الجديدة غير المسبوقة في الفقه.
2 ـ نلحظ أنّ الأجوبة عامّة غير استدلالية ، ونبني على أنّ السائل لم يكن من طلبة العلم الديني.
5 ـ منهج أجوبة المسائل المهنائية :
كتاب أجوبة المسائل المهنائية للعلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف (ت 726 هـ) ، هو رسالة جوابية لمسائل بعثها مهنأ بن سنان بن عبد الوهّاب إلى العلاّمة الحلّي يستفسر فيها عن جملة من المسائل الشرعية.
نماذج من منهجه :
ونذكر فيما يلي نموذجين من منهجه :
النموذج الأوّل : «مسألة 23 : ما يقول سيّدنا في الكتاب العزيز هل يجوز بيعه وشراؤه أم ينـزّه عن ذلك فإذا أراد الإنسان بيعه أو شراءه نسب ذلك إلى الجلد والورق؟ أفتنا مأجوراً يرحمك الله.
الجواب : منع أصحابنا من بيع المصحف بل يجوز بيع الجلد والورق ، للنقل عن أهل البيت عليهم‌السلام ، ولاشتماله على تعظيم كتاب الله

العزيز ، واشتمال بيعه على نوع من إهانته نعوذ بالله من ذلك»(1).
النموذج الثاني : «مسألة 35 : ما يقول سيّدنا في الإنسان إذا سجد على ما لا يجوز السجود على جهة السهو أو لظلمة الموضع هل يجوز له أن يرفع رأسه ثمّ يسجد على ما يجوز السجود عليه ، ولا يعدّ الأوّل سجوداً فيكون قد زاد سجدة في صلاته أم كيف يصنع؟
الجواب : نعم يجوز رفع رأسه والسجود على ما يصحّ عليه ، ولا يعدّ الأوّل سجوداً مشروعاً»(2).
الاستنتاج :
تلك الأسئلة وجّهها مكلّف شُخِّص باسمه إلى العلاّمة الحلّي ، وهي تمثّل العلاقة الوثيقة بين الفقهاء ومقلّديهم في القرن الثّامن الهجري ، فالسّائل يسأل المصنّف مسائل اُبتلي بها هو وأصحابه ويجيبه المصنّف جواباً واضحاً عامّاً خالياً من الاستدلال ، وهكذا نما الفقه غير الاستدلالي بين عموم المكلّفين.
16 ـ منهج القواعد الفقهية :
مقدّمة :
القاعدة الفقهية هي حكم كلّي فرعي تنطبق على مواردها الجزئية المتعدّدة كنفوذ إقرار الإنسان في بيعه وشرائه وهبته وصلحه وإجارته طبقاً لقاعدة من ملك شيئاً ملك الإقرار به. ويمكن أن تُعرف القاعدة بالضّابط ،
__________________
(1) المسائل المهنائية : 151 ـ 152.
(2) المسائل المهنائية : 131.

فهي الأمر الكلّي الذي ينطبق على جزئيّاته. وهناك العديد من القواعد الفقهية التي استنبطها الفقهاء. والفرق بين القاعدة الفقهية والمسألة الأُصولية هو أنّ المسألة الأُصولية تقع كبرى في قياس الاستنباط بينما لا تنهض القاعدة الفقهية إلى ذلك المستوى ، بل تبقى محدودة بحدود المصاديق الجزئية القليلة. وبعبارة أُخرى : إنّ القاعدة الفقهية تعطي أحكاماً جزئية بينما تقدّم المسألة الأصولية أحكاماً كلّية.
طبيعة القواعد الفقهية :
بقي موضوع القواعد الفقهية على أهمّيته الكبرى محصوراً في كتب قليلة جدّاً ، ولعلّ أهمّها كتاب القواعد والفوائد للشّهيد الأوّل (ت 786 هـ) والقواعد الفقهية للبجنوردي (ت 1396 هـ). ولا يختلف الاستدلال على القواعد الفقهية عنه في الاستدلال على الجزئيّات والمصاديق الفقهية ، فالجميع يسير على نفس الاتّجاه الموصِل إلى الثمرة الحقيقية.
كتب القواعد الفقهية :
1 ـ القواعد الفقهية للبجنوردي (ت 1396 هـ).
2 ـ القواعد والفوائد للشّهيد الأوّل (ت 786 هـ).
3 ـ نضد القواعد الفقهية للمقداد السيوري (ت 826 هـ).
1 ـ منهج القواعد الفقهية :
كتاب القواعد الفقهية للميرزا حسن الموسوي البجنوردي (ت 1396 هـ) في سبعة مجلّدات ، هو موسوعة استدلالية في القواعد الفقهية ، شرح المصنّف فيه أربعاً وستّين قاعدة فقهية ، بحث القواعد بحثاً استدلاليّاً من

حيث انطباق الآيات والروايات والإجماع عليها ، وأجمل مفاد القواعد ومداركها وبعض التنبيهات العملية عليها. قال في مقدّمة الكتاب :
«وبعد ، فإنّي من سالف لمّا رأيت أنّ القواعد الفقهية المتفرّقة في أبواب العبادات والمعاملات والأحكام لم تجمع في كتاب مشروحاً شرحاً يذلّل صعابها ويكشف الغطاء واللثام عن معضلاتها ، فأحببتُ أن أجمعها وأشرحها لإيضاح تلك القواعد دلالة وسنداً ومورداً ، وأبيّن النسبة بينها وأعيّن الحاكم والمحكوم والوارد والمورود منها ...»(1).
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
النموذج الأوّل : في قاعدة : الإسلامُ يجبُّ ما قبله. يقول المصنِّف :
«... وحاصل الكلام أنّ الأفعال أو الأقوال التي تصدر من الكافر حال كفره إن كانت يترتّب على ذلك الفعل أو القول الصادر عنه في حال كفره أثر في الإسلام يكون ضرراً عليه ـ بمعنى أنّه ذلك الفعل أو ذلك القول لو كان يصدر عنه في حال الإسلام لكان يعاقب كما أنّه لو زنى أو شرب الخمر أو قتل مسلماً وكذا في غير ما ذكر من الأفعال المحرّمة شرعاً التي على من يرتكبها عقاب من تعزير أو حدٍّ أو قصاص أو دية ـ فالإسلام يقطع ما قبله ويجعله كالعدم ـ بمعنى رفع آثاره ـ فلو سرق في حال الكفر لا يقطع يده ، أو قتل مسلماً لا يقاد ، أو زنى محصناً لا يرجم ... كلّ ذلك لأنّ الإسلام يجبُّ ما قبله ، وحيث إنّ الحديث في مقام الامتنان لابدّ وأن
__________________
(1) القواعد الفقهية 1 / 3.

يكون للرفع وجعل الفعل والقول كالعدم بالنسبة إلى الآثار التي في رفعها امتنان»(1).
النموذج الثاني : في قاعدة : لا تعاد. يقول المصنّف :
«... لو أخلّ بالصّلاة سهواً ونسياناً فالإخلال إمّا بالزيادة أو بالنقيصة ، وكلّ واحدة منهما إمّا في الأجزاء والشرائط الركنية وإمّا في غيرها ممّا ليس بركن ، فإن كان بالنقيصة وكان من الأجزاء أو الشرائط الركنية فإمّا أن يلتفت إلى سهوه بعد الفراغ من الصّلاة واتيان المنافي فتجب عليه الإعادة قطعاً بمقتضى الأدلّة الأوّلية التي يبيّن الأجزاء والشرائط ، وبالنسبة إلى الخمسة المذكورة في المستثنى نفس عقد المستثني يدلّ على وجوب الإعادة مضافاً إلى أدلّة الأجزاء والشرائط. هذا إذا كان إلتفاته إلى جزئية المسهوّ أو شرطيّته بعد الفراغ من الصّلاة ، وأمّا إن كان التفاته في أثناء الصّلاة ، فإن لم يتجاوز محلّ المنسيّ يأتي به بعد الإلتفات وبالأجزاء التي بعده وكان قد أتى بها نسياناً ولا شيء عليه لما ذكرنا مفصّلاً ، وأمّا إن كان تجاوز المحلّ بدخوله في الركن الذي بعد المنسيِّ فيكون حاله حال الإلتفات إليه بعد الصّلاة فتجب عليه الإعادة لأنّه لا يمكن التدارك لما ذكرنا من لزوم أحد المحذورين إمّا نقص الركن وإمّا زيادته وكلاهما مبطلان»(2).
النموذج الثالث : في قاعدة اليد. يقول المصنّف :
«... الجهة الثالثة في الدليل على اعتبارها ، وهو من وجوه :
الأوّل : الروايات ، فمنها رواية حفص بن غياث المروية في الكتب الثلاثة عن أبي عبد الله عليه‌السلام وفيها : «أرأيت إذا رأيت شيئاً في يد رجل
__________________
(1) القواعد الفقهية 1 / 39.
(2) القواعد الفقهية 1 / 90.

أيجوز لي أن أشهد أنّه له؟ قال عليه‌السلام : نعم. فقال الرجل : أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له فلعلّه لغيره. فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : أفيحلّ الشراء منه؟ قال : نعم. فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : فلعلّه لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك ثمّ تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك؟! ثمّ قال أبو عبد الله عليه‌السلام : لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق.
ومنها المرويّ عن الصّادق عليه‌السلام في حديث فدك : أنّ مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام قال لأبي بكر : أتحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى في المسلمين؟! قال : لا. قال : فإن كان في يد المسلمين شيءٌ يملكونه ادّعيت أنا فيه من تسأل البيّنة؟ قال : إيّاك كنت أسأل البيّنة على ما تدّعيه على المسلمين. قال عليه‌السلام : فإذا كان في يدي شيءٌ فادّعى فيه المسلمون تسألني البيّنة على ما في يدي وقد ملكته في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وبعده ولم تسأل البيّنة على ما ادّعوا عليّ كما سألتني البيّنة على ما ادّعيت عليهم ... إلى أن قال : وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر»(1).
الاستنتاج :
1 ـ يشرح المصنّف في قاعدة الإسلامُ يجبُّ ما قبله طبيعة الرحمة والإنصاف في الإسلام ، فالإسلام لا يلزم الكافر ولا يرتّب عليه الحقوق والواجبات إلاّ بعد اعتناقه الإسلام ، وكلّ عمل جنائي أو غير أخلاقي قام به
__________________
(1) القواعد الفقهية 1 / 109 ـ 110.

الإنسان قبل إسلامه لا تترتّب عليه الآثار من أحكام وقوانين.
2 ـ تبيّن قاعدة لا تعاد الصّلاة إلاّ من خمس : الطّهور والوقت والقبلة والرّكوع والسّجود ، أنّ الإخلال بتلك الأمور الخمسة يبطل الصّلاة فلابدّ من إعادتها. ثمّ يذكر المصنّف أحكاماً أُخرى متشعّبة نلخّصها بما يلي :
1 ـ الإخلال بالصّلاة سهواً بالزّيادة في الأركان.
2 ـ الإخلال بالصّلاة سهواً بالنّقصان في الأركان. وهنا جملة أحكام :
أ ـ يلتفت إلى سهوه بعد الفراغ من الصّلاة تجب عليه الإعادة.
ب ـ يلتفت إلى سهوه أثناء الصّلاة قبل تجاوز المحلّ يأتي به.
ج ـ يلتفت إلى سهوه أثناء الصّلاة بعد تجاوز المحلّ تجب عليه الإعادة.
3 ـ الإخلال بالصّلاة سهواً بالزيادة ممّا ليس بركن.
4 ـ الإخلال بالصّلاة سهواً بالنقصان ممّا ليس بركن.
3 ـ في قاعدة اليد يذكر المصنّف روايات مؤيّدة لتلك القاعدة.
4 ـ أُسلوب الاستدلال على القواعد الفقهية لا يختلف كثيراً عن الاستدلال عن أيِّ مسألة فقهيّة أخرى ، وكذلك تشعّب الموضوع وتشقيقاته. فالاستدلال غالباً يتمّ عن طريق الآيات الشريفة والروايات المسندة والإجماع وآراء الفقهاء ، ثمّ يحسم الفقيه في النهاية رأيه الاجتهادي في الموضوع.
2 ـ منهج القواعد والفوائد :
كتاب القواعد والفوائد في الفقه والأصول والعربية للشّهيد الأوّل محمّد بن مكّي (ت 786 هـ) في مجلّدين ، احتوى على ثلاثمائة وثلاثين

قاعدة إضافة إلى فوائد تقرب من مائة فائدة عدا التنبيهات والفروع استوعبت أكثر المسائل الشرعية.
ومنهج المصنّف «أنّه يورد القاعدة أو الفائدة ثمّ يبيّن ما يندرج تحتها من فروع فقهية وما قد يرد عليها من استثناءات إن كان هناك استثناء منها وهو لم يقتصر على بيان رأي الإمامية فيما يذكره من المسائل وإنّما اتّخذ المقارنة في أغلب الفروع الفقهية ، فيعرض ما قيل من الوجوه سواء كان القائل إماميّاً أم غيره. كما أنّه قد يذكر قولاً نادراً تفرّد به بعض الإماميّة أو غيرهم ممّا يدلّ على سعة إطّلاعه وإحاطته بآراء الفقهاء على اختلاف مذاهبهم ، ولا غرو في ذلك وهو القائل في إجازته لابن الخازن الحائري : «وأمّا مصنّفات العامّة ومرويّاتهم فإنّي أروي عن نحو أربعين شيخاً من علمائهم بمكّة والمدينة ودار السّلام بغداد ومصر ودمشق وبيت المقدس ومقام الخليل إبراهيم عليه‌السلام»(1). كما أنّه لا يكتفي بنقل تلكم الأقوال والوجوه في المسألة الفقهية بل هو غالباً ما يذكر أدلّتها وحججها ويناقش ما لا يرتضيه منها مناقشات جليلة.
ويلاحظ أنّ المصنِّف لم يتبع في الغالب منهجاً معيّناً في ترتيب ما أورده من قواعد وفوائد ، فهو لم يفصل القواعد الفقهية عن الأصولية أو العربية ، كما أنّه لم يرتّب القواعد الفقهية منها على أبواب الفقه المشهورة ، فهو وإن كان قد جمع بعض قواعد الاجتهاد والمناكحات والجنايات ثمّ قسماً من قواعد العبادات والعقود والإرث إلاّ أنّ الطّابع العامّ له عدم الترتيب ، إذ هو في الوقت الذي يجمع قواعد المناكحات نراه يذكر في
__________________
(1) بحار الأنوار 106 / 39.

مكان آخر بعض القواعد التي تتعلّق بالنّكاح ، وهكذا القول في قواعد الجنايات وباقي أبواب الفقه التي جمع قواعدها ، بالإضافة إلى كلِّ ذلك فإنّه أحياناً يكرّر القاعدة في أكثر من موضع كالكثير من قواعد السبب وبعض قواعد المناكحات وقواعد الوسائل إلى المصالح»(1).
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهجه :
النموذج الأوّل : «قاعدة 2 : المشقّة موجبة لليسر لقوله تعالى : (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَج)(2) (يُرِيْدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيْدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(3) ، وقول النّبيّ(صلى الله عليه وآله) : (بعثتُ بالحنفية السمحة السهلة) وقوله(صلى الله عليه وآله) : (لا ضرر ولا ضرار) بكسر الضّاد وحذف الهمزة.
وهذه القاعدة تعود إليها جميع رخص الشرع ، كأكل الميتة في المخمصة ، ومخالفة الحقِّ للتقية ـ قولاً وفعلاً لا اعتقاداً ـ عند الخوف على النّفس أو البضع أو المال أو القريب أو بعض المؤمنين كما قال الله تعالى : (لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُوْنَ الْكَافِرِيْنَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُوْنِ الْمُؤْمِنِيْنَ وَمَن يَّفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِيْ شَيْء إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوْا مِنْهُمْ تُقَاةً ...)(4) ، بل يجوز إظهار كلمة الكفر عند التقية ، والأقرب أنّه غير واجب هنا لما في قتله من إعزاز الإسلام وتوطئة عقائد العوامّ.
__________________
(1) القواعد والفوائد ـ مقدمة التحقيق : 8 ـ 9.
(2) سورة الحج 22 : 78.
(3) سورة البقرة 2 : 185.
(4) سورة آل عمران 3 : 28.

ومن هذه القاعدة : شرعية التيمّم عند خوف التلف من استعمال الماء أو الشّين أو تلف حيوانه أو ماله ...»(1).
النموذج الثاني : «قاعدة 43 : المجاز لا يدخل في النصوص ـ كأسماء العدد ـ إنّما يدخل في الظواهر ، فمن أطلق العشرة وقال : أردت تسعة ، لم يقبل منه ويعدُّ مخطئاً لغة ، ومن أطلق العموم وأراد الخصوص فهو مصيب لغةً. وكلّ لفظ لا يجوز دخول المجاز فيه لا تؤثّر النية في صرفه عن موضوعه ، فلو أخبر عن طلاق زوجته ثلاثاً وقال : أردتُ اثنتين ، لم يسمع منه. ولو حلف على الأكل وقال : أردتُ الخبز ، سُمع منه»(2).
النموذج الثالث : «قاعدة 57 : النّهي في العبادات مفسد وإن كان بوصف خارج كالطّهارة بالماء المغصوب والصّلاة في المكان المغصوب ، وفي غيرها مفسد إذا كان عن نفس الماهية لا لأمر خارج ، فالبيع المشتمل على الرّبا فاسد لا يملك المساوي ولا الزائد والبيع وقت النّداء صحيح ، لأنّ النّهي في الأوّل لنفس ماهية البيع وفي الثاني لوصف خارج. وفي ذبح الأضحية والهدي بآلة مغصوبة نظر»(3).
الاستنتاج :
1 ـ استدلّ المصنّف على قاعدة المشقّة موجبة لليسر بالآيات الشريفة ، ثمّ بنى على تلك القاعدة شرعية جميع الرخص التي رخّصها الشارع تيسيراً للمكلّفين ورحمة من الله عزّ وجلّ بالمؤمنين.
__________________
(1) القواعد والفوائد 1 / 123 ـ 124.
(2) القواعد والفوائد 1 / 161.
(3) القواعد والفوائد 1 / 199.

2 ـ أفتى ظاهراً بعدم وجوب التقيّة في حالات معيّنة إذا كان القتل عزّة للدين وتثبيتاً لعقائد النّاس. ولا ننسى أنّه هو أوّل من طبّق هذه الفتوى ، فمات شهيداً.
3 ـ بيّن قاعدة تقول : إنّ المجاز لا يدخل في النصوص ، ووضعها بهذا الشكل : كلّ لفظ لا يجوز دخول المجاز فيه لا تؤثّر النية في صرفه عن موضوعه. وأعطى المصداق ، وهو أنّه لو أخبر عن طلاق زوجته ثلاثاً وزعم أنّه أراد اثنتين لم يُسمع منه.
4 ـ أوضح في قاعدة النهي في العبادات مفسد ، أنّ البيع المشتمل على الربا يكون بيعاً فاسداً ، بينما البيع وقت أذان يوم الجمعة صحيح مع أنّه منهيٌّ عنه شرعاً ، لأنّ النهي لم يكن لماهية البيع بل جاء لوصف خارج وهو وقت الأذان.
3 ـ منهج نضد القواعد الفقهية :
كتاب نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية للمقداد بن عبد الله السيوري الحلي (ت 826 هـ) في مجلد واحد ، مختصر يشتمل على ضوابط كلية أصولية وفرعية تستنبط منها الأحكام الشرعية. والكتاب في الأصل ألفه الشّهيد الأوّل محمّد بن مكي العاملي (ت 786 هـ) واسمه القواعد والفوائد ثمّ قام الفاضل المقداد بنظمه وترتيبه دون زيادة على الأصل إلاّ في مسألة القسمة وضعها في آخر الكتاب. ويقع في مقدّمة وقطبين : الأوّل في القواعد العامّة وما يتفرّع عليها والثاني في العبادات. ومنهجه مبتن على الاختصار وعدم الخوض في الاستدلال أصلاً ، إلاّ أنّه يشذّ عن تلك القاعدة أحياناً.

نماذج من منهجه :
نستطيع أن نعرض منهجه من زاويتين :
الزاوية الأولى : إنّه يعرض القواعد الفقهية على الأغلب بطريقة تعريفية واضحة وخالية عن الاستدلال ، فعندما يتعلّق الأمر بموضوع الحكم يقول :
«الحكم خطاب الشرع المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع ، فالإقتضاء هو الطلب إمّا للوجود مع المنع من النقيض وهو الوجوب ، أو لا معه وهو الندب ، وإمّا للعدم مع المنع من النقيض وهو التحريم ، أو لا معه وهو الكراهة. والتخيير : الإباحة. والوضع هو الحكم على الشيء بكونه سبباً أو شرطاً أو مانعاً»(1).
ثمّ يعقّب على تلك القاعدة بعنوان أسماه (هداية) فيقول :
«ظهر أنّ الخطاب إمّا تكليفي أو وضعي ، وليس بينهما منع جمع ، بل ينقسمان أقساماً :
أ ـ ما اجتمعا فيه : كالطّهارة عن الحدث والخبث وأسباب الحدث من فعل العبد ، والصّلاة فإنّها واجبة وسبب لعصمة الدّم ، وغسل الميّت واجب شرط في صحّة الصّلاة عليه ، وباقي أحكامه واجبة وسبب في سقوط الغرض عن الباقين ، والاعتكاف ندب وسبب في تحريم محرّماته ، والنكاح ندب وسبب في أشياء تأتي ، والطّلاق مكروه أو واجب وسبب في التحريم ، والرضاع مستحبّ أو واجب وسبب للتحريم ، والزّنا وأمثاله محرّمة وسبب في الحدِّ والتعزير والقصاص ، والعتق ندب وسبب للحرّية.
__________________
(1) نضد القواعد الفقهية : 9 ، القاعدة الرابعة.

ب ـ وضعيٌّ لا غير ، كأسباب الحدث وليست من فعل العبد كالنّوم والحلم والحيض ، وأوقات الصّلاة ورؤية الهلال فإنّها أسباب محضة ، وحول الحول شرط لوجوب الزّكاة ، والحيض مانع من الصّلاة والصّوم.
وجعل بينهم ضابط هذا ما لا فعل فيه للمكلّف ، ومنه الإرث فإنّه تملّك محض بعد وقوع السبب.
ج ـ تكليفيٌّ لا غير ، كالتطوّعات فإنّها تكليف وليس فيها سببية ولا شرطية ولا مانعية ، وكذا الزّكاة والصّوم والحجّ والالتقاط بنيّة الحفظ»(1).
فهنا أراد المصنّف تبيين الحكم الشرعي (الخطاب) وتقسيمه إلى وضعيٍّ وتكليفيٍّ ، وقدّم لكلِّ قسم منهما بأمثلة عملية ، بل عرّف التكليفي بتعريفين : مرّة بالإقتضاء ومرّة بالتطوّع ، وعرّف الوضعيّ بتعريفين : مرّة الحكم على الشيء بكونه سبباً أو شرطاً أو مانعاً ومرّة بربطه بسبب الحدث كالنّوم وحول الحول شرط وجوب الزّكاة والحيض مانع من الصّلاة والصّوم.
وتلوّن التعابير لنفس الفكرة والموضوع تعكس قدرة المصنّف على تطويع العبارات بطرق بالغة الدقّة والجمال. وسعة أطراف المسألة الفقهية لا تثني الفقيه من اختصار عباراتها وتهذيب أفكارها.
الزاوية الثانية : إنّه يعرض استدلالاً مقتضباً وافياً بالغرض ، فيقول في قضاء الصّلاة :
«قاعدة : الترتيب في القضاء معتبر بين الفرائض اليومية لقوله عليه‌السلام : (فليقضها كما فاتته)(2) ، وقد فاتته مرتّبة فيجب التّرتيب عملاً بمدلول الأمر.
__________________
(1) نضد القواعد الفقهية : 10 ـ 11.
(2) التهذيب 3/158.

هذا مع الذكر ، أمّا مع النّسيان فيحتمل سقوطه لقوله عليه‌السلام : (رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان)(1) والمراد حكمهما والمؤاخذة عليهما ، ولقوله(صلى الله عليه وآله) : (النّاس في سعة ما لم يعلموا) ، ولأنّ الزائد حرج وعسر وهو منفيٌّ بالقرآن العزيز ، ولأنّ التكليف مع عدم العلم تكليف بالمحال ، ولأصالة البراءة من الزائد ، وثبوته لتمكّنه من فعل ما وجب عليه كما وجب فيجب من باب المقدّمة ، ولأنّه لو جهل عين الفريضة صلّى اثنين أو ثلاثاً أو خمساً على اختلاف الأحوال والأقوال وكذا صفة الفائت لتساويهما في الوجوب.
وتوقّف فيه المحقّق في المعتبر وقال في توجيه السقوط : إنّه تخمين وكلفة فلا يصارُ إليه. ومراده بالتخمين أي بالنسبة إلى النيّة ، فإنّه إذا قدّم فريضة أو أخّرها لا يكون متيقّناً حال النية محلّها من الفائتة الأخرى بل بحسب الوهم»(2).
وهنا شقّق المصنّف المسألة إلى شقّين :
الأوّل : قضاء الصّلاة الفائتة مرتّبة عند تذكّر ترتيبها كمن فاتته صلاة الفجر ثلاثة أيّام فعليه أن يصلّيها حسب ترتيب الأيّام قضاءً.
الثاني : عند نسيان الترتيب يحتمل المصنّف سقوط ذلك التكليف :
أ ـ لنفيه في القرآن الكريم ، لأنّ الزائد حرج وعسر.
ب ـ نفيه في الروايات كما في رواية الرفع ورواية النّاس في سعة.
ج ـ قاعدة أنّ التكليف مع عدم العلم تكليفٌ بالمحال.
د ـ إصالة البراءة من الزائد.
__________________
(1) الخصال 2/184.
(2) نضد القواعد الفقهية : 240 ـ 241.

القواعد الفقهية :
فيما يلي جملة من القواعد الفقهية تضافر فقهاء الشيعة على استنباطها :
1 ـ قاعدة من ملك ، مدركها : من ملَكَ شيئاً ملَكَ الإقرار به.
2 ـ قاعدة الإقرار ، مدركها : إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ أو جائز.
3 ـ قاعدة الإمكان ، مدركها : إنّ كلّ ما يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض.
4 ـ قاعدة الإسلامُ يجبُّ ما قبله ، مدركها الخبر المشهور عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) : الإسلامُ يجبُّ ما قبله.
5 ـ قاعدة القرعة ، مدركها قوله تعالى في قصّة يونس عليه‌السلام : (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِيْنَ) ، وفي قصّة تكفّل مريم عليها‌السلام : (وَمَا كُنْتَ لَدِيْهِمْ إِذْ يُلْقُوْنَ أَقْلاَمَهُمْ أيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ).
6 ـ قاعدة لا تعاد ، مدركها حديث : لا تعاد الصّلاة إلاّ من خمس : الطهور والوقت والقبلة والركوع والسّجود.
7 ـ قاعدة نفي السبيل للكافرين على المسلمين ، مدركها قوله تعالى : (لَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِيْنَ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ سَبِيْلاً).
8 ـ قاعدة نفي الضرر ، مدركها الحديث النبوي الشريف : لاضرر ولا ضرار في الإسلام.
9 ـ قاعدة اليد ، ومدركها : إنّ وضع اليد سببٌ لحصول الملكية.
10 ـ قاعدة نفي العسر والحرج ، مدركها قوله تعالى : (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَج) ، (يُرِيْدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيْدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ، (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسَاً إِلاّ وُسْعَهَا).

11 ـ قاعدة الغرور في أبواب الضّمانات ومعناها صدور فعل يوجب ضرراً بواسطة انخداعه من طرف ثالث حتّى لو لم يكن الطرف الثالث قاصداً خدعه ، مدركها الحديث النبويّ الشريف : المغرور يرجع إلى من غرّه.
12 ـ قاعدة أصالة الصحّة ، ومفادها البناء على صحّة فعل المسلم ظاهراً.
13 ـ قاعدتي الفراغ والتجاوز ، ومفادهما البناء على عدم الاعتناء بالشّكّ في بقاء العدم ، أي : عدم ترتيب الآثار الشرعية على الشّكّ.
14 ـ قاعدة حرمة الإعانة على الإثم والعدوان ، مدركها قوله تعالى : (وَتَعَاوَنُوْا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوْا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).
15 ـ قاعدة عدم ضمان الأمين إلاّ بالتعدّي والتفريط ، مدركها رواية يُسأل فيها الإمام عليه‌السلام عن الذي يستبضع المال فيهلك أو يُسرق أعلى صاحبه ضمان؟ فقال عليه‌السلام : ليس عليه غرم بعد أن يكون الرّجل أميناً.
16 ـ قاعدة الإتلاف ، مفادها : من أتلف مال الغير بلا إذن منه فهو له ضامن ، مدركها قوله تعالى : (وَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوْا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم).
17 ـ قاعدة الاشتراك ، مفادها اشتراك المكلّفين في الحكم رجالاً ونساءً إلى قيام يوم القيامة.
18 ـ قاعدة تلف المبيع قبل القبض ، مدركها الحديث النبويّ الشريف : كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه.
19 ـ قاعدة كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، من مداركها : قاعدة احترام مال المؤمن ، وقاعدة اليد ، وقاعدة الإقدام.

20 ـ قاعدة التلف في زمان الخيار من مال من لا خيار له ، أي : من مال البائع.
21 ـ قاعدة حرمة أخذ الأجرة على الواجبات.
22 ـ قاعدة البناء على الأكثر في الشّكّ في عدد الرّكعات ، مدركها حديث الإمام عليه‌السلام : كلّما دخل عليك من الشّكّ في صلاتك فاعمل على الأكثر ، فإذا انصرفت فأتمّ ما ظننت أنّك نقصت.
23 ـ قاعدة حجّيّة الظّنّ في عدد ركعات الصّلاة وأجزائها ، مدركها الحديث النبويّ الشريف : إذا شكّ أحدكم في الصّلاة فلينظر أي ذلك أحرى إلى الصواب فليبنِ عليه.
24 ـ قاعدة لا شكّ لكلٍّ من الإمام والمأموم مع حفظ الآخر ، مدركها : مرسلة يونس عن الإمام الصّادق عليه‌السلام : ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه.
25 ـ قاعدة : لاشكّ في النافلة ، مدركها حسنة البختري في قوله عليه‌السلام : لا سهو في نافلة.
26 ـ قاعدة لا شكّ لكثير الشكِّ ، مدركها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : إذا كثر عليك السهو فامضِ في صلاتك فإنّه يوشك أن يدعك إنّما هو من الشيطان.
27 ـ قاعدة عموم حجّية البيّنة ، ومعنى البيّنة شهادة العدلين ، مدركها رواية مسعدة بن صدقة عن الإمام عليه‌السلام : ... والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة.
28 ـ قاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم جائز ، مدركها مرسلة عطّار عن الإمام الصادق عليه‌السلام : المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمن عليه.

29 ـ قاعدة البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر ، مدركها قول النبيّ(صلى الله عليه وآله) : البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر.
30 ـ قاعدة كلّ مدّع يسمع قوله فعليه اليمين ، وهذه القاعدة من قواعد القضاء ، مدركها لزوم حلف المدّعي الذي يسمع قوله من دون بيّنة كما في الرّوايات.
31 ـ قاعدة العقود تابعة للقصود ، طالما كان العقد من الأمور القلبية فإنّ تحقّق عناوين العقد تابع لقصدها وبدون القصد لا تقع.
32 ـ قاعدة انحلال العقود ، وهي انحلال العقد الواحد المتعلّق بالمركّب إلى عقود متعدّدة ، فإذا باع الدار مثلاً فالبيع يقع على جميع أجزاء تلك الدار.
33 ـ قاعدة الإلزام ، وهي إلزام المخالفين بما ألزموا أنفسهم به ، مدركها قول الإمام عليه‌السلام : ألزموهم بما ألزموا أنفسهم وتزوّجوهنّ ولا بأس بذلك.
34 ـ قاعدة أصالة عدم تداخل الأسباب ولا المسبّبات. مثلاً إذا تكرّر منه البول والنّوم والرّيح فيجب في الافتراض ثلاثة وضوءات بموجب هذه القاعدة.
35 ـ قاعدة المؤمنون عند شروطهم ، مدركها قول الإمام عليه‌السلام : من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترط عليه ، والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب الله.
36 ـ قاعدة يحرم بالرّضاع ما يحرم بالنسب ، مدركها قوله تعالى :

(وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاّتِي أَرَضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ)(1).
37 ـ قاعدة التسامح في أدلّة السنن ، مدركها قول الإمام الصّادق عليه‌السلام في صحيحة هشام : من بلغه عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) شيء من الثواب فعلمه كان أجر ذلك له وإن كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يقله.
38 ـ قاعدة الإحسان ، مفادها : ليس على المحسن مؤاخذة فيما تسبّب عن إحسانه ، أي لا ضمان على المحسِن لفعل صدر منه ، مدركها قوله تعالى : (مَا عَلَى الْمُحْسِنِيْنَ مِن سَبِيْل)(2).
39 ـ قاعدة الفراش ، مدركها ، قوله(صلى الله عليه وآله) : الولد للفراش وللعاهر الحجر.
40 ـ قاعدة وعلى اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه ، مفادها جواز رجوع المالك إلى كلّ واحد من الأيدي المتعاقبة وجواز رجوع كلّ سابق إلى لاحقه ، مدركها قوله(صلى الله عليه وآله) : وعلى اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه.
41 ـ قاعدة مشروعية عبادات الصّبيّ.
42 ـ قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور ، من مداركها قوله تعالى : (وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً)(3).
43 ـ قاعدة حجّيّة سوق المسلمين ، مدركها رواية حفص بن غياث عن الإمام عليه‌السلام : ... لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق.
44 ـ قاعدة عدم اشتراط البلوغ في الأحكام الوضعية ، أي إنّ إتلاف الصّبي مال الغير ـ كإتلاف البالغين ـ موجب للضّمان.
__________________
(1) سورة النساء 4 : 23.
(2) سورة التوبة 9 : 92.
(3) سورة آل عمران 3 : 92.

45 ـ قاعدة الشرط الفاسد ليس بمفسد للعقد.
46 ـ قاعدة الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها ، مفادها : إنّ الوقف يجب أن يعامل بحسب ما وقّفه الواقف ، مدركها توقيعه عليه‌السلام : الوقوف على حسب ما يقفها أهلها إن شاء الله.
47 ـ قاعدة الصّلح جائز بين المسلمين ، مدركها قوله تعالى : (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوْا ذَاتَ بَيْنِكُم)(1).
48 ـ قاعدة التقية ، مدركها قوله تعالى : (لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُوْنَ الْكَافِرِيْنَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُوْنِ الْمُؤْمِنِيْنَ وَمَن يَّفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْء إِلاّ أَنْ تَتَّقُوْا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيْر)(2).
49 ـ قاعدة أصالة اللزوم في العقود ، مفادها الالتزام بجميع العقود والمعاهدات ، مدركها قوله تعالى : (... أَوْفُوْا بِالْعُقُوْدِ)(3).
50 ـ قاعدة حرمة إبطال الأعمال التعبّديّة ، مدركها قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا أَطِيْعُوْا اللهَ وَأَطِيْعُوْا الرَّسُوْلَ وَلاَ تُبْطِلُوْا أَعْمَالَكُم)(4).
51 ـ قاعدة بطلان كلِّ عقد بتعذّر الوفاء بمضمونه.
52 ـ قاعدة كلّ ما يصحّ إعارته يصحّ إجارته.
53 ـ قاعدة حرمة إهانة المحترمات في الدين.
54 ـ قاعدة كلّ مسكر مايع بالأصالة فهو نجس ، مدركها قوله تعالى : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ ...)(5) ، وقوله عليه‌السلام :
__________________
(1) سورة الأنفال 8 : 1.
(2) سورة آل عمران 3 : 28.
(3) سورة المائدة 5 : 1.
(4) سورة محمّد 47 : 33.
(5) سورة المائدة 5 : 90.

(كلّ مسكر خمر ، وكلّ خمر حرام) وأمّا أنّ كلَّ خمر نجس لقوله تعالى : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ...).
55 ـ قاعدة لا رهن إلاّ مقبوضاً ومعنى الرّهن هو ما وضع عندك لينوب ما أخذ منك. مدركها قوله تعالى : (فَرِهَانٌ مَقْبُوْضَةٌ)(1).
56 ـ قاعدة الزعيم غارم. ومعنى الزعيم هو المتعهّد بمال عليه أن يعطي ذلك المال للذي تعهّد له. مدركها قوله تعالى على لسان يوسف : (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيْر وَأَنَا بِهِ زَعِيْمٌ)(2).
57 ـ قاعدة الشفعة جائزة في كلِّ شيء. وكلّ شيء أي : من حيوان أو أرض أو متاع. والشفعة هنا حقّ تملّك أحد الشريكين حصّة الآخر. مدركها حديث عن الإمام الصّادق عليه‌السلام : قضى رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن ....
58 ـ قاعدة الوصية حقّ على كلّ مسلم ، مدركها قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرَاً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِيْنَ بِالْمَعْرُوْفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِيْنَ)(3).
59 ـ قاعدة لا ضمان على المستعير. والمستعير هو الشّخص الذي أخذ عيناً ذات منفعة كي ينتفع بها مجّاناً بلا عوض. مدركها حديث الإمام الصّادق عليه‌السلام : إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه إلاّ أن يكون اشترط عليه.
60 ـ قاعدة الإجارة أحد معايش العباد ، مدركها قوله تعالى :
__________________
(1) سورة البقرة 2 : 283.
(2) سورة يوسف 12 : 71.
(3) سورة البقرة 2 : 180.

(وَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيَّ الاَْمِيْنَ)(1).
61 ـ قاعدة الدَّين مقضيٌّ ، مدركها حديث الإمام الصّادق عليه‌السلام : كلُّ ذنب يكفّره القتل في سبيل الله إلاّ الدَّيْن لا كفّارة له إلاّ أداؤه أو يقضي صاحبه أو يعفو الذي له الحقّ.
كلمة أخيرة :
قضية العنوان والمعنون عند الفقهاء :
إنّ ترتيب العناوين الفقهية ينفعنا في تحقيق هدفين لهما أهميّة عظيمة : الأوّل اكتشاف التركيب العقلي الذي يجمع الأحكام الشرعية المتشابكة من أجل فرزها وصياغتها صياغة لغوية علمية قابلة للفهم والتطبيق ، والثاني تسهيل مهمّة الاستنباط على الفقيه بملاحظة تغير الزّمان. وقد قام فقهاؤنا الأعلام على مرّ الزّمن ومنذ عصر النّصّ بذلك الترتيب العلمي ، فصُنّفت المواضيع الفقهية على قسمين : عبادات ومعاملات ، وقُسّمت المعاملات إلى : عقود وأحكام ، والأحكام إلى : جنايات وغير جنايات. ويعتقد أنّ سلاّر (ت 483 هـ) كان أوّل من قام بذلك ، فقد قسّم مجموع تلك المواضيع إلى أربعة وخمسين كتاباً. بينما قام المحقّق الحلّي (ت 676 هـ) بتقسيم جديد للمواضيع الفقهية هو : العبادات ، والعقود ، والإيقاعات ، والأحكام.
قال يحيى بن سعيد (ت 690 هـ) في مقدّمة كتابه نزهة الناظر :
__________________
(1) سورة القصص 28 : 26.

«قال شيخنا السعيد أبو جعفر بن محمّد بن الحسن الطّوسي قدّس الله روحه : عبادات الشرع خمس : الصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ والجهاد. وقال الشّيخ أبو جعفر محمّد بن عليّ الطّوسي المتأخّر [ابن حمزة] رضي الله عنه في الوسيلة : عبادات الشرع عشر. أضاف إلى هذه الخمس : غسل الجنابة والاعتكاف والعمرة والرباط. وقال الشّيخ أبو يعلى سلاّر : العبادات ستّ. أسقط الجهاد من الخمس الأولى وأضاف إليها الطهارة والاعتكاف. وقال الشّيخ أبو الصّلاح : العبادات عشر. أسقط الجهاد أيضاً من الخمس الأُول وأضاف إليها الوفاء بالنذر والعهود والوعود وبرّ الإيمان وتأدية الأمانة والخروج من الحقوق والوصايا وأحكام الجنائز والإخلال بالقبيح»(1).
ولكن الفقهاء المتأخّرين اختصروا الطريق وقاموا بتقسيم المواضيع الفقهية إلى عبادات ومعاملات باعتبار أنّ علاقة المكلّف بربّه هو الأمر الرئيسي الذي يمكن أن يميّز العبادات عن المعاملات. والمعاملات أشمل من العقود والإيقاعات والملكية والجنايات وغيرها ، فهي تشمل كلّ ما يتعامل به المكلّف مع الآخرين في المجتمع ، ويشمل ذلك الحقوق والواجبات وحلّ المنـازعات.
إنّ الذهنية الفقهية تفهم مذاق الشارع في طبيعته التكليفية ، وتفهم الإلزامات التعبّدية والأخلاقية ، وتفهم المعاملات القائمة على أساس العقود والملكية والضّمان ، وتبني على ضوء ذلك الفهم نظريّتها الفقهية.
لقد قام فقهاء الإمامية على مدى مئات السنين بمحاولات جبّارة لدراسة الأحكام الشرعية من أوامر ونواهي وتنظيم العناوين والمناهج
__________________
(1) نزهة الناظر : 7 ـ 8.

الفقهية التي درسناها آنفاً. وليس لنا إلاّ أن نقف وقفة إجلال وإكبار لذلك الفيض العلمي العظيم وذلك الإنتاج الغزير وتلك الشخصيّات العظيمة التي أفنت مهجها من أجل إبقاء جذوة معارف الإسلام على مذهب أهل البيت عليهم‌السلام حيّة مشتعلة حتّى قيام الساعة. والحمد لله ربِّ العالمين.

المصادر
1 ـ القرآن الكريم.
2 ـ أجوبة المسائل المهنائية : للعلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف (ت 726 هـ) ، مطبعة الخيّام ـ قم / إيران 1401 هـ.
3 ـ إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان : للعلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن المطهّر (ت 726 هـ) ، جماعة المدرّسين ـ قم / إيران 1410 هـ.
4 ـ أمالي الصدوق : للشّيخ أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه (ت 381) ، مؤسّسة الأعلمي ـ بيروت / لبنان 1400 هـ.
5 ـ الأمالي : للشّيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النّعمان (ت 413 هـ) ، المجلّد الثالث عشر ، المؤتمر العالمي لألفيّة الشّيخ المفيد ـ قم / إيران 1413 هـ.
6 ـ الانتصار لما انفردت فيه الإمامية : للسيّد المرتضى عليّ بن الحسين (ت 436 هـ) ، الشريف الرضي ـ قم / إيران 1391 هـ.
7 ـ إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد : لفخر المحقّقين الشّيخ محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي (ت 771 هـ) ، المطبعة العلمية ـ قم / إيران 1387 هـ.
8 ـ جامع المقاصد في شرح القواعد : للشّيخ عليّ بن الحسين الكركي (ت 940 هـ) ، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم / إيران 1408 هـ.
9 ـ الجُمل والعقود : للشّيخ الطّوسي (ت 460 هـ) ، تحقيق : محمّد واعظ زاده الخراساني ، ضمن كتاب (رسائل الشّيخ الطّوسي) ، جامعة المدرّسين ـ قم / إيران.
10 ـ جوابات المسائل الميافارقيّات : للسيّد المرتضى علم الهدى عليّ بن الحسين (ت 436 هـ) ، ـ مجمع الذخائر الإسلامية ـ قم / إيران 1425 هـ.
11 ـ جواهر الفقه : لعبد العزيز بن البرّاج الطّرابلسي (ت 481 هـ) ، جماعة المدرّسين ـ قم / إيران 1411 هـ.
12 ـ جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام : للشّيخ محمّد حسن الجواهري (ت 1266 هـ) ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت / لبنان 1981م.
13 ـ حاشية إرشاد الأذهان : للشّهيد الثاني زين الدّين العاملي (ت 966 هـ) ، بوستان كتاب ـ قم / إيران 1428 هـ.
14 ـ حاشية شرائع الإسلام : للشّهيد الثاني زين الدين بن عليّ العاملي (ت 965 هـ) ، بوستان كتاب ـ قم / إيران 1422 هـ.
15 ـ الحاشية على الروضة البهية : للشّيخ أحمد بن محمّد مهدي النراقي (ت 1245 هـ) ، جماعة المدرّسين ـ قم / إيران 1425 هـ.
16 ـ الحاشية على مدارك الأحكام : للمولى محمّد باقر البهبهاني (ت 1205 هـ) ، مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم / إيران 1419 هـ.
17 ـ الخلاف : للشّيخ محمّد بن الحسن الطّوسي (ت 460 هـ) ، جماعة المدرّسين ـ قم / إيران 1407 هـ.
18 ـ الدّروس الشرعية في فقه الإمامية : للشّهيد الأوّل محمّد بن مكّي (ت 786 هـ) ، جماعة المدرّسين ـ قم / إيران.
19 ـ ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة : للشّهيد الأوّل محمّد بن جمال الدّين العاملي (ت 786 هـ) ، مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم / إيران 1419 هـ.
20 ـ رسائل المحقّق الكركي : للشّيخ عليّ بن الحسين الكركي (ت 940 هـ) ، مكتبة المرعشي النجفي ـ قم / إيران 1409 هـ.
21 ـ رسالة الإشراف : للشّيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النّعمان (ت 413 هـ) ، المجلّد التّاسع ، المؤتمر العالمي لألفيّة الشّيخ المفيد ـ قم / إيران 1413 هـ.
22 ـ الرسالة السعدية : للعلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف (ت 726 هـ) ، تحقيق : عبد الحسين محمّد عليّ البقّال ، مكتبة السيّد المرعشي ـ قم / إيران 1410 هـ.
23 ـ رسالة (أجوبة المسائل) ضمن كتاب (رسائل الشّهيد الثاني) : لزين الدين بن عليّ (ت 965 هـ) ، إحياء التراث الإسلامي ـ قم / إيران 1421 هـ.
24 ـ رسالة (تحريم الفقاع) : للشّيخ الطّوسي محمّد بن الحسن (ت 460 هـ) ، ضمن كتاب (الرسائل العشر) ، جماعة المدرّسين ـ قم / إيران.
25 ـ رسالة (مسألة أُخرى في النصِّ على عليّ عليه‌السلام) : للشّيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النّعمان (ت 413 هـ) ، المجلّد السابع ، المؤتمر العالمي لألفية الشّيخ المفيد ـ قم / إيران 1413 هـ.
26 ـ رسالة (المسح على الرجلين) : للشّيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النّعمان (ت 413 هـ) ، المجلّد التاسع ، مؤتمر ألفية الشّيخ المفيد ـ قم / إيران 1413 هـ.
27 ـ رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدلائل : للسيّد عليّ ابن السيّد محمّد عليّ الطباطبائي (ت 1231 هـ) ، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام ـ قم / إيران 1418 هـ.
28 ـ شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام : للشّيخ أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن المشهور بالمحقّق الحلّي (ت 676 هـ) ، دار الأضواء ـ بيروت / لبنان 1403 هـ.
29 ـ العروة الوثقى : للسيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي (ت 1337 هـ) ، مدينة العلم ـ قم / إيران 1414 هـ.
30 ـ غُنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع : للسيّد حمزة بن عليّ بن زهرة الحلبي (ت 585 هـ) ، تحقيق : إبراهيم البهادري ، مؤسّسة الإمام الصّادق عليه‌السلام ـ قم / إيران 1418 هـ.
31 ـ قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام : للعلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف (ت 726 هـ) ، جماعة المدرّسين ـ قم / إيران 1413 هـ.
32 ـ القواعد الفقهية : للميرزا حسن الموسوي البجنوردي (ت هـ) ، إسماعيليان ـ قم / إيران 1413 هـ.
33 ـ القواعد والفوائد في الفقه والأصول والعربية : للشّهيد الأوّل محمّد بن مكّي (ت 786 هـ) ، تحقيق : السيّد عبد الهادي الحكيم مكتبة المفيد ـ قم / إيران.
34 ـ كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي : لأبي جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي (ت 598 هـ) ، جماعة المدرّسين ـ قم / إيران 1410 هـ.
35 ـ كشف اللثام عن قواعد الأحكام : للشّيخ محمّد بن الحسن الأصفهاني المعروف بالفاضل الهندي (ت 1137 هـ) ، جماعة المدرّسين ـ قم / إيران 1416 هـ.
36 ـ اللمعة الدمشقية : للشّهيد الأوّل محمّد بن جمال الدين بن مكّي العاملي (ت 786 هـ) ، ضمن موسوعة الينابيع الفقهية ، الدار الإسلامية ـ بيروت / لبنان 1990م.
37 ـ المبسوط في فقه الإمامية : للشّيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطّوسي (ت 460 هـ) ، المطبعة الحيدرية ـ طهران / إيران 1387 هـ.
38 ـ مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان : للمولى أحمد الأردبيلي (ت 993 هـ) ، جماعة المدرّسين ـ قم / إيران 1402 هـ.
39 ـ المختصر النافع في فقه الإمامية : للمحقّق الحلّي نجم الدين جعفر بن الحسن (ت 676 هـ) ، دار الكتاب العربي ـ القاهرة / مصر.
40 ـ المسائل العكبرية : للشّيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النّعمان (ت 413 هـ) ، المجلّد السّادس ، المؤتمر العالمي لألفيّة الشّيخ المفيد ـ قم / إيران 1413 هـ.
41 ـ مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام : للشّهيد الثاني زين الدين بن عليّ العاملي (ت 965 هـ) ، مؤسّسة المعارف الإسلامية ـ قم / إيران 1413 هـ.
42 ـ مصباح الفقيه : للشّيخ رضا بن محمّد هادي الهمداني (ت 1322 هـ) ، المؤسّسة الجعفرية لإحياء التراث ـ قم / إيران 1417 هـ.
43 ـ مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاّمة : للسيّد محمّد جواد العاملي (ت 1226 هـ) ، دار التراث ـ بيروت / لبنان 1417 هـ.
44 ـ المقنعة : للشّيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان (ت 413 هـ) ، جماعة المدرّسين ـ قم / إيران 1410 هـ.
45 ـ المكاسب : للشّيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ) ، المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشّيخ الأنصاري ـ قم / إيران 1415 هـ.
46 ـ منتهى المطلب : للعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) ، تحقيق : مجمع البحوث الإسلامية ـ مشهد / إيران 1412 هـ.
47 ـ المهذّب في الفقه : للقاضي عبد العزيز بن البرّاج الطرابلسي (ت 481 هـ) ، جماعة المدرّسين ـ قم / إيران 1406 هـ.
48 ـ الناصريّات : للسيّد الشريف المرتضى علم الهدى عليّ بن الحسين بن موسى (ت 436 هـ) ، مركز البحوث والدراسات العلمية ـ طهران / إيران 1417 هـ.
49 ـ نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر : ليحيى بن سعيد الحلّي (ت 690 هـ) ، مطبعة الآداب ـ النجف / العراق 1386 هـ.
50 ـ نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية : للمقداد بن عبد الله السيوري الحلّي (ت 826 هـ) ، مكتبة المرعشي النجفي ـ قم / إيران 1403 هـ.
51 ـ النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى : للشّيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطّوسي (ت 460 هـ) ، دار الكتاب العربي ـ بيروت / لبنان 1970م.
52 ـ الوسيلة إلى نيل الفضيلة : للشّيخ محمّد بن عليّ الطّوسي المعروف بابن حمزة (من أعلام القرن السّادس) ، مكتبة المرعشي النجفي ـ قم / إيران 1408 هـ.
53 ـ وسيلة النجاة : للسيّد أبو الحسن الموسوي الإصفهاني (ت 1365 هـ) ، دار التّعارف ـ بيروت / لبنان 1977م.
54 ـ وسيلة النجاة : للميرزا محمّد حسين الغروي النائيني (ت هـ) ، المطبعة العلوية ـ النجف / العراق 1342 هـ.



المصدر: زهير الأعرجي - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
1174
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :