معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

تاريخ النظرية الرجالية في المدرسة الإمامية ..

تاريخ النظرية الرجالية في المدرسة الإمامية

بسـم الله الرحمن الرحـيم

مقدّمة :
ابتدأ علم الرجال بإدراج أسماء الرواة ، وتطوّر خلال السنين الطويلة ليصبح علماً يبحث عن شخصية الراوي ، وصفاته في الصدق أو الكذب ، وطبيعة محيطه الاجتماعي والعقائدي ، ومدى صلته بالإمام المعصوم عليه‌السلام. بمعنى أنّ النظرية الرجالية بدأت تبحث عن الراوي من حيث شخصيته في الصدق والكذب ، ومنشأه الاجتماعي ، ومنزلته العلمية أكثر من كونه اسماً مجرّداً في قائمة أسماء.
وفي ما يلي عدد من المباني الأساسية في علم الرجال :
1 ـ إنّ القاعدة العامّة في علم الرجال ، هي أنّ الراوي الممدوح يُعمل بروايته ، بينما تُهمل رواية الراوي الذي ورد فيه ذمّ أو قدح.
2 ـ فساد المذهب لا يتعارض مع التوثيق. فالأصل أن يكون الراوي صادقاً في نقل الحديث بأمانة. ولذلك أخذ الفقهاء بالرواة من مذاهب مختلفة فاسدة كالواقفية والفطحية ، بشرط لم يثبت عليهم الكذب ، وأنّهم

رووا الحديث وقت استقامتهم. أي أنّ الأصل في علم الرجال هو : قبول الخبر ، لا قبول الشهادة.
3 ـ فرّق علماء الرجال بين المجهولين والمهملين.
فالمراد من (المجهول) هو : من صرّح أئمة الرجال فيه بالمجهولية ، وهو : أحد الفاظ الجرح.
والمراد من (المهمل) هو : من عنونه أئمّة الرجال ولم يضعّفوه ، بل لم يذكر فيه مدح ولا قدح.
وقد بدأ الاهتمام بأسماء المهملين عند الفقهاء المتأخّرين إلى درجة أنّ ابن داوُد الحلّي (ت 707 هـ) كان يعمل بخبرهم كالممدوحين.
4 ـ إنّ النظرية الحديثة في علم الرجال ، هي : الاجتهاد في التوثيقات بناءً على الأُسس العلمية المتّفق عليها بين الفقهاء.

الفصل الأوّل
طبيعة نقل الحديث والسنّة
مقدّمة :
كانت جامعة علوم أهل البيت عليهم‌السلام قاعدة ثابتة للعلم الرجالي. فمن حوزتها انطلقت الشرارة التأسيسية لبناء علم الحديث رواية ودراية على أيادي الشيخ النجاشي (ت 450 هـ) ، وشيخ الطائفة الطوسي (ت 460 هـ). وبقي فقهاء الشيعة يتدارسون الحديث تدقيقاً وتحقيقاً ، ويتكلّمون فيه سنداً ودلالة. ومن أجل ذلك وغيره ، اختلف الفقهاء المجتهدون في الفتيا ؛ لاختلافهم في مدلول الروايات ، أو صحّة سندها.
فالفقيه لا يستطيع ـ عند ممارسته عملية استنباط الحكم الشرعي ـ الاعتماد على مطلق الأخبار الواردة في الكتب الروائية ، خصوصاً بعد ابتعاده عن عصر النصوص الشرعية. فكان عليه انتقاء ما يعتبره حجّة شرعية وما يفيد الاطمئنان بصدوره عن المعصوم عليه‌السلام ؛ ولذلك ألزم المجتهد نفسه في عصر الاستدلال على التمييز بين الثقات العدول من الرواة عن غيرهم من الضعفاء والمجاهيل.
فكان علم الرجال أحد الأدوات الرئيسية في الاستدلال على صحّة الرواية عن طريق استقصاء القرائن والأمارات ، على كون الراوي أو الذي يروي عنه ثقة ، مؤتمن على حمل الرواية ، ونقلها للأجيال المتعاقبة ، دون التورّط في الكذب ، أو التغيير ، أو التحوير ، أو كلّ ما يمسّ جوهر الحديث من سوء.

وتنبع أهمّية علم الرجال من نكتة مفادها : إنّ أغلب الأحكام التي بين أيدينا إنّما وصلت إلينا عبر روايات مسندة بأسانيد غير مقطوعة الصحّة ولا الاعتبار. بل يحتاج الصحيح منها إلى : نظر ، وتنقيح ، ودقّة في معرفة صحة الطريق إلى الرواية ، حتّى نستطيع ـ شرعاً ـ العمل بمقتضاها ، وأداء وظيفتنا الشرعية ، التي كُلفنا بها من قبل المولى عزّ وجلّ.
طبيعة نقل الحديث والسنّة على ضوء متغيّرات الزمان والمكان :
لم تكن عملية نقل الحديث خلال القرون العديدة الماضية بالعمل الميسور ، بل إنّها واجهت اضطراباً خطيراً بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإصرار الخلفاء الثلاثة على منع كتابة الحديث ؛ مخافة اختلاطه بالقرآن. وهذا الزعم كان مجرّد تبرير ؛ لحذف الأحاديث المساندة للولاية الشرعية لأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام.
العقبات التي وقفت بوجه نقل الحديث الصحيح :
ونظرة معمّقة إلى التاريخ واستقراءً لمعانيه ، نلحظ أنّ عملية نقل السنّة المطهّرة قد واجهت مشاكل جمّة تمثّلت في ثلاثة أبعاد مهمّة وهي :
أ ـ البعد الاجتماعي : ونبحث فيه شخصية الراوي وصدقه أو كذبه.
ب ـ البعد الثقافي : ونبحث فيه اختلاف العقائد المذهبية للرواة ووجود العوام بينهم.
ج ـ البعد السياسي : ونبحث فيه المنع المتعمّد لتدوين الحديث الشريف.
وما لم تتوفّر إحاطة تامّة بتلك الأبعاد فإنّنا لا نستطيع ، وبعد أكثر من

أحد عشر قرناً على انتهاء عصر النصّ ، من الاطمئنان على صحّة الروايات التي وردتنا من يد إلى يد خلال تلك الحقبة الطويلة من الزمن ، وطالما كان الابتعاد عن زمن النصّ كبيراً ، كان توثيق رجال الرواية صعباً. فهناك من وُثِقَ بهم واعتُمِدَ عليهم في النقل ، وهناك من طُعن فيهم ولم يعتمد عليهم ، وهناك من لم يعلم حالهم ، وهم المجاهيل الذين لا بدّ من النظر في أمرهم من حيث التوثيق أو عدمه.
أ ـ البعد الاجتماعي :
ونتناول هنا شخصية الراوي ، فشخصية الراوي مهمّة في نقل الحديث ، والصدق والكذب صفتان تطرءان على الإنسان ، تبعاً للمصالح والميول. وقد تنبّأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بتغيّر المصالح والميول ، فتتغيّر عندها طبيعة النقل ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ستكثر بعدي القالة علىَّ»(1).
ولا شكّ أنّ البحر الاجتماعي تتلاطم على سطحه الكثير من المفاهيم والمصالح المتضاربة ، وإلى ذلك أشار أمير المؤمنين عليه‌السلام ، عندما سئل عن طبيعة الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأجاب : «إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلاً ، وصدقاً وكذباً ، وناسخاً ومنسوخاً ، وعامّاً وخاصّاً ، ومحكماً ومتشابهاً ، وحفظاً ووهماً. وقد كذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على عهده ، حتّى قام خطيباً فقال : أيّها الناس ، قد كثرت عليّ الكذّابة. فمن كُذِبَ علىّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار. ثمّ كذب عليه من بعده ...»(2).
فكان أبو هريرة الدوسي «أكذب الناس على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)» ، كما
__________________
(1) المعتبر 1 / 29 المقدمة.
(2) أُصول الكافي 1 / 50 ح 1 باب اختلاف الحديث.

روي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام(1).
وكان من الكذّابين : سمرة بن جندب ، ومحمّـد بن عكاشة الكرماني ، وأحمد بن عبدالجوبياري. بل إنّ عبـد الكريم بن أبي العوجاء عندما أمر أمير البصرة (محمّـد بن سليمان) بقتله ، وأيقن بالموت ، قال : «والله لقد وضعتُ فيكم أربعة آلاف حديث ، أحرّم فيها الحلال ، وأحلّ فيها الحرام ، ولقد فطّرتكم في يوم صومكم ، وصوّمتكم في يوم فطركم»(2).
ومع أنّ ابن أبي العوجاء قد بالغ في قضية وضع الحديث ، وهو الذي كذّب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكيف نصدّق حديثه هذا؟! إلاّ أنّ هناك دلالة نستفيدها من كلامه وهي ضخامة مشكلة الوضع في الروايات.
ولا شكّ أنّ الوضع الاجتماعي لبعض الرواة يتطلّب دراسة أدقّ وأعمق لميولهم وأهدافهم الاجتماعية ، ويتطلّب أيضاً دراسة أكثر عمقاً للأسباب التي أدّت بالمدرسة السنّية إلى الأخذ بعدالة الصحابة جميعاً ، مع العلم بفسق البعض منهم.
فأعلن ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) اتفاق أهل السنّة «على أنّ الجميع عدول ، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة»(3).
وذهب الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) إلى أنّ «عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم ، وإخباره عن طهارتهم ، واختياره لهم في نصّ القرآن»(4).
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 4 / 68.
(2) الموضوعات 1 / 37.
(3) الاصابة 1 / 9.
(4) الكفاية في علم الدراية : 46 ، باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة.

بينما زعم ابن الصلاح (ت 643 هـ) بأنّ «للصحابة بأسرهم خصّيصة ، وهي أنّه لا يسأل عن عدالة أحد منهم ، بل ذلك أمر مفروغ منه ؛ لكونهم على الإطلاق معدَّلين بنصوص الكتاب والسنّة وإجماع من يعتدّ به في الإجماع من الأمّة»(1).
إلاّ أنّ هذا التظاهر بعدالة جميع الأصحاب في المدرسة السنية لم يكن لينطلي على جميع العلماء والمحقّقين ، فقد برز من الفقهاء في المدرسة السنّية من قام بالتمييز بين المجروحين والمعدَّلين ، وبين الضعفاء والمتروكين ، وبين الأحاديث الموضوعة والصحيحة ، كالسيوطي (ت 911 هـ) الذي صنّف كتاب اللآلى المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ، وأبو فضل المقدسي (ت 507 هـ) مصنّف كتاب تذكرة الموضوعات ، وابن الجوزي (ت 597 هـ) مصنّف كتاب الضعفاء والمتروكين ، والرازي (القرن الرابع الهجري) مصنّف كتاب الجرح والتعديل.
مواجهة أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام لظاهرة الكذب في الرواية :
واجه أئمّة أهل بيت الهدى عليهم‌السلام ظاهرة الكذب ، ووضعوا لمعالجتها الضوابط الشرعية ، التي ألزمتنا بأخذ الروايات من الثقات ، فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تنبّأ بظهور الدسّ والوضع في الحديث ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم)محذِّراً : «... فمن كذب علىَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار ...»(2).
بينما وضع أمير المؤمنين عليه‌السلام منهجاً في الإسناد ، فقال : «إذا حدّثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدّثكم ، فإن كان حقّاً فلكم ، وإن كان كذباً
__________________
(1) مقدّمة ابن الصلاح : 174.
(2) أُصول الكافي 1 / 50 ح 1 باب اختلاق الحديث.

فعليه»(1).
في حين وصف الإمام الصادق عليه‌السلام طبيعة المصاعب التي تعتري نقل الحديث فقال عليه‌السلام : «إنّا أهل بيت صدّيقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا ، ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس ...»(2).
وقد فصّل الإمام الكاظم عليه‌السلام هؤلاء الكذّابين وعصورهم ، فقال : «ما أحد اجترأ أن يتعمد الكذب علينا إلاّ أذاقه الله حرّ الحديد ، وإنّ (بياناً) كذب على (علي بن الحسين) عليه‌السلام ، فأذاقه الله حرّ الحديد ، وإنّ (المغيرة بن سعيد) كذب على (أبي جعفر) عليه‌السلام ، فأذاقه الله حرّ الحديد ، وإنّ (أبا الخطّاب) كذب على أبي جعفر الصادق عليه‌السلام فأذاقه الله حرّ الحديد ، وإنّ (محمّـد بن بشير) لعنه الله يكذب علىَّ ، برئت إلى الله منه ...»(3).
وينقل محمّد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس بن عبد الرحمن : إنّ يونس قد سأله بعض الأصحاب : «يا أبا محمّد ، ما أشدّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا ، فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟! فقال : حدّثني هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبـد الله عليه‌السلام يقول : لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة ، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة. فإنّ (المغيرة بن سعيد) لعنه الله دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي ، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسنّة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ فإنّا إذا حدّثنا قلنا : قال الله عزّ وجلّ ، وقال
__________________
(1) أُصول الكافي 1 / 42 ح 7 باب رواية الكتب والحديث.
(2) رجال الكشي رقم 174.
(3) رجال الكشي رقم 909.

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
قال يونس : وافيت العراق ، فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه‌السلام ، ووجدت أصحاب أبي عبـد الله عليه‌السلام متوافرين ، فسمعت منهم ، وأخذت كتبهم ، فعرضتها من بعد على (أبي الحسن الرضا) عليه‌السلام ، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون أحاديث أبي عبـد الله عليه‌السلام ، وقال لي : إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبـد الله عليه‌السلام ، لعن الله أبا الخطاب ، وكذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبـد الله عليه‌السلام ؛ فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن ، فإنّا إن تحدّثنا حدّثنا بموافقة القرآن ، وموافقة السنّة ، إنّا عن الله وعن رسوله نحدّث ، ولا نقول : قال فلان وفلان ؛ فيتناقض كلامنا. إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا ، وكلام أوّلنا مصادق لكلام آخرنا. فإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه ، وقولوا : أنت أعلم وما جئت به ، فإنّ مع كلِّ قول منّا حقيقة وعليه نوراً ، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك من قول الشيطان»(1).
الدلالات :
ويمكننا استخلاص بعض الدلالات المهمّة :
1 ـ إنّ للكذب أسباباً اجتماعية يغرق في بحرها الراوي الكاذب ، منها :
أ ـ الحصول على المال والجاه من قبل السلطة خصوصاً زمن معاوية بن أبي سفيان ، حيث أصبح وضع الحديث ـ بهدف تقوية سلطان
__________________
(1) رجال الكشي رقم 401.

بني أُميّة ـ يدرُّ مالاً وفيراً لم يحلم به أحد من قبل.
ب ـ الحصول على المنـزلة والقبول الاجتماعي ، فلو ادّعى شخص أنّه سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حديثاً فرواه ، كان له مقعد اجتماعي متميّز في التاريخ أو هكذا يعتقد ، وهكذا كان الأمر مع أبي هريرة الدوسي وغيره من الوضّاعين.
ج ـ الانحراف في العقيدة ، وما يريده الراوي الكاذب هو تخريب عقائد الناس عبر بثّ الأحاديث الكاذبة بينهم ، كما قال عبـد الكريم بن أبي العوجاء قبل مقتله ، وكما كان يعمل أبو الخطاب ، والمغيرة بن سعيد ، ومحمّـد بن بشير ونحوهم.
2 ـ إنّ نظرية عدالة جميع من صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون التمييز بين المجروحين والمعدَّلين ، وبين الضعفاء والمتروكين ؛ تركت آثارها السلبية على مدرسة المذاهب الأربعة.
والحقّ أنّ وقوف فقهاء أهل البيت عليهم‌السلام بوجه تلك النظرية يعدُّ من أعظم الإنجازات العلمية التي تحقّقت في غربلة الأحاديث الصحيحة من الموضوعة في تاريخنا الإسلامي.
3 ـ إنّ صفة الكذب وعلاقتها ببعض الرواة قد استشرى في جميع المذاهب الإسلامية ، فكان لا بدّ من نشوء علم الرجال ؛ لدراسة طبيعة الرواة وشخصيّاتهم من حيث الصدق والكذب ، وميزان الوثاقة.
ب ـ البعد الثقافي :
كان الوضع الثقافي في القرنين الثاني والثالث الهجريّين محكوماً ـ على الأغلب ـ بالقرآن المجيد والحديث الشريف ، وكان عدد المؤمنين

بولاية أهل البيت عليهم‌السلام كبيراً. فإذا كان عدد أصحاب الامام الصادق عليه‌السلام ، ممّن رووا عنه ، أكثر من أربعة آلاف راو ، ذكرها الشيخ الطوسي في رجاله ، عندها نعلم بأنّ الوضع الاجتماعي الحاكم ، كان وضعاً إسلاميّاً متشرّعاً على الأغلب.
ومع ذلك كان هناك عدد من الناس ممّن كان يستمع إلى أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ولكنّهم كانوا يعتقدون بمذاهب العامّة أو مذاهب أُخرى فاسدة ، كالفطحية ، والواقفية ، والناووسية ، ونحوها. وكان هناك عدد من العوام ممّن رووا الرواية.
فكان وهب بن وهب عامّياً ، ضعيفاً ، متروك الحديث(1). وكان عمّار الساباطي ضعيفاً ، فاسد المذهب(2). وكان أحمد بن هلال ضعيفاً ، فاسد المذهب(3). وتلك الأسماء نماذج حملها لنا التاريخ للحكاية عن الوضع الاجتماعي العام في أمّة المسلمين.
وكان الأصل في الأخذ بالحديث ، هو : أن يكون الراوي صادقاً ، مهما كان مذهبه أو عقيدته أو درجة علمه.
قال الشيخ الطوسي : «وأمّا العدالة المراعاة في ترجيح أحد الخبرين على الآخر ، فهو أن يكون الراوي معتقداً للحقّ ، مستبصراً ، ثقة في دينه ، متحرّجاً عن الكذب ، غير متّهم فيما يرويه»(4).
كان فقهاء الشيعة في القرون الهجرية الأُولى على درجة عظيمة من
__________________
(1) الاستبصار 1/48 ح 134.
(2) الاستبصار 1/372 ح 1413.
(3) الاستبصار 3/28 ح 90.
(4) عدّة الاصول 1 / 379.

الوعي لوضع الرواة ، وقد لخّص الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) ذلك في عُدّة الأُصول ، فقال : «إنّا وجدنا الطائفة ميّزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار ، فوثّقت الثقات منهم ، وضعّفت الضعفاء ، وفرّقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته ومن لا يعتمد على خبره ، ومدحوا الممدوح منهم ، وذمّوا المذموم ، وقالوا : فلان متّهم في حديثه ، وفلان كذّاب ، وفلان مخلّط ، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد ، وفلان واقفي ، وفلان فطحي ، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها ، وصنّفوا في ذلك الكتب واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم ، حتّى أنّ واحداً منهم إذا أنكر حديثاً نظر في إسناده وضعفه بروايته ، هذه عادتهم على قديم الوقت وحديثه ، لا تنخرم»(1).
وكان الفقهاء عند توثيقهم أحد الرواة يستخدمون اللغة الجميلة الواضحة ، مثلاً : يقول الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) في توثيق الشيخ الصدوق (ت 329 هـ) : «كان جليلاً ، حافظاً للأحاديث ، بصيراً بالرجال ، ناقداً للأخبار»(2).
ومع أنّ أتباع أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام لم يكونوا قلّة ، بل كانوا من الكثرة بحيث كانت ثقافة آل البيت عليهم‌السلام هي الحاكمة في المجتمع ، إلاّ أنّ الحرّية الفكرية التي جاء بها الإسلام ، استغلّتها شريحة من الناس ؛ فتمذهبت بمذاهب شتّى ، واتّبعت نحل وأفكار مختلفة.
فمنهم من آمن بإمامة محمّـد بن الحنفية (الكيسانية)(3) ، ومنهم من
__________________
(1) عدّة الأُصول 1 / 366.
(2) الفهرست ـ الشيخ الطوسي ـ : 495.
(3) الملل والنحل 1 / 147 ، والفرق بين الفِرق : 23.

آمن بإمامة زيد بن علي بن الحسين عليه‌السلام (الزيدية والجارودية والسليمانية)(1) ، ومنهم من آمن بأنّ الإمام الصادق عليه‌السلام هو مهدي هذه الأمّة (الناووسية)(2) ، ومنهم من آمن بإمامة إسماعيل بن الإمام الصادق عليه‌السلام(الإسماعيلية)(3) ، ومنهم من آمن بإمامة عبـد الله الأفطح بن الإمام الصادق عليه‌السلام (الفطحية)(4) ، ومنهم من زعم بأنّ الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلامهو المهدي (الواقفية)(5) ، ومنهم من زعم بإلوهية الإمام الصادق عليه‌السلام(الخطابية)(6) ، ومنهم من زعم بإمامة محمّـد بن عبـد الله بن الحسن (المغيرية)(7) ، وكثير غيرهم ممّن ادّعى ما ليس له ، وانحرف عن الجادّة ، وزاغ عن شريعة سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد ورد ذمّ أبي الجارود في روايات رجال الكشي(8).
وورد لعن أبي الخطاب على لسان الإمام الصادق عليه‌السلام وقال : «اللّهمّ أذقه حرّ الحديد»(9).
قال الشهرستاني : «إنّ أبا الخطاب عزى نفسه إلى أبي عبـد الله جعفر بن محمّـد الصادق عليهما‌السلام ، ولمّا وقف الصادق على غلوّه الباطل في حقّه ، تبرّأ منه ولعنه وأمر أصحابه بالبراءة منه ، وشدّد القول في ذلك ، وبالغ
__________________
(1) رجال الكشي رقم 104 ، والملل والنحل 1 / 154 ـ 161.
(2) فرق الشيعة : 78.
(3) الملل والنحل 1 / 167 ـ 168.
(4) الملل والنحل 1 / 167 ، وفرق الشيعة : 88 ـ 89.
(5) الملل والنحل 1 / 168 ـ 169.
(6) رجال الكشي رقم 135.
(7) فرق الشيعة : 71 ـ 72.
(8) رجال الكشي رقم 104.
(9) رجال الكشي رقم 509.

في التبرّي منه واللّعن عليه فلمّا اعتزل عنه ، ادّعى الإمامة لنفسه»(1).
وورد لعن المغيرة بن سعيد. فقد روى الكشّي عن الإمام الرضا عليه‌السلام : «كان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر فأذاقه الله حرّ الحديد. وروى عن ابن مسكان ، عمّن حدّثه من أصحابنا ، عن أبي عبـد الله عليه السلام قال : سمعته يقول : لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا»(2).
وهذا الاضطراب من أولئك الرواة في قضايا الاعتقاد يرجع في منشئه إلى خلفية ثقافية ونفسية ضعيفة ، فكان من الرواة من هو عامّي من الذين لا حظّ لهم في القراءة أو الكتابة فضلاً عن العلم بالأحكام أو بأصول المذهب.
فليث بن أبي سليم كان من العوامّ ، قيل فيه : «روى في فضل الصلاة في مسجد الكوفة ، وهو عامّي بلا إشكال»(3). ووهب بن وهب من العوام أيضاً وغيرهم.
والمدار في صحّة نقل الحديث ، هو : الوثاقة ، حتّى لو كان عامّياً ، ولكن الأغلب أنّ العوامّ لا يدركون خطورة التلاعب بنصّ الحديث ؛ ولذلك لا يؤخذ بروايتهم.
والرواة كان منهم الغلاة ومنهم أصحاب المذاهب الفاسدة ، التي تحكي ضيق أفق إدراكهم وحبّهم لذاتهم ، فما أن اختلف مع المعصوم عليه‌السلام
__________________
(1) الملل والنحل 1 / 179 ـ 181.
(2) رجال الكشي رقم 103.
(3) كامل الزيارات : 31 باب 8.

حتّى ادّعى الإمامة لنفسه ، ومنهم من جمع الحقوق الشرعية كـ : (حيّان السراج) واشترى بها العقار والدار ، فلمّا توفّي الإمام عليه‌السلام أنكر موته وأسّس مذهباً لنفسه ؛ حرصاً على المال(1).
وهذا الوضع الصعب سبب مشكلة جديدة ، وهي أنّه جعل بعض الأصحاب والفقهاء يتشدّدون في تدقيق سجلّ الرواة وتوثيقهم ، بحيث أصبح من ينسب الغلوّ إلى الراوي لمجرّد سماع رواية قد لا يدرك معناها ، وهذا تجريح بالثقات من الرواة ، وهو أمر خطير في علم الرجال. وإلى ذلك أشار العلاّمة المامقاني : «إنّه لا بدّ من التأمّل في جرحهم بأمثال هذه الأُمور ومن لحظ مواضع قدحهم في كثير من المشاهير كيونس بن عبـد الرحمن ، ومحمّـد بن سنان ، والفضل بن عمر ، وأمثالهم ، عرف الوجه في ذلك ، وكفاك شاهداً إخراج أحمد بن محمّـد بن عيسى ، وأحمد بن محمّـد بن خالد البرقي من قم. بل عن المجلسي الأوّل : إنّه أخرج جماعة من قم. بل عن المحقّق الشيخ محمّـد بن صاحب المعالم : إنّ أهل قم كانوا يخرجون الراوي بمجرّد توهّم الريب فيه.
فإذا كانت هذه حالتهم وذا ديدنهم ، فكيف يعوّل على جرحهم وقدحهم بمجرّده؟! بل لا بدّ من التروّي والبحث عن سببه والحمل على الصحّة مهما أمكن»(2).
الدلالات :
1 ـ إنّ أجلاّء الطائفة كانوا على درجة كبيرة من الوعي لوضع الرواة
__________________
(1) راجع رجال الكشي رقم 871.
(2) مقباس الهداية : 49.

من ناحية العلم أو الجهل ، صحّة المعتقد أو بطلانه ، الاستقامة أو الفساد ، وكانوا يشيعون ذلك الوعي بين الناس ، فأصبح المجتمع في إطار ثقافة عامّة تميّز الصادق من الكاذب ، إلى درجة أنّ أهل قم كانوا يخرجون الراوي الكاذب أو من يتوّهمون أنّه كاذب من ديارهم ، وكانت تلك قمّة الثقافة الرجالية للمتقدّمين من أهل العلم.
2 ـ إنّ الخلفية الثقافية للراوي قد تكون سبباً في انحرافه عن الجادّة ، فإذا كان الراوي لا يعي حرمة تزوير الحديث عن المعصوم عليه‌السلام ، ولا يدرك عظمة إثم الوضع ؛ أصبح الكذب عنده أمراً مستساغاً ، خصوصاً وأنّ بين الرواة من كان عامّياً أو ادّعى لنفسه الإمامة أو أنكر موت الإمام عليه‌السلام ؛ حرصاً على المال.
3 ـ إنّ مشكلة الكذب والتزوير خلقت مشكلة جديدة ، وهي التشدّد العظيم في سجلّ الرواة ، ممّا أدّى إلى تجريح عدد من الثقات ، وهذا الأمر بحاجة الى مراجعة علمية وتروٍّ ؛ من أجل الوصول إلى الأسباب الداعية إلى التجريح وتصحيحها.
ج ـ البعد السياسي :
وبالتأكيد فإنّ الوضع السياسي بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن ليسمح بازدهار نقل الحديث الصحيح ، فقد أحرق الخليفة الأوّل بعض كتب الحديث ، وبضمنها خمسمائة حديث كان قد جمعها هو من أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(1). بينما أحرق الخليفة الثاني جميع كتب الحديث
__________________
(1) تذكرة الحفاظ 1 / 5 ، النصّ والاجتهاد : 51.

المتداولة بحجّة اختلاطها بالقرآن. وهي من أوهن الحجج ؛ لاختلاف أُسلوب كلام الخالق عن كلام المخلوق (صلى الله عليه وآله وسلم).
و «هو سبب لا يقتنع به عاقل عالم ، ولا يقبله محقّق دارس. اللّهم إلاّ إذا جعلنا الأحاديث من جنس القرآن في البلاغة ، وأنّ أُسلوبها في الإعجاز من أُسلوبه! هذا ممّا لا يقرّه أحد حتّى ولا الذين جاؤوا بهذا الرأي. إذ معناه إبطال معجزة القرآن وهدم أُصولها من القواعد. على أنّ الأحاديث لو كانت قد كتبت فإنّما ذلك على أنّها أحاديث للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبين الحديث والقرآن ـ ولا ريب ـ فروق كثيرة يعرفها كلّ من له بصر بالبلاغة وذوق في البيان .. فيكون ذلك على أنّها أحاديث ، ويتلقّاها المسلمون على أنّها كلام النبي ، ويظلّ أمرها على ذلك جيلاً بعد جيل ، فلا يدخلها الشوب ، ولا يعتريها التغيير ، ولا ينالها الوضع .. وما لهم يذهبون إلى اختراع الأسباب وابتداع العلل»(1).
وكان من نتائج تلك السياسة أن طالت يد التحريف بعض جوانب السنّة الشريفة. ولولا تصدّي أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام لحفظ السنّة ؛ لآل المصير إلى انهدام الركن الثاني من أركان الشريعة السماوية.
روى البيهقي في سننه عن عبـد الرزاق ، وابن أبي شيبة : إنّ عمران بن الحصين صلّى خلف علي عليه‌السلام فأخذ بيد مطرّف بن عبـد الله ، وقال : لقد صلّى صلاة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولقد ذكرني صلاة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم)(2). وكان الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام يجهر بالبسملة في الصلاة ، وهي من سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فبالغ بنو أُمية في المنع عن الجهر
__________________
(1) أضواء على السنّة المحمّـدية : 27 ـ 28.
(2) سنن البيهقي 2 / 68 ، وأنساب الأشراف 2 / 18 ، وكنـز العمّال 8 / 143.

بها ؛ سعياً في إبطال آثار أمير المؤمنين عليه‌السلام(1).
روى النسائي والبيهقي في سننهما عن ابن عبّاس أنّه كان يقول : اللّهمّ العنهم فقد تركوا السُنن ببغض علي(2).
وهكذا تبدّلت الأحكام ، حتّى تجرّأ ابن الزبير على تقديم الصلاة قبل الخطبة يوم الجمعة.
يقول الإمام عليّ بن الحسين عليهما‌السلام في دعاء يومي الجمعة والأضحى : «اللّهمّ إنّ هذا المقام لخلفائك وأصفيائك ، ومواضع أُمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها ، قد ابتزّوها. حتّى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزّين ، يرون حكمك مبدّلاً وكتابك منبوذاً ، وفرائضك محرّفة عن جهات شرعك ، وسنن نبيّك متروكة»(3).
وقد آمن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأمر بكتابة سنّته ، إلاّ أنّه ندب إلى ذلك كثيراً ، وأملى على علي عليه‌السلام أحاديث كتبها وجمعها في كتاب مُدرج كان عنده ، ثمّ انتقل إلى أولاده الأئمّة عليهم‌السلام.
فقد روى (الحكم بن عيينة) أنّه اختلف مع الإمام الباقر عليه‌السلام في حكم ، فأخرج الإمام عليه‌السلام كتاباً مدروجاً عظيماً ، ففتحه وجعل ينظر حتّى أخرج المسألة منها ، وقال للحكم : «هذا خطّ علي وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)»(4).
وذكر السيّد شرف الدين قدس‌سره : إنّ في كتاب الفرائض من الجزء الرابع
__________________
(1) تفسير النيشابوري بهامش تفسير الطبري 1 / 79.
(2) نقلاً عن تعليقة السندي بهامش سنن النسائي 5 / 253.
(3) الصحيفة السجادية دعاء 48.
(4) رجال النجاشي رقم 966.

في باب (إثم من تبرّأ من مواليه) : «حدّثنا قتيبة ، حدّثنا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التميمي ، عن أبيه ، قال : قال علي عليه‌السلام : ما عندنا كتاب نقرؤه إلاّ كتاب الله ، غير هذه الصحيفة. قال : فأخرجها فإذا فيها أشياء من الجراحات».
ثمّ قال السيّد شرف الدين : «وتراه صريحاً بأن ليس للمسلمين آنئذ كتاب يتلى إلاّ كتاب الله عزّ وجلّ وتلك الصحيفة.
وقد ذكرها صاحب (المشكاة) في (باب الصيد والذبائح) وفي (باب حرم المدينة) فراجع»(1).
ويستقرأ من بعض المصادر أنّ فتاوى أئمّة المذاهب الاجتهادية السنّية قد اختلطت بأحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكأنّها نسبت إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض موارد الاحتجاج التي يعجز فيها صاحب الفتوى من إبراز الدليل.
يقول ابن قدامة في المغني : «يعلم من أدلّة المذاهب : إنّ جلّ الأحاديث التي يحتجّ بها أهل الحديث على أهل الرأي وعلى القياسيّين من علماء الرواية ، هي من أحاديث الآحاد ، التي لم تكن مستفيضة في العصر الأوّل ، أو نُقل عن الصحابة والتابعين خلاف في موضوعها. فعلم بذلك أنّها ليست من التشريع العام ـ الذي جرى عليه عمل النبي وأصحابه ، وليست ممّا أمر النبي أن يبلّغ الشاهد فيه الغائب ـ ، بل كانت ممّا يرد كثيراً في استفتاء مستفت عرضت له المسألة فسأل عنها فأُجيب. ولعلّه لو لم يسأل لكان في سعة من العمل باجتهاده فيها ، ولكان خيراً له وللناس ؛ إذ لو كانت
__________________
(1) مؤلّفو الشيعة : 15. وفتح الباري 7 / 83. ومسند أحمد 3 / 35 ، 44 ، 121 ، 122 ، 131.

من مهمّات الدين ـ التي أراد الله تكليف عباده إيّاها ـ لبيّنها لهم من غير سؤال ، فإنّ الله تعالى أعلم بما هو خيرٌ لهم .. وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يكره كثرة السؤال ونهى عنها ؛ لئلاّ تكون سبباً لكثرة التكاليف فتعجز الأُمّة عن القيام بها ...»(1).
نقل السيوطي في تنوير الحوالك عن القاضي أبي بكر بن العربي : «إنّ مالكاً روى مائة ألف حديث ، جمع منه في الموطّأ عشرة آلاف ، ثمّ لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويخبرها بالآثار والأخبار حتّى رجعت إلى خمسمائة»(2).
ثمّ نقل السيوطي أيضاً في تقريبه عن ابن حزم : إنّه أحصى سبعين حديثاً قد ترك مالك نفسه العمل بها(3).
وقال الليث بن سعد : أحصيتُ على مالك سبعين مسألة وكلّها مخالفة لسنّة الرسول(4).
وألّف الدارقطني جزءً فيما خالف فيه مالك من الأحاديث في موطّأه(5).
وكان من آثار تأخير تدوين الحديث إلى ما بعد المائة الأُولى من الهجرة وصدر كبير من المائة الثانية : أن اتسعت أبواب الوضع بغير ضابط ولا قيد ، واختلط الصحيح بالموضوع من الحديث الشريف.
__________________
(1) مقدمة كتاب المغني 1 / 18 ـ 19.
(2) تنوير الحوالك : 6.
(3) تنوير الحوالك : 8.
(4) جامع بيان العلم وفضله 2 / 148.
(5) أضواء على السنة المحمّـدية : 298.

الدلالات :
1 ـ إنّ عدم كتابة السنّة النبوية الشريفة كان لها مدلولان :
الأوّل : ظاهري ، وهو الزعم باحتمال اختلاط أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالقرآن الكريم. وهذا الاحتمال ضعيف عقلاً وشرعاً ؛ فأُسلوب القرآن الكريم يختلف عن أسلوب الحديث النبوي الشريف ، ومجرّد عرض الاحتمال يعكس عدم التدبّر بكتاب الله المجيد ذاته الذي تحدّى العرب بإعجازه ووعد المرسِل عزّ وجلّ بحفظه إلى يوم القيامة ، بقوله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1).
الثاني : واقعي ، وهو خشية القوم من ذكر فضائل علي عليه‌السلام وأهل البيت عليهم‌السلام ؛ لأنّ في التدوين تثبيت لتلك الفضائل دون شكّ ؛ فينفضح عندها من اغتصب الخلافة من أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام.
2 ـ إنّ عدم كتابة الحديث قد أدّى ـ لاحقاً ، وبعد فترة وجيزة ـ إلى التجرّؤ على الأحكام الشرعية وتبديلها ، كما عمد عبـد الله بن الزبير على تقديم الصلاة على الخطبة يوم الجمعة ، أو ما كان من المبالغة في المنع عن الجهر بالبسملة في الصلاة عند بني أُمية وغيرها.
3 ـ اختلاط أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بفتاوى أئمّة المذاهب الأربعة إلى حدّ أنّ أحدهم (وهو مالك) روى مائة ألف حديث ، ولم يعمل إلا بخمسمائة منها. وفي ذلك تشويش عظيم على شريعة سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم).
__________________
(1) سورة الحجر 15 : 9.

وبالنتيجة :
فإنّ علم الرجال من أشرف العلوم الشرعية ، وإلى ذلك أشار العلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) بأنّ (العلم بحال الرواة من أساس الأحكام الشرعية ، وعليه تبنى القواعد السمعية ، يجب على كلّ مجتهد معرفته وعلمه ، ولا يسوغ له تركه وجهله ، إذ أكثر الأحكام تستفاد من الأخبار النبوية ، والروايات عن الأئمّة المهدية ـ عليهم أفضل الصلاة وأكرم التحيّات ـ فلا بدّ من معرفة الطريق إليهم ، حيث روى مشايخنا ـ رحمهم الله ـ عن الثقة وغيره ، ومن يُعمل بروايته ، ومن لا يجوز الاعتماد على نقله)(1).
__________________
(1) الخلاصة : المقدمة.

الفصل الثاني
المدارس الرجالية في التأريخ الإمامي
مقدّمة :
لا شكّ أنّ التحسّس بضرورة تدوين أسماء الرجال ـ الذين نقلوا أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ـ كان قويّاً ، حتّى في عصر أئمّة الهدى عليهم‌السلام ؛ لئلاّ تضيع على الأجيال القادمة مقاييس التوثيق وتختلط عليهم صفات الرواة. فكان علم الرجال من أوائل العلوم الإسلامية التي اهتمّ بها الأصحاب بشكل استثنائي ، وتشير المصادر الإمامية إلى أنّ «أوّل من أسّس علم الرجال وصنّف فيه هو : أبو محمّـد عبـد الله بن حيّان بن أبجر الكناني (ت 219 هـ) ، صنّف كتاب الرجال كما في فهرس أسماء المصنّفين من الشيعة للنجاشي ، قال : وبيت جبلة بيت مشهور بالكوفة ، وكان عبـد الله واقفاً ، وكان فقيهاً ، ثقة ، مشهوراً ، له كتب منها : كتاب الرجال إلى آخر ما ذكر من أسماء مصنّفاته. ثمّ قال : ومات عبد الله سنة تسع عشرة ومائتين»(1).
وفي ضوء تلك الأفكار ، فإنّنا سنعتبر بداية نشوء علم الرجال في المدرسة الإمامية : القرن الثالث الهجري ، وسوف نتناول الآثار العلمية الرجالية لكلّ قرن ، مع تحليل مقتضب لنتائج كلّ مرحلة تأريخية من تلك المراحل الطويلة.
__________________
(1) تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام : 233.

1 ـ القرن الثالث الهجري :
وفي هذه الفترة المبكّرة بدأ التحسّس الأوّلي بأهمّية درج أسماء الرواة ، والاطمئنان إلى أنّ ما سينقل إلى الأحفاد لا بدّ وأن يستند إلى قواعد كلّية في التوثيق. وأهمّ كتب هذه المرحلة هو كتاب أحمد بن عبـد الله بن أحمد البرقي (من أعلام القرن الثالث الهجري) ، المسمّى بـ : رجال البرقي ولكن الكتاب ينسب أحياناً إلى أحمد بن محمّـد البرقي صاحب المحاسن (ت 274 هـ)(1). وعلى أيّ تقدير فإنّ رجال البرقي يعدّ من أهمّ كتب هذه المرحلة ، حيث وفّق المصنّف فيه إلى ذكر طبقات الرواة من زاوية صحبتهم لكلّ إمام ، ولكنّه لم يتعرّض لتوثيقهم أو تضعيفهم.
ومن ثمار هذه المرحلة كتب رجالية أقلّ أهمّية ، مثل :
1 ـ كتاب الرجال لعبـد الله بن أبجر الكناني (ت 219 هـ) ، المذكور آنفاً.
2 ـ معرفة رواة الأخبار والمشيخة للحسن بن محبوب السرّاد (ت 224 هـ).
3 ـ كتاب الرجال لأبي محمّـد الحسن بن علي بن فضّال الكوفي (ت 224 هـ) من أصحاب الإمام الرضا عليه‌السلام.
4 ـ كتاب الرجال لابنه أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن فضّال الكوفي (من أعلام القرن الثالث الهجري).
5 ـ كتاب المشيخة لأبي محمّـد جعفر بن بشير البجلي الوشّاء
__________________
(1) رجال النجاشي رقم 182.

(ت 280 هـ).
6 ـ كتاب تاريخ الرجال لأحمد بن علي العلوي العقيقي (ت 280 هـ).
7 ـ كتاب رجال الشيعة لعلي بن الحكم النخعي الأنباري (من أعلام القرن الثالث الهجري).
ولأسباب تأريخية فُقدت جميع تلك الكتب ، ولم يصلنا منها إلاّ كتاب رجال البرقي المطبوع مع رجال أبي داود الحلّي. وحتّى رجال البرقي اُختلف في نسبته ، فنسبه البعض إلى البرقي الابن ، وهو : أحمد بن محمّـد بن خالد البرقي. ونسبه آخرون إلى البرقي الأب ، وهو : محمّـد بن خالد البرقي ، كما سنبحثه لاحقاً.
وتكمن أهمّية مصنّفات هذه المرحلة بأنّها صُنّفت أما في زمان حياة الأئمّة عليهم‌السلام ، أو بعد وفاتهم عليهم‌السلام بفترة قصيرة جدّاً. وهذا مهمّ للغاية ؛ لأنّ الجوّ الاجتماعي الحاكم على التوثيق أو التضعيف يجعل من عملية الجرح والتعديل أقرب إلى الواقع الموضوعي من أيّ فترة زمنية أُخرى ، وقد هيّأت هذه المرحلة لفقهاء القرنين الرابع والخامس الهجريّين مادّة علمية هائلة ؛ لتطوير علم الرجال ، وتمحيص ما تمّ تثبيته من جرح وتعديل ، أو تضعيف وتوثيق لرواة الأحاديث.
2 ـ القرن الرابع الهجري :
وقد حمل لنا هذا القرن عدداً محدوداً من الكتب الرجالية إلاّ أنّها على درجة كبيرة في الأهمّية ، منها :

1 ـ كتاب الرجال لحميد بن زياد الدهقان (ت 310 هـ)(1).
2 ـ كتاب الرجال للشيخ أبو العبّاس أحمد بن محمّـد بن سعيد المعروف بابن عقدة (ت 333 هـ). وقد جمع المصنّف فيه أسماء من روى عن الامام جعفر بن محمّـد الصادق عليهما‌السلام وعددهم أربعة آلاف رجل ، أوردهم الشيخ الطوسي في رجاله.
3 ـ كتاب الطبقات لأحمد بن محمّـد القمّي (ت 350 هـ).
ولكن أهمّ الكتب الرجالية المؤلّفة في هذه الفترة كتاب رجال الكشي الموسوم بـ : معرفة الناقلين عن الأئمّة الصادقين عليهم‌السلام لأبي عمرو محمّـد بن عمر بن عبـد العزيز الكشّي (ت 328 هـ) المعاصر لابن قولويه (ت 367 هـ) ومن علماء عصر الغيبة الصغرى ، وكان ذلك الكتاب مثقلاً بالأخطاء ، فقام الشيخ الطوسي بتهذيبه وتجريده من الزيادات وسمّاه بـ : اختيار الرجال ، ثمّ أملاه على تلاميذه في النجف الأشرف سنة 456 هـ(2).
وامتاز كتاب اختيار الرجال بذكره للروايات بأسانيدها الدالّة على أحوال الرواة ، وطبيعتهم ، وما ورد فيهم من قدح أو مدح. إلاّ أنّ كتاب رجال الكشي الأصل لم يصل إلينا ، وما وصل إلينا هو كتاب اختيار الرجال للكشّي للشيخ الطوسي قدس‌سره.
ومن روّاد هذه الفترة أيضاً الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّـد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي (ت 381 هـ). فقد ألّف كتاب المشيخة حيث ذكر فيه مشايخه من الرجال ، وصل عددهم إلى أكثر من مائتي شيخ ، وكتاب المشيخة مطبوع في القسم الأخير من كتاب من
__________________
(1) رجال النجاشي رقم 339.
(2) فرج المهموم : 130.

لا يحضره الفقيه. وله كتاب آخر في الرجال اسمه كتاب المصابيح فيمن روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة عليهم‌السلام (1) ، وقد بوّبه في خمسة عشر باباً فيمن روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الرجال والنساء ، وفيمن روى عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام وبضمنهم سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها‌السلام ، وأسماء الرجال الذين خرجت إليهم التوقيعات من صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
ولا شكّ أنّ تلك الفترة التأريخية في علم الرجال كانت مثقلة بهموم الغيبة والترقّب لظهور الامام القائم (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ، فكان ذلك الترقّب مدعاة لركود التصنيف والتأليف. إلاّ أنّ ذلك الجمود النسبي كان كالهدوء الذي سبق العاصفة. فما أن انتهى هدوء القرن الرابع الهجري ، حتّى هبّت عاصفة القرن الخامس العلمية بما حملته من روح تأسيسية علمية لمباني المدرسة الإمامية. فكان القرن الخامس الهجري من أنشط القرون على الصعيدين العلمي والتأسيسي لمباني المذهب في علوم الفقه والأُصول والرجال.
3 ـ القرن الخامس الهجري :
ويمكن اعتبار هذه الفترة الحاسمة في تاريخ الإمامية بفترة التأسيس العلمي للمدرسة الرجالية ، فقد ألّفت فيها الأُصول الرجالية للطّائفة الإمامية (وهي رجال النجاشي ، واختيار الكشي ، والرجال ، والفهرس للشيخ الطوسي ، والضعفاء المنسوب إلى ابن الغضائري). ومن اعمدة هذه
__________________
(1) رجال النجاشي رقم 1049.

المدرسة شيخان جليلان من مشايخ الطائفة هما : الشيخ أبو العبّاس أحمد بن علي بن العبّاس النجاشي (ت 450 هـ) ، والشيخ أبو جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ).
فقد ألّف النجاشي قدس‌سره فهرسُ أسماءِ مصنّفي الشيعة المشتهر بـ : رجال النجاشي ، ويتّسم الكتاب بالشمولية والتفصيل في كنى الرواة وألقابهم ومنازلهم وأنسابهم ، وقد ذكر المصنّف ترجمة (1269) راوياً مع مصنّفاتهم ، ولمحاً عن حياتهم ، ودرجة وثاقتهم أو ضعفهم ، حسبما اقتضته الإحاطة العلمية بشؤونهم ، والمعروف عند فقهاء الطائفة أنّ كتاب رجال النجاشي كان قد اُلِفَّ بعد تأليف الشيخ لكتابيه رجال الطوسي والفهرست. وفي ضوء ذلك ، نستطيع القول بأنّ رجال النجاشي استدرك النواقص التي وقعت في كتاب الفهرست للشيخ الطوسي.
أمّا الشيخ الطوسي قدس‌سره فقد قام بتحرير ثلاثة كتب رجالية رئيسية ، وهي :
أ ـ الفهرست : وهو كتاب حاول فيه المصنّف ذكر أسماء المؤلّفين الذي اتصل إليهم إسناده ، مع التصريح بثقتهم أو الاكتفاء بذكر مؤلّفاتهم ، وهو يحتوي على ما يزيد من تسعمائة اسم من أسماء المصنّفين أصحاب الكتب والأُصول ، حيث أورد لكلّ من ترجم له كتاباً أو أصلاً ، مصرّحاً في الوقت نفسه بدرجة وثاقة الكتاب أو الأصل.
ب ـ رجال الطوسي : ويسمّى أيضاً بـ : الأبواب ؛ لأنّه رتّب على أبواب بعدد رجال أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ورجال أصحاب كلّ إمام من أئمّة الهدى عليهم‌السلام ، ورجال من لم يروِ عنهم إلاّ بواسطة ، ويتضمّن الكتاب حوالي (8900) اسم على قسمين :

1 ـ من روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو أحد الأئمّة عليهم‌السلام.
2 ـ من لم يروِ عنهم عليهم‌السلام.
وكان الهدف من التأليف : جمع شتاتهم وتمييز طبقاتهم ، لا تمييز الممدوح منهم من المذموم.
ج ـ اختيار معرفة الرجال : ويعدّ هذا الكتاب نسخة منقّحة ومختصرة لكتاب رجال الكشي ، وميزته : هو ربط الروايات بأسانيدها الدالّة على وثاقة الرواة أو عدم وثاقتهم.
وقد أثمرت تلك الفترة عن كتب رجالية أُخرى أقلّ أهمّية من تصنيفات النجاشي والطوسي ، نذكرها لاهمّيتها التأريخية ، وهي :
1 ـ كتاب الاشتمال في معرفة الرجال لأحمد بن محمّـد الجوهري البغدادي (ت 401 هـ).
2 ـ كتاب الفهرس(1) للشيخ أبو عبـد الله أحمد بن عبـد الواحد البزّاز المعروف بابن عبدون (ت 423 هـ) ، وهو من مشايخ النجاشي والطوسي.
3 ـ كتاب رجال ابن الغضائري ، الذي يعدّ من كتب هذه المرحلة ، وقد تضاربت الأقوال على ثبوته وصحّته ؛ وهو مردّد النسبة بين كونه لأحمد بن الحسين بن عبيد الله الغضائري كما هو المشهور ، وكونه لوالده الحسين بن عبيد الله (ت 411 هـ) الذي كان أحد مشايخ النجاشي وشيخ الطائفة.
والكتاب خاص في أسماء الرواة الذين لا يؤخذ بروايتهم ، ولذلك كان الاسم دالاًّ على المسمّى ، فسُمّي بـ : كتاب الضعفاء ، وافتقد هذا الكتاب
__________________
(1) الفهرست ـ للشيخ الطوسي ـ : 28 ـ 29.

حوالي قرنين ونصف من الزمان ، حتّى عثر عليه السيّد أحمد بن طاووس (ت 673 هـ) ، وبعدها كثر النقل عنه لدى الرجاليّين المتأخّرين وبضمنهم السيّد ابن طاووس وتلميذيه : ابن داوُد الحلّي ، والعلاّمة الحلّي. وكان إعجاب السيّد ابن طاووس بـ : كتاب الضعفاء مدعاة لإدراجه ضمن كتابه حلّ الإشكال في معرفة الرجال ، وبقي وضع الكتاب على هذا الشكل مدّة تزيد على ثلاثة قرون حتّى قام الشيخ عبـد الله التستري (ت 1021 هـ) باستخراج جميع عبارات ابن الغضائري في كتاب حلّ الإشكال في معرفة الرجال وفهرسه ضمن ترتيب الحروف الهجائية ، وسمّاه بـ : رجال ابن الغضائري. وهو الكتاب المتداول اليوم.
ولكن عناية القهبائي (من أعلام القرن الحادي عشر الهجري) كرّر ما قام به السيّد ابن طاووس قبل أربعة قرون ، فعمل على إدراج ما كتبه أستاذه الشيخ التستري بما سمّي بـ : رجال ابن الغضائري ضمن موسوعته الرجالية الموسومة بـ : مجمع الرجال.
وهذا الاندفاع ـ في إدراج أو استخراج كتاب ابن الغضائري من الموسوعات الرجالية خلال أربعة قرون من الزمان ـ فيه دلالة على أنّ طبيعة تقوية نسبة الكتاب أو تضعيفها إلى مصنّفها كانت قضية اجتهادية بحتة.
ويبدو من كلام الشيخ الطوسي في مقدّمة كتابه الفهرست أنّ لابن الغضائري كتب رجالية أُخرى بالإضافة إلى كتاب الضعفاء ، فقال شيخ الطائفة في معرض تبريره سبب تأليف كتاب الفهرست : «إنّي لمّا رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرس كتب أصحابنا ... ولم أجد أحداً منهم استوفى ذلك ... إلاّ ما كان قصده أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد ـ رحمه الله ـ فإنّه عمل كتابين ،

أحدهما في المصنّفات ، والآخر ذكر فيه الأُصول واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه. غير أنّ هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من أصحابنا ، واخترم(1) هو ـ رحمه الله ـ وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنهم»(2).
ولا شكّ أنّ ذكر المصنّفات أو الأُصول يرتبط بدرجة ما من درجات وثاقة الراوي ، وهذا التقريب يقوّي الرأي القائل : بأنّ لابن الغضائري كتاباً في أسماء الثقات ، لكنّه تلف مع غيره من الكتب التي تلفت بعد موته رضوان الله عليه.
4 ـ القرن السادس الهجري :
وهذا القرن يمثّل امتداداً لعصر الشيخ الطوسي ونشاطه الدائب في تصنيف الرواة. إلاّ أنّه لم يثمر إلاّ بمصنَّفين ، وهما :
الأوّل : كتاب الفهرست للشيخ منتجب الدين علي بن موفّق الدين عبيد الله بن بابويه القمّي (ت بعد سنة 585 هـ). وهذا الكتاب كان متمّماً لفهرست الشيخ الطوسي ، حيث أورد المصنّف فيه ما فات الشيخ الطوسي من أسماء معاصريه من مصنّفي الإمامية ، وأضاف إليه أسماء المصنّفين الذين صنّفوا بعد وفاة الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) ولحد أكثر من قرن كامل بعد وفاة شيخ الطائفة.
وقد «أدرجه المجلسي في آخر مجلّدات البحار بتمامه.
وعمد إليه الشيخ الحرّ العاملي وفرقه في كتابه أمل الآمل مع ضمّ
__________________
(1) اخترم : مات قبل بلوغه الأربعين.
(2) الفهرست ـ للشيخ الطوسي ـ : 2 المقدمة.

تراجم أُخر استفادها من سائر الاجازات ، كما صرّح بذلك في الأمل.
والسيّد البروجردي رتّبه على الحروف ، وعدّ تراجمه بثلاث وثلاثين وخمسمائة ، وذيلهم بستين ترجمة فاتت المؤلّف»(1).
وقد كان الباعث على تصنيف هذا الكتاب أنّ السيّد الجليل أبي القاسم يحيى بن الصدر المرتضى استدعى المصنّف مخاطباً : «إنّ شيخنا الموّفق السعيد أبا جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي ـ رفع الله منـزلته ـ قد صنّف كتاباً في أسامي الشيعة ومصنّفيهم ، ولم يصنّف بعده شيء من ذلك؟
فأجابه الشيخ منتجب الدين بقوله : لو أخّر الله أجلي وحقّق أملي ؛ لأضفتُ إليه ما عندي من أسماء مشايخ الشيعة ومصنّفيهم ، الذين تأخّر زمانهم عن زمان الشيخ أبي جعفر ـ رحمه الله ـ وعاصروه»(2).
وهكذا كان ، فقد حقّق الله تعالى أمل الشيخ ومدّ في عمره فكتب الفهرست.
ولكن ، يظهر من هذه الوثيقة أنّ فهرست الشيخ منتجب الدين لم يعكس طموحاً علمياً راود المؤلّف نفسه ، بل كان يعبّر عن حاجة اجتماعية ماسّة دعت السيّد أبو القاسم لالتماس الشيخ منتجب الدين للكتابة الرجالية ، وهذا يعكس الفارق العلمي الشاسع بين عصري الشيخ الطوسي والشيخ منتجب الدين.
الثاني : كتاب معالم العلماء لرشيد الدين محمّـد بن علي السروي الشهير بابن شهراشوب (ت 588 هـ). وقد «ألّفه تتميماً لفهرست شيخ
__________________
(1) مصفى المقال : 464.
(2) الفهرست ـ الشيخ منتجب الدين ـ : 5 ـ 6.

الطائفة ، وذكر فيه أنّه زاد عليه نحواً من ثلاثمائة مصنّف»(1).
ويتضمّن الكتاب (1021) ترجمة ، وفي آخرها (فصل فيما جهل مصنّفه) و (باب في بعض شعراء أهل البيت عليهم‌السلام).
ولا شكّ أنّ القرن السادس الهجري عاش تحت مظلّة أفكار شيخ الطائفة وما أسّسه من منابع للفكر الإمامي في حوزة أهل البيت عليهم‌السلام العلمية في النجف الأشرف ، وكانت هيمنة الشيخ العلمية وقدرته الهائلة على استرجاع ما فقد من مصادر عبر كتابات جديدة في علوم الشريعة ، أحد الأسباب التي جعلت الفقهاء الذين جاءوا من بعده ـ ولفترة طويلة ـ لا يتجرّأون على مناقشة آرائه أو تفنيدها.
5 ـ القرن السابع الهجري :
وكان من ثمار هذه الفترة كتابان مهمّان لفقيهين جليلين من فقهاء الحلّة ، حيث أفلت شمس المعرفة قليلاً عن النجف ، وهما : ابن البطريق (ت 600 هـ) ، وابن طاووس (ت 673 هـ). والكتابان هما :
الأوّل : كتاب رجال الشيعة لشمس الدين أبو الحسين يحيى بن الحسن الأسدي الحلّي المعروف بابن البطريق (ت 600 هـ). ويعدّ هذا الكتاب من مصادر ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) في كتاب لسان الميزان ، وجلال الدين السيوطي (ت 911 هـ) في كتابه بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنحاة.
الثاني : كتاب حلّ الإشكال في معرفة الرجال لجمال الدين
__________________
(1) مصفى المقال : 414.

أبو الفضائل أحمد بن موسى بن طاووس الحلّي (ت 673 هـ) ، حيث أدرج فيه كتاب الضعفاء المنسوب لابن الغضائري.
وتنبع أهمّية حلّ الإشكال من أنّه جمع فيه أسماء الرجال المذكورة في المصادر التالية :
1 ـ اختيار رجال الكشي للشيخ الطوسي.
2 ـ الفهرست للشيخ الطوسي.
3 ـ رجال الطوسي.
4 ـ رجال النجاشي.
5 ـ كتاب الضعفاء لابن الغضائري.
6 ـ رجال البرقي.
7 ـ معالم العلماء لابن شهراشوب.
ونستقرئ من مقدّمة الكتاب : إنّ تجربة المصنّف كانت من التجارب الرائدة في حقل تصنيف الرجال.
يقول (رضوان الله عليه) : «وما أعرف أحداً سبقني إلى هذا على مرّ الدهر وسالف العصر ، وقد يكون عذر من ترك أوضح من عذر من فعل ، ووجه عذري ما نبّهت عليه أن الكتاب ملتبس جدّاً ، وفي تدبيره على ما خطر لي بعدٌ عن طعن عدوٍّ ، أو شكُّ وليٍّ ، أو طعنٌ في وليّ ، أو مدح لعدوّ. وذلك مظنّة الاستيناس في موضع التهمة ، والتهمة في موضع الاستيناس ، وبناء الأحكام وإهمالها على غير الوجه ، وهو ردم لباب رحمة ، وفتح لباب هلكة»(1).
__________________
(1) التحرير الطاووسي : المقدّمة.

ولا شكّ أنّ محاولة ابن طاووس هذه تعتبر أوّل محاولة للكتابة الموسوعية في علم الرجال عند الشيعة الإمامية.
6 ـ القرن الثامن الهجري :
وقد حظي هذا القرن بعملاقين من عمالقة الفقه الشيعي في الحلّة وهما :
ابن داوُد الحلّي ، تقي الدين الحسن بن علي بن داوُد (ت 707 هـ) وكتابه الرجالي المعروف بـ : رجال ابن داوُد.
والعلاّمة الحلّي ، جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي بن محمّـد بن المطهّر الأسدي (ت 726 هـ) وكتابه الرجالي الرئيسي المعروف بـ : خلاصة الأقوال في معرفة الرجال ، إضافة إلى كتب رجالية أُخرى.
أ ـ كتاب رجال ابن داوُد :
وقد أثار هذا الكتاب الكثير من الجدل بين الفقهاء ؛ بسبب ما اعتبر فيه من أخطاء وهفوات ، ذكرها كتاب نقد الرجال للسيّد مصطفى التفرشي ، وأحصاها كتاب سماء المقال في تحقيق علم الرجال للشيخ أبو الهدى الكلباسي.
و «المراد بالأغلاط : إنّه كثيراً ما يذكر الكشّي ، ويكون الصواب النجاشي ، أو ينقل عن كتاب ما ليس فيه ، واشتباه رجلين بواحد ، وجعل الواحد رجلين ، أو نحو ذلك من الأغلاط في ضبط الأسماء ، وغير ذلك»(1).
__________________
(1) رجال ابن داوُد ـ مقدمة للسيد محمّـد صادق بحر العلوم ـ : 14.

وقد لخّص الميرزا النوري موقف الفقهاء من الكتاب بالصورة التالية :
«هو أوّل كتاب رتّب فيه الآباء والأبناء على ترتيب الحروف ، وأوّل من جعل لأُصول الكتب الرجالية والحجج : رموزاً تلقّاها الأصحاب بالأخذ والعمل بهما في كتبهم الرجالية ، إلاّ أنّهم في الاعتماد والمراجعة إلى كتابه هذا بين غال ومفرط ومقتصد.
فمن الأوّل : العالم الصمداني الشيخ حسين (ت 984 هـ) والد شيخنا البهائي ، فقال في درايته الموسومة بـ : وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار : وكتاب ابن داوُد رحمه الله في الرجال مغن لنا عن جميع ما صنّف في هذا الفنّ ، وإنّما اعتمادنا الآن في ذلك.
ومن الثاني : شيخنا الأجلّ المولى عبـد الله التستري فقال ـ في شرحه على التهذيب في شرح سند الحديث الأوّل منه في جملة كلام له ـ : ولا يعتمد على ما ذكره ابن داوُد في باب محمّـد بن أُورمة ؛ لأنّ كتاب ابن داوُد ممّا لم أجده صالحاً للاعتماد ؛ لما ظفرنا عليه من الخلل الكثيرة في النقل عن المتقدّمين وفي تنقيد الرجال والتمييز بينهم ، ويظهر ذلك بأدنى تتبّع للموارد التي نقل ما في كتابه منها.
ومن الثالث : جلّ الأصحاب ، فتراهم يسلكون بكتابه سلوكهم بنظائره ، ووصفوا مؤلّفه بمدائح جليلة [كالمحقّق الكركي في إجازته للقاضي الحلّي ، والشهيد في إجازته الكبيرة ...]»(1).
والحقّ ، أنّ ترتيب الكتاب وإدخال عنصر الرموز ولغة الاختزال إلى علم الرجال ممّن لم يسبق ابن داود أحد من علماء الرجال ، وقد كان على
__________________
(1) مستدرك الوسائل 3 / 442.

إدراك ووعي من حجم إنجازه ، فقال في المقدّمة : «... فصنّفت هذا المختصر ، جامعاً لنخب كتاب الرجال للشيخ أبي جعفر ـ رحمه الله ـ والفهرست له ، وما حقّقه الكشّي ، والنجاشي ، وما حقّقه البرقي والغضائري وغيرهم. وبدأت بالموثّقين وأخّرت المجروحين ؛ ليكون الموضع بحسب الاستحقاق والترتيب بالقصد لا بالاتفاق.
ورتّبته على حروف المعجم في الأوائل والثواني فالآباء ، على قاعدة تقود الطالب إلى بغيته ، وتسوقه الى عنايته ، من غير طول وتصفّح للأبواب ، ولا خبط في الكتاب.
وضمّنته رموزاً تغني عن التطويل ، وتنوب عن الكثير بالقليل.
وبيّنتُ فيها المظان التي أخذتُ منها ، واستخرجت عنها. فالكشي : (كش) ، والنجاشي : (جش) ، وكتاب الرجال للشيخ : (جخ) ، والفهرست : (ست) ، والبرقي : (قي) ، وعلي بن أحمد العقيقي : (عق) ، وابن عقدة : (قد) ، والفضل بن شاذان : (فش) ، وابن عبدون : (عب) ، والغضائري : (غض) ، ومحمّـد بن بابويه : (يه) ، وابن فضّال : (فض).
وبيّنت رجال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة عليهم‌السلام ، فكلّ ما أعلمت عليه برمز واحد منهم فهو من رجاله ، ومن روى عن أكثر من واحد ، ذكرت الرمز بعددهم. فالرسول : (ل) ، وعلي : (ي) ، والحسن : (ن) ، والحسين : (سين) ، وعلي بن الحسين : (ين) ، ومحمّـد بن علي الباقر : (قر) ، وجعفر بن محمّـد الصادق : (ق) ، وموسى بن جعفر الكاظم : (م) ، وعلي بن موسى الرضا : (ضا) ، ومحمّـد بن علي الجواد : (د) ، وعلي بن محمّـد الهادي : (دي) ، والحسن بن علي العسكري : (كر) ، ومن لم يروِ عن واحد منهم : (لم).

وهذه لجّة لم يسبقني أحد من أصحابنا ـ رضي الله عنهم ـ إلى خوض غمرها ، وقاعدة أنا أبو عذرها»(1).
وكان رجال ابن داوُد متميّزاً في المنهجية والترتيب العلمي ، فقد رتبه مصنّفه على أساس الحروف الهجائية ، الأوّل فالأوّل من الأسماء وأسماء الآباء والأجداد ، وجمع ما وصل إليه من كتب الرجال في ذلك العصر ، فجعل لكلّ كتاب علامة مميّزة. ولم يتطرّق إلى ذكر المتأخّرين عن الشيخ الطوسي إلاّ نادراً.
وصمّم كتابه على جزئين :
الأوّل : اختصّ بذكر الموثّقين والمهملين.
الثاني : بالمجروحين والمجهولين.
ومن أهمّ ميّزات الجزء الأوّل : إنّه وضع في آخره عنوان خاصّ لجماعة وصفهم النجاشي بقوله : «ثقة ثقة» مرّتين ، عددهم أربعة وثلاثون رجلاً ، رتّبهم على الحروف الهجائية ، وأضاف إلى ذلك خمسة رجال وصفهم ابن الغضائري بأنّهم «ثقة ثقة» مرّتين.
ومن ميّزات الجزء الثاني : إنّه أورد فيه تسعة تنبيهات مفيدة خاصّة بالمفاهيم الرجالية.
ب ـ كتب العلاّمة الحلّي في الرجال :
وهي أربعة كتب قيّمة في علم الرجال ، إلاّ أنّ أهمّ ما وصلنا هو الكتاب الأوّل فقط ، بينما فُقدت البقية. وهذه الكتب هي :
__________________
(1) رجال ابن داوُد : 13 ـ 14 المقدمة.

1 ـ خلاصة الأقوال في معرفة الرجال : وهو من المصادر الرجالية المهمّة عند الطائفة ، ونستلهم من مقدّمته أنّ علم الرجال أصبح جزءً لا يتجزّأ من أركان الاستنباط.
ولذلك فهو لا يكتم ذلك ، بل يصرّح به في مقدّمة الكتاب قائلاً : «إنّ العلم بحال الرواة من أساس الأحكام الشرعية ، وعليه تبنى القواعد السمعية ... إذ أكثر الأحكام تستفاد من الأخبار النبوية والروايات عن الأئمة المهدية (عليهم أفضل الصلاة وأكرم التحيّات) ، فلا بدّ من معرفة الطريق إليهم ، حيث روى مشايخنا رحمهم‌الله عن الثقة وغيره ، ومن يعمل بروايته ، ومن لا يجوز الاعتماد على نقله ؛ فدعانا ذلك إلى تصنيف مختصر في بيان حال الرواة ومن يعتمد عليه ، ومن تترك روايته.
مع أنّ مشايخنا السابقين (رضوان الله عليهم أجمعين) صنّفوا كتباً متعدّدة في هذا الفنّ ، إلاّ أنّ بعضهم طوّل غاية التطويل مع إجمال الحال فيما نقله ، وبعضهم اختصر غاية الاختصار ، ولم يسلك أحد النهج الذي سلكناه في هذا الكتاب. ومن وقف عليه عرف منـزلته وقدره ، وتميّزه عمّا صنّفه المتقدّمون ، ولم يطل الكتاب بذكر جميع الرواة ، بل اقتصرنا على قسمين منهم ، وهم :
1 ـ الذين اعتمد على روايتهم.
2 ـ والذين اتوقّف عن العمل بنقلهم ، أما لضعفه أو لاختلاف الجماعة في توثيقه وضعفه ، أو لكونه مجهولاً عندي.
ولم نذكر كلّ مصنّفات الرواة ، ولا طوّلنا في نقل سيرتهم ، إذ جعلنا ذلك موكولاً إلى كتابنا الكبير المسمّى بـ : كشف المقال في معرفة

الرجال»(1).
وأهمّ ميزة تميّز بها كتاب خلاصة الأقوال للعلاّمة الحلّي إنّه : نقل أسانيداً من رجال العقيقي ، وابن عقدة ، وثقات ابن الغضائري وكتب أُخرى لم تصل إلينا ، فكان جسراً أوصلنا إلى كتب القدماء التي اندثرت لسبب من الأسباب ، وإلى ذلك أشار المحقّق التستري بالقول :
«إنّ ما ينقله العلاّمة من رجال الكشي والشيخ وفهرس النجاشي مع وجود المنقول في هذه الكتب غير مفيد ، وإنّما يفيد في ما لم نقف على مستنده كما في ما ينقل جزء من رجال العقيقي ، وجزء من رجال ابن عقدة ، وجزء من ثقات كتاب ابن الغضائري ، ومن كتاب آخر له في المذمومين لم يصل إلينا ، كما يظهر منه في سليمان النخعي.
كما يفيد أيضاً في ما ينقله من النجاشي في ما لم يكن في نسختنا ، فكان عنده النسخة الكاملة من النجاشي ، وأكمل من الموجود من ابن الغضائري. كما في ليث البختري ، وهشام بن ابراهيم العبّاسي ، ومحمّـد بن نصير ، ومحمّـد بن أحمد بن محمّـد بن سنان ، ومحمّـد بن أحمد بن قضاعة ، ومحمّـد بن الوليد الصيرفي ، والمغيرة بن سعيد ، ونقيع بن الحارث. وكما ينقل في بعضهم أخباراً لم نقف على مأخذها ، كما في إسماعيل بن الفضل الهاشمي ، وفي ما أخذه من مطاوي الكتب كمحمّـد بن أحمد النطنـزي»(2).
2 ـ كشف المقال في معرفة الرجال : وهذا الكتاب أكثر تفصيلاً من كتاب خلاصة الأقوال ، حيث نقل فيه عن الرواة والمصنّفين ممّا وصل إليه
__________________
(1) رجال العلاّمة الحلي : 2.
(2) قاموس الرجال 1 / 15.

عن المتقدّمين ، وذكر فيه أحوال المتأخّرين والمعاصرين له. إلاّ أنّ الكتاب لم يصلنا.
3 ـ إيضاح الاشتباه في أسماء الرواة : وقد ترجم له الشيخ آغا بزرك قدس‌سره في الذريعة فقال : إنّ هذا الكتاب «في ضبط تراجم الرجال على ترتيب حروف أوائل الأسماء ببيان الحروف المركّبة منها : أسماؤهم ، وأسماء آبائهم ، وبلادهم ، وذكر حركات تلك الحروف ... ورتّبه جدّ صاحب الروضات [السيّد جعفر الخوانساري ت 1158 هـ] على النحو المألوف من مراعاة الترتيب في الحرف الثاني والثالث أيضاً ، وسمّاه تتميم الإفصاح في ترتيب الإيضاح ، وتمّمه بإلحاق جملة ممّا فات العلاّمة ، مع رعاية تمام الترتيب ، الشيخ علم الهدى ابن المحقّق الفيض الكاشاني ، وسمّاه نضد الإيضاح وهو مطبوع»(1).
4 ـ تلخيص فهرست الشيخ الطوسي : وهو ملخّص كتاب الفهرست لشيخ الطائفة قدس‌سره ، حيث قام المصنّف بحذف الكتب والأسانيد الموجودة في الفهرست.
والتحقيق :
إنّ هذا القرن حظي بترتيب ومنهجة أسماء الرواة بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ الشيعي ، حيث بدأ فقهاء الإمامية بالتأكيد على كون الاعتناء بالنظرية الرجالية ركن مهمّ من أركان الاستنباط الفقهي ، وكانت منهجة علم الرجال واستخدام الشفرات والرموز وأساليب الاختزال الأُخرى فيها محاولة جديدة لتيسيير مطالب هذا العلم للجيل الجديد من الفقهاء والمجتهدين.
__________________
(1) الذريعة 2 / 493.

وقبل أن نغلق ملفّ هذا القرن ، لا بدّ من معالجة الفروق المنهجية بين كتابي الخلاصة للعلاّمة الحلّي ورجال ابن داوُد ومناقشتها.
ولا شكّ أنّ الكتابين قد كتبا في وقت متقارب ، ولذلك فإنّ نقاط الالتقاء والابتعاد تُلحظ من زاوية معاصرة المؤلّفين أحدهما الآخر. بمعنى أنّ المنهج العلمي في كلا الكتابين قد فرضته الظروف الإجتماعية والأجواء العلمية في ذلك القرن ، خصوصاً الجوّ العلمي التنقيحي الذي فرضه استاذهما السيّد ابن طاووس (ت 673 هـ) على الحوزة العلمية الإمامية آنذلك. والمعاصرة بطبيعتها تفرض التقاءً في الأفكار والمناهج ، إلاّ أنّها تفرز فوارق ثانوية أيضاً ، ومن تلك الفوارق بين الكتابين :
أوّلاً : قسّم ابن داوُد كتابه الى قسمين : الأوّل : اختصّ بذكر الموثّقين والمهملين ، بينما اختصّ الثاني : بالمجروحين والمجهولين. ثمّ ختم بحثه بتسعة تنبيهات مفيدة.
بينما قسّم العلاّمة كتابه إلى قسمين أيضاً : الأوّل : فيمن اعتمد عليه من الرجال ، والثاني : اختصّ بذكر الضعفاء ومن ردّ قوله أو وقف فيه. وختم بحثه بعشر فوائد مهمّة.
فليس من فارق جوهري يذكر في منهجية الكتابين ، عدا أنّ ابن داوُد أدرج في آخر القسم الأوّل أسماء الرجال الذين وصفهم النجاشي بقوله : «ثقة ثقة» مرّتين ، والذين وصفهم ابن الغضائري بنفس الوصف.
ثانياً : اختصّ القسم الأوّل من رجال ابن داوُد : فيمن ورد فيه أدنى مدح ، حتّى لو اقترن مع ذمٍّ كثير ولم يُعمل بخبره. والثاني : فيمن ورد فيه أدنى ذمٍّ ، ولو كان ثقة وعُمل بخبره.

فقد ورد اسم بريد العجلي ، وهو الثقة الجليل ، في القسم الثاني ؛ لأنّ فيه رواية ذمّ ربّما رويت تقيّةً. وورد اسم هشام بن الحكم ، وهو ثقة ، في القسم الثاني ؛ لأنّ استاذه كان فاسد المذهب.
بينما اختصّ القسم الأوّل من الخلاصة : بمن عمل بروايته ورجح عند المصنّف قبول قوله ، فذكر الممدوح لعمله بروايته ، وذكر أيضاً الراوي الذي فسد مذهبه إذا عمل بروايته ، كابن بكير ، وعلي بن فضّال. والقسم الثاني : اختصّ : بمن لا يعمل بروايته أو توقّف فيه كالموثّقين غير الممدوحين.
ثالثاً : إنّ ابن داوُد أدرج في القسم الأوّل من كتابه الممدوحين والمهملين أيضاً. والمراد بالمهمل : من عنونه الأصحاب ولم يضعّفوه.
بينما اقتصر العلاّمة في القسم الأوّل من الخلاصة على الممدوحين ، ولم يذكر المهملين.
رابعاً : اعتاد ابن داوُد على ذكر الراوي ـ الذي اختلف في وثاقته علماء الرجال ـ فيذكره في القسم الاول على أساس مدحه ، وفي القسم الثاني على أساس جرحه.
بينما اختط العلاّمة طريقاً آخر وهو : إنّه لا يعنون الراوي المختَلَف فيه بين الرجاليّين في القسمين ، بل أنّه إذا رجّح المدح ذكره في القسم الأوّل وإن رجح الذمّ أو توقّف فيه ؛ ذكره في القسم الثاني.
خامساً : التزم ابن داوُد بذكر سند كلّ من أخذ عنه من كتب الرجال ، ولكن أحياناً قليلة نرى أنّه لم يرمز للمستند. والمرجّح أنّه تصحيف.
بينما كان للعلاّمة في الخلاصة منهج آخر وهو : إنّه إذا أخذ من الكشّي أو النجاشي أو فهرست الشيخ أو رجال ابن الغضائري فإنّه لا يذكر المستند ، بل ينقل نفس العبارة ، وإذا نقل من كتاب الغيبة للشيخ الطوسي أو من

رجال ابن عقدة أو رجال العقيقي ؛ فإنّه يصرّح بالمستند.
7 ـ القرنين التاسع والعاشر الهجريين :
وقد كانت تلك المنهجة الجديدة لعلم الرجال ـ والتي لاحظنا نشوءها في القرن الثامن الهجري على يدي ابن داود والعلاّمة الحلّي ـ مؤونة مستمرّة لعلماء القرنين التاسع والعاشر الهجريّين. فلم يرَ هذين القرنين أيّ مصنّف رجالي يستحقّ الذكر ، عدا كتاب رجال النيلي للسيّد علي بن عبـد الحميد النيلي (ت 841 هـ)(1).
ولا شكّ أنّ هيمنة العلاّمة الحلّي العلمية ، ودقّته في تثبيت مباني علم الرجال كانت قد أثرت الطائفة بما يناسب حجم النشاط الفقهي والأُصولي الضخم خلال ثلاثة قرون من عمر النشاط العلمي للطائفة ، ولكن تبدّل الزمان ، والابتعاد الشديد عن عصر النصّ ، وتطوّر الفكر الفقهي والأصولي الشيعي بما يتناسب وحاجات المكلّفين الشرعية ، قد أوجد حاجة ملّحة جديدة للكتابة مرّة أُخرى في علم الرجال ، وقد كان القرن الحادي عشر نموذجاً من نماذج النشاط المتجدّد لدراسة علم الرجال.
8 ـ القرن الحادي عشر الهجري :
وقد شهدت هذه الفترة نشاطاً ملحوظاً في تبويب علم الرجال وإِلباسه ثوباً جديداً ، فكانت من ملامحها إعادة توبيب أسماء الرواة على أساس : الصحيح ، والحسن ، والموثق ، والضعيف ، كما هو المعمول به في
__________________
(1) الذريعة 10 / 81.

علم الحديث ، ولم يكن هذا اللون من الترتيب معمولاً به في السابق.
ومن فقهاء هذه الفترة الذين كتبوا في علم الرجال :
أ ـ الشيخ جمال الدين أبو منصور حسن بن الشيخ زين الدين العاملي (ت 1011 هـ) ، والمشهور بـ : صاحب المعالم. وكتبه الرجالية هي :
1 ـ التحرير الطاووسي لكتاب الاختيار من كتاب أبي عمرو الكشّي.
2 ـ ترتيب مشيخة من لا يحضره الفقيه.
3 ـ التعليقات على خلاصة الأقوال.
وأهمّ هذه الكتب الثلاثة : كتاب التحرير الطاووسي ، وهو كتاب استخرجه المصنّف صاحب المعالم من كتاب حلّ الإشكال في معرفة الرجال للسيد ابن طاووس (ت 673 هـ) ، وكتاب التحرير الطاووسي مطابق لكتاب الاختيار من كتاب أبي عمرو الكشّي في الرجال ، إلاّ أنّ صاحب المعالم قام بتحريره وتحقيقه وتبويبه ؛ خشية تلفه ؛ لقلّة النسخ المعتمدة في ذلك القرن.
ب ـ الشيخ عبـد النبي بن سعد الدين الجزائري (ت 1021 هـ) ، وكتابه حاوي الأقوال في معرفة الرجال. و «هو أوّل كتاب رتّب الرجال فيه على أربعة أقسام ـ بحسب القسمة الأصلية للحديث ـ : الصحيح ، والحسن ، والموثّق ، والضعيف»(1).
ونلمس في الكتاب اقتباساً من منهج ابن الغضائري في تضعيف جملة من الرواة الذين لا يستحقّون التضعيف.
__________________
(1) مصفى المقال : 251.

ج ـ المولى عناية الله بن علي القهبائي (ت بعد سنة 1026 هـ) ، وكتابه الرجالي الكبير : مجمع الرجال ، والقهبائي أحد تلاميذ المقدّس الأردبيلي (ت 993 هـ) ، والمولى عبـد الله التستري (ت 1021 هـ) ، والشيخ البهائي (ت 1031 هـ) ، وقد توفّي في حياة أُستاذه الشيخ البهائي قدس‌سره.
ومجمع الرجال موسوعة رجالية جمعت الكتب التالية : الإختيار من رجال الكشّي ، ورجال الطوسي ، وفهرست الطوسي ، ورجال النجاشي ، وكتاب الضعفاء المنسوب لابن الغضائري.
وللقهبائي كتب رجالية أُخرى منها :
1 ـ ترتيب رجال الكشّي.
2 ـ ترتيب رجال النجاشي.
3 ـ حاشية على كتاب نقد الرجال للتفرشي.
4 ـ حاشية على كتاب منهج المقال للاسترابادي.
5 ـ حاشية على كتابي الكشّي والنجاشي في الرجال.
وهذه الوفرة في الإنتاج الفكري لعلم الرجال عند القهبائي وعمقه الفكري في تحليل أحوال الرواة ؛ دليل على تضلّعه قدس‌سره في هذا الحقل الحسّاس من حقول المعرفة الإسلامية.
د ـ الميرزا محمّـد بن علي الأسترابادي (ت 1028 هـ) ، وكتبه الثلاثة في أسماء الرجال :
1 ـ منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال (كبير).
2 ـ تلخيص الأقوال في معرفة الرجال (وسيط).
3 ـ الوجيز [في علم الرجال].

هـ ـ مصطفى بن الحسين التفرشي (لم نعثر على تاريخ وفاته ، إلاّ أنّه كان حيّاً سنة 1044 هـ فاعتبرناه من فقهاء هذه المرحلة) ، وكتابه نقد الرجال المؤلَّف سنة 1015 هـ. وهو كتاب «يشتمل على جميع أسماء الرجال الممدوحين والمذمومين والمهملين ، يخلو من تكرار أو غلط ، ينطوي على أحسن الترتيب ، يحتوي على جميع أقوال القوم ـ قدّس الله أرواحهم ـ من المدح والذمّ إلاّ شاذاً شديد الشذوذ»(1).
وكتابه ، كما وصفه الأردبيلي في جامع الرواة : «في كمال النفاسة ، ونهاية الدقة ، وكثرة الفائدة»(2).
و ـ فخر الدين بن محمّـد علي الطريحي النجفي (ت 1085 هـ) ، وكتابيه : جامع المقال فيما يتعلّق بالحديث والرجال ، وترتيب مشيخة الفقيه.
وهذا النشاط في تنقيح المنهج التبويبي لعلم الرجال كان نابعاً ـ بلا شكّ ـ من حاجة ملحّة أملاها تبدّل الزمان والمكان ، وكان الهدف منه تسليط عين فاحصة على طبيعة الرجال الذين نقلوا الحديث وصدقهم في عملهم.
9 ـ القرن الثاني عشر الهجري :
وأهمّ ميزات تطوّر علم الرجال في هذا القرن ، هو : التطوّر في تمييز المشتركات في الأسماء والكنى والألقاب ، والاستمرار في عمليّات الاختزال ، واستخدام الرموز ، وترتيب الطبقات.
__________________
(1) نقد الرجال : المقدمة.
(2) جامع الرواة 2 / 233.

ولا شكّ أنّ البحث في (المشترك) مهمّ للغاية في علم الرجال ؛ فإنّه يعني أنّ الاسم قد يشترك أحياناً بين الراوي الثقة والراوي الضعيف ، فكان لا بدّ من التمييز بين المشتركات ؛ لتوقّف معرفة قيمة السند عليه.
وكان من روّاد التصدّي لمعالجة تلك المشكلة الشيخ محمّـد أمين الكاظمي ، الذي سنذكره باعتباره من أعلام هذه الفترة الزمنية. فمن أهمّ علماء هذه الفترة :
أ ـ الشيخ محمّـد أمين بن محمّـد علي الكاظمي (من فقهاء القرن الثاني عشر) ، وكتابه هداية المحدّثين إلى طريقة المحمّـدين ـ في تمييز المشتركات ـ ويعرف الكتاب أيضاً بـ : مشتركات الكاظمي الذي ألّفه سنة 1085 هـ.
وقد ذكر المحقّق آغا بزرك الطهراني قدس‌سره : إنّه كان حيّاً إلى سنة 1118 هـ(1) ، فعُدّ من فقهاء هذه المرحلة. وقد رتّب الكتاب على ثلاثة أقسام :
1 ـ المشتركون في الاسم الأوّل فقط.
2 ـ المشتركون في الاسم واسم الأب.
3 ـ المشتركون في الكنى والنسب والألقاب.
وكان من أكثر المتمسّكين بالكتاب وقيمته العلمية ، الشيخ أبو علي الحائري المازندراني (ت 1216 هـ) ، الذي واظب في كتابه منتهى المقال في أحوال الرجال بالنقل عنه في كلّ ترجمة ، رامزاً لمستندها بـ : مشكا.
ب ـ الشيخ محمّـد بن الحسن الحرّ العاملي (ت 1104 هـ) ، وكتابه :
__________________
(1) مصفى المقال : 84.

رسالة الرجال. وكان الشيخ الحرّ العاملي قد جعل الفائدة الثانية عشرة في خاتمة كتابه وسائل الشيعة خاصّة بأسماء الرجال(1).
ج ـ الشيخ محمّـد باقر بن محمّـد تقي المجلسي (ت 1111 هـ) ، وكتابه : الوجيزة ، حيث قال صاحب الذريعة : «اقتصر فيه على بيان ما اتّضح له من أحوال الرواة ، وجعل لها رموزاً : ق = الثقة. ح = الممدوح. ض = الضعيف. م = المجهول. وفي خاتمته ذكر مشيخة الفقيه أيضاً مرمزاً : صح = الصحيح. ح = الحسن. ق = الموثّق. م = المجهول. ض = الضعيف. ل = المرسل»(2).
والملاحظ أنّ الوجيزة لم تتعرّض لأسانيد مشيخة الطوسي التي أوردها في آخر كتابيه التهذيب والاستبصار.
د ـ الشيخ محمّـد بن علي الأردبيلي (وهو من فقهاء القرن الثاني عشر الهجري) ، وكتابه الرجالي : جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والإسناد.
وهذا الكتاب متمّم لكتاب تلخيص الأقوال في معرفة الرجال للميرزا محمّـد الأسترابادي (ت 1028 هـ) من حيث الاستدراكات والشروح والتصحيحات. وله كتاب آخر هو تصحيح الأسانيد ، أدرجه الشيخ النوري في الفائدة الخامسة من فوائد خاتمة مستدرك الوسائل.
وكتاب جامع الرواة من الكتب الرجالية المهمّة في تلك الفترة ؛ لأنّ المصنّف قدس‌سره ، وبعد بذل جهود كبيرة ، استملك قدرة فائقة على تمييز الرواة ، كتمييز التلميذ عن الشيخ ، والراوي عن المروي عنه. وهذه قاعدة
__________________
(1) وسائل الشيعة 20 / 113.
(2) الذريعة 25/47.

تحتاج إلى ضوابط دقيقة ، وكأنّه أدرك قدس‌سره قيمة إنجازه فقال : «ومن فوائد هذا الكتاب ، أنّه بعد التعرّف على الراوي والمروي عنه ، لو وقع في بعض الكتب اشتباه في عدم ثبت الراوي في موقعه يعلم أنّه غلط وواقع غير موقعه. ومن فوائده أيضاً ، أنّ رواية جمع كثير من الثقات وغيرهم عن شخص واحد تفيد أنّه كان حسن الحال أو كان من مشايخ الإجازة»(1).
هـ ـ السيد صدر الدين علي بن أحمد المعروف بالسيّد علي خان (ت 1118 هـ) ، وكتابه : الدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية من الشيعة.
حيث رتّب أسماء الرجال على اثنتي عشرة طبقة : الصحابة ، والتابعين ، والمحدّثين الرواة ، والعلماء ، والحكماء ، والمتكلّمين ، وعلماء العربية ، والسادة الصوفية ، والملوك والسلاطين ، والأُمراء ، والوزراء ، والشعراء ، والنساء. إلاّ أنّ هذا الكتاب ، عدا الأقسام الثلاثة الأُولى ، يخرج عن طبيعة علم الرجال الذي نحن بصدده ، والذي يتناول الرواة قدحاً أو مدحاً.
و ـ الشيخ سليمان بن عبـد الله البحراني الماحوزي (ت 1121 هـ) ، وكتابه الكبير : معراج أهل الكمال إلى معرفة الرجال ، ومختصره : بلغة المحدّثين.
ويعدّ كتاب معراج أهل الكمال ، من الشروح المعتبرة على فهرست الشيخ الطوسي تهذيباً وتنقيحاً وترتيباً ، والذي دعاه إلى كتابة الشرح هو كثرة التصحيف وحوادث الغلط والتحريف التي كانت ملحوظة في زمان المصنّف.
__________________
(1) جامع الرواة : 4 ـ 5.

أمّا كتاب بلغة المحدّثين فهو رسالة مختصرة وجيزة في تحقيق أحوال الرجال ، كتبها تذكرة لنفسه ومرجعاً يسيراً يرجع إليه من غير تعرّض لاختلافات الأصحاب وأقوالهم ، ومن غير تعرّض للمجاهيل والضعفاء.
10 ـ القرن الثالث عشر الهجري :
ومن أهمّ فقهاء هذه الفترة فقيهان كتبا في علم الرجال ، هما : الوحيد البهبهاني ، والشيخ أبو علي الحائري.
فكتب الشيخ محمّـد باقر بن محمّـد أكمل المعروف بالوحيد البهبهاني (ت 1205 هـ) كتابه الرجالي : التعليقة ، وهي حواش كتبها تعليقاً على كتاب منهج المقال للميرزا الاسترابادي ، وقد طبعت فوائد الوحيد البهبهاني (وهي مقدّمة التعليقة) مع رجال الخاقاني.
أمّا الشيخ أبو علي محمّـد بن إسماعيل الحائري (ت 1216 هـ) ، أحد تلامذة الوحيد البهبهاني ، فقد كتب كتابه الكبير منتهى المقال في أحوال الرجال المعروف بـ : رجال أبي علي.
وأُسلوب الكتاب ذو منهجة علمية دقيقة فقد «ابتدأ في كلّ ترجمة بكلام الميرزا الأسترابادي في الرجال الكبير منهج المقال ، ثمّ بما ذكره الوحيد البهبهاني في التعليقة عليه ، ثم بكلمات أُخرى على ما شرحها في أوّل الكتاب. وقد ترجم نفسه في باب الكنى ، وترك ذكر جماعة بزعم أنّهم من المجاهيل ، وبزعم عدم الفائدة في ذكرهم. وسبقه في إسقاط المجاهيل المولى عبـد النبي الجزائري في الحاوي ، وكذلك المولى خداويردي الأفشار.
وليتهم ما أسقطوهم ؛ لأنّهم غير منصوصين بالجهالة من علماء

الرجال.
وصرّح المحقّق الداماد في الرواشح بلزوم الفحص عن حالهم.
ولنعم ما فعله تلميذه المولى درويش علي الحائري حيث أفرد رسالة في ذكر من أسقطه الشيخ أبو علي من رجاله ، بعنوان : تكملة رجال أبي علي.
وقد كتب الشيخ محمّـد آل كشكول كتاب إكمال منتهى المقال ، ذكر في أوّله وجه الحاجة إلى ذكر من عدّوهم مجاهيل ؛ ردّاً على التاركين لذكرهم ، ثمّ ذكرهم جميعاً»(1).
وهذا الاشتباه في حذف أسماء بعض الرواة ـ بزعم أنّهم من المجاهيل ـ نشأ من الخلط بين فكرتي (المجهول) و (المهمل) في علم الرجال.
فالمراد من (المجهول) هو : من صرّح أئمّة الرجال فيه بالمجهولية ، وهو أحد ألفاظ الجرح. ولذا عنون العلاّمة الحلّي وابن داود المجاهيل في الجزء الثاني من كتابيهما ، وهو الجزء المختصّ بالمجروحين.
والمراد من (المهمل) هو : من عنونه أئمّة الرجال ولم يضعّفوه ، بل لم يذكر فيه مدح ولا قدح.
وكان ابن داود يعنون المهملين ؛ لأنّه يعمل بخبرهم كالممدوحين ، كما أنّه لا يصرّح بالإهمال فيمن يعنون منهم إلاّ فيمن توهّم فيه مدح ، كما في آدم بن المتوكّل ، فقال : [جش] مهمل. وكما في الحسين بن أبي الخطّاب ، فقال : [كش] مهمل(2).
__________________
(1) الذريعة 23 / 13.
(2) رجال ابن داود : 79.

وذهب المحقّق الداماد الى أبعد من ذلك ، فادّعى أنّ من أهمله النجاشي يكون حسناً ، حيث قال في الرواشح : «فإذاً قد استبان لك أنّ من يذكره النجاشي من غير ذمٍّ ومدح ... فيكون بحسب ذلك طريق الحديث من جهته قويّاً ، لا حسناً ولا موثّقاً ...»(1).
ولكن لفظي (المجهول) و (المهمل) عاشا في منطقة رمادية عند بعض أجلّة المتأخّرين (كالشهيد الثاني ، والمجلسي ، والمامقاني) ؛ فاختلط عليهم الفرق بين اللفظين. فحسبوا أنّ (المهمل) مجهول الحال. ولذلك فإنّهم اسقطوا المجاهيل من رجالهم.
ولكن نظرة فاحصة إلى هؤلاء المجاهيل ، يتبيّن لنا أنّهم ليسوا بمجاهيل ، بل أكثرهم كانوا مهملين في علم الرجال. ومع أنّ هذا القرن قد اكتنفه الغموض في بعض المصطلحات الأساسية لعلم الرجال ، إلاّ أنّه كان عصراً مثمراً بالفكر الرجالي.
وكان من ثمار هذا القرن أيضاً كتاب لبّ الألباب في الدراية وعلم الرجال للشيخ محمّـد جعفر الأسترابادي (ت 1263 هـ) ، ومنظومة في أسماء الرجال للسيّد حسين بن محمّـد رضا البروجردي (ت 1276 هـ) بعنوان : نخبة المقال في علم الرجال.
11 ـ القرن الرابع عشر الهجري :
ويمكن عدّ هذه المرحلة من أنشط المراحل في تنقيح علم الرجال ، وإعادة ترتيبه ، وتدوينه في المدرسة الإمامية.
__________________
(1) الرواشح : 68.

فكان الشيخ عبـد الله بن محمّـد حسن المامقاني (ت 1351 هـ) رائد هذا القرن في الكتابة الموسوعية لعلم الرجال ، وكتابه تنقيح المقال في أحوال الرجال من أكبر الموسوعات الرجالية المدونة عند الطائفة. فقد ترجم في تلك الموسوعة لعدد كبير من الأفراد قدّر بحوالي (16307) اسماً ، منها : 13368 من الأسماء ، 1444 من الكنى ، 1343 من الألقاب ، 152 من النساء.
ولكن ، ومع موسوعية هذا العمل الرجالي الجليل ، إلاّ أنّه اُخذ عليه : إنّ المصنّف كان يخلط بين المهمل والمجهول.
وقد راج هذا الخلط في عصر الشهيد الثاني والمجلسي إلى عصر المامقاني ، إلاّ أنّ فكرة الخلط أثارت جدلاً بين الفقهاء.
قال المحقّق الداماد في الرواشح : «لا يجوز إطلاق المجهول الاصطلاحي إلاّ على من حكم بجهالته أئمّة الرجال»(1).
إلاّ أنّ العلاّمة آغا بزرك الطهراني لم يتردّد في ردّ المحقّق الداماد ، مفسّراً موقف المتأخّرين من وصفهم الراوي بالمجهولية : «... ومن هذا التصريح يلزم الجزم بأنّ مراده من قوله (مجهول) ليس أنّه محكوم بالجهالة عند علماء الرجال ، حتّى يصير هو السبب في صيرورة الحديث من جهته ضعيفاً ، بل مراده أنّه مجهول عندي ، ولم أظفر بترجمة مبيّنة لأحواله»(2).
ولكن الحقّ أنّ علم الرجال لا يحتمل هذا التفسير ، فعندما يصرّح عالم الرجال بمجهولية راو لا بدّ أن يكون صريحاً في مجهولية ذلك الراوي عنده ، لا أن يطلق اللفظ بحيث يتبادر إلى الذهن مجهوليته على الإطلاق.
__________________
(1) الرواشح : 60 الراشحة الثالثة عشرة.
(2) الذريعة 4 / 467.

وقد كان العلاّمة الحلّي صريحاً غاية الصراحة في ذلك ، فيقول ـ عن المجهول الذي يتوقّف عن العمل بنقله ـ : «... لكونه مجهولاً عندي»(1). فيكون موقف المحقّق الداماد في محلّه.
أمّا بقية التصنيفات في هذا القرن فهي كالتالي :
أ ـ كتاب توضيح المقال في علم الدراية والرجال للشيخ علي بن قربان علي الكني (ت 1306 هـ). مطبوع مع رجال أبي علي.
ب ـ كتاب طرائف المقال في معرفة طبقات الرجال للسيّد علي أصغر بن محمّـد شفيع الجابلقي البروجردي (ت 1313 هـ).
ج ـ كتاب شعب المقال للميرزا نجم الدين أبو القاسم بن محمّـد بن أحمد بن مهدي بن أبي ذر النراقي (ت 1319 هـ).
د ـ كتاب إتقان المقال في أحوال الرجال للشيخ محمّـد مهدي نجف (ت 1323 هـ).
هـ ـ كتاب ملخّص المقال للميرزا إبراهيم بن الحسن الدنبلي (ت 1325 هـ).
و ـ كتاب بهجة الآمال في شرح زبدة المقال في علم الرجال للشيخ علي بن عبـد الله بن محبّ الله بن محمّـد جعفر العلياري التبريزي (ت 1327 هـ).
والكتاب من خمسة مجلّدات بالطبعة الحجرية ، ثلاثة منها شرح مزجي لكتاب زبدة المقال في معرفة الرجال تأليف العلامة السيد حسين البروجردي (ت 1380 هـ) ، وهو منظومة في علم الرجال جاء فيها :
__________________
(1) الخلاصة : 2.

 

سمّيته بزبدة المقال
 

 

في البحث عن معرفة الرجال
 

ناظمه الفقير في الكونين
 

 

هو الحسين بن رضا الحسيني
 

والمجلّدان الآخران منها شرح لـ : منتهى المقال ، وهو منظومة للشارح نظمت من أجل تكميل منظومة البروجردي ، ولم يذكر السيد البروجردي قدس‌سره المتأخّرين ولا المجاهيل من الرواة. فاستدرك الشارح (العلياري) ذلك النقص وأتمه بالنظم والشرح في المجلّدين الأخيرين. وتركيبة الكتاب مؤلّفة من : مقدّمة وعشرة فصول. أمّا الفصل الحادي عشر فهو في أصحاب الإجماع.
ز ـ كتاب رجال الخاقاني للشيخ علي الخاقاني (ت 1334 هـ) ، وفيه فوائد رجالية قيمة مع تعريف للمذاهب والفرق المنحرفة.
ح ـ كتاب عين الغزال في فهرس أسماء الرجال للميرزا فضل الله بن شمس الدين اللواساني (ت 1353 هـ). وهو «كتاب لطيف اقتصر فيه على الرواة إلى الطبقة السابعة ، وهي طبقة الكليني ، ورتّبهم في جدولين لطيفين ، أحدهما : فيمن تحقّق له أصل أو كتاب أو راو معيّن عنه. والثاني : فيمن لم يتحقّق فيه ذلك»(1).
ط ـ مجموعة كتب رجالية للسيد أبو محمّـد الحسن بن هادي الصدر (ت 1354 هـ) وهي : تكملة أمل الآمل ، ونكت الرجال ، ومختلف الرجال ، وعيون الرجال ، وبغية الوعاة في طبقات مشايخ الإجازات.
ي ـ مجموعة كتب رجالية للشيخ أبو الهدى كمال الدين ابن الميرزا
__________________
(1) مصفى المقال : 364 ـ 365.

أبي المعالي الكلباسي الأصفهاني (ت 1356 هـ) ، وهي : سماء المقال في تحقيق علم الرجال ، والدرّ الثمين في المصنّفات والمصنّفين ، والفوائد الرجالية.
ك ـ مجموعة رجالية للسيّد هبة الدين محمّـد علي بن حسين الشهرستاني (ت 1386 هـ) وهي : ثقات الرواة ، والشجرة الطيّبة في سلسلة مشايخ الإجازات ، وطبقات أصحاب الروايات.
ل ـ كتاب مصفى المقال في مصنّفي علم الرجال للشيخ المحقّق آغا بزرك الطهراني (ت 1389 هـ). وهو كتاب شامل يتناول التصنيفات الرجالية عند الطائفة منذ البداية وحتّى زمان تصنيفه.
12 ـ القرن الخامس عشر الهجري :
وهي مرحلة النقد الذاتي لعلم الرجال ، ومن أهمّ أعمال هذه المرحلة لحد الآن ، ونحن لا نزال في الربع الأوّل من القرن الخامس عشر ، كتاب معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة للسيّد أبو القاسم بن علي أكبر الخوئي (ت 1413 هـ) ، حيث ترجم فيه لـ (15676) راوياً وراوية في أربعة وعشرين مجلّداً.
وقد حاول السيّد الخوئي قدس‌سره تثبيت المفاهيم الرجالية التي آمن بها ، وجعلها مقاييس عامة للتوثيق والتعديل ، أو التجريح والإسقاط. فقد كان الفقهاء يوثّقون من يجدونه وكيلاً للإمام عليه‌السلام على قاعدة : إنّ الوكالة عبارة عن توثيق المعصوم عليه‌السلام للوكيل.
بينما ينتهي السيّد الخوئي على خلاف المشهور ، من أنّ الوكالة من الإمام عليه‌السلام أمر لا يوجب التوثيق ـ وإن أوجب الاعتماد فيما يوكّل إليه ـ وإنّ

ما لها من مداليل لا يشعر جميعها بأمانة الحديث بأيّ حال من الأحوال.
وقد سلك قدس‌سره طريقاً جديداً في التعرّض للرواة من كتب الرجال والحديث معاً ، وفي عدم الاكتفاء بتوثيقات المتأخّرين للرواة إن كان للقدماء فيهم رأي ، بل التدقيق على وجه علمي عن سبل وثاقتهم وحسنهم.
فقد ضعّف من الرجال من مضى على توثيقه عدّة قرون ، أو وثّق من مشى تضعيفه في أكثر الكتب الرجالية وأخطرها ، ثم قد وجد اتحاداً بين كثير من الرجال الذين تعدّدت أسماؤهم وعناوينهم ، أو وجد في كثير ممّن رأوا اتّحادهم تعدّداً واضحاً أغفله القدامى والمحدّثون(1).
وبكلمة ، فقد كانت نظرية السيّد الخوئي في علم الرجال هو : الاجتهاد في التوثيقات بناءً على الأُسس العلمية المتّفق عليها بين الفقهاء.
ويتميّز كتاب معجم رجال الحديث بميزة علمية فريدة وهي : الاستدلال على إثبات مستوى الراوي من حيث الوثاقة والحسن ، عن طريق الاستقصاء لجميع ما ذُكر في تقييم حال الراوي من روايات وأقوال ، وذكر أسماء جميع الرواة الذين روى عنهم وذكر أسماء جميع الرواة الذين رووا عنه.
وهذا التوجّه يمثّل مصداقاً لنظرية السيّد الخوئي المتمثّلة بالاجتهاد في توثيق الرواة.
ومن الكتب الرجالية النقدية كتاب قاموس الرجال للشيخ المحقّق محمّـد تقي التستري. وهو دراسة نقدية رجالية موسّعة لكتاب تنقيح المقال للشيخ المامقاني قدس‌سره. ومن انتقادات المصنّف على الشيخ المامقاني :
__________________
(1) معجم رجال الحديث : 14 المقدمة.

1 ـ كثرة التطويل عند المامقاني ، كضميمة توثيق جمع من المتأخّرين إلى ما وثّقه القدماء. إلاّ أنّ المحقّق التستري يرى أنّه لا أثر له بعد وجود الأصل الواضح.
2 ـ اشتباهات وردت في تنقيح المقال ، لاسيّما فيما ينقله عن كتاب جامع الرواة ، فيذكر الراوي مرويّاً عنه والمروي عنه راوياً ، والرجل المترجم راوياً ومرويّاً عنه ، والواحد المعبر عنه بتعبيرات مختلفة في الأحاديث متعدّداً.
3 ـ التسوية بين من أهملوا حاله ولم يذكروا فيه قدحاً ولا مدحاً ومن جرحوه بالمجهولية.
هذه أهمّ المصنّفات الرجالية الرئيسية في المدرسة الإمامية.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ هناك مصنفات عديدة أُخرى أحجمنا عن ذكرها بغية الاختصار ، وإنّ ما ذكرناه كاف للتدليل على المراد ، وقد كانت الحوزة العلمية الأرض الخصبة للتطوّر الرجالي عند الشيعة الإمامية.

الفصل الثالث
الأُصول الأربعمائة والمجاميع الحديثية الأربع
مقدّمة :
لا شكّ أنّ الحديث عن الأُصول الأربعمائة في المدرسة الإمامية ، يعكس مصداقاً من مصاديق تبدّل الزمان والمكان. وقد عبّر الشهيد الثاني عن ذلك بالقول : «وكان قد استقرّ أمرُ المتقدّمين : على أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف سمّوها : الأُصول ، وكان عليها اعتمادهم ، ثمّ تداعت الحال إلى ذهاب معظم تلك الأُصول ، ولخّصها جماعة في كتب خاصّة ، تقريباً على المتناول»(1). فكانت أحسن الكتب التي جمعت تلك الأُصول المفقودة ، هي : الكافي ، والتهذيب ، والاستبصار ، ومن لا يحضره الفقيه.
وقد اختلف الفقهاء المتأخّرين في استظهار معنى الأُصول ، خصوصاً وأنّ المتقدّمين ـ كالشيخ المفيد والنجاشي والشيخ الطوسي ـ لم يقدّموا تعريفاً للمصطلح ، بل أرسلوه إرسال المسلّمات.
والتحقيق ، أنّ ما اصطلح على أنّ فلان له أصل ، أو له أصل وكتاب ، اُريد منه أنّه كتب ما سمعه عن الأئمّة عليهم‌السلام عموماً ، وعن الإمام الصادق عليه‌السلام بالخصوص مباشرة ، وجمعه بين دفّتي مخطوط سُمّي أصلاً.
أمّا إذا كان بينه وبين الإمام عليه‌السلام واسطة ـ بمعنى أنّه لم يكن موجوداً زمن الإمام عليه‌السلام أو أنّه لم يستطع مقابلة الإمام عليه‌السلام والسماع منه مباشرة بل
__________________
(1) شرح البداية في علم الدراية : 74.

سمع من أفراد آخرين بعيدين زمنيّاً عن الإمام عليه‌السلام ـ فإنّ ما كتبه كان كتاباً وليس أصلاً.
وهذا التمييز بين الأصل والكتاب دقيق ومهم للغاية ، ويظهر ـ فيما يظهر ـ اعتناء الأصحاب (رضوان الله عليهم) بدقّة نقل الحديث ، وتنبع أهمّية التمييز بين الأصل والكتاب من خلال دراسة الظواهر الاجتماعية التي كان يعيشها عصر النصّ ، خصوصاً محاولات السلطة السياسية اختلاق أحاديث مزوّرة كان هدفها تزوير الأحكام الشرعية ومحو حقائق الدين.
فكان الأصحاب يعتنون بالأُصول باعتبار أنّ وجودها وجود أصلي واقعي بدوي غير متفرّع من وجود آخر ، ولذلك أطلق عليه بالأصل.
قال الوحيد البهبهاني (ت 1205 هـ) أنّ : «الأصل هو الكتاب الذي جمع فيه مصنّفه الأحاديث التي رواها عن المعصوم عليه‌السلام أو عن الراوي عنه»(1).
وهو الصحيح ؛ لأنّ الأصل من كتب الحديث تعكس حقيقة تأريخية ، وهي أنّ الراوي إنّما كتب الرواية التي سمعها عن المعصوم عليه‌السلام مباشرة أو عمّن سمع منه ولم ينقلها عن كتاب أو عن مكتوب آخر.
ومقتضى صيرورة تلك المؤلّفات أُصولاً : إنّ تأليفها كان في عصر الإمام المعصوم عليه‌السلام.
الأُصول الأربعمائة :
ولا شكّ أنّ للأصل ميزة علمية ، وهي أنّ احتمال الخطأ أو السهو في
__________________
(1) الفوائد الرجالية : 34. مطبوع مع رجال الخاقاني.

الأصل المسموع بالمشافهة عن المعصوم عليه‌السلام أقلّ منها في الكتاب المنقول ، وبذلك فإنّنا نطمئنّ بالمطابقة بين الألفاظ الصادرة عن المعصوم عليه‌السلام وبين عين الألفاظ المندرجة في الأُصول ، خصوصاً إذا كان مؤلّف الأصل من المعتمدين عند الطائفة ، فإنّ حديثه المنقول عن المعصوم عليه‌السلام يكون حجّة شرعية بالنسبة لنا ، وقد أخذ بذلك الكثير من فقهائنا الأعلام.
فقد صرّح الشيخ البهائي (ت 1031 هـ) في مشرق الشمسين : بأنّ من الأُمور الموجبة لصحّة الحديث عند القدماء ، هو وجود الحديث في كثير من الأُصول الأربعمائة المشهورة المتداولة عندهم ، وتكرّر الحديث في أصل أو أصلين منها بأسانيد مختلفة متعدّدة ، ووجوده في أصل رجل واحد معدود من أصحاب الإجماع(1).
بينما كان المحقّق الداماد ، وبعد أن تطرّق إلى الأُصول الأربعمائة ، قد تمّم رأي الشيخ البهائي بالقول : «وليعلم أنّ الأخذ من الأُصول المصحّحة المعتمدة أحد أركان تصحيح الرواية»(2).
ونظرة فاحصة إلى أُسلوب كتابة تلك الأُصول يمنحنا بعداً تأريخيّاً ؛ لفهم طبيعة نقل الحديث ودقّة اتّباع أهل البيت عليهم‌السلام في نقل النصوص إلى الأجيال الجديدة المبتعدة عن زمن النصّ ، وفي ذلك ثلاثة أدلّة :
1 ـ روى السيّد ابن طاووس (ت 673 هـ) بإسناده عن أبي الوضّاح محمّـد بن عبـد الله بن زيد النهشلي ، عن أبيه ، أنّه قال : «كان جماعة من أصحاب أبي الحسن الكاظم عليه‌السلام من أهل بيعته وشيعته يحضرون مجلسه
__________________
(1) مشرق الشمسين : 269.
(2) الرواشح : الراشحة التاسعة والعشرون.

ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال فإذا نطق أبو الحسن بكلمة ، أو أفتى في نازلة ؛ أثبت القوم ما سمعوه منه في ذلك»(1).
2 ـ ما ذكره الشيخ البهائي (ت 1031 هـ) من أنّه : «قد بلغنا عن مشايخنا قدس‌سرهم أنّه كان دأب أصحاب الأُصول أنّهم إذا سمعوا عن أحد من الأئمّة عليهم‌السلام حديثاً بادروا إلى إثباته في أُصولهم ؛ لئلاّ يعرض لهم نسيان لبعضه أو كلّه بتمادي الأيّام»(2).
3 ـ ما ذكره المحقّق الداماد (ت 1040 هـ) من أنّه : «يقال : قد كان من دأب أصحاب الأُصول أنّهم إذا سمعوا من أحدهم عليهم‌السلام حديثاً ؛ بادروا إلى ضبطه في أُصولهم من غير تأخير»(3).
ويبدو من هذه النصوص : إنّ بعض الأصحاب كانت لديه ألواحاً يكتب عليها ما كان يقوله الإمام عليه‌السلام ، وكانت تلك الألواح الخشبية المصنوعة من الآبنوس الناعم شخصية الطابع ، حيث يرجع إليها الراوي للتأكّد من دقّة ألفاظ الحديث ، وتلك الألواح كانت دائماً عرضة للتلف ، فأخذ الفقهاء يجمعون الأحاديث الشريفة من تلك الألواح في مجاميع حديثية أربعة نتناولها اليوم ، وهي : الكافي ، والتهذيب ، والاستبصار ، ومن لا يحضره الفقيه.
والمشهور بين فقهاء الطائفة : إنّ عدد الأُصول كان أربعمائة ؛ ولذلك أُطلق عليها الاسم.
وإلى ذلك أشار الشيخ أمين الإسلام الطبرسي (ت 548 هـ) إلى أنّه :
__________________
(1) مهج الدعوات : 219.
(2) مشرق الشمسين : 274.
(3) الرواشح : بداية الراشحة التاسعة والعشرين.

«روى عن الإمام الصادق عليه‌السلام ـ من مشهوري أهل العلم ـ اربعة آلاف ، وصنّف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب تُسمّى : الأُصول ، رواها أصحابه ، وأصحاب ابنه موسى الكاظم عليه‌السلام»(1).
وكتب المحقّق الحلّي (ت 676 هـ) قائلاً : «إنّه كتبت من أجوبة مسائل جعفر بن محمّـد أربعمائة مصنَّف لاربعمائة مصنِّف سمّوها أُصولاً»(2).
وذكر الشهيد الأوّل (ت 786 هـ) أنّه قد : «كتبت من أجوبة الإمام الصادق عليه‌السلام أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف ، ودوّن من رجاله المعروفين أربعة آلاف رجل»(3).
وذكر ذلك أيضاً الشيخ الحسين بن عبـد الصمد (ت 984 هـ) في درايته(4) ، والمحقّق الداماد (ت 1040 هـ) في رواشحه(5).
والتحقيق :
إنّ تلك الأُصول الأربعمائة قد كتبت في عصر أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام ، سواء كانوا مختصّين به ، أو ممّن كانوا قد أدركوا أباه الإمام الباقر عليه‌السلام أو أدركوا ابنه الإمام الكاظم عليه‌السلام.
وقد نشطت في تلك الفترة ، وهي فترة ضعف الدولتين الأُموية والعباسية من سنة 95 إلى سنة 170 للهجرة ، حركة العلم والكتابة والتأليف ، وكان عميد جامعة أهل البيت عليهم‌السلام في تلك الفترة الإمام جعفر بن محمّـد
__________________
(1) إعلام الورى : 200.
(2) المعتبر : 26.
(3) الذكرى 1 / 59.
(4) الدراية ـ الشيخ حسين بن عبـد الصمد ـ : 40.
(5) الرواشح : الراشحة التاسعة والعشرون.

الصادق عليه‌السلام ، الذي أحيى سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن أراد الأُمويّون إبادتها ومحوها من الوجود.
ومن الجدير ذكره :
إنّ الأُصول الأربعمائة لم تكن مرتّبة ترتيباً موضوعياً أو معجمياً ، بل كانت الروايات تكتب حسبما يقتضيه التسلسل الزمني للراوي لا التسلسل الموضوعي للروايات ، ولذلك فإنّ الفقهاء القدامى حاولوا جمع تلك الأُصول الأربعمائة ، وتبويبها ، وتنقيحها بشكل يسهل الانتفاع منها في المجاميع الحديثية الكبرى عند الإمامية ، وعندها ضعف الاندفاع نحو استنساخ الأُصول الأربعمائة ؛ لمشقّة الاستفادة منها ، وأصبحت المجاميع الحديثية هي البديل الموضوعي لأحاديث أهل بيت النبوّة عليهم‌السلام.
وسوف نعرض نموذجاً مختصراً لهذه الأُصول ، وقد استوفاها بحثاً العلاّمة المحقّق الشيخ آغا بزرك الطهراني قدس‌سره في الذريعة المجلّد الثاني ص 125 ـ 167. فأدرج أسماء (117) أصلاً ، حسبما أوصله تتبّعه العلمي حول الموضوع.
فمن هذه الأُصول :
1 ـ أصل أبان بن تغلب بن رباح البكري ، وهو : ثقة ، جليل القدر ، عظيم المنزلة في أصحابنا ، خدم ثلاثاً من الأئمّة عليهم‌السلام السجاد ، والباقر ، والصادق عليهم‌السلام.
قال له الباقر عليه‌السلام : «أُجلس في مسجد المدينة وافت الناس ، فإنّي أُحبُّ أنْ يُرى في شيعتي مثلك»(1).
__________________
(1) حصر الاجتهاد : 39.

ومات أبان سنة 141 هـ ، فلمّا أتى الإمام الصادق عليه‌السلام نعيه ، قال عليه‌السلام : «لقد أوجع قلبي موت أبان»(1).
وذكر الشيخ الطوسي في فهرسه أصلاً لأبان بن تغلب.
2 ـ أصل أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد الصيقل ، كنيته أبو جعفر كوفي ، ثقة ، روى عن أبي عبـد الله عليه‌السلام وأبي الحسن الكاظم عليه‌السلام. ترجمه النجاشي ، واستظهر ابن طاووس بأنّ كتبه كانت أُصولاً.
3 ـ أصل إسحاق بن عمّار بن موسى الساباطي ، وكان من أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام ، ويرويه عنه محمّـد بن أبي عمير ، ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست ، وقال : إنّه فطحي ، ثقة.
الكتب الحديثية الأربعة :
وهي الكتب التي صنّفها فقهاء الشيعة اعتماداً على الأصول الأربعمائة المندرسة ، وتلك الكتب هي : الكافي ، والتهذيب ، والاستبصار ، ومن لا يحضره الفقيه.
1 ـ الكافي :
وهو من أجلّ الكتب الأربعة في الحديث ، ومن الأُصول المعتمدة في ما نقل عن آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
من تأليف الشيخ محمّـد بن يعقوب الكليني البغدادي
__________________
(1) حصر الاجتهاد : 39 في الهامش.

(ت 329 هـ) ، كتبه في الغيبة الصغرى مدّة عشرين عاماً.
واشتمل الكافي على أربعة وثلاثين كتاباً ، وثلاثمائة وستّة وعشرين باباً. وينقسم إلى ثلاثة أقسام : الأُصول ، والفروع ، والروضة. مطبوع بثمان مجلّدات. وعدد الأحاديث الموجودة فيه (199 ،16) حديثاً ، منها : (5072) صحيح باصطلاح المتأخّرين ، و (144) حسن ، و (1018) موثّق ، و (302) قويّ ، و (9485) ضعيف(1).
وتكمن أهمّية كتاب الكافي في أنّه صُنّف زمن الغيبة الصغرى ، وهي فترة حسّاسة في تاريخ الشيعة الإمامية ، حيث أوكل الإمام المهدي عليه‌السلامأربعة أشخاص يكونوا جسراً بينه وبين الأُمّة ، وهم : عثمان بن سعيد العمري ، وولده أبو جعفر محمّـد ، وأبو القاسم الحسين بن روح ، وعلي بن محمّـد السمري.
وقد كان الاتصال بالإمام المعصوم عليه‌السلام عن طريق الوكلاء ـ صمّام أمان ـ لفضح الكتب الحديثية المزوّرة ، فكان الكافي من أضبط الكتب الحديثية وأجمعها ، فهو لم يتعرّض لأيّ لون من ألوان التجريح ، بل كان العكس ، بحيث قال النجاشي في ترجمة الكليني مصنّف الكتاب : «كان من أوثق الناس في الحديث وأثبتهم»(2).
ولكن ، ومع أنّ الكافي من الكتب الحديثية المعتبرة عند الإمامية وتدور عليه رحى الاستنباط ، إلاّ أنّه احتوى على روايات صحيحة وأُخرى غير صحيحة ؛ وعليه لا بدّ للمجتهد من التمييز بين الصحيح وغير الصحيح.
__________________
(1) قام بعدّ الأحاديث الشيخ يوسف البحراني (ت 1186 هـ) في كتابه لؤلؤة البحرين : 394.
(2) رجال النجاشي رقم 1026.

إذن نؤكّد على نقطتين هنا في غاية الأهمّية ، وهما :
1 ـ إنّ أسماء ـ الرواة التي وردت في الكتاب ـ ليس كلّها من الثقات. فقد صرّح الكليني بصحّة روايات كتبه ، لا بوثاقة رجال رواياته.
والمراد من صحّة الروايات هو : اقترانها بقرائن موضوعية أو شرعية تفيد الاطمئنان بصدورها عن أئمّة الهدى عليهم‌السلام ، فقد تجتمع قرائن موضوعية عند أحد الفقهاء لتوثيق راو معيّن ، بينما لا تنهض تلك القرائن عند فقيه آخر إلى درجة الوثاقة. مثلاً : وثاقة إبراهيم بن هاشم عند العلاّمة المامقاني ، قال : «... ألا ترى أنّهم ذكروا في إبراهيم بن هاشم ، أنّه أوّل من نشر أحاديث الكوفيّين بقم ، وهذا يدلّ على ما هو أقوى من حسن الظاهر بمراتب ؛ لأنّ أهل قم كان من شأنهم عدم الوثوق بمن يروي عن الضعفاء ، بل كانوا يخرجونه من بلدهم ، فكيف بمن كان هو في نفسه فاسقاً أو على غير الطريقة الحقّة؟!
فتحقّق نشر الأخبار بينهم يدلّ على كمال جلالته ، ومع ذلك لم يصرّح فيه أحد بالتوثيق والتعديل»(1).
فوثاقة إبراهيم بن هاشم عند العلاّمة المامقاني قد لا تجد لها صدىً عند فقيه آخر.
وبالنتيجة أنّ التوثيق أمر اجتهادي ، يخضع لضوابط مثل : تعارف الفقهاء على صدق الراوي ، وشياع ذلك ، وإمارات وقرائن تحفُّ به خلال روايته بما يفيد القطع واليقين والاطمئنان.
وتصريح الكليني بصحّة روايات كتبه ، تدلّ على تمام القرائن
__________________
(1) تنقيح المقال 1 / 176 المقدمة.

الموضوعية للرواة عنده ، ومن تلك القرائن :
«1 ـ وجود [الحديث] في كثير من الأصول الأربعمائة المشهورة المتداولة بينهم التي نقلوها عن مشايخهم بطرقهم المتصلة بأصحاب العصمة سلام الله عليهم.
2 ـ وكتكرره في أصل أو أصلين منها فصاعداً ، بطرق مختلفة أو أسانيد عديدة معتبرة.
3 ـ وكوجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة ، الذين أجمعوا على تصديقهم ، كزرارة ، ومحمّـد بن مسلم ، والفضيل بن يسار.
4 ـ أو على تصحيح ما يصحّ عنهم ، كصفوان بن يحيى ، ويونس بن عبـد الرحمن ، وأحمد بن محمّـد بن أبي نصر البزنطي.
5 ـ أو العمل بروايتهم كعمّار الساباطي ونظرائه.
6 ـ وكاندراجه في أحد الكتب التي عرضت على أحد الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام فأثنوا على مؤلّفيها ، ككتاب عبيد الله الحلبي الذي عرض على الصادق عليهم‌السلام ، وكتابي يونس بن عبـد الرحمن والفضل بن شاذان ، المعروضين على الإمام العسكري عليه‌السلام.
7 ـ وكأخذه من أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها ، سواء كان مؤلّفوها من الإمامية ، ككتاب الصلاة لحريز بن عبـد الله السجستاني ، وكتب بني سعيد ، وعلي بن مهزيار ، أو من غير الإمامية ، ككتاب حفص بن غياث القاضي ، والحسين بن عبيد الله السعدي ، وكتاب القبلة لعلي بن الحسن الطاطري»(1).
__________________
(1) الوافي 1 / 11 ـ 12 المقدمة الثانية.

2 ـ إنّ الروايات الواردة في الكتاب ليست كلّها صحيحة أو معتبرة ، وقد لاحظنا الأرقام التي أعدّها المحدّث البحراني في كتابه لؤلؤة البحرين ، فكان الصحيح منها ـ باصطلاح المتأخّرين ـ (5072) حديثاً من مجموع (19916) حديثاً (أي بنسبة 31 %) ، وهذه النسبة تغطّي معظم الأحكام الشرعية؟ لأنّ هناك الكثير من الأحاديث المكرّرة في ذات الموضوع. ومع ذلك فقد زُعِمَ بأنّ الاحتفاء الذي تمتّع به الكتاب يقتضي استغناء الفقيه عن التتبّع في آحاد رواته.
فقد وصفه الشيخ المفيد (ت 413 هـ) : بأنّه من أعظم كتب الشيعة.
وقال فيه الشهيد الأوّل (ت 786 هـ) : إنّه لم يعمل للإمامية مثله.
وقال فيه العلامة المجلسي (ت 1111 هـ) : بأنّه أضبط الأُصول وأجمعها.
ولكن مجرّد الاحتفاء بالكتاب لا يعبّر عن عصمته في جمع الأحاديث المعتبرة ؛ والضبط في الجمع والتبويب لا يحرز ضمّ الأحاديث الصحيحة بمعناها الواقعي. فهو قدس‌سره وإن لم يروِ في كتابه بلا واسطة إلاّ عن الثقات ، إلاّ أنّه مع الواسطة روى عن الثقات وغير الثقات ، وهذا المورد يستدعي التدقيق في الروايات من قبل أجيال الفقهاء التي لحقت بعصر الكليني قدس‌سره.
ووثاقة الكليني ، وضبطه ، وتحرّزه لا تضمن تماماً الوقوع في خطأ النقل عن الضعفاء. فقد يحصل ذلك استثناءً. وهذا ـ بحدّ ذاته ـ يستدعي التدقيق أيضاً. وقريب من ذلك ما فعله النجاشي ، فقد كان النجاشي ، إذا تعلّق الأمر بلا واسطة ، لا يروي إلاّ عن ثقة. إمّا مع الواسطة فهو يروي عن الثقة وغير الثقة.

يقول النجاشي في ترجمة أبي الفضل محمّـد بن عبـد الله بن محمّـد : «كان [قد أفنى] في طلب الحديث عمره ، أصله كوفي ، وكان في أوّل أمره ثبتاً ثمّ خلط ، ورأيت جلّ أصحابنا يغمزونه ويضعّفونه ، له كتب ... رأيت هذا الشيخ ، وسمعتُ منه كثيراً ، ثمّ توقّفت عن الرواية عنه إلاّ بواسطة بيني وبينه»(1).
ولم يعتقد الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) بصحّة جميع روايات الكافي ، فنقل روايات من الكافي في كتابيه التهذيب والاستبصار ، وناقش في أسنادها وحكم بضعفها.
قال العلاّمة المجلسي : «أمّا جزم بعض المجازفين بكون جميع الكافي معروضاً على القائم عليه‌السلام ؛ لكونه في بلد السفراء [بغداد] ، فلا يخفى ما فيه.
نعم ، عدم إنكار القائم وآبائه : عليه وعلى أمثاله من تأليفاتهم ورواياتهم ممّا يورث الظنّ المتاخم للعلم بكونهم : راضين بفعلهم ومجوّزين للعمل بأخبارهم»(2).
و «الحقّ عندي أنّ وجود الخبر في أمثال تلك الأُصول المفيدة ، ممّا يورث جواز العمل به ، ولكن لا بدّ من الرجوع إلى الأسانيد ؛ لترجيح بعضها على بعض عند التعارض»(3).
ويؤيّد ذلك ما ورد في مقدّمة كتاب الكافي ذاته من عدم الجزم بقطعية صحّة جميع الروايات الواردة عن المعصومين عليهم‌السلام ، فيقول :
__________________
(1) رجال النجاشي رقم 1059.
(2) مرآة العقول 1 / 22 مقدمة المؤلف.
(3) مرآة العقول 1 / 22 مقدمة المؤلف.

«فاعلم يا أخي ـ أرشدك الله ـ أنّه لا يسع أحداً تمييز شيء ممّا اختلف الرواية فيه عن العلماء : برأيه ، إلاّ على ما أطلقه العالم بقوله عليه‌السلام : اعرضوها على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله عزّ وجلّ فخذوه ، وما خالف كتاب الله فردّوه ، وقوله عليه‌السلام : دعوا ما وافق القوم فإنّ الرشد في خلافهم ، وقوله عليه‌السلام : خذوا بالمجمع عليه ، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه. ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقلّه ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم عليه‌السلام وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله عليه‌السلام : بأيّما أخذتم من باب التسليم وسعكم»(1).
2 ـ من لا يحضره الفقيه :
وهو الكتاب الثاني في الحديث ، من تأليف الشيخ محمّـد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي (ت 381 هـ) ، المعروف بالشيخ الصدوق.
اقتبس المصنّف اسم كتابه من كتاب من لا يحضره الطبيب لمحمّـد بن زكريا الرازي.
ويعتبر الكتاب من الكتب الدقيقة في الحديث ، بل إنّ «من الأصحاب من يذهب إلى ترجيح أحاديث من لا يحضره الفقيه على غيره من الكتب الأربعة ؛ نظراً إلى زيادة حفظ الصدوق ، وحسن ضبطه ، وتثبّته في الرواية ، وتأخّر كتابه عن الكافي ، وضمانه فيه بصحّة مايورده ، وإن لم يقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووا ، وإنّما يورد فيه ما يفتي به ويحكم
__________________
(1) الكافي 1 / 9.

بصحّته ، ويعتقد أنّه حجّة بينه وبين ربّه»(1).
ومجموع أحاديث الكتاب (5963) حديثاً في (446) باباً في أربعة مجلّدات. المسانيد فيه (3913) حديثاً ، والمراسيل (2050) حديثاً(2).
واتخذ الشيخ الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه منهجاً جديداً مغايراً لمنهج الشيخ الكليني ، فاختصر الصدوق أسانيد الروايات ، وحذف أوائل السند ، ووضع المشيخة في خاتمة من لا يحضره الفقيه ؛ من أجل معرفة طريقه إلى من روى عنه.
بينما كان منهج الكليني في الكافي هو سرد السند بالكامل على الأغلب.
ولا شكّ أنّ كتاب من لا يحضره الفقيه لم يفلت من النقاش الدائر حول مدى حجّية جميع الروايات الواردة فيه :
1 ـ فقد زُعم بأنّ كتاب من لا يحضره الفقيه كتاب فتوى ، ولا بدّ أن تكون الروايات الواردة فيه صحيحة. فقد قال المصنّف قدس‌سره في مقدّمته : «بل قصدتُ إلى إيراد ما أُفتي به وأُحكم بصحّته»(3).
وبطبيعة الحال ، فإنّ وثوق الخبر عند المتقدّمين كان نابعاً من كونه من المعصومعليه‌السلام ، لا كون الراوي من الثقات.
وقد أشار إلى ذلك المحقّق البهبهاني ، فقال : «إنّ الصحيح عند القدماء هو ما وثقوا بكونه من المعصوم أعمّ من أن يكون منشأ وثوقهم كون الراوي من الثقات ، أو أمارات أُخر ، ويكونوا يقطعون بصدوره عنهم أو
__________________
(1) خاتمة مستدرك الوسائل 4 / 6.
(2) لؤلؤة البحرين : 395.
(3) من لا يحضره الفقيه 1 / 3.

يظنّون»(1).
فبلحاظ تغيّر الزمان والمكان ، فإنّ أُصول البحث عن صحّة الروايات قد تبدّل ، فقد كان القدماء ، كالصدوق والطوسي وغيرهم يطمئنّون إلى صحّة الحديث ؛ لوجود قرائن خارجية ملموسة في ذلك الزمان ، كوجود الحديث في الأُصول الأربعمائة ، أو وجوده في الكتب المعروضة على أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ككتاب (يونس بن عبـد الرحمن) و (فضل بن شاذان) اللذين عرضا على الإمام العسكري عليه‌السلام مثلاً. وهذا لا يقطع بوثوق الرواة ، بقدر ما يكشف صحّة الروايات في تلك الأُصول والكتب.
2 ـ إنّ مراسيل من لا يحضره الفقيه التي بلغت حوالي نصف حجم الأحاديث الكلّية في الكتاب ، بحاجة إلى بحث وتمحيص ، فهل يمكن الاعتماد على مراسيل الصدوق كما هو الحال مع أسانيده؟
قال جماعة من الفقهاء : بحجّية مراسيل الصدوق.
فقال السيّد بحر العلوم في رجاله : «إنّ مراسيل الصدوق في الفقيه كمراسيل ابن أبي عمير في الحجّية والاعتبار ، وإنّ هذه المزيّة من خواصّ هذا الكتاب لا توجد في غيره من كتب الأصحاب»(2).
وقال المحقّق الداماد في الرواشح : «إذا كان الإرسال بالإسقاط رأساً جزماً ، كما قال المرسل (قال النبي ، أو قال الإمام) فهو يتمّ فيه ، وذلك مثل قول الصدوق في الفقيه (قال الصادق عليه‌السلام : الماء يطهر ولا يطهر) ، إذ مفاده الجزم أو الظنّ بصدور الحديث عن المعصوم ، فيجب أن تكون الوسائط عدولاً في ظنّه ، والاّ كان الحكم الجازم بالإسناد هادماً لجلالته
__________________
(1) تعليقة البهبهاني (الفوائد الرجالية) : 27.
(2) رجال بحر العلوم 3 / 300.

وعدالته»(1).
ولا شكّ أنّ قضية المراسيل تبقى قضية معلّقة ، فحتّى لو وثق الشيخ الصدوق من صدور الرواية عن الإمام عليه‌السلام ، يبقى وثوقه حدساً لا يكشف لنا عدالة الراوي أو وثاقته.
3 ـ إنّ وجود الكتب المعتبرة ـ التي كان معوّلاً عليها زمن النصّ ـ ككتب (الفضيل بن يسار) ، و (محمّـد بن مسلم) ، و (حريز بن عبـد الله السجستاني) ، و (عبيد الله بن علي الحلبي) وغيرها ، والتي ذكرها الصدوق في كتابه ، يقتضي تكثيف البحث حولها وحول طرقها إلى المعصومعليه‌السلام ، وقد قال الشيخ الصدوق : إنّ جميع ما في من لا يحضره الفقيه : «مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع»(2). إلاّ أنّ بعض تلك الكتب «هي كتب غيرهم من الأعلام المشهورين ، كرسالة والده إليه ، وكتاب شيخه محمّـد بن الحسن بن الوليد. فالروايات المودعة في الفقيه مستخرجة من هذه الكتب معتقداً أنّها كتب معروفة ومعتبرة ، وأمّا كونها صحيحة أو غير صحيحة ، فهو أمر أجنبي عن ذلك»(3).
3 ـ تهذيب الأحكام :
لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ).
ألّفه شرحاً لرسالة المقنعة في الفقه ، لشيخه محمّـد بن محمّـد بن النعمان المفيد (ت 413 هـ). وهو «أحد الكتب الأربعة ، المجاميع
__________________
(1) الرواشح : 174.
(2) من لا يحضره الفقيه 1 / 3.
(3) معجم رجال الحديث 1 / 87.

القديمة ، المعوّل عليها عند الأصحاب من لدن تأليفها حتّى اليوم. ألّفه شيخ الطائفة ، استخرجه من الأُصول المعتمدة للقدماء التي هيّأها الله له ، وكانت تحت يده من لدن وروده إلى بغداد سنة 408 هـ ، إلى مهاجرته منها إلى النجف الأشرف»(1).
والكتاب مؤلّف من أبواب عددها 93 باباً ، وعدد أحاديثه (12590) حديثاً(2) ، مطبوع بعشرة مجلّدات.
قال الشيخ الطوسي في عدّة الأُصول ـ على ما حكاه الفيض الكاشاني ـ : «إنّ ما أورده في كتابي الأخبار إنّما أخذه من الأُصول المعتمد عليها»(3).
وبعد أن ذكر الشيخ قدس‌سره مختاره في حجّية خبر الواحد ، إذا كان راويه إماميّاً ، ولم يطعن في روايته ، وكان سديداً في نقله ، قال : «والذي يدلّ على ذلك إجماع الفرقة المحقّة ، فإنّي وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ، ودوّنوها في أُصولهم ، لا يتناكرون ذلك ، ولا يتدافعونه حتّى أنّ واحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه : من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم إلى كتاب معروف ، أو أصل مشهور ، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه ، سكتوا وسلّموا الأمر في ذلك ، وقبلوا قوله ...
وممّا يدلّ أيضاً على جواز العمل بهذه الأخبار ـ التي أشرنا إليها ـ ما ظهر من الفرقة المحقّة من الاختلاف الصادر عن العمل بها ، فإنّي
__________________
(1) الذريعة 4 / 504.
(2) لؤلؤة البحرين : 396.
(3) نقلها الفيض الكاشاني في الوافي 1 / 11 المقدّمة الثانية ـ طبعة حجرية. والعبارة غير موجودة في (عدّة الأُصول) ، ولعلّها حُذفت من قبل النسّاخ قبل تحقيق الطبعات الحديثة.

وجدتها مختلفة المذاهب في الأحكام ، يفتي أحدهم بما لا يفتي به صاحبه في جميع أبواب الفقه ، من الطهارة إلى باب الديّات من العبادات ، والأحكام والمعاملات ، والفرائض وغير ذلك ، مثل اختلافهم في العدد والرؤية في الصوم ...
وقد ذكرت ما ورد عنهم عليهم‌السلام من الأحاديث المختلفة ـ التي تختص بالفقه ـ في كتابي المعروف بـ : الاستبصار ، وفي كتاب تهذيب الأحكام ما يزيد على خمسة آلاف حديث ، وذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها ، وذلك أشهر من أن يخفى»(1).
وهذا ما أكّده المحقّق الحلّي (ت 676 هـ) في معارج الأُصول ، فقال : «وذهب شيخنا أبو جعفر إلى العمل بخبر العدل من رواة أصحابنا ، لكن لفظه ـ وإن كان مطلقاً ـ فعند التحقيق يتبيّن أنّه لا يعمل بالخبر مطلقاً ، بل بهذه الأخبار التي رويت عن الأئمّة عليهم‌السلام ودوّنها الأصحاب ، لا أنّ كلّ خبر يرويه الإمامي يجب العمل به ، هذا الذي تبيّن لي من كلامه ، ويدّعي إجماع الأصحاب على العمل بهذه الأخبار ...»(2).
4 ـ الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار :
وهو من تأليف الشيخ الطوسي قدس‌سره.
وهو أحد الكتب الحديثية الأربعة التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند الإمامية ، ويتكوّن من ثلاثة أجزاء : الأوّل والثاني يشتملان على العبادات ، والثالث يتعلّق بالمعاملات وغيرها من أبواب الفقه ، وقد حصر
__________________
(1) عدّة الأُصول : 337 ، 354.
(2) معارج الأُصول : 147.

أحاديثه بالشكل التالي :
الجزء الأوّل في (300) باباً ، فيه (1899) حديثاً.
الجزء الثاني في (217) باباً ، فيه (1177) حديثاً.
والجزء الثالث في (398) باباً ، فيه (2455) حديثاً.
فمجموع الأبواب (915) باباً ، تتضمّن (5521) حديثاً ، وهو مطبوع في أربعة مجلّدات.
وطريقة الشيخ في كتابي التهذيب والاستبصار : إنّه قد يذكر جميع السند ، كما في الكافي ، وقد يقتصر على البعض بحذف المصدر ، كما في الفقيه. و «لكنّه استدرك المتروك في آخر الكتابين ، فوضع له مشيخته المعروفة ، وهي فيهما واحدة غير مختلفة ، قد ذكر فيهما جملة من الطرق إلى أصحاب الأُصول والكتب ، ممّن صدر الحديث بذكرهم ، وابتدأ بأسمائهم ، ولم يستوفِ الطرق كلّها ، ولا ذكر الطريق إلى كلّ من روى عنه بصورة التعليق ، بل ترك الأكثر ؛ لقلّة روايته عنهم ، وأحال التفصيل إلى فهارس الشيوخ المصنّفة في هذا الباب ، وزاد في التهذيب الحوالة على كتاب الفهرست الذي صنّفه في هذا المعنى»(1).
والفنّ في الاستفادة من كتاب التهذيب : هو معرفة الطرق التي توصّل بها المصنّف إلى رواية الأُصول والمصنّفات.
فقال في تفصيل بعض الطرق : «فما ذكرناه في هذا الكتاب عن محمّـد بن يعقوب الكليني رحمه الله ، فقد أخبرنا الشيخ أبو عبـد الله محمّـد بن محمّـد بن نعمان رحمه الله ، عن أبي القاسم جعفر بن
__________________
(1) خاتمة المستدرك 6 / 13.

محمّـد بن قولويه رحمه الله ، عن محمّـد بن يعقوب رحمه الله. وأخبرنا به أيضاً الحسين بن عبيد الله ، عن أبي غالب أحمد بن محمّـد الزراري وأبي محمّـد هارون بن موسى التلعكبري ، وأبي القاسم جعفر بن محمّـد بن قولويه ، وأبي عبـد الله أحمد بن أبي رافع الصيمري ، وأبي المفضل الشيباني وغيرهم ، كلّهم عن محمّـد بن يعقوب الكليني.
وأخبرنا به أيضاً : أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر ، عن أحمد بن أبي رافع ، وأبي الحسين عبـد الكريم بن عبـد الله بن نصر البزاز بتنيس وبغداد ، عن أبي جعفر محمّـد بن يعقوب الكليني جميع مصنّفاته وأحاديثه ، سماعاً ، وإجازة ببغداد بباب الكوفة ، بدرب السلسلة ، سنة سبع وعشرين وثلاثمائة»(1).
ولكن تلك الطرق التي أوردها الشيخ في مشيخة التهذيب لم تكن مسندة في كلّ الحالات ، بل كانت أحياناً معلولة بضعف أو إرسال أو جهالة. وكان في بعض الأحيان يبدأ الحديث برواة لم يذكر لهم طريق في المشيخة ، ومن أجل تصحيح ذلك ، فقد حاول بعض الفقهاء الأجلاّء طرح نظريّات ؛ لتصحيح أسانيد الشيخ الطوسي :
منها : الرجوع إلى كتاب الفهرست ، فإنّ في الفهرست طرقاً إلى أرباب الكتب والأُصول ، الذين أهمل الشيخ ذكر السند إلى كتبهم في كتاب التهذيب.
ومنها : الرجوع إلى الكتب الرجالية الأُخرى كـ : مشيخة الفقيه ، ورسالة الشيخ أبي غالب الزراري ، وطريق النجاشي في رجاله ونحوها.
__________________
(1) تهذيب الأحكام 10 / 9 ـ 25 من المشيخة.

ومنها : ما ذكره الشيخ محمّـد الأردبيلي (ت 1101 هـ) في كتابه المفقود تصحيح الأسانيد من الرجوع إلى أسانيد روايات التهذيبين (أي كتابي التهذيب والاستبصار) ، ومعرفة الطرق الضعيفة أو المجهولة ، من الطرق الصحيحة أو المعتبرة(1).
قال المحقّق الأردبيلي في مقدّمة تصحيح الأسانيد : «إنّ ما ذكره علماء الرجال من طرق الشيخ قليل في الغاية ، ولا يكون مفيداً في ما هو المطلوب ، والشيخ لمّا أراد إخراج الروايات التي لم يذكر طريقه إلى أرباب الكتب في نفس التهذيب والاستبصار من الإرسال ، ذكر في المشيخة والفهرست طريقاً أو طريقين أو أكثر إلى كلّ واحد من أرباب الكتب والأُصول ، فمن كان قصده الاطّلاع على أحوال الحديث ، ينبغي أن ينظر إلى المشيخة ويرجع إلى الفهرست ...
إنّي لمّا رجعتُ إليهما ، رأيت أنّ كثيراً من الطرق المورودة فيهما معلول على المشهور ، بضعف أو إرسال ، أو جهالة ، وأيضاً رأيت أنّ الشيخ ؛ ربّما بدأ في أسانيد الروايات بأُناس لم يذكر لهم طريقاً أصلاً ، لا في المشيخة ولا في الفهرست ؛ فلأجل ذلك ، رأيت من اللازم تحصيل طرق الشيخ إلى أرباب الأُصول والكتب ، غير الطرق المذكورة في المشيخة والفهرست ، حتّى تصير تلك الروايات معتبرة ، فلمّا طال تفكيري في ذلك وتضرّعي ، أُلقي في روعي أن أنظر في أسانيد روايات التهذيبين ، فلمّا نظرتُ فيها ، وجدت فيها طرقاً كثيرة إليهم غير ما هو مذكور في المشيخة والفهرست ، أكثرها موصوف بالصحّة والاعتبار فصنّفت هذه الرسالة ،
__________________
(1) جامع الرواة : 473 ـ 475 الفائدة الرابعة.

وذكرتُ فيها جميع الشيوخ المذكورين في المشيخة والفهرست ، وذيّلتُ ما فيهما من الطرق الضعيفة أو المجهولة ، بالإشارة إلى ما وجدته من الطرق الصحيحة أو المعتبرة مع تعيين موضعها ، وأضفت إليهم من وجدتُ له طريقاً معتبراً ، ولم يذكر طريقه فيهما»(1).
روى الشيخ الطوسي في التهذيب روايات علي بن الحسن الطاطري ، في الصلاة ، فقال : «علي بن الحسن الطاطري ، قال : حدّثني عبـد الله بن وضّاح ، عن سماعة بن مهران ، قال : قال لي أبو عبـد الله عليه‌السلام : إيّاك أن تصلّي قبل أن تزول ، فإنّك تصلّي في وقت العصر خير لك أن تصلّي قبل أن تزول»(2).
قال الشيخ الطوسي في المشيخة : «وما ذكرته عن علي بن الحسن الطاطري ، فقد أخبرني به أحمد بن عبدون ، عن علي بن محمّـد بن الزبير ، عن أبي الملك أحمد بن عمر بن كيسبة ، عن علي بن الحسن الطاطري».
وطريق الشيخ ضعيف ؛ بجهالة اثنين من الرواة هم : ابن الزبير وابن كيسبة ؛ وبذلك يتحطّم هذا الطريق في السند للوصول إلى واقعية قول الإمام عليه‌السلام ، ويقتضي عدم اعتبار الروايات الواردة من هذا الطريق التي يصل عددها إلى ثلاثين.
ولكن المحقّق الأردبيلي اقترح بأن يكون طريق التوثيق بالشكل التالي :
__________________
(1) جامع الرواة : 473 ـ 475 الفائدة الرابعة. وأورده السيد البروجردي في مقدّمته على جامع الرواة 1 / 266.
(2) التهذيب ج 2 حديث 549.

إنّ الشيخ الطوسي روى في باب الطواف أربع روايات بالسند التالي : (موسى بن القاسم ، عن علي بن الحسن الطاطري ، عن درست بن أبي منصور ، عن ابن مسكان).
ولمّا كان (موسى بن القاسم) ثقة ، وطريق الشيخ إليه صحيح ، عندها يصبح الطريق إلى علي بن الحسن الطاطري سالكاً وصحيحاً ، لا عن طريق المشيخة ولا عن طريق الفهرست ، بل عن طريقه في المشيخة إلى موسى بن القاسم.
وقد اُشكل على ذلك(1) : بأنّ طريق الشيخ الطوسي إلى أحد الرواة إذا كان ضعيفاً فلا يمكن إصلاحه عن طريق معرفة راو آخر وقع اسمه في ثنايا السند.
فتبقى مشكلة تصحيح أسانيد الشيخ الطوسي قائمة!
__________________
(1) صاحب الإشكال هو السيد البروجردي قدس‌سره.

الفصل الرابع
الأُصول الرجالية
الشيخ الطوسي : حلقة الإتصال بين متقدّمي الأرباب الأُصولية والمتأخّرين.
توفّرت للشيخ الطوسي قدس‌سره ، من وسائل العلم والمعرفة والقدرة على التحليل والتركيب العقليّين ، ما لم يتوفّر لأحد سواه. فقد كانت تحت سلطته العلمية مكتبتين من أهمّ مكتبات العالم في القرن الخامس الهجري ، وهما مكتبة (سابور بن أردشير) وزير بهاء الدولة الديلمي في الكرخ ببغداد حيث كانت تحتضن الكتب القديمة الصحيحة بخطوط مؤلّفيها أو بلاغاتهم. ومكتبة استاذه الشريف السيّد المرتضى (ت 436 هـ) الذي صحبه ثماني وعشرين سنة. وكانت تحتوي على ثمانين ألف كتاب.
ومن المؤكّد أنّ تلك المكتبتين كانتا تحتويان على أُصول الأصحاب الأربعمائة ، والمجاميع الحديثية القديمة التي جمعت فيها مواد تلك الأُصول ، والكتب الخاصّة بأسماء الرجال وتراجمهم.
وقد مكّنته تلك الثروة العلمية من تنظيم المصادر الرجالية القديمة وترتيبها ضمن منهج علمي وروح تأسيسية انفرد بها من بين القدماء. فقد أصبحت الكتب الرجالية التي دوّنها وهي : كتاب الرجال ، والفهرس ، واختيار الرجال للكشّي ، من أهمّ المصادر الرجالية في المدرسة الإمامية. ودراسة معمّقة لآثار الشيخ الطوسي في علم الرجال تدفعنا إلى الاستنتاج بأنّه كان حلقة الإتصال بين أرباب الأُصول الرجالية القديمة والمتأخّرين ،

بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى. فقد أعاد قدس‌سره كتابة أسماء الرجال وتراجمهم ومصنّفاتهم. فانقذ علم الرجال من المصير الذي كان يمكن أن يؤول إليه. فكان لطف الله سبحانه على الأُمّة منعكساً في شخصية شيخ الطائفة قدس‌سره.
فكتاب الرجال أو الأبواب تضمن زهاء (8900) اسم رتّب على أبواب بعدد رجال أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ورجال أصحاب كلّ واحد من الأئمّة عليهم‌السلام ، ورجال من لم يروِ عنهم إلاّ بواسطة ، باباً باباً. وكان هدفه من هذا الجمع حفظ أسماء الرواة وتمييز طبقاتهم كمقدّمة من مقدّمات التعرّف على أحوالهم وطبيعة صدقهم وأمانتهم في نقل الحديث.
وقد اُشكل على كتاب رجال الطوسي أنّ مصنّفه قدس‌سره قد يذكر الرجل في باب من لم يروِ عنهم عليهم‌السلام ثمّ يذكره في بعض أبواب من روى عنهم عليهم‌السلام ؛ فمن ذلك (ثابت بن شريح) فقد ذكره مرّة في باب أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام ومرّة أُخرى في باب من لم يروِ عنهم عليهم‌السلام. و (فضالة ابن أيّوب) ذكره تارة في باب أصحاب الكاظم عليه‌السلام ، وثانية في باب أصحاب الرضا عليه‌السلام ، وثالثة في باب من لم يروِ عنهم عليهم‌السلام. و (قتيبة بن محمّـد الأعشى) ذكره مرّة في باب أصحاب الصادق عليه‌السلام وأُخرى في باب من لم يروِ عنهم عليهم‌السلام. وهل هذا إلاّ تناقض! إلاّ أنّ الفحص الدقيق يرفع هذا الإشكال الذي توهّمه البعض. وأوّل من قام بذلك الفحص الدقيق هو الشيخ عبـد الله المامقاني النجفي (ت 1351 هـ) في كتابه : تنقيح المقال في أحوال الرجال فقال : «والذي ظهر لي بلطف الله سبحانه بعد فضل الغوص في التراجم والالتفات إلى نكات كلمات الأعاظم من دون تصريح أحد منهم بذلك : أنّ الرجال أقسام : (منهم) يروي عن الإمام عليه‌السلام دائماً بغير واسطة. و (منهم) لم يروِ عن إمام عليه‌السلام أصلاً إلاّ بالواسطة لعدم دركه أزمنة

الأئمّة عليهم‌السلام أو عدم روايته عنهم عليهم‌السلام. و (منهم) له روايات عن الإمام عليه‌السلامبلا واسطة ، وروايات عنه بواسطة غيره. فالذي يذكره الشيخ رحمه الله في باب من روى عن أحدهم عليهم‌السلام تارة وفي باب من لم يروِ عنهم عليهم‌السلام أُخرى ، يشير بذلك إلى حالتيه. فباعتبار روايته عنه عليه‌السلام بغير واسطة أدرجه فيمن روى عنه عليه‌السلام ، وباعتبار روايته عنه بواسطة آخر أدرجه في باب من لم يروِ عنهم عليهم‌السلام. ومصداقه كثير : (منهم) بكر بن محمّـد الأزدي ، فإنّ له روايات عن الصادق والكاظم والرضا عليهم‌السلام بغير واسطة وروايات عن أحد الأئمّة عليهم‌السلام بواسطة عمّته غنيمة وغيرها ؛ فلذا أدرجه تارة في باب اصحاب الصادق عليه‌السلام ، وأُخرى في باب أصحاب الكاظم عليه‌السلام ، وثالثة في باب أصحاب الرضا عليه‌السلام ، ورابعة في باب من لم يروِ عنهم عليهم‌السلام. و (منهم) ثابت بن شريح ...»(1).
وهذا التوجيه مطابق إلى مقدّمة الشيخ الطوسي في رجاله حيث قال وهو بصدد بيان منهجية تأليف كتاب يشتمل على أسماء الرجال : «... ثمّ أذكر بعد ذلك من تأخّر زمانه عن الأئمّة عليهم‌السلام من رواة الحديث أو من عاصرهم ولم يروِ عنهم ...»(2). إلاّ أنّنا لا ننكر أنّ تلك كانت هفوة منهجية كان من الممكن تلافيها في عصر التأليف بإدراج قائمة تميّز الرجال الذين لهم روايات عن الإمام عليه‌السلام بلا واسطة وفي الوقت نفسه لهم روايات بواسطة الغير ، عن غيرهم من الذين رووا عن الإمام عليه‌السلام أصلاً بغير واسطة.
وكان كتاب اختيار الرجال الذي جاء تنقيحاً لكتاب رجال الكشي
__________________
(1) تنقيح المقال في احوال الرجال 1 / 194.
(2) رجال الطوسي : 2.

الموسوم بـ : معرفة الناقلين عن الأئمّة الصادقين عليهم‌السلام محاولة أُخرى من شيخ الطائفة لبناء أساس متين لعلم الرجال.
إلاّ أنّ كتاب الفهرس اكتسى أهمّية فائقة لدى الفقهاء ، لأنّ المصنّف ذكر فيه المؤلّفين الذين اتصل إليهم إسناده مع الإشارة إلى مكانتهم من الثقة والاعتماد أحياناً والإكتفاء بذكر مؤلّفاتهم أحياناً أُخرى. فقد كان مقصوده قدس‌سره سرد المؤلّفات والإسناد إليها.
وقد كان شيخ الطائفة رائداً في تبيان حقيقة مهمّة وهي أنّ الوثاقة لا يمكن خدشها بانتحال الفرد الثقة مذهباً فاسداً ، فالذي يهمّنا في هذا الحقل هو قبول الخبر لا قبول الشهادة. قال قدس‌سره في كتاب عدّة الأُصول : «... فأمّا ما ترويه الغلاة والمتّهمون والمضعّفون وغير هؤلاء ممّا يختصّ الغلاة بروايته ، فإن كانوا ممّن عرف لهم حال استقامة وحال غلوّ عُمل بما رووه في حال الاستقامة وتُرك ما رووه في حال خلطهم. ولأجل ذلك عملت الطائفة بما رواه أبو الخطّاب محمّـد بن أبي زينب في حال استقامته وتركوا ما رواه في حال تخليطه. وكذلك القول في أحمد بن هلال العبرتائي وابن أبي عزاقر وغير هؤلاء ، فأمّا ما يروونه في حال تخليطهم فلا يجوز العمل به على كلّ حال. وكذلك القول فيما يرويه المتّهمون والمضعّفون. وإن كان هناك ما يعضد روايتهم ويدلّ على صحّتها وجب العمل به ، وإن لم يكن هناك ما يشهد لروايتهم بالصحّة وجب التوقّف في أخبارهم. فلأجل ذلك توقّف المشائخ عن أخبار كثيرة هذه صورتها ، ولم يرووها واستثنوها في فهارسهم من جملة ما يروونه في التصنيفات. فأمّا من كان مخطئاً في بعض الأفعال أو فاسقاً بأفعال الجوارح وكان ثقةً في روايته متحرّزاً فيها فإن ذلك لا يوجب ردّ خبره وكون العمل به ، لأنّ العدالة المطلوبة في الرواية حاصلة

فيه. وإنّما الفسق بأفعال الجوارح يمنع من قبول شهادته وليس بمانع من قبول خبره ، ولأجل ذلك قبلت الطائفة أخبار جماعة هذه صفتهم»(1). وقد طبّق الشيخ قدس‌سره نظريّته التي ذكرها هنا في كتاب الفهرس.
وربّما نتمكّن الآن ، وبعد هذا العرض عن نشاط الشيخ الطوسي في حقل علم الرجال ، من إدراج اهم معالم مدرسته قدس‌سره ضمن النقاط التالية :
1 ـ ترتيب أسماء الرواة على حروف المعجم ، كما قام بذلك قدس‌سره في كتاب الأبواب محاولاً تصنيف الرواة على أساس اختلاف عصور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة عليهم‌السلام. وهذا العمل مهمّ في تمييز طبقات الرواة في الوقت الذي لم تتطرّق الكتب الرجالية التي سبقت عصر الشيخ الطوسي إلى ذلك.
2 ـ التمييز بين أصحاب الرواية وأصحاب اللقاء. فقد استخدم مصطلح (الأصحاب) للتعبير عن أصحاب الرواية ، وهم الذين رووا عن الإمام عليه‌السلام ولكن لم يلتقوه إلاّ في موارد نادرة منها أنّه ذكر (محمّـد بن أبي عمير) في أصحاب الإمام الرضا عليه‌السلام لكنّه لم يذكره في أصحاب الإمام الكاظم عليه‌السلام مع أنّه ممّن لقيه عليه‌السلام. ومع ذلك ، فإنّ منهج الشيخ الطوسي كان دقيقاً في التمييز بين أصحاب الرواية وبين الذين التقوا الإمام عليه‌السلام وجهاً لوجه.
3 ـ التمييز بين الرواة الذين رووا عن الإمام عليه‌السلام بغير واسطة وبين الذين لم يرووا عن الإمام عليه‌السلام أصلاً إلاّ بالواسطة لعدم إدراكهم أزمنة الأئمّة عليهم‌السلام.
__________________
(1) عدّة الاصول : 56.

4 ـ تنقيح أحد المصادر الرجالية الرئيسية الذي كان مثقلاً بالأخطاء. فقد عمد إلى تهذيب رجال الكشّي الموسوم بـ : معرفة الناقلين عن الأئمّة الصادقين عليهم‌السلام وتجريده من الزيادات والأغلاط وسمّاه بـ : اختيار الرجال. ويدلّ هذا الجهد على ما ذكرناه من أنّ الشيخ الطوسي كان قاعدة تأسيسية للنظرية الرجالية في الحوزة العلمية الشيعية في النجف.
5 ـ ترتيب أسماء أصحاب الكتب والأُصول. وقد تناول ذلك في كتابه الفهرس ، فذكر ما يزيد على تسعمائة إسم من أسماء المصنّفين أنهى إلى كتبهم وأُصولهم أسانيده عن مشايخه. وهذا الموضوع له أهمّيته في علم الرجال ، لأنّ التصنيف أو كتابة الأصل قرينة تدلّ على لون من ألوان الإهتمام بحمل الحديث عند الراوي ، على الأقل.
6 ـ الإيمان بأنّ فساد المذهب لا يقدح في الوثاقة ، إذا كان الراوي ثقة. أي إنّه لا يكذب ، بل يتحرّج في نقل الخبر ، ومعلوم عنه الإتقان في ضبطه وتحمّله. قال الشيخ في مقدّمة الفهرس : «فإذا ذكرت كلّ واحد من المصنّفين وأصحاب الأُصول فلا بدّ من أن أُشير إلى ما قيل فيه من التعديل والتجريح ، وهل يعوّل على روايته أو لا؟ وأُبيّن عن اعتقاده ، وهل هو موافق للحقّ أو هو مخالف له؟ لأنّ كثيراً من مصنّفي أصحابنا وأصحاب الأُصول ينتحلون المذاهب الفاسدة [كالفطحية والواقفة] وإن كانت كتبهم معتمدة»(1). وقد فتح هذا الرأي ، باعتباره من المبادئ الرجالية ، الباب للأخذ بالكثير من الروايات التي نطمئنّ بصدورها عن المعصوم عليه‌السلام نقلها لنا افراد عُلم منهم الصدق في نقل الحديث ، مع علمنا بأنّ مذاهبهم كانت فاسدة.
__________________
(1) الفهرس : 2 المقدمة.

7 ـ ذكر الشيخ الطوسي في الفهرس في أكثر من موقع : «أخبرنا عدّة من أصحابنا» أو «أخبرنا جماعة من أصحابنا». وقد أوجب ذلك تبادراً بجهالة طريق روايته بذلك لعدم تسميته للعدّة أو الجماعة. إلاّ أنّ ذلك التبادر يتبدّد بمعرفة الحقيقة وهي أنّ أغلب روايات الشيخ الطوسي قد جاءت عن طريق مشايخه الأربعة المعروفين وهم : الشيخ المفيد (ت 413 هـ) ، وابن الغضائري (ت 411 هـ) ، وابن عبدون (ت 423 هـ) ، وابن أبي جيد (ت بعد سنة 408 هـ). وهؤلاء كلّهم ثقات ، ودخول أحدهم في العدّة كاف في صحّة الرواية.
وهذه الدقّة المبكّرة في مدرسة الشيخ الطوسي الرجالية وضعت أساساً متيناً لعلم الرجال ، وجعلت الشيخ الطوسي حلقة وصل بين الأُصول الرجالية القديمة والعهد العلمي الجديد الذي نمى فيه علم الرجال في المدرسة الإمامية بشكل مطّرد.


الأُصول الرجالية الرئيسية الأربعة :
وهي الكتب الرئيسية التي يعوّل عليها في علم الرجال اليوم ، وهي : اختيار الرجال رجال الكشّي ، ورجال الطوسي (الأبواب) ، وفهرس الطوسي ، ورجال النجاشي.
1 ـ رجال الكشّي «اختيار معرفة الرجال» :
وهذا الكتاب عبارة عن نسخة منقّحة لكتاب رجال الكشي المعروف بـ : معرفة الناقلين عن الأئمّة الصادقين عليهم‌السلام لأبي عمرو محمّـد بن عمر ابن عبـد العزيز الكشّي (ت 328 هـ). أملاه الشيخ الطوسي على تلاميذه في المشهد الغروي بالنجف سنة 456 هـ(1) ، كما ألمحنا إلى ذلك سابقاً.
__________________
(1) فرج المهموم: 130.
           

والكشّي كان من عيون الثقات ، إلاّ أنّه كان يروي عن الضعفاء كثيراً. ولذا قال النجاشي في ترجمته : «محمّـد بن عمر بن عبـد العزيز الكشّي أبو عمرو كان ثقة عيناً وروى عن الضعفاء كثيراً ، وصحب العيّاشي وأخذ عنه وتخرج عليه في داره التي كانت مرتعاً للشيعة وأهل العلم. له كتاب الرجال ، كثير العلم وفيه أغلاط كثيرة»(1). وقد كان هذا سبباً رئيسياً في تحمّس الشيخ الطوسي لتصحيحه وتنقيحه من تلك الأخطاء ، لئلاّ يصل إلى الأجيال القادمة بعد الطوسي فتأخذه أخذ المسلمات دون أن يكون لها طريق لتنقيحه. فكان عمله قدس‌سره يعكس حجم المسؤولية التي كان يحسّ بثقلها من أجل الحفّاظ على الرسالة طاهرة ونقية ، غير ملوّثة بالزيادات والإضافات. وقد استظهر القهبائي (ت بعد سنة 1026 هـ) بأنّ أصل كتاب الكشّي (غير المنقّح) كان شاملاً لرجال العامّة والخاصّة ، فاختار منه الشيخ الطوسي قدس‌سره الخاصّة فقط(2). ولكن ذلك الإستظهار لم يكن دقيقاً. فقد ردّه المحقّق التستري بالقول بأنّ الشيخ الطوسي ذكر فيه جمعاً من العامّة رووا عن أئمّتنا كمحمّـد بن إسحاق ، ومحمّـد بن المنكدر ، وعمرو بن خالد ، وعمرو بن جميع ، وعمرو بن قيس ، وحفص بن غياث ، وغيرهم(3).
2 ـ رجال الطوسي «الأبواب» :
وقد ذكرنا هذا الكتاب في معرض حديثنا عن شخصية الشيخ الطوسي قدس‌سره وكونه حلقة اتصال بين الفقهاء المتقدّمين والمتأخّرين.
__________________
(1) رجال النجاشي رقم 1018.
(2) نقلا عن كلّيات في علم الرجال: 59.
(3) قاموس الرجال 1 / 17.
           

ونضيف هنا إلى أنّ هذا المؤلَّف كان مجرّد سرد عددي لأسماء الرواة عن الأئمّة عليهم‌السلام ، فلم يذكر في حقّهم شيئاً من الوثاقة أو الضعف ولا الكتاب ولا الرواية. بل كان أقصى ما تمنّاه في الكتاب هو عدّهم من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة الهدى عليهم‌السلام. وهنا يتبادر سؤال مهمّ وهو : هل ان شيخ الطائفة قدس‌سره كان عاجزاً عن توثيقهم ، ام إنّه أراد من ذلك التصنيف أمراً آخر؟ والجواب على ذلك أنّ الشيخ الطوسي كان قادراً على بيان حال الرواة الذين ذكرهم من الوثاقة أو الضعف لو سنحت الظروف العلمية والإجتماعية بذلك. كيف لا ، وهو الخبير بأحوال الرجال واستقصاء صدقهم ومنزلتهم العلمية والنقلية. إلاّ أنّ مسلكه في الكتاب كان مجرّد الجمع خوفاً من ضياع ذلك الحدّ الأدنى من أحوال الرواة ، وهو عدّ أسمائهم على الأقلّ.
يقول المحقّق التستري : «أنّ مسلك الشيخ في رجاله يغاير مسلكه في الفهرس ومسلك النجاشي في فهرسه ، حيث إنّه أراد في رجاله استقصاء أصحابهم ومن روى عنهم مؤمناً كان أو منافقاً ، إمامياً كان أو عاميّاً. فعدّ الخلفاء ومعاوية وعمرو بن العاص ونظراءهم من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وعدّ زياد بن أبيه وابنه عبيد الله بن زياد من أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام. وعدّ منصور الدوانيقي من أصحاب الصادق عليه‌السلام بدون ذكر شيء فيهم. فالإستناد إليه ما لم يحرز إمامية رجل غير جائز حتّى في أصحاب غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين عليه‌السلام فكيف في أصحابهما؟»(1). وهذا التقريب صحيح ، إلاّ أنّ مسلك الشيخ قدس‌سره في كتاب الرجال كان مجرّد ترتيب الأفراد حسب عصورهم من أجل إدراك شخصية الراوي وموقعه الزمني في عصر
__________________
(1) قاموس الرجال 1 / 19.
           

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو في عصر أحد المعصومين عليهم‌السلام. وهذا اللون من التصنيف تأسيسي الطابع وذو نكهة علمية لا يمكن إنكارها. وكان كتابه الرجالي الثاني الفهرس خطوة أُخرى على نفس الطريق. قال الشيخ الطوسي في مقدّمة كتابه الرجالي الأبواب : «أمّا بعد : فإنّي قد أُجبتُ إلى ما تكرّر سؤال الشيخ الفاضل فيه من جمـع كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن الأئمّة عليهم‌السلام من بعده إلى زمن القائم عليه‌السلام ثمّ أذكر بعد ذلك من تأخّر زمانه عن الأئمّة عليهم‌السلام من رواة الحديث أو من عاصـرهم ولم يروِ عنهـم»(1). وهذه العبـارة صريحة في سـرد أسمـاء الرجـال دون التدقيـق في وثاقتـهم أو ضعّفـهم على نحو الشموليـة والإستيفـاء.
ولكن ، ومع التصريح باتباعه ذلك المنهج العلمي ، إلاّ أنّه ذكر جملة ألفاظ في وصف بعض الرجال بعضها يفيد المدح مثل : ثقة ، ثقة ثقة ، ثقة صحيح ، ثقة مأمون ونحوها ؛ وبعضها يفيد الذمّ مثل : ضعيف ، عامّي ، رديّ الأصل ، مخلّط ونحوها. إلاّ أنّ هدفه العامّ لم يكن التوثيق أو التضعيف ، كما ألمحنا إلى ذلك.
3 ـ «الفهرس» للطوسي :
وهو كتاب يمثّل المرحلة الثانية من مراحل آمال الشيخ الطوسي قدس‌سرهفي تثبيت أُسس علم الرجال. فقد ذكر فيه اصحاب الكتب والأُصول ، وأنهى إليهم وإليها أسانيده عن مشايخه. وكان هذا الكتاب في غاية الأهمّية لفقهاء الطائفة بعد عصر الطوسي قدس‌سره لأنّه :
1 ـ بيّن الطرق إلى نفس تلك الأُصول والكتب.
__________________
(1) رجال الطوسي: 2 المقدمة.
           

2 ـ إنّ الشيخ قدس‌سره كان ينقل في كتاب التهذيب بعض الروايات من تلك الأُصول والمصنّفات ، إلا أنّه لم يذكر طريقه إليها. فكان الفهرس الدليل الذي يستهدي به الفقيه لمعرفة ذلك الطريق.
ولكن مشكلة التوثيق أو التضعيف لم تكن لتنتهِ عند معرفة حال الرواة بكونهم أصحاب كتب أو اصول. بل إنّ كثيراً من مصنّفي الكتب والأُصول من الأصحاب انتحلوا المذاهب الفاسدة كالفطحية والواقفة والناووسية ونحوها. فهل يضرّ ذلك بالوثاقة أم لا؟ أجاب الشيخ الطوسي قدس‌سره أنّ فساد المذهب لا يمنع من قبول خبره إذا كان صادقاً محتاطاً في طريقه متحرّجاً في نقل الخبر ، كما يظهر من ترجمة الطاطري ، وبني فضّال ، وعلي بن محمّـد بن رباح. ولا بدّ أن يكون قد صنّف الكتاب أو الأصل قبل انحرافه كالحسين بن عبيد الله السعدي ، والشلمغاني ، وأبي الخطّاب ، فإنّه يؤخذ بروايته. ومن الواضح أن يكون الكتاب غير مخالف لما عند العصابة من روايات معوّل عليها. بل قد ورد الإذن من الأئمّة عليهم‌السلام بالأخذ ببعض تلك الكتب والعمل بها ، مع فساد مذاهب أصحابها ككتب بني فضّال ، والشلمغاني لأنّ صدقهم في الحفّاظ على الرواية كان هو الأصل.
بقي أن نقول بأنّ لفظ الفهرست من الأخطاء الشائعة ، والصحيح هو لفظ الفهرس وهو الكتاب الذي تجمع فيه الكتب ، كما ذكر ذلك أغلب علماء اللغة.
4 ـ «رجال النجاشي» :
وهو من الكتب الرجالية المعتمدة عند الطائفة. ألّفه الشيخ أبو العبّاس
 

أحمد بن علي بن أحمد بن العبّاس النجاشي (ت 450 هـ). وقد اضطربت الأقوال في زمن كتابته ، فهل كانت قبل كتابة فهرس الشيخ الطوسي أم بعده؟ والظاهر أنّ تأليف هذا الكتاب كان متأخّراً عن تأليف فهرس الشيخ ، كما تؤكّد بعض العوامل التأريخية. وفي ضوء هذا الاستظهار فإنّ النجاشي كان مطّلعاً على فهرس الشيخ. فقد أضاف النجاشي الى اسماء الرجال طرفاً من كناهم ، وألقابهم ، ومنازلهم ، وأنسابهم. وهذا هو الذي ميّز هذا الكتاب عن فهرس الشيخ الطوسي. وبالإضافة إلى تلك الميزة ، فإنّ هناك مؤشّرات تدلّ على دقّة النجاشي ومقدار عمقه في تحليل أحوال الرواة ، منها :
1 ـ إنّ الشيخ الطوسي لم يذكر في الرجل إلاّ (ما قيل فيه من التعديل والتجريح ، وهل يعوّل على روايته أو لا؟ ... وهل هو موافق للحقّ أم مخالف له؟)(1). بينما أدرج النجاشي (كلّ ما قيل في كلّ رجل منهم من مدح أو ذمّ)(2). وهذه الشمولية التي نلمسها عند النجاشي لم تكن وليدة صدفة ، فقد كان المصنِّف مختصّاً بالأنساب ، فله كتاب أنساب بني نضر بن قعين وأيّامهم وأشعارهم. وعلمي الاّنساب والرجال شقّان لفنٍّ واحد ؛ لكن الأوّل أخذ بعداً اجتماعياً تأريخياً بينما أخذ الثاني بعداً إلزامياً دينياً. وقد كان النجاشي عربياً كوفياً سكن بغداد.
2 ـ وباعتبـار أنّ النجـاشي كان من أسـاتذة هـذا الفـنّ فقد اعتبـر قوله مقـدّمـاً علـى قول سائـر أئمّـة الرجـال في مقـام المعارضـة في الجرح والتعديـل. وإلـى ذلك أشـار الشهيـد الثـاني قدس‌سره في كـتاب مسـالك الأفهـام : «وظاهر حال النجـاشي أنّه أضبـط الجمـاعة وأعرفـهم بحال
__________________
(1) الفهرس ـ الشيخ الطوسي ـ: 2 المقدمة.
(2) لاحظ تفاصيل تراجم الرواة في رجال النجاشي.
           

الرجـال»(1). وفي رجال المحقّق الأسترابـادي : «ولا يخفـى تخالف ما بين طريقـي الشيخ والنجـاشي ، ولعلّ النجاشي يكـون أثبت»(2). والسيّـد محمّـد مهدي بحر العلوم قال في الفوائد الرجاليـة : «أحد المشـايخ الثقات والعدول الاثبـات. من أعظـم أركان الجرح والتعديـل ، وأعلم علمـاء هذا السبيـل. أجمـع علماؤنـا على الاعتماد عليـه ، واطبقوا علـى الاستنـاد في أحـوال الرجـال إليه. وبتقديمـه صرّح جماعـة من الأصحاب نظـراً إلى كتابـه الذي لا نظيـر له في هذا الباب»(3).
3 ـ إنّ رجال النجاشي اختص برجال الشيعة أو من روى عنهم. فهو لا يذكر غير الشيعي إلاّ إذا كان عامّياً روى عنّا ، أو صنّف لنا فيذكره مع التنبيه عليه ، كالمدائني والطبري.
4 ـ إنّه قدس‌سره تعـرّض لجـرح الرواة وتعديلـهم غالباً بالإستقـلال أو بالإستطـراد. ولكنّـه وثّق بعض الرجـال ضمن ترجمـة غيرهم ، أو أعرض عن التعـرّض بشـيء من الوثاقـة أو الضعف في حـقّ بعض آخـر عند ترجمتـهم. ولذلك فإنّ الكتـاب يحتـاج إلـى دقّة وتحقّـق عند الرجـوع إليـه كمصدر.
وعلى ضوء ما قدّمناه ، فإنّ كتاب رجال النجاشي يعدّ من أهمّ الكتب الرجالية القديمة في المدرسة الإمامية ، وأكثرها شمولية ودقّة في معرفة أحوال الرواة ذاتاً ووصفاً ، قدحاً ومدحاً.
__________________
(1) مسالك الافهام 7 / 467.
(2) رجال الاسترابادي: ترجمة (سليمان بن صالح).
(3) رجال السيد بحر العلوم: ترجمة (النجاشي).
           

الأُصول الرجالية الثانوية :
وهي الكتب الرجالية التي تأتي بالمرتبة الثانية بعد المصادر الرئيسية الأربعة التي ذكرت آنفاً. وهي : كتاب الضعفاء لابن الغضائري ، ورجال البرقي ، ورسالة في ترجمة (آل أعين) لأبي غالب الزراري ، ومشيخة الصدوق ، ومشيخة الطوسي في التهذيب والاستبصار.
1 ـ كتاب «الضعفاء» لابن الغضائري :
وهو كتاب منسوب إلى الحسين بن عبيد الله بن إبراهيم الغضائري (ت 411 هـ) ، وهو من مشايخ النجاشي (ت 450 هـ) والشيخ الطوسي (ت 460 هـ). وقد ترجمه شيخ الطائفة بالقول : «إنّي لمّا رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرس كتب الأُصول ، ولم أجد أحداً استوفى ذلك ... إلاّ ما قصده أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد الله رحمه‌الله فإنّه عمل كتابين أحدهما ذكر فيه المصنّفات والأُخر ذكر فيه الأُصول ، واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدّر عليه. غير أنّ هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من أصحابنا واخترم هو وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه»(1).
وقد اُسدل الستار على الكتاب حوالي قرنين ونصف من الزمان ، وبالتحديد من سنة 411 ولحدّ سنة 644 للهجرة. حيث وجده السيّد ابن طاووس (ت 673 هـ) ، وأدرجه موزّعاً ضمن كتابه حلّ الإشكال في معرفة
__________________
(1) الفهرس ـ الشيخ الطوسي ـ: 1 ـ 2.
           

الرجال الذي جمع فيه عبارات الكتب الرجالية الرئيسية الأربعة : رجال الطوسي ، وفهرسه ، واختيار الكشّي ، والنجاشي. فكان كتاب الضعفاء خامس الكتب الرجالية المدرجة في كتاب حلّ الإشكال. وقد كان الشكّ يحوم حول صدق نسبة كتاب الضعفاء إلى ابن الغضائري منذ البداية. فقد كان السيّد ابن طاووس صريحاً في عدم نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري. قال في المقدّمة بعد أن ذكر الكتب الرجالية الخمسة التي جمعها : «ولي بالجميع روايات متّصلة عدا كتاب ابن الغضائري»(1). فالسيّد ابن طاووس لم يروه عن راو معيّن ، بل وجده منسوباً إلى ابن الغضائري وصرّح بذلك ، لكنّه لم يكتفِ بذلك التصريح بل وضع ضابطة كلّية في الجرح والتعديل تفيد بأنّ السكون إلى قول المادح مع عدم المعارض راجح. والسكون إلى قول الجارح ولو كان بدون معارض مرجوح(2).
وقد انتقل كتاب حلّ الإشكال من يد إلى يد حتّى وصل إلى حيازة صاحب المعالم (ت 1011 هـ) وهو ابن الشهيد الثاني. فاستخرج منه كتابه التحرير الطاووسي. بعدها قام المولى عبـد الله التستري (ت 1021 هـ) باستخراج عبارات كتاب الضعفاء من تلك النسخة المخرّقة المشرفة على التلف لكتاب التحرير الطاووسي. يقول الشيخ التستري في الإشارة إلى ذلك : «اعلم ـ أيّدك الله وإيّانا ـ إنّي لمّا وقفت على كتاب السيِّد المعظّم جمال الدين أحمد بن طاووس في الرجال فرأيته مشتملاً على نقل ما في كتب السلف. وقد كنتُ رزقت بحمد الله النافع من تلك الكتب ، إلاّ كتاب ابن الغضائري ، فإنّي كنت ما سمعتُ له وجوداً في زماننا. وكان كتاب السيّد
__________________
(1) حل الاشكال في معرفة الرجال: المقدمة.
(2) حل الاشكال في معرفة الرجال: المقدمة.
           

هذا بخطّه الشريف مشتملاً عليه فحداني به مع ظنّ الإنتفاع بكتاب ابن الغضائري أن أجعله منفرداً عنه راجياً من الله الجواد ، الوصول إلى سبيل الرشاد»(1). ولم يتردّد المولى عناية الله القهبائي (ت بعد سنة 1026 هـ) من إدخال الكتاب في موسوعته الكبيرة مجمع الرجال التي جمعت فيها الكتب الرجالية الخمسة.
وأقلّ ما يقال في الكتاب إنّ طريق السيّد ابن طاووس إليه غير معلوم. وتصريح الشيخ الطوسي باتلافه من قبل ورثته يورث الاطمئنان بأنّ الكتاب لم يعدّ له وجود. وظهوره مرّة أُخرى بعد حوالي قرنين ونصف من الزمان يقوّي ما استظهره الشيخ آغا بزرك (ت 1389 هـ) من أنّ الكتاب المزعوم من مفتعلات المناوئين للمذهب ، خصوصاً أنّ فيه ما فيه من هتك حرمة إجلاء الطائفة المشهورين بالعفاف والتقوى والصلاح كأحمد بن مهران وغيرهم واتهامهم بالكذب والضعف إلى حدّ أنّ المحقّق الداماد قال في رواشحه : «قلّ أن يسلم أحد من جرحه أو ينجو ثقة من قدحه»(2).
وثبوت نسبة الكتاب الى ابن الغضائري عند العلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) اجتهاد منه لا يلزم متأخّري المتأخّرين. خصوصاً وأنّ مبنى العلاّمة قدس‌سره في الأخذ بالكتاب غير واضح المعالم عدا كونه من تحقيقات ابن طاووس ومتبنّيات ابن داود في رجاله. وحتّى لو تنـزّلنا وآمنّا بأنّ كتاب الضعفاء كان لابن الغضائري ، فإنّ تضعيفه وجرحه للرواة والمشايخ كان اجتهاداً منه عند النظر الى روايات الأفراد ولم يكن مستنداً إلى الشهادة والسماع. بل كان رحمه‌الله يتسرّع ظاهراً باتّهام بعض الرواة بالغلوّ. وقد التفت
__________________
(1) مجمع الرجال 1 / 10.
(2) الرواشح: الراشحة التاسعة والعشرون.
           

إلى ذلك المحقّق الكلباسي (ت 1356 هـ) مستنبطاً أنّ دعوى التسارع في الحكم على بعض الرواة بالغلوّ غير بعيدة ، لأُمور منها : «أنّ الظاهر من كمال الاستقراء في أرجاء عبائره [أي في أرجاء عبارات كتاب ابن الغضائري] ، أنّه كان يرى نقل بعض غرائب الأُمور من الأئمّة عليهم‌السلام من الغلوّ على حسب مذاق القمّيين. فكان إذا رأى من أحدهم ذكر شيء غير موافق لاعتقاده ، يجزم بأنّه من الغلوّ. فيعتقد بكذبه وافترائه ، فيحكم بضعفه وغلوّه. ولذا يكثر حكمه بهما [أي بالضعف والكذب] في غير محلّهما. ويظهر ذلك ممّا ذكره من أنّه كان غالياً كذّاباً كما في سليمان الديلمي. وفي آخر أنّه ضعيف جدّاً لا يلتفت إليه ، في مذهبه غلوّ ، كما في عبـد الرحمن بن أبي حمّاد ؛ فإنّ الظاهر أنّ منشأ تضعيفه ما ذكره من غلوّه. ومثله ما في خلف بن محمّـد من أنّه كان غالياً ، في مذهبه ضعف ، لا يلتفت إليه ...»(1).
وهذا اللون من التجريح البعيد عن الروح الموضوعية وضع الكتاب أمام المحاكمة العلمية العلنية ، واوجد تيّاراً علمياً مضادّاً ينفي نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري. وكان في قيادة هذا التيّار العلمي الشيخ المحقّق آغا بزرك الطهراني (ت 1389 هـ) ، والسيّد أبو القاسم الخوئي (ت 1413 هـ) وغيرهم من الأجلاّء.
2 ـ رجال البرقي :
وفيه أسماء أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة عليهم‌السلام إلى الحجّة صاحب الزمان عليه‌السلام دون التعرّض إلى تعديلهم أو تجريحهم ؛ طبع مع رجال أبي داود. وقد اضطربت الأقوال حول المؤلّف هل هو أحمد بن محمّـد بن
__________________
(1) سماء المقال 1 / 19.
           

خالد البرقي صاحب المحاسن (ت 274 هـ) أو من تأليف أبيه؟ الظاهر أنّه من تأليف شخص آخر من نسب البرقي. فهناك قرائن تشهد بأنّه ليس من تأليف صاحب المحاسن ولا من تأليف والده.
منها : إنّه كثيراً ما يعتمد في السند إلى كتاب سعد بن عبـد الله بن أبي خلف الأشعري القمّي (ت 301 هـ) الذي يروي عن أحمد بن محمّـد بن خالد (صاحب المحاسن). وهو خلاف المتعارف في الأوساط العلمية ، لأن الأُستاذ لا يروي عن التلميذ. فيكون الكتاب من تأليف مصنّف آخر غير صاحب المحاسن.
ومنها : عند ترجمته لأحمد (بن أبي عبـد الله) بن محمّـد بن خالد البرقي لم يذكر أنّه مصنّف الكتاب كما هو المعمول به ذلك العصر. وقد ترجم النجاشي والشيخ لنفسيهما في فهرسيهما وذكرا بأنّهما مصنّفا كتابيهما ، وكذلك فعل العلاّمة وابن داود.
ومنها : إنّه لو كان من تأليف أحمد بن محمّـد بن خالد ، لشهد عند ترجمة محمّـد بن خالد أنّه والده ، ولكنّه لم يفعل ذلك.
فيتبيّن أنّ كتاب رجال البرقي ليس من تأليف صاحب المحاسن ولا من تأليف أبيه. وقد استقرب المحقّق التستري أن يكون من تصنيف (أحمد بن عبـد الله بن أحمد البرقي) وهو الذي يروي عنه الصدوق(1). وهو أقرب إلى الواقع.
3 ـ ترجمة (آل أعين) لأبي غالب الزراري :
وهي رسالة ذات قيمة علمية ، كتبت خصّيصاً في ترجمة نسب (آل
__________________
(1) قاموس الرجال 1 / 45.
           

أعين) المعروفين برواية الحديث وطلب العلم. كتبها الشيخ أبو غالب (ت 368 هـ) إلى ابنه محمّـد بن عبـد الله بن أبي غالب ، وذكر فيها بضعة وعشرين إسماً من أسماء مشايخه منهم جدّه أبو طاهر (ت 300 هـ) ، وعبـد الله بن جعفر الحميري. وأدرج في آخر الرسالة فهرس الكتب الموجودة عنده ، والتي يرويها عن مؤلّفيها. وبلغت مائة وبضعة عشر كتاباً وجزءً ، أجاز حفيده المذكور روايتها عنه.
4 ـ مشيخة الصدوق :
من تأليف الشيخ أبو جعفر محمّـد بن علي بن الحسين بن بابويه المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381 هـ). وعزا قدس‌سره سبب تأليف المشيخة إلى أنّه صمّم كتابه من لا يحضره الفقيه على قاعدة اختصار الأسانيد ، وذلك بحذف أوائل الإسناد. فكانت المشيخة أُسلوباً علمياً يعرف بها طريقه إلى من روي عنه. ولذلك كانت المرجع في اتصال سنده في أخبار كتاب من لا يحضره الفقيه. وقد طبعت مشيخة الصدوق في خاتمة كتاب من لا يحضره الفقيه. وتعدّ من الرسائل الرجالية المهمّة.
5 ـ مشيخة الطوسي في «التهذيب» و «الاستبصار» :
وهي مشابهة بالأُسلوب والعرض لمشيخة الصدوق. حيث طبعت في خاتمة الكتابين.
 

الفصل الخامس
ميزان الوثاقة وأُسلوب الأخذ بالرواية
مقدّمة :
لا شكّ أنّ ضوابط الوثاقة كانت ولا تزال محور علم الرجال. فقد اتفق الفقهاء على اساليب للأخذ بالرواية الصحيحة منها : نص المعصوم عليه‌السلام ، نصّ أحد الأعلام المتقدّمين ، نصّ أحد الأعلام المتأخّرين ، دعوى الإجماع من قبل الأقدمين. وهناك توثيقات عامّة للرواة ، وتوثيقات خاصّة سوف نبحثها في هذا الفصل بإذنه تعالى.
أساليب الأخذ بالرواية :
اتفق الفقهاء على أساليب متعدّدة للأخذ بالرواية ، منها :
1 ـ نصّ المعصوم عليه‌السلام :
فإذا نصّ المعصوم عليه‌السلام على وثاقة فرد فلا إشكال أنّ ذلك حجّة في إثبات وثاقته. ولا شكّ أنّنا لا نستطيع إحراز ذلك بالحسّ أو الوجدان ، بل لا بدّ من رواية معتبرة في ذلك. ومثال ذلك : روى الكشّي بسند صحيح عن علي بن المسيّب قال : «قلتُ للرضا عليه‌السلام : شقّتي بعيدة ولستُ أصل إليك في كلّ وقت ، فعمّن آخذ معالم ديني؟ فقال : من زكريّا بن آدم القمّي ، المأمون على الدين والدنيا»(1). وتلك الرواية الصحيحة تدلّ على وثاقة
__________________
(1) رجال الكشي رقم 1112.
           

زكريّا بن آدم ، ولم يخدش بالرواية أحد من الفقهاء.
وقد زُعِمَ بصحّة الاستدلال بالخبر الضعيف على وثاقة الرواة بدعوى انسداد باب العلم في علم الرجال ، أو بتعبير أدقّ زُعِمَ بصحّة حجّية الظنّ الرجالي. وقد رُدَّ على ذلك بطريقين :
الأوّل : عدم انسداد باب العلم بالتوثيقات لورود سيل منهمر من التوثيقات العامّة والخاصّة بطرق المتقدّمين والمتأخّرين. فلا معنى للزعم بانسداد العلم والعلمي بالتوثيقات الرجالية. ولا شكّ أنّ كثرة القرائن توجب اطمئناناً بوثاقة الراوي محلّ البحث.
الثاني : أنّ تطبيق فكرة (حجّية الظنّ من باب الكشف أو الحكومة بانسداد باب العلم بمعظم الأحكام الشرعية) غير وارد في علم الرجال. لأنّنا لا نستطيع أن نرجع إلى فكرة انسداد باب العلم في كلّ موضوع يوجب الظنّ فيه. والمنهج الرجالي يختلف تماماً عن المنهج الأصولي ، فلا نستطيع مثلاً استصحاب حال الراوي السابقة إذا شككنا بانحرافه.
2 ـ نصّ أحد الأعلام المتقدّمين :
وهو اثبات الوثاقة عن طريق نصّ أحد فقهائنا الأعلام قدس‌سرهم كالبرقي ، وابن قولويه ، والكشّي ، والصدوق ، والمفيد ، والنجاشي ، والطوسي من باب الشهادة وحجّية خبر الثقة.
وقد كان فقهاء الطائفة منهمكين في القرنين الرابع والخامس الهجريّين في تأليف كتب الفهارس والتراجم لتمييز الروايات الصحيحة عن السقيمة. وقد بلغ عدد الكتب الرجالية المؤلّفة من زمان الحسن بن محبوب
 

إلى زمان الشيخ الطوسي زهاء نيفاً ومائة كتاب(1). وقد أشار إلى ذلك الشيخ الطوسي قائلاً : «إنّا وجدنا الطائفة ميّزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار فوثّقت الثقات منهم ، وضعّفت الضعفاء ، وفرّقت بين من يعتمد على حديثه وروايته وبين من لا يعتمد على خبره ، ومدحوا الممدوح منهم وذمّوا المذموم. وقالوا : فلان متّهم في حديثه ، وفلان كذّاب ، وفلان مخلّط ، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد ، وفلان واقفي ، وفلان فطحي ، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها. وصنّفوا في ذلك الكتب واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم ، حتّى أنّ واحداً منهم إذا أنكر حديثاً طعن في إسناده وضعفه بروايته. هذه هي عادتهم على قديم وحديث لا تنخرم»(2).
فهذا يدلّ على أنّ توثيقات الأعلام المتقدّمين أو تضعيفاتهم ، حتّى وإن كانت حدسية ، إلاّ أنّها كانت أقرب إلى الحسّ حيث يطمئنّ إليها ويركن إلى صوابها.
3 ـ نصّ أحد الأعلام المتأخّرين :
وهذا الطريق قد ينحصر في توثيقات من كان معاصراً للمخبر أو قريب العصر منه ، مثلاً توثيقات أعلام القرن السادس الهجري كالشيخ منتجب الدين (ت 585 هـ) ، وابن شهرآشوب (ت 588 هـ). فقد كان هذان العلمان يعتمدان في التوثيقات والتنصيصات على السماع ، أو الاستفاضة ، أو الاشتهار. وقد كان الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) المحطّة
__________________
(1) معجم رجال الحديث 1 / 41.
(2) عدة الاصول: آخر فصل الرابع (في ذكر خبر الواحد) الصفحة الاخيرة.
           

النهائية لرجوع متأخّري المتأخّرين إليه في التوثيقات كابن طاووس (ت 673 هـ) ، والعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) ، وابن داود (ت 707 هـ) ومن تأخّر منهم كالمجلسي (ت 1111 هـ). فهؤلاء المتأخّرين كانت توثيقاتهم مبنية على الحدس والاجتهاد. أمّا من كان قريباً من عهد الشيخ الطوسي بقرن من الزمان مثلاً كالشيخ منتجب الدين وابن شهرآشوب فإنّ توثيقاتهم قد قبلت باعتبارها قريبة من عصر الرواة. فالشهيد الثاني في إجازته الكبيرة للشيخ عبـد الصمد والد الشيخ البهائي بعدما ذكر عدّة طرق له إلى الشيخ الطوسي ، قال : «وبهذه الطرق نروي جميع مصنّفات من تقدّم على الشيخ أبي جعفر [الطوسي] من المشايخ المذكورين وغيرهم ، وجميع ما اشتمل عليه كتابة فهرست أسماء المصنّفين وجميع كتبهم ورواياتهم بالطرق التي تضمّنتها الأحاديث. وإنّما أكثرنا الطرق الى الشيخ أبي جعفر ، لأنّ أُصول المذهب كلّها ترجع الى كتبه ورواياته»(1).
أمّا توثيقات فقهائنا الأعلام كالميرزا الأسترآبادي والسيّد التفريشي والأردبيلي والقهبائي والمجلسي والمحقّق البهبهاني ، فإنّها مبنية على الحدس والاجتهاد ، ولا يمكن الأخذ بها إذا كنّا نؤمن بأنّ حجية قول الرجالي من باب الشهادة. أمّا إذا كان الرجوع إليهم من باب الرجوع إلى أهل الخبرة ، فهذا يوافق المبنى العقلائي ويكون مؤيّداً للدليل.
4 ـ دعوى الإجماع من قبل الأقدمين :
وقد اعتبرت تلك الدعوى من جملة ما تثبت به الوثاقة ، وهو إجماع منقول على وثاقة الراوي. كما اتفق ذلك في إبراهيم بن هاشم ، فقد ادّعى
__________________
(1) نقلاً عن بحار الأنوار 105 / 163.
           

ابن طاووس(1) الاتّفاق على وثاقته. فلا شكّ أنّ ابن طاووس لا يمكن أن يدّعي ذلك دون توثيق بعض الفقهاء المتقدّمين لإبراهيم بن هاشم. وقد اعتمد الفقهاء على دعوى الإجماع على الوثاقة حتّى من المتأخّرين.
التوثيقات العامّة :
وهي توثيقات اُطلقت على أكثر من راو لتعبّر بالشهادة على وثاقتهم جميعاً ، كما هو رأي بعض الفقهاء المتأخرين قدس‌سرهم حول وثاقة جميع مشايخ علي بن إبراهيم ، ووثاقة جميع من وقع في اسناد كامل الزيارات. فقد قال علي بن إبراهيم في مقدّمة تفسيره : «ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي إلينا من مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم ...»(2). وقال جعفر بن قولويه في كتاب كامل الزيارات : «وقد علمنا بأنّا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره ، لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا رحمهم برحمته ولا أخرجت فيه حديثاً روي عن الشذائذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم عن المذكورين غير المعروفين بالرواية المشهورين بالحديث والعلم ...»(3). والعبارتان في الكتابين واضحتان بأنّهما لا يرويان في كتابهما رواية عن المعصوم إلاّ وقد وصلت إليهما من جهة الثقات من أصحابنا.
وجاء عن النجاشي في ترجمة عبيد الله بن أبي شعبة الحلبي : «وآل
__________________
(1) نقلاً عن كلّيات في علم الرجال: 157.
(2) تفسير علي بن ابراهيم 1 / 4 المقدمة.
(3) كامل الزيارات: 4.
           

أبي شعبة بالكوفة بيت مذكور من أصحابنا وكانوا جميعهم ثقات»(1). وفي ترجمة محمّـد بن الحسن بن أبي سارة : «إنّ بيت الرواسي كلّهم ثقات»(2).
والتوثيق العام لا بدّ أن يستند على أُسس شرعية. ذلك أنّ دراسة طبيعة البحث الرجالي في المدرسة الإمامية يستدعي ملاحظة القرائن الشخصية والاجتماعية المحيطة بالراوي. والحدّ الشرعي الأدنى للأخذ بالرواية هو سكون النفس إلى الرواة الذين حملوا لنا الرواية لفظاً أو كتابة من ثقة إلى آخر. فالضابط في التوثيق لا ينحصر في مجرّد النصّ على وثاقته أو تضعيفه فحسب ، بل لا بدّ من ملاحظة ضوابط أُخرى في مورد البحث ، منها :
1 ـ إنّ وثاقة الراوي تستدعي ملاحظة الظروف الإجتماعية والسياسية القاهرة التي كان يمرّ بها أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام. فقد استخدمت وسائل التقية للحفاظ على المذهب وحملة رسالته. وكان الذمّ أحد الوسائل التي استخدمت من أجل حقن دماء بعض أجلاّء الطائفة. فزرارة بن أعين مثلاً ورد فيه اللعن والذم والتشهير مع أنّه كان من الثقات الذين ساهموا في حفظ الشريعة من الإندراس. فقد وردت في كتاب واحد وهو كتاب اختيار معرفة الرجال روايتان متعارضتان حوله :
الأولى : ما رواه عمّار الساباطي عن أبي عبـد الله عليه‌السلام : «يا عمّار أتعرف هذا الرجل؟ قلتُ : لا والله إلاّ أنّي نزلت ذات ليلة في بعض المنازل فرأيته يصلّي صلاة ما رأيت أحداً صلّى مثلها ودعا بدعاء ما رأيتُ أحداً دعا بمثله. فقال لي : هذا زرارة بن أعين. هذا من الذين وصفهم عزّ وجلّ في
__________________
(1) رجال النجاشي رقم 612.
(2) رجال النجاشي رقم 883.
           

كتابه فقال : (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً)(1)»(2). وفي غيرها أنّ الإمام لعنه ثلاثاً وفي آخر أنّ إيمانه عارية وأنّه أشرّ من اليهود والنصارى ...»(3).
الثانية : ورواية عبـد الله بن زرارة عن أبي عبـد الله عليه‌السلام في حقّ زرارة : «... فإنّك والله أحبّ الناس إليّ وأحبّ أصحاب أبي حيّاً وميّتاً ...»(4).
وكان الذمّ الذي استعمل وسيلة من وسائل التقية بمثابة قرينة على صدق الرجل وعلوّ مقامه وصدق مكانته بين الأصحاب. فزرارة بن أعين من أجلاّء الأصحاب الذين حملوا في صدورهم روايات أهل البيت عليهم‌السلام ، فصدق بحقّهم القول بأنّ الشريعة كادت تندرس لولاهم. ومع ذلك نرى بعض الروايات المتعارضة مع حقيقة التوثيق. وهذا يستدعي النظر بعين ثاقبة إلى الظروف الاجتماعية والسياسية التي كان يعيشها الرواة الثقات المخلصون لأهل البيت عليهم‌السلام.
2 ـ ضرورة النظر إلى حياة الراوي من بدايتها وحتّى نهايتها. فقد يطرأ على الراوي تغيّر في العقيدة ، أو الكنية ، أو الإقامة ، أو نحوها خلال مراحل حياته. فقد يكون واقفيّاً او فطحيّاً في مرحلة من مراحل حياته ولكنّه يرجع إلى الحقّ لاحقاً. وقد يسكن البصرة فترة من حياته فيوصف بالبصري ، ثمّ يسكن الكوفة في فترة أُخرى فيوصف بالكوفي. وقد يكنّى
__________________
(1) سورة الفرقان 25: 23.
(2) اختيار معرفة الرجال: 151.
(3) اختيار معرفة الرجال: 151.
(4) اختيار معرفة الرجال: 139.
           

بأبي عبـد الله فترة فيموت ابنه ويلقّب بكنية جديدة. وهذا الأمر يستدعي النظر إلى الراوي من الزاوية الإجتماعية أيضاً.
3 ـ إنّ فلسفة نقل الرواية عن المعصوم عليه‌السلام ، بعد ابتعادنا عن عصر النصّ ، تعتمـد على القواعـد العقلائية في الإطمئنـان على صـدق الراوي ، لا على القواعـد التعبّدية. فمـن المعلوم أنّ القواعـد التعبّدية تنحصـر في أبواب : الشهـادة على الوثاقـة أو الضعف ، والحجّيـة المستفادة مـن آية النبـأ ، وحجية الظنـون الرجالية للإنسـداد ، وانطباق قول الرجاليين على قول أهل الخبـرة. وهذه الوجـوه لا يعتنـى بها فـي علم الرجـال. لأنّ الشهـادة على الوثاقـة أو الضعف تستدعـي تعدّد الشهـود ، وهو مـا لم يقـل به أحد من الرجاليّيـن. والحجية المستفادة من آيـة النبأ تدلّ على حجيـة خبر العـدل ، إلاّ أنّنـا نأخذ بالروايـات المعتبرة التـي لا يكون فيهـا الراوي عدلاً بل يكفـي الصدق والتوثيـق. ولو صحّت حجّيـة الظنون الرجاليـة بدعوى الإنسـداد فإنّها ستحصـر الحجّية بالمظنـون. ولا شكّ أنّ العمـل بالمظنـون أو المشكـوك أو المحتمـل يستلزم عسـراً وحرجاً نفاهمـا الشرع الحنيـف. ودعـوى انطباق قـول الرجاليّين علـى قول أهـل الخبرة مـردود من زاويـة أنّ الضابط لو صحّ سيكـون إحـراز كـون الناقـل من أهـل الخبرة دائمـاً ، وهـو مخالف لواقـع علم الرجـال.
4 ـ من ضوابط الجرح والتعديل هو : أنّ السكون إلى قول المادح مع عدم وجود معارض أمر راجح. والسكون إلى قول الجارح ولو كان بدون معارض أمر مرجوح. وقد ذكر هذه القاعدة السيّد ابن طاووس (ت 673 هـ) في معرض توهينه لكتاب الضعفاء المنسوب لابن الغضائري. واستدلّ على ذلك بقوله : «إنّ التهمة في الجرح شائعة ولا يحصل بإزائها في
 

جانب المادحين. فالسكون إليهم ما لم يحصل معارض راجح ، والسكون إلى القادحين ما لم يحصل معارض مرجوح»(1). وفي النصّ تصريح واضح يدفعنا للإيمان بأنّ كتاب الضعفاء المثقل بالقدح والذمّ لا نطمئنّ به ولا بنسبته إلى ابن الغضائري. فهو من جهة إذا كان القدح موجوداً مع وجود المعارض فإنّه يسقط بالمعارضة. ومن جهة أُخرى إذا كان القدح موجوداً مع عدم وجود معارض ، فهو ساقط أيضاً لشيوع التهمة في القدح ولا شيوع لها في المدح.
5 ـ لو واجهنا السؤال التالي : هل أنّ الحجّة هي في الوثوق بصدوره عن المعصوم عليه‌السلام ، أم أنّ الحجّة منحصرة بالخبر الصادر عن الثقة؟ بطبيعة الحال أنّ الجواب يتحدّد بحدود الإيمان بوثاقة الخبر الصادر عن المعصوم عليه‌السلام ، وهذا هو مراد المجتهد المستنبط. فقد يكون الراوي ثقة ، ولكن القرائن والإمارات تدلّ على عدم صدور الخبر عن المعصوم عليه‌السلام ، وأن الثقة قد أخطأ أو التبس عليه الأمر في النقل. فيكون محور الأخذ بالخبر هو الوثوق من صدوره من المعصوم عليه‌السلام بملاحظة الأمارات والقرائن على ذلك ، التي يكون أحدها خبر الثقة.
الرواة الثقات في عصر النصّ :
ويدخل تحت هذا العنوان : أصحاب الإجماع ، ومشايخ الثقات ، ورجال أسانيد بعض الكتب المعتبرة ، وأصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام ، ومشايخ الإجازة والوكالة عن الإمام عليه‌السلام.
__________________
(1) حل الاشكال في معرفة الرجال: المقدمة.
           

أوّلاً : أصحاب الإجماع :
لا شكّ أنّ أصحاب الإجماع ثقات جميعاً ، ولكن النقاش دار حول وثاقة الراوي فيما إذا وقع اسمه في سند رواية رواها أحد هؤلاء الثقات. فقد قيل بوثاقة الراوي إذا وقع اسمه في سند رواية رواها أحد أصحاب الإجماع. وأصحاب الإجماع ثمانية عشر رجلاً موزّعون على ثلاث طبقات. وأوّل من قال بهذا الرأي الكشّي في رجاله. فرتّب أصحاب الإجماع على شكل ثلاث مجاميع. ولكن تسمية (أصحاب الإجماع) من اصطلاحات المتأخّرين ، فقد سمّاهم الكشّي بالفقهاء من أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام. وهذه المجاميع هي :
1 ـ في تسمية الفقهاء من أصحاب الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام ، فقال : «اجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب أبي جعفر ، وأصحاب أبي عبـد الله عليهما السلام وانقادوا لهم بالفقه ، فقالوا أفقه الأوّلين ستّة : زرارة ، ومعروف بن خرّبوذ ، وبريد ، وأبو بصير الأسدي ، والفضيل بن يسار ، ومحمّـد بن مسلم الطائفي. قالوا : وأفقه الستّة زرارة. وقال بعضهم : مكان أبو بصير الأسدي أبو بصير المرادي ، وهو ليث بن البختري»(1).
2 ـ وفي تسمية الفقهاء من أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام قال : «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون ، وأقرّوا لهم بالفقه من دون أولئك الستّة الذين عدّدناهم وسمّيناهم ستّة نفر :
__________________
(1) رجال الكشي رقم 431.
           

جميل بن درّاج ، وعبـد الله بن مسكان ، وعبـد الله بن بكير ، وحمّاد بن عثمان ، وحمّاد بن عيسى ، وأبان بن عثمان. قالوا : وزعم أبو إسحاق الفقيه ـ وهو ثعلبة بن ميمون ـ أنّ أفقه هؤلاء جميل بن درّاج ، وهم أحداث(1)أصحاب أبي عبـد الله عليه‌السلام»(2).
3 ـ وفي تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم (الكاظم) ، وأبي الحسن الرضا عليهما السلام ، قال : «أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم وأقرّوا لهم بالفقه والعلم ، وهم ستّة نفر أُخر ، دون الستّة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبـد الله عليه‌السلام ، منهم : يونس بن عبـد الرحمن ، وصفوان بن يحيى بيّاع السابري ، ومحمّـد بن أبي عمير ، وعبـد الله بن المغيرة ، والحسن بن محبوب ، وأحمد بن محمّـد بن أبي نصر. وقال بعضهم : مكان الحسن بن محبوب الحسن بن علي بن فضال ، وفضالة بن أيّوب. وقال بعضهم : مكان فضالة بن أيّوب عثمان بن عيسى ، وأفقه هؤلاء يونس بن عبـد الرحمن ، وصفوان بن يحيى»(3).
اعتبار العدالة في طريق من وقع في السند :
وقد ردّ على الرأي القائل بأنّ الراوي إذا وقع اسمه في سند رواية رواها أحد أصحاب الإجماع بأنّه ثقة ، بالقول : «من الظاهر أنّ كلام الكشّي لا ينظر إلى الحكم بصحّة ما رواه أحد المذكورين عن المعصومين عليهم
__________________
(1) احداث : شبان.
(2) رجال الكشي رقم 705.
(3) رجال الكشي رقم 1050.
           

السلام ، حتّى إذا كانت الرواية مرسلة أو مروية عن ضعيف أو مجهول الحال ، وإنّما ينظر إلى بيان جلالة هؤلاء. وأنّ الإجماع قد انعقد على وثاقتهم وفقههم وتصديقهم فيما يروونه. ومعنى ذلك أنّهم لا يتّهمون بالكذب في أخبارهم وروايتهم ، وأين هذا من دعوى الإجماع على الحكم بصحّة جميع ما رووه عن المعصومين عليهم السلام ، وإن كانت الواسطة مجهولاً أو ضعيفاً؟»(1). وقد استوحيت هذه الفكرة من رأي صاحب الوسائل. قال في (المقدّمة الثانية) من كتابه بعدما حكى الإجماع على التصحيح من الكشي : «وقد فهم جماعة من المتأخّرين من قوله اجمعت العصابة أو الأصحاب على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء الحكم بصحّة الحديث المنقول عنهم ونسبته إلى أهل البيت عليهم‌السلام بمجرّد صحّته عنهم ، من دون اعتبار العدالة في من يروون عنه ، حتّى لو رووا عن معروف بالفسق ، أو بالوضع فضلاً عمّا لو أرسلوا الحديث كان ما نقلوه صحيحاً محكوماً على نسبته إلى أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم.
وأنت خبير بأنّ هذه العبارة ليست صريحة في ذلك ولا ظاهرة فيه ، فإنّ ما يصحّ عنهم إنّما هو الرواية لا المروي. بل كما يحتمل ذلك يحتمل كونها كناية عن الإجماع على عدالتهم وصدقهم ، بخلاف غيرهم ممّن لم ينقل الإجماع على عدالته»(2).
ولا شكّ أنّ أوّل من قال بالإجماع على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء هو أبو عمرو الكشّي (من علماء القرن الرابع الهجري (لم يعلم تاريخ
__________________
(1) معجم رجال الحديث 1 / 73.
(2) الوافي للكاشاني ، المقدّمة الثانية بعدما حكى الإجماع على التصحيح من الكشّي.
           

وفاته) ، وأخذه الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) بالقبول(1) ، وكذلك بن شهرآشوب (ت 588 هـ)(2) ، والعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) في الخلاصة ، والشهيد الأوّل (ت 786 هـ) في غاية المراد ، وابن داود (ت 707 هـ) في رجاله ، والشهيد الثاني (ت 966 هـ) في شرح الدراية في تعريف الصحيح ، والشيخ البهائي (ت 1031 هـ) ، والمحقّق الداماد (ت 1041 هـ) ، وفخر الدين الطريحي (ت 1085 هـ) ، والمحقّق السبزواري (ت 1090 هـ).
ولم يتطرّق إلى ذلك الحسن بن زهرة (ت 620 هـ) ، وأحمد بن طاووس (ت 673 هـ) ، والمحقّق الحلّي (ت 676 هـ) ، والفاضل المقداد (ت 826 هـ) ، وابن فهد الحلّي (ت 841 هـ). وعلى أيّ تقدير ، فإنّ كلّ من قال بالإجماع كان قد نقله عن الكشّي ، ولم يذكره النجاشي في فهرسه ولا البرقي في رجاله ولا الطوسي في فهرسه ورجاله.
مجموعة الآراء في أصحاب الإجماع :
وفي حجّية الإجماع آراء ندرجها كما يلي :
1 ـ في وجـه حجّيـة هذا الإجمـاع : ماذا نفـهم من عبارة الكشـي :
__________________
(1) قال في عدّة الأُصول: (سوّت الطائفة بين ما رواه محمّـدبن أبي عمير وصفوان بن يحيىوأحمد بن محمّـدبن أبي نصير وغيرهم من الثقات ، الذين عرفوا بأنّهم لا يروون ولايرسلون إلاّ ممّن يوثق به ، وبين ما يسنده غيرهم. ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردت عن رواية غيرهم) 1 / 386.
(2) مناقب آل أبي طالب 4 / 277 ، 280 ، جاء بما قاله الكشّي في أحوال الطبقتين الأُولىوالثانية وترك الثالثة.
           

«أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن جماعة ...»(1)؟ هل يؤخذ بحجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد أم لا؟ لو فتّشنا بين سطور عبارات الكشي حول (أصحاب الإجماع) الثمانية عشر لوجدنا أنّه أراد تصديقهم في نقل الرواية الملازم لوثاقتهم. وهذا بحدّ ذاته لا يحتاج إلى إتّفاق الكلّ حتّى يقال هل أنّ الأمر كان حدسياً أو حسيّاً. بل يكفي توثيق أحد الثقات لهؤلاء الرواة ، حسياً. أمّا إذا كان المراد من عبارة الكشّي هو الإجماع على صحّة رواية هؤلاء الثمانية عشر ، كما كان يفهمه القدماء من الصحّة اعتماداً على القرائن الخارجية ، فلا يؤخذ بحجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد. لأنّ العلم بالصحّة ليس أمراً محسوساً حتّى تعمّه أدلّة حجّية خبر الواحد إذا أخبر عنها مُخبر.
2 ـ وإذا تنـزّلنا وآمنّا بحجّية الإجماع المنقول ، فكيف نبرّر تلك الحجّية إذا كانت متعلّقة بالموضوع؟ والصحيح أنّ حجّية الإجماع منحصرة فيما تعلّق به الحكم الشرعي! والجواب على هذا الإشكال هو أنّه يكفي في شمول الأدلّة كون المخبر به ممّا يترتّب على ثبوته أثر شرعي ، لا نفس الحكم الشرعي دائماً.
3 ـ ما هو المراد من (تصحيح ما يصحّ عنهم)؟ هل هو وثاقة الراوي أو صحّة المروي (الحديث)؟ وهل هو يشمل كلّ ما يرويه الراوي بلا واسطة عن شيخه؟ أو يشمل ما يرويه مع الواسطة؟ فإذا قال صفوان بن يحيى مثلاً بأنّه حدّثه فلان بن فلان فهل هذا يعني أنّ كلّ من حدّثه كانوا من الثقات أو أنّ الحديث ذاته يعدّ صحيحاً حتّى لو وقع في السند ممّن هو
__________________
(1) رجال الكشي رقم 431.
           

ضعيف أو مجهول الحال؟ هنا رأيان :
الرأي الأوّل :
وهو القائل بصحّة الرواية ذاتها وإن كانت مرسلة أو مروية عن ضعيف أو مجهول لكونها محفوفة بالقرائن. وأشار المحقّق الداماد إلى ذلك فقال : «اجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم والإقرار لهم بالفقه والفضل والضبط والثقة ، وأنّه كانت روايتهم بإرسال أو رفع أو عمن يسمّونه وهو ليس بمعروف الحال أو لمّة منهم في أنفسهم فاسدوا العقيدة ، غير مستقيمي المذهب ... ومراسيل هؤلاء ومرافيعهم ومقاطيعهم ومسانيدهم أو من يسمّونه من غير المعروفين ، معدودة عند الأصحاب ـ رضوان الله عليهم ـ من الصحاح من غير إكتراث منهم لعدم صدق حدّ الصحيح على ما قد علمته (من المتأخّرين) عليها»(1). وسلك المحقّذق البهبهاني نفس المسلك ، فقال : «المشهور أنّ المراد صحّذة ما رواه حيث تصحّ الرواية إليه ، فلا يلاحظ من بعده إلى المعصوم وإن كان فيه ضعيف»(2).
ويمكن مناقشة هذا الرأي عبر النقاط التالية :
1 ـ إنّ طبيعة الحديث عند الفقهاء القدماء كان ينقسم ، حسب وثاقته ، إلى قسمين : صحيح وغير صحيح. ولكنّ الفقهاء المتأخّرين وبسبب البعد الزمني عن عصر النصّ جعلوه على أربعة أقسام هي : الصحيح والموثّق والحسن والضعيف.
2 ـ يوصف الخبر بالصحّة إذا احتفى بقرائن داخلية وخارجية.
__________________
(1) الرواشح السماوية: 41.
(2) مستدرك الوسائل 3 / 762.
           

فالقرينة الداخلية تعني وثاقة الرواة في سلسلة الإسناد. والقرائن الخارجية التي تدلّ على صحّة مضمون أخبار الآحاد هي أربعة : «منها : أن يكون موافقاً لأدلّة العقل وما اقتضاه. ومنها : أن يكون الخبر مطابقاً لنصّ الكتاب. ومنها : أن يكون الخبر موافقاً للسنّة المقطوع بها من جهة التواتر. ومنها : أن يكون موافقاً لما أجمعت الفرقة المحقّة عليه. فهذه القرائن كلّها تدلّ على صحّة متضمّن أخبار الآحاد ، ولا تدلّ على صحّتها بنفسها لإمكان كونها مصنوعة وإن وافقت الأدلّة ، فمتى تجرّد الخبر من واحد من هذه القرائن كان خبر واحد محضاً»(1). وهذه العبارة تدلّ على أنّ الصحيح ، في عرف الفقهاء المتقدّمين ، هو ما دلّت القرائن على صدق مضمونه أو ثبوت صدوره ، لا خصوص ما رواه الثقات من الرواة. ولكن تلك القرائن الخارجية خارجة عن محلّ البحث. فعلم الرجال يبحث في أحوال الرجال ، لا حال الأحاديث.
3 ـ إنّ الخبر يوصف بالصحّة إذا تمّ توثيق تلك الجماعة ومن بعدهم إلى أن ينتهي إلى المعصوم عليه‌السلام. ومعنى ذلك دخول مجموعة من المجاهيل والضعفاء في عداد الثقات. فالستّة الأُولى ، ومع أنّهم يروون عن الصادقين عليهم‌السلام بلا واسطة في الأغلب ، إلاّ أنّهم يروون عن غيرهما كثيراً ، والطبقتين الأخيريتين ترويان عنهما مع الواسطة بكثير.
فقد قيل بأنّ إحراز صحّة الأحاديث لا يمكن أن يتمّ عن طريق القرينة الخارجية ، فلا بدّ من إحراز قرينة داخلية تدلّ على وثاقة هؤلاء ووثاقة من يروون عنه. ولكن هذا الرأي لا يمكن قبوله ، فلا سبيل إلى
__________________
(1) عدة الاصول 1 / 267.
           

إحراز وثاقة كلّ من وقع في سلسلة الإسناد مع أنّ هناك عدد من الضعفاء والمجاهيل ممّن وقعوا في سلسلة أسناد أصحاب الإجماع (كالحكم بن عتيبة او عيينة) الذي وردت عدّة روايات في ذمّه(1) ، مع أنّ الذي روى عنه هو (جميل بن درّاج)(2) وهو من الطبقة الثانية. وكذلك (عمرو بن جميع الأزدي البصري) الذي ضعّفه الشيخ الطوسي والنجاشي(3) مع أنّ الذي روى عنه هو (يونس بن عبـد الرحمن)(4) وهو من الطبقة الثالثة.
الرأي الثاني :
توثيق هؤلاء الثمانية عشر بما هم رواة ثقات. وقد أيّد هذا الرأي الفيض الكاشاني ، فقال : «إنّ ما يصحّ عنهم هو الرواية لا المروي»(5) وهي عبارة تفصح عن الإجماع على عدالتهم وصدقهم فيما يروون ، لا أنّ الأحاديث التي رووها كلّها صحيحة. بمعنى أنّ «متعلّق التصحيح هو الرواية بالمعنى المصدري أي قولهم أخبرني ، أو حدّثني ، أو سمعتُ من فلان. وعلى هذا فنتيجة العبارة أنّ أحداً من هؤلاء إذا ثبت أنّه قال : حدّثني ، فالعصابة أجمعوا على أنّه صادق في اعتقاده»(6).
وخلاصة هذا الرأي ، الذي قال به الفيض الكاشاني وأبو علي في رجاله عن استاذه صاحب الرياض والمحدّث النوري ، إنّ المراد من دعوى
__________________
(1) رجال الكشي: 262 ، 368 ، 439.
(2) جامع الرواة 1 / 266.
(3) رجال الطوسي: 249. ورجال النجاشي رقم 769.
(4) الفهرس ـ الشيخ الطوسي ـ: 111.
(5) الوافي: 12 المقدمة الثالثة.
(6) نقلاً عن كلّيات في علم الرجال: 180.
           

الإجماع هو صدق الجماعة وصحّة ما ترويه إذا لم يكن في السند من يتوقّف فيه. فإذا قال أحد أصحاب الإجماع : حدّثني فلان ، فإنّ الإجماع سينعقد على صدق دعواه. ولكن إذا كان فلان ضعيفاً أو غير معروف ، فالإسناد إليه من قبل الجماعة لا يغيّر من ضعفه شيئاً.
ولعلّ في عبارة الكشّي ما يؤيّد هذا الفهم. فقد قال في تسمية الطبقة الأولى : «أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب أبي جعفر وأبي عبـد الله عليه‌السلام وانقادوا لهم بالفقه ...»(1). وطبيعة التصديق تقتضي الحكم بصدقهم ضمن الحدود العقلائية التي تنفي عنهم العصمة على الأقل. وإلى ذلك صرّح الفيض الكاشاني إلى أن : «ما يصحّ عنهم هو الرواية لا المروي ، وإما ما اشتهر في تفسير العبارة من العلم بصحّة الحديث المنقول منهم ونسبته إلى أهل البيت عليهم‌السلام بمجرّد صحّته عنهم ، من دون اعتبار العدالة فيمن يروون عنه ، حتّى لو رووا عن معروف بالفسق أو بوضع ، فضلاً عمّا لو أرسلوا الحديث ، كان ما نقلوه صحيحاً محكوماً على نسبته إلى أهل العصمة ، فليست العبارة صريحة في ذلك»(2). وهو كذلك ، فالصحّة وصف مرتبط بالمتن والسند. فإذا اختلّ السند بضعف الراوي مثلاً ، فلا يمكن الإطمئنان الى متن الرواية المنقولة. فالمدار في توصيف الرواية بالصحّة هو الوثوق بالصدور عن المعصوم عليه‌السلام.
والخلاصة :
إنّ عبارة الكشّي حول أصحاب الإجماع كانت ناظرة إلى وثاقتهم فقط ، لا صحّة أخبارهم ولا وثاقة مشايخهم.
__________________
(1) رجال الكشي رقم 431.
(2) الوافي 1 / 760 المقدمة الثالثة.
           

ثانياً : مشايخ الثقات :
اشتهر بين الفقهاء أنّ محمّـد بن أبي عمير ، وصفوان بن يحيى ، وأحمد بن محمّـد بن أبي نصر البزنطي لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة. وأوّل من قال بذلك هو الشيخ الطوسي في عدّة الأُصول في آواخر بحثه عن خبر الواحد فذكر : «واذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسلاً ، نظر في حال المرسل ، فإن كان ممّن يعلم أنّه لا يرسل إلاّ عن ثقة موثوق به ، فلا ترجيح لخبر غيره على خبره ، ولأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمّـد بن أبي عمير ، وصفوان بن يحيى ، وأحمد بن محمّـد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنّهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عمّن يوثّق به ، وبين ما أسنده غيرهم. ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم. فأمّا إذا لم يكن كذلك ويكون ممّن يرسل عن ثقة وعن غير ثقة فإنّه يقدّم خبر غيره عليه ، وإذا انفرد وجب التوقّف في خبره إلى أن يدلّ دليل على وجوب العمل به»(1).
وقد نوقش في هذه الدعوى باعتبار أنّها اجتهاد من الشيخ الطوسي نشأ من اعتقاده بتسوية الأصحاب بين مراسيل هؤلاء ومسانيد غيرهم. واجتهاد الشيخ قدس‌سره غير ملزم لغيره ، وخصوصاً المتأخّرين.
مجموع الآراء حول مشايخ الثقات :
1 ـ إنّ الشيخ الطوسي نفسه كان متوقّفاً في تسوية مراسيل الثلاثة بمسانيد غيرهم. فقد ذكر رواية محمّـد بن أبي عمير عن بعض أصحابنا
__________________
(1) عدة الأصول 1 / 386.
           

عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام. ثم قال في كلا كتابيه : «فأوّل ما فيه أنّه مرسل ، وما هذا سبيله لا يعارض به الأخبار المسندة»(1). وذكر رواية محمّـد بن علي بن محبوب ، عن العبّاس ، عن عبـد الله بن المغيرة ، عن بعض أصحابه عن أبي عبـد الله عليه‌السلام ، فقال في التهذيب : «وهذا خبر مرسل» ، وقال في الإستبصار : «فأوّل ما في هذا الخبر أنّه مرسل»(2). فكيف يناقش الشيخ قدس‌سره سند تلك الأخبار المرسلة مع أنّ مرسليها لا يروون ولا يرسلون ـ حسب نظره ـ إلاّ عن ثقة؟
2 ـ إنّ أحد أسباب ارسال ابن أبي عمير هو أنّ كتبه قد ضاعت ، فاضطرّ إلى أن يروي مرسلاً. قال النجاشي : «... حبس في أيّام الرشيد ... وروي أنّه حبسه المأمون حتّى ولاّه قضاء بعض البلاد. وقيل : إنّ اخته دفنت كتبه في حال استتاره وكونه في الحبس أربع سنين فهلكت الكتب. وقيل : بل تركتها في غرفة فسال عليها المطر فهلكت ، فحدّث من حفظه ، وممّا كان سلف له في أيدي الناس ، ولهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله ...»(3). ولكن نلمس في بعض روايات ابن أبي عمير وغيره من مشايخ الثقات أنّهم يروون أحياناً عن الضعفاء. وفيما يلي بعضاً من تلك الروايات :
أ ـ روى عن محمّـد بن يعقوب بسند صحيح عن ابن أبي عمير عن علي بن أبي حمزة البطائني الذي قال فيه علي بن الحسن بن فضّال :
__________________
(1) التهذيب ج 8 باب العتق واحكامه. حديث 932. والاستبصار ج 2 باب ولاء السائبة ، حديث 87.
(2) التهذيب ج 1 باب المياه واحكامها ، حديث 1309. والاستبصار ج 1 باب مقدار الماءالذي لا يبخسه شي. حديث 6.
(3) رجال النجاشي رقم 887.
           

«كذّاب ملعون»(1).
وفيه :
إنّ علي بن أبي حمزة البطائني من الواقفة ، ولكن فساد عقيدته لا يقدح بوثاقته في نقل الحديث. والمراد من (عمن يوثّق به) في عبارات الكشّي هو الموثوق في نقل الحديث. وقد استظهر صاحب المعالم في هامش التحرير الطاووسي أنّ ما نقله العيّاشي في حقّ ابن أبي حمزة من أنّه كذّاب ملعون كان راجعاً إلى ابنه الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني ، لا إلى نفسه»(2).
ب ـ روى محمّـد بن يعقوب بسند صحيح عن ابن أبي عمير عن الحسين بن أحمد المنقري(3) الذي ضعّفه الشيخ والنجاشي.
وفيه :
إنّ ضعف الحسين بن أحمد المنقري واضح ، قال النجاشي : «الحسين بن أحمد المنقري التميمي أبو عبـد الله ، روى عن أبي عبـد الله عليه‌السلام رواية شاذّة لم تثبت ، وكان ضعيفاً. ذكر ذلك أصحابنا رحمهم‌الله. روى عن داود الرقّي وأكثرَ ، له كتب»(4). وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر عليه‌السلام (رقم 25) ، ومن أصحاب الكاظم عليه‌السلام (رقم 8) قائلاً : «إنّه ضعيف». ولكن هل أنّ ضعفه راجع إلى العقيدة أم إلى الرواية فهو غير واضح. وما قيل من أنّ تضعيفه راجع إلى تضعيف شيخه
__________________
(1) الكافي ج 3 كتاب 3 ، باب النوادر من كتاب الجنائز 95 ، حديث 20. ورجال الكشي رقم1042.
(2) تنقيح المقال 2 / 262. وسماء المقال 1 / 134 ـ 154.
(3) الكافي ج 2 كتاب 3 باب فضل القرآن 12 ، حديث 18.
(4) رجال النجاشي رقم 118.
           

داود الرقّي فهو مجرّد تخمين ليس له أساس علمي.
ج ـ روى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن صفوان بن يحيى ، وابن أبي عمير عن يونس بن ظبيان(1) ، ويونس بن ظبيان ضعّفه النجاشي والشيخ.
وفيه :
إنّ يونس بن ظبيان توفّي في حياة الإمام الصادق عليه‌السلام أي قبل عام 148 هـ وهو عام وفاة الإمام عليه‌السلام. بينما توفّي ابن أبي عمير عام 217 هـ. اي بين وفاة الرجلين حوالي 70 عاماً أو أكثر. وهذه الفترة الزمنية الطويلة تضعّف وجود ذلك الإرتباط المباشر في السند.
أضف إلى ذلك أنّ ضعفه واضح ، قال النجاشي : «ضعيف جدّاً لا يلتفت إلى ما رواه ، كلّ كتبه تخليط»(2). وقد فصّل الكاظمي في ذلك فقال إنّ : «علماء الرجال بالغوا في ذمّه ونسبوه إلى الكذب والضعف والتهمة والغلوّ ووضع الحديث ، ونقلوا عن الرضا عليه‌السلام لعنه»(3).
وقد التفت إلى ذلك المحقّق الحلّي في كتابه المعتبر فقال في آداب الوضوء : «ولو احتجّ بما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا ... كان الجواب الطعن في السند لمكان الإرسال ، ولو قال مراسيل ابن أبي عمير يعمل بها الأصحاب ، منعنا ذلك ، لأنّ في رجاله من طعن الأصحاب فيه ، وإذا أرسل احتمل أن يكون الراوي أحدهم»(4). ولكنّ المحقّق الحلّي وفي
__________________
(1) التهذيب ج 5 باب ضروب الحج ، حديث 95. والاستبصار ج 2 باب ان التمتّع فرض من نأى عن الحرم ، حديث 513.
(2) رجال النجاشي رقم 1210.
(3) هداية المحدثين 2 / 630.
(4) المعتبر 1 / 47 ، ذكرها النوري في المستدرك 3 / 650.
           

نفس كتابه المعتبر يأخذ بمراسيل ابن أبي عمير.
وعلى أيّ تقدير فإنّ ابن أبي عمير مع جلالة قدره إلاّ أنّه كان يروي عن الضعفاء ، فكيف يمكن الأخذ بمراسيله دون تدقيق في قرائن أُخرى تفيد صحّة السند.
3 ـ انقسم الفقهاء إلى مدرستين : الأُولى : آمنت بمراسيل ابن أبي عمير. والثانية : لم تؤمن بالإرسال حتّى لو كان من ابن أبي عمير.
فقد كان من روّاد المدرسة الأُولى : علي بن طـاووس (ت 664 هـ) في فـلاح السـائل(1) ، والمحقّـق الحلّي (ت 676 هـ) في المعتبـر(2) ، والعلاّمـة الحلّـي (ت 726 هـ) في المنتـهى(3) ، والشهيـد الأوّل (ت 786 هـ) في الذكـرى(4) ، وابن فهـد الحلّـي (ت 841 هـ) في المهذّب البـارع(5) ، والشهيـد الثانـي (ت 965 هـ) في الدرايـة(6) ، والميـرزا الأسترآبـادي في منهج المقـال(7) ، والشيخ البهائي (ت 1030 هـ)
__________________
(1) فلاح السائل: في مهمات الصلاة والمصلي.
(2) المعتبر 1 / 47. في آداب الوضوء أنكر الأخذ بمراسيل ابن أبي عمير ، وفي بحث الكرّقال : (الثالثة: رواية محمّـدبن أبي عمير عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبـداللهعليه‌السلامقال: الكرّألف ومائتا رطل ، وعلى هذا عمل الأصحاب ولا طعن في هذه بطريق الإرسال لعمل الأصحاب بمراسيل ابن أبي عمير). وربّما يفسّر هذا وغيره من التبدّل في رأي المجتهد ، فقد يرى الفقيه في البداية وثاقة مراسيل ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي ثم يظهر له خلاف ذلك ، فلا يلتفت إلى تصحيح ما كتبه في البداية.
(3) منتهى المطلب: التاسع (العجين إذا كان ماؤه نجساً).
(4) ذكرى الشيعة 1 / 48.
(5) المهذّب البارع: مقدّمة المؤلّف.
(6) شرح البداية في علم الدراية: الحقل الثالث (في المرسل).
(7) منهج المقال: 25 طبعة حجرية.
           

في شـرح الفقيـه(1).
أمّا من روّاد المدرسة الثانية : الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) في التهذيب(2) ، وجمال الدين بن طاووس (ت 673 هـ) في البشرى(3) ، والشهيد الثاني (ت 965 هـ) في الدراية(4) ، والشيخ حسن صاحب المعالم (ت 1011 هـ)(5) ، والسيّد الخوئي (ت 1413 هـ) في معجم رجال الحديث(6).
والظاهر أنّ من آمن بوثاقة مراسيل ابن أبي عمير كان مبناه الإيمان بدعوى الشيخ الطوسي والنجاشي ، لا من باب التتّبع في أحوال مشايخه والوقوف على أنّه لا يروي إلاّ عن ثقة. أمّا المدرسة الثانية فقد حاولت الوقوف بوجه ذلك التيّار ، عبر الدعوة إلى فحص أحوال مشايخ الثلاثة الذين لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة.
خلاصة القول في مشايخ الثقات :
1 ـ إنّ أصحاب الإجماع ومشايخ الثقات ثقة بإجماع الطائفة. ولكن المشكلة في من وقع في أسانيدهم ، وفي مراسيل ابن أبي عمير التي تلفت كتبه ، فجمع الأحاديث التي حفظها عن ظهر خاطر دون كتابة أسانيدها.
__________________
(1) مشرق الشمسين: فصل (في تثليث أنواع الخبر المعتبر) حيث يفهم منه ذلك.
(2) التهذيب 1 / 43.
(3) كتاب البشرى. نقل رأيه الشهيد الثاني في شرح البداية في علم الدراية في الحقل الثالث:في المرسل.
(4) شرح البداية في علم الدراية: 142.
(5) المعالم: 214.
(6) معجم رجال الحديث 1 / 75.
           

2 ـ جمع كتاب معجم الثقات أسماء مشايخ الثقات الثلاث (ابن أبي عمير ، وصفوان ، والبزنطي) وحذف ما ورد فيه توثيق بالخصوص ، فبلغ ثلاثمائة وواحداً وستّين شيخاً. بينما وضع كتاب مشايخ الثقات فهرساً خاصّاً لمشيخة كلّ واحد من هؤلاء الثلاثة مع تعيين مصادرها في المجامع الحديثية فبلغ ثلاثمائة وسبعة وتسعين شيخاً(1).
3 ـ أحصى معجم رجال الحديث مشايخ ابن أبي عمير في الكتب الأربعة فبلغ (270) شيخاً بعد حذف المكرّرات(2). وأحصى المصنّف قدس‌سره مشايخ (صفوان) في الكتب الأربعة فبلغ (140) شيخاً ، بينما في مشايخ الثقات بلغ عدد المشايخ في الكتب الأربعة وغيرها (213) شيخاً ، الثقات منهم (109) مشايخ والباقون أمّا مهمل أو مجهول ، وقليل منهم مضعّف.
وأحصى معجم رجال الحديث مشايخ البزنطي في الكتب الأربعة وغيرها فبلغ (115) شيخاً ، الثقات منهم (53) شيخاً. والباقي إما مهمل أو مجهول ، وقليل منهم مضعّف.
4 ـ إنّ ما ذكره الشيخ الطوسي بأنّ الطائفة سوّت «بين ما يرويه هؤلاء وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنّهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عمّن يوثّق به» يكشف عن أنّ المشهور بين الطائفة وعلمائها بالخصوص كان يفصح عن أنّ هؤلاء الثقات لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة. وهذا مورد للإطمئنان بأنّ كلام الشيخ الطوسي لم يكن اجتهاداً من نفسه كما ذكره بعض الأجـلاّء. بل كان تعبيـراً عن الجوّ العلمـي السائد عند الطائفـة حـول هؤلاء الرجال.
__________________
(1) مشايخ الثقات: 134 ـ 223 ، في خصوص ابن أبي عمير.
(2) معجم رجال الحديث 22 / 101 ـ 139 ترجمة ابن أبي عمير رقم 14997.
           

5 ـ إنّ التأكّد من وثاقة من ورد في إسناد أصحاب الإجماع يحتاج إلى بحوث إضافية ، خصوصاً إذا ما أخذنا الضوابط التالية بنظر الإعتبار :
أ ـ إنّ اتّهام الراوي بضعف العقيدة لا يعني عدم وثاقته ، فقد يكون صادقاً في النقل حتّى عندما يطرأ على عقيدته لون من ألوان الفساد.
ب ـ التدقيق في كلمتي (عن) و (و). فإذا قيل (عبـد الله بن سنان) عن (محمّـد بن أحمد) نفهم أنّ طبقة الأوّل تختلف عن طبقة الثاني. أما إذا قيل (عبـد الله بن سنان) و (محمّـد بن أحمد) نفهم أنّ الرجلين متعاصرين أو على الأقلّ ليست بينهما علاقة الإستاذ بالتلميذ. ولا يضرّ سند الحديث هنا إذا طعن بأحدهما وكان الآخر ثقة. وبالنتيجة يكون الفرق في الإسناد بين مشايخ الثقات وأقرانهم. وهذا الفرق مهم لأنّ في القرينة خيار للأخذ بالرواية من الراوي الآخر. أمّا في المشيخة فليس هناك خيار عدا الأخذ بالرواية أو طرحها.
ج ـ ملاحظة الإشتراك في أسماء الرواة.
ثالثاً : العصابة التي اشتهرت بأنّها لا تروي إلاّ عن الثقات :
وهؤلاء ستّة هم : أحمد بن محمّـد بن عيسى ، بنو فضّال جميعاً ، جعفر بن بشير البجلي ، محمّـد بن إسماعيل بن ميمون الزعفراني ، علي بن الحسن الطاطري ، أحمد بن علي النجاشي صاحب الفهرس.
1 ـ أحمد بن محمّـد بن عيسى :
وهو من الرواة الثقات. واُستدلّ على أنّه لا يروي إلاّ عن ثقة عن
 

طريق نقل العلاّمة في الخلاصة بأنّه إخرج أحمد بن محمّـد بن خالد البرقي القمّي من قم لأنّه كان يروي عن الضعاف ، لكنّه أعاده إليها ، معتذراً إليه. ولمّا توفّي البرقي مشى أحمد بن محمّـد بن عيسى في جنازته حافياً حاسراً ليبرّء نفسه ممّا قذفه به(1). قال ابن الغضائري بخصوص البرقي : طعن عليه القمّيون وليس الطعن فيه ، إنّما الطعن فيمن يروي عنه فإنّه كان لا يبالي عمّن أخذ على طريقة أهل الأخبار.
ولكن أحمد بن محمّـد بن عيسى نفسه روى عن الضعفاء ، منهم :
روى محمّـد بن يعقوب ، عن محمّـد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّـد بن عيسى ، عن محمّـد بن سنان(2). قال النجاشي عن محمّـد بن سنان : «رجل ضعيف جدّاً لا يعوّل عليه ولا يلتفت إلى ما تفرّد به»(3).
روى أيضاً عن محمّد بن يحيى ، عنه ، عن علي بن حديد(4). وعلي بن حديد قال العلاّمة الحلّي بضعفه : «علي بن حديد بن الحكيم ، ضعّفه شيخنا في كتاب الاستبصار والتهذيب ، لا يعوّل على ما ينفرد بنقله»(5).
روى أيضـاً عن محمّـد بن يحيى ، عنه ، عن إسماعيـل بن سهـل(6). وإسماعيـل بن سهل ضعّفه النجـاشي ، فقال : «اسماعيـل بن
__________________
(1) الخلاصة: 14.
(2) الكافي ج 1 كتاب 2 باب صفة العلم وفضله 2 ، حديث 5.
(3) رجال النجاشي رقم 888.
(4) الكافي ج 1 كتاب 2 باب الردّ إلى الكتاب والسنة 20 حديث 1.
(5) الخلاصة: 224 ، ونحوه في القسم الثاني المختصّ بالضعفاء.
(6) الكافي ج 2 كتاب 1 باب الاعتراف بالذنوب 188 ، حديث 7.
           

سهل الدهقـان ضعّفـه أصحابنا»(1) ، وكذلك ضعّفـه العلاّمة وابـن داود(2).
2 ـ بنو فضّال :
وقد استُدلّ على وثاقة من رووا عنهم ، برواية عن الإمام العسكري عليه‌السلام عندما سُئل عن كتب بني فضّال «فقالوا : كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملأى؟ فقال عليه‌السلام : خذوا بما رووا وذروا ما رأوا»(3). والرواية ضعيفة من ناحية السند. فإنّ فيها (عبـد الله الكوفي) وهو مجهول.
وقد أخذ بهذه الرواية الشيخ الأنصاري قائلاً : «روى الشيخ عن داود بن فرقد ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبـد الله عليه‌السلام قال : إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتّى يمضي بمقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات ، فإذا مضى مقدار ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر ... وهذه الرواية وإن كانت مرسلة إلاّ أنّ سندها إلى الحسن بن فضّال صحيح. وبنو فضّال ممّن أمر بالأخذ بكتبهم ورواياتهم»(4).
والرواية قاصرة الدلالة على ما ذكر ، لأنّها في مقام بيان أنّ فساد العقيدة بعد الإستقامة لا يضرّ بحجّية الرواية المتقدّمة على الفساد.
3 ـ جعفر بن بشير :
اُستُدلّ على وثاقة من روى عنهم بقول النجاشي في رجاله : «جعفر
__________________
(1) رجال النجاشي رقم 56.
(2) الخلاصة: 200 القسم الثاني. ورجال ابن داود: 231.
(3) الغيبة: 239.
(4) الصلاة: 1.
           

بن بشير البجلي الوشّاء من زهّاد أصحابنا وعبّادهم ونساكهم وكان ثقة وله مسجد بالكوفة ... مات جعفر رحمه‌الله بالأبواء سنة 208. كان أبو العبّاس بن نوح يقول : كان يلقّب فقحة العلم(1) روى عن الثقات ورووا عنه ، له كتاب المشيخة»(2).
وقد روى جعفر بن بشير عن الضعفاء :
روى الشيخ بإسناده الصحيح ، عن محمّـد بن علي بن محبوب ، عن محمّـد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير عن صالح بن الحكم(3). وصالح بن الحكم ضعّفه النجاشي فقال : «صالح بن الحكم النيلي الأحول ، ضعيف»(4).
روى الصدوق بسنده الصحيح عنه ، عن عبـد الله بن محمّـد الجعفي(5). وعبـد الله بن محمّـد الجعفي ضعّفه النجاشي(6).
4 ـ محمّـد بن إسماعيل بن ميمون الزعفراني :
استُدلّ على وثاقة من روى عنهم بما ذكره النجاشي : «محمّـد بن اسماعيل بن ميمون الزعفراني أبو عبـد الله ثقة عين روى عن الثقات ورووا عنه ولقى أصحاب أبي عبـد الله عليه‌السلام»(7).
__________________
(1) الفقحة من النبت: الزهرة.
(2) رجال النجاشي رقم 304. واُستدلّ المحدّث النوري في المستدرك على ذلك أيضاً (مستدرك الوسائل 3 / 777 الفائدة العاشرة).
(3) التهذيب 3 / 296 باب الصلاة في السفينة ، حديث 897.
(4) رجال النجاشي رقم 533.
(5) مشيخة من لا يحضره الفقيه 4 / 519.
(6) رجال النجاشي رقم 332.
(7) رجال النجاشي رقم 933.
           

5 ـ علي بن الحسن الطاطري :
واُستُدلّ على وثاقة من روى عنهم بما قاله الشيخ الطوسي في ترجمته : «... وله كتب في الفقه رواها عن الرجال الموثوق بهم وبروايتهم»(1). ولكن هذا الإستدلال غير تامّ. فالشيخ الطوسي صرّح بأنّ روايات الطاطري في كتبه الفقهية مروية عن الثقات ، لا أنّ كلّ ما يروي عنه علي بن الحسن الطاطري ثقة.
وبالإجمال ، فإنّ العصابة التي اشتهرت بأنّها لا تروي إلاّ عن الثقات ، يمكن أن تروي أحياناً قليلة عن الضعفاء ، وهذا لا يقدح بوثاقتهم لكنّه يتعيّن البحث عمّن يروون ويذكرون في أسانيدهم من رواة.
رابعاً : الوقوع في سند (محمّـد بن أحمد بن يحيى) بلا واسطة :
وهو وقوع شخص في سند روايات (محمّـد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري القمّي) بلا واسطة في كتاب نوادر الحكمة. وصفه النجاشي بالقول : «محمّـد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمّي كان ثقة في الحديث ، إلاّ أنّ أصحابنا قالوا : كان يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل ، ولا يبالي عمّن أخذ ، وما عليه في نفسه مطعن في شيء. وكان (محمّـد بن الحسن بن الوليد)(2) يستثني من رواية (محمّـد بن أحمد بن يحيى) ما
__________________
(1) فهرس الشيخ: 118 رقم 392.
(2) وهـو شيـخ القمّييـن وفقيهـهم ، ثقـة عيـن ، نزيـل قم. توفّي سنة 343 هـ ،
           

رواه عن : 1 ـ محمّـد بن موسى الهمداني. 2 ـ أو ما رواه عن رجل. 3 ـ أو يقول بعض أصحابنا. 4 ـ أو عن محمّـد بن يحيى المعاذي. 5 ـ أو عن أبي عبـد الله الرازي الجاموراني. 6 ـ أو عن أبي عبـد الله السياري. 7 ـ أو عن يوسف بن السخت. 8 ـ أو عن وهب بن منبّه. 9 ـ أو عن أبي علي النيشابوري. 10 ـ أو عن أبي يحيى الواسطي. 11 ـ أو عن محمّـد بن علي بن سمينة. 12 ـ أو يقول في حديث أو كتاب ولم أروه. 13 ـ أو عن سهل بن زياد الآدمي. 14 ـ أو عن محمّـد بن عيسى بن عبيد بإسناد منقطع. 15 ـ أو عن أحمد بن هلال. 16 ـ أو محمّـد بن علي الهمداني. 17 ـ أو عبـد الله بن محمّـد الشامي. 18 ـ أو عبـد الله بن أحمد الرازي. 19 ـ أو أحمد بن الحسين بن سعيد. 20 ـ أو أحمد بن بشير الرقّي. 21 ـ أو عن محمّـد بن هارون. 22 ـ أو عن مموية بن معروف. 23 ـ أو عن محمّـد بن عبـد الله بن مهران. 24 ـ أو ما ينفرد به الحسن بن الحسين اللؤلؤي. 25 ـ وما يرويه عن جعفر بن محمّـد بن مالك. 26 ـ أو يوسف بن الحارث. 27 ـ أو عبـد الله بن محمّـد الدمشقي»(1).
وإذا استثنى ابن الوليد هذا العدد من مشايخ مؤلّف نوادر الحكمة ، فإنّ المفهوم أنّ الأسماء الواردة في كتابه ممّن روى عنهم بلا واسطة من غير هؤلاء السبعة والعشرين محكوم عليهم بالصحّة أو الوثاقة.
وقد استدلّ بهذا النصّ ، في استثناء المذكورين ، على عدالة كلّ من روى عنه محمّـد بن أحمد بن يحيى.
__________________
ؤ وهـو شيـخ الصـدوق.
(1) رجال النجاشي رقم 939.
           

خامساً : الصفات الأُخرى في التوثيق :
وقد وردت جملة من الصفات أو الموارد التي اُريد إثباتها في توثيق الرواة(1) :
منها : وكالة الإمام عليه‌السلام. ولكنّ الوكالة لا تستلزم العدالة ، بل إنّه يجوز توكيل الفاسق إجماعاً. فإذا ثبت أنّ راوياً كان وكيلاً للإمام المعصوم عليه‌السلام ، فهذا لا يعني ثبوت العدالة والوثاقة له على مبنى السيّد الخوئي قدس‌سره.
ومنها : شيخوخة الإجازة. وهي أنّ الراوي قد يروي الرواية لوجودها في كتاب قد أجازه شيخه لرواية ذلك الكتاب عنه من دون سماع أو قراءة. فالراوي عندما يروي الرواية عن شيخه ، فإنّه يعبّر عن صحّة الحكاية عن الشيخ. وهذا هو معنى الإجازة. وكان (الحسن بن محمّـد بن يحيى) و (الحسين بن حمدان الحضيني) من مشايخ الإجازة وقد ضعّفهما النجاشي(2).
ومنها : مصاحبة المعصوم عليه‌السلام. والمصاحبة لا تدلّ على الوثاقة.
ومنها : تأليف كتاب أو أصل. وهذا لا يدلّ على الوثاقة أيضاً. لأنّ صاحب الكتاب قد يكون وضّاعاً أو كاذباً.
ومنها : ترحّم أحد الأعلام كالشيخ الصدوق قدس‌سره وغيره على أحد الرواة. وهذا لا يدلّ على الوثاقة ، لأنّ غاية الترحّم هو طلب الرحمة منه تعالى. وقد ترحّم النجاشي على (محمّـد بن عبـد الله بن محمّـد بن
__________________
(1) معجم رجال الحديث 1 / 87.
(2) رجال النجاشي رقم 149 ورقم 159. ومعجم رجال الحديث 1 / 73.
           

عبيد الله بن البهلول)(1) بعد أن رأى شيوخه يضعّفونه ، ومن أجل ذلك لم يرد عنه شيئاً.
ومنها : كثرة الرواية عن المعصوم عليه‌السلام. ولكن لا يمكن إحراز الوثاقة بكثرة الرواية ، بل إنّ الضابطة هو ثبوت حجّية قول الراوي بدليل خارجي.
الكتب التي ورد توثيقها :
وردت توثيقات بعض كتب فقهائنا المتقدّمين ، إلاّ أنّها تعرّضت جميعها إلى نقاش علمي حول مدى مصداقية تلك التوثيقات. ومن تلك الكتب :
1 ـ كتاب كامل الزيارات :
ومؤلّفه جعفر بن محمّـد بن قولويه (ت 367 هـ) من أجلاّء الأصحاب في الحديث والفقه. قال النجاشي (ت 450 هـ) في وصفه بأنّه «من ثقات أصحابنا»(2). ذكر المصنّف سبب تأليفه الكتاب فقال : «ولم أخرج فيه حديثاً روي عن غيرهم إذا كان فيما روينا عنهم من حديثهم ـ صلوات الله عليهم كفاية عن حديث غيرهم ، وقد علمنا أنّا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره ، ولكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا رحمهم‌الله ولا أخرجتُ فيه حديثاً روي عن الشذّاذ من الرجال يؤثّر ذلك عنهم من المذكورين غير المعروفين بالرواية ، المشهورين
__________________
(1) رجال النجاشي رقم 1059.
(2) رجال النجاشي رقم 318.
           

بالحديث والعلم ، وسمّيته كتاب كامل الزيارات وفضلها وثواب ذلك»(1).
وكتاب كامل الزيارات من الكتب المعتمدة عند الطائفة ، أخذ منه الشيخ الطوسي في التهذيب ، واعتبره الشيخ الحرّ العاملي من مصادر وسائل الشيعة ، وقال في الفائدة السادسة من خاتمة الوسائل : «وقد شهد علي بن إبراهيم أيضاً بثبوت أحاديث تفسيره ، وأنّها مروية عن الثقات عن الأئمّة ، وكذلك جعفر بن محمّـد بن قولويه فإنّه صرّح بما هو أبلغ من ذلك في أوّل مزاره»(2). وعقّب السيّد الخوئي (ت 1413 هـ) على ذلك فقال : «ما ذكره صاحب الوسائل متين ، فيحكم بوثاقة من شهد علي بن إبراهيم أو جعفر بن محمّـد بن قولويه بوثاقته ، اللّهمّ إلاّ أن يُبتلى بمعارض»(3). وبالإجمال ، فإنّ ابن قولويه لا يروي في كتاب كامل الزيارات رواية عن المعصوم عليه‌السلام إلاّ وقد وصلت إليه من جهة الثقات من أصحابنا.
إلاّ أنّ المحدّث النوري اعتقد أنّ ابن قولويه نصّ على توثيق كلّ من صدّر بهم سند أحاديث كتابه ، لا كلّ من ورد في أسناد الروايات وهم 388 اسم ورد في أسناد جميع أنحاء الكتاب. والمحصّل أنّ ابن قولويه وثّق جميع مشايخه ولم يوثّق كلّ من ورد إسمه في سند كامل الزيارات. ويمكن استخلاص ذلك من الفائدتين الثالثة والعاشرة في المستدرك.
ففي الفائدة الثالثة قال : «إنّ المهمّ في ترجمة هذا الشيخ العظيم استقصاء مشايخه في هذا الكتاب الشريف ، فإنّ فيه فائدة عظيمة لم تكن في من قدّمنا من مشايخ الأجلّة ، فإنّه رحمه الله ... نصّ على توثيق كلّ من
__________________
(1) مقدمة كامل الزيارات: 4.
(2) وسائل الشيعة 20 / 68.
(3) معجم رجال الحديث 1 / 50.
           

روى عنه فيه ، بل كونه من المشهورين في الحديث والعلم ، ولا فرق في التوثيق بين النصّ على أحد بخصوصه أو توثيق جمع محصورين بعنوان خاصّ ، وكفى بمثل هذا الشيخ مزكّياً ومعدّلاً»(1).
وفي الفائدة العاشرة قال : «من جملة الأمارات الكلّية على الوثاقة كونها من مشايخ جعفر بن قولويه في كتابه كامل الزيارات»(2).
2 ـ كتاب تفسير القمّي :
وهو تفسير روائي لمصنّفه علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي من مشايخ الإمامية في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري. والمصنّف من مشايخ الكليني (ت 329 هـ) ، وقد أكثر الكليني في الكافي الرواية عنه حتّى بلغت روايته عنه سبعة آلاف وثمانية وستّين مورداً(3) ، وقد وقع اسمه في أسناد العديد من الروايات التي بلغت سبعة آلاف ومائة وأربعين مورداً(4).
وكان علي بن إبراهيم على قيد الحياة في زمن الإمام العسكري عليه‌السلاموبقي إلى سنة(5) 307 ، ولكن لا نعرف تاريخ وفاته.
وتفسير القمّي يجمع الروايات المسندة المروية عن الإمام الصادق عليه‌السلام وأمير المؤمنين عليه‌السلام في علوم القرآن. وقد أشار القمّي في تفسيره قائلاً : «نحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي إلينا ، ورواه مشايخنا
__________________
(1) مستدرك الوسائل 3 / 522 ـ 523.
(2) مستدرك الوسائل 3 / 777.
(3) معجم رجال الحديث 18 / 54 ، في ترجمة الكليني رقم 12038.
(4) معجم رجال الحديث 11 / 194 ، في ترجمة علي بن إبراهيم رقم 7816.
(5) عيون اخبار الرضاعليه‌السلام: 161.
           

وثقاتنا عن الذين فرض طاعتهم ، وأوجب رعايتهم ، ولا يقبل العمل إلاّ بهم»(1).
واستفاد الحرّ العاملي (ت 1104 هـ) من مقولة علي بن إبراهيم ، فقال عنه : «قد شهد علي بن إبراهيم أيضاً بثبوت أحاديث تفسيره وأنّها مروية عن الثقات عن الأئمّة»(2) ، وعلّق السيّد الخوئي (ت 1413 هـ) على ذلك بالقول : «إنّ علي بن إبراهيم يؤيّد بما ذكره ، إثبات صحّة تفسيره وأنّ رواياته ثابتة وصادرة من المعصومين عليهم السلام ، وأنّها انتهت إليه بوساطة المشايخ والثقات من الشيعة ، وعلى ذلك فلا موجب لتخصيص التوثيق بمشايخه الذين يروي عنهم علي بن إبراهيم بلا واسطة ، كما زعمه بعضهم»(3).
ولا شكّ أنّ فقهاءنا المتقدّمين وثّقوه بما فيه الكفاية ، فقال النجاشي (ت 450 هـ) : «علي بن إبراهيم ، أبو الحسن القمّي ، ثقة في الحديث ، ثبت معتمد صحيح المذهب سمع فأكثر وصنّف كتباً»(4). بينما قال الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) : «علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي ، له كتب منها كتاب التفسير ، وكتاب الناسخ والمنسوخ»(5).
ولكن لم يسلّم هذا الكتاب من الإضافات التي أضافها تلميذه أبو الفضل العبّاس ، ومارواه التلميذ بسنده الخاصّ عن أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه‌السلام. وكفى بذلك عملاً زعزع ثقة الفقهاء بالكتاب سنداً ومتناً.
__________________
(1) تفسير علي بن إبراهيم القمّي 1 / 4.
(2) الوسائل 20 / 68 الفائدة السادسة.
(3) معجم رجال الحديث 1 / 49 المقدّمة الثالثة.
(4) رجال النجاشي رقم 680.
(5) الفهرس ـ الشيخ الطوسي ـ: 115 ، رقم 382.
           

فأبي الجارود زياد بن المنذر زعم بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نصّ على علي عليه‌السلامبالوصف دون التسمية ، كما ذكرها الشهرستاني ، وقد وردت روايات بذمّ أبي الجارود في رجال الكشي(1).
3 ـ كتاب المزار :
للشيخ محمّـد بن جعفر بن علي بن جعفر المشهدي. قال المصنّف في مقدّمة الكتاب : «فإنّي قد جمعتُ في كتابي هذا من فنون الزيارات للمشاهد ، وما ورد في الترغيب في المساجد المباركات ، والأدعية المختارات ، وما يدعى به عقيب الصلوات ، وما يناجى به القديم تعالى من لذيذ الدعوات في الخلوات ، وما يلجأ إليه من الأدعية عند المهمّات ممّا اتصلت به ثقاة الرواة إلى السادات»(2).
والمشكلة الأساسية في الكتاب هي في المصنّف نفسه ، فقد أُطلق اسم (ابن المشهدي) على ثلاثة أشخاص :
الأوّل : «السيّد أبو البركات محمّـد بن إسماعيل المشهدي ، فقيه محدّث ثقة ، قرأ على الشيخ الإمام محيي الدين الحسين بن مظفّر الحمداني»(3) ، ذكره الشيخ منتجب الدين في فهرسه.
الثاني : «الشيخ محمّـد بن جعفر المشهدي ، كان فاضلاً محدّثاً ، صدوقاً له كتب ، يروي عن شاذان بن جبرئيل القمّي»(4). ذكره الحرّ العاملي
__________________
(1) رجال الكشي رقم 413 ـ 420.
(2) نقلها المحدث النوري في مستدرك الوسائل 3 / 368.
(3) بحار الانوار 102 / 270.
(4) أمل الآمل: 253 القسم الثاني.
           

في أمل الآمل.
الثالث : «الشيخ محمّـد بن جعفر الحائري فاضل ، جليل ، له كتاب ما اتفق من الأخبار في فضل الأئمة الأطهار»(1). ذكره الحرّ العاملي في أمل الآمل أيضاً.
وتلك الأسماء الثلاثة كلّها من الثقات. إلاّ أنّ السيّد الخوئي (ت 1413 هـ) لم يعر الكتاب إهتماماً ، فقال قدس‌سره : «لم يظهر اعتبار هذا الكتاب في نفسه ، فإنّ محمّـد بن المشهدي لم يظهر حاله ، بل لم يعلم شخصه ، وإن أصرّ المحدّث النوري على أنّه محمّـد بن جعفر بن علي بن جعفر المشهدي الحائري ، فإنّ ما ذكره في وجه ذلك لا يورث إلاّ الظنّ»(2).
وفي ضوء ما ذكرناه فإنّ التيّار العلمي السائد في حقل الرجال اليوم يُظهر بأنّ الإعتماد على الكتاب هو موردُ إشكال ، لمجهولية المصنّف أوّلاً ، ولعدم معرفة هل أنّ الكتاب الذي بين أيدينا هو فعلاً كتاب المزار أو كتاب آخر انتحل نفس العنوان.
__________________
(1) أمل الآمل: 252 القسم الثاني.
(2) معجم رجال الحديث 1 / 51.
           

الفصل السادس
التوجه الجديد في علم الرجال
إنّ ابتعادنا عن عصر النصّ جعلنا نقف أمام مشاكل جديدة في غاية الصعوبة والتعقيد ، خصوصاً في علم الرجال. ففي الوقت الذي كان أئمّة علم الرجال المتقدّمين يتعاملون مع الراوي على أساس وثاقته أو ضعفه ويكتفون ببعض القرائن الشخصية في التثبّت من حاله ، أصبح هذا الأُسلوب في العصور المتأخّرة لا يفي بالحاجة إلى الإطمئنان لشخصية الراوي من حيث الوثاقة أو الضعف. فبدأ التطلّع إلى معرفة الوضع الإجتماعي والعلمي الذي كان يحيط بالراوي ، من قبيل معرفة طبقته وعصره ، ومدى ضبطه وإتقانه في نقل الروايات ، ودرجة علميّته ومقدار فضله أي مدى تضلّعه بالفقه والأُصول ، وقربه من المعصوم عليه‌السلام ، وحجم روايته من حيث القلّة والكثرة ، وقوّة ارتباطه بالسلطة السياسية ، ومقدار احتكاكه بالمذاهب الأُخرى.
ومن مشاكل ابتعادنا عن عصر النصّ ، ظهور بعض التحريفات والتصحيفات في بعض أسانيد الأحاديث المروية عن الكتب الأربعة. وقد كان الاستنساخ اليدوي للمجاميع الحديثية عبر مئات السنين هو السبب في جزء كبير من ذلك التصحيف. فقد يسقط اسم الراوي من قائمة السند من دون أن يكون هناك ما يدلّنا عليه. لأنّ أغلب الكتب الرجالية مصمّمة على أساس درج أسماء الرواة حسبما يقتضيه تسلسل الحروف الهجائية المستخدمة في المعاجم. فأخذ التوجّه العلمي في المدرسة الإمامية ينحو
 

نحو البحث عن طبقة الراوي وعصره ، ومشايخه وتلامذته. ولا شكّ أنّ معرفة تلك القرائن قد تدلّنا على العثور على حلقة الأسناد المفقودة في التصحيفات.
ومشكلة ثالثة تواجهنا اليوم في علم الرجال وهي : ما اصطلح عليه بـ (تمييز المشتركات). فمن الواضح أنّ أسماء العديد من الرواة مشتركة بين عدّة أفراد. ولو كان هذا الإشتراك بين مجموعة من الأسماء كلّها ثقات لمّا كان للمشكلة حلولاً صعبة المنال. إلاّ أنّ الإشتراك يكون ، في أغلب الأحيان ، بين ثقات مركون إليهم وضعفاء مردودة روايتهم. وهنا يختلط الأمر وتضعف القدرة على التثبّت من الأمر. وقد تحسّس علماؤنا لهذه المشكلة ، خصوصاً الشيخ الكاظمي في كتابه الخاص بـ (تمييز المشتركات) ، ففتح لنا باباً لعلاج تلك المشكلة. إلاّ أنّ التوجّه الجديد في علم الرجال كان أشمل من قضية تمييز المشتركات أو التصحيف.
وكان من روّاد هذا التوجّه الجديد فقيهين جليلين من فقهاء الطائفة في القرن الرابع عشر الهجري ، وهما : السيّد البروجردي (ت 1380 هـ) ، والسيد أبو القاسم الخوئي (ت 1413 هـ). فقد قام السيّد البروجردي قدس‌سرهبترتيب أسانيد الكتب الحديثية الأربعة كلاًّ على حدة وأسماها مرتّب أسانيد الكافي ومرتّب أسانيد التهذيب إلى آخر الكتب. ثمّ قام بترتيب الكتب الرجالية الأربعة بنفس الطريقة. وكان هدفه من ذلك الإلمام بالرواة ومشايخهم وتلامذتهم وطبقاتهم.
ثم ، وفي مشروع آخر ، قام بترتيب طبقات الرجال من عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عصر الشيخ الطوسي ، فجعلها اثنتي عشرة طبقة. يقول الشيخ محمّـد واعظ زادة في تعريفه بمشروع السيّد البروجردي : «إنّ
 

الرجاليّين كانوا وما يزالون يتعبّدون في الأكثر بقول أئمّة هذا الفنّ ويقلّدونهم في جرح الرواة وتعديلهم ، إلاّ أنّ الأمر لا ينحصر فيه. فهناك بإزاء ذاك باب مفتوح إلى معرفة الرواة ولمس حالهم بالمباشرة. وهذا يحصل بالرجوع إلى أمرين :
1 ـ الرجوع إلى سند الروايات المتكرّرة في الكتب الحديثية المشتملة على إسم الراوي. وبذلك يظهر الخلل في كثير من الأسانيد ، وينكشف الإرسال فيها بسقوط بعض الوسائط وعدم اتّصال السلسلة. ويمكننا معرفة الحلقة المفقودة في سلسلة حديث باستقراء الأشباه والنظائر إذا توفّرت وكثرت القرائن ، وقامت الشواهد في الأسانيد المتكثّرة.
2 ـ الرجوع إلى متون أحاديث الراوي المبعثرة على الأبواب ، واعتبارها لفظاً ومعنى وكمّاً وكيفاً ، فيفهم منها أنّ الراوي هل كان متضلّعاً في علم الفقه أو التفسير أو غيرهما من المعارف؟ أو لم يكن له مهارة وحذاقة في شيء منها؟ يفهم ذلك كلّه إذا قيست رواياته بعضها ببعض وبما رواه الآخرون في معناها ، ويلاحظ أنّه قليل الرواية أو كثيرها وأنّه ثبت ضابط فيما يرويه أو مخلّط مدلّس.
وإذا انضـمّ إليه أمـر ثالث ينكشف حـال الراوي أتمّ الإنكشـاف ، وهو مراجعـة الأحـاديث التي وردت في حـال الرواة. وقد جمـع معظمها أبو عمـرو الكشّي في رجـاله. فهي تعطينـا بصيـرة بحال رواة الحـديث. ومن ناحيـة أُخرى موقف الرواة من الأئمّـة الهـداة ، ودرجـات قرب الرجـال وبعدهم عنهم.
وعلى الجملـة فمعرفـة الرواة وطبقاتـهم عن طريـق أحاديثـهم وملاحظتـها متنـاً وسنـداً ، تكاد تكـون معرفـة بالمباشـرة والنظر ،
 

لا بالتقليـد والأثـر»(1).
أما السيّد الخوئي قدس‌سره ، فقد قام في كتابه الموسوعي معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة بتحليل الرواة من حيث طبقاتهم وعصورهم ومشايخهم وتلامذتهم. فيكون هذا المنهج معيّناً للمجتهد على الوقوف على كمال السند أو نقصانه ، والوصول إلى الحلقة المفقودة إذا كان المحقّق المجتهد ملمّاً بأسماء مشايخ الراوي وتلامذته. يضاف إلى ذلك أنّ الكتاب أعطى زخماً قويّاً للمحقّقين في تمييز المشتركات من خلال معرفة طبقات الرواة وظروف الراوي الإجتماعية.
ومنهجية معجم رجال الحديث موضوعة على أساس خطّة تتركّز على ناحيتين هامّتين :
الأولى : المبادئ الإجتهادية التي قلبت المفاهيم الرجالية ، والقواعد التاريخية الموروثة في علم الرجال ، وهي مقاييس عامّة للتوثيق والتعديل ، أو التجريح والإسقاط.
فقد ينسف المؤلّف قاعدة من قواعد هذا العلم لضعف في حجيتها ، أو وجود حجّة على خلافها ، وقد يضرب تلك القاعدة عرض الحائط لضعف في تفسيرها ، أو دلالتها ، أو لكونها لازماً أعمّ ، كما هو الأمر في قاعدة الوكالة ، التي كان القدامى يوثّقون من يجدونه موصوفاً بها ، فيختلف معهم في تفسيرها وتقديرها ، وينتهي ـ على العكس منهم ـ إلى أنّ الوكالة من الإمام عليه‌السلام أمر لا يوجب التوثيق ـ وإن أوجب الإعتماد فيما يوكل إليه ـ وأنّ ما لها من مداليل قد لا يشعر جميعها بأمانة الحديث بأيّ حال من
__________________
(1) رسالة بمناسبة الذكرى الألفية للشيخ الطوسيقدس‌سره في مشهد ـ الشيخ محمّـد واعظ زادة الخراساني : 683 ـ 685.
           

الأحوال.
الثانية : المزايا العلمية التي طعّم بها الكتاب ، ممّا فات المؤلّفين السابقين ، من قبيل التركيز على المصدر الأمّ ، ومن قبيل استقصاء جميع روايات الراوي ومن حدّث عنه ، ومن قبيل التعرّض للرواة من كتب الرجال والحديث معاً ، ومن قبيل عدم الإكتفاء بتوثيقات المتأخّرين للرواة إن كان للقدماء فيهم رأي ، ومن قبيل التدقيق على وجه علمي عن سبل وثاقتهم وحسنهم.
فقد يضعّف من الرجال من مضى على توثيقه عدّة قرون ، أو يوثّق من مشى تضعيفه في أكثر الكتب الرجالية وأخطرها ، ثمّ قد يجد اتحاداً بين كثير من الرجال الذين تعدّدت أسماؤهم وعناوينهم ، أو قد يجد في كثير ممّن رأوا اتحادهم تعدّداً واضحاً أغفله القدامى والمحدّثون ...
وهكذا غربل قواعد هذا العلم واحدة واحدة ، ووضع رجال الحديث في الميزان واحداً بعد واحد. فأمّا من خفّت موازينه منهم فلم يملأ فراغاً ، ولم يترك ظلاًّ ، وأمّا من ثقلت موازينه ، وتوفّرت فيه شروط العدالة والتوثيق : تماسكت به عرى الحديث ، وسلمت حلقاته من المؤاخذات الرجاليـة ، وتمّ الأخـذ به في طريـق الاستنباط والتوصّـل إلى حكـم من أحكـام الله تعالى)(1).
ونحن نأمل من الجيل الجديد من فقهاء أهل البيت عليهم‌السلام أن يستمرّ في رفد هذا العطاء العلمي بنفس الزخم والقوّة الذي أقدح شرارته المتقدّمون من الفقهاء والله وليّ التوفيق.
__________________
(1) معجم رجال الحديث 1 / 13 ـ 14 المدخل ، مقدمة مرتضى الحكمي.
           

مصادر التوثيقات
1 ـ القرآن الكريم.
2 ـ الإجازة الكبيرة (الى الشيخ عبـد الصمد والد الشيخ البهائي). زين الدين بن علي بن أحمد الجبعي العاملي المعروف بالشهيد الثاني (ت 965 هـ).
3 ـ اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي). محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام لاحياء التراث ، قم / 1404 هـ.
4 ـ الاستبصار. محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). تحقيق : السيد حسن الخرسان ، سنة 1406 هـ.
5 ـ الإصابة إلى معرفة الصحابة. أحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ). طبعة مصر في 4 مجلدات وبهامشه الاستيعاب للقرطبي. مطبعة السعادة القاهرة / 1328 هـ.
6 ـ اضواء على السنة المحمّـدية (أو دفاع عن الحديث). الشيخ محمود أبو رية (ت 1390 هـ). اسماعيليان ، قم.
7 ـ إعلام الورى بأعلام الهدى. الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 هـ). تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ، قم / 1417 هـ.
8 ـ أمل الآمل. الحرّ العاملي (1104 هـ). دار الكتاب الاسلامي ، قم.
9 ـ انساب الاشراف. أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري (من اعلام القرن الثالث الهجري). نسخة مخطوطة مصورة.
10 ـ بحار الانوار. العلاّمة المجلسي (ت 1111 هـ) ، مؤسسة الوفاء ، بيروت / 1403 هـ.
11 ـ البشرى. جمال الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس (ت 673 هـ).
12 ـ تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام. السيد حسن بن هادي الصدر (ت 1354 هـ). ط سنة 1411 هـ.
13 ـ التحرير الطاووسي. الشيخ حسن ابن الشيخ زين الدين العاملي (ت 1011 هـ). تحقيق : محمّـد حسن ترحيني ، ط 1408 هـ.
14 ـ تذكرة الحفاظ. الذهبي (ت 748 هـ). دار احياء التراث ، بيروت.
15 ـ تعليقة السندي بهامش سنن النسائي. دار احياء التراث العربي ، بيروت.
16 ـ تفسير القمي. أبو الحسن علي بن ابراهيم القمي (القرن الرابع الهجري). الطبعة الاولى المحققة بيروت 1411 هـ.
17 ـ تفسير النيشابوري بهامش تفسير الطبري (جامع البيان في تفسير القرآن). أبو جعفر الطبري محمّـد بن جرير (ت 310 هـ) ، طبع مصر.
18 ـ التقييد والإيضاح (شرح مقدمة ابن الصلاح). الحافظ العراقي. تحقيق : عبـد الرحمن محمّـد عثمان.
19 ـ تنقيح المقال في أحوال الرجال. الشيخ عبـد الله بن محمّـد حسن المامقاني (ت 1351 هـ). المكتبة المرتضوية النجف الأشرف 1350 هـ.
20 ـ تنوير الحوالك شرح موطأ مالك. السيوطي (ت 911 هـ). دار الكتب العلمية ، بيروت / 1418 هـ.
21 ـ تهذيب الأحكام في شرح المقنعة. محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). تحقيق : السيد حسن الخرسان ، ط سنة 1401 هـ.
22 ـ جامع الرواة. محمّـد بن علي الاردبيلي (من فقهاء القرن الثاني عشر الهجري). ط سنة 1403 هـ.
23 ـ جامع بيان العلم وفضله. ابن عبد البر (ت 463 هـ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت / 1398 هـ.
24 ـ حصر الاجتهاد. آقا بزرك الطهراني (ت 1389 هـ) ، تحقيق : محمّـد علي الأنصاري ، مطبعة خيّام ، قم / 1401 هـ.
25 ـ حل الإشكال في معرفة الرجال. علي بن موسى بن جعفر ابن طاووس (ت 664 هـ).
26 ـ خاتمة مستدرك وسائل الشيعة. الميرزا النوري (ت 1320 هـ) ، مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لاحياء التراث ، قم / 1416 هـ.
27 ـ الخلاصة. العلاّمة الحلّي (ت 726 هـ). النجف الاشرف / 1381 هـ.
28 ـ الدراية. الشيخ حسين بن عبـد الصمد (ت 984 هـ).
29 ـ الدراية (شرح البداية في علم الدراية) أو (الرعاية في علم الدراية). زين الدين بن علي بن أحمد الجبعي العاملي المعروف بالشهيد الثاني (ت 965 هـ). الطبعة الأولى قم / 1408 هـ.
30 ـ الذريعة الى تصانيف الشيعة. الشيخ محمّـد محسن المعروف اقا بزرك الطهراني (ت 1389 هـ). الطبعة الأولى.
31 ـ ذكرى الشيعة. محمّـد بن جمال الدين مكي بن شمس الدين المعروف بالشهيد الأول (ت 786 هـ). مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام ، قم / 1419 هـ.
32 ـ رجال ابن داود. تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلي (ت 707 هـ). تحقيق : محمّـد صادق بحر العلوم ، سنة 1406 هـ.
33 ـ رجال الاسترابادي (منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال). الميرزا محمّـد بن علي الاسترابادي (ت 1028 هـ).
34 ـ رجال السيد بحر العلوم (الفوائد الرجالية). محمّـد مهدي بحر العلوم. تحقيق : محمّـد صادق بحر العلوم وحسين بحر العلوم. 1363 هـ. ش.
35 ـ رجال الشيخ الطوسي (الفهرس). أبو جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). تحقيق السيد محمّـد صادق بحر العلوم. الطبعة الاولى 1381 هـ.
36 ـ رجال العلامة الحلي (خلاصة الأقوال). الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر المشهور بالعلامة الحلي (ت 726 هـ). المطبعة الحيدرية النجف الأشرف / 1381 هـ.
37 ـ رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال). محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ، قم / 1404 هـ.
38 ـ رجال النجاشي. أحمد بن علي النجاشي (ت 450 هـ). مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم / 1416 هـ.
39 ـ رسالة بمناسبة الذكرى الالفية للشيخ الطوسي مشهد المشرفة. الشيخ محمّـد واعظ زادة الخراساني.
40 ـ الرواشح السماوية. محمّـد باقر الحسيني المرعشي الداماد (ت 1040 هـ). مكتبة آية الله المرعشي قم المشرفة.
41 ـ سماء المقال. المحقق الكلباسي (ت 1356 هـ).
42 ـ السنن الكبرى (سنن البيهقي). أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت 458 هـ). بيروت دار الفكر.
43 ـ شرح الفقيه. الشيخ البهائي (ت 1031 هـ).
44 ـ شرح نهج البلاغة. عز الدين بن هبة الله بن أبي الحديد المعتزلي (ت 655 هـ). تحقيق محمّـد أبو الفضل ابراهيم. القاهرة : البابي الحلبي 1959 م.
45 ـ الصحيفة السجادية. مجموع ما أملاه الإمام زين العابدين علي بن الحسين السجاد عليه‌السلام من الأدعية. طبعت مرات عديدة. انتخبنا طبعة مكتب قرآن ، تقديم السيد مير أحمد الروضاتي طهران.
46 ـ الصلاة. الشيخ مرتضى الانصاري (ت 1281 هـ). (ضمن كتاب المكاسب). طبعة حجرية.
47 ـ عدة الاصول. محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). طبع بومبي الهند.
48 ـ الغيبة. أبو جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). مكتبة بصيرتي قم / 1408 هـ.
49 ـ فتح الباري بشرح صحيح البخاري. أحمد بن علي العسقلاني (ابن حجر) (ت 852 هـ). مصر بولاق ، بدون تاريخ.
50 ـ فرج المهموم. رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن طاووس (ت 673 هـ). منشورات الرضي قم / 1363 هـ. ش.
51 ـ فلاح السائل ونجاح المسائل. علي بن موسى بن جعفر ابن طاووس (ت 673 هـ). مكتب التبليغ الاسلامي للحوزة العلمية قم المشرفة.
52 ـ الفوائد الرجالية. محمّـد باقر بن محمّـد أكمل المعروف بالوحيد البهبهاني (ت 1205 هـ). مطبوع مع رجال الخاقاني ، للشيخ علي الخاقاني (ت 1334 هـ). تحقيق : محمّـد صادق بحر العلوم. سنة 1404 هـ.
53 ـ فهرس أسماء علماء الشيعة ومصنفيهم. الشيخ منتجب الدين بن بابويه (ت بعد 585 هـ). تحقيق السيد عبـد العزيز الطباطبائي. سنة 1406 هـ.
54 ـ قاموس الرجال. عبـد الله التستري (ت 1021 هـ).
55 ـ الكافي (الاصول ، الفروع ، الروضة). أبو جعفر محمّـد بن يعقوب الكليني (ت 329 هـ). طهران : دار الكتب الاسلامية ، 1379 هـ.
56 ـ كامل الزيارات. أبو القاسم جعفر بن محمّـد بن قولويه (ت 367 هـ). المطبعة المرتضوية النجف الاشرف 1356 هـ.
57 ـ الكفاية في علم الرواية. الخطيب البغدادي (ت 463 هـ). مطبعة السعادة القاهرة 1972 م.
58 ـ كلّيات في علم الرجال. جعفر السبحاني ، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة إلى جماعة المدرسين ، قم / 1414 هـ.
59 ـ كنـز العمال من سنن الاقوال والافعال. علاء الدين المتقي الهندي (ت 975 هـ). الطبعة الثانية. حيدرآباد : جمعية دائرة المعارف العثمانية / 1369 هـ.
60 ـ لؤلؤة البحرين. الشيخ يوسف بن أحمد البحراني (ت 1186 هـ). تحقيق محمّـد صادق بحر العلوم. مطبعة النعمان النجف الاشرف.
61 ـ مجمع الرجال. عبـد الله التستري (ت 1021 هـ).
62 ـ مجمع الرجال. عناية الله القهبائي (ت بعد سنة 1026 هـ). اسماعيليان قم المشرفة. الطبعة الثانية.
63 ـ مرآة العقول في شرح أخبار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). محمّـد باقر المجلسي (ت 1111 هـ). دار الكتب الاسلامية طهران / 1398 هـ.
64 ـ مسالك الافهام الى شرح شرائع الاسلام. زين الدين الجبعي العاملي المعروف بالشهيد الثاني (ت 965 هـ). مؤسسة المعارف الاسلامية ، قم / 1416 هـ.
65 ـ مستدرك الوسائل. الميرزا حسين النوري الطبرسي (ت 1320 هـ). المكتبة الاسلامية قم المشرفة.
66 ـ مسند أحمد. أحمد بن حنبل (ت 241 هـ). بيروت : المكتب الاسلامي / 1398 هـ.
67 ـ مشايخ الثقات. الميرزا غلام رضا عرفانيان. المطبعة العلمية قم المشرفة 1409 هـ.
68 ـ مشرق الشمسين. الشيخ البهائي (ت 1031 هـ). ضمن رسائل الشيخ البهائي ، مكتبة بصيرتي ، قم.
69 ـ مصفى المقال في مصنفي علم الرجال. الشيخ اقا بزرك الطهراني (ت 1389 هـ). سنة 1408 هـ.
70 ـ معارج الأصول. المحقّق الحلّي (ت 676 هـ). مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلاملإحياء التراث.
71 ـ المعالم. الشيخ حسن (ت 1011 هـ). طبع عبـد الرحيم.
72 ـ المعتبر في شرح المختصر. نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن المعروف بالمحقق الحلي (ت 676 هـ). مجمع الذخائر الاسلامية ، قم.
73 ـ معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة. السيد أبو القاسم الخوئي (ت 1413 هـ). سنة 1409 هـ.
74 ـ المُغني. عبـد الله بن أحمد بن محمّـد بن قدامة الحنبلي (ت 620 هـ). تحقيق جماعة من العلماء. بيروت : دار الكتاب العربي.
75 ـ مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث. تحقيق : الدكتورة عائشة عبـد الرحمن. دار الكتب القاهرة.
76 ـ الملل والنحل. الشهرستاني (548 هـ). دار المعرفة ، بيروت.
77 ـ مناقب. أبو جعفر رشيد الدين محمّـد بن علي بن شهرآشوب (ت 588 هـ). المطبعة العلمية قم المشرفة.
78 ـ منتهى المطلب. الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي المعروف بالعلامة (ت 726 هـ). طبعة الحاج أحمد تبريز.
79 ـ منتهى المقال في أحوال الرجال. أبو علي الحائري المازندراني (ت 1216 هـ). تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام قم / 1416 هـ.
80 ـ من لا يحضره الفقيه. أبو جعفر محمّـد بن علي بن بابويه الصدوق (ت 381 هـ). بيروت : الأعلمي / 1408 هـ.
81 ـ منهج المقال. محمّـد جعفر الاستر آبادي (ت 1263 هـ). طبعة حجرية. 

82 ـ الموضوعات. ابن الجوزي (ت 597 هـ) ، المكتبة السلفية ، المدينة المنورة / 1386 هـ.
83 ـ مهج الدعوات. رضي الدين أبو القاسم على بن موسى ابن طاووس (ت 673 هـ). 1399 هـ.
84 ـ المهذب البارع في شرح النافع. أحمد بن شمس محمّـد بن فهد الحلي (ت 841 هـ).
85 ـ مؤلفوا الشيعة في صدر الإسلام. السيد عبـد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي (ت 1377 هـ). مطبعة النعمان النجف الأشرف.
86 ـ النص والاجتهاد. السيد عبـد الحسين شرف الدين الموسوي. بيروت : مؤسسة الاعلمي ، 1386 هـ.
87 ـ نقد الرجال. مصطفى بن الحسين التفريشي (من أعلام القرن الحادي عشر). طبعة حجرية.
88 ـ الوافي. محمّـد محسن بن شاه مرتضى المعروف بالفيض الكاشاني (ت 1091 هـ). مكتبة آية الله المرعشي قم / 1404 هـ.
89 ـ الوجيزة في علم الرجال. محمّـد باقر بن محمّـد تقي المجلسي (ت 1111 هـ). ترتيب عبـد الله السبزالي. الاعلمي بيروت 1995 م.
90 ـ وسائل الشيعة الى تحصيل مسائل الشريعة. محمّـد حسن العاملي (ت 1104 هـ). المطبعة الاسلامية طهران.
91 ـ هداية المحدثين (مشتركات الكاظمي). محمّـد أمين بن محمّـد علي الكاظمي (ق 11 هـ). تحقيق السيد مهدي الرجائي. طهران : مطبعة حيدري.


المصدر: السـيّد زهير الأعرجي - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
1541
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :