معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

تاريخ النظرية الفقهية في المدرسة الإمامية ..

تاريخ النظرية الفقهية في المدرسة الإمامية

بسـم الله الرحمن الرحـيم

الفقه وعصر النصوص الشرعية :
لا نستطيع فصل الفقه فصلاً زمنيّاً عن عصر التشريع. فإذا كان الفقه يعبّر عن جملة من الإلزامات الشرعية في الأوامر والنواهي ، فإنّه يعكس أيضاً المبنى العقلي لرسالة السماء. بمعنى أنّ الدين السماوي جاء بقوانين اجتماعية مطابقة لمباني العقلاء تخصّ الفرد والجماعة ، وبنظام اخلاقي لتنظيم العلاقات بين الأفراد ، وبنظام روحي يربط الإنسان بربّه عزّ وجلّ. وتلك القوانين الدينية لتنظيم حياة الإنسان غلب عليها تسمية «الفقه» او «الأحكام الشرعية». وبكلمة ، فإنّ «التشريع» يضمّ كلَّ القوانين المنظِّمة لشؤون الإنسان عبر مفاهيم الحلال والحرام. وإذا آمنّا بأنّ القرآن الكريم والسنّة المطهّرة هما مصدرا التشريع الإسلامي ، فلا بدّ لنا من الإيمان بتضافرهما في توضيح مراد الشارع من أجل تحقيق أهداف الدين في بناء علاقة المكلّف مع ربّه ، وفي بناء العلاقات الاجتماعية بين المكلّفين

أنفسهم.
إذن ، فالأحكام الشرعية تستنبط من دليلين أساسيّين هما : القرآن المجيد ، والسنّة الشريفة.
الدليل القرآني :
وهو الدليل الأوّل المحفوظ بين الدفّتين ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وقد نزل القرآن الكريم على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكُتب في حياته. وقد حفل هذا الكتاب المجيد بما يؤيّد ذلك : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (1) ، (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ) (2) ، (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْنُون * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) (3) ، (رَسُولٌ مِنَ الله يَتْلُوا صُحُفاً مُّطَهَّرَةً) (4) ، (كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُف مُكَرَّمَة * مَرْفُوعَة مُطَهَّرَة * بِأَيْدِي سَفَرَة * كِرَام بَرَرَة) (5). فالصحف المطهّرة ، واللّوح المحفوظ ، والكتاب المكنون كلّها صفات تدلّ على كون الموصوف كتاباً محفوظاً بين الدفّتين.
وكان أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام على أوثق اتصال بكتاب الله. فقد كانوا القرآن الناطق الذي يعبّر عن روح الكتاب المجيد الصامت ومفاهيمه السماوية. فلا عجب أنْ نقرأ في الخبر عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال عن
__________________
(1) سورة الحجر 15 : 9.
(2) سورة البروج 85 : 21 ـ 22.
(3) سورة الواقعة 56 : 77 ـ 79.
(4) سورة البينة 98 : 2.
(5) سورة عبس 80 : 11 ـ 16.

تدوين القرآن : «... فما نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) آية من القرآن الاّ أقرأنيها وأملاها علىّ فكتبتها بخطّي وعلّمني تأويلها وتفسيرها ، وناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وخاصّها وعامّها ، ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها ، فما نسيتُ من كتاب الله ، ولا علماً أملاه علىَّ وكتبته منذ دعا لي بما دعا» (1).
وقد وصلنا القرآن الكريم كاملاً يداً بيد من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحتّى أئمّة الهدى عليهم‌السلام إلى يومنا هذا ، ولم تمسّه يدُ الباطل والتحريف مطلقاً. وإلى ذلك أشار المولى عزّ وجلّ : (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد) (2).
والحقيقة الجديرة بالالتفات : إنّ القرآن المجيد لمّا كان كتاب هداية سماوية ، فإنّه تعامل مع قضايا التشريع تعامل الكلّيّات. وتُركت تفصيلات الشريعة إلى السنّة النبوّية الشريفة ، فكان بيت النبوّة متصدّياً لتوضيح أحكام الإسلام التي جاء بها القرآن الكريم.
والمشهور بين الفقهاء : إنّ الآيات القرآنية التي لها علاقة مباشرة بأحكام الفقه لا تتجاوز خمسمائة آية من مجموع (6326) آية. فتكون نسبة آيات الأحكام إلى كلّ آيات القرآن الكريم في حدود ثمانية بالمائة (8 %).
فقد «اشتهر بين القوم أنّ الآيات المبحوث عنها نحو من خمسمائة آية ، وذلك إنّما هو بالمتكرّر والمتداخل ، وإلاّ فهي لا تبلغ ذلك» (3).
__________________
(1) الكافي 1 / 62 ح 1.
(2) سورة فصلّت 41 : 41 ـ 42.
(3) كنز العرفان 1 / 5.

وقد تضمّنت موضوعات : الطهارة ، والصلاة ، والصوم ، والزكاة ، والخمس ، والحجّ ، والجهاد ، والمكاسب ، والبيع ، والدَيْن ، والرهن ، والضمان ، والصلح ، والوكالة ، والوفاء بالعقد ، والإجارة ، والشركة ، والإبضاع ، والإيداع ، والعارية ، والسبق والرماية ، والشفعة ، واللقطة ، والغصب ، والإقرار ، والوصية ، والحجر ، والوقف ، والسكنى ، والصدقة ، والهبة ، والنذر ، والعهد ، واليمين ، والعتق ، والنكاح ، والطلاق ، والظهار ، والإيلاء ، واللعان ، والارتداد ، والمطاعم والمشارب ، والمواريث ، والحدود ، والجنايات ، والقضاء ، والشهادات.
ولا شكّ أنّ فهم الأحكام في النصوص القرآنية غير منفكّ عن فهم المواضيع والألفاظ المعبّرة عنهما.
فدلالة اللفظ القرآني تعني أنّ «اللفظ المفيد وضعاً إن لم يحتمل غير ما فهم منه بالنظر اليه فهو النصّ. وإن احتمل ، فإن ترجّح أحد الاحتمالين بالنظر إليه أيضاً فهو الظاهر والمرجوح المؤوّل. وإن تساويا الاحتمالان فهو المجمل. والقدر المشترك بين النصّ والظاهر هو المحكم. والمشترك بين المجمل والمؤوّل هو المتشابه. وقد يتركّب بعض هذه مع بعض.
مثال النص : قوله تعالى : (قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ) (1) ، إذ لا يحتمل غير الوحدانية. ومثال الظاهر : قوله تعالى : (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (2). ومثال المؤوّل : (... يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (3) في إرادة القدرة.
__________________
(1) سورة الاخلاص 112 : 1.
(2) سورة المائدة 5 : 6.
(3) سورة الفتح 48 : 10.

ومثال المجمل : (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) (1) في احتمال أقبل وأدبر» (2).
الدليل الروائي :
وهو الدليل الثاني الذي اُبتلي بمشاكل السند والتوثيق والجرح والتعديل. فالشيعة دوّنت السنّة الشريفة المتعلّقة بأحاديث الأحكام وغيرها في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فقد دوّن أمير المؤمنين عليه‌السلام السنّة النبوّية في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). كما يشير عليه‌السلام إلى ذلك ويقول : «وما ترك (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً علّمه الله من حلال ولا حرام ، ولا أمر ولا نهي ، كان أو يكون منـزلاً على أحد قبله من طاعة أو معصية ، إلاّ علّمنيه وحفظته ، فلم أنسَ حرفاً واحداً. ثمّ وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكماً ونوراً.
فقلتُ : يا نبيّ الله. بأبي أنت وأمّي. منذ دعوت الله لي بما دعوت ، لم أنسَ شيئاً ، ولم يفتني شيء لم أكتبه» (3).
وكتابة أمير المؤمنين عليه‌السلام تلك أثمرت في تدوين كتابين في أحكام الشريعة هما :
1 ـ كتاب الامام علي عليه‌السلام في الآداب والسنن وأحكام الحلال والحرام من إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّ أمير المؤمنين عليه‌السلام. وقد ذكره النجاشي (ت 450 هـ) في كتابه الرجالي (4) ، والشيخ الطوسي (ت
__________________
(1) سورة التكوير 81 : 17.
(2) كنز العرفان 1 / 3 ـ 4.
(3) الكافي 1 / 62 ح 1.
(4) رجال النجاشي 2 / 261.

460 هـ) في التهذيب (1) ، وأشارا إلى أنّ الإمام الصادق عليه‌السلام كان يرجع إليه عند الضرورة.
2 ـ الجامعة للإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وهي «صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واملائه من فَلْقِ فيه (2) ، وخطّ علي عليه‌السلام بيمينه ، فيها كلّ حلال وحرام ، وكلّ شيء يحتاج إليه الناس حتّى الأرش في الخدش» (3).
وهذان الكتابان كانا من أوائل الكتب التي جمع فيهما العلم الفقهي على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد تكرّر ذكرهما في أخبار الائمّة عليهم‌السلام. وربّما كانا كتاباً واحداً سمّي بـ : كتاب علي مرّة وبـ : الجامعة أخرى ، وبـ : الصحيفة ثالثة. والله العالم.
وفي المقابل نأت مدرسة الصحابة نفسها عن كتابة أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بدعوى احتمالية اختلاطها بالقرآن الكريم. وهو اجتهاد لم يصبه التوفيق ؛ لأنّ كتاب الله المجيد محفوظ بين الدفّتين بإرادة الله تعالى القائلة : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (4).
يقول السيوطي :
«أراد عمر بن الخطّاب أن يكتب السنن واستشار فيها أصحاب
__________________
(1) تهذيب الأحكام 9 / 324 ح 1.
(2) فلق فيه : شق فمه.
(3) الفصول المهمة في أصول الأئمة 1 / 485.
(4) سورة الحجر 15 : 9.

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأشار إليه عامّتهم بذلك. فلبث عمر بن الخطّاب شهراً يستخير الله تعالى في ذلك شاكّاً فيه. ثمّ أصبح يوماً وقد عزم الله تعالى له. فقال : إنّي كنت فكّرت لكم من كتابة السنن ما قد علمتم. ثمّ تذكّرت فإذا أناس من أهل الكتاب كتبوا مع كتاب الله كتباً فاكبّوا عليها وتركوا كتاب الله. وإنّي والله لا ألبس كتاب الله بشيء. فترك كتابة السنن» (1).
وروى ابن سعد بسنده عن الزهري قال :
«لمّا أراد عمر بن الخطاب أن يكتب السنن فاستخار الله شهراً ثمّ أصبح وقد عزم الله له فقال : ذكرت قوماً كتبوا كتاباً فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله» (2).
وروي أيضاً عن قرظة بن كعب الانصاري أنّه قال :
أردنا الكوفة فشيَّعنا عمر إلى صرار ، وقال : تدرون لم شيّعتكم؟ قلنا : نعم ، نحن أصحاب رسول الله. فقال : إنّكم تأتون أهل قرية لهم دوىٌ بالقرآن كدويّ النحل ، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم. جرّدوا القرآن ، وأقلّوا الرواية عن رسول الله ، وامضوا وأنا شريككم (3).
وقد جرت سيرة التأريخ على رفض كتابة سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل مدرسة الصحابة لحين تولّي معاوية بن أبي سفيان ، وإصرار أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام على تدوين السنّة تدويناً تامّاً.
__________________
(1) تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك ـ الفائدة الثانية.
(2) تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك ـ الفائدة الثانية ، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ـ المقدمة : 6.
(3) الطبقات الكبرى ـ ابن سعد 6 / 7 والمستدرك للحاكم 1 / 102.

لم يتعبّد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاجتهاد :
وبسبب الوضع السياسي الذي أعقب عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومحاولات السلطة خلق الأحاديث المزوّرة المؤيّدة لشرعيّتها ، والمحاولات المستميتة لمنع كتابة أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقد وقع خلاف حول مسألة مهمّة وهي : اجتهاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فطرح السؤال بالشكل التالي : هل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يجتهد فيما لا نصّ فيه؟ والسؤال يحمل في ذاته تناقضاً صريحاً ، فكيف يجتهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الذي لا ينطق عن الهوى؟ وكيف يجتهد من عند نفسه وهو المأمور ببيان الأحكام الشرعية إلى الأمّة دون تبديل أو تغيير ، وقد قال تعالى في شأنه : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ * لاَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَـمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) (1)؟
وقد وقف فقهاء أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام موقفاً واضحاً في إدانة تلك الفكرة التي كان هدفها تثبيت «منهج الرأي» الشخصي في الشريعة الإسلامية. فقد «ذهبت الامامية وجماعة تابعوهم إلى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن متعبّداً بالاجتهاد في شيء من الأحكام ، خلافاً للجمهور (2) لقوله تعالى : (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ الله) (3) ، (وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (4) ، (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) (5) ،
__________________
(1) سورة الحاقة 69 : 44 ـ 46.
(2) من أهل السنّة.
(3) سورة المائدة 5 : 48.
(4) سورة المائدة 5 : 44.
(5) سورة النجم 53 : 3 ـ 4.

(... قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ...) (1)» (2).
ولو تحقّق فرض اجتهاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإنّ ذلك يعني :
1 ـ جواز مخالفته من قبل المكلّفين ، لأنّ الاجتهاد لا يفيد علماً قطعياً. فقد يخطى المجتهد وقد يصيب. بينما لا تجوز مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
2 ـ المعروف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يؤخّر الجواب على الأسئلة الواردة عليه حتّى يأتيه الوحي بذلك. ومثاله تأخير جواب الزوجة التي جاءته تشتكي زوجها ، فأنزل سبحانه آيات في ذلك. وتأخير البيان عن وقت الحاجة ، بدون مبرّر شرعي أو عقلي ، ينفي دور الدين في الحياة الاجتماعية.
3 ـ إنّ الاجتهاد يفيد الظنّ ، بينما يفيد الوحي القطع. وإذا كانت لديه (صلى الله عليه وآله وسلم) القدرة على الاتصال بالوحي ، فلا يمكن أن يرجع إلى الظنّ.
أهل البيت عليهم‌السلام والتنظيم العلمي للأفكار الفقهية :
وبعد انتهاء عصر نزول القرآن ووفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان لا بدّ لأئمّة الهدى عليهم‌السلام من التصدّي لشرح الأحكام الشرعية ، وتنظيم أفكارها ، وتصنيف مصطلحاتها. فكان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام أوّل من قام بذلك.
__________________
(1) سورة يونس 10 : 15.
(2) نهج الحق وكشف الصدق : 405 ـ 406.

وقد أشار في خطبته : «ثمّ اختار سبحانه لمحمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) لقاءَه ، ورضي له ما عنده ، وأكرمه عن دار الدنيا ، ورغب به عن مقارنة البلوى ، فقبضه إليه كريماً (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وخلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء في أممها إذ لم يتركوهم هَمَلاً بغير طريق واضح ، ولا عَلَم قائم ، كتابَ ربّكم مبيّناً حلاله وحرامه ، وفرائضه وفضائله ، وناسخه ومنسوخه ، ورخصه وعزائمه ، وخاصّه وعامّه ، وعبره وأمثاله ، ومرسله ومحدوده ، ومحكمه ومتشابهه ، مفسّراً مجمله ، ومبيّناً غوامضه ، بيّن مأخوذ ميثاقُ علمه ، وموسع على العبادِ في جهله ، وبين مثبت في الكتاب فرضُهُ ، ومعلوم في السنّة نسخه ، وواجب في السنّة أخذه ، ومرخّص في الكتاب تركه ، وبين واجب بوقته ، وزائل في مستقبله ، ومباينٌ في محارمه ، من كبير أوعد عليه نيرانه ، أو صغير أرصد له غفرانه ، وبين مقبول في أدناه ، موسّع في أقصاه» (1).
ففي هذه الخطبة تعرّض أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى قضايا كلّية تخصّ المسائل الفقهية في الحلال والحرام ، والنافلة والفريضة ، والناسخ والمنسوخ ، والرخصة والعزيمة ، والخاصّ والعامّ ، ونحوها. وتلك الكلّيات وضعتها الشريعة من أجل تيسير أمور الاستنباط والاستدلال للأجيال اللاحقة لعصر النصّ.
فمن الحلال مثلاً : النكاح. ومن الحرام المقابل له : الزنا.
ومن الفضائل «او النوافل» ركعتي الصبح ، ونحوهما. ومن الفرائض : فريضة الصبح.
ومن الناسخ قوله : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) (2) ،
__________________
(1) شرح نهج البلاغة : 1 / 26.
(2) سورة التوبة 9 : 5.

ومن المنسوخ : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (1).
والرخص كقوله تعالى : (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجَانِف لاِِثْم فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ) (2) ، والعزائم كقوله : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) (3).
والخاصّ كقوله تعالى : (وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ...) (4) ، والعام كالألفاظ الدالّة على الأحكام العامّة لسائر المكلّفين مثل : (... وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ ...) (5).
والعبر : كقصّة أصحاب الفيل ، والآيات التي تتضمّن عذاباً نازلاً بأمم الانبياء من قبلُ. والأمثال : كقوله تعالى : (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً ...) (6).
والمرسل (أو المطلق) كقوله : (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مِن قَبْلِ أَن يَتَمَـاسَّا) (7) ، والمحدود (اي المقيد) كقوله : (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) (8).
والمحكم كقوله تعالى : (قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ) (9) ، والمتشابه كقوله :
__________________
(1) سورة البقرة 2 : 256.
(2) سورة المائدة 5 : 3.
(3) سورة محمّـد 47 : 19.
(4) سورة الاحزاب 33 : 50.
(5) سورة الروم 30 : 31.
(6) سورة البقرة 2 : 17.
(7) سورة المجادلة 58 : 3.
(8) سورة النساء 4 : 92.
(9) سورة الاخلاص 112 : 1.

(... إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (1)» (2).
وهذا التنظيم العلمي للأفكار الدينية وضع الفقهاء على مسرح التقنين الشرعي للأحكام.
وفي حديث آخر يصفُ عليه‌السلام عمّا في أيدي الناس من اختلاف الأخبار : «إنّ في أيدي النّاس حقّاً وباطلاً ، وصدقاً وكذباً ، وناسخاً ومنسوخاً ، وعامّاً وخاصّاً ، ومحكماً ومتشابهاً ، وحفظاً ووهماً. ولقد كُذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على عهده حتّى قام خطيباً ، فقال : من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار ...» (3).
وهذا الحديث يصنّف الأخبار المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى : أحاديث صحيحة ، وأحاديث كاذبة ، وناسخ ومنسوخ ، وعامّ وخاصّ ، ومحكم ومتشابه. وقد ذكرنا فيما سبق أمثلة على ذلك.
وفاطمة الزهراء عليها‌السلام قامت أيضاً بدور مهمّ لبيان حكمة التشريع ، فقالت في خطبتها : «فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك ، والصلاة تنـزيهاً لكم عن الكبر ، والزكاة تزكية للنفس ونماء في الرزق ، والصيام تثبيتاً للإخلاص ، والحجّ تشييداً للدين ، والعدل تنسيقاً للقلوب ، وطاعتنا نظاماً للملّة ، وإمامتنا أماناً من الفرقة ، والجهاد عزّاً للإسلام ، وذلاًّ لأهل الكفر والنفاق ، والصبر معونة على استيجاب الأجر ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصلحة للعامّة ، وبرّ الوالدين وقاية من السخط ، وصلة الأرحام منسأة في العمر ، والقصاص حقناً للدماء ، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة ،
__________________
(1) سورة القيامة 75 : 23.
(2) شرح نهج البلاغة 1 / 25 ـ 26.
(3) نهج البلاغة 2 / 188.

وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس ، والنهي عن شرب الخمر تنـزيهاً عن الرجس ، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة ، وترك السرقة إيجاباً للعفّة ، وحرّم اللهُ الشركَ إخلاصاً له بالربوبية» (1).
وفي تلك الخطبة الرائعة تبيان لعلل أُصول الدين وفروعه ، وتنظيم للاعتقادات والأوامر والنواهي.
بذور الدليل العقلي :
ولا شكّ أنّ أهل البيت عليهم‌السلام كانوا يدرّبون أصحابهم على التحليل العقلي للروايات ، وكانوا يضعون لهم القواعد والأُصول الكفيلة بتحقيق ذلك. ونستطيع أن نستقرئ من حالات عامّة وردتنا عن ذلك العصر بما يؤيّد ذلك :
1 ـ جواز نقل الرواية بالمعنى. وهذه القاعدة مهمّة ؛ لأنّ مفهومها يدلّ على أنّ المحور في الحديث هو المعنى لا مجرّد التقيّد بالنصّ.
عن محمّـد بن مسلم ، قال : «قلت لأبي عبـد الله عليه‌السلام : أسمعُ الحديث منك ، فأزيد وأنقص. قال عليه‌السلام : إن كنتَ تريد معانيه فلا بأس» (2).
2 ـ الترجيح بين الخبرين المتعارضين :
عن زرارة ، قال : «يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيّهما آخذ؟ فقال عليه‌السلام : يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ، ودع الشاذّ النادر. فقلتُ : إنّهما معاً مشهوران مرويان مأثوران عنكم. قال عليه‌السلام : خذ
__________________
(1) بحار الأنوار 29 / 223.
(2) بحار الأنوار 2 / 164.

بقول أعدلهما عندك ، وأوثقهما في نفسك ...» (1).
3 ـ قاعدة (لا تعاد). وهي قاعدة تفيد بطلان الصلاة إذا انتهكت أمور : الطهارة والوقت والقبلة والركوع والسجود.
عن زرارة عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام ، قال : «لا تعادُ الصلاة إلاّ من خمس : الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود. ثمّ قال : القراءة سنّة ، والتشهّد سنّة. ولا تنقض السنّةُ الفريضةَ» (2).
4 ـ قاعدة «البناء على الاكثر» عند الشكّ في عدد ركعات الصلاة ، عندما يكون شكّه في الرباعية الواجبة بعد إكمال السجدتين من الركعة الثانية.
عن عمّار ، قال : «قال أبو عبـد الله عليه‌السلام : يا عمّار أجمعُ لك السهو كلّه في كلمتين : متى شككت فخذ بالأكثر ، فإذا سلّمت فأتِمَّ ما ظننت أنّك نقصت» (3).
5 ـ قاعدة التجاوز :
عن اسماعيل بن جابر ، قال : «قال أبو عبـد الله عليه‌السلام : إن شكَّ في الركوع بعدما سجد فليمضِ. وإن شكّ في السجود بعدما قام فليمضِ. كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمضِ عليه» (4).
وعن محمّـد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضيه كما هو» (5).
__________________
(1) بحار الأنوار 2 / 245.
(2) بحار الأنوار 85 / 136.
(3) بحار الأنوار 85 / 170.
(4) بحار الأنوار 85 / 159.
(5) وسائل الشيعة 8 / 237.

6 ـ قاعد «الحلّ» في المشتبه مع عدم العلم :
عن عبـد الله بن سنان عن أبي عبـد الله عليه‌السلام ، قال : «كلّ شيء فيه حلال وحرام ، فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه ، فتدعه» (1).
7 ـ قاعدة الاستصحاب عند الشكّ :
عن زرارة قال : «قلتُ له : الرجل ينام ، وهو على وضوء ، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال : يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والأُذن. فإذا نامت العين والأُذن والقلب وجب الوضوء. قلت : فإن حرّك على جنبه شيء ، ولم يعلم به؟ قال : لا ، حتّى يستيقن أنّه قد نام ، حتّى يجيء من ذلك أمر بيّن. وإلاّ ، فإنّه على يقين من وضوئه ... ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ ، وإنّما تنقضه بيقين آخر» (2).
نموذج مقارَن :
ولو جاز لنا أن نعرض نموذجاً مقارَناً بين ينبوع التشريع الإلهي المتمثّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام من جهة ، ومدرسة الرأي من جهة أُخرى لعرضنا النموذج التالي :
أ ـ نموذج أهل البيت عليهم‌السلام :
رواية عذافر الصيرفي ، قال : «كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر عليه‌السلام ، فكان يسأله وكان أبو جعفر عليه‌السلام مكرّماً. فاختلفا في شيء ، فقال أبو جعفر عليه‌السلام : هذا خطّ علي عليه‌السلام وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ،
__________________
(1) بحار الأنوار 2 / 274.
(2) وسائل الشيعة 1 / 245.

[ثمّ] أقبل على الحكم ، وقال : يا أبا محمّـد اذهب أنت وسلمة وأبو المقداد حيث شئتم يميناً وشمالاً ، فو الله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينـزل عليهم جبرئيل» (1).
ب ـ نموذج مدرسة الرأي :
طرحت مسألة «العول» (2) في الإرث بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكانت من المسائل المستجدّة أيّام خلافة عمر بن الخطّاب. فتحيّر عمر ، فأدخل النقص على الجميع استحساناً ، وقال : والله ما أدري أيّكم قدّم وأيّكم أخّر. ما أجد شيئاً أوسع لي من أن اُقسم المال عليكم بالحصص وأدخل على ذي حقٍّ ما أدخل عليه من عول الفريضة (3).
وفي مناسبة ثانية سُئل عمر بن الخطّاب عن رجل طلّق امرأته في الجاهلية تطليقتين وفي الإسلام تطليقة واحدة فهل تُضمّ التطليقتان إلى الثالثة أم لا؟ فقال للسائل : لا آمرك ولا أنهاك (4).
وهذا الجهل بأحكام الشريعة هو الذي أدّى إلى القول بالرأي والاستحسان والقياس. بينما بقيت مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ثابتة على العلم
__________________
(1) رجال النجاشي 2 / 260 رقم 967 ، محمّـد بن عذافر الصيرفي.
(2) العول : هو اصطلاح يطلقه الفقهاء على زيادة السهام على التركة بوجود الزوج أو الزوجة. كما لو ترك الميّت زوجة وأبوين وبنتين ، ففرض الزوجة الثمن ، وفرض الأبوين الثلث ، وفرض البنتين الثلثان. ولا تحتمل الفريضة ثمناً وثلثاً وثلثين.
ولكن علماء الإمامية قالوا بعدم العول وبقاء الفريضة ، وإنّ النقص يدخل دائماً على البنات والأخوات دون الزوج والزوجة والأم والأب ، وعليه فإنّ للزوجة الثمن وللأبوين الثلث والباقي للبنتين.
(3) المستدرك 4 / 340 واحكام القرآن ـ للجصاص ـ 2 / 109.
(4) كنز العمال 5 / 116.

الذي لا يوجد أوثق منه ، عند قوم كان ينـزل عليهم جبرئيل عليه‌السلام ، كما في الرواية.
وقد ورد عن الإمام الباقر عليه‌السلام : «خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجّة الوداع ، فقال : يا أيّها الناس ، ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم عن النار إلاّ وقد أمرتكم به ، وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم عن الجنّة إلاّ وقد نهيتكم عنه» (1).
وورد عنه عليه‌السلام أيضاً : «يا جابر ، لو كنّا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين. ولكنّا نفتيهم بآثار من رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وأصول علم عندنا نتوارثها كابراً عن كابر ، نكنـزها كما يكنـز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم» (2).
تطوّر معنى كلمة «الفقه» :
المرحلة الأولى : كان العرب يطلقون على العلم بالشيء والفهم له بالفقه. فقد أورد الجوهري في الصحاح بأنّ اعرابياً قال لعيسى بن عمر : شهدتُ عليك بالفقه (3). وفي لسان العرب : الفِقه : العلم بالشيء والفهم له ، والفقه الفطنة (4) ، وإلى هذا المعنى أشار قوله تعالى : (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) (5). أي لا نعلم حقيقة كثير ممّا تقول.
والمرحلة الثانية : تمثّلت بأمر الله سبحانه وتعالى فرقة من المؤمنين للتفقّه في الدين ، فدخلت الكلمة مرحلة جديدة من الفهم انحصر بالفهم
__________________
(1) الكافي 2 / 73 ح 2.
(2) بصائر الدرجات : 320 ، الاختصاص : 280 بتفاوت يسير.
(3) الصحاح ـ مادة فقه ـ 6 / 2243.
(4) لسان العرب 13 / 522.
(5) سورة هود 11 : 91.

الديني. يقول تعالى : (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (1). فأصبحت كلمة الفقه تعني معارف الشريعة. وهكذا كان المعنى في السنّة الشريفة. حيث يشير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ذلك بالقول : «من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين» (2).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه».
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أفضل العبادة الفقه ...» (3).
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام : «من اتّجر بغير فقه فقد ارتطم في الربا» (4).
وفي المرحلة الثالثة : دخلت الكلمة مرحلة أخرى عندما انحصرت بالاجتهاد ، فأصبح المجتهد فقيهاً. أي عالماً بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلّتها التفصيلية. وبمعنى ثالث أنّ الفقه في هذه المرحلة بات أخصّ من المعارف الدينية وانحصر مدلوله على الأحكام العملية ، أو ما يسمّى بالعبادات والمعاملات. وأصبح للفقهاء مدارسهم الخاصّة المبنية على الاجتهاد في الأحكام العملية دون الاعتقادية ، وفي الأحكام الفرعية الظنّية المستنبطة دون الضروريّات أو الموضوعات الخارجية.
وعندما نتحدّث في هذا البحث عن المدارس الفقهية والنظرية
__________________
(1) سورة التوبة 9 : 122.
(2) امالي المفيد 1 / 158 ح 9 ، صحيح البخاري 1 / 16.
(3) الخصال : 29 ح 104.
(4) نهج البلاغة 4 / 103.

الفقهية ، فإنّنا نعني المرحلة الثالثة والأخيرة من معاني كلمة «الفقه».
الحياة التشريعية في ظلّ المدارس الفقهية
اتسمت الحياة التشريعية للطائفة الإمامية بصبغة بذل الجهد العلمي من أجل البحث عن الدليل الشرعي للأحكام الفقهية. وقد تطوّر الجهد العلمي من مجرّد نقل الروايات إلى مراحل معقّدة في البحث عن الدليل. ولذلك فقد قسّمنا ذلك التطوّر إلى مراحل زمنية تمثّل كلّ مرحلة منها قرناً كاملاً من الزمان ، حصرنا فيه نشاط الفقهاء على صعيد البحوث الفقهية.

المدارس الفقهية في التاريخ الإمامي
1 ـ مدرسة القرن الأوّل الهجري
وهي مدرسة الاتصال بالنصوص الشرعية مباشرة ، حيث عاصرت رسول الله (ت 11 هـ) ، والإمام أمير المؤمنين (ت 40 هـ) ، والإمام الحسن (ت 50 هـ) ، والإمام الحسين (ت 61 هـ) ، والإمام زين العابدين (ت 95 هـ) ، وفترة من حياة الإمام الباقر (ت 114 هـ) عليهم أفضل الصلاة والسلام أجمعين. وهو القرن الذي نعم بظلال الرسالة الإلهية وبحضور رسول الرحمة عليه أفضل الصلاة والسلام وأئمّة الهدى عليهم‌السلام.
فلا ريب أن يكون من أقرب العصور إلى منبع التشريع. ولا شكّ أنّ النشاط العلمي عند اتّباع أهل البيت عليهم‌السلام كان منصبّاً على تدوين الروايات ، خصوصاً فيما يتعلّق بروايات الأحكام. وقد نقلت لنا الكتب الرجالية مصنّفات عديدة للرواة الفقهاء. ومن هؤلاء الرواة أصحاب التصانيف :
1 ـ أبو رافع إبراهيم بن مالك الأنصاري (ت 40 هـ) ، وكتابه السنن والاحكام والقضايا.
قال النجاشي : «أسلم أبو رافع قديماً بمكّة ، وهاجر إلى المدينة. وشهد مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مشاهده ، ولزم أمير المؤمنين عليه‌السلام من بعده. وكان من خيار الشيعة ، وشهد معه حروبه ، وكان صاحب بيت ماله بالكوفة» (1).
__________________
(1) رجال النجاشي 1 / 61 ـ 65 رقم 1.

2 ـ برير بن خضير الهمداني (استشهد مع الإمام الحسين عليه‌السلام يوم الطفّ سنة 61 هـ) ، وكتابه القضايا والاحكام يرويه عن أمير المؤمنين عليه‌السلام والحسن بن علي عليه‌السلام (1).
3 ـ مجموعة من أعلام وصحابة القرن الأوّل الذين لا نعرف بوجه الدقّة سنين وفاتهم ولكنّنا نعلم أنّهم عاشوا خلال ذلك القرن. مثل : عبيد الله ابن أبي رافع وكتابه قضايا أمير المؤمنين عليه‌السلام (2) ، وعلي بن أبي رافع وله كتاب في فنون الفقه (3) ، وربيعة بن سميع وله كتاب في زكوات النعم (4) ، وعبيد بن محمّـد بن قيس البجلي وله كتاب في الفقه (5). وغيرهم من الأعلام الذين صنّفوا الروايات حسب المواضيع الفقهية.
وكانت المدينة المنوّرة المنطلق الأوّل لفقهاء الشيعة من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة الهدى عليهم‌السلام. ثمّ تلتها الكوفة في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام.
ولا شكّ أنّ من بين الصحابة من كان فقيهاً موالياً لآل البيت عليهم‌السلام كسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وأبو رافع إبراهيم مولى رسول الله ، وابن عبّاس حبر الأمّة. وكان من التابعين جمع من شيعة آل البيت عليهم‌السلام حفظوا سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة الحقّ عليهم‌السلام وتداولوها بأمانة بحيث اعترف «الذهبي» بذلك بمرارة قائلاً : «فهذا ـ أي التشيّع ـ كثر في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق ، فلو رُدّ حديث هؤلاء ـ أي الشيعة ـ
__________________
(1) تنقيح المقال 1 / 167.
(2) الفهرست ـ للشيخ الطوسي ـ : 137 رقم 467.
(3) رجال النجاشي 1 / 65 ـ 67 رقم 2.
(4) رجال النجاشي 1 / 67 ـ 68 رقم 3.
(5) الفهرست ـ للشيخ الطوسي ـ : 138 رقم 470.

لذهبت جملة الآثار النبوية» (1).
ومع ذلك ، فإنّ مدرسة القرن الأوّل الهجري كانت لا تزال تعيش عصر النصّ الشرعي عند الطائفة. فلم تتبلور بعد مسائل الخلاف بين الإمامية والمذاهب الأخرى ، ولم تظهر بعد وسائل الاجتهاد الجديدة التي ابتدعها أرباب المذاهب كالقياس والاستحسان والرأي والمصالح المرسلة.
وبكلمة ، فإنّ مدرسة القرن الأوّل في الوسط الإمامي كانت تمثّل حالة الإصغاء للنصوص ، وحالة الرجوع إلى المعصوم عليه‌السلام. فلم تكن هناك فتاوى خارج نطاق المدوّنات الحديثية.
2 ـ مدرسة القرن الثاني الهجري
والقرن الثاني يعكس عصر انتشار علوم آل محمّـد عليهم‌السلام. فازدهرت علوم الفقه في هذا القرن بفضل نعمة وجود أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام : الإمام الباقر عليه‌السلام (ت 114 هـ) ، والإمام الصادق عليه‌السلام (ت 148 هـ) ، والإمام الكاظم عليه‌السلام (ت 184 هـ) ، وشطر من حياة الإمام الرضا عليه‌السلام (ت 203 هـ).
وتعتبر هذه الفترة من فترات الخصب الفكري والمذهبي ؛ لأنّها عاصرت انحلال الدولة الأموية وانقراضها بموت مروان سنة 132 هـ ، وظهور الدولة العباسية إلى اوائل ايام هارون الرشيد الذي ولي سنة 170 هـ.
تألّق أئمة أهل البيت عليهم‌السلام :
وقد كان النشاط العلمي لأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام في قمّة عطائه عندما كانوا يبثّون أحكام الإسلام على مرأى ومسمع من السلطة الظالمة التي كانت
__________________
(1) ميزان الاعتدال 1 / 5 رقم 2.

تعيش أصعب أيّامها. وكانت وجوه الشيعة ورواتهم متجاهرين بالولاء لأهل البيت عليهم‌السلام. وتعبّر بعض النصوص التأريخية عن حجم المساهمة العلمية التي قدّمها أئمّة الهدى عليهم‌السلام للأُمّة الإسلامية من خلال بثّ الأحكام الشرعية الصحيحة. ومن تلك النصوص :
1 ـ «قال عبـد الله بن عطاء المكّي : ما رأينا العلماء عند أحد أصغر منهم عند أبي جعفر ، يعني الامام الباقر عليه‌السلام. ولقد رأيتُ الحكم بن عتيبة مع جلالته وسنه ، عنده ، كأنّه صبيٌّ بين يدي معلِّم يتعلَّم منه» (1).
2 ـ «إنّ رجلاً سأل ابن عمر عن مسألة فلم يدرِ ما يجيبه ، فقال : اذهب إلى ذلك الغلام ـ وأشار إلى الباقر عليه‌السلام ـ فسله ، وأعلمني بما يجيبك. فسأله وأجابه. فأخبر ابن عمر ، فقال : إنّهم أهل بيت مفهّمون» (2).
وفي تلك النصوص التأريخية دلالات مهمّة :
1 ـ تواضع علماء المذاهب الإسلامية أمام نجم من نجوم أهل بيت النبوّة عليهم‌السلام. ونقصد بالتواضع : الانبهار والإذعان والتسليم للكمال العلمي لأهل البيت عليهم‌السلام. مع أنّ الحكم بن عتيبة ، وابن عمر لم يكونا ليذعنان لولا قلّة بضاعتهما العلمية في الأحكام الشرعية.
2 ـ جهل أئمّة المذاهب بالأحكام الشرعية النابعة من مصادرها الرئيسية الحقيقية. والمصادر الحقيقية هي : القرآن الكريم ، وسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) التي حفظها أهل بيته المطهّرين عليهم‌السلام. ولذلك فقد أشار ابن عمر على السائل بأن يسئل الإمام الباقر عليه‌السلام.
__________________
(1) حلية الأولياء 3 / 186.
(2) مناقب آل أبي طالب 3 / 329.

3 ـ إنّ حالة الصراع الاجتماعي والمذهبي ملحوظة في تلك النصوص. فهم مع جهلهم وإذعانهم لعلوم آل محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يوجّهوا أتباعهم إلى اتّباع الحقّ والاعتراف بولاية أهل البيت عليهم‌السلام.
وعلى أي تقدير ، فإنّ فضل أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام في نشر العلوم الفقهية ساهم في تنشيط الساحة العلمية الإسلامية ، خصوصاً في القرن الثاني الهجري.
الرواة الفقهاء :
ولا شكّ أنّ للشيعة رجالاً من الرواة الفقهاء كانوا قد تميّزوا بعلمهم خلال عصر النصّ. وانقادت الطائفة لهم بالفقه. واجمعت على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام : «فقالوا : أفقه الأوّلين ستّة : زرارة بن أعين ، ومعروف بن خرّبوذ ، وبريد بن معاوية ، وأبو بصير الأسدي ، والفضيل بن يسار ، ومحمّـد بن مسلم الطائفي. وقالوا : وأفقه الستّة زرارة ، وقال بعضهم : مكان أبي بصير الأسدي أبو بصير المرادي ، وهو ليث بن البختري» (1).
وعن سليمان بن خالد قال : «سمعتُ أبا عبـد الله عليه‌السلام : ما أحد أحيى ذكرنا وأحاديث أبي إلاّ زرارة وأبو بصير ليث المرادي ومحمّـد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي. ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا ، هؤلاء حفاظ الدين ، وأمناء أبي على حلال الله وحرامه ، وهم السابقون الينا في الدنيا ، والسابقون إلينا في الآخرة» (2).
__________________
(1) رجال الكشي : 507 رقم 431.
(2) تنقيح المقال ـ ترجمة زرارة.

ثمّ تخرّجت ثلّة اخرى من شبّان صحابة الإمام الصادق عليه‌السلام وهم : جميل بن درّاج ، وعبـد الله بن مسكان ، وعبـد الله بن بكير ، وحمّاد بن عثمان ، وحمّاد بن عيسى ، وأبان بن عثمان (1).
ومن فقهاء الشيعة الرواة في القرن الثاني أيضاً : أبان بن تغلب (ت 141 هـ) وله من الكتب : كتاب معاني القرآن ، والقراءات ، والأُصول في الرواية على مذهب الشيعة (2) ، وفي رجال ابن داود أنّه روى عن الإمام الصادق عليه‌السلام ثلاثين ألف حديث. وجابر بن يزيد الجعفي (ت 128 هـ) ، ومحمّـد بن مسلم الطائفي (ت 150 هـ). وأبو حمزة الثمالي ثابت بن أبي صفيّة الكوفي (ت 150 هـ) وكتابه رسالة الحقوق عن علي بن الحسين (3) ، وقد أوردها الشيخ الصدوق في كتاب الخصال بسند معتبر ؛ وتشتمل الرسالة على خمسين حقّاً ، أوّلها حقّ الله تعالى وآخرها حقّ أهل الذمّة.
والكتب الرجالية كـ : رجال النجاشي والفهرست للشيخ الطوسي طافحة بأسماء الرواة الذين صنّفوا كتباً فقهية. منهم : أبان بن عبـد الملك الثقفي وكتابه الحج ، وإبراهيم بن محمّـد بن أبي يحيى وكتابه في الحلال والحرام ، ومعاوية بن عمّار وكتبه في الصلاة والحج والطلاق والدعاء ، وعلي بن أبي حمزة البطائني وكتبه في الصلاة والزكاة والتفسير وأبواب الفقه ونحوها.
ولكن التأليف في تلك الفترة ينبغي أن يفهم أنّه كان تجميعاً
__________________
(1) رجال الكشي : 673 رقم 705.
(2) الفهرست ـ لابن النديم ـ : 308.
(3) رجال النجاشي 1 / 291 رقم 296.

للروايات الصحيحة ضمن فهرسة موضوعية يحدّدها المؤلّف. وكان الاستدلال محدوداً بمطابقة السؤال على الرواية الصحيحة. والقاعدة ، أنّ العلم كلّه كان في حسن تبويب الأحاديث وفهرستها.
فيمكن عدّ تلك الكتب الروائية مصنّفات في حفظ الرواية وصيانتها لا كتباً تحليلية أو استدلالية. ولا شكّ أنّ تلك الكتب الروائية كانت تشكّل العمود الفقري للأُصول الأربعمائة التي تواتر الحديث عنها في كتب الفقه والرجال.
الإفتاء بناءً على النصّ :
ويبدو من دراسة الوضع الاجتماعي والعلمي لذلك العصر ، أنّ الإفتاء كان نشطاً على ضوء فهم دلالة النصّ فيما روي فيه نصّ خاصّ ، أو الإفتاء بالمروي الذي استفيد منه الحكم ، أو تطبيق القواعد الأصولية كالترجيح بين الخبرين المتعارضين ، وقاعدة «لا تعاد» ، وقاعدة «البناء على الأكثر» ، وقاعدة «التجاوز» ونحوها من القواعد.
فقد جاء في ترجمة «أبان بن تغلب» أنّ الإمام الباقر عليه‌السلام قال له : «اجلس في مسجد المدينة وافتِ الناس ، فإنّي أُحبُّ أن يرى في شيعتي مثلك» (1).
والمروي عن معاذ عن أبي عبـد الله الصادق عليه‌السلام ، قال : «قال لي : بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟
قلتُ : نعم ، وأردتُ أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج. إنّي أقعد في
__________________
(1) مستدرك الوسائل 17 / 315.

المسجد فيجي الرجل ، فيسألني عن الشيء. فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون. ويجيء الرجل أعرفه بحبّكم ومودّتكم فأخبره بما جاء منكم. ويجيء الرجل ولا أعرفه ولا أدري من هو فأقول : جاء عن فلان كذا ، وجاء عن فلان كذا. فأدخل قولكم فيما بين ذلك.
قال : فقال لي : اصنع كذا ، فإنّي كذا أصنع» (1).
وفي ذلك دلالات على جواز إفتاء الأصحاب بالنصوص فيما إذا ورد في الواقعة نصّ خاصّ ، أو استفيد من المروي حكماً شرعيّاً.
عصر المصنّفات الحديثية :
ويمكّننا عدّ عصر الكاظمين : الإمام الكاظم عليه‌السلام (ت 183 هـ) ، والإمام الرضا عليه‌السلام (ت 203 هـ) بعصر المصنّفات الحديثية التي وصلتنا بمتونها وسند رجالها. وكان الرواة الستة الذين اجمع الأصحاب على فقاهتهم وتوثيقهم ، دليل على اهتمام الطائفة بالأحكام الشرعية. وأجمع أصحابنا تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم (2) وأبي الحسن (3) على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم ، وأقرّوا لهم بالفقه والعلم. وهم ستة نفر آخر ، دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبـد الله الصادق عليه‌السلام. منهم : يونس بن عبـد الرحمن (ت 208 هـ) وهو الذي أُشير إليه في العلم والفتيا ، وصفوان بن يحيى بيّاع السابري (ت 210 هـ) ، ومحمّـد بن أبي عمير (ت 217 هـ) وله مصنّفات كثيرة ، وعبـد الله بن
__________________
(1) وسائل الشيعة 16 / 234.
(2) الامام الكاظم عليه‌السلام.
(3) الامام الرضا عليه‌السلام.

المغيرة (سنة وفاته غير معلومة) ، والحسن بن محبوب السرّاد (ت 224 هـ) ، وأحمد بن محمّـد بن أبي نصر (ت 221 هـ). وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب : الحسين بن علي بن فضّال (ت 224 هـ) ، وفضالة بن أيّوب (لم نعثر على تأريخ وفاته). وقال بعضهم : مكان فضالة : عثمان بن عيسى. وأفقه هؤلاء : يونس بن عبـد الرحمن وصفوان بن يحيى (1).
وكان لكلّ هؤلاء الأعلام وغيرهم مصنّفات في ترتيب الروايات على ضوء المواضيع الفقهية. ولم يصلنا من تلك المصنّفات إلاّ القليل ، ولكن الروايات جمعت وصنّفت من جديد في عصور لاحقة ضمن متون حديثية أخرى. وما وصلنا من تلك التصانيف :
1 ـ مسند الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام. ومؤلّفه موسى بن إبراهيم المروزي ، ويحتوي على «روايات يرويها عن الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام بسند : أخبرنا بها أحمد بن عبدون ، عن أبي بكر الدوري ، عن أبي الحسن محمّـد بن أحمد الجرمي قال : حدّثنا محمّـد بن خلف بن عبـد السلام قال : حدّثنا موسى بن إبراهيم المروزي قال : حدّثنا موسى بن جعفر عليه‌السلام» (2).
وكان المروزي معلماً لولد السندي بن شاهك الذي سجن الإمام الكاظم عليه‌السلام في سجنه ببغداد. فسمع المروزي روايات الإمام الكاظم عليه‌السلام وهو في سجن السندي بن شاهك.
ذكر النجاشي في رجاله سنده إلى المروزي : «أخبرنا الحسين بن عبيد
__________________
(1) رجال الكشي : 830 رقم 1050 ، تنقيح المقال 3 / 757.
(2) الفهرست ـ للشيخ الطوسي ـ : 195 رقم 722.

الله قال : حدّثنا إسماعيل بن يحيى بن أحمد العبسي قال : حدّثنا محمّـد بن أحمد بن أبي سهل الحزني أبو الحسين قال : حدّثنا محمّـد بن خلف بن عبـد السلام أبو عبـد الله يوم الجمعة بعد الصلاة لستٍّ بقين من المحرّم سنة ثمان وسبعين ومائتين في جامع المدينة قال : حدّثنا موسى بن إبراهيم بالكتاب» (1).
2 ـ «الأشعثيّات» (2) ، أو «الجعفريّات» (3). رواه محمّـد بن محمّـد بن الأشعث الكوفي بسند متّصل بالإمام الصادق عليه‌السلام. ويشتمل على ألف حديث مصنّفة على أساس كتب الفقه. حيث تبدأ بالطهارة ، والصلاة ، والزكاة ... وتنتهي بالتفسير ، والطبّ ، والأطعمة.
3 ـ مسائل علي بن جعفر. وعلي بن جعفر هو ابن الإمام الصادق عليه‌السلام رواها عن أخيه الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام.
4 ـ مسند الامام الرضا عليه‌السلام ، ويسمّى أيضاً بـ : صحيفة الرضا عليه‌السلام ، والرضويّات ، وصحيفة أهل البيت عليهم‌السلام. وكلّ تلك الأسماء تعبّر عن كتاب واحد يشتمل على 240 حديثاً ، رواها عبـد الله بن أحمد بن عامر الطائي عن الإمام الرضا عليه‌السلام. جاء في أحد أسانيدها : «قال : حدّثنا علي بن موسى الرضا عليه‌السلام إمام المتّقين وقدوة أسباط سيّد المرسلين ، ممّا أورده في مؤلّفه المعنون بـ : صحيفة أهل البيت سنة 194 هـ ، قال : حدّثني أبي موسى بن جعفر قال ...» (4).
__________________
(1) رجال النجاشي 2 / 339 رقم 1082.
(2) نسبة إلى راويه : محمّـد بن محمّـد بن الاشعث.
(3) نسبة إلى اتصال سند روايته بالامام جعفر الصادق عليه‌السلام.
(4) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 15 / 17 رقم 92.

مدرسة الإمام الصادق عليه‌السلام :
كان عميد مدرسة القرن الثاني الهجري في نشر أُصول مذهب أهل البيت عليهم‌السلام : الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام. حتّى أنّ الفترة القصيرة التي قضاها الإمام الصادق عليه‌السلام في الكوفة وهي سنتين تعدُّ من أخصب الفترات في نشر المذهب في تلك المنطقة. وإلى ذلك أشار «الحسن بن علي بن زياد الوشّاء» مخاطبـاً «ابـن عيسى القمّي» بالقـول : «إنّي أدركت فـي هذا المسجد ـ يعني مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ كلٌّ يقول : حدّثني جعفر بن محمّـد عليه السلام» (1).
ونستشفّ من مصنّف الحافظ أبو العبّاس بن عقدة الهمداني الكوفي (ت 333 هـ) في أسماء الرجال الذين رووا الحديث عن الإمام الصادق عليه‌السلام حجم المدرسة الفقهية العظيمة التي أسّسها عليه‌السلام ، فذكر ترجمة (4000) رجل (2). وكان تلامذة الإمام الصادق عليه‌السلام من الرواة النشطين في التصنيف والكتابة. فقد ترجم الشيخ آغا بزرك الطهراني (ت 1370 هـ) في كتاب الذريعة لمائتي رجل من مصنّفي تلامذة الإمام الصادق عليه‌السلام عدا غيرهم من المؤلّفين من أصحاب سائر الأئمّة عليهم‌السلام وذكر لهم (739) كتاباً أصلاً (3). فلهشام الكلبي أكثر من مائتي كتاب ، ولابن شاذان مائة وثمانون كتاباً (4) ، ولابن أبي عمير أربعة وتسعين كتاباً (5).
__________________
(1) رجال النجاشي : 37 رقم 80.
(2) الولاية : 60.
(3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 6 / 301 ـ 374 رقم 1612 إلى رقم 2356.
(4) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 1 / 93 رقم 450.
(5) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 1 / 361 رقم 1895.

ولم يكن نشاط كتابة المصنّفات وكثرتها في هذا القرن نابعاً من فراغ ، فقد حثَّ أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام شيعتهم وأصحابهم على تدوين الأحاديث والسنن خوفاً من ضياعها. فهذا عاصم يقول : سمعتُ أبا بصير يقول : قال أبو عبـد الله الصادق عليه‌السلام : «اكتبوا فإنّكم لا تحفظون إلاّ بالكتابة» (1).
ورواية أُخرى عن أبي بصير أيضاً قال : دخلتُ على أبي عبـد الله عليه‌السلام ، فقال : «ما يمنعكم من الكتاب؟ إنّكم لن تحفظوا حتّى تكتبوا ، إنّه خرج من عندي رهطٌ من أهل البصرة يسألون عن أشياء فكتبوها» (2).
ورواية ثالثة عن أبي بصير أيضاً قال : سمعتُ أبا عبـد الله عليه‌السلام يقول : «اكتبوا فإنّكم لا تحفظون حتّى تكتبوا» (3).
ولكن الكتابة كانت على الأغلب وليدة الحاجة لحفظ الأحاديث ، أي إنّ الراوي كان يجمع ما سمعه من روايات ويدوّنها في كتابه خوفاً من ضياعها. فلم يكن هدف الكتابة مجرّد التصنيف ، بل كان الهدف هو حفظ الروايات. فكانت تلك الكتب وسيلة من وسائل حفظ السنّة الشريفة عن طريق أهل البيت عليه‌السلام.
3 ـ مدرسة القرن الثالث الهجري
ويشمل شطراً قصيراً من حياة الإمام الرضا عليه‌السلام (ت 203 هـ) ، وأبناء الرضا عليه‌السلام : الإمام الجواد عليه‌السلام (ت 220 هـ) ، والإمام الهادي عليه‌السلام
__________________
(1) الوسائل : 27 / 81 ح 33261.
(2) مستدرك الوسائل 7 / 49 ح 5.
(3) الوسائل 27 / 81 ح 16.

(ت 254 هـ) ، والإمام العسكري عليه‌السلام (ت 260 هـ).
وقد شهد هذا القرن كتابة الروايات المنقولة عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، خصوصاً أبناء الرضا عليه‌السلام ، مباشرة على شكل مصنّفات مثل :
1 ـ أجوبة الإمام الهادي عليه‌السلام عن مسائل القاضي يحيى بن أكثم (1) ، ورسالة الإمام الهادي في الردّ على أهل الجبر والتفويض وإثبات العدل والمنـزلة بين المنـزلتين (2).
2 ـ رسالة المنقبة للإمام أبي محمّـد العسكري عليه‌السلام ويشتمل على أكثر علم الحلال والحرام. خرجت سنة خمس وخمسين ومائتين للهجرة (3).
3 ـ التفسير المنسوب للامام الحسن العسكري عليه‌السلام (4).
ولأصحاب أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام كتب فقهية تتضمّن نصوصاً شرعية كتبت حسب المواضيع ككتاب الوضوء ، والصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحجّ ... إلى العتق والتدبير. فللحسين بن سعيد بن حمّاد بن مهران الأهوازي (من القرن الثالث الهجري) كتبٌ في ذلك ، وأحمد بن إسحاق الأشعري له كتاب علل الصلاة ، ومحمّـد بن الحسن الصفّار (ت 290 هـ) له كتبٌ تشابه كتب الحسين بن سعيد ، وظريف بن ناصح الكوفي البغدادي (ت بعد القرن الثاني الهجري) له كتاب الديّات لأمير المؤمنين عليه‌السلام. كتبه الإمام عليه‌السلام إلى أمرائه ورؤوس أجناده ، وأورده الشيخ الصدوق كاملاً في
__________________
(1) تحف العقول : 359.
(2) تحف العقول : 458.
(3) بحار الأنوار 50 / 310.
(4) خاتمة المستدرك : 5 / 186.

كتاب من لا يحضره الفقيه ـ الديات.
وكانت تلك الكتب الروائية نتيجة طبيعية لنشاط الراوي الثقة في تثبيت النصوص الشرعية تحريراً ، ونتيجة طبيعية من نتائج الحثّ الشرعي على تدوين كلّ ما يسمعونه عن أئمّتهم عليهم‌السلام.
وقد صُنّفت الروايات على شكل كتب سُميّت لاحقاً بـ : الأُصول الأربعمائة (1). والظاهر أنّ تلك الأصول الأربعمائة كانت من أكثر كتب الروايات دقّة لأنّ الروايات فيها نُقلت عن المعصوم عليه‌السلام دون واسطة. وقد أحصي صاحب الوسائل (ت 1104 هـ) الكتب الروائية التي تمّ تصنيفها من عهد أمير المؤمنين عليه‌السلام وحتّى عهد أبي محمّـد الحسن العسكري عليه‌السلام فكانت ما يزيد على ستّة آلاف وستمائة كتاب ، تميّز منها أربعمائة كتاب روائي بغير واسطة سمّيت بالأصول الأربعمائة.
ولكن بعد فترة زمنية ليست بالمديدة ، جُمعت تلك الأصول الأربعمائة في مجموعات الحديث الكبرى التي اُلّفت في أواخر عهد الغيبة الكبرى وأوائل عهد الغيبة الصغرى ، وهي : الكافي ، ومن لا يحضره الفقيه ، والتهذيب ، والاستبصار. وبعد أن جُمعت الأُصول في تلك المجاميع قلّت الرغبة في استنساخ أعيانها. وبدأ التوجّه نحو الإستفادة من المجاميع الحديثية الجديدة.
تحليل مدرسة فقه النصّ
وهي مدرسة القرنين الثاني والثالث الهجريّين ، حيث كان النصّ فيها
__________________
(1) إعلام الورى 2 / 200.

محور المتون الفقهية. فلا شكّ أنّ أوّل بوادر فقه النصّ كان قد تحقّق على أيدي تلامذة أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام في القرنين الأوّل والثاني من الهجرة. فقد كان هؤلاء الأصحاب من أكثر الأفراد حفظاً واستيعاباً ودقّة في حمل أحاديث بيت النبوّة عليهم‌السلام وإفتاء الناس بها. فتخرّج ستّة فقهاء على أيدي الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام وهم : زرارة بن أعين ، ومحمّـد بن مسلم الطائفي ، وأبو بصير الأسدي ، وبريد بن معاوية ، والفضيل بن يسار ، ومعروف بن خرّبوذ. ثمّ تخرّجت ثلّة أخرى من شبّان صحابة الإمام الصادق عليه‌السلام وهم : جميل بن درّاج ، وعبـد الله بن مسكان ، وعبـد الله بن بكير ، وحماد بن عثمان ، وحمّاد بن عيسى ، وأبان بن عثمان. وتخرّجت أيضاً مجموعة من تلاميذ الإمامين الكاظم والرضا عليهما‌السلام وهم : يونس بن عبـد الرحمن ، وصفوان بن يحيى ، ومحمّـد بن أبي عمير ، وعبـد الله بن المغيرة ، والحسن بن محبوب ، والحسين بن علي بن فضّال ، وفضالة بن أيّوب وغيرهم.
وكان هؤلاء الأعلام ومن تخرّج على أيديهم على درجة عالية في فهم الفقه وأصول الاجتهاد والاستنباط. ولكن ذلك الاستنباط كان محصوراً في تلك الفترة بالاقتصار على نقل الروايات بأسانيدها مع تمييز الصحيح عن السقيم من الأحاديث. ومع لحاظ ارتباط عصر هؤلاء الأعلام مع عصر الأئمّة عليهم‌السلام وعدم وجود تغيّر حقيقي في الزمان والمكان ، فقد كان الفقيه يفتي بنصٍّ قرآنيٍّ أو رواية صحيحة مروية عن المعصوم عليه‌السلام عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد كانت كتابة الأحاديث والروايات في عهد مبكّر ، بحيث كان الراوي يجمع رواياته عن المعصومين عليهم‌السلام في كتاب أو أصل. وكانت الأصول الأربعمائة عند الشيعة الإمامية أقوى دليل على اهتمام

الأصحاب بفقه النصوص الشرعية.
ولكن كثرة الروايات واضطراب الأسانيد جعل الفقه الإسلامي يدخل عالماً جديداً. فمن المؤكّد أنّ فقه النصوص الشرعية ، ذاته ، كان بحاجة إلى تطوير بسبب تغيّر الزمن. وكان القرن اللاحق وهو الرابع الهجري مصداقاً لتلك الحاجة. فظهر توجّه جديد في قضية تشخيص الحكم ، وهو الإفتاء بمتون الروايات مع حذف أسانيدها. فخرج الفقه الإسلامي من إطار نقل الرواية المجرّدة إلى ساحة الفتوى الواسعة. فكان كتاب الشرائع لوالد الشيخ الصدوق ، علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (ت 329 هـ) من أوائل الكتب التي عرضت الروايات والنصوص على صورة الفتاوى المنسجمة مع حاجات العصر. ثمّ قام الشيخ الصدوق ، محمّـد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (ت 381 هـ) باقتفاء أثر والده فألّف كتابي المقنع والهداية في الفقه.
واستمرّ الشيخ المفيد ، محمّـد بن النعمان (ت 413 هـ) على نفس النهج فألّف كتاب المقنعة. وكذلك قام الشيخ الطوسي ، محمّـد بن الحسن (ت 460 هـ) بنفس العمل ، فألّف كتاب النهاية في مجرّد الفتاوى.
ولمّا كانت تلك الكتب الفقهية مستوحاة من نفس الروايات والأصول ، فقد عُوملت متونها من قبل الفقهاء المتأخّرين معاملة الكتب الحديثية.
ولكن فقه النصّ وأسلوب تجريد المتون عن الأسانيد لم يكونا ليسدّا حاجة الفرد في فهم التكليف الشرعي من خلال تغير الزمان والمكان. فقد طرأت أمور وحوادث اجتماعية لم تكن معهودة زمن النصّ ولم ترد بعينها في متون الروايات. ومن هنا كان لا بدّ من نموّ التيّار العلمي القاضي

باستثمار مباني الفقه الاستدلالي الذي يمكن من خلاله استنباط الأحكام الشرعية من العمومات والإطلاقات والأصول الواردة في القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة.
4 ـ مدرسة القرن الرابع الهجري
ولم يكن الفقه الاستدلالي وليد الحاجة الملحّة فحسب ، بل كان أمراً قد خطّط له أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام من البداية عندما درّبوا أصحابهم على الأوثقية والأعدلية والأرجحية. وهذا التمرين يعكس صورة من صور الاستدلال الفقهي ونمطاً من أنماط الاستنباط الشرعي.
عصر القديمين : من النصّ إلى الاستدلال
والقديمان هما : الحسن بن علي بن أبي عقيل النعماني أحد مشايخ جعفر بن قولويه ، عاصر السمري آخر سفراء الإمام صاحب الزمان عليه‌السلام (ت قبل سنة 369 هـ). وابن الجنيد أبو علي الأسكافي (ت 381 هـ) من مشايخ الشيخ المفيد (ت 413 هـ). ويعرفان بالقديمين لأنّهما عاشا أوائل الغيبة الكبرى. وكان ابن أبي عقيل العماني الحذّاء أوّل من كتب في الفقه الاستدلالي ، وكتابه المتمسّك بحبل آل الرسول يعدّ من الكتب الفقهية الاستدلالية الأولى عند الطائفة. وقد أثنى عليه الفقهاء الأوائل كالشيخ النجاشي الذي قال بشأنه : «كتاب مشهور في الطائفة ، وقلّ ما ورد الحاجّ من خراسان إلاّ طلب واشترى منه نسخاً ، وسمعتُ شيخنا أبا عبـد الله [المفيد] رحمه الله يكثر الثناء على هذا الرجل رحمه الله» (1).
__________________
(1) رجال النجاشي : 35 رقم 100.

وهذا النصّ يعبّر أيضاً عن تعدّد النسخ الخطّية للكتاب في ذلك الزمان ، وعن اهتمام أتباع أهل البيت عليهم‌السلام في الأمصار المختلفة بالعناية بالأحكام الشرعية. وقد نقل العلاّمة الحلّي (ت 721 هـ) الكثير من آراء ابن أبي عقيل في كتابه «مختلف الشيعة» في جميع أبواب الفقه.
ولذلك لم يتوانَ السيّد بحر العلوم في التصريح بأنّ ابن أبي عقيل من أوائل من استخدم الاستدلال الفقهي ، قال : «هو أوّل من هذّب الفقه واستعمل النظر ، وفتق البحث في الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى وبعده الشيخ الفاضل [ابن الجنيد]» (1). بل أنّ مصنّف كتاب روضات الجنّات قال : «إنّ هذا الشيخ هو الذي ينسب إليه إبداع اساس النظر في الأدلّة ، وطريق الجمع بين مدارك الأحكام بالاجتهاد الصحيح ، ولذا يعبّر عنه وعن الشيخ أبي علي بن الجنيد في كلمات فقهاء أصحابنا ، بالقديمين. وقد بالغ في الثناء عليه أيضاً صاحب كتاب السرائر وغيره وتعرّضوا لبيان خلافاته الكثيرة في مصنّفاتهم» (2).
أمّا محمّـد بن أحمد بن الجنيد الأسكافي فكان له كتابان في الفقه الاستدلالي هما : تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة ، والأحمدي للفقه المحمّـدي. والكتاب الأوّل وصفه الشيخ الطوسي بأنّه كتاب «كبير نحواً من عشرين مجلّداً ، يشتمل عدّة من كتب الفقه على طريقة الفقهاء» (3). وكتاب الأحمدي في الفقه المحمّـدي مختصر لكتابه الكبير تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة ؛ وطريقة الفقهاء تعني الاستدلال ، لا مجرّد عرض الروايات
__________________
(1) الفوائد الرجالية 2 / 220.
(2) روضات الجنات 2 / 259.
(3) الفهرست ـ للشيخ الطوسي ـ : 160 رقم 16.

والأحاديث دون مناقشة. وأشار مصنّف كتاب روضات الجنّات إلى أنّ ابن الجنيد تبع الحسن بن أبي عقيل العماني فأبدع أساس الاجتهاد في أحكام الشريعة. ونقل عن إيضاح العلاّمة أنّه قال : وجدتُ بخطِّ السيِّد السعيد محمّـد بن معد ، ما صورته : وقع إليَّ من هذا الكتاب [كتاب تهذيب الشيعة] مجلد واحد. وقد ذهب من أوّله أوراق وهو كتاب النكاح. فتصفّحته ولمحتُ مضمونه فلم أرَ لأحد من هذه الطائفة كتاباً أجود منه ، ولا أبلغ ولا أحسن عبارة ، ولا أدّق معنى. وقد استوفى منه الفروع والأصول ، وذكر الخلاف في المسائل واستدلّ بطريق الإمامية وطريق مخالفيهم. وهذا الكتاب اذا اُمعن النظر فيه وحصلت معانيه علم قدره ومرتبته ، وحصل منه شيء كثير ولا يحصل من غيره.
ثمّ يقول العلاّمة : قد وقع إلىّ من مصنّفات هذا الشيخ المعظّم الشأن كتاب الأحمدي في الفقه المحمّـدي وهو مختصر هذا الكتاب ، جيّد يدلّ على فضل هذا الرجل وكماله وبلوغه الغاية القصوى في الفقه ، وجودة نظره. وأنا ذكرتُ خلافه وأقواله في كتاب مختلف الشيعة في أحكام الشريعة (1).
الكليني والصدوقان :
ومن أعلام هذا القرن : الكليني ، والصدوقان.
أ ـ الشيخ الكليني : وهو أبو جعفر الكليني ، محمّـد بن يعقوب بن إسحاق (ت 329 هـ) وكتابه الكافي في الأصول والفروع والروضة في ثمانية أجزاء.
__________________
(1) روضات الجنات 6 / 145 ـ 147.

وقد انصرف ثقة الإسلام الكليني قدس‌سره إلى جمع أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام في كتابه الكافي الذي لم يسبقه أحد في إنجاز مثل ذلك المشروع العملاق في ذلك العصر. فقام بجمع تلك الروايات المتفرّقة في بطون مئات الكتب والمصنّفات بين دفّتي كتاب واحد خلال عشرين عاماً. وقد رُتّب الكتاب على ثلاثة أقسام هي :
الأوّل : أُصول الكافي : ويتضمّن روايات في ثمانية كتب هي : كتاب العقل والجهل ، وفضل العلم ، والتوحيد ، والحجّة ، والإيمان والكفر ، والدعاء ، وفضل القرآن الكريم ، والعِشرة. وتنضوي تلك الكتب تحت عناوين : العقيدة ، والموت ، والبعث ، والثواب والعقاب ، وفضائل العلم ونحوها.
الثاني : فروع الكافي : وتتضمّن الروايات التي تعلّقت أوّلاً : بالعبادات. وثانياً : بالمعاملات ، أي العقود والإيقاعات والأحكام. صنّفها في ستّة وعشرين كتاباً فقهيّاً هي : كتاب الطهارة ، والحيض ، والجنائز ، والصلاة ، والزكاة ، (والخمس في كتاب الحجّة من أُصول الكافي) ، والصيام ، والحج ، والجهاد ، والمعيشة ، والنكاح ، والعقيقة ، والطلاق ، والعتق والتدبير والكتابة ، والصيد ، والذبائح ، والأطعمة ، والأشربة ، والزي والتجمّل والمروءة ، والدواجن ، والوصايا ، والمواريث ، والحدود ، والديّات ، والشهادات ، والقضاء والأحكام ، والإيمان والنذور والكفّارات.
وإذا أدخلنا تلك الكتب في التقسيم المتّفق عليه للمواضيع الفقهية. فيكون :
أ ـ العبادات : وفيها أحكام الطهارة ، والوضوء ، والغسل ، والحيض ، والصلاة ، والخمس ، والصوم ، والاعتكاف ، والحجّ ، والعمرة ، والجهاد.

ب ـ المعاملات : وفيها :
1 ـ العقود : وتدخل فيها : التجارة ، والبيع ، والسلف ، والصرف ، والخيارات ، والشفعة ، والإجارة ، والمزارعة ، والمساقاة ، والجعالة ، والسبق والرماية ، والشركة ، والمضاربة ، والوديعة ، والعارية ، والضمان ، والحوالة ، والكفالة ، والدّين ، والرهن ، والصلح ، والوكالة ، والهبة ، والصدقة ، والوقف ، والسكنى ، والعمرى ، والوصية ، والنكاح ، والرضاع ، والقسم ، والمكاتبة.
2 ـ الإيقاعات : ويدخل فيها : الإقرار ، والطلاق ، والظهار والإيلاء واللعان ، والعتق ، والتدبير ، والإيمان ، والنذور ، والعهود.
3 ـ الأحكام : ويدخل فيها : اللقطة ، والغصب ، وإحياء الموات ، والحجر ، والكفّارات ، والصيد ، والذباحة ، والأطعمة ، والأشربة ، والميراث ، والقضاء ، والشهادات ، والحدود ، والتعزيرات ، والقصاص ، والديّات.
الثالث : روضة الكافي : ويشتمل على الأخبار المتعلّقة بالعقائد ، والتفسير ، والأخلاق ، والقصص ، والتاريخ ونحوها.
ويتميز الكافي بالالتزام بنصوص الروايات عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، واستخراجه إيّاها من الأصول المعتبرة عند الطائفة ، والتزامه ـ على الأغلب ـ بذكر جميع سلسلة السند بينه وبين المعصوم عليه‌السلام ، وترتيب الروايات على أساس الصحّة والوضوح ، وعدم إيراد الأخبار المتعارضة ، والرواية عن مجموعة من مشايخه الثقات بالقول «عدّة من أصحابنا». وقد أخرج عن شيخه علي بن إبراهيم القمّي ما يزيد على ربع أحاديث الكافي.
ب ـ الصدوقان : وهما :
__________________

1 ـ علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (ت 329 هـ) وهو أبو الشيخ الصدوق ويطلق عليهما بالصدوقان. ويلقّب الأب بالصدوق الأوّل أيضاً. وهو أوّل من ابتكر طرح أسانيد الروايات ، وجمع بين النظائر ، وأتى بالخبر مع قرينه في رسالته إلى ابنه الصدوق الثاني التي سميت برسالة الشرائع.
2 ـ محمّـد بن علي بن بابويه القمّي (الشيخ الصدوق) (ت 381 هـ) وله كتاب من لا يحضره الفقيه في الحديث في أربعة أجزاء. وكتباً فقهية هي : المقنع والهداية. وله كتاب علل الشرائع أيضاً.
وكتاب من لا يحضره الفقيه على قسمين : مسانيد ومراسيل. وتلك المراسيل تزيد على ثلث الأحاديث المورّدة فيه. وقد اعتمد الأصحاب على تلك المراسيل وقالوا إنّها كمراسيل محمّـد بن أبي عمير في الحجية والاعتبار ، لأنّ المؤلّف لم يورد فيه إلاّ ما يفتي به ويحكم بصحّته ويعتقد أنّه حجّة بينه وبين ربّه. أضف إلى ذلك زيادة حفظ الصدوق وحسن ضبطه وتثبّته في الرواية وتأخّر كتابه عن الكافي. ولكن هذا الرأي قد تعرّض للنقد ، وقيل إنّ صحّة السند عند المصنّف حجّة عليه لا حجّة على غيره. وطبيعة الاجتهاد الفقهي تقتضي أن يكون للمجتهد رأي في الرواة من حيث التوثيق أو التضعيف.
وأحاديث من لا يحضره الفقيه خمسة آلاف وتسعمائة وثلاثة وستون حديثاً. المسندة منها : ثلاثة آلاف وتسعمائة وثلاثة عشر حديثاً ، والمراسيل : الفان وخمسون حديثاً.
يقول الشيخ الصدوق قدس‌سره في سبب تأليفه الكتاب : «لمّا ساقني القضاء إلى بلاد الغربة ... وردها الشريف الديِّن أبو عبـد الله ... فدام بمجالسته

سروري ، وانشرح بمذاكرته صدري ، وعظم بمودّته تشرّفي لأخلاق قد جمعها إلى شرفه من ستر وصلاح ، وسكينة ووقار ، وديانة وعفاف ، وتقوى وإخبات. فذاكرني بكتاب صنّفه محمّـد بن زكريّا المتطبّب الرازي وترجمه بكتاب من لا يحضره الطبيب وذكر أنّه شاف في معناه وسألني أن أُصنّف له كتاباً في الفقه والحلال والحرام ، والشرائع والأحكام موفياً على جميع ما صنّفت في معناه وأترجمه بكتاب من لا يحضره الفقيه ليكون إليه مرجعه ، وعليه معتمده ، وبه أخذه ، ويشترك في أجره من ينظر فيه ، وينسخه ويعمل بمودعه. هذا مع نسخه لأكثر ما صحبني من مصنّفاتي وسماعه لها وروايتها عنّي ووقوفه على جملتها وهي مائتا كتاب وخمسة وأربعون كتاباً. فأجبته أدام الله توفيقه إلى ذلك لأنّي وجدته أهلاً له وصنّفتُ له هذا الكتاب بحذف الأسانيد لئلاّ تكثر طرقه وإن كثرت فوائده. ولم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووه ، بل قصدتُ إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحّته ، واعتقد فيه أنّه حجّة فيما بيني وبين ربّي تقدّس ذكره وتعالت قدرته. وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع» (1).
ونستدلّ من ذلك النصّ على ما يلي :
1 ـ إنّ المصنّف حذف الأسانيد من أجل الاختصار. فالمراسيل حجّة بينه وبين الله تعالى ، باعتبار صحّة سندها في رأيه.
2 ـ إنّه لم يكن تأليفه بمعنى تأليف كتاب ، بل كان يقصد إتمام وسيلة الإفتاء والحكم. فالمقصود من التأليف هو : الإفتاء ، والحكم بصحّة
__________________
(1) من لا يحضره الفقيه 1 / 3.

الأحاديث الواردة فيه.
3 ـ إنّ جميع ما فيه استخرجه المصنّف من كتب مشهورة عند الطائفة. فهو لم يأتِ بحديث بعيد عن مسامع أجلاّء الطائفة أو بعيد عن أنظارهم.
وللشيخ الصدوق قدس‌سره كتاب علل الشرائع والاحكام والاسباب وهو يتضمّن (385) باباً. أوّل الأبواب : «العلّة التي من أجلها سمّيت السماء سماء ، والدنيا دنيا ، والآخرة آخرة ...» وآخرها «نوادر العلل». وبعض الروايات في هذا الكتاب تحتاج إلى تدقيق في السند ومطابقة في المتن ، وبعضها لا تلائم مقام الإمامة. ولا يُعرف سبب تأليف الكتاب ، خصوصاً وأنّ ملاكات الأحكام مجهولة وغير قابلة للفهم لدى الفقهاء.
وكتاب المقنع رسالة فتوائية للشيخ الصدوق من الطهارة وحتّى الديّات ، ملحقاً بها باب النوادر. دوّن ألفاظها من متون الأحاديث المسندة. فقد حذف المصنّف أسنادها بغية الاختصار ، وثقةً بوجودها في الكتب الرئيسية التي استند عليها. فقال في مقدّمته : «إنّي صنّفتُ كتابي هذا وسمّيته كتاب المقنع ، لقنوع من يقرأه بما فيه. وحذفتُ الأسانيد منه لئلاّ يثقل حمله ولا يصعب حفظه ولا يملّ قارئه ، إذ كان ما أُبيّنه فيه في الكتب الأُصولية موجوداً مبيّناً على المشايخ العلماء الفقهاء الثقات رحمهم الله» (1).
فقهاء قم المشرّفة :
وقد شهد القرنان الثالث والرابع نشاطاً ملحوظاً لفقهاء مدينة قم
__________________
(1) المقنع : 5.

المشرفة في تدوين الروايات ، وكان على رأسهم الشيخ الكليني (ت 329 هـ) ، وابن قولويه (ت 369 هـ) ، وابن الجنيد (ت 381 هـ) بالري ، والشيخ الصدوق (ت 381 هـ) المدفون بالري. وجملة من الرواة الفقهاء الذين كانت لهم كتب في الفقه جوهرها روايات موثّقة عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام في أبواب الفقه المختلفة. ومن هؤلاء الأعلام : أحمد بن محمّـد بن عيسى الأشعري ، ومحمّـد بن أحمد بن يحيى بن عمران ، وسعد ابن عبـد الله بن أبي خلف الأشعري ، وإسماعيل بن آدم بن عبـد الله بن سعد الأشعري ، وعلي بن إبراهيم وأهمّ كتبه : قرب الاسناد ، وعلي بن الحسين بن بابويه (ت 329 هـ) ، ومحمّـد بن الحسن بن الوليد (ت 343 هـ) ، وأحمد بن محمّـد بن خالد البرقي وغيرهم.
وكانت فتاوى هؤلاء الأعلام تعدّ بمثابة الروايات ؛ لأنّهم كانوا لا يفتون إلاّ بالنصوص. وإلى ذلك أشار الشهيد الأوّل (ت 786 هـ) باعتماد الأصحاب على رسالة علي بن بابويه القمّي (ت 329 هـ) ، فقد «كان الأصحاب يتمسّكون بما يجدونه في شرائع الشيخ أبي الحسن بن بابويه عند إعواز النصوص لحسن ظنّهم به ، وأنّ فتواه كروايته» (1) ، بينما صرّح الشيخ المجلسي بأنّ : «علماءنا يعدّون فتاواه من جملة الأخبار» (2).
وتميّز هذا القرن بتدوين الحديث وجمعه بطريقة علمية تحدّد ضوابط صحّة الأحكام الشرعية من أحاديث أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام. فكان الكافي ، ومن لا يحضره الفقيه من أهمّ موسوعات هذا القرن في الحديث.
__________________
(1) الذكرى : 4 ـ 5.
(2) بحار الأنوار 1 / 26.

ميـزة تلك الفترة :
ثمّة ميزة أخرى لهذا القرن والقرن الذي لحقه لمسناها في الرسائل الفقهية المختصرة التي كان يكتبها الفقهاء. فكان الفقهاء يجيبون على استفسارات المؤمنين من شيعة أهل البيت عليهم‌السلام ، ويكتبون الجواب على شكل رسالة فقهية يلقيها عادة الفقيه على تلامذته. ولكن تلك الرسائل كانت تعبّر عن الاستدلال في مراحله الأوّلية بحيث لا تتجاوز عرض الأحاديث الصحيحة من غير تعرّض للمناقشة أو الاحتجاج أو النقد أو التفريع.
ولا شكّ أنّ الانتقال من عصر النصّ إلى عصر الاستدلال كان له ما يبرّره. فقد كان عصر النصّ مثقلاً بالمرتكزات الذهنية التي يفهمها الراوي بسبب ارتباطه بذلك العصر الذي كان يعيش فيه. وكان لا بدّ للفقهاء الذين عاشوا عصوراً بعيدة عن النصّ التوجّه نحو الاستدلال الشرعي لاستنباط الأحكام ، للأسباب التالية :
1 ـ وجود تعارض ظاهري بين الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، وقد يرجع ذلك إلى :
أ ـ ظروف التقية التي كان يعيشها أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، ممّا اضطرّهم : إلى الإفتاء بآراء مخالفة لآرائهم من أجل الحفاظ على الكيان الشرعي للأمّة.
ب ـ اختلاط بعض القرائن الموازية للنصوص أو اختفائها ، ممّا يسبّب صعوبة في فهم النصّ أو في فهم مراد الشارع.
ج ـ لجوء بعض الرواة إلى نقل معاني الحديث بدل نقل ألفاظه ، وقد سبّب ذلك وضع بعض النصوص في موضع حرج. فقد يستخدم الراوي أحياناً الفاظاً ركيكة أو مشتركة ، فيختلط اللفظ الأوّل باللفظ الثاني الذي استخدمه الراوي وعندها يرتبك معنى الرواية.

د ـ وجود رواة مدسوسين من قبل السلطة لتشويه مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، فأصبح الأمر يتطلّب التدقيق في رجال الرواية من أجل التأكّد من صحّة الرواية ذاتها وصحّة نسبتها إلى أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام.
2 ـ إنّ في الروايات الشريفة التي وصلتنا عامّاً وخاصّاً ، مطلقاً ومقيّداً ، مجملاً ومبيّناً. فكان لا بدّ من معرفة القواعد العامّة التي تحكم التفريق بين العامّ والخاصّ ، والمطلق والمقيّد ، والمجمل والمبيّن.
3 ـ تبدّل الثقافة الاجتماعية خلال القرون المتلاحقة. فقد كانت بعض الألفاظ تستعمل لمعان معيّنة ، ثمّ تبدّل ذلك الاستعمال ليدلّ على معان اُخر. فعلى سبيل المثال ، كان معنى «يتوضّأ» : يغسل يده فقط. ففي قوله عليه‌السلام عندما سئل عن غسل الجنابة في الماء القليل : «يضع يده ويتوضّأ ثم يغتسل ...» (1). ثمّ غلب استعمال كلمة الوضوء على معناها الشرعي.
4 ـ تغيّر الزمان والمكان يستدعي فهماً لمقاصد الشريعة في المعاملات يتناسب مع ذلك التغيّر. وهذا يستدعي فهماً معمّقاً لمباني الاستدلال الشرعي.
5 ـ مدرسة القرن الخامس الهجري
وتميّز هذا القرن والفترة القصيرة التي سبقته بظهور كتب فقهية اقتصرت على تلخيص مضمون الروايات وحذف أسانيدها وتجنّبت التفريع كما أشرنا إلى ذلك آنفاً ، مثل المقنع والهداية للشيخ الصدوق (ت 381 هـ) ، والمقنعة للشيخ المفيد (ت 413 هـ) ، والنهاية للشيخ الطوسي
__________________
(1) الكافي 3 / 4 ح 2.

(ت 460 هـ).
ومن أعلام هذا القرن مجموعة شامخة من الفقهاء ، منهم :
1 ـ الشيخ المفيد : وهو محمّـد بن محمّـد بن النعمان (ت 413 هـ) وكتابه الفقهي المقنعة وهو رسالة في الفقه. حيث بارى فيها كتاب المقنع في الفقه لاستاذه الشيخ الصدوق. وقام الشيخ الطوسي ـ تلميذ الشيخ المفيد ـ بشرح المقنعة في عشرة أجزاء سمّاه تهذيب الأحكام.
وللشيخ المفيد رسائل فقهية عديدة تعبّر في محتواها عن أجوبة فقهية للمسائل الشرعية التي كانت موطن ابتلاء القرنين الرابع والخامس.
منها : أجوبة المسائل السروية وهي إحدى عشر مسألة في النكاح وغيرها من الموضوعات.
ومنها : أحكام النساء وهي رسالة فيما يخصّ النساء من الأحكام الشرعية مرتّبة على 14 باباً وفصول. أوّلها : «الحمد لله الذي هدى العباد إلى معرفته ... وبعد فإنّي لمّا عرفت من آثار السيدة الجليلة الفاضلة أدام الله إعزازها ، جمع الأحكام التي تعمّ المكلّفين من الناس ، وتختصّ النساء منهم على التمييز لهنّ والإبراز ...» (1).
ومنها : كتاب الإعلام فيما اتفقت عليه الإمامية من الأحكام ، ممّا أجمعت العامّة على خلافه جمع فيه المسائل الفقهية التي اتفقت عليه الإمامية من أوّل كتاب الطهارة إلى آخر أبواب الديّات ؛ وتلك المسائل ممّا لا يوافقهم فيه فقهاء المذاهب الأربعة.
ومنها : رسالة في تحريم ذبائح أهل الكتاب.
__________________
(1) نسخة مخطوطة ، محفوظة في مكتبة المرعشي النجفي ، برقم 243 ـ 1.

ومنها : جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية وهي رسالة في مناقشة ثبوت شهر رمضان برؤية الهلال. وقد كان النقاش آنذاك موجّهاً على أنّ شهر رمضان هو ثلاثون يوماً دائماً كما في بعض الروايات. ولكنّه قدس‌سره تبنّى القول بالرؤية واحتجّ في ذلك بالدليل.
وغيرها من الرسائل والأسئلة الفقهية التي كان يتصدّى للإجابة عنها باعتباره زعيماً دينيّاً للطائفة الإمامية في عصره.
منهجية (الاجماعيات) :
ويتميّز المنهج الاستدلالي للشيخ المفيد بكونه ثمرة منهج مدرستين استفاد منهما هما المدرسة الإمامية والمدرسة السنّية. ولذلك صنّف كتاب الإعلام بما اتفقت عليه الإمامية من الأحكام الشرعية ، ممّا اتفقت العامّة على خلافهم فيه. وهو كتاب يحتوي على إجماعيّات الإمامية ، التي حصل للعامّة إجماع على خلافها. وقد فسّر الشيخ قدس‌سره مراده بـ : «العامّة» ، كالتالي : «ولم أرد بالعامّة فيما سلف ، ولا أعني فيما يستقبل : الحنبليّين دون الشافعيّين ، ولا العراقيّين دون المالكيّين ، ولا متأخّراً دون متقدّم ، ولا تابعيّاً دون من نُسب إلى الصحبة. بل ، اُريد بذلك كلّ من كانت له فتيا في أحكام الشريعة ، وأخذ عنه قوم من أهل الملّة ، ممّن ليس له حظّ في الإمامة من آل محمّـد صلى الله عليه وعليهم ، أو كان معروفاً بالأخذ عن آل محمّـد عليهم‌السلام خاصّة» (1). ولو عُدّت تلك الإجماعات ضمن الطائفة فإنّها لا تعدو مائة فرع ، علماً بأنّ الفروع الفقهية تفوق الآلاف. بمعنى أنّ المسائل
__________________
(1) الإعلام بما اتفقت عليه الامامية : 5.

المتّفق عليها بين فقه المذاهب الإسلامية ـ شيعية وسنّية ـ أكثر وأعمّ وأشمل ، وهو ما يجعلنا نؤمن بأنّ المذاهب الإسلامية أخذت من مذهب أهل البيت عليهم‌السلام. وتلك المسائل الفقهية التي اتفقت العامّة على خلاف الإمامية فيها هو من اجتهادات أئمّة المذاهب أنفسهم.
وهذا الكتاب يختلف عن محاولة السيّد المرتضى (ت 436 هـ) في كتابه الانتصار الذي جمع فيه الاجماعيّات المجرّدة التي أجمعت عليه الإمامية ، ويختلف عن محاولة الشيخ الطوسي في الخلاف والعلاّمة الحلّي في تذكرة الفقهاء حيث جُمعت فيهما الخلافيّات التي اختلف فيها الفقهاء من المدرستين الشيعية والسنّية فقط. لكن الشيخ المفيد قدس‌سره جمع في كتابه هذا اجماعيّات الشيعة التي قابلتها إجماعيّات العامّة. ومقتضى الأمر أنّ الشيخ المفيد قدس‌سره كان مطّلعاً بدقّة على أفكار المدرستين الإمامية والسنّية. وإلاّ ، فإنّ طرق هذا الباب صعبٌ للغاية.
قال في باب أحكام الحجّ : «لم يجمع العامة في هذا الباب على خلاف ما اتّفقت الإمامية عليه إلاّ في مسألة واحدة ... وأمّا ما سواها من أحكام الحجّ فليس للإمامية على الإطباق فيه قولٌ إلاّ وكافّة العامّة توافقهم عليه أو بعضهم ، حسب ما قدّمناه» (1).
وقال في باب أحكام البيوع : «وليس في أحكام البيوع اتفاق على شيء ، في خلافه إجماع من العامّة فأذكره على التفصيل ، وكلّ مسألة في هذا الباب اتّفق أهل الامامية عليها على قول فيها أو اختلفوا ، ففيها إجماع من العامّة او اختلاف» (2).
__________________
(1) الإعلام بما اتفقت عليه الامامية : 34.
(2) الإعلام بما اتفقت عليه الامامية : 35.

منهجية كتاب المقنعة :
على أنّ أهمّ كتب الشيخ المفيد قدس‌سره الفقهية هو كتاب المقنعة ، وهو كتاب فقهيٌّ يحتوي على الأحكام الشرعية المجرّدة عن الاستدلال. يقول قدس‌سره في منهجية تأليفه إنّه ألّفه : «امتثالاً لما رسمه السيّد الأمير الجليل أطال الله في عزّ الدين والدنيا مدّته ... من جمع مختصر في الأحكام ، وفرائض الملّة ، وشرائع الإسلام ، ليعتمده المرتاد لدينه ، ويزداد به المستبصر في معرفته ويقينه. ويكون إماماً للمسترشدين ، ودليلاً للطالبين ، وأميناً للمتعبّدين ، يفزع إليه في الدين ، ويقضي به على المختلفين. وأن أفتتحه بما يجب على عامّة المكلّفين من الاعتقاد ، الذي لا يسع إهماله البالغين. إذ هو أصل الإيمان ، والأساس الذي عليه بناء جميع الأديان ، وبه يكون قبول الأعمال ، ويتميّز الهدى من الضلال» (1).
ويحتوي الكتاب على قسمين ، الأوّل : في أصول الدين. في التوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد. والثاني : في فروع الدين والأحكام من كتاب الصلاة وحتّى كتاب الفرائض والوصايا. وهذا الكتاب يعبّر عن محاولة الشيخ المفيد قدس‌سره لصياغة رسالة عملية جامعة لكلّ أبواب الفقه ممّا يحتاجه المكلّف في دينه ودنياه.
ومنهج الكتاب أنّه يستدلّ على الأكثر في المستحبّات والمسنونات من الأعمال والأذكار ، بينما يعرض الأحكام الواجبة كما هي دون استدلال. وقد جمع بين الفقه والفتوى. فقد كان القدماء كالشيخ الطوسي (ت 460 هـ) والسيد المرتضى (ت 436 هـ) ممّن يفرّقون بين «الفقه»
__________________
(1) المقنعة : 27.

و «الفتوى». و «الفقه» يعبّر عن المسائل الفقهية على نسق الواجبات والمحرّمات المنصوصة التي لا تحتاج إلى جهد استدلالي أو نظر اجتهادي. بينما تعبّر «الفتوى» عن مسائل غير معنونة في النصوص تسمّى بالزيادات على الفقه.
ولذلك تجد في نهاية كتاب الصلاة باب «35» زيادات ، وفي نهاية كتاب الزكاة باب «38» زيادات ، وفي نهاية كتاب الصوم باب «37» زيادات ، وهكذا. وهذا المنهج يختلف عن منهج أهل الحديث من فقهائنا ، حيث صنّفوا كتبهم على أساس المسائل المنصوص عليها ، وإيراد الفاظ الحديث الدالّة على الحكم غالباً ، كما نرى ذلك في الكافي ، ومن لا يحضره الفقيه ، والاستبصار ، والتهذيب. بينما التزم الشيخ المفيد توضيح المسائل والأحكام بصورة تبيّن اختلاف عصر الغيبة عن عصر النصّ.
أمّا كتاب أحكام النساء للشيخ المفيد قدس‌سره فهو من الكتب الفقهية الفريدة التي اهتمّت بمسائل النساء ومشاكلهنّ الشرعية. وقد ذكر المصنّف أنّه ألّفه بإشارة ورغبة من «السيدة الجليلة» التي دعا لها بالتوفيق. ولا يهمّنا من هي تلك «السيدة الجليلة» بقدر ما يهمّنا أنّه ذكر الأحكام المرتبطة بالنساء مرتّبة على الكتب الفقهية من الطهارة إلى الديّات ، وقرنها كثيراً بأحكام الرجال أيضاً.
وبالإجمال ، فإنّ منهجية الشيخ المفيد قدس‌سره تمثّلت بعرض الأحكام الشرعية عرضاً مجرّداً عن الاستدلال ، ومجرّداً عن سلسلة الأسانيد في الروايات. فقد كان الاختصار والابتعاد عن الإسهاب والإطناب من خصائص منهجية ذلك الشيخ الجليل رضي‌الله‌عنه.
2 ـ السيّد المرتضى : علم الهدى (ت 436 هـ) وكتابه الفقهي

الانتصار في انفرادات الإمامية وجمل العلم والعمل ، والمسائل الناصرية. درس مع أخيه الشريف الرضي عند الشيخ المفيد.
وكتاب الانتصار في انفرادات الإمامية صنّفه للأمير عميد الدين في بيان الفروع التي اُتّهم فيها الشيعة بمخالفتهم للإجماع. فأثبت أنّ في تلك الفروع موافقاً من فقهاء سائر المذاهب ، وإنّ لهم عليها حجّة قاطعة من الكتاب والسنّة.
حاول السيّد المرتضى (ت 436 هـ) تطوير المنهج الفقهي من حيث الاستدلال وإرجاع الفروع إلى الأصول ، محاولاً في ذلك تتميم ما قام به استاذه الشيخ المفيد (ت 413 هـ).
3 ـ الشيخ أبو الصلاح الحلبي (ت 447 هـ) من تلامذة السيّد المرتضى والشيخ الطوسي. وصفه الشهيد الثاني بأنّه خليفة المرتضى في البلاد الشامية. كتابه الفقهي الكافي.
4 ـ الشيخ الديلمي : أبو يعلى حمزة بن عبـد العزيز الملقّب بـ : «سلاّر» (ت 448 هـ) ، وكتابه المراسم العلوية في الأحكام النبوية. وهو كتاب مختصر يتناول أحكام العبادات والمعاملات. ذكر فيه أنّ له كتاباً كبيراً في الفقه لم يصلنا.
يقول قدس‌سره في شرح منهجيته العلمية وتبويبه لأبواب كتاب المراسم العلوية : «وقد عزمت على جمع كتاب مختصر يجمع كلّ رسم ويحوي كلّ حتم من الشريعة. وأبنيه على القسمة ليقرب حفظه ويسهل درسه ، ومن الله أستمد المعونة والتسديد ...
أقول : أوّلاً : إنّ الرسوم الشرعية تنقسم قسمين : عبادات ومعاملات. فالعبادات تنقسم ستّة أقسام : طهارة ، وصلاة ، وصوم ، وحجّ ، واعتكاف ،

وزكاة. والمعاملات تنقسم قسمين : عقود وأحكام. فالعقود : النكاح وما يتبعه ، والبيوع وما يتبعها ، والإجارات وأحكامها ، والإيمان والنذور ، والعتق والتدبير ، والمكاتبة ، والرهون ، والوديعة ، والعارية ، والمزارعة ، والمساقاة ، والإجارات ، والضمانات ، والكفالات ، والحوالات ، والوكالات ، والوقوف ، والصدقات ، والهبات ، والاقرارات ، والوصايا. وإن قيل إنّ العقود التي هي الإيمان والنذر إيقاعات ، دخل معها الطلاق والعتاق وما في حكمها. وما عدا ذلك أحكام. وهذا القسم يشتمل على جنايات وغير جنايات. وغير الجنايات : الذبائح والإرث والقضاء» (1).
ومنهجية «سلاّر» امتداد طبيعي لمنهجية أسلافه من الفقهاء القدماء كالصدوقين ، والمفيد ، وأبو الصلاح في اختصار الألفاظ ومحاولة اختزال الاستدلال وضغطه إلى أبعد الحدود.
5 ـ الشيخ أبو جعفر الطوسي : شيخ الطائفة (ت 460 هـ) درس عند الشيخ المفيد والسيّد المرتضى. جمع الروايات في كتابيه التهذيب في عشرة أجزاء ، والاستبصار في أربعة أجزاء. وفي الفقه كتابيه : المبسوط في فقه الإمامية والنهاية في مجرّد الفقه والفتاوى.
وبقي كتاب النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى محور البحث والتدريس والشروح في الحوزة العلمية الإمامية ، حتّى ظهر كتاب شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي فاستعيض عن مؤلَّف شيخ الطائفة وأصبح الكتاب الجديد من الكتب الدراسية في الفقه الإمامي. ويحوي كتاب النهاية على «22» كتاباً في مسائل الفقه موزّعاً على «214» باباً.
__________________
(1) المراسم العلوية : 28 بتصرف.

أمّا المبسوط في فقه الإمامية ـ وهي موسوعة فقهية في «8» أجزاء بالطبعة الحديثة ـ وتشتمل على جميع أبواب الفقه. قال في مقدّمته : «كنتُ عملتُ على قديم الوقت كتاب النهاية ، وذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنّفاتهم وأصولها من المسائل ، وفرقوه في كتبهم ، ورتّبته ترتيب الفقه ، وجمعتُ فيه النظائر ... ولم اتعرّض للتفريع على المسائل ولا لتعقيد الأبواب ، وترتيب المسائل وتعلّقها والجمع بين نظائرها. بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالالفاظ المنقولة ، حتّى لا يستوحشوا من ذلك وعملتُ بآخره مختصر جمل العقود ، وفي العبارات سلكتُ فيه طريق الإيجاز والاختصار ، وعقود الأبواب في ما يتعلّق بالعبادات ووعدتُ فيه أن أعمل كتاباً في الفروع خاصّة ، يضاف إلى كتاب النهاية ، ويجتمع مع ما يكون كاملاً كافياً في جميع ما يحتاج إليه.
ثمّ رأيت أنّ ذلك يكون مبتوراً يصعب فهمه على الناظر فيه ؛ لأنّ الفرع إنّما يفهمه إذا ضبط الأصل معه ، فعدلتُ إلى عمل كتاب يشتمل على عدد جميع كتب الفقه التي فصّلها الفقهاء ، وهى نحو من ثمانين كتاباً أذكر كلّ كتاب منه على غاية ما يمكن تلخيصه من الألفاظ ، واقتصرتُ على مجرّد الفقه دون الأدعية والآداب ، واعقد فيه الأبواب وأقسم فيه المسائل ، وأجمع بين النظائر واستوفيه غاية الاستيفاء ، وأذكر أكثر الفروع التي ذكرها المخالفون ، وأقول ما عندي على ما يقتضيه مذهبنا ويوجبه أصولنا بعد أن أذكر جميع المسائل ...» (1).
ونستطيع تشخيص منهج المبسوط في فقه الإمامية عبر النقاط التالية :
__________________
(1) المبسوط : المقدمة ، 1 / 2 ـ 3.

أوّلاً : عدم الجمود على ألفاظ النصوص.
وقد وصف الشيخ الطوسي الحالة السائدة في زمانه بأنّ أحدهم يستوحش لو بُدِّل لفظ مكان لفظ آخر.
ثانياً : تفريع المسائل وتشعيبها بصورة جديدة.
فقد كان المتقدّمون من الفقهاء يقتصرون على الفروع المذكورة في النصوص ، لكنّهم يعرضون عن تفريع فروع جديدة على تلك الفروع. وبذلك يستنتجون أحكاماً جديدة لم يتعرّض لها النصّ بدلالة المطابقة. ولكن الشيخ الطوسي قدس‌سره نحى منحىً جديداً في تفريع المسائل واستنتاج أحكام جديدة لم يتعرّض لها النصّ بدلالة المطابقة.
ثالثاً : محاولة جمع أبواب الفقه جمعاً جديداً ، بضمّ المسائل بعضها إلى بعض ، وجمع النظائر ، وتفريق المتغايرات.
وقد وعد الشيخ الطوسي قدس‌سره في المقدّمة بأن يجمع شتات الأشباه والنظائر في الفقه. ويبوّب كلّ ذلك في أبواب خاصّة بعد ما أكثر الفروع واستحدثها.
رابعاً : معالجة مدلول النصّ معالجة أصولية.
وبذلك فقد فتح للاستنباط أبواب جديدة من خلال استخراج القواعد التي يستفيد منها الفقيه في عملية الاستنباط والبحث عن الدليل.
واستخدم الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف في الاحكام أُسلوب الفقه المقارن. فأورد فيه آراء الفقهاء من المذاهب الأُخرى بالعرض والنقد والاستدلال. ويطلق على نفس الكتاب عنوان مسائل الخلاف أيضاً. وهو مرتّب على ترتيب كتب الفقه أوّله : «الحمد لله حقّ حمده ... سألتم أيّدكم الله إملاء مسائل الخلاف بيننا وبين من خالفنا من جميع الفقهاء وذكر

مذهب كلِّ من خالف على التعيين ، وبيان الصحيح منه وما ينبغي أن يعتقد. وأن أقرن كلّ مسألة بدليل يحتجّ به على كلِّ من خالفنا ويوجب العلم من ظاهر القرآن أو السنة المقطوع بها ، أو دليل خطاب أو استصحاب حال على ما ذهب إليه الأكثر من أصحابنا أو دلالة أصل أو فحوى خطاب ، وأن أذكر خبراً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وإن كانت المسألة مسألة إجماع من الفرقة المحقّة ذكرت ذلك ، وإن كان فيها خلاف بينهم أومأت إليه» (1).
وقد صرّح فيه بأنّه ألّفه بعد كتابي التهذيب والاستبصار وناظر فيه المخالفين جميعاً (2) ، وهو في مجلّدين.
ولشيخ الطائفة أيضاً كتاب الجمل والعقود في العبادات. ألّفه بطلب من تلميذه وخليفته في بلاد الشام القاضي عبـد العزيز بن البرّاج قاضي طرابلس (ت 481 هـ) ، كما صرّح بذلك في قوله : «... فإنّي مجيب إلى ما سأل الشيخ الفاضل أطال الله بقاءه من املاء مختصر يشتمل على ذكر كتب العبادات وذكر عقود أبوابها وحصر جملها وبيان أفعالها ، وانقسامها إلى الأفعال والتروك ، وما يتنوّع إلى الوجوب والندب ، وأن أضبط أبوابها بالعدد ، ليسهل على من يريد حفظها» (3). فأُخرجَ أُصول المسائل الفقهية في عبارات مقتضبة وأُدرجها في فصول وعقود خاصّة. حيث شرع في الفقه من أوّل كتاب الطهارة إلى آخر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
6 ـ القاضي عبـد العزيز الحلبي : سعد الدين أبو القاسم عبـد العزيز ابن نحرير ، ابن البرّاج الطرابلسي (ت 481 هـ) تتلمذ على يدي السيّد
__________________
(1) الخلاف : 6.
(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 7 / 235 رقم 1137.
(3) الجمل والعقود : 155 ضمن الرسائل العشرة.

المرتضى والشيخ الطوسي. اُرسل من قبل الشيخ الطوسي إلى مدينة «حلب» موطنه ، وبقي في طرابلس قاضياً مدّة عشرين سنة. له كتابان في الفقه : المهذّب وجواهر الفقه ؛ وكتب أخرى كـ : المعتمد ، والروضة ، والمقرّب ، وعماد المحتاج في مناسك الحاج ، والجواهر في الفقه ، والمعالم ، وشرح جمل العلم والعمل وغيرها (1). ولم يصلنا إلاّ كتاب الجواهر في الفقه ، والمهذّب ، وشرح جمل العلم والعمل.
وكتاب المهذّب يحتوي على دورة فقهية كاملة في مجلّدين ، ويتميّز بعرض دقيق ومعمّق لمطالب الفقه الرئيسية. وهو حصيلة ممارسة فقهية طويلة. فقد اشتغل المصنّف بالقضاء ردحاً من الزمن قُدر بثلاثين سنة. فيكون الكتاب مرآة علمية تاريخية لمجتمع القرن الخامس الهجري في الشام وما كان يحمله من مشاكل وصعوبات ومنازعات وقضايا حقوقية متضاربة او متنازع عليها بين الأفراد. والكتاب وإن لم يفصّل في استدلالاته إلاّ أنّه يناقش آراء الشيخ الطوسي في عدّة من الموارد.
وسوف نعرض بإذنه تعالى نماذج من مناقشات ابن البرّاج مع الشيخ الطوسي ، ضمن مناهج الفقهاء في المدرسة الإمامية. وذلك المستوى من النقاش الاستدلالي في منتصف القرن الخامس الهجري له دلالالته العلمية الكبيرة ، فهو يدلّل على أنّ آفاق الاستدلال الفقهي كانت مفتوحة. وكان أُسلوب الإفحام العلمي ترجع إلى قوّة الدليل العقلي فضلاً عن الدليل الشرعي. يضاف إلى ذلك أنّ أخلاقية البحث العلمي كانت تجبر الشيخ الطوسي على التوقّف والإمساك ، وهو ما عليه من قوّة فكرية وعلمية فائقة.
__________________
(1) معالم العلماء : 80 ، بحار الأنوار 102 / 441.

وكتاب جواهر الفقه لابن البرّاج (ت 481 هـ) يعدُّ رسالة عملية مختصرة مؤلّفة من «839» مسألة في مختلف أبواب الفقه ، جُمعت في (37) باباً ، اقتصر فيه المؤلّف على ذكر الفتيا. ومن المرجح أنها كانت رسالة عملية ، ومن تلك المسائل نعرض نموذجاً :
مسألة : اذا دفع «زيد» إلى «عمرو» ألفين منفردين ، فقال : أحدهما قراض على أن يكون الربح من هذا الألف لي ، وربح الآخر لك. هل يكون ذلك قراضاً صحيحاً أم لا؟
الجواب : هذا قراض غير صحيح ؛ لأنّ من حقِّ القراض الصحيح ، أن يكون ربح كلِّ جزء من المال بينهما. وليس هذا كذلك (1).
مسألة : إذا كانت رائحة ماء الورد قد زالت عنه ، هل يجوز استعماله في الطهارة أم لا؟
الجواب : لا يجوز استعماله في ذلك ، وفي أصحابنا من جوّز استعماله (2) لأنّه عنده ، بزوال الرائحة عنه يخرج عن كونه مضافاً. وهذا غير صحيح لأنّه ماء ورد ، زالت رائحته أم لم تزل. وليس زوال هذه الرائحة بمخرج له من كونه مستخرجاً من الورد. ومعنى الإضافة ثابت في ذلك (3).
وهذا الكتاب ابتدأه المصنّف بالطهارة وانتهى بالحدود والشهادات ، واعقبها بباب المعمّيات والألغاز الشرعية «العويص». ويغطّي الكتاب جميع مساحات الفقه ، إلاّ أنّه يضطرب في الترتيب الموضوعي المعروف. فيتقدّم
__________________
(1) جواهر الفقه : 124 ، مسألة 445.
(2) يقصد الشيخ الصدوق (ت 381 هـ). قال في كتاب الهداية : «لا بأس أن يتوضّأ بماء الورد للصلاة ويغتسل به من الجنابة».
(3) جواهر الفقه : 8 ، مسألة 5.

كتاب «الحجّ» كتاب «الصلاة» و «الطهارة» ، و «الإرث» قبل «النكاح» ، و «الجهاد» قبل «البيع».
منهجية القرن الخامس
تميّزت منهجية القرن الخامس الهجري بانفتاح باب الاجتهاد المطلق ، وتنظيم مناهج الاستنباط عبر بناء أصول الفقه ، وتفريع المسائل تفريعاً دقيقاً ، وبناء صرح البحوث المقارنة أو الخلافية بين الإمامية والمذاهب الأربعة. وبذلك تميّزت الصناعة الفنية الاجتهادية ، وانخرط في هذا السلك رجال كان همهم الرئيسي : الاجتهاد من أجل تشخيص عمل المكلّف على الصعيد الشرعي.
وقد انفصلت في هذا القرن البحوث الأصولية عن البحوث الفقهية. نتحسّسُ ذلك بوضوح في كتب السيِّد المرتضى (ت 436 هـ) الأصولية وكتب الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) الفقهية.
فقد قام السيّد المرتضى في الذريعة بدراسة المسائل الأُصولية بشكل مستقل وبطريقة موضوعية شملت مباحث الألفاظ من الأوامر والنواهي ، ودلالات هيئات الألفاظ وموادّها.
ونستطيع ، بالإجمال ، استعراض ملامح تلك المدرسة ضمن النقاط التالية :
أوّلاً : الاستدلال على الحكم الشرعي ضمن قواعد محدّدة وضوابط معيّنة في معالجة النصوص. فقد كان من واجبات الفقيه سابقاً فهم النصوص الشرعية الصحيحة أو الاقتصار على استعراض نصوص الكتاب المجيد والصحيح من السنّة الشريفة. ولكن الأمر تبدّل الآن من حيث فهم

السند والمتن والدلالة. فأصبحت القاعدة فهم المدلول اللفظي للرواية أوّلاً ، ثمّ تمحيص الحديث من حيث السند والدلالة الأصولية ثانياً.
ثانياً : تفريع المسائل الفقهية بشكل لم يسبق له مثيل. فقد استحدثت فروع جديدة لم تتعرّض لها نصوص الروايات. وكان الشيخ الطوسي قدس‌سره رائداً في ذلك. فقد ذكر في كتابه المبسوط في فقه الإمامية أنّ الذي دعاه إلى تصنيف ذلك الكتاب هو أنّ الإمامية لم يكونوا يفرّعون الفروع إلى زمانه. بل كانوا يقفون عند النصوص الشرعية التي وصلت إليهم عن المتقدّمين من المحدثين ؛ وكان ذلك طعناً على الطائفة. فقام هو قدس‌سره بتصحيح ذلك الخلل المبنائي.
ثالثاً : تأسيس مبادئ الفقه المقارَن عبر مصنّفات عمالقة القرن الخامس ، وهي : الأعلام فيما اتفقت الإمامية عليه من الأحكام ممّا اتفقت العامّة على خلافهم فيه للشيخ المفيد (ت 413 هـ) ، والانتصار أو انفرادات الإمامية في بيان الفروع التي شنّع على الشيعة بأنّهم خالفوا فيها الاجماع للسيّد المرتضى (ت 436 هـ) ، والخلاف للشيخ الطوسي (ت 460 هـ) حيث تناول فيه المسائل الفقهية بين الشيعة الإمامية والمذاهب الأربعة في مختلف أبواب الفقه.
رابعاً : بروز ظاهرة الإيمان بـ : حجية الإجماع بشكل ملحوظ في معرض الاستدلال عند الشيخ المفيد والسيّد المرتضى والشيخ الطوسي. فعند عدم وجود نصّ شرعي في المورد ، أو عدم الاقتناع بسلامة النصّ من حيث السند أو الدلالة ركن فقهاء ذلك العصر إلى الإجماع. وفلسفة الإجماع تفصح عن أنّ الفقهاء ـ في مذهب ما ـ لا يجمعون على حكم من دون وجود نصٍّ مؤيِّد أو دلالة تدلّ على سلامة ذلك الحكم الشرعي. فمن

غير الممكن أن يخطأ فقهاء الأمّة جميعاً دون أن ينشقّ عليهم أحدٌ ويصيب الواقع. والتمسّك بالإجماع أملاه توسّع البحث الفقهي وتكامله ، وتفتيش الفقهاء عن أدلّة جديدة يسندها الكتاب المجيد والسنّة الشريفة والعقل.

6 ـ مدرسة القرن السادس الهجري
تميّزت هذه المدرسة بدقّة مباحثها ، ونضوج أساليبها الاستدلالية ، ومن أبرز علمائها : ابن زهرة ، وابن حمزة الطوسي ، وابن ادريس الحلي ، وأبي المجد الحلبي.
1 ـ السيّد أبو المكارم ابن زهرة (ت 585 هـ) حلبي المنشأ.
ذكرت بعض المصادر التاريخية أنّه درس عند الشيخ الطوسي. وهو غير صحيح ؛ لأنّ ولادته كانت سنة 511 للهجرة ، ووفاة الشيخ الطوسي كانت سنة 460 هـ. والأقرب أنّه درس عند الشيخ ابن حمزة الطوسي من فقهاء القرن السادس الهجري ، ولابن زهرة كتاب فقهي هو : غنية النـزوع إلى علمي الأصول والفروع ، وهو كتاب كبير يضمّ أقساماً ثلاثة : أصول الدين ، وأصول الفقه ، والفقه. ويحوي القسم الفقهي على دورة فقهية كاملة بعبارة موجزة ، سلك فيه المؤلّف طريقة جديدة حيث حاول إثبات رأيه في المسألة المبحوثة ، بالآيات القرآنية وبما روي من طرق أهل السنّة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ثمّ أورد ما تواتر عن أهل بيت العصمة والنبوّة عليهم‌السلام. وغالباً ما يتمسّك المصنّف بالإجماع ، او بما ورد في كتب التفسير واللغة لإثبات حجّته.
2 ـ ابن حمزة الطوسي : عماد الدين (من فقهاء القرن السادس الهجري) وكتابه الفقهي الوسيلة إلى نيل الفضيلة. وله كتب أخرى مثل : الواسطة ، والرائع في الشرائع ، والثاقب في المناقب ، وقضاء الصلاة ، ومسائل في الفقه.
3 ـ محمّـد بن منصور العجلي : المشهور بابن ادريس الحلّي (ت 598 هـ) وهو من أحفاد الشيخ الطوسي من جهة أمّه ، وهو أوّل من

ناقش آراء شيخ الطائفة وفنّد بعضها. وكتابه الفقهي السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي ، وهو من الكتب الفقهية الفتوائية الاستدلالية ، طبع على الحجر في إيران سنة 1247 هـ ، وثانية سنة 1270 هـ.
نعرض نموذجاً ، وهو بحثه في النكاح المؤجّل ، فقال : «النكاح المؤجّل مباح في شريعة الإسلام مأذون فيه ، مشروع بالكتاب والسنّة المتواترة بإجماع المسلمين ، إلاّ أنّ بعضهم ادّعى نسخه ، فيحتاج في دعواه إلى تصحيحها ؛ ودون ذلك خرط القتاد. وأيضاً فقد ثبت بالأدلّة الصحيحة أنّ كلّ منفعة لا ضرار فيها في عاجل ولا في آجل مباحة بضرورة العقل. وهذه صفة نكاح المتعة فيجب إباحته بأصل العقل ، فإن قيل : من أين لكم نفي المضرّة عن هذا النكاح في الأجل والخلاف في ذلك؟ قلنا : من ادّعى ضرراً في الأجل فعليه الدليل.
وأيضاً فقد قلنا أنّه لا خلاف في إباحتها من حيث أنّه قد ثبت بإجماع المسلمين ، أنّه لا خلاف في إباحة هذا النكاح في عهد النبي عليه السلام بغير شبهة ، ثمّ ادّعى تحريمها من بعد ونسخها ولم يثبت النسخ. وقد ثبتت الإباحة بالإجماع ، فعلى من ادّعى الحظر والنسخ ، الدلالة. فإن ذكروا الأخبار التي رووها في أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حرّمها ونهى عنها ، فالجواب عن ذلك أنّ جميع ما يروونه من هذه الأخبار ـ إذا سلمت من الضعف والمطاعن ـ أخبار آحاد. وقد بيّنت أنّها لا توجب علماً ولا عملاً في الشريعة ، ولا يرجع بمثلها عمّا علم وقطع عليه.
أيضاً قوله تعالى بعد ذكر المحرّمات من النساء : (وَأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيَما تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن

بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) (1) ولفظة (اسْتَمْتَعْتُمْ) لا تعدو وجهين : إمّا أن يراد بها الانتفاع والالتذاذ الذي هو أصل موضوع اللفظة ، أو العقد المؤجّل المخصوص الذي اقتضاه عرف الشرع.
ولا يجوز أن يكون المراد هو الوجه الأوّل. لأمرين :
أحدهما : إنّه لا خلاف بين محصّلي من تكلّم في أصول الفقه في أنّ لفظ القرآن إذا ورد وهو محتمل لأمرين أحدهما وضع اللغة والآخر عرف الشريعة ، فإنّه يجب حمله على عرف الشريعة. ولهذا حملوا كلّهم لفظ صلاة وزكاة وصيام وحجّ على العرف الشرعي دون الوضع اللغوي. وأيضاً فقد سبق أنّ القول بإباحة ذلك جماعة معروفة الأقوال من الصحابة والتابعين كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وابن عباس ومناظراته لابن الزبير معروفة رواها للناس كلّهم ، ونظم الشعراء فيها الأشعار فقال بعضهم :

أقـول للشيخ لمـا طـال مجلسه
 

 

يا شيخ هل لك في فتوى ابن عبّاس
 

وعبد الله بن مسعود ، ومجاهد ، وعطاء ، وجابر بن عبدالله الأنصاري ، وسلمة بن الأكوع ، وأبي سعيد الخدري ، والمغيرة بن شعبة ، وسعيد بن جبير ، وابن جريج. وقد ذكر العلاّمة الأخباري أبو جعفر محمّـد بن حبيب المتوفّى 245 هـ في كتابه المحبر جملة من الصحابة الذين أباحوا المتعة : خالد بن عبدالله الأنصاري ، وزيد بن ثابت الأنصاري ، وعمران الحصين الخزاعي ، وسلمة بن الأكوع الأسلمي ، وعبـد الله ابن العبّاس بن
__________________
(1) سورة النساء 4 : 24.

عبـد المطلب رضي‌الله‌عنه ، وابن جريج ، وأنّهم كانوا يفتون بها. فادّعاء الخصم الاتفاق على حظر النكاح المؤجّل باطل» (1).
4 ـ علاء الدين أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي المجد الحلبي (من أعلام القرن السادس الهجري) وكتابه إشارة السبق إلى معرفة الحقّ وهو كتاب في أصول الدين وفروعه إلى الأمر بالمعروف ، فقد جمع في هذا الكتاب العقائد والأحكام. وقد طبع الكتاب ضمن الجوامع الفقهية طبعة حجرية سنة 1276 للهجرة ـ ثمّ طبع لاحقاً بشكل منفصل ـ ويضمّ الكتاب مجموعة من المعارف المبسوطة في أصول الدين ، ومجموعة من الأحكام الشرعية المختصرة في الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحجّ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويشعر المرء بعد التدقيق بالكتاب أنّ مؤلّفه قصد تصميمه على هذا الشكل أي الانتهاء لحدّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
7 ـ مدرسة القرن السابع الهجري
وأهمّ فقهائها : المحقّق الحلّي صاحب كتاب الشرائع.
1 ـ المحقّق الحلّي : أبو القاسم جعفر بن حسن بن بحر بن سعيد (ت 676 هـ). وكتابه الفقهي شرائع الإسلام في مجلّدين ، وكتاب النافع ، والمعتبر في شرح المختصر ، ونكت النهاية.
وكتاب شرائع الإسلام نظّم الأبواب الفقهية تنظيماً جديداً ، وأخذ به فقهاء الإمامية حتّى اليوم. فقد قُسّمت الابواب الفقهية إلى أربعة أقسام :
__________________
(1) السرائر : 612.

الأوّل : العبادات. الثاني : العقود. الثالث : الإيقاعات. الرابع : الأحكام.
ويبرّر المصنّف هذا النمط من التقسيم ، بالصورة التالية : إنّ الحكم الشرعي إمّا أن يتقوّم بقصد القربة أو لا. والأوّل : العبادات. والثاني : أمّا أن يحتاج إلى اللفظ من الجانبين : الموجب والقابل ، أو من جانب واحد ، أو لا يحتاج إلى اللفظ. فالأوّل : العقود. والثاني : الإيقاعات. والثالث : الأحكام. وهذا التقسيم يجمع كلّ أبواب الفقه.
2 ـ الشيخ ابن ميثم البحراني (ت 679 هـ) ، وله كتاب مصباح السالكين.
3 ـ الشيخ يحيى بن سعيد الحلّي (ت 690 هـ) وله كتاب الجامع للشرائع.
8 ـ مدرسة القرن الثامن الهجري
وتميّز هذا القرن بالتنظيم العلمي للأفكار الفقهية على شكل قواعد وأبواب ، ومن أبرز الفقهاء في هذه المرحلة : العلاّمة الحلّي ، وفخر المحقّقين ، والشهيد الأوّل.
1 ـ العلاّمة الحلّي : الحسن بن يوسف بن علي بن مطهّر (ت 726 هـ). وكتبه في الفقه : تذكرة الفقهاء ، والقواعد ، ومنتهى المطلب في تحقيق المذهب ، والمختلف.
وكتاب تذكرة الفقهاء من أضخم كتب الإمامية في الفقه الاستدلالي المقارَن ، يبدأ من الطهارة وحتّى كتاب النكاح. يقول في المقدّمة : «قد عزمنا في هذا الكتاب الموسوم بتذكرة الفقهاء على تلخيص فتاوى العلماء ، وذكر قواعد الفقهاء على أحقّ الطرائق ، وأوثقها برهاناً ، وأصدق الأقاويل

وأوضحها ... وأشرنا في كلّ مسألة إلى الخلاف ، واعتمدنا في المحاكمة بينهم طريق الإنصاف» (1). ورتّب الكتاب على أربع قواعد ، ذكر في الأولى قضايا العبادات. ووضع تحتها عناوين الطهارة ، والصلاة ، والزكاة ، والخمس ، والصوم ، والحجّ والعمرة. ثمّ ذكر بقية القواعد في العقود ، والإيقاعات ، والأحكام.
أمّا كتاب المختلف فقد بحث فيه المسائل الخلافية بين فقهاء الشيعة بصورة مستقلّة. فقد كثر الاختلاف العلمي بين فقهاء الإمامية نتيجة ابتعادهم عن عصر النصوص ، وتفاوتهم في الإيمان بسلامة بعض الروايات من حيث السند والدلالة. فكان لا بدّ للفقيه من الإلمام بمختلف وجوه الرأي في المسألة الواحدة من أجل استنباط حكمها الشرعي. فكان كتاب المختلف من المحاولات الرائدة في جمع المسائل المختلف فيها بين علماء الإمامية.
2 ـ فخر المحقّقين : محمّـد بن الحسن الحلّي (ت 771 هـ) ابن العلاّمة الحلّي (ت 726 هـ). وكتابه الفقهي إيضاح الفوائد في شرح اشكالات القواعد.
3 ـ الشهيد الأوّل : محمّـد بن مكّي العاملي (ت 786 هـ) وكتبه الفقهية : اللمعة الدمشقية ، والدروس الشرعية في فقه الإمامية ، والذكرى ، والبيان.
واللمعة الدمشقية رسالة فقهية ملخّصة ، جمع فيها المصنّف أبواب الفقه ولخّص فيها مسائله وأحكامه. وقد جمعت اللمعة بين الوجازة
__________________
(1) تذكرة الفقهاء 1 / 4.

والاختصار ، وحسن التعبير ، وروعة التنسيق بين الأبواب والأحكام والمسائل. وتتميّز اللمعة الدمشقية بميزتين :
الأولى : التنظيم الفنّي للمسائل الفقهية.
الثانية : الصياغة الرائعة للتعبيرات الفقهية.
وقد اتّبع الشهيد الأوّل في منهج اللمعة الدمشقية أسلوب المحقّق الحلّي في تنظيم الأبواب الفقهية الذي استخدمه في المختصر النافع. وكان منهج المصنّف مرتّباً بصورة موضوعية. فهو يعرض الأحكام العامّة في الباب الفقهي ، ثمّ يعرض ما يتبعه من ملحقات ، ثمّ يتبعها بعرض المسائل المرتبطة بتلك الأحكام ، ثمّ يعرض المستحبّات والمكروهات الخاصّة بالباب.
ولكتاب اللمعة الدمشقية شروح عديدة ، أهمّها : الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني ، ومنها : شرح العالمة الأصفهانية ابنة المولى الأصفهاني المعاصرة لصاحب الرياض ، ومنها : شرح والد صاحب الحدائق (1).
أمّا كتاب الدروس الشرعية في فقه الإمامية فهو كتاب فقهي من الطهارة وحتّى الرهون ، لم يكمله المصنّف في حياته. وأهمّ الشروح عليه : مشارق الشموس في شرح الدروس. وكتاب الدروس من الكتب الفقهية الشاملة لكثير من الفروع التي يحتاجها المكلّف زمن المصنّف. ويعدُّ كتاباً مختصراً لكتابه الاستدلالي المفصّل ذكرى الشيعة. وقد حال استشهاده بينه وبين اتمامه. فقام السيّد جعفر بن أحمد الملحوس الحسيني الحلّي
__________________
(1) الروضة البهية 1 / 111.

بتكملته ، فكتب تكملة الدروس وهو من الضمان إلى الديّات.
وقد حوى الجزء الأوّل من الدروس على (126) درساً في الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والخمس والحجّ. وقد طغى على الكتاب الطابع الفتوائي الذي ينعكس في عبارات الفقهاء مثل : الأقوى ، والأجود ، والأظهر ، والأشبه ، والأقرب ونحوها. فيقول مثلاً : في التيمّم : «لا يعيد المتيمّم لزحام عرفة أو الجمعة أو مع نجاسة ثوبه على الأقوى» (1). وفي تغسيل أحد الزوجين للآخر : «والأظهر أنّه من وراء الثياب» (2). وفي صلاة الميّت : «الأجود ترك ما لا يترك في ذات الركوع والإبطال بما يبطل به خلا ما يتعلق بالحدث والخبث» (3).
أمّا كتاب ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة فقد خرج منه الطهارة والصلاة فقط (4).
بينما ضمَّ كتاب القواعد والفوائد ما يقرب من (300) قاعدة فقهية وفوائد وتنبيهات (5).
9 ـ مدرسة القرن التاسع الهجري
ومن أبرز فقهائها : المقداد السيوري ، وابن فهد الحلّي.
1 ـ الفاضل المقداد بن عبـد الله السيوري (ت 826 هـ). وكتابه الفقهي : نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية. وله كتب أخرى مثل :
__________________
(1) الدروس : 20.
(2) الدروس : 9.
(3) الدروس : 61.
(4) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 10 / 40 رقم 221.
(5) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 6 / 173 رقم 943.

كنـز العرفان في فقه القرآن ، والتنقيح الرائع في شرح المختصر النافع.
وكتاب نضد القواعد الفقهية يشتمل على ترتيب كتاب القواعد والفوائد للشهيد الأوّل محمّـد بن مكّي العاملي (ت 786 هـ). فهو يرتّب أبواب الفقه والأصول ضمن ضوابط أصولية كليّة وفرعية تستنبط منها الأحكام الشرعية. يقول في سبب التأليف : «... كان شيخنا الشهيد الأوّل قدس‌سره قد جمع كتاباً يشتمل على قواعد وفوائد في الفقه تأنيساً للطلبة بكيفية استخراج المعقول من المنقول وتدريباً لهم في اقتناص الفروع من الأصول ، لكنّه غير مرتّب ترتيباً يحصله كلّ طالب وينتهز فرصة كلّ راغب ، فصرفتُ عنان العزم إلى ترتيبه وتهذيبه وتقريبه ...» (1).
ويحتوي الكتاب على مقدّمة حول أغراض الأحكام الشرعية ومطلبين «اسماها قطبين» الأوّل : في القواعد العامّة وما يتفرّع عليها ، وهي ضوابط أصولية كلّية. والثاني : في العبادات وغيرها من أبواب الفقه ، وهي مصاديق جزئية في المسائل الفقهية.
2 ـ ابن فهد الحلي جمال السالكين أبو العبّاس أحمد (ت 841 هـ). وكتابه الفقهي المهذّب البارع في شرح المختصر النافع.
10 ـ مدرسة القرن العاشر الهجري
ومن أبرز فقهاء هذه المدرسة : المحقّق الكركي ، والشهيد الثاني ، والمقدّس الأردبيلي.
1 ـ المحقّق الكركي : الشيخ علي بن عبـد العالي المعروف بالمحقّق
__________________
(1) نضد القواعد الفقهية : 4.

الثاني (ت 945 هـ) ، وكتابه الفقهي جامع المقاصد في شرح القواعد. وهو كتاب فقهي استدلالي مبسوط ، يشرح فيه كتاب قواعد الأحكام للعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ). ويتعرّض المصنّف فيه إلى شرح كلام العلاّمة قدس‌سره في القواعد مستعرضاً آراء الفقهاء في مختلف المسائل ويناقشها مناقشة استدلالية. ويحتوي الكتاب على كتب فرعية هي : الطهارة ، والصلاة ... حتّى كتاب النكاح ولكن لم يكمله. فقام المحقّق الهندي (ت 1137 هـ) بإتمامه في كتاب كشف اللثام.
2 ـ الشهيد الثاني : زين الدين الجبعي العاملي (ت 965 هـ) ، له كتب : الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ، ومسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام ، وروض الجنان في شرح إرشاد الأذهان ، وتمهيد القواعد الأصولية والعربية ، والعديد من الحواشي والشروح.
الروضة البهية :
والروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية هي شرح مزجي استدلالي مختصر كتاب اللمعة الدمشقية ، وتتميّز بالاختصار والشمول والاستيعاب.
ومنهجية الكتاب تسير على طريق استخدام قوّة التعبير ، والاشارة إلى الدليل ، وعرض الآراء الفقهية المهمّة ؛ ثمّ نقد آراء الشهيد الأوّل ـ مصنّف المتن ـ وإظهار رأي الشارح. وقد ذكر الشيخ آغا بزرك الطهراني ما يقرب من تسعين حاشية وشرح عليه (1).
يقول في مقدّمة الكتاب شارحاً منهجه : «هذه تعليقةٌ لطيفةٌ ، وفوائد
__________________
(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 11 / 290 رقم 1757 ، 6 / 90 ـ 98 ، 13 / 292 ـ 296.

خفيفة اضفتها إلى المختصر الشريف والمؤلَّف المنيف المشتمل على أمّهات المطالب الشرعية الموسوم بـ : اللمعة الدمشقية .... جعلتها جاريةً له مجرى الشرح الفاتح لمغلقه ، والمقيِّد لمطلقه ، والمتمّم لفوائده ، والمهذِّب لقواعده ، ينتفع به المبتدي ويستمدُّ منه المتوسّط والمنتهي ...» (1).
ومن المفيد أن نعرض نموذجاً بقلمه :
يقول المصنّف في شرحه على وجوب التيمّم بالتراب الطاهر والحجر : «[يجب] التيمّم [بالتراب الطاهر والحجر] ؛ لأنّه من جملة الأرض إجماعاً ، والصعيد المأمور به هو وجهها ؛ ولأنّه ترابٌ اكتسبَ رطوبةً لزجةً وعملت فيه الحرارةُ فأفادته استمساكاً. ولا فرق بين أنواعه من رُخام وبِرام (2) وغيرهما ، خلافاً للشيخ [الطوسي] حيث اشترط في جواز استعماله فَقْدَ التراب. أمّا المنع منه مطلقاً (3) فلا قائل به. ومن جوازه بالحجر يُستفاد جوازه بالخزف بطريق أولى ، لعدم خروجه بالطبخ عن اسم الأرض وإن خرج عن اسم التراب. كما لم يخرج الحجر مع أنّه أقوى استمساكاً منه ، خلافاً للمحقّق في المعتبر محتجّاً بخروجه مع اعترافه بجواز السجود عليه. وما يخرج عنها بالاستحالة يمنع من السجود عليه ، وإن كانت دائرة السجود أوسع بالنسبة إلى غيرها» (4).
ونستلهم من هذا النصّ طبيعة المنهج العلمي الذي استخدمه الشهيد
__________________
(1) الروضة البهية في شرح اللمعة 1 / 215.
(2) بِرام : نوع من الحجر تصنع منه الآلات الحجرية.
(3) أي بوجود التراب او بعدم وجوده.
(4) الروضة البهية في شرح اللمعة 1 / 450.

الثاني قدس‌سره في الكتابة :
أوّلاً : الاستدلال بالنص ، والعقل ، والإجماع على جواز التيمّم بالحجر. فقد استدلّ بالإجماع على أنّه من جملة الأرض ، وبالعقل على أنّه تراب اكتسب رطوبة لزجة وعملت فيه الحرارة فأفادته استمساكاً ، وبالنصّ على أنّ الصعيد في قوله تعالى : (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) (142) هو وجه الأرض.
ثانياً : التعدّي عن مورد النصّ من جواز التيمّم بالحجر إلى جواز التيمّم بالخزف ؛ لعدم خروج الخزف بالطبخ عن اسم الأرض وإن خرج عن اسم التراب.
ثالثاً : ناقش رأي المحقّق الحلّي قدس‌سره الذي يقول بخروج الخزف من الأرض وعدم صدقها عليه بسبب الطبخ. فتسائل المصنّف : كيف يُخرج المحقّق الخزف من عنوان الأرض ، في الوقت الذي يجوّز فيه السجود على الأرض؟ فإنّ ما يخرج عن الأرض بالاستحالة يمنع من السجود عليه!
بقية أعمال الشهيد الثاني :
ومسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام شرح مزجي لكتاب شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي. وكان منهجه الاختصار في الشرح في أوائل الكتاب ، لكنّه استدرك وبدّل منهج الاختصار وبدأ بالإطناب. فأخذ الكتاب في التوسّع حتّى أصبح كتاباً ضخماً في مجلّدين بالطبعة الحجرية.
وكتاب روضة الجنان في شرح إرشاد الأذهان وهو شرح مزجي
__________________
(1) سورة النساء 4 : 43.

استدلالي خرج منه مجلّد في الطهارة والصلاة. طبع مع كتاب منية المريد للمصنّف في إيران سنة 1307 هـ.
وكتاب تمهيد القواعد الأصولية والعربية يشتمل على قسمين. الأوّل : يتضمّن مائة قاعدة أصولية وما يتفرّع عليها من أحكام. والثاني : مائة قاعدة من القواعد العربية ، ويليهما فهرس مبسوط لتسهيل استخراج مطالب الكتاب. طبع مع كتاب الذكرى سنة 1272 هـ في إيران (1).
ومنهج الشهيد الثاني هو شرح المتون والتعليق عليها بكتابة الحواشي. كما لاحظنا ذلك في شرح اللمعة الدمشقية ، وشرح شرائع الإسلام ، وشرح إرشاد الأذهان. وينطبق الأمر أيضاً على الحواشي التي كتبها على كتب : قواعد الأحكام ، والشرائع ، والإرشاد.
3 ـ المقدّس الأردبيلي : أحمد بن محمّـد (ت 993 هـ) ، له كتاب مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان ، وزبدة البيان في أحكام القرآن.
مجمع الفائدة والبرهان :
وكتاب مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان هو شرح استدلالي معمّق لكتاب إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان للعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ). ويتضمّن أغلب أبواب الفقه عدا بعض الأبواب التي فقدت بتلف الصحف التي دوّنت عليها ، كأبواب النكاح والطلاق والعتق والعطايا والوصايا.
__________________
(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 4 / 433 رقم 1923.

ففي كتاب «الطهارة» ، نعرض جانباً من منهجه الاستدلالي. يقول في شرحه للمطهّرات : «ومن المطهّرات : الاستحالة (بصيرورة) الخمر خلاًّ عند القائلين بنجاستها إذا كانت بنفسها ، أو بالعلاج بنحو الخلّ القليل.
الدليل الأوّل : إجماع المسلمين. والثاني : إجماعنا ، قاله في المنتهى ، والأخبار الصحيحة مثل خبر عبـد العزيز بن المهتدي قال : كتبتُ إلى الرضا عليه‌السلام : جعلتُ فداك العصير يصيرُ خمراً فيصبُّ عليه الخلّ وشيء يُغيّره حتّى يصيرَ خلاًّ. قال : لا بأس (1).
والاجتناب عن الأخير (2) أفضل للخبر الصحيح الدالّ على المنع حينئذ ، وحمل على الاستحباب للجمع.
قال في المنتهى : يستحبّ تركه لينقلب من نفسه ، كما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي بصير عن أبي عبـد الله عليه‌السلام سئل عن الخمر يجعل فيها الخَلّ فقال : لا ، إلاّ ما جاء من قبل نفسه (3). واعلم أنّه لا إشعار في هذه الأخبار على الطهارة والنجاسة ، بل على الحلّ فقط.
(وبالنار) (4) اذا صار رماداً أو دخاناً و (قيل) أو فحماً (وقيل) بل خزفاً. وما وجدتُ عليها دليلاً إلاّ الخروج عن اسم ما كان نجساً ، مثلاً الأرض والطين كانا نجسين فإذا صارا رماداً مثلاً فليسا بأرض ولا طين. ونقلوا خبراً ما أفهمه.
وقال في المنتهى في طهارة الرماد : والأقرب أن يقال ، بعد ردّ الخبر :
__________________
(1) الوسائل : باب 31 ، ح 8 من ابواب الاشربة المحرمة.
(2) أي ما صار خلاً لعلاج.
(3) الوسائل : باب 31 ح 7 من أبواب الاشربة والاطعمة.
(4) عطف على قوله : بصيرورة الخل خمراً.

النار أقوى إحالة من الماء وكان الماء مطهّراً فالنار أولى. ولأنّ الناس بأسرهم لم يحكموا بنجاسة الرماد ، إذ لا يتوقون منه ولو كان نجساً لتوقّوا منه قطعاً انتهى.
وفيه تأمّل ؛ لأنّا لا نسلّم كون النجاسة للإسم وهو ظاهر فيما إذا تنجّس. والمصنّف في المنتهى منع من طهارة الكلب والخنزير بانقلابهما ملحاً» (1).
وأُسلوبه الاستدلالي قدس‌سره كما ترى يتلخّص بعرض الحكم الشرعي ثمّ يلحقه بالدليل من آية او رواية صحيحة ، ثمّ يناقش آراء الفقهاء وسند الروايات التي استدلّوا بها.
زبدة البيان :
وكتاب زبدة البيان في أحكام القرآن يتضمّن تفسيراً لآيات الأحكام يبدؤه بالطهارة وينهيها بكتاب القضاء والشهادات.
يقول في مقدّمة الكتاب ناقلاً كلام الشيخ الطبرسي في تفسيره ، عارضاً الرأي المشهور بأنّه لا يجوز تفسير القرآن بغير نصّ وأثر : «التفسير معناه كشف المراد عن اللفظ المشكل ، والتأويل ردّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الآخر. وقيل التفسير كشف المغطّى ، والتأويل انتهاء الشيء ومصيره ، وما يؤول إليه أمره ، وهما قريبان من الأوّلين. فالمعنى من فسّر وبيّن وجزم وقطع بأنّ المراد من اللفظ المشكل ـ مثل المجمل والمتشابه ـ كذا ، بأن يحمل المشترك اللفظي مثلاً على أحد المعاني من غير مرجّح فقد
__________________
(1) مجمع الفائدة والبرهان 1 / 354.

أخطأ ...» (1).
وبكلمة ، فقد أخرج من كتابه التفسير الممنوع وهو التفسير بغير نصّ ، أي التفسير الذي يريده المفسّر من غير دليل. بل بمجرّد رأيه وميله واستحسانه. وهذا المنهج العلمي في تفسير آيات الأحكام طغى على الكتاب.
وقال في معرض عرضه لآية : (لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ... لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (2) ، «فيه إشارة إلى سبب جواز الأكل مع عدم جواز التصرّف في مال الغير بغير إذنه عقلاً ونقلاً ، وهو حصول الرضا بقرينة الأبوّة وغيرها. وهذا المقدار قد يفيد علماً بالرضا وذلك كاف مع أنّه قد يقال يكفي الظنّ بل لا يحتاج إليه ، فإنّ الله قد جوّزه وهو السبب فتأمّل.
وقال في مجمع البيان : «هذه الرخصة في أكل مال القرابات ، وهم لا يعلمون ذلك كالرخصة لمن دخل حائطاً [أي بستاناً] وهو جائع أن يصيب من ثمره ، أو مرَّ في سفر بغنم وهو عطشان أن يشرب من لبنه توسعة منه على عباده ولطفاً لهم ورغبة لهم عن دناءة الأخلاق وضيق العيش.
وقال الجبائي : إنّ الآية منسوخة بقوله تعالى : (لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) (3) ، وبقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يحلّ مال امرىء مسلم الاّ بطيب نفس منه.
والمروي عن أئمّة الهدى عليهم‌السلام أنّهم قالوا : لا بأس بالأكل لهؤلاء من
__________________
(1) زبدة البيان في أحكام القرآن : 2.
(2) سورة النور 24 : 61.
(3) سورة الأحزاب 33 : 53.

بيوت من ذكره الله تعالى بغير إذنهم قدر حاجتهم من غير إسراف (1).
وأنت تعلم أنّ حصول الرخصة لمن دخل حائطاً أيضاً محلُّ التأمّل. وما جوّزه بعض الأصحاب ومن جوّزه ما قيّده بالجائع ولا بالحائط بل قال : للمارّ على الغلّة وغيرها أن يأكل منها. وإنّي ما رأيت جواز اللبن ، وأنّه لا منافاة بين الآيتين حتّى يكون ما هنا منسوخة وهو ظاهر. وعدم صلاحية الخبر للناسخية أظهر. وإنّ المروي عنهم : متبع وإن كان قدر الحاجة الذي في ما روي عنهم غير ظاهر من الآية بل ظاهرها دالٌ على عدمه. نعم لا بدّ من عدم الإسراف والتضييع ...» (2).
وكانت منهجيته (رضوان الله عليه) هي :
أوّلاً : تفسير الآيات الخاصّة بالأحكام الشرعية بالاستناد إلى الدليل الشرعي من سنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وامتدادها بأهل البيت عليهم‌السلام.
ثانياً : مناقشة آراء الفقهاء والمفسرين ونقدها نقداً علمياً كما فعل مع الشيخ الطبرسي ، والجبائي في جواز شرب اللبن والنسخ ونحوها.
ثالثاً : عرض رأيه الذي يتبنّاه استناداً على الدليل الشرعي.

11 ـ مدرسة القرن الحادي عشر الهجري
ومن أبرز فقهاء تلك المدرسة : الشيخ البهائي ، والمحقّق السبزواري ، والفيض الكاشاني ، والمحقّق الخونساري.
1 ـ الشيخ البهائي : محمّد بن حسين بن عبد الصمد (ت 1030 هـ) ، وكتبه الفقهية : الجامع العباسي رسالة عملية باللغة الفارسية ، كتبها إلى الشاه عبّاس الصفوي.
والاثنا عشريّات الخمس في الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحجّ ، مرتّب على عشرين باباً ، خرج منه خمسة أبواب في العبادات إلى آخر الحجّ فأدركه الأجل ، ثمّ تمّمه بعده تلميذه نظام الدين الساوجي.
وله حاشية على القواعد الشهيدية ، أوّلها : «اللّهمّ إنّا نحمدك بلسان الحال والمقال ، ونشكرك على ترادف الأنعام والأفضال ، ونستكفيك على

رفع جلباب الغموض والإجمال ، عن القواعد الشهيدية التي هي محكّ فحول الرجال». عناوينه : (قوله ، قوله) ، طبع بعضها على حواشي القواعد المطبوع سنة 1308 هـ(1).
وله أيضاً حاشية على كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ، في ثلاثة أجزاء ، لم يسعده التوفيق في إكماله ، بل وصل إلى مرحلة في كتاب الطهارة.
وله كتاب حرمة ذبائح أهل الكتاب ، وقد تطرّق إلى أقوال علماء الإمامية حتّى الشهيد الأوّل محمّد بن مكّي ؛ ثمّ ردّ فقهاء المذاهب الأُخرى التي قالت بالحلّية.
فقال : «والجواب عمّا احتجّوا به [أي فقهاء المذاهب] عن أصالة الحلّ فبأنّ الأصل إنّما يتمسّك به إذا بقي على حاله ولم يرتفع حكمه بشيء من الدلائل ، وقد قدّمنا دلالة الآية الكريمة وأحاديث أهل البيت على ما قلناه.
وأمّا عمّا هو عمدتهم ، وهو الاستدلال بآية : (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ)(2) ، فيه أنّه لا ريب أنّ ظاهرها ينافي ظاهر آية : (وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ)(3) ، ولكن رفع التنافي بينهما ليس منحصراً في ما ذكرتم ليتمّ كلامكم ؛ فإنّ رفعه بتخصيص الطعام فيها بما عدا اللحوم أولى وأحسن من حملكم وتأويلكم البعيد ، وتخصيص الطعام بالبرّ والتمر ونحوهما شائع ، وفي حديث أبي سعيد الخدري : «كنّا نخرج صدقة
__________________
(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 6 / 173 رقم 940.
(2) سورة المائدة 5 : 5.
(3) سورة الانعام 6 : 121.

الفطرة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير»(1).
قال ابن الأثير في النهاية : «قيل المراد به البرّ ، وقيل التمر ، وهو أشبه ؛ لأنّ البرّ كان عندهم قليلاً ولا يتّسع لإخراج زكاة الفطرة(2)» ... وقد روى أصحابنا عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام أنّ المراد بالطعام في هذه الآية الحبوب وما شابهها ... (3).
2 ـ المحقّق السبزواري : ملاّ محمّد باقر (ت 1090 هـ) وكتاباه الفقهيّان : الذخيرة ، والكفاية.
3 ـ الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) وكتابه الحديثي الفقهي : الوافي.
الوافي :
يصف الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) كتابه الوافي بهذه العبارات : «هذا كتاب واف في فنون علوم الدين ، يحتوي على جملة ما ورد منها في القرآن المبيّن ، وجميع ما تضمّنته أُصولنا الأربعة التي عليها المدار في هذه الأعصار ، أعني : الكافي ، والفقيه ، والتهذيب ، والاستبصار من أحاديث الأئمّة الأطهار سلام الله عليهم. حداني إلى تأليفه ما رأيت من قصور كلّ من الكتب الأربعة عن الكفاية ، وعدم وفائه بمهمّات الأخبار الواردة للهداية ، وتعسّر الرجوع ؛ إلى المجموع لاختلاف أبوابها في العنوانات ، وتباينها في مواضيع الروايات ، وطولها المنبعث في المكرّرات»(4).
__________________
(1) سنن النسائي 5 / 51 ، باب التمر في زكاة الفطر.
(2) النهاية ـ لابن الاثير ـ 3 / 127.
(3) حرمة ذبائح أهل الكتاب : 69 ـ 70.
(4) الوافي ـ للفيض الكاشاني ـ : 6.

وبعد أن يعرض أهدافه في تصنيف هذا الكتاب ، يتعرّض إلى موارد النقص في الكتب الأربعة :
أ ـ فـ : الكافي في رأيه ـ وإن كان أشرفها وأوثقها وأتمُّها وأجمعها ؛ لاشتماله على الأصول ـ إلاّ أنّه أهمل كثيراً من الأحكام ولم يأتِ بأبوابها ، وربّما اقتصر على أحد طرفي الخلاف من الأخبار ، ولم يشرح المُبهمات والمشكلات ، ولم يحسن ترتيب الكتب والأبواب والروايات.
ب ـ ومن لا يحضره الفقيه خال من الأُصول وفيه قصور عن كثير من الأبواب والفصول ، وربّما يشبه الحديث فيه بكلامه ، ويختلط كلام المصنّف بذيل الحديث ، وربّما يرسل الحديث إرسالاً ويهمل الإسناد.
ج ـ والتهذيب ـ وإن كان جامعاً للأحكام ـ إلاّ أنّه كسابقه خال من الأُصول ، ويشتمل على تأويلات بعيدة ، ويفرّق لما ينبغي أن يجمع ، ويجمع لما ينبغي أن يفرّق ، ووضع كثير من الأخبار في غير مواضعها ، مع قصور في العناوين ، وتكرار للمطالب والروايات.
د ـ والاستبصار ـ الذي هو بضعة من التهذيب ـ يقتصر على الأخبار المختلفة ، جمع بينها المصنّف بالقريب والغريب.
وبكلمة ، فإنّ الفيض الكاشاني استشعر بأنّ الكتب الحديثية الأربعة لم يكن لها نظام واحد تامّ يجمع الأُصول والأحكام ؛ بسبب اختلاف أزمان المصنّفين الثلاثة أعلى الله مقامهم ، واختلاف آرائهم وطريقة جمعهم. فقام بتصنيف الوافي على ضوء المنهج التالي :
1 ـ جمع الروايات جمعاً منظّماً ، حسبما أوحاه له علمه بذلك ، وحذف المكرّر منها.
2 ـ أرجع جميع الروايات التي جاءت في الكتب الأربعة إلى

أسانيدها ، حسبما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
3 ـ شرح الروايات الغامضة التي كانت بحاجة إلى شرح وبيان مختصر.
وليس في كلام المصنّف قدس‌سره من توهين بحجّية الكتب الأربعة ، بل قد يستفاد من كلامه العكس ، فقد كان يؤمن ـ بسبب عقيدته الأخبارية ـ بقطعية الأخبار الواردة في تلك الكتب الحديثية ، ومنهجه في تنظيم الروايات وشرحها كان رائعاً ، ولنعرض نموذجاً في ذلك :
«(كا)(1) عليّ ، عن أبيه ، عن ابن المغيرة ، عن ابن مسكان ، عن محمّد بن الميسر ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ، ويريد أن يغتسل منه ، وليس معه إناء يغرف به ويداه قذرتان؟ قال : «يضع يده ويتوضّأ ، ثمّ يغتسل». هذا ممّا قال الله تعالى : (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(2).
(بيان)(3) : ويتوضّأ ، يعني : يغسل يده ، فإنّه كثيراً ما يجيء بهذا المعنى ، وإنّما تلا عليه‌السلام الآية ؛ لأنّ الماء الذي يستعمل في الطهارة من الحدث لا بدّ له من مزيد اختصاص في حالة الاختيار ، وأقلّه أن لا يلاقي شيئاً من النجاسات إن كان قليلاً ، ولا يكون آجناً متغيّر اللون والطعم بغير النجاسة ، ولا يكون مسخّناً بالشمس ، إلى غير ذلك كما يظهر من الأخبار الآتية.
فإذا اضطرّ الإنسان إلى استعمال غيره سقط اعتباره دفعاً للحرج ،
__________________
(1) هذا الرمز        يشير إلى أنّ الرواية مصدرها كتاب (الكافي) للشيخ الكليني.
(2) سورة الحج 22 : 78.
(3) شرح المصنف للرواية.

فيكفيه ما يجوز استعماله في غير ذلك من المياه ، وكذا إذا علم به بعد استعماله فإنّه يجزيه كما يأتي بيانه»(1).
4 ـ المحقّق الخوانساري : حسين ـ من فقهاء القرن الحادي عشر ـ وهو صهر المحقّق السبزواري ، كتابه الفقهي : مشارق الشموس في شرح الدروس ، وهو شرح لكتاب الدروس الشرعية للشهيد الأوّل.
12 ـ مدرسة القرن الثاني عشر الهجري
ومن أبرز فقهائها : الحرّ العاملي ، والفاضل الهندي ، والمحقّق البحراني.
1 ـ محمّد بن الحسن بن علي الحرّ العاملي (ت 1104 هـ) ، وكتابه : وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة.
استخرج مصنّفه الأحاديث الشريفة في الفروع الفقهية والآداب الشرعية من الكتب الأربعة ، وأضاف إليها أحاديث أُخرى من كتب الأصحاب ، تربو على مائة وثمانين كتاباً ، ووزّع الأحاديث حسب ترتيبها الفقهي من الطهارة إلى الديّات.
قال المصنّف في مقدّمته : «كتاب يطمئنّ الخاطر به ، وتركن النفس إليه ، ويصلح للوثوق به والاعتماد عليه ، ويكتفي به أرباب الفضل والكمال ، في الفقه والحديث والرجال ، كتاب كافل ببلوغ الأمل ، كاف في العلم والعمل ، يشتمل على أحاديث المسائل الشرعية ، ونصوص الأحكام الفرعية ، المروية في الكتب المعتمدة الصحيحة التي نصّ على صحّتها
__________________
(1) الوافي 4 / 5.

علماؤنا نصوصاً صريحة تكون مفزعاً لي في مسائل الشريعة ، ومرجعاً يهتدي به من شاء من الشيعة»(1).
وللحرّ العاملي كتاب : بداية الهداية ، وهو في الواجبات والمحرّمات المنصوصة من أوّل كتب الفقه إلى آخرها على سبيل الاختصار. وعبارات الكتاب ـ في أغلب الأحيان ـ عين ألفاظ الروايات ، وإن لم تنقل على نحو الروايات. وهذا الكتاب في الواقع هو مختصر لكتاب آخر هو : هداية الأُمّة إلى أحكام الأئمّة بحذف الأسانيد والمكرّرات. وقد حصر عدد الواجبات المنصوصة فكانت : ألف وخمسمائة وخمسة وثلاثين واجباً ، وعدد المحرّمات المنصوصة : ألف وأربعمائة وثمانية وأربعين محرّماً.
وقد أضاف الشيخ عبّاس بن محمّد رضا القمّي (ت 1359 هـ) إلى ذلك الجهد جهداً أضافياً ، فكتب : لبّ الوسائل إلى تحصيل المسائل ذكر فيه المستحبّات والمكروهات.
2 ـ الفاضل الهندي : الشيخ بهاء الدين الأصفهاني (ت 1137 هـ) ، وكتابه الفقهي : كشف اللثام.
3 ـ المحقّق يوسف البحراني (ت 1186 هـ) ، وكتابه الموسوعي : الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ، وهو موسوعة فقهية من الطهارة إلى الظهار ، حافلة بمهامّ المسائل ، طافحة بأمّهات الدلائل ، وجامعة للفروع والأحكام والأحاديث والأخبار. وقد انبرى لآراء الفقهاء وما فهموه من الروايات فناقشها. والقاعدة في الكتاب أنّ المصنّف كان يضمّ إلى كلِّ رأي أدلّته ، ويضيف إلى كلِّ قول مستنده وما يؤيّده ويدعمه ، ثمّ يحاول
__________________
(1) الوسائل 1 / مقدّمة.

نقاشها بما يستطيع أن يورد عليها من نقود ومؤاخذات ، فإن تمّ عنده الدليل ورأى الشبهة باطلة ردّها ، وأحكم الدليل واثبته ، واختار ما أدّى إليه اجتهاده.
ولم يتسنّ للمصنّف إكمال كتابة الموسوعة ، فقام ابن أخيه الشيخ حسين البحراني بتكملة المشروع ، بعنوان : عيون الحقائق الناظرة في تتميم الحدائق الناضرة : طبعت في النجف الاشرف سنة 1354 هـ. وهو يحتوي على تسعة من كتب الفقه ، وهي : الظهار ، الإيلاء ، اللعان ، العتق ، الإقرار ، الجعالة ، الإيمان ، النذر ، الكفّارات.
والحدائق الناضرة : يحتوي على اثني عشر مقدّمة في الأخبار ، ونقل الحديث ، والظروف التي واجهت الشيعة في ذلك ، وأصول الفقه ، ثمّ يبدأ بالطهارة ، وينتهي بكتاب الظهار ، كما ذكرنا. وعيون الحقائق الناظرة يبدأ بإتمام كتاب الظهار ، وينتهي بكتاب الكفّارات.
13 ـ مدرسة القرن الثالث عشر الهجري
وتعدّ هذه المدرسة من أغنى المدارس الشيعية في البحث العلمي ، واستقصاء الدليل ، وتفريع البحوث ، واعتماد الأُصول. ومن أبرز فقهائها : الوحيد البهبهاني ، والنراقي ، والمراغي ، والنجفي ، والأنصاري.
1 ـ الوحيد البهبهاني : محمّد باقر بن محمّد أكمل (ت 1206 هـ) من تلامذة السيّد صدر الدين الرضوي القمّي ، صاحب شرح الوافية.
تصدّى للحركة الأخبارية ودافع عن الاجتهاد ، وكتبه الفقهية أكثرها رسائل مختصرة أو حواشي مثل : رسالة في النكاح ، ورسالة في الصلاة والطهارة ، ورسالة في استحباب صلاة الجمعة ، ورسالة في التقية ، ورسالة

في الحيض وأحكامه ، ورسالة في المتاجر ، وحاشية على المسالك ، وحاشية على المدارك ، وحاشية على شرح الإرشاد ونحوها من الرسائل والحواشي ، ولم يؤثر عنه قدس‌سره أنّه كتب دورة فقهية كاملة.
2 ـ السيّد مهدي بحر العلوم (ت 1212 هـ) ، من تلامذة الوحيد البهبهاني ، بلغ في تهذيب النفس حدّاً كبيراً ، وله منظومة في الفقه.
3 ـ الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت 1228 هـ) ، وكتابه الفقهي : كشف الغطاء.
4 ـ أبو القاسم الجيلاني القمّي (ت 1231 هـ) ، وله كتاب : جامع الشتات ، يشتمل على مباحث فقهية من الطهارة وحتّى الديّات. وله كتاب : غنائم الأيّام ، وهو فقه استدلالي مفصّل في العبادات ، خرج منه كتاب الطهارة والصلاة والزكاة والخمس والصوم والاعتكاف والحجّ. وله رسائل في ، بيع الفضولي ، وبيع المعاطاة ، وفي إخراج المؤن من الزكاة ، والجزية ، والحجّ وغيرها.
5 ـ أحمد بن محمّد مهدي النراقي (ت 1245 هـ) ، وكتابه : مستند الشيعة في أحكام الشريعة في مجلّدين ضخمين على الطبعة الحجرية (ط 1325 هـ) ، من الطهارة وحتّى آخر الفرائض ، من الكتب الفقهية الاستدلالية المتميّزة بالدقّة وكثرة التفريعات ، حتّى ذُكر في مدحه ما لم يُذكر لسواه في تلك المرحلة ، فقيل فيه : «لا يعادله كتاب في الجامعية والتمامية ؛ لاشتماله على الأقوال ، مع الإحاطة بأوجز مقال من غير قيل وقال ، وارتجاله في الاستدلال ، وما به الإناطة بأخصر بيان ومثال من دون خلل وإخلال. فقد أجمل في الإيجاز والإعجاز ، وفصّل في الإجمال حقّ الامتياز. فهو بإجماله فصيل ، وفي تفصيله جميل ، سيّما في كتاب القضاء ، فقد اشتهر بين

الفضلاء أنّه لم يكتب مثله»(1).
يقول المصنّف في المقدّمة في بيان منهجيته العلمية في الكتاب : «هذا كتاب مستند الشيعة في أحكام الشريعة ، جعلته تذكرة لنفسي ، وذخيرة ليوم فاقتي وفقري ، مقتصراً فيه من المسائل على أهمّها ، ومن الدلائل على أتمّها ، وما اقتفيت فيه أثر أكثر من تقدّم علىّ من بيان المسائل غير المهمّة ، وإيراد الفروع الشاذّة النادرة. واحترزت عن الاشتغال بوجوه النقض والإبرام ، والإكثار فيما لا اعتناء بشأنه ولا اهتمام. وتركتُ فيه ذكر المؤيّدات الباردة ، وردّ القياسات الضعيفة الفاسدة ، بل أوردت فيه أمّهات المسائل الشرعية ، وأودعت فيه مهمّات الأحكام الفرعية. وذكرت عند كلِّ مسألة من المسائل ، ما ثبت عندي حجيّته من الدلائل ، ولم أتجشّم في المسائل الوفاقية غالباً لعدّ النصوص والأخبار ، وطلبت في كلِّ حال ما هو أقرب إلى الإيجاز والاختصار. وطويت عن ذكر المروي عنه في الأخبار ؛ لعدم حاجة إليه ولا افتقار.
ورمزتُ إلى فقهائنا الأطياب ، بما هو أقربُ إلى الأدب وأبعد من الإطناب ...»(2).
والمعروف عند الفقهاء ، أنّ كتاب المستند امتاز بتحليل أصل المسألة وتفريعها ومناقشتها إلى أن تثبت مشروعيّتها. ففي باب «النجاسات»(3) مثلاً فصّل في الفصل السابع حول «الكفّار» فقسّمهم إلى ثلاثة أقسام ، هم : غير الكتابي الذي لم ينتحل الإسلام ، والكتابيّون ، والمنتحلون للإسلام. ثمّ
__________________
(1) مستند الشيعة : المقدّمة.
(2) مستند الشيعة 1 / 3.
(3) مستند الشيعة 1 / 196.

استعرض بعد ذلك ما أجمع عليه فقهاء المذهب حول نجاستهم ، ثمّ حاول أخيراً الاستدلال على رأيه الفقهي حول الموضوع. فقال في مناقشة نجاسة النواصب ـ الذين ينتحلون الإسلام ولكنّهم يظهرون البغض لأهل البيت عليهم‌السلام ـ : «والمستفاد من كثير من العبارات بل المصرّح به في كلام جماعة(1) نجاسة المنكر لما يعلم ثبوته أو نفيه من الدين ضرورة. وهو مشكل ؛ لأنّا وإن قلنا بكفر ذلك ، ولكن لا دليل على نجاسة الكافر مطلقاً بحيث يشمل المقام. وشمول الإجماعات المنقولة لمثله غير معلوم. فإنّ ظاهر بعض كلماتهم أنّ مرادهم من الكفّار بالإطلاق غير فِرْق الإسلام. ألا ترى الفاضل قال في المنتهى ـ بعد دعوى الإجماع على نجاسة الكفّار ـ : حكم الناصب حكم الكفّار ؛ لأنّه ينكر ما يعلم من الدين ضرورة(2). وكذا تُشعر بذلك عبارة المعتبر(3) وغيره(4) أيضاً. ومع ذلك يعاضده عدم التبادر ، وتبادر الغير. ويؤكّد ذلك أنّ منهم من حكم بكفر المخالفين لإنكاره الضروري ، ومع ذلك قال بطهارتهم ، كالفاضل ، فإنّه صرّح في زكاة المنتهى(5) ، وشرح فصّ الياقوت(6) : بأنّ المخالفين لإنكارهم ضروريّ الدين كفرة ، ومع ذلك هم طاهرون عنده. ولذا قيل في ردّ استدلال من يقول بنجاسة المخالفين بكفرهم : إنّه على تقدير إطلاق الكفر عليهم حقيقة
__________________
(1) العلاّمة الحلّي في تحرير الأحكام 1 / 24.
(2) المنتهى 1 / 168.
(3) المعتبر 1 / 98.
(4) مجمع الفائدة والبرهان 1 / 283.
(5) المنتهى 1 / 522.
(6) لم نعثر على هذا الكتاب.

فلا دليل على النجاسة كلّية ، وإن هو إلاّ مصادرة محضة(1). فالطهارة هنا قوية ، للأصل. والقياس على غير المنتحل مردود. والآية(2) على فرض تماميّتها غير نافعة ؛ لعدم تحقّق الشرك مطلقاً ، وعدم ثبوت الإجماع المركّب»(3).
ويتميّز الكتاب أيضاً بمنهجية مبنائية ، فهو يستند على بعض المباني الفقهية والأُصولية التي آمن بها المصنّف ، منها : عدم اجتماع الأمر والنهي ، وعدم إفادة الجملة الخبرية للوجوب والتحريم ، وكون الشهرة الفتوائية جابرة أو كاسرة لسند الرواية ، وعدم جريان الاستصحاب في الحكم الكلّي ، وغيرها من المباني الأُصولية.
6 ـ السيّد مير عبد الفتاح الحسيني المراغي (ت 1250 هـ) ، وكتابه : العناوين.
ويحتوي على نيّف وتسعين عنواناً من القواعد الفقهية المتلّقاة عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، ونذكر من تلك العناوين بعض النماذج :
أ ـ أصالة الاشتراك في التكليف. ويعني أنّه إذا ثبت حكم لأحد المكلّفين بخطاب لفظي أو بغيره فالقاعدة تقتضي باشتراك سائر المكلّفين معه في ذلك الحكم.
ب ـ قاعدة الشكّ بعد الفراغ والتجاوز. وتشمل تلك القاعدة للشكّ الابتدائي في أجزاء العمل بعد الفراغ من جزء والدخول في جزء آخر مترتّب عليه شرعاً مستقلّ في الاسم.
__________________
(1) الرياض 1 / 85.
(2) قوله تعالى : (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) سورة المائدة 5 : 5.
(3) المستند 1 / 204.

ج ـ أصالة عدم تداخل الأسباب. ويراد بتداخل الأسباب : اشتراكها في التأثير في مسبّب واحد. فمثلاً لو اجتمعت أسباب الوضوء ـ من نوم وبول وريح التي يؤثّر كلٌّ منها في وجوب الوضوء ـ كان مقتضى تداخلها وضوءات ثلاثة. ومعنى عدم تداخلها اجتماعها في وضوء واحد ، بمعنى كون هذا الوضوء الواحد مقتضى كلّ واحد من الأسباب(1).
ونلمس من كتاب العناوين طريقة فقهاء الشيعة في تأسيس الضوابط الفقهية على نهج الأدلّة الشرعية والعقلية ، ومحاولاتهم الهادفة إلى بناء القواعد الفقهية ، من أجل تيسير الاستدلال الشرعي لقضايا الاستنباط.
7 ـ الشيخ محمّد حسن النجفي (ت 1266 هـ) ، وموسوعته الفقهية الجليلة : جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام ، وهو شرح استدلالي على شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي.
وتتّصف تلك الدورة الفقهية بالموسوعية والشمولية ، والدقّة الفائقة في نقل أقوال فقهاء الطائفة ، وتمحيصها ، والردّ عليها ردّاً علميّاً.
فمن ميزات منهجيّتها :
1 ـ محاولة المصنّف الإحاطة بجميع الأبواب الفقهية المعهودة من الطهارة وحتّى الديّات.
2 ـ السعة والإحاطة بأقوال الفقهاء وأدلّتهم ، مع مناقشتها مناقشة استدلالية معمّقة.
3 ـ الأُسلوب الأدبي والنسق اللغوي العلمي الذي انتهجه المصنّف ، إنّما انتهجه لجميع الموسوعة في أعدادها الـ (43) مجلّداً.
__________________
(1) العناوين : 20 ، 152 ، 231.

4 ـ كثرة التفريعات الفقهية التي حاول المصنّف طرحها ، ومحاولته جمع أُمّهات المسائل وفروعها.
5 ـ قال المصنّف : «... أنا ما كتبته على أن يكون كتاباً يرجع إليه الناس ، وإنّما كتبته لنفسي حتّى أخرج إلى العذارات] منطقة ريفية قرب الحلّة يسكن فيها أخواله [، وهناك أُسأل عن المسائل ، وليس عندي كتب أحملها ؛ لأنّي فقير ، فعزمت على أن أكتب كتاباً يكون لي مرجعاً عند الحاجة. ولو أردت أن أكتب كتاباً مصنّفاً في الفقه ، لكنت أحبّ أن يكون على نحو رياض المير السيّد علي فيه عنوان الكتابية في التصنيف»(1).
والكتاب ينقل غالباً عن المحكي عن المصادر الفقهية ، دون أن يتيسّر للكاتب الرجوع إليها ، وهو دليل على صحّة قصد المصنّف. فقد كان كتاب مذاكرة ومراجعة للمسائل الفقهية. وقد اقتطف المصنّف بعض عبارات الرياض ، وشرح اللمعة ونحوها من دون الإشارة العلمية إلى ذلك. وقد أخذ عليه بعض المتأخّرين في ذلك ، دون علم بنية المصنّف. ولكن كلّ ذلك لا يقلّل من قيمة العمل العلمي الجبّار الذي قام به الشيخ النجفي رضوان الله تعالى عليه. فقد عرض بإيجاز وعمق متميّز ما وصل إليه الفكر الفقهي الإمامي في القرن الثالث عشر الهجري.
ونعرض في ما يلي نماذج منتقاة ، تكشف عن طبيعة النقل والردّ والاستدلال في تلك الموسوعة العلمية :
أ ـ عندما تعرّض في كتاب التجارة لمسألة جواز الولاية من قبل الجائر إذا كان مكرهاً ، عرض آراء الفقهاء ، ثمّ ناقش توهّم بعضهم بتخيّل
__________________
(1) جواهر الكلام 1 / 16 مقدّمة الشيخ المظفرقدس‌سره.

أنّ المسألة من باب التعادل والتراجيح فالتزموا الموازنة بين ما يظلم به وما يخشاه من الظلم عليه.
وأجاب على ذلك التوهّم وغيره بالقول : «لا يخفى عليك تنقيح ذلك كلّه بعد ما عرفت موضوع المسألة ومدركها ، كما أنّه لا يخفى عليك عدم جواز ظلم الغير بأمر الجائر الذي يُخشى من تخلّفه ظلماً على بعض آخر دون نفس المُكرَه وماله وعرضه. ضرورة عدم مشروعية رفع الظلم عن مؤمن بظلم مؤمن آخر. وكون ذلك قد يقتضي التقية في بعض الأحوال ، لا يستلزم اقتضاءَه في الفرض. وكذا لا يخفى عليك أنّ المراد بالإكراه هنا ، أعمّ من التقية التي هي دين في العبادات ، لمعلومية عدم الفرق هنا بين وقوع الإكراه من الموافق في المذهب والمخالف بعد فرض تسلّطه على النفس والعرض والمال ...»(1).
ب ـ وعندما تعرّض لمسألة جوائز السلطان الجائر وضرورة إرجاعها إلى مالكها الحقيقي مع الإمكان ، قال في ردّه على بعض مآخذ المسألة : «نعم ، لو كان قد قبضه ـ أي جوائز السلطان الجائر ـ من أوّل الأمر بعنوان الاستنقاذ والإرجاع إلى مالكه اتّجه حينئذ عدم ضمانه بالتلف بغير تفريط ؛ لأنّ يده حينئذ يد أمانة ، لا من فروع يد الغاصب المعامل نفسه معاملة المالك ؛ ولأنّه حينئذ محسنٌ لا سبيل عليه. وفرق واضح بين هذا القبض وبين القبض بعنوان قبول الهبة ، وإثبات يد المدفوع إليه بدل يد الدافع. فليست هي حينئذ إلاّ يد الدافع الذي قد فُرض كونه غاصباً ، وإن كان المدفوع إليه جاهلاً وعزم على إرجاعها على مالكها بمجرّد علمه بالغصب.
__________________
(1) جواهر الكلام 22 / 169.

لكن قد سبقت ذلك يد الضمان ، فلا يجديه هذا العزم في رفعه ، ولا في تحقيق كونها يد أمانة ، كما هو واضح بأدنى تأمّل هذا.
ولا يخفى عليك حكمها في يد الظالم من الأخذ منه قهراً مع الإمكان إن بقيت في يده وعوضها مع التلف ويقاصّ بها من أمواله. من غير فرق في ذلك بين موته وحياته ، وبين كونها معلومة المالك ومجهولته ؛ لأنّها بحكم الديون. لكن في شرح الأُستاذ أنّ ما في يده من المظالم تالفاً لا يلحقه حكم الديون ، في التقديم على الوصايا والمواريث ؛ لعدم انصراف الدين إليه ، وإن كان منه وبقاء عموم الوصية والمواريث على حاله. والسيرة المأخوذة يداً بيد من مبدء الإسلام إلى يومنا هذا ، فعلى ذلك لو أوصى بها بعد التلف خرجت من الثلث ، وما كان منها باقياً يجب ردّه. ولو امتنعوا منه ، حلَّ الحلال وحُرِّمَ الحرام.
وفيه ، مع أنّه لم نجد له موافقاً عليه منعٌ واضح. خصوصاً بعد معلومية المغصوب منه. ودعوى عدم الانصراف ـ كدعوى السيرة المجدية ـ ممنوعتان أشدّ المنع. وما في كتاب التحرير من أنّ الأفضل للمظلوم عدم أخذه ما ظلم به وإن تمكّن منه أجنبي عن ذلك ، ويمكن أن يكون وجهه مراعاة التقية ، والله أعلم»(1).
ج ـ وعندما تعرّض لمسألة البيع وانطباقها على العقود ، قال مناقشاً الآراء الفقهية في ذلك : «والظاهر أنّه النقل للتبادر الذي لا ينافي اقتضاء الحقيقة إطلاقه على العقد المبني على المسامحة ، كما نبّه عليه ثاني الشهيدين في الروضة. والعقود المقابلة للإيقاعات في اصطلاحهم
__________________
(1) جواهر الكلام 22 / 179.

ما توقّفت على الإيجاب والقبول ، فلا تأييد فيه للقول بكون البيع نفس العقد. ولأنّ البيع فعلٌ فلا يكون انتقالاً ؛ لأنّه انفعال ولا عقداً لما تعرفه إن شاء الله تعالى ، ولأنّه لفظ من مقولة الكيف ، والمقولات العشرة متباينة ، فلا يصدق بعضها على بعض. وحمل العقد على المعنى المصدري ليكون فعلاً بعيد جدّاً فإنّ المفهوم منه اصطلاحاً هو المعنى الاسمي لا المصدري. ولأنّ الانتقال أثر البيع وغايته المترتّبة عليه ، والعقد سببه المؤدّي ، والسبب غير المسبّب ، فيمتنع تعريف أحدهما بالآخر ، بالقول عليه وإن جاز أخذه قيداً للمقول. ولأنّ النقل هو الموافق لتصاريف البيع ، وما يشتقّ من الأفعال والصفات بخلاف غيره ، إذ لا يراد ببعتُ مثلاً معنى الانتقال ، كما هو ظاهر ، ولا العقد ، وإلاّ لكان إيجاباً وقبولاً معاً ، وهو معلوم البطلان. وكذا البائع فإنّه ليس بمعنى المنتقل ولا بمعنى الموجب والمقابل ، والمطّرد في الجميع هو النقل. فيكون البيع موضوعاً له إجراء له على الأصل من لزوم التوافق مع الإمكان. فلا يقدح تخلّفه في النكاح ، لثبوت وضعه للعقد ، وامتناع الموافقة في أنكحت ونحوه ، فوجب صرفه إلى معنى آخر ، كتمليك الانتفاع ، والتسليط على الوطيء وغيرهما ممّا يناسب العقد ، بخلاف المقام الذي لم يثبت وضعه فيه للعقد»(1).
وهذا المستوى من النقاش العلمي في طول المواضيع الفقهية التي آمنت بها الإمامية ، وضع الفقه الاستدلالي الشيعي على قمّة الفكر الديني في العالم.
8 ـ الشيخ مرتضى الانصاري (ت 1281 هـ) ، من نوابغ الفقهاء ،
__________________
(1) جواهر الكلام 22 / 206.

وعرف بخاتم الفقهاء والمجتهدين. عيّنه صاحب الجواهر للمرجعية العامّة بعده. وكتابه الفقهي هو : المكاسب.
ويتضمّن كتاب المكاسب بين دفّتيه على علم جمٍّ ، واستدلال دقيق ، وإثارة لقوّة الاجتهاد ، وتعليم لمناهج الاستنباط. وتظهر قوّة المصنّف العلمية في مناقشته الاستدلالية للمكاسب المحرّمة ، والولاية وأقسامها ، والبيع ، والمعاطاة ، وبيع الفضولي وإشكالات الشيخ أسد الله التستري الواردة على بيع الفضولي وإجابات الشيخ الأنصاري عليها ، والخيارات وأقسامها ، وجوائز السلطان ، والخراج ونحوها. ونستعرض نماذج منتقاة من اسلوبه الاستدلالي في كتاب المكاسب :
أوّلاً : في البيع : يبدأ الشيخ الأنصاري بالتعريف اللغوي للبيع ، فيقول : إنّه مبادلة مال بمال ، ويستشهد بكلام صاحب المصباح المنير ، ويستظهر اختصاص المعوّض بالعين ويؤيّده باستقرار اصطلاح الفقهاء. ثمّ يستدرك ذلك بالقول : نعم ربّما يستعمل في كلمات بعضهم في نقل غيرها. ثمّ يستظهر الاستدراك المذكور من خلال نقل عدد من الأخبار.
ولا شكّ في كون العوض منفعة ، كما في القواعد ، والتذكرة ، وجامع المقاصد ، فيقول : ولا يبعد عدم الخلاف فيه. نعم نسب إلى بعض الخلاف فيه. ثمّ يذكر وجهاً لهذا الاستدراك بالقول : ولعلّه لمّا اشتهر في كلامهم من أنّ البيع نقل الأعيان. والظاهر إرادتهم بيان البيع نظير قولهم : إنّ الإجارة لنقل المنافع.
ثمّ يدخل في عمل الحرّ ، ثمّ يذكر الحقوق الأُخرى فيقسّمها على قسمين ، ثمّ يقول : ولا ينتقض ببيع الدين على من هو عليه. ثمّ يفرق بين الحقِّ والملك. ثمّ يستظهر عدم وجود حقيقة شرعية ولا متشرّعية في البيع.

ثم يذكر اختلاف الفقهاء في تعريف البيع فينقل عن المبسوط ، والتذكرة ما عرف البيع به.
ثم يقول : في هذا التعريف مسامحة ، ثمّ يؤيّد هذه المسامحة بالقول : وحيث إنّ في هذا التعريف مسامحة واضحة ، عدل آخرون إلى تعريفه : بالإيجاب والقبول الدالّين على الانتقال.
بعد ذلك يستشكل على هذا التعريف ، ويقول : إنّ البيع لمّا كان من مقولة المعنى دون اللفظ المجرّد أو بشرط قصد المعنى ، عدل جامع المقاصد عن تعريفه ، وقال : إنّ البيع هو نقل العين بالصيغة المخصوصة. ثمّ يورد على تعريف جامع المقاصد : بأنّ النقل بالصيغة أيضاً لا يعقل إنشاؤه بالصيغة.
هذا بالإضافة إلى أنّ النقل ليس مرادفاً للبيع ، ولذا صرّح في التذكرة بأنّ إيجاب البيع لا يقع بلفظ «نقلتُ» وجعل النقل من الكنايات. ولا يندفع الإشكال الوارد على تعريف صاحب جامع المقاصد بأنّ المراد من البيع نفس النقل الذي هو مدلول الصيغة ، لأنّه إن أُريد بالصيغة خصوص «بعتُ» ؛ لزم الدور. وإن أُريد بها ما يشمل «ملكتُ» ؛ وجب الاقتصار على مجرّد التمليك والنقل.
والأولى في تعريف البيع أن يقال : إنّ البيع إنشاء تمليك عين بمال. ولا يرد على هذا التعريف شيء من الإيرادات الواردة على التعريف السابق.
ثمّ يقول : نعم ، يبقى على هذا التعريف أُمور منها ومنها ومنها ... مع ذكر الجواب على كلّ واحد من هذه الأُمور.
بعد ذلك يعرض حقيقة المصالحة في الجواب عن الإشكال الخامس

الوارد على تعريفه البيع ، بأنّه إنشاء تمليك عين بمال.
ثمّ يذكر الفرق بين المصالحة والتمليك : بأنّ طلب المصالحة من الخصم لا يكون إقراراً له ، بخلاف طلب التمليك من الخصم فإنّه إقرار له.
وأخيراً يعرض ما أفاده الشيخ كاشف الغطاء في موارد استعمالات البيع بالمعنى الذي آمن به الشيخ الأنصاري فأنهاها إلى ثلاثة. ثمّ يأخذ في الإشكال على تلك الموارد المستعمل فيها لفظ البيع واحداً بعد الآخر.
ثانياً : في مورد «الغيبة» المسألة الرابعة عشر يقول : إنّها حرام بالأدلّة الأربعة فيذكرها. ثمّ يشرح الغيبة إعلالاً ، فيقول : إنّه اسم مصدر لإغتاب ، والمصدر : الاغتياب ، وبالفتح مصدر غاب. ثم يذكر ما ورد عن أهل اللغة في تعريف الغيبة ، وما أفاده الفقهاء في تحديدها وتعريفها. ويقارن بين التعريفين ، فيذكر الأخبار الواردة في تعريفها. ثمّ يتناول موضوع النـزاع بين الفقهاء حول الغيبة : فهل هي الغيبة المجرّدة عن قصد الانتقاص ، أم لا بدّ في حرمتها من قصد الانتقاص؟ وهل أنّ المراد من العيب : العيب الجلي ، أم العيب الخفي؟ وهل أنّ المحرَّم كليهما ، أم الخفي منهما؟ وهل أنّ المراد من الذكر في تعريف الغيبة هو الذكر باللسان كما هو المنصرف منه ، أو مطلق الذكر؟ وبعد أن يشرح تلك الموارد يستقرّ رأيه على أنّ المراد مطلق الذكر ؛ فيؤيّد مختاره بالأخبار والأدلّة.
ثمّ يأخذ في كفّارة الغيبة الماحية لأثرها ، وهو العقاب الأُخروي فيسهب في الكلام فيها. ويذكر موارد جواز الغيبة واستثنائها.
ثالثاً : في أوائل باب الخيارات عند ذكر العمومات الدالّة على أنّ الأصل هو اللزوم ، قال : منها قوله تعالى : (... أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1) ، ثمّ
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 1.

قال : دلّ على وجوب الوفاء بكلّ عقد. والمراد بالعقد مطلق العهد ـ كما فسّر به في صحيحة ابن سنان المروية في تفسير علي بن إبراهيم ـ أو ما يسمّى عقداً لغةً وعرفاً. والمراد بوجوب الوفاء : العمل بما اقتضاه العقد في نفسه بحسب الدلالة اللفظية نظير الوفاء بالنذر. فإذا دلّ العقد ـ مثلاً ـ على تمليك العاقد ماله من غيره ، وجب العمل بما يقتضيه التمليك من ترتيب آثار ملكية ذلك الغير له. فأخذه من يده بغير رضاه ، والتصرّف فيه كذلك نقض لمقتضى ذلك العهد ، فهو حرام. فإذا حرم بإطلاق الآية جميع ما يكون نقضاً لمضمون العقد ـ ومنها التصرّفات الواقعة بعد فسخ المتصرّف من دون رضى صاحبه ـ كان هذا ملازماً مساوياً للزوم العقد(1).
وتلك النماذج أظهرت لنا قوّة استدلال الشيخ الأنصاري ، وسعة تفريعات مسائله ، وشمولية المواضيع التي بحثها لجميع الحجج الشرعية والعقلية.
14 ـ مدرسة القرن الرابع عشر الهجري
وتميّزت هذه المدرسة بنضوجها الفقهي ، وثراء استدلالها العقلي والشرعي ، ومن فقهائها :
1 ـ الشيخ رضا الهمداني (ت 1326 هـ) ، وله كتاب مصباح الفقيه في شرح شرائع الإسلام ، خرج منه كتاب الصلاة ، الطهارة ، الخمس ، الزكاة.
2 ـ المحقّق الخراساني ، المعروف بالآخوند (ت 1329 هـ) ، وله
__________________
(1) المكاسب : 215 القسم الثالث.

رسالة في الفقه ، اللمعات النيّرة ، والقطرات والشذرات ، وتعليقة على المكاسب للشيخ الأنصاري.
ولا شكّ أنّ نشاطه الأُصولي كان قد طغى على نشاطه الفقهي. فليس له في الفقه أثر يقابل كتاب كفاية الأُصول.
3 ـ السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي (ت 1337 هـ) ، تصدّى للإنجليز أثناء هجومهم على العراق ، واستشهد ولده السيّد محمّد الطباطبائي في ذلك. له كتاب العروة الوثقى ، وهو موسوعة فقهية دقيقة ، تشتمل على العبادات والمعاملات ، وفروع عباداتها أكثر من فروع معاملاتها.
4 ـ الشيخ عبد الكريم الحائري (ت 1355 هـ) ، مؤسّس الحوزة العلمية في قم المشرّفة. له كتاب الصلاة في الفقه مطبوع ، ورسائل في صلاة الجمعة ، والمواريث ، والنكاح ، والرضاع ، وحاشية فتوائية على العروة الوثقى.
5 ـ الميرزا حسين النائيني (ت 1355 هـ) ، له في الفقه رسالة لا ضرر ، ووسيلة النجاة. وكان من الفقهاء الكبار الذين وقفوا إلى جانب الدولة العثمانية في حربها ضدّ الانجليز. ألف كتاب تنبيه الأمّة وتنـزيه الملّة في الدفاع عن الحكومة الإسلامية ورفض الاستبداد. لم يعرف له أثر مكتوب بقلمه سوى كتاب تنبيه الأُمّة وتنزيه الملّة ، وما عداه تقريرات بأقلام تلامذته منها : فوائد الأصول للشيخ محمّد علي الكاظمي ، وأجود التقريرات للسيد الخوئي وهما في الأصول ، ومنية الطالب في شرح المكاسب للشيخ موسى النجفي ، وهو في الفقه.
إمّا رسالته العملية وسيلة النجاة ، فتكشف عن عمق أفكاره الفقهية ،

وقابليته على ضغط العبارات. ونعرض هنا نموذجاً لما ورد فيها :
«في الاحتياط. وفيه مسائل : الأُولى : حقيقة الاحتياط في كلّ مسألة هي الأخذ بالأوثق والمتيقّن في تلك المسألة. فإن كان متيقّناً بالنسبة إلى جميع محتملاتها ولم يعارضه احتياط آخر من جهة أُخرى كان حقيقياً حينئذ وموجباً للقطع بإصابة الواقع. ولو كان متيقّناً بالنسبة إلى بعضها كأقوال أهل العصر مثلاً ، أو العدة المعلومة أعلميّة أحدهم ، أو كان معارضاً باحتياط آخر ولكنّه كان أولى بالرعاية منه كالتطهّر بالمستعمل في رفع الحدث الأكبر عند الانحصار ونحو ذلك كان حينئذ إضافياً يوجب القطع بالخروج عن عهدة التكليف دون إصابة الواقع ...»(1).
6 ـ محمّد حسين الأصفهاني (ت 1361 هـ) ، وله رسائل فقهية ثلاث ، هي : صلاة الجماعة ، وصلاة المسافر ، والإجارة ، طبعت تحت عنوان : بحوث في الفقه. وتلحظ في بحوث الشيخ الأصفهاني اللمسات الفلسفية في التعبير والتحليل.
ففي كتاب الإجارة ـ «في جواز إجارة المستأجر المشترط عليه الاستيفاء بنفسه» نلحظ النصّ التالي. فهو بعد أن يذكر بأنّ كلّ تصرّف مناف للحقّ باطل ، يبيّن بأنّ الحقّ إمّا يتعلّق بالعين كحقّ الشفعة وحقّ الرهانة ، وإمّا يتعلّق ، بغير العين بل بفعل وترك ، كحقِّ ترك الفسخ ، وحقِّ ترك الإجارة من الغير ، ثمّ يقول : «وإمّا الحقّ المتعلّق بفعل أو ترك فهو على قسمين :
أحدهما : ما يكون نسبة التصرّف المعاملي إلى مورد الحقّ نسبة
__________________
(1) وسيلة النجاة : الصفحة ج.

الشيءِ إلى نقيضه. كالإجارة بالإضافة إلى تركها المشروط على المستأجر ، وكالفسخ بالإضافة إلى تركه المشروط على المشتري مثلاً.
وثانيهما : ما يكون نسبة التصرّف المعاملي إلى مورد الحقّ نسبة الضدّ إلى ضدّه ، كالبيع بالنسبة إلى العتق المشروط على المشتري.
فإن كان من قبيل الأوّل فلا يعقل أن يكون الحقّ مانعاً عن نفوذ التصرّف المعاملي ، وذلك لأن متعلّق الالتزام إمّا ترك إنشاء الإجارة فقط أو ترك الإجارة بالحمل الشايع.
فإن كان الأوّل فلا محالة تتحقّق المخالفة للشرط بمجرّد الإنشاء فيسقط الحقّ فلا مانع من تأثير الإنشاء ، وتستحيل مانعية الحقّ عن وجود الإنشاء الذي التزم بتركه.
وإن كان الثاني فمن المسلّم في محلّه والمحقّق عند أهله أنّ القدرة على متعلّق الشرط شرط صحّته ، فلا بدّ من أن يكون ترك الإجارة بالحمل الشايع مقدوراً عليه في ظرف العمل بالالتزام وأداء الحقّ. وإذا كان الترك مقدوراً عليه كان الفعل مقدوراً عليه لاستواء نسبة القدرة إليهما ...»(1).
والصبغة الفلسفية في التحليل واضحة ، كذكر النقيض والضدّية والحمل الشايع والشرط والإنشاء والمانعية ونحوها ، ولا تحتاج إلى عرض إضافي.
7 ـ السيّد أبو الحسن الأصفهاني (ت 1365 هـ) ، عُرف بحسن إدارة الحوزة العلمية بعد أُستاذه الآخوند الخراساني ، له رسالة عملية في الفقه.
8 ـ الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء (ت 1373 هـ) ، وكتابه
__________________
(1) بحوث في الفقه : 117 كتاب الاجارة.

الموسوم بـ : تحرير المجلة حيث أضاف رأي الفقه الإمامي إلى مجلّة الأحكام العدلية. وتلك المجلّة كانت مجموعة من فتاوى فقهية في الأحوال الشخصية على المذهب الحنفي ، صدرت عام 1869 م عن حكومة الدولة العثمانية. وكانت موادّها القانونية ملزمة في تركيا وغيرها من بلدان الدولة العثمانية عدا مصر.
9 ـ السيّد حسين البروجردي (ت 1380 هـ) ، أشرف على تأليف جامع أحاديث الشيعة ، الذي أراد له أن يكون محوراً للبحث الفقهي بدلاً عن وسائل الشيعة ، وذلك لأنّه كان يؤمن بأنّ في وسائل الشيعة من خصائص سلبية كالتكرار والتقطيع والفضول ممّا لا تنسجم مع متطلّبات البحث الفقهي.
10 ـ السيّد محسن الحكيم (ت 1390 هـ) ، وكتابه الفقهي مستمسك العروة الوثقى في أربعة عشر مجلّداً ، وهو شرح استدلالي لكتاب العروة الوثقى للسيّد كاظم اليزدي (ت 1337 هـ) ، ويتميّز المستمسك بدقّة علمية من خلال الاعتماد على أُصول المذهب والروايات الصحيحة سنداً والمتينة متناً.
خذ على سبيل المثال تعليقه على مسألة صلاة الصبي قبل البلوغ ثمّ بلغ في أثناء الوقت فالأقوى كفايتها : «لما عرفتَ من أنّ عموم حديث (رفع القلم عن الصبي حتّى يحتلم)(1) بمناسبة وروده في مقام الامتنان ، إنّما يرفع التكليف والإلزام. لأنّه الذي في رفعه الامتنان لا غير. فيكون فعل الصبي كفعل البالغ من جميع الجهات إلاّ من حيث الإلزام. فإنّه غير ملزم به وإن
__________________
(1) الوسائل 1/45 ح 11.

كان واجداً لملاك الإلزام كفعل البالغ. فإذا جاء به الصبي في حال صباه فقد حصل الغرض وسقط الأمر ، فلا مجال للامتثال ثانياً. وكذا الحال فيما لو بلغ في أثناء الصلاة»(1).
والمحصّل : إنّ مدرسة القرن الرابع عشر الهجري أضافت للفقه الشيعي الإمامي الكثير من الأفكار الخاصّة بالتكليف الشرعي في زماننا. وكان عمقها العقلي والفلسفي متميّزاً ورائداً في حقله.
15 ـ مدرسة القرن الخامس عشر الهجري
هذه المدرسة معاصرة. وفيها من عمق الاستدلال والبحث عن الحجّية ما لا يخفى. ونأمل أن نعرض آراء روّادها في كتاب آخر بإذنه تعالى ، ومن فقهائها :
1 ـ السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر (ت 1400 هـ) ، له شرح على العروة الوثقى ، والفتاوى الواضحة.
2 ـ السيّد الموسوي الخميني (ت 1409 هـ).
3 ـ السيّد أبو القاسم الخوئي (ت 1413 هـ).
4 ـ السيّد محمّد رضا الكلبايكاني (ت 1414 هـ).
5 ـ الشيخ محمّد علي الأراكي (ت 1415 هـ).
وفقهاء آخرون أثروا المكتبة الفقهية الشيعية بآثارهم العلمية المتميّزة ، تغمّدهم الله تعالى برحمته ، وحفظ الأحياء منهم بتسديده وعنايته.
والحمد لله ربّ العالمين.
__________________
(1) مستمسك العروة الوثقى 5 / 171.

مصادر البحث
1 ـ القرآن المجيد.
2 ـ أحكام القرآن ، لأبي بكر ، أحمد بن علي الرازي الجصاص (ت 370 هـ). الأوقاف الاسلامية ـ استانبول 1335 هـ.
3 ـ أحكام النساء ، لأبي عبد الله ، محمّد بن محمّد بن النعمان ، المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 هـ). نسخة خطية ـ مكتبة آية الله المرعشي النجفي ـ قم المشرفة رقم 243 ـ 1.
4 ـ الاختصاص ، المنسوب إلى محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي ، المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 هـ). تحقيق : علي أكبر الغفاري. مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم المشرفة 1414 هـ.
5 ـ الإعلام بما اتفقت عليه الإمامية من الأحكام ، للشيخ المفيد (ت 413 هـ). دار المفيد ـ بيروت 1414 هـ.
6 ـ إعلام الورى بأعلام الهدى ، لأبي علي ، الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 هـ). المطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف 1390 هـ.
7 ـ الأمالي ، للشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان (ت 413 هـ). دار المفيد ـ بيروت 1414 هـ.
8 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ، لمحمّد باقر المجلسي (ت 1110 هـ). مؤسّسة الوفاء ـ بيروت 1983 م.
9 ـ بحوث في الفقه (رسائل فقهية ثلاث في صلاة الجماعة ، وصلاة المسافر ، والإجارة) ، لمحمّد حسين الاصفهاني (ت 1361 هـ). جامعة المدرسين ـ قم المشرفة.
10 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد عليهم‌السلام ، لمحمّد بن الحسن الصفار. تصحيح الميرزا محسن كوجه باغي. منشورات الأعلمي ـ طهران 1404 هـ.
تاريخ الكوفة
11 ـ تحرير الأحكام. أبي منصور الحسن بن يوسف المطهر ، المعروف بالعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ). مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام ـ قم المشرفة.

12 ـ تحف العقول عن آل الرسول عليهم‌السلام لابن شعبة الحرّاني. تحقيق : علي أكبر الغفّاري. مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم 1404 هـ.
13 ـ تذكرة الفقهاء. للحسن بن يوسف بن علي بن مطهّر ، المعروف بالعلاّمة الحلي (ت 726 هـ). تحقيق وطبع مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام ـ قم المشرفة 1414 هـ.
14 ـ تنقيح المقال في علم الرجال. لعبد الله المامقاني (ت 1351 هـ). تحقيق محيي الدين المامقاني. مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم المشرفة 1423 هـ.
15 ـ تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك. لجلال الدين السيوطي (ت 911 هـ). تحقيق : محمّد عبد العزيز الخالدي. دار الكتب العلمية ـ بيروت 1418 هـ.
16 ـ تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد. للشيخ أبي جعفر ، محمّد ابن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). دار الكتب الإسلامية ـ طهران.
17 ـ الجمل والعقود ، لمحمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). ضمن الرسائل العشرة. مكتبة آية الله المرعشي ـ قم المشرفة.
18 ـ جواهر الفقه ، للقاضي عبد العزيز الطرابلسي ، المعروف بابن البراج (ت 481 هـ). جماعة المدرسين ـ قم المشرفة 1411 هـ.
19 ـ جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام. لمحمّد حسن النجفي (ت 1266 هـ). تحقيق : محمود القوجاني. الكتب الإسلامية ـ طهران ، بدون تاريخ.
20 ـ حرمة ذبائح أهل الكتاب. للشيخ البهائي (ت 1031 هـ). تحقيق السيد زهير الأعرجي. الأعلمي ـ بيروت 1990 م.
21 ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ، لأبي نعيم الأصفهاني. دار الكتاب العربي في 10 مجلدات ـ بيروت ، بدون تاريخ.
22 ـ خاتمة المستدرك. للميرزا النوري (ت 1320 هـ). تحقيق ونشر : مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم 1416 هـ.
23 ـ الخصال ، لأبي جعفر ، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ،

المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381 هـ). تحقيق : علي أكبر الغفاري. الأعلمي ـ بيروت 1410 هـ.
24 ـ الخلاف في الأحكام. لأبي جعفر ، محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). المطبعة العلمية ـ طهران ، بدون تاريخ.
25 ـ الدروس الشرعية في فقه الإمامية ، لمحمّد بن مكي العاملي ، المعروف بالشهيد الأول (ت 786 هـ). طبعة حجرية. صادقي ـ قم المشرفة ، بدون تاريخ.
26 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، للشيخ آغا بزرك الطهراني (ت 1389 هـ). دار الأضواء ـ بيروت 1403 هـ.
27 ـ ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة ، لمحمّد بن مكي العاملي ، المعروف بالشهيد الأول (ت 786 هـ). طبعة حجرية ، طهران 1271 هـ.
28 ـ رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال) ، لأبي جعفر ، محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). تحقيق : ميرداماد الأسترآبادي ، السيّد مهدي الرجائي. مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم.
29 ـ رجال النجاشي ، لأحمد بن علي النجاشي (ت 450 هـ). جماعة المدرسين ـ قم المشرفة 1407 هـ.
30 ـ روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات ، لمحمّد باقر بن السيد زين العابدين الخوانساري (ت 1313 هـ). فرغ من تأليفه سنة 1286 هـ ، وطبع في ثمانية أجزاء في إيران.
31 ـ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ، لزين الدين الجبعي العاملي ، المعروف بالشهيد الثاني (ت 965 هـ). تصحيح السيد محمّد كلانتر. نشر دار العالم الاسلامي ـ بيروت.
32 ـ رياض المسائل ، للسيد علي بن محمّد علي الطباطبائي (ت 1231 هـ). تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم المشرفة 1418 هـ.
33 ـ زبدة البيان في أحكام القرآن ، لأحمد بن محمّد ، المعروف بالمقدَّس الأردبيلي (ت 993 هـ). المكتبة المرتضوية ـ طهران.
34 ـ السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي ، لمحمّد بن منصور العجلي ، المشهور بابن أدريس الحلّي (ت 598 هـ). طبعة حجرية ، إيران 1270 هـ.
35 ـ سنن النسائي ، لأحمد بن شُعيب. تصحيح عبد الوارث محمّد علي. دار الكتب العلمية ـ بيروت 1416 هـ.
36 ـ شرح نهج البلاغة ، لعز الدين بن هبة الله بن أبي الحديد (ت 655 هـ). تحقيق : محمّد أبو الفضل إبراهيم البابي الحلبي ـ القاهرة 1959 م.
37 ـ الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية). لإسماعيل بن حمّاد الجوهري (ت 400 هـ). دار العلم للملايين ـ بيروت 1407 هـ.
38 ـ صحيح البخاري ، لمحمّد بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ). عالم الكتب ـ بيروت 1406 هـ.
39 ـ الطبقات الكبرى ، لمحمّد بن سعد ، كاتب الواقدي (ت 230 هـ). طبعة ليدن سنة 1322 هـ.
40 ـ عناوين الأُصول. للسيّد مير عبد الفتاح الحسيني المراغي (ت 1250 هـ). طبعة جماعة المدرسين ـ قم المشرفة 1417 هـ.
41 ـ غنية النـزوع إلى علمي الأصول والفروع ، لمحمّد بن حمزة الحسيني الحلبي المعروف بابن زهرة (ت 585 هـ). ضمن كتاب (الجوامع الفقهية) طبعة حجرية. مكتبة آية الله المرعشي النجفي ـ قم المشرفة 1404 هـ.
42 ـ فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، لأحمد بن علي العسقلاني ، المعروف بابن حجر (ت 852 هـ). دار المعرفة ـ لبنان.
43 ـ الفصول المهمة في أصول الأئمة ، للحرّ العاملي (ت 1104 هـ). تحقيق : محمّد بن محمّد الحسين القائيني. مؤسّسة (معارف إسلامي إمام رضا عليه‌السلام) ـ قم 1418 هـ.
44 ـ الفوائد الرجالية ، للسيّد بحر العلوم (ت 1212 هـ). تحقيق : محمّد صادق بحر العلوم ، وحسين بحر العلوم. مكتبة الصادق ـ طهران 1405 هـ.
45 ـ الفهرست ، لأبي جعفر ، محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). المكتبة المرتضوية ـ النجف الأشرف ، بدون تاريخ.
46 ـ الفهرست. لأبي الفرج ، محمّد بن اسحاق النديم الكاتب الورّاق البغدادي (ت 385 هـ). مطبعة جامعة طهران 1391 هـ.
47 ـ الكافي في الفروع والأُصول ، للشيخ أبي جعفر ، محمّد بن يعقوب الكليني (ت 329 هـ). دار الكتب الإسلامية ـ طهران.
48 ـ كنـز العرفان في فقه القرآن ، للفاضل المقداد بن عبد الله السيوري (ت 826 هـ). المرتضوية ـ طهران ، بدون تاريخ.
49 ـ كنـز العمال من سنن الأقوال والأفعال ، لعلاء الدين المتقي الهندي (ت 975 هـ). الطبعة الثانية. جمعية دائرة المعارف العثمانية ـ حيدر آباد 1369 هـ.
50 ـ لسان العرب ، لابن منظور ، محمّد بن مكرّم. مطبعة الجوائب ـ مصر 1300 هـ.
51 ـ المبسوط في فقه الإمامية ، لأبي جعفر ، محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). المرتضوية ـ طهران ، بدون تاريخ.
52 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن ، لأبي عليّ ، الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 هـ). مطبعة العرفان ـ صيدا 1333 هـ.
53 ـ مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان ، لأحمد بن محمّد ، المعروف بالمقدَّس الأردبيلي (ت 993 هـ). جماعة المدرسينـ قم المشرفة ، بدون تاريخ.
54 ـ المراسم العلوية في الأحكام النبوية ، لأبي يعلى حمزة بن عبد العزيز الديلمي ، الملقب بـ : (سلاّر) (ت 448 هـ). ضمن كتاب (الجوامع الفقهية). طبعة حجرية. آية الله المرعشي ـ قم المشرفة 1404 هـ.
55 ـ المستدرك على الصحيحين ، لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ). دار المعرفة ـ بيروت ، بدون تاريخ.
56 ـ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل ، للميرزا حسين النوري الطبرسي (ت 1320 هـ). تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم المشرفة 1408 هـ.
57 ـ مستمسك العروة الوثقى ، للسيّد محسن الحكيم (ت 1390 هـ). مطبعة الآداب ـ النجف الاشرف 1389 هـ.
58 ـ مستند الشيعة في أحكام الشريعة ، لأحمد بن محمّد مهدي النراقي (ت 1245 هـ). تحقيق وطبع مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام ـ قم المشرفة.
59 ـ المعتبر في شرح المختصر ، لنجم الدين جعفر بن الحسن ، المعروف بالمحقّق الحلّي (ت 676 هـ). سيد الشهداء ـ قم المشرفة ، بدون تاريخ.
60 ـ المقنع ، لأبي جعفر ، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي ، المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381 هـ). ضمن كتاب (الجوامع الفقهية). طبعة حجرية. مكتبة آية الله المرعشي ـ قم المشرفة 1404 هـ.
61 ـ المقنعة ، لأبي عبد الله ، محمّد بن محمّد بن النعمان ، المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 هـ). جماعة المدرسين ـ قم المشرفة 1410 هـ.
62 ـ المكاسب ، للشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ). خط طاهر خوشنويس. تبريز. طبعة حجرية 1375 هـ.
63 ـ منتهى الطلب ، لأبي منصور ، الحسن بن يوسف المطهّر ، المعروف بالعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ). طبعة حجرية ـ قم المشرفة ، بدون تاريخ.
64 ـ من لا يحضره الفقيه ، لمحمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي ، المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381 هـ). الأعلمي ـ بيروت 1408 هـ.
65 ـ ميزان الاعتدال ، لشمس الدين محمّد بن أحمد الذهبي (ت 748 هـ). تحقيق : عبد الفتاح أبو سنّة. دار الكتب العلمية ـ بيروت 1416 هـ.
66 ـ نضد القواعد الفقهية على مذهب الامامية ، للفاضل المقداد بن عبد الله السيوري (ت 826 هـ). مكتبة آية الله المرعشيـ قم المشرفة 1403 هـ.
67 ـ النهاية في غريب الأثر ، لمجد الدين أبي السعادات ، المبارك بن محمّد الجرزي ، ابن الأثير (ت 606 هـ). المكتبة العلمية ـ بيروت ، بدون تاريخ.
68 ـ نهج البلاغة ، جمع الشريف الرضي. شرح محمّد عبده ، دار الذخائر ـ قم 1412 هـ.
69 ـ نهج البلاغة ، جمع الشريف الرضي من كلام الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، مصورة من نسخة مخطوطة نادرة من القرن الخامس الهجري ، إعداد السيد محمود المرعشي. مكتبة آية الله المرعشي ـ قم المشرفة 1406 هـ.
70 ـ نهج الحق وكشف الصدق ، لجمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر ، المعروف بالعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ). تحقيق : عين الله الحسني الأرموي. دار الهجرة ـ قم المشرفة 1407 هـ.
71 ـ الوافي ، لمحمّد محسن الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ). ايران ط حجرية 1324 هـ.
72 ـ وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ، لمحمّد بن الحسن ، الحرّ العاملي (ت 1104 هـ). دار إحياء التراث العربي ـ بيروت 1983 م.
73 ـ وسيلة النجاة ، للميرزا حسين النائيني (ت 1355 هـ). المطبعة العلوية ـ النجف الأشرف 1342 هـ.
__________________
(1) مجمع البيان 7 / 156.
(2) زبدة البيان في أحكام القرآن : 370.

المصدر: زهير الأعرجي - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
755
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :