معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

تاريخ علم الأُصول وتطوّر الأفكار الأُصولية ..

النظرية الأُصولية .. نشوؤها وتطوّرها - تاريخ علم الأُصول وتطوّر الأفكار الأُصولية

بسـم الله الرحمن الرحـيم

مقدّمة :
     تبحث «النظرية الأُصولية في المدرسة الإمامية» عن الأدلّة والحجج العقلية والشرعية ، كـ : مباحث القطع والظنّ والشكّ ، ومباحث البراءة والاحتياط والتخيير والاشتغال والاستصحاب والتعادل والتراجيح ، والحجّية بصورتها الكلّيّة ، من أجل الوصول إلى الحكم الواقعي أو الظنيّ المقيّد برضا الشارع ؛ فلا شكّ أنّ الطرق والأمارات والأُصول تساعدنا ، ونحن نبتعد يوميّاً عن عصر النصوص الشرعية ، على فهم وظيفتنا الشرعية ، وتطبيق ما ألزمنا المولى عزّ وجلّ بتطبيقه.
حالات المكلّف تجاه الحكم :
فقد قسّمت المدرسة الأُصولية الإمامية الحديثة ، عبـر منهجيّتها ، حالات المكلّف تجاه الحكم الشرعي بحالات : (القطع ، والظنّ ، والشكّ) ،

وتلك المنهجية حاولت استيعاب جميع الحجج التي يتمكّن العقل البشري من تصوّرها أو إدراكها ؛ فعندئذ لا تبقى حجّة من الحجج ـ ذاتية كانت أو مجعولة ، أفادت حكماً شرعياً أو وظيفة عقلية ـ إلاّ ودخلت تحت هذا التصميم ، ومن الطبيعي فإنّ هذا المنهج العلمي لم يكن نابعاً من فراغ بل كان وليد الصراع العلمي حول العقل وموقعه في الاستنباط.
فكان الرد العلمي على الذين حاولوا إنكار حجّية الدليل العقلي يتمثّل بمناقشة الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي ؛ فلا بدّ من تصميم قاعدة عقلية للتعامل مع حالات الظنّ والشكّ ، من خلال التمييز بين (أصالة البراءة) و (أصالة الاحتياط) مثلاً ، أو التمييز بين مقام ثبوت التكليف على المكلّف ومقام الخروج من عهدة التكليف الثابت ؛ فبمجرّد الاحتمال العشوائي لا يثبت التكليف ولا يخرج من العهدة ، ما لم يتسلّح الفقيه بفهم شامل لعالم الحجج العقلية والشرعية حتّى يستطيع أن يفتي على ضوئها.
خطوط الحجّة العقلية والشرعية :
ولا شكّ أنّ الحجج العقلية والشرعية غير متقاطعة ، بل هي مترتّبة طولياً ، فانكشاف الواقع عن طريق القطع يأتي بالمرتبة الأُولى ويتقدّم على جميع الحجج ، وإذا شئت التعبير قل : هو الخطّ الطولي الأوّل.
أمّا الخطّ الطولي الثاني فهو الطرق والأمارات (وهي الأدلّة الاجتهادية كخبر الواحد والإجماع والشهرة) ، والطرق والأمارات اعتبرها الشارع حجّة شرعية في حالة عدم انكشاف الواقع وفقدان القطع ، ولكن مع انكشاف الواقع والقطع بالحكم الشرعي لا يصحّ شرعاً الاعتماد على تلك الطرق والأمارات.

والخطّ الطولي الثالث هو : صحّة الرجوع إلى الأُصول العملية الشرعية والعقلية (وهي الأدلّة الفقاهتية كالبراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب) في حالة فقدان الطرق والأمارات المعتبرة شرعاً ، بعد الفحص واليأس من عدم الوصول إليها.
وهذا التفريق بين القطع والأمارات ، والأُصول العملية خلق طريقة منهجية في عملية الاستنباط الشرعي للأحكام ؛ فالمجتهد قد يصيب الأحكام الواقعية وقد لا يصيبها ، فإذا كانت حالة الإصابة فيها ظنّية فهي الأدلّة الاجتهادية ، وإذا لم يستطع الوصول إلى هذا المقدار ، فلا بدّ له أن يصل إلى تحديد الوظيفة الشرعية المقرّرة للجاهل بالحكم عند الشكّ في التكليف أو المكلّف به عن طريقي البراءة أو الاحتياط.
القطع والشكّ والظنّ :
ولا شكّ أنّ اتّساع دائرة الدليل أدّت إلى تركيز البحوث على حجّية القطع ؛ فما لم يكن الدليل حجّة قطعاً لا يمكن الاستناد عليه أو التمسّك به بحال من الأحوال ، فكان لا بدّ من التمييز بين الحجج الذاتية للأدلّة القطعية ، والحجج المجعولة من قبل الشارع والتي لا يمكن اعتبار حجّيّتها إلاّ بدليل قطعي كالطرق ، والأمارات ، ومصاديقها الإجماع ، وخبر الثقة ، وبموجب هذا الفهم تطوّر مفهوم الحجّية الشرعية ؛ فكان لا بدّ للدليل من أن يصل حدّ القطع والعلم حتّى يسمح له بالدخول إلى عالم الاستنباط.
فالأخذ بالحجّية المجعولة من قبل الشارع وسّع من دائرة الدليل ؛ فإنّ الشارع مثلاً أمرنا باتّباع الظنّ في موارد البيّنة واليمين ، جاعلاً الحجّية لهما ، مع أنّ البيّنة واليمين بحدّ ذاتها لا توجبان القطع ولا تمنعان من احتمال

الخلاف ، ولكنّ الشارع تمّم الكشف الناقص على الطريقة التعبّدية ، فأنشأ الحجّية المجعولة.
وهذا التوجّه العقلي يفتح لنا الطريق لإمكانية اعتبار الظنّ والتعبّد به ، شرط أن يحصل لنا علم يقيني بأنّ الشارع قد اعتمد سبيلاً من السبل الظنّية واعتبره وأمرنا بالتعبّد به ؛ فالظنّ ليس حجّة بذاته ولا يمكن الاعتماد عليه ، بل يكون حجّة شرعاً عندما يقوم دليل علمي من ناحية الشارع على حجّيته ، فيصبح عندها ظنّاً معتبراً.
وعلى هذا الأساس صُنّفت الظنون الخاصّة التي ثبتت حجّيتها بالدليل القطعي إلى صنفين :
الأوّل : الطرق والأمارات ، كالأخبار غير المتواترة والإجماع والسيرة والشهرة.
الثاني : المنحى العلمي المستخدم في اكتشاف الحكم الشرعي كحجّية الظهور.
ومعالجة هذا المقدار من مشاكل اكتشاف الحكم غير كافية على نطاق الاستنباط ، ما لم نجد حلاًّ لمعالجة مشاكل الشكّ في الشبهات الموضوعية والحكمية ؛ فكانت الأُصول الأربعة : البراءة ، والتخيير ، والاحتياط ، والاستصحاب هي الحلّ الأخير ، باعتبارها وظيفة الجاهل بالواقع من حيث جهله به ويأسه من الكشف عنه بالعلم أو الظنّ المعتبر.
معالجة التعارض بين الأدلّة الاجتهادية والفقاهتية :
وبطبيعة الحال ، وبسبب تراكم الروايات ، وعدم تمحيص جميعها بصورة قطعية من قبل الفقهاء ، وطول الفترة الفاصلة بيننا وبين عصر النصّ ؛

فأنّه يتبادر ظاهراً في مقام الاستدلال تعارضاً بين الأدلّة الاجتهادية والفقاهتية ، ولكن ذلك التعارض الظاهري رفع عن طريق أربع حالات عقلية مكتَشَفة هي : التخصّص ، والتخصيص ، والورود ، والحكومة.
وتفصيل ذلك : إنّنا نستظهر في (التخصّص) خروج موضوع أحد الدليلين عن موضوع الدليل الآخر ، وفي (التخصيص) عدم قصد المتكلّم للمعنى الظاهر من العامّ في استعمال الخاصّ ، وفي (الورود) نفي الدليل الوارد لموضوع الدليل المورود نفياً تكوينياً على الصعيد التعبّدي. وفي (الحكومة) بروز العلاقة الدلالية عندما يكون فيها أحد الدليلين ناظراً إلى مفاد الدليل الآخر ، وبذلك ينتفي التعارض بين الدليلين الاجتهادي والفقاهتي اللذين يترتّبان طولياً ولا يتقاطعان عرضياً.
وهذا المقدار من الفهم الأُصولي للحكم الشرعي أو الوظيفة الشرعية يشمل عالمي الاستنباط في العبادات والمعاملات.

الفصل الأوّل
المدارس الأُصولية في التاريخ الإمامي
منذ القرن الخامس وانتهاءً بالقرن الخامس عشر الهجري
مقدّمة :
يمكن اعتبار علم أُصول الفقه أحد العلوم الشرعية الذي اكتسب أهمّية خاصّة ، وقامت الحوزة العلمية الإمامية باحتضانه ، وبذلت الغالي والنفيس في تطويره والذود عنه ؛ لأنّ هذا العلم يبرز مبادئ القواعد العقلية والشرعية في مباني الاجتهاد الفقهي ، ويكفي فقهاء شيعة أهل البيت فخراً أنّهم بنوا على ضوء تعاليم أئمّتهم عليهم‌السلام ، المباني العلوية للاجتهاد ، ولسوف يبقى هذا البناء شامخاً بإذن الله تعالى حتّى قيام مهدي هذه الأُمّة (عجلّ الله فرجه) وتحقيق جميع معاني العدالة الاجتماعية التي جاء بها الإسلام.
وقد ساهم فقيهان جليلان من فقهاء الطائفة بشكل رئيسي وحاسم في البناء الأُصـولي للفقه الشـيعي ، وهما : الشيخ أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) من روّاد المدرسة الفقهية الأُصولية الأُولى التي قامت بالتأسيس للنظرية الأُصولية ، والشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ) رائد المدرسة الأُصولية الحديثة في بناء الأدلّة والحجج الشرعية والعقلية ، وكان بين هؤلاء العلمين وقبلهما وبعدهما مئات الفقهاء وعلماء الأُصول والمعارف الدينية الذين أثْروا بنتاجاتهم المكتبة الشيعية وأوصلوها إلى أرقى مراحل النضوج العلمي. فأصبح للشيعة الإمامية بفضل جهود الحوزة العلمية ، مقعد خالد

للعلوم الشرعية في عالمنا الواسع الفسيح.
المدارس الأُصولية في التاريخ الإمامي :
إنّ أهمّ ما شغل علماء الإمامية بعد انتهاء عصر النصّ ، هو : البحث عن (الدليل) عند استنباط الحكم الشرعي ، ولكنّ البحث عن الدليل لم يكن في يوم من الأيّام من القضايا الميسورة التي يستطيع الفرد فيها إنشاء نظرية متكاملة بمفرده وبمعزل عن التضافر العلمي الجماعي الذي تنقل ثماره ـ عادةً ـ الأيادي الأمينة من العلماء من جيل إلى جيل ؛ فالفرد بمفرده ـ ومهما أُوتي من قدرة علميةـ غير قادر على تأسيس نظرية أُصولية تستطيع الصمود مئات السنين ما لم يصاحبها نزوع علمي ، جماعي ، في النقد ، والتنقيح ، والإضافة ، والتجديد. فالتضافر العلمي الجماعي في فترة زمنية مديدة يمتلك تلك الطاقة والقدرة على تأسيس وبناء النظرية العلمية في أُصول الفقه. وهكذا كان ، فقد تضافرت جهود فقهاء أهل البيت عليهم‌السلام لفترة عشرة قرون كاملة أثمرت خلالها في إنشاء نظرية أُصولية في غاية المتانة في علم القواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي.
وقد كان محور المشكلة الشرعية التي واجهت الفقهاء في عصر الغيبة وانتهاء عصر النصّ : (الحجّية) في نطاقها العامّ بما فيها حجّية ظواهر الكتاب المجيد ، وحجّية خبر الواحد الناقل لقول المعصوم عليه‌السلام أو فعله أو تقريره ، وحجّية الإجماع ، وحجّية العقل والدليل العقلي ؛ فكان موضوع علم الأُصول ـ دائماً ومنذ عصر التأسيس ـ هو البحث عن الأدلّة المشتركة في الاستدلال الفقهي ، ولا شكّ أنّ البحث في دليلية تلك الأدلّة المشتركة كان قد تطوّر بشكل هائل على مرّ العصور ووصل إلى ما وصل إليه اليوم

من القمّة في التفكير الأُصولي الإمامي.
وبطبيعة الحال ، فإنّ الترابط الُمحكم بين الأفكار الأُصولية التي تطوّرت تدريجياً على مدى مئات السنين يدفعنا قهراً ـ في هذه المرحلة الفكرية ـ إلى عرض (علم الأُصول) على الصعيد التاريخي عرضاً شاملاً من دون التركيز على مواقع المدارس الأُصولية جغرافياً ، ذلك أنّ تطوّر (علم الأُصول) في مدرسة جغرافية كالنجف الأشرف مرتبطٌ بتطوّره في مدرسة جغرافية أخرى ، وهي : مدرسة الحلّة وتطوّره في مدرسة كربلاء لا يقطع ارتباطه بمدرستي النجف والحلّة. وبكلمة ، فإنّ المدارس الأُصولية التي سوف ندرسها ستهتمّ بالتطوّر الشامل لـ(علم الأُصول) عند الشيعة الإمامية على مرّ التاريخ دون النظر إلى الفكر الجغرافي.
وهذه المدارس الأُصولية رُتّبت على أساس التاريخ الزمني المحدّد بقرن كامل لكلّ مدرسة أُصولية ، فكانت إحدى عشرة مدرسة على طول السنين الألف الماضية من عمر التشيّع وموالاة أهل البيت عليهم‌السلام. وقد ابتدأنا بمدرسة القرن الخامس الهجري ؛ لأنّنا لم نكتشف نظرية إمامية في أُصول الفقه قبل هذا التاريخ. نعم ، قد تناثرت هنا وهناك أفكار أُصولية ، لكنّها لم تنهض إلى مستوى النظرية إلاّ في عصر الشيخ المفيد (ت 413 هـ).
1 ـ مدرسة القرن الخامس الهجري :
وأركانها أربعة فقهاء عظام من مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، عرضوا أربعة كتب مستقلّة في أُصول الفقه ، وهم :
أ ـ الشيخ المفيد (ت 413 هـ) وكتابه رسالة في أُصول الفقه مطبوع ضمن كتاب كنز الفوائد للشيخ الكراجكي (ت 449 هـ).

ب ـ السيد المرتضى (ت 436 هـ) وكتابه الذريعة إلى أُصول الشريعة.
ج ـ الشيخ الكراجكي (ت 449 هـ) وكتابه كنـز الفوائد.
د ـ الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) وكتابه عدة الأُصول.
وتتميّز هذه المدرسة بعرض ضبابي غير واضح لمطالب علم الأُصول ، ووجود خلط معرفي بين (علم أُصول الدين) و (علم أُصول الفقه) ؛ فبالرغم من الاستقلالية النسبية التي حصل عليها (علم الأُصول) المتطوّر باستمرار مع الحاجات الاستدلالية في عملية استنباط الأحكام الشرعية ، إلاّ أنّ ذلك الخلط كان لا يزال قائماً بين علمي الكلام والأُصول خصوصاً في أخبار الآحاد ؛ فقد كان أصوليّو هذه المدرسة لا يرغبون في الاستدلال بالروايات الظنّية التي لا يُعَرف صدقها باعتبار أنّها لا تؤدّي إلى القطع ، وهي بذلك ليست دليلاً من الأدلّة القطعية. ولا شكّ أنّ هذه الفكرة كانت قد استمدّت من علم أُصول الدين حيث اتفق الكلاميّون على أنّهم لا يستطيعون إثبات صفات الخالق عزّ وجلّ عن طريق أخبار الآحاد.
الشيخ المفيد و «رسالة الأُصول» :
وقد تناول الشيخ المفيد رضي‌الله‌عنه في رسالته الأُصولية : الطرق أو الأدلّة إلى أُصول الأحكام الشرعية فأوصلها إلى ثلاثة وهي :
أ ـ العقل ، وهو سبيل إلى معرفة حجّية القرآن ودلائل الأخبار.
ب ـ اللسان (أي اللغة) ، وهو : السبيل إلى المعرفة بمعاني الكلام.
ج ـ الأخبار ، وهي : السبيل إلى إثبات أعيان الأُصول من الكتاب

وسُـنّة أهل البيت عليهم‌السلام (1).
وهذه الطرق الثلاث تقابل الأدلّة العقلية ، ومباحث الألفاظ ، والحجج الشرعية بأبسط صورها الفكرية. إلاّ أنّه صرّح في الوقت ذاته بأنّ خبر الواحد لا يوجب علماً ولا عملاً ، إلاّ إذا اقترن بقرينة تؤيّد صدقه ، أو بدليل عقلي أو بشاهد من عرف ، أو بالإجماع غير المخالف ؛ وإلاّ فأنّه ليس بحجّة (2).
وفي ضوء تلك الأفكار ، فإنّ كتاب الشيخ المفيد (ت 413 هـ) الذي استفاده الكراجكي (ت 449 هـ) قد يعدُّ أوّل كتاب مستقلّ تناول علم أُصول الفقه عند الشيعة الإمامية ، أي بعد أقلّ من قرن كامل على الغيبة الكبرى.
السيد المرتضى و «الذريعة» :
ومع وضوح الشيخ المفيد رضي‌الله‌عنه في طرح المباحث الأُصولية الابتدائية ، إلاّ أنّ التشويش يبدو ظاهراً في مطالب العلم الجديد في عصر السيّد المرتضى (ت 436 هـ) ؛ فقد حاول هذا الفقيه الجليل بلورة الفروق المبدأية بين علم أُصول الدين وعلم أُصول الفقه ؛ فعرض في كتابه الذريعة إلى أُصول الشريعة ردّاً مفصّلاً موجهاً إلى فقيه قد صنّف كتاباً عنونه بـ أُصول الفقه ..
ولكنّه في واقع الأمر تناول بالتفصيل أُصول الدين دون أُصول الفقه ؛
__________________
(1) رسالة في أُصول الفقه عن كتاب المفيد ضمن كتاب كنز الفوائد.
(2) رسالة في أُصول الفقه.

فانبرى السيّد المرتضى لتفصيل الاختلاف بين أُصول الدين وأُصول الفقه ، وأوضح أنّ أُصول الدين أو (علم الكلام) ممّا يتناول حدوث الأجسام وإثبات المحدث وصفاته وجميع أبواب التوحيد والعدل والنبوات ، أمّا أُصول الفقه فيتناول الأمر والنهي ، والعموم والخصوص ، والبيان والمجمل ، والإجماع ، والأخبار ، والقياس ، والاجتهاد ونحوها (1).
ومع كلّ ذلك البيان ؛ فهو قدس‌سره لم يستطع التخلّص من رواسب تلك الرمادية التاريخية المتأصّلة بين علم الأُصول وعلم الكلام ، فيقول باحثاً صيغة الأمر وأحكامه وأقسامه : «إنّ الفقهاء كلّهم وأكثر المتكلّمين يذهبون إلى أنّ للأمر صيغة مفردة مختصّة به ، متى استعملت في غيره كانت مجازاً ، والذي يدلّ على أنّ هذه اللفظة مستعملة بلا خلاف في الأمر والإباحة في التخاطب والقرآن والشعر ، يقول تعالى : (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ) (2) وهو أمر ، ويقول تعالى : (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ) (3) وهو مبيح ، وكذلك قوله تعالى : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الاَْرْضِ) (4) والانتشار مباح وغير مأمور به ، وظاهرُ الاستعمال يدلّ على الحقيقة ، إلاّ أن تمنع دلالـة» (5). وهذا التفكير الأُصولي مع أنّه يغطّي مساحة مشتركة من علمي الأُصول والكلام ، إلاّ أنّه يحمل بوضوح فكرة القواعد العامّة في عملية الاستنباط الفقهي.
__________________
(1) الذريعة إلى أُصول الشريعة 1 / 6 المقدّمة.
(2) سورة البقرة 2 : 43.
(3) سورة المائدة 5 : 2.
(4) سورة الجمعة 62 : 10.
(5) الذيعة إلى أُصول الشريعة 1 / 39.

الكراجكي و «كنـز الفوائد» :
وفي كتاب كنـز الفوائد للكراجكي (ت 449 هـ) عمق واضح يتناسب مع تلك المرحلة ، في نقاش طبيعة الحجج الأُصولية بشكلها الأوّلي ، فيتناول ذلك الكتاب تعريف الخبر بالقول : «فأمّا الخبر فهو ما أمكن فيه الصدق والكذب وله صيغة زمنية مبنية ينفصل بها ممّا يخالفه في معناه ، وقد تستعار صيغته في ما ليس بخبر كما يستعار غيرها من صيغ الحقائق في ما سواه على وجه الاتّساع والمجاز ، قال الله عزّ وجلّ : (... وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) (1) ، فهو لفظ بصيغة الخبر والمراد به الأمر بأن يؤمّن من دخله. والعامّ في معنى الكلام ما أفاد لفظه اثنين فما زاد ، والخاصّ ما أفاد واحداً دون ما سواه ؛ لأنّ أصل الخصوص التوحيد وأصل العموم الاجتماع ، وقد يعبّر عن كلّ واحد منهما بلفظ الآخر تشبّهاً وتجوّزاً قال الله تعالى : (اِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (2) ، فعبّر عن نفسه سبحانه وهو واحد بلفظ الجمـع» (3).
الشيخ الطوسي و «عدّة الأُصول» :
وقد واصلت مدرسة (القرن الخامس الهجري) تطوّرها الأُصولي ، ووصلت إلى درجة من الرقي في أبحاثها عندما انتقل شيخ الطائفة الجليل أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) إلى النجف سنة 448 هـ وبدأ بممارسة
__________________
(1) سورة آل عمران 3 : 97.
(2) سورة الحجر 15 : 9.
(3) كنـز الفوائد : 188.

الكتابة والتدريس هناك ؛ فكتب كتاب عُدّة الأُصول الذي يعتبر من أوائل الكتب التي تخلّصت من عقدة الخلط بين علمي الكلام والأُصول ، وميّزت البحوث الأُصولية عن الفقهية على أساس الفرق بين الأدلّة الإجمالية والأدلّة التفصيلية ..
يشير شيخ الطائفة إلى ذلك في كتابه عُدّة الأُصول بالقول : «أُصول الفقه هي أدلّة ؛ الفقه فإذا تكلّمنا في هذه الأدلّة فقد نتكلّم في ما يقتضيه من إيجاب وندب وإباحة وغير ذلك من الأقسام على طريق الجملة ، ولا يلزمنا عليها أن تكون الأدلّة الموصلة إلى فروع الفقه ، لأنّ هذه الأدلّة أدلّة على تعيين المسائل ، والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيـل» (1). ولعلّ في تعبير الشيخ رضي‌الله‌عنه أوّل إشارة إلى مصطلح القواعد المشتركة على الصعيد الأُصولي ، ومصطلح المفردات الخاصّة على الصعيد الفقهي.
2 ـ مدرسة القرن السادس الهجري :
ويقف على رأسها فقيهان جليلان هما : ابن زهرة ، حمزة بن علي الحسيني الحلبي (ت 585 هـ) ، وابن إدريس الحلّي (ت 598 هـ).
ابن زهرة و «الغُنية» :
وأهم مؤلّفات ابن زهرة كتاب : غُنية النـزوع إلى علمي الأُصول والفروع أو كما هو مدوّن في كتاب الجوامع الفقهية المنشور في طيّاتها ، باسم الغُنية أصولها وفروعها. وهو على قسمين :
__________________
(1) عدة الأُصول ج 1 / 3.

الأوّل : أُصول الفقه ويشمل ربع الكتاب في 25 صفحة طبعة حجرية من القطع الكبير (الرحلي).
الثاني : فروع الفقه ويشتمل على أكثرَ من ثلاثة أرباع الكتاب في 77 صفحة طبعة حجرية من نفس القطع.
وقد بدأ كتابه بالقول : «لمّا كان الكلام في فروع الفقه يُبنى على أُصول له وجب الابتداء بأصوله ثمّ إتباعها بالفروع ، والكلام في الفروع من دون إحكام أصله لا يثمر. وقد كان بعض المخالفين سأل ، فقال : إذا كنتم لا تعملون في الشرعيّات إلاّ بقول المعصوم فأيّ فقر بكم إلى أُصول الفقه ، وكلامكم فيها كأنّه عبث لا فائدة فيه. فيقال له : قد ثبت عندنا بالأدلّة القاهرة وقوف الأحكام الشرعية على نصّ علاّم الغيـوب سبحانه العالـم بمصالح عباده فيها وبمفاسدهم ...» (1). وهذا النصّ التاريخي يشدّد على دور الأُصول في استنباط الفروع الفقهية ، ويؤكّد على أهمّية الحاجة إلى إثراء القواعد الأُصولية بعد أكثر من قرن على وفاة الشيخ الطوسي ؛ فالحاجة إلى علم الأُصول في عصر انتهاء النصّ الشرعي كانت تزداد كلّما ظهر للفقيه افتقاره للقواعد الكلّية المشتركة في عملية الاستنباط ..
وقد فصلّ ابن زهرة في القسم الأُصولي من كتابه ، في مباحث : الأوامر الشرعية ، والخصوص والعموم ، والنسخ ومتعلّقاته ، والأخبار ، والأفعال ، والإجماع ، وحرمة القياس ، والاستصحاب ... وكذلك تناول مباحث ابتدائية حول الحجّية كحجّية العامّ المخصّص وعدم حجّية مفهوم الوصف ..
__________________
(1) الغنية : 461 ضمن كتاب الجوامع الفقهية.

ولعلّ مدرسة (ابن زهرة) الفكرية تعدُّ من أهم مدارس الإمامية التي حاولت إنشاء جسر موصل بين الفقه وأصوله في كتاب واحد يتضمّن كلا القسمين : أُصول الفقه ، والفروع الفقهية ، وحاولت ـ بتوفيق ظاهرـ تطبيق القواعد الأُصولية على تلك الفروع.
ولكن ما ميّز (ابن زهرة) عن أقرانه من الفقهاء في تلك الحقبة الزمنية أنّه عمد إلى عدم محاكاة الشيخ الطوسي ، بل مخالفته صريحاً في مواضع متعدّدة. ففي باب دلالة النهي على الفساد مثلاً آمن الشيخ الطوسي بدلالة النهي على الفساد ، بينما آمن ابن زهرة بعدم وجود ملازمة بين الحرمة والفساد ، وفي باب دلالة الأمر على الفور آمن الشيخ الطوسي بدلالة الأمر على الفور ، بينما آمن ابن زهرة بعدم دلالة الأمر على الفور أو على التراخي ؛ فقد عرض استدلاله في مخالفة الشيخ الطوسي قائلاً : «ولا يعلم من مطلق الأمر فورٌ ولا تراخ وإنّما يعلمُ أحد الأمرين بقرينة دالّة عليه ؛ لأنّه قد ورد في القرآن العظيم والاستعمال وأريد به تارة الفور وأخرى التراخي ... وتعلّقهم : بأنّ الأمر إيجاب فعل واحد وقد دلّ العقل على أنّ أفعالنا لا يصحّ فيها التقديم والتأخير ؛ فوجب أن يكون المراد فعل المأمور به عقيب الأمر ليكون الفعل واحداً ، غير صحيح ؛ لأنّ التراخي والتخيير في أوقات الفعل جائز وإن كان واحداً ...» (1).
وهذا التطوّر خطير للغاية ؛ لأنّه فتح الباب أمام كسر الحواجز النفسية في النقد العلمي لكبار مشايخ الطائفة ، وهو بلا شكّ ـ مفتاح رئيسي من مفاتيح الاجتهاد ، لأنّه عبّر عن قدرة استقلالية في الاستدلال الشرعي
__________________
(1) الغُنية : 465 ـ 466.

والبحث عن سند الدليل ، بدل المحاكاة المعرفية التي لا تنهض إلى إدراك معاني الدليل أو واقعيّته. وقد كانت قدسية الشيخ الطوسي ومكانته العلمية في النفوس تمنع من ممارستهم ذلك اللون من النقد والتنقيح.
ابن إدريس و «السرائر» :
وشهد هذا القرن أيضاً عالماً جليلاً آخراً انتقل من النجف إلى الحلّة ، وهو : ابن إدريس الحلّي (ت 598 هـ) وكتابه الفقهي الجليل السرائر ، فقد ابتدأه بإعلان إيمانه بحجّية العقل بالإضافة إلى النصوص الشرعية ، قائلاً : (... فإنّ الحقّ لا يعدو أربع طرائق : كتاب الله سبحانه أو سنّة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المتواترة المتفق عليها أو الإجماع أو دليل العقل ؛ فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسألة الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مآخذ الشريعة التمسّك بدليل العقل فيها ، فأنّها مبقاة عليه وموكولة إليه ، فمن هذه الطريق توصّل إلى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه ، فيجب الاعتماد عليها والتمسّك بها فمن تنكّر عنها عسف وخبط خبط عشواء ...) (1).
ولم يكتف ابن إدريـس في كتابه بيان آرائه الفقـهية ، بل كان يناقش في كلّ فـرع الأساس الأُصولي للمسألة الفقهية ، وقد ناقش ـ في بعض الأحيان ـ أكثر من مسألة أصولية في فرع فقهي واحد ، وعمد ابن إدريس إلى مناقشة آراء الشيخ الطوسي ونقدها نقداً علمياً على نطاقي الاستدلال والاستنباط.
__________________
(1) السرائر : 2 طبعة حجرية والمطبوع 1 : 18 و 46.

وبكلمة ، فإنّ كتاب السرائر كان محاكمة علمية أخرى لآراء الشيخ الطوسي في كتابي النهاية والمبسوط ، وطريقاً جديداً للنقد العلمي والاستنباط الشرعي المستقلّ عن المحاكاة والتقليد.
3 ـ مدرسة القرن السابع الهجري :
وهي المدرسة التي ازدهرت في الحلّة وامتدّت ـ مع مدارس القرن الثامن والتاسع والعاشر الهجري ـ إلى أكثر من ثلاثة قرون ونصف ، ابتدأت ـ نظرياً ـ من ابن إدريس (ت 598 هـ) واضمحلّت في النصف الأخير من القرن العاشر الهجري ، وأهمّ أقطاب هذه المدرسة : المحقّق الحلّي ، جعفر بن الحسين (ت 676 هـ) ، الذي كتب في علم الأُصول كتابين هما : نهج الوصول إلى معرفة علم الأُصول ، ومعارج الأُصول. وقد سيطرت هذه المدرسة ، بشقّيها الأُصولي والفقهي ، على الفكر الشيعي حقبة طويلة من الزمن ؛ فقد أصبح كتاب شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي ، وهو من الكتب الفقهية الاستدلالية المبوّبة تبويباً علمياً جديداً ، مدار بحث وتدريس وشرح وتعليق في الحوزات العلمية بدلاً من كتاب النهاية للشيخ الطوسي ، وبذلك فقد انتهى العصر التدريسي لمؤلّفات الشيخ الطوسي المتمثّل في الكتب الرئيسية الثلاثة : المبسوط ، والنهاية ، وعدة الأُصول ليدخل عصر المحقّق الحلّي بكتابيه شرائع الإسلام ، والمعارج.
4 ـ مدرسة القرن الثامن الهجري :
ومن أعمدتها : العلاّمة الحلّي ، الحسن بن يوسف (ت 726 هـ) ،

وفخر المحقّقين ، محمّـد بن الحسن (ت 771 هـ) ، والشهيد الأوّل ، محمّـد بن مكّي (ت 786 هـ).
كتابات العلاّمة وفخر المحقّقين والشهيد الأوّل :
فقد كَتَبَ العلاّمة الحلّي أكثر من كتاب في أُصول الفقه ، منها :
أ ـ تهذيب الوصول إلى علم الأُصول ، وهو : مختارات من مختصر المنتهى لابن الحاجب.
ب ـ مبادئ الوصول إلى علم الأُصول ، مطبوع مع كتاب المعارج للمحقّق الحلّي.
ج ـ نهاية الوصول إلى علم الأُصول.
د ـ النكت البديعة في تحرير الذريعة ، ذكره المصنّف في كتاب الخلاصة (1).
هـ ـ منتهى الوصول إلى علمي الكلام والأُصول.
و ـ شرح غاية الوصول في الأُصول ، وهو : شرح العلاّمة الحلّي على كتاب الغزالي (2).
وكتب (فخر المحقّقين) كتابين في أُصول الفقه هما : غاية السؤول في شرح تهذيب الأُصول ، وشرح المبادئ.
أمّا الشهيد الأوّل فله كتاب ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة ، وكتاب القواعد والفوائد في الفقه والأُصول والعربية.
__________________
(15) الخلاصة : 46.
(16) كشف الظنون 2 / 1194.

الشهيد الأوّل و «القواعد والفوائد» :
وقد بلغ (علم الأُصول) في هذه المرحلة درجة أعلى في الدقّة والعمق من أيّ وقت مضى ؛ ففي كتاب القواعد والفوائد في الفقه والأُصول والعربية للشهيد الأوّل ، ضمّن المصنّف رضي‌الله‌عنه كتابه ما يقرب من ثلاثمائة وثلاثين قاعدة أصولية وفقهية ونحوية ، إضافة إلى فوائد تقرب من مائة فائدة ، والكثير من التنبيهات التي يغلب عليها الطابع الفقهي الاستدلالي ..
ومنهجه في ذلك إيراد القاعدة الأُصولية ثم مناقشتها مناقشة استدلالية على ضوء المذهب الإمامي ، ثمّ مقارنتها بالمذاهب الأخرى ؛ فعلى سبيل المثال تناول بالشرح قواعد أصولية عديدة كقاعدة (البناء على الأصل عند الشكّ في سبب الحكم) ، وقاعدة (أقسام التكاليف الشرعية بالنسبة إلى قبول الشرط والتعليق) ، وقاعدة (اليقين : وهي البناء على الأصل واستصحاب ما سبق). والقاعدة الأخيرة ، وهي قاعدة اليقين يتناولها بإسهاب حيث يشقّقها إلى أربعة تشقيقات ، هي :
1 ـ استصحاب النفي في الحكم الشرعي إلى أن يرد دليل ، وهو المعبّر عنه بـ (البراءة الأصلية).
2 ـ استصحاب حكم العموم إلى ورود مخصّص ، وحكم النصّ إلى ورود ناسخ.
3 ـ استصحاب حكم ثبت شرعاً.
4 ـ استصحاب حكم الإجماع في موضع النـزاع.
ويتناول صور تعارض الأصل والظاهر ، والموارد التي يقدّم فيها الأصل على الظاهر والظاهر على الأصل. وكذلك الأصل في اللفظ (أي

الحمل على الحقيقة الواحدة) ، ويقسّم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام : لغوية ، وعرفية ، وشرعية ، ثمّ يشرع في شرح المجاز والمشترك ، ويتناول أقسام متعلّق الأمر والنهي ، ويبيّن ألفاظ العموم ، ويذكر أيضاً معاني (الألف واللام) عند الفقهاء والأُصوليّين ، ثمّ يعرّج على الإنشاء فيعرّفه ويذكر الفرق بينه وبين الخبر ، والفرق بين الفتوى والحكم.
ثمَّ يتناول العديد من الموارد لتطبيق تلك القواعد ، فعلى سبيل المثال يقول في شرح قاعدة (حمل المطلق على المقيد) : (... لو قُيّد الحكم بقيدين متضادّين تساقطا وبقي المطلق على إطلاقه ، إلاّ أن يدلّ دليل على أحد القيدين ، كما ورد عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهنّ بالتراب. وبهذا عمل ابن الجنيد ، وروينا (ثلاثاً) ، وروى العامّة (أخراهن بالتراب). وروينا ورووا : (أولاهنّ). فيبقى المطلق على إطلاقه ، لكن رواية (أولاهنّ) أشهر ، فترجّحت بهذا الاعتبار) (1).
وهذه الروح الاستدلالية نقلت علم الأُصول إلى مرحلة جديدة من مراحل استقراره وثبوته ، وأوجدت إدراكاً خاصّاً لفهم دوره الحاسم في عملية استنباط الأحكام الشرعية الخاصّة بالأحداث والوقائع المتغيّرة بتغيّر الزمان والمكان.
5 ـ مدرسة القرن التاسع الهجري :
ولم يظفر هذا القرن إلاّ بفقيه من فقهاء مدرسة (الحلّة) وهو : المقداد ابن عبد الله السيوري الحلّي (ت 826 هـ) الذي كتب : شرح مبادئ الوصول لعلم الأُصول للعلاّمة وسمّاه بـ نهاية المأمول ، ونضد القواعد الفقهية على
__________________
(1) القواعد والفوائد في الفقه والأُصول والعربية 1 / 210.

مذهب الإمامية ، والتنقيح الرائع في شرح المختصر النافع ، وكنـز العرفان في فقه القرآن. وهذه الكتب وغيرها ممّا كتب من قبل ساهمت كلّها في تنظيم المناهج الأُصولية في عملية الاستنباط في تلك المرحلة ، خصوصاً وإنّ ابتعاد الفقهاء عن عصر النصّ واختلافهم في سلامة الروايات من حيث السند والدلالة ، جعلهم يصبّون جهداً مكثّفاً في سبيل بلورة القواعد الأُصولية المشتركة في عملية استخراج الحكم الشرعي.
السيوري الحلّي و «نضد القواعد» :
والملاحَظ أنّ مجرّد النظر إلى عنوان كتابه القيّم : نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية يدلّل على مدى الحاجة القائمة آنذاك إلى تنظيم القواعد المشتركة في عملية الاستنباط الشرعي للأحكام وترتيبها وتهذيبها ، قال في المقدّمة في إشارة إلى أستاذه الشيخ الشهيد الأوّل قدس‌سره بأنّه : (... قد جمع كتاباً يشتمل على قواعد وفوائد في الفقه تأنيساً للطلبة بكيفية استخراج المنقول من المعقول وتدريباً لهم في اقتناص الفروع من الأُصول ، لكنّه غير مرتّب ترتيباً يحصّله كلّ طالب وينتهز فرصة كلّ راغب ، فصرفتُ عنان العزم إلى ترتيبه وتهذيبه وتقرير ما اشتمل عليه وتقريبه) (1).
ويقسّم السيوري الحلّي كتاب نضد القواعد إلى قسمين أو إلى قطبين حسب تعبيره :
الأوّل : في القواعد العامّة وما يتفرّع عليها (وهي القواعد الأُصولية). الثاني : في العبادات وغيرها من أبواب الفقه.
وقد بذل المصنّف جهده في تبويب الضوابط الكلّية للأصول في
__________________
(1) نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية ـ المقدمة : 1.

مباحث الأوامر والنواهي ، والعموم والخصوص والمطلق والمقيّد ، ومباحث الألفاظ ، ومباحث الحجج. إلاّ أنّ بثّ القواعد الأُصولية بشكل غير مبرمج أفقد الكتاب منهجه الموضوعي في تصنيف القواعد المشتركة في الأُصول بشكل مستقلّ عن القواعد الفرعية الفقهية ، ولكن هذا الخلل المنهجي لم يكن ليقلّل من قيمة الكتاب العلمية والتاريخية في تطبيق تلك القواعد على الفروع الفقهية في عملية الاستنباط ؛ خصوصاً وأنّ كتابه جاء متطوّراً عن كتاب أستاذه الذي كان ينقصه الترتيب العلمي ، كما أشار إلى ذلك في المقدمة.
6 ـ مدرسة القرن العاشر الهجري :
وعلى رأسها الشهيد الثاني ، زين الدين الجبعي (ت 965 هـ) ، الذي كان ملمّاً بأفكار المدارس الفقهية والأُصولية السنّية (على ضوء المذاهب الأربعة) من خلال رحلاته وأسفاره إلى الشام ، ومصر ، والحجاز ، والقسطنطينية ، والعراق إضافة إلى موطنه في (جبل عامل) ؛ فاستفاد من ذلك كلّه في الحفاظ على استقلالية أُصول فقه أهل البيت عليهم‌السلام في الاستنباط بشكل واع ومتميّز ؛ فقد طبعت تلك الخبرة والثقافة المذهبية مؤلّفاته بطابع الموضوعية في العرض ، والعمق في الفكرة ، والوضوح في التعبير.
الشهيد الثاني و «الروضة البهية» و «تمهيد القواعد» :
وأهمّ كتبه : الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية وهو شرح مزجي استدلالي مختصر يعرض فيه آراءه الفقهية على ضوء القواعد

المشتركة في الأُصول ، وكتاب تمهيد القواعد الأُصولية والعربية ، وهو يضمّ قسمين ، الأوّل : يتناول مائة قاعدة أصولية وما يتفرّع عليها من الأحكام. والثاني : يتناول مائة قاعدة من القواعد العربية ، يليهما فهرس مبسوط لتسهيل استخراج المطالب من الكتاب.
وقد ناقش المصنّف في كتابه تمهيد القواعد : القواعد المشتركة في علم الأُصول كمباحث الأوامر والنواهي ، والعموم والخصوص ، والمطلق والمقيّد ، والمجمل والمبيّن ، والتعادل والتراجيح ، والاجتهاد والتقليد ، بالإضافة إلى بعض مباحث الألفاظ كالوضع ، والاشتراك ، والصفة ، والشرط ، والحقيقة ، والمجاز.
انتقال الحوزة من الحلّة إلى النجف :
ويعتبر القرن العاشر الهجري فترة تطوّر كمّي لا نوعي في علم الأُصول عند الشيعة الإمامية ؛ فلم تتعدّ مواضيع الأُصول في تلك الفترة ما كان متعارفاً بين الفقهاء من مباحث الألفاظ ، وبعض الأدلّة العقلية والشرعية.
وبانتهاء القرن العاشر ينتهي دور مدرسة الحلّة في الفقه والأُصول ، وتنتقل الحوزة العلمية الشيعية ثانية إلى النجف الأشرف ، وإذا حاولنا التفتيش عن أسباب هذا الانتقال ، فإنّنا قد نجد الموارد التالية :
1 ـ خلو (الحلّة) من كبار فقهاء الشيعة بوفاة (فخر المحقّقين) ، و (المقداد السيوري الحلّي) وأمثالهم من كبار فقهاء الطائفة.
2 ـ اهتمام سلاطين الدولة الصفوية بإحياء مدينة النجف باعتبارها مدينة مقدسة تضمّ في أحشائها قبر مولى الموحّدين وأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه‌السلام ؛ فحاولوا إيصال الماء إليها .. وقد ورد في كتاب نزهة

الغري أنّ (شاه عبّاس الأوّل ابن السلطان محمّـد خدا بندة ابن شاه طهماسب الصفوي عندما أخذ بغداد توجّه بعدها إلى زيارة أمير المؤمنين ... وبعد الزيارة أمر بتعمير النهر الذي حفره شاه إسماعيل الأوّل ، وأجرى الماء من نهر الفرات إلى مسجد الكوفة ، وكان عزمه أن يحفر قناة وآباراً ويوصل الماء إلى الروضة المقدّسة وأن يجعل عليها نخيلاً وأشجاراً ...) (1). وبُنيت حولها الأسوار لحمايتها من غزوات القبائل البدوية وما كانت تمثّله من وحشية وانتهاك لحرمة الأمان الذي يجلبه التوجّه الديني والعلمي فيها ..
وتذكر المصادر التاريخية : أنّ الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت 1227 هـ) بنى لاحقاً سوراً للمدينة لصدّ هجمات الأعراب عليها.
3 ـ إنّ ارتباط الحلّة بالنجف كان لا يزال قائماً حتّى مع بروز مدينة الحلّة مركزاً للحوزة العلمية الشيعية ؛ فقد ذكرت بعض مصادر تاريخ النجف : أنّ المقداد السيوري (ت 828 هـ) بنى مدرسة في النجف لطلبة العلوم الدينية في أوائل القرن التاسع الهجري ؛ فقد شوهد على كتاب مصباح المتهجد المخطوط للشيخ الطوسي الذي وقع في حيازة الفقيه الجليل الميرزا محمّـد حسين النائيني (ت 1355 هـ) ما يؤيّد ذلك ، وهذا نصّه : (كان الفراغ من نسخه يوم السبت 12 جمادي الأولى سنة 832 هـ على يد الفقير إلى رحمة ربّه وشفاعته عبد الوهاب بن محمّـد بن جعفر بن محمّـد بن علي بن السيوري الأسدي بالمشهد الشريف الغروي على ساكنه السلام وذلك في مدرسة المقداد السيوري) (2). وفي ذلك دلالة على أنّ
__________________
(1) نزهة الغري : 30.
(2) ماضي النجف وحاضرها 1 / 85.

الرابطة بين النجف والحلّة كمركزي علوم أهل البيت عليهم‌السلام كانت لا تزال قائمة ، وفيها دلالة أيضاً على أنّ النجف كانت البديل الوحيد لمدرسة الحلّة الآفلة.
4 ـ إنّ الصراع الطائفي بين الدولتين العثمانية والفارسية ، كان دائماً يرجّح مدينة النجف ؛ لاحتلال دور عاصمة التشيّع على صعيد العلوم الفقهية والأُصولية. فالنجف رمز خالد للشيعة كما أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام رمز خالد للإسلام ، وقد كانت السلطتان الجلائرية والإيلخانية اللتان حكمتا بغداد فترة من الزمن ترجّحان انتقال عاصمة التشيّع إلى النجف لمقابلة عاصمة التسنن العلمية في بغداد.
7 ـ مدرسة القرن الحادي عشر الهجري :
ومن أعمدتها : ابن الشهيد الثاني (وهو : الحسن بن زين الدين المتوفّى سنة 1011 هـ) وكتابه المعروف بـ معالم الدين وملاذ المجتهدين ، والشيخ البهائي (بهاء الدين العاملي المتوفّى سنة 1031 هـ) وكتابه زبدة الأُصول.
الشيخ الحسن و «معالم الدين» :
والشيخ الحسن بن زين الدين أقام في النجف الأشرف بعد أن أكمل دراسة المقدّمات في مسقط رأسه في جبل عامل بلبنان ، ودرس عند المقدّس الأردبيلي (ت 993 هـ) والمولى عبد الله اليزدي (حيث لم نعثر على تاريخ وفاته) وهما من كبار علماء النجف في ذلك الوقت ، ولكن لم يصلنا من نشاطهما الفكري في علم الأُصول شيء.

ولا شكّ أنّ كتاب معالم الدين يعتبـر نقلة نوعية في منهجة علم أُصول الفقه ، فهو بالإضافة إلى دقّته في التعبيـر ، فأنّه يحمل عمقاً جديداً في نظرية الاستدلال. ويحوي الكتاب مقدمة ذات خطبة بليغة ، ومقصدين ، وخاتمة. يقول في المقدمة : (... فشرعنا بتوفيق الله تعالى في تأليف هذا الكتاب الموسوم بـ معالم الدين وملاذ المجتهدين ، وجدّدنا به معاهد المسائل الشرعية ، وأحيينا به مدارس المباحث الفقهية ، وشفّعنا فيه تحرير الفروع بتهذيب الأُصول ، وجمعنا بين تحقيق الدليل والمدلول ، بعبارات قريبة إلى الطباع ، وتقريرات مقبولة عند الأسماع ، من غير إيجاز موجـب للإخـلال ...) (1).
أمّا المقصد الأوّل فهو في فضل العلم والعلماء ، وما يجب لهم وعليهم ، ويضمّ تسعة وثلاثين حديثاً بالإضافة إلى نصوص قرآنية شريفة. والمقصد الثاني ، في تسعة مطالب أصولية ، وهي : مباحث الألفاظ ، والأوامر والنواهي ، والعموم والخصوص ، والمطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن ، والإجماع ، والأخبار ، والنسخ ، والقياس ، والاستصحاب ، والاجتهاد ، والتقليد. أمّا الخاتمة فهي تبحث موضوع التعادل والتراجيح.
وقد أصبح هذا الكتاب محطّ عناية الفقهاء وعلماء الأُصول منذ عصر التأليف وحتّى الماضي القريب ؛ فقد احتلّ كتاب المعالم المواقع التدريسية للكتب الثلاثة في الحوزة العلمية الإمامية آنذاك ، وهي : الشرح العميدي على تهذيب العلاّمة ، وشرح العلاّمة على مختصر ابن الحاجب ، وشرح العضدي على مختصر ابن الحاجب.
__________________
(1) معالم الدين وملاذ المجتهدين : 5.

ولعلّ المنهجية الجديدة لهذا السفر الأُصولي قد فتحت الأبواب لفهم أعمق لمباني الاستدلال الفقهي عند أرباب الطائفة ، وأشعرت الجميع بالحاجة إلى تكثيف الجهود من أجل إثراء علم الأُصول بالقواعد العقلية التي لا تبتعد كثيراً عن القواعد الشرعية في تعاملها مع الإنسان والبيئة التي يعيش فيها.
الفاضل التوني و «الوافية» ، والخونساري و «مشارق الشموس» :
ولا شكّ أنّ هذا القرن أنتج فقهاءً عظاماً كتبوا في علمي الأُصول والفقه الاستدلالي منهم : عبد الله التوني (ت 1071 هـ) الذي كتب الوافية في الأُصول ، وحسين الخونساري (ت 1098 هـ) الذي كتب كتاب مشارق الشموس في شرح الدروس ، وهو كتاب فقهي استدلالي ، ومحمّـد بن الحسن الشيرواني (ت 1098 هـ) الذي كتب حاشية على المعالم في الأُصول. وقد مدّت هذه المؤلفات الأُصولية والاستدلالية القيّمة روحاً جديدة في الفكر الأُصولي ، خصوصاً ، وأنّ القرن القادم : وهو الحادي عشر الهجري كان قمّة نشاط الحركة الإخبارية التي حاولت تقويض مباني علم الأُصول في الصميم.
فقد أبدع الفاضل التوني في كتابه الوافية في تقسيم علم الأُصول إلى قسمين ، على خلاف ما كان يؤمن به معاصروه. الأوّل : مباحث الألفاظ ، والثاني : المباحث العقلية ؛ وهو التقسيم المعمول به حتّى عصرنا الحاضر. ثمّ آمن بأنّ مبحث مقدمة الواجب ، ومبحث الضدّ ، ومبحث المفاهيم ينبغي أن تُدرج جميعها في المباحث العقلية تحت عنوان (التلازم بين الحكمين) لا في مباحث الألفاظ كما هو المعمول في عصره.

وقد نحا السيّد الخونساري (ت 1098 هـ) في كتابه مشارق الشموس في شرح الدروس منحىً عقلياً واضحاً ، بحيث أضاف إلى علم الأُصول دقّة عقلية وطابعاً فلسفياً كان له أثر كبير على التركيبة الثقافية لعلماء الأُصول الذين جاؤوا من بعده ، وبالخصوص في القرن الثالث عشر الهجري.
8 ـ مدرسة القرن الثاني عشر الهجري :
وقد شهد هذا القرن ركوداً في النشاط الأُصولي وحركة الإبداع التي شهدناها سابقاً ، بسبب التأثيرات الفكرية التي تركتها الحركة الإخبارية على مجمل النشاط العلمي للطائفة. ولم أرَ في ما لدي من مصادر سوى مؤلّفين في الأُصول هما : حاشية شرح المختصر للعضدي تأليف آغا جمال الخونساري (ت 1125 هـ) ، وشرح الوافية تأليف السيد صدر الدين بن محمّـد باقر الرضوي القمي (ت 1170 هـ).
ولا شكّ أنّ اقتصار فقهاء هذا القرن على شرح الكتب الأُصولية للسلف الشريف ، والتعليق عليها دون التوجّه نحو المنحى الإبداعي في الكتابة المستقلّة كان يعدُّ نكسة من نوع ما في تاريخ علم الأُصول ، ولكن رغم حجم تأثير تلك النكسة الفكرية على تطوّر علم الأُصول ، إلاّ أنّنا نشعر بأنّ تلك الكتابات والشروح ساهمت بشكل من الأشكال في التمهيد لظهور مدرسة الأستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ) التي افتتحت عصراً جديداً في تاريخ هذا العلم.
9 ـ مدرسة القرن الثالث عشر الهجري :
وهذا القرن من أنشط الحقبات الزمنية في تاريخ علم الأُصول ؛ فقد

ظهر من بين ثناياه فقيهان من أعظم فقهاء الإمامية في العصور المتأخّرة ، وهما : الوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ) في كربلاء ، والشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ) في النجف. وقد احتلّت النجف في تلك الفترة وبالأخصّ في الربع الأوّل من هذا القرن موقعها القيادي والعلمي المرتقب من جديد.
الوحيد البهبهاني و «الفوائد الحائرية» :
فقد استطاع الوحيد البهبهاني في الحوزة العلمية في مدينة كربلاء التصدي لأفكار الحركة الإخبارية ، خصوصاً وأنّ تسلّحه بالعلوم العقلية كان قد أعدّه إعداداً جيّداً للدخول في صراع مكشوف مع رموز تلك الحركة في ذلك الوقت مثل الشيخ الجليل يوسف البحراني صاحب موسوعة الحدائق الناضرة الفقهية وغيره ..
وكان هدف مدرسة الوحيد تفنيد شبهات الإخباريّين واتهاماتهم وإثبات الحاجة إلى القواعد الأُصولية في عملية الاستنباط. إلاّ أنّ تلك المدرسة تطوّرت لاحقاً وأضفت على علم الأُصول صبغة جديدة ، وهي صبغة التلازم بين الأدلّة العقلية والشرعية .. يقول الوحيد البهبهاني في مقدّمة كتابه الفوائد الحائرية شارحاً مشكلة الصراع بين المدرستين الأُصولية والإخبارية : (أمّا بعد ، فإنّه لمّا بعُد العهد عن زمان الأئمّة عليهم‌السلام وخُفيت أمارات الفقه والأدلّة ، على ما كان المقرّر عند الفقهاء والمعهود بينهم بلا خفاء ، بانقراضهم وخلوّ الديار عنهم. إلى أن انطمست أكثر آثارهم ، كما كانت طريقة الأمم السابقة والعادة الجارية في الشرائع الماضية أنّه كلّما يبعد العهد عن صاحب الشريعة تخفى أمارات وتحدث خيالات

جديدة إلى أن تضمحلّ تلك الشريعة. توهّم متوهّم : أنّ شيخنا المفيد رحمه‌الله ومن بعده من فقهائنا إلى الآن كانوا مجتمعين على الضلالة ...) (1). وهي إشارة إلى ما زعمه الاسترآباداي (ت 1033 هـ) في الفوائد المدنية. وهذا النصّ يعكس عمق المشكلة التي كان يواجهها علم الأُصول وخطورتها.
ولكنّ الوحيد البهبهاني مهّد الطريق لمباني النظريات الأُصولية الحديثة. وناقش بالخصوص مباحث الشكّ. وهي خطوة ذكيّة لردّ الفلسفة الإخبارية التي كانت ترى في قطعية أحاديث الكتب الروائية الأربعة أهمّ محاورها الشرعية ، في الوقت الذي أنكرت فيه حجّية الدليل العقلي واعتبرته من أهمّ أعداء نظريّتها حول النصّ الشرعي ؛ فكأنّ نقاش مباحث الشكّ عند الوحيد البهبهاني ـ في واقع الأمر ـ نقاش لمباحث الأُصول العملية. فقد قسّم الوحيد البهبهاني (الشكّ) إلى قسمين :
1 ـ الشكّ في التكليف ، كما لو حصل الشكّ في تكليف الفرد بزكاة مال التجارة مثلاً ؛ فتكون الوظيفة العملية : (البراءة العقلية) بموجب قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) العقلية.
2 ـ الشكّ في المكلّف به ، كما إذا حصل الشكّ في أنّ صلاة المكلّف ظهر يوم الجمعة هي الجمعة أم الظهر؟ فتكون الوظيفة العملية : الاشتغال والاحتياط بموجب القاعدة العقلية القائلة : أنّ (الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية). يقول في فوائده الحائرية : (فرق بين مقام ثبوت التكليف ومقام الخروج من عهدة التكليف الثابت ، إذ بمجرد الاحتمال لا يثبت التكليف على المجتهد والمقلّد له ، لما عرفت من أنّ الأصل براءة الذمّة
__________________
(1) الفوائد الحائرية ـ المقدمة : 85.

حتّى يثبت التكليف ، وتتمّ الحجّة ، وأنّه ما لم تتمّ الحجّة لم تكن مؤاخذة أصلاً وقبح في الارتكاب أو الترك مطلقاً.
وأمّا مقام الخروج من عهدة التكليف فقد عرفت أيضاً أنّ الذمّة إذا صارت مشغولة ، فلابد من اليقين في تحصيل براءتها للإجماع والأخبار ، وتثبت أيضاً من العقل والنقل ، والآيات القرآنية ، والأخبار المتواترة ، والإجماع من جميع المسلمين وجوب الإطاعة للشارع ، ومعلوم أنّ معناها هو الإتيان بما أمر به ، فلا يكفي احتمال الإتيان ولا الظنّ به ، لأنّ الظنّ بالإتيان غير نفس الإتيان.
وممّا ذكرنا يعلم أنّه إن استيقن أحدٌ بأنّ عليه فريضة فائتة فلا يعلمها بخصوصها أنّها الظهر أو الصبح ، أو يعلم أنّ عليه فريضة فائتة ولم يعلم أنّها فائتة أو حاضرة ، يجب عليه أن يأتي بهما جميعاً حتّى يتحقّق الامتثال) (1).
الشيخ الأنصاري و «فرائد الأُصول» :
وقد مهّدت تلك الأفكار العقلية الدقيقة إلى ظهور فقيه وأصولي عظيم استطاع ـ بحقّ ـ تأسيس المدرسة الأُصولية الإمامية الحديثة في النجف ، ألا وهو الشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ). فقد قام الشيخ الأنصاري في كتاب فرائد الأُصول ، بعد استيعاب كامل للحجج العقلية والشرعية ، بطرح منهجية جديدة تماماً في علم الأُصول كان محورها عالم الأدلّة والحجج
__________________
(1) الفوائد الحائرية مع تعاليق الفريد الكلبايكاني : 319 قم : مكتبـة الصـدر ، بدون تاريخ.

العقلية والشرعية ؛ فتناول مباحث القطع ، والظنّ ، والشكّ ، والبراءة ، والاشتغال والاستصحاب ، والتعادل والتراجيح ، بدقّة متناهية بالتهذيب والتنقيح.
وهذه المنهجية الجديدة ، التي قسّمت حالات المكلّف تجاه الحكم الشرعي بـ : (حالة القطع والظنّ والشكّ) (1) ، حاولت استيعاب جميع الحجج التي يستطيع العقل البشري إدراكها ، فلا تبقى حجّة من الحجج ـ ذاتية كانت أو مجعولة ، أفادت حكماً شرعياً أو وظيفة عقلية ـ إلاّ ودخلت تحت هذا التصميم الجديد.
فلا شكّ أنّ هذه الحجج غير متقاطعة ، بل هي مترتبة طولياً ، فانكشاف الواقع عن طريق القطع يتقدّم على كلّ الحجج أمّا الطرق والأمارات (وهي الأدلّة الاجتهادية كخبر الواحد والإجماع والشهرة) فهي الخطّ الطولي الآخر ، أو قل المرحلة الثانية التي اعتبرها الشارع حجّة شرعية في حالة عدم انكشاف الواقع وفقدان القطع ، ولكن مع انكشاف الواقع والقطع بالحكم الشرعي لا يصح شرعاً الاعتماد على تلك الطرق والأمارات ، والخطّ الطولي الثالث هو صحّة الرجوع إلى الأُصول العملية الشرعية والعقلية (وهي الأدلّة الفقاهتية كالبراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب) في حالة فقدان الطرق والأمارات المعتبرة شرعاً بعد الفحص واليأس من عدم الوصول إليها.
وهذا التفريق بين القطع ، والأمارات ، والأُصول أوجد فهماً جديداً للأدلّة الشرعية الموصلة إلى الحكم الشرعي ، وأوجد أيضاً طريقة علمية
__________________
(1) الرسائل : 1.

متطوّرة في الاجتهاد الفقهي ، فأصبح المجتهد يسير على خطى واضحة في عملية الاستنباط الشرعي للأحكام ، وقد يصيب الأحكام الواقعية وقد لا يصيبها ، فإذا كانت حالة الإصابة فيها ظنّية فهي الأدلّة الاجتهادية ، وإذا لم يستطع الوصول إلى هذا المقدار ، فلابد له أن يصل إلى تحديد الوظيفة الشرعية المقرّرة للجاهل بالحكم عند الشكّ في التكليف والمكلّف به كالبراءة أو الاحتياط.
بقية فقهاء القرن الثالث عشر :
ولا شكّ أنّ هذه الفترة المباركة كانت قد أفرزت إضافة إلى الشيخين الوحيد في كربلاء والأنصاري في النجف ، حشداً كبيراً من علماء الأُصول الأجلاّء ، مصحوباً بعدد متميّز من كتب الأُصول ؛ وقد استعادت مدينة النجف رونقها العلمي واسترجعت طبيعتها الحضارية الإسلامية ، فأصبحت مرّة أخرى محطّ أنظار العالم الشيعي وقبلة الفكر الأُصولي ، ومن هؤلاء الأجلاّء ندرج الأسماء التالية :
1 ـ السيّد مهـدي الطباطبائي المعروف بـ (بحر العلوم) (ت 1212 هـ).
2 ـ الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت 1227 هـ).
3 ـ الميرزا أبو القاسم القمّي (ت 1231 هـ) وكتابه قوانين الأُصول وهو في مجلّدين طبعة حجرية ، الأوّل : يقع في 409 صفحة (رحلي) ، والثاني : في 291 صفحة.
4 ـ السيّد علي الطباطبائي (ت 1221 هـ) وكتابه الرياض في الفقه الاستدلالي.

5 ـ الشيخ أسد الله التستري (ت 1234 هـ).
6 ـ السيّد محسن الأعرجي المعروف بالمقدّس الكاظمي (ت 1240 هـ) وكتابه المحصول في علم الأُصول ، وكتاب آخر له باسم الوافي في شرح الوافية.
7 ـ المولى أحمد الخوانساري (لم نعثر على تاريخ وفاته ، ولكن القرائن تدلّ على كونه من أعلام القرن الثالث عشر) وكتابه مصابيح الأُصول.
8 ـ السيّد محمّـد بن علي الطباطبائي (ت 1242 هـ) وكتابه مفاتيح الأُصول في 720 صفحة طبع حجري (رحلي).
9 ـ المولى أحمد بن مهدي النراقي (ت 1247 هـ) وكتابه مفتاح الأُصول.
10 ـ الشيخ محمّـد تقي الأصفهاني (ت 1248 هـ) وكتابه القيّم هداية المسترشدين في شرح معالم الدين ، وهو من أوسع الكتب الأُصولية خصوصاً في مباحث الألفاظ.
11 ـ الميرزا عبد الفتّاح بن علي الحسيني المراغي (ت 1250 هـ) وكتابه عناوين الأُصول.
12 ـ الشيخ محمّـد حسن بن عبد الرحيم (ت 1261 هـ) وكتابه الفصول في علم الأُصول.
13 ـ المولى محمّـد إبراهيم الكاخكي الأصفهاني المعروف بالكباسي (ت 1262 هـ) وكتابه إشارات الأُصول.
14 ـ السيّد محمّـد إبراهيم بن محمّـد باقر الموسوي القزويني (ت 1265 هـ) وكتابه ضوابط الأُصول.

15 ـ الشيخ محمّـد حسن النجفي (ت 1266 هـ) وموسوعته الفقهية الاستدلالية الجليلة جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام في 43 مجلداً.
16 ـ السيّد محمّـد باقر بن السيّد علي القزويني (ت 1286 هـ) وكتاباه
مفاتيح الأُصول ونخبة الأُصول.
17 ـ والميرزا أبو القاسم بن الحاج محمّـد علي الطهراني المعروف بكلانتر (ت 1292 هـ) وكتابه مطارح الأنظار وهو تقريرات الشيخ الأعظم الأنصاري في مباحث الألفاظ.
فقد تميزت تلك الفترة بلون جديد من الكتابة تمثّلت بكتابة التلاميذ مواضيعَ أستاتذتهم الملقاة عليهم ، ثمّ نشرها على شكل تقارير لأساتذتهم ولكنّها في الوقت نفسه حملت أسماءهم كمؤلّفين ، ولم نختبر مثل هذا اللون من التأليف في الفترات السابقة ، بل اختبرنا في عهد الشيخ الصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي إلقاء موضوعات مترابطة ومرتبطة بالكتاب المجيد والسنّة المطهرة وفضائل أهل البيت عليهم‌السلام من قبل الأساتذة على تلامذتهم ، سُميّت بـ الأمالي.
18 ـ السيّد حسن بن محمّـد بن الحسن الكوهكمري (ت 1299 هـ) وكتابه بشرى الوصول إلى علم الأُصول.
19 ـ الميرزا موسى بن جعفر بن المولى أحمد التبريزي (الذي لم نعثر على تاريخ وفاته) وكتابه أوثق الوسائل في شرح الرسائل كتبه سنة 1295 هـ. فيمكن تصنيف أفكاره من ثمار القرن الثالث عشر الهجري.
10 ـ مدرسة القرن الرابع عشر الهجري :
واتسمت مدرسة هذا القرن التي ترعرعت في النجف الأشرف

بالاهتمام بالمباني العلوية لعلم الأُصول ، بعد أن بنى الشيخ الأعظم (الأنصاري) رضوان الله عليه صرح المنهج الجديد في عملية الاستنباط ، فلم تكن هناك حاجة لتطوّر نوعي جديد في علم الأُصول ، بل كانت هناك حاجة ماسة لإثراء كمي وتفصيلات وكتابة تقريرات علمية وشروح للمباني الأساسية والقواعد المشتركة خصوصاً مباحث الألفاظ والحجج والأدلّة العقلية والشرعية ...
وهكذا كان ، فقد اتسم هذا العصر بكثرة المصنّفين والتصانيف في شتّى مباحث الأُصول ، بحيث شكّل هؤلاء الفقهاء الأجلاّء ـ مجتمعين ـ مدرسة جماعية مترابطة ومتضافرة في أبعادها وأركأنها بحيث لم يتميّز فقيه عن بقية فقهاء المدرسة بنسبة عظيمة كما لاحظنا ذلك في القرن الثالث عشر الهجري.
فقهاء القرن الرابع عشر :
ويمكن تصنيف هؤلاء الفقهاء الأُصوليّين تاريخيّاً مع كتبهم الأُصولية على الترتيب التالي :
1 ـ محمود بن جعفر بن الباقر الميثمي المسمّى بالعراقي (ت 1308 هـ) من تلاميذ الشيخ الأنصاري ، وكتاباه : جوامع الشتات ، وقوامع الفضول عن وجوه حقائق أُصول علم الأُصول في 583 صفحة طبعة حجرية.
2 ـ الميرزا حبيب الله الرشتي (ت 1312 هـ) وكتابه بدائع الأفكار.
3 ـ ضياء الدين محمّـد حسين بن محمّـد علي الشهرستاني (ت 1315 هـ) وكتابه غاية المسؤول في علم الأُصول.
4 ـ الميرزا محمّـد حسن الأشتياني (ت 1319 هـ) وكتابه بحر الفوائد

في شرح الفرائد الذي ناقش فيه آراء الشيخ الأنصاري مصنّف (فرائد الأُصول).
5 ـ محمّـد باقر بن محمّـد علي المازندراني (ت 1322 هـ) وكتابه مجمع الأُصول.
6 ـ المولى محمّـد كاظم الخراساني المعروف بالآخوند (ت 1329 هـ) وكتابه الأُصولي المعروف :
كفاية الأُصول ، وله تعليقة على الرسائل اسمها حاشية كتاب فرائد الأُصول وهي تعليقة علمية على كتاب فرائد الأُصول للشيخ الأنصاري.
7 ـ الشيخ محمّـد حسين الغروي النائيني (ت 1355 هـ) ، وليس له كتاب مؤَلَّف ، إلاّ أنّ بحوثه سجّلها بعض تلامذته : كالشيخ محمّـد علي الكاظمي (ت 1365 هـ) في فوائد الأُصول ، والسيد أبو القاسم الخوئي (ت 1413 هـ) في أجود التقريرات.
8 ـ الشيخ عبد الكريم الحائري (ت 1355 هـ) مؤسس الحوزة العلمية في قم ، وكتابه درر الأُصول.
9 ـ السيد محمّـد بن عبد الأمير محمّـد تقي التنكابني (ت 1359 هـ) وكتابه إيضاح الفرائد في علم الأُصول.
10 ـ الشيخ ضياء الدين العراقي (ت 1361 هـ) وكتابه مقالات الأُصول في مجلّدين ، إضافة إلى أنّ بحوثه كانت قد سُجلّت من قبل تلامذته : الشيخ محمّـد تقي البروجردي (ت 1391 هـ) في كتاب نهاية الأفكار ، والميرزا هاشم الآملي في بدائع الأفكار.
11 ـ الشيخ محمّـد حسين الأصفهاني (ت 1361 هـ) وكتبه الأُصولية : نهاية الدراية في شرح الكفاية والاجتهاد والتقليد والطلب

والإرادة وبحوث في الأُصول.
12 ـ الشيخ محمّـد رضا المظفر (ت 1384 هـ) وكتابه المنهجي المدرسي أُصول الفقه.
13 ـ السيّد محسن الحكيم (ت 1390 هـ) وكتابه حقائق الأُصول وهو شرح وتعليق على كتاب كفاية الأُصول للآخوند.
14 ـ الميرزا علي الإيرواني (لم نعثر على تاريخ وفاته) وكتابه نهاية النهاية في شرح الكفاية المكتوب سنة 1345 هـ ، فيعدّ أحد أركان هذه المدرسة.
تطوّر قاعدة (البراءة العقلية) :
وقد كان محور أفكار تلك المدرسة هو مناقشة أصل (البراءة العقلية) عند الشكّ في التكليف ؛ فقد اشتهر بين علماء الأُصول تمسّكهم بالدليل العقلي في البراءة عند الشكّ في التكليف ، بالإضافة إلى تمسّكهم بالدليل الشرعي فيها ؛ ولعلّ أقدم نصّ عند الشيعة حول هذا الأصل هو كتاب المعارج للمحقّق الحلّي (ت 676 هـ) ...
يقول المحقّق الحلّي رحمه‌الله : (لو كان الحكم ثابتاً لدلّت عليه إحدى تلك الدلائل ، لأنّه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا يطاق للمكلّف إلى العلم به ، وهو تكليف بما لا يطاق) (1).
واستمرّ فهم أصالة (البراءة العقلية) عند الفقهاء على تلك الصورة حتّى عرض الوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ) فكرة أصالة البراءة ضمن
_________________
(1) معارج الأُصول : 213.

قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) ؛ فقد ذكر الوحيد في كتابه الفوائد الحائرية ما يلي : (اعلم أنّ المجتهدين ذهبوا إلى أنّ ما لا نصّ فيه ، والشبهة في موضوع الحكم الأصلي ، فيهما : البراءة ، والمقصود بالأوّل الشبهة الحكمية ، وبالثاني الشبهة الموضوعية ... فدليل المجتهدين حكم العقل بقبح التكليف والمؤاخذة ما لم يكن ببيان) (1) ، ثمّ قام السيّد محمّـد المجاهد ، وهو سبط الوحيد البهبهاني بصياغة استدلالية أخرى للبراءة العقلية ، فقال : (دليل المعظّم [أي الوحيد] أنّه إذا لم يكن نصّ لم يكن حكم ، فالعقاب قبيح على الله تعالى ... والصواب أن يجعل الدليل هكذا : إذا لم يصل الحكم لم يمكّن عقاباً ، لقبح التكليف والعقاب حينئذ) (2).
وذهب المحقّق النائيني (ت 1355 هـ) في الاستدلال على القاعدة بالقول : إنَّ (وجود البيان الواقعي كعدمه غير قابل لأن يكون باعثاً ومحرّكاً لإرادة العبد ما لم يصل إليه ويكون له وجـود علمـي) (3) ، وتوضيح هذا التقريب : إنّ البيان ما لم يصل إلى المكلّف لا يكون محركاً له ، ووجود البيان الواقعي كعدمه لا يصلح أن يكون سبباً في تحريك المكلّف ، كما لا تصلح الأمور التكوينية التي تثير الحركة في الإنسان عادةً لإثارته وتحريكه بوجودها الواقعي ما لم يكن هناك أمر حقيقي يصل المكلّف ليحرك دوافعه في الحركة.
أمّا المحقق الأصفهاني (ت 1361 هـ) فقد رأى بأنّ أحكام العقل العملي تؤول بالنتيجة إلى حسن العدل وقبح الظلم بالضرورة ، ومن المعلوم
_________________
(1) الفوائد الحائرية : 133 قم : مكتبة الصدر.
(2) مفاتيح الأُصول ـ السيد محمّـد المجاهد الطباطبائي ـ : 518 طبعة حجرية.
(3) فوائد الأُصول 3 / 365.

أنّ تمرّد العبد على أوامر المولى ونواهيه إذا أقام عليها الحجّة تعتبر من الظلم والخروج عن طور العبودية ، وهو من أقبح الأمور التي يستحقّ عليها العقاب.
أمّا إذا لم تقم عليه الحجّة ، ولم يصل بيانه إلى المكلّف من أوامر المولى ونواهيه فلا تعتبر مخالفته من قبل المكلّف من الظلم والخروج عن طور العبودية ، فلا يستحقّ بذلك العقاب ولا يصحّ عقابه من قبل المولى ، بل يقبح عقابه من جانب المولى الحكيم ، لأنّه لم يرتكب ظلماً في علاقته بمولاه لتحسن عقوبته (1).
وقد آمن السيّد الشهيد السعيد محمّـد باقر الصدر (ت 1400 هـ) بنفي البراءة العقلية وشكّك بالقيمة العقلية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان. قال رضوان الله عليه في دروسه الأُصولية : (ونحن نؤمن في هذا المسلك بأنّ المولوية الذاتية الثابتة لله سبحانه وتعالى لا تختصّ بالتكاليف المقطوعة بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة ولو احتمالاً ، وهذا من مدركات العقل العملي ، وهي غير مبرهنة ؛ فكما أن أصل حقّ الطاعة للمنعم والخالق مدرك أوّلي للعقل العملي غير مبرهن ، كذلك حدوده سعةً وضيقاً ، وعليه فالقاعدة العملية الأوّلية هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجادّ في ترك التحفّظ على ما تقدّم في مباحث القطع ...) (2).
وملخّصه أنّه لا نجوّز لأنفسنا أن نقيس حقّ الطاعة لله سبحانه على عباده بحقّ طاعة الموالي العرفية على من يتولّون أمرهم ، لسبب بسيط وهو أنّ مولوية الله تعالى ذاتية ، ومولوية الموالي عرفية مجعولة ...
_________________
(1) نهاية الدراية 2 / 190.
(2) دروس في علم الأُصول ـ القسم الثاني من الحلقة الثالثة : 33 ـ 34.

ولا يمكننا قياس أحكام المولوية الذاتية في حق الطاعة بالمولوية العرفية ؛ فإنّ انحصار حقّ الطاعة للمولى على المكلّفين في ما وصلهم من التكاليف يختصّ بالموالي العرفية ، أمّا حقّ طاعة الله تعالى على عباده فلا يمكن قياسه بما سبق.
11 ـ مدرسة القرن الخامس عشر الهجري :
ولا نستطيع الحكم على هذه المدرسة ؛ لأنّها لم تكمل الربع الأوّل من عمرها بعد ، إلاّ أنّ طبيعة الفقهاء الذين ظهروا على ساحتها العلمية تنبئ بمستقبل عظيم في التنقيح والإضافات الجديدة لعلم الأُصول ، والدعوة إلى استخدام القواعد الأُصولية في بناء النظرية الاجتماعية الفقهية.
فقهاء الربع الأوّل من هذا القرن :
ونستطيع تسجيل أسماء ثلاثة فقهاء عظام لحدّ الآن لمسنا آثار علومهم الجليلة في الوسط العلمي الأُصولي ، وهم : السيّد الشهيد محمّـد باقر الصدر (ت 1400 هـ) ، والسيّد روح الله الموسوي الخميني (ت 1409 هـ) ، والسيّد أبو القاسم الخوئي (ت 1413 هـ).
فقد كتب السيّد الشهيد الصدر رضي‌الله‌عنه : دروس في علم الأُصول وغاية الفكر و
المعالم الجديدة للأصول ، وكُتبت بحوث علم الأُصول بقلم بعض تلامذته ، وتُعدّ أفكار السيّد الشهيد قمّة في البلاغة والعمق والوضوح.
وكتب السيّد الخميني رضي‌الله‌عنه كتاب الرسائل ويحتوي خمس رسائل هي : (في قاعدة اللاّضرر والاستصحاب والتعادل والتراجيح والاجتهاد والتقليد والتقية) وهذه الرسائل تعليقات على آراء المحقق الخراساني في

الكفاية ، وكتب الشيخ جعفر السبحاني تقريرات أستاذه وأسماها بـ : تهذيب الأُصول.
أمّا السيّد الخوئي رضي‌الله‌عنه فقد صدرت له تقريرات عديدة في علم الأُصول بأقلام تلامذته ، منها :
1 ـ دراسات الأُصول بقلم : السيّد علي الشاهرودي.
2 ـ مصباح الأُصول بقلم : السيّد محمّـد سرور البهبودي.
3 ـ جواهر الأُصول بقلم : فخر الدين الزنجاني.
4 ـ مصابيح الأُصول بقلم : علاء الدين بحر العلوم.
5 ـ مباني الاستنباط بقلم : أبو القاسم الكوكبي.
6 ـ محاضرات في أُصول الفقه بقلم : محمّـد إسحاق الفياض.
7 ـ الأمر بين الأمرين بقلم : محمّـد تقي التبريزي.
8 ـ الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد والاحتياط والقضاء بقلم : ميرزا غلام رضا عرفانيان.
ونشطت في بداية القرن الخامس عشر الهجري المدرسة الأُصولية في قم المشرّفة ، وتوافد عليها العلماء العظام من كلّ طرف ، وازدهرت بحوثها العقلية والشرعية المعمّقة ، ولا يمكننا الآن دراسة المنهج الأُصولي لمدينة قم المشرّفة ، بسبب حداثة عهدها ؛ فنترك ذلك للأجيال العلمائية الآتية من أجل النقد والتقييم.
الاستنتاج :
وهذا العرض الشامل للمدارس الأُصولية عند الشيعة الإمامية في التاريخ ، يكشف لنا ـ إلى حد ما ـ حجم الجهد الذي بذله فقهاؤنا الأعلام

من أجل الوصول إلى صيغة استدلالية شرعية في عصر الغيبة. تلك الصيغة التي نأمل أن ترشدنا لفهم الحكم الشرعي والاقتراب من مطابقته للواقع. وقد أصبح محور علم الأُصول ، وهو في قمة نضوجه الفكري اليوم ، هو البحث عن وسائل لمعرفة الوظيفة الشرعية للمكلّف في حالات القطع والظنّ والشكّ.
ولكنّنا قد لا نستطيع إدراك مغزى الوظيفة الشرعية بعد إبتعادنا عن عصر النصّ ، ما لم نفهم الفرق بين فقه النصّ وفقه الاستدلال. فطبيعة الاستدلال تستدعي البحث عن سند الدليل في زمان ومكان يختلفان تماماً عن عصر النصوص الشرعية. بينما لا يستدعي عصر النصّ كلّ ذلك التعقيد. ومن هنا جاءت أهمّية الفروق بين فقه النصّ وفقه الاستدلال التي سندرسها في الفصل الثاني بإذنه تعالى.
ونستنتج من دراسة المدارس الأُصولية للشيعة الإمامية ، أنّ نظريات الدليل العقلي واللفظي والشرعي لم تكن من إنتاج مفكّر واحد أو من إفراز عصر معيّن بذاته. بل إنّ النظريات الأُصولية الإمامية تمثّل جهدَ حشد كبير من العلماء على طول فترة زمنية مديدة استمرّت أكثر من عشرة قرون. وإذا كان ذلك الجهد قد أثمر بناء المباني الأُصولية وترميمها ، فإنّ النظرية الأُصولية الإمامية مرشّحة للتطوّر والتكامل إذا استمرّ جهد العلماء بنفس الزخم والقوّة التي لحظناها في الألف سنة الأخيرة.

الفصل الثاني
فقه النصّ وفقه الاستدلال : من وجهة نظر أصولية
فقه النصّ وفقه الاستدلال :
إنّ السؤال الذي أثير حوله جدل واسع بين فقهاء الإسلام هو : ما مدى مصداقية الاستدلال الفقاهتي زمن النصّ؟ وهل أنّ الاجتهاد أمر حادث زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأئمّة أهل بيت النبوّة عليهم‌السلام ، أم أنّه وجد بعد انقضاء ذلك العصر؟
ومن أجل الجواب عن ذلك السؤال لابدّ من دراسة (فقه النصّ) ، و (فقه المتون المجرّدة عن أسانيدها) ، و (فقه الاستدلال) ، و (بوادر التفكير الأُصولي عند الأصحاب).
أ ـ فقه النصّ :
لا شكّ أنّ في (فقه النصّ) التزاماً شديداً بنصّ الحديث وعدم الخروج عن إطاره اللغوي أو العرفي ، وكان يقوم بممارسة ذلك اللون من الفقه : الرواة الثقات الحافظون لمتون الأحاديث وأسانيدها ؛ فقد كانت الروايات تنقل زمن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام بأسانيدها في كتب الأصحاب ، وكانوا يدوّنونها في أبواب خاصّة كالطهارة والصلاة والزكاة والحجّ ونحوها ، ولا يلزم الراوي أن يكون مجتهداً في فهم الحكم الشرعي وطبيعة استنباطه من الأدلّة المتعارفة كما في ضمّ المخصّص إلى العامّ ، والمقيّد إلى المطلق مثلاً ، بل يلزم أن يكون عالماً بألفاظ الرواية وارتباطها بالموضوع محلّ

البحث أو السؤال ؛ ولذلك فإنّ الرواة الثقات أقلّ حظّاً في بذل الجهد في استخراج الحكم الشرعي من الفقهاء الذين يمتلكون القدرة على إرجاع الفروع إلى الأُصول أو الاستدلال بالأدلّة الشرعية والعقلية.
ب ـ فقه المتون المجرّدة عن أسانيدها :
وهذا اللون من الفقه استند على تجريد الروايات عن أسانيدها وكتابتها ـ كنصوص ـ ضمن الأبواب الفقهية. وكان من روّاده علي بن بابويه (ت 329 هـ) وهو والد الشيخ الصدوق ، حيث ألّف كتاب الشرائع ، وسار على هداه ولده الشيخ الصدوق (ت 381 هـ) فكتب المقنع والهداية ، وكتب الشيخ المفيد (ت 413 هـ) كتاب المقنعة ، وتلاه الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) بكتاب النهاية.
إلاّ أنّ ظهور هذا اللون من الفقه النصّي بعد أكثر من مائة وخمسين عاماً من وفاة الصادقين عليهما‌السلام يدلّ على أنّ أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام كانوا قد عالجوا ـ عن طريق النصوص الشرعية ـ أغلب معضلات وابتلاءات القرون الأربعة التي تلت ظهور الرسالة السماوية الشريفة ؛ فلم تكن هناك حاجة ماسّة لممارسة الفقه الاستدلالي الذي حاول الأئمّة عليهم‌السلام تدريب أصحابهم عليه ، وربّما كان رسوخ التعبّد بالنصوص الشرعية في أذهان أصحاب أئمّة الهدى عليهم‌السلام قد أخّر عملية ممارسة الفقه الاستدلالي ذلك الردح الطويل من الزمن.
ج ـ الفقه الاستدلالي :
وهذا اللون من الفقه يستند على جملة من المبادئ الأُصولية التي

ازدادت الحاجة إليها في استنباط الأحكام الشرعية مع ابتعادنا عن عصر النص الشرعي خصوصاً بعد الغيبة الكبرى سنة (ت 329 هـ) ؛ فهذا العلم الشريف أخذ ـ بعد تطوّره المذهل ـ يستمدّ من علم الأُصول المباني الاستنباطية في أربع مساحات لغوية وعقلية وشرعية ...
ففي المساحة الأولى تأخذ المبادئ اللغوية كالوضع ، والحقيقة ، والمجاز ، والنقل ، والاشتراك ، والصحيح ، والأعمّ حيّزاً مهمّاً ، بينما تشغل مباحث الألفاظ كدلالة الأمر والنهي والجملة الخبرية والفور والتراخي والمرّة والتكرار والتوصّلي والتعبّدي والمفاهيم والعامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن ... ونحوها الحيّز الآخر من تلك المساحة.
أمّا المساحة الثانية وهي التي تغطّي الملازمات العقلية ، فتشمل المستقلاّت العقلية كالتحسين والتقبيح العقليين والملازمة بين حكم العقل والشرع والأُصول العقلية ، وتشمل أيضاً غير المستقلاّت العقلية (وتسمّى بمباحث الاستلزامات) كالإجزاء ومقدّمة الواجب ومبحث الضدّ واجتماع الأمر والنهي ودلالة النهي على الفساد.
أمّا المساحة الثالثة وهي مباحث الحجّة ، فتشمل الكتاب المجيد والسنّة المطهرة والإجماع والدليل العقلي وحجّية الظهور والشهرة والسيرة والتعادل والتراجيح (أي تعارض الأدلّة).
والمساحة الرابعة وهي مباحث الأُصول العملية أو الأدلّة السمعية ، وتشمل الاستصحاب والبراءة والتخيير والاحتياط.
د ـ بوادر التفكير الأُصولي عند الأصحاب :
وقد ظهرت أولى بوادر التفكير الأُصولي في زمن الصادقين عليهما‌السلام ؛

فقد كان أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام يدرّبون أصحابهم على أساليب الاستدلال الفقهي والاستنباط ، وكان لقربهم (رضى الله عنهم) من أئمّتهم عليهم‌السلام أثر عظيم في تكامل ذلك التدريب.
تدريب الأصحاب على الاستدلال :
فنرى الإمام الصادق عليه‌السلام يدرّب (زرارة بن أعين) ، وهو من خيرة أصحابه ، على فهم الروايات العلاجية وممارسة أسلوب الترجيح في الأعدلية مثلاً ، والأفقهية والأشهرية والأوثقية وما خالف العامّة ، كما ورد في غوالي اللئالي عن العلاّمة الحلّي مرفوعاً إلى زرارة قال : «سألت أبا جعفر عليه‌السلام فقلتُ : جعلتُ فداك يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فأيّهما آخذ؟ فقال عليه‌السلام : يا زرارة خُذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر.
فقلتُ : يا سيّدي إنّهما معاً مشهوران مأثوران عنكم؟
فقال عليه‌السلام : خُذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك.
فقلتُ : إنّهما معاً عدلان مرضيّان موثّقان.
فقال عليه‌السلام : انظر ما وافق منهما العامّة فاتركه ، وخُذ بما خالف ؛ فإنّ الحقّ فيما خالفهم.
قلتُ : ربّما كانا موافقين لهم أو مخالفين : فكيف أصنعُ؟
قال : إذن فخُذ بما فيه الحائطةُ لدينك واُترك الآخر.
قلتُ : فإنّهما معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان له ، فكيف أصنعُ؟

فقال : إذن فتخيّر أحدهما وتأخذُ به وتدع الآخر» (1).
وهو قد يمارس حجّية ظواهر الكتاب والعمل بعموم الآيات ، كما ورد في رواية عبد الأعلى في حكم من عثر فوقع ظفره فجعل على إصبعه مرارة ، قال : قلتُ لأبي عبد الله عليه‌السلام : «عثرتُ فانقطع ظفري فجعلتُ على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال : يُعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزّ وجلّ ، قال الله تعالى : (... وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (2) ، امسح عليه» (3).
وفي صحيحة زرارة في سؤاله أبي جعفر عليه‌السلام : «ألا تخبرني من أين علمتَ وقلتَ : أنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟
فضحك فقال عليه‌السلام : يا زرارة قاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونزل به الكتاب من الله عزّ وجلّ ، لأنّ الله عزّ وجلّ قال : (فاغسلوا وجوهكم) ، فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل ، ثمّ قال : (وأيديكم إلى المرافق) ، فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنّه ينبغي أن يُغسلا إلى المرفقين ، ثمّ فصّل بين الكلام فقال : (وامسحوا برؤوسكم) فعرفنا حين قال : (برؤوسكم) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء ، ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال : (وأرجلكم إلى الكعبين) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما ، ثمّ فسّر ذلك رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمللناس فضيّعوه» (4).
__________________
(31) غوالي اللآلي 4 / 133.
(32) سورة الحج 22 : 78.
(33) الوسائل 1 / 327 ح 5.
(34) الوسائل 1 / 290 ح 1.

وهو قد يمارس أصالة البراءة ، كما ورد في رواية عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله عليه‌السلام في حديث من أحرم في قميصه قال : «أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه» (35).
وغير ذلك من الموارد التي يستطيع فيها الأصحاب الذين كانوا على درجة من الفقاهة إفتاء الناس بها. فـ (زرارة بن أعين) المعاصر للأئمّة : الباقر والصادق والكاظم عليهم‌السلام ، و (يونس بن عبد الرحمن) المعاصر للإمامين الكاظم والرضا عليهم‌السلام ، و (زكريّا بن آدم) المعاصر للأئمّة : الصادق والرضا والجواد عليهم‌السلام وغيرهم من أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام كانوا يدركون أهمّية القواعد المشتركة في تحديد الأحكام الشرعية الثابتة تجاه متغيّرات الزمان والمكان ، وكانوا يحملون بوادر التفكير الأُصولي ، وهذا واضح من خلال دراسة طبيعة تلك الحقبة الزمنية وطبيعة الأسئلة والأجوبة الشرعية المتبادلة بين الأصحاب وأئمّتهم عليهم‌السلام ، ومعنى الإفتاء الذي كان الأئمّة عليهم‌السلام يأمرون أصحابهم بممارسته في المراكز العلمية والعبادية كمسجد المدينة ، لا يخرج عن إطار الفقه الاستدلالي بشكله الأوّلي الذي فصّلناه.
الإرجاع إلى الأصحاب :
ويستدلّ على ما ذكرناه آنفاً بما صدر عن الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام : كالإرجاع إلى أمثال (زكريّا بن آدم) ، و (أبي بصير الأسدي) ، و (يونس بن عبد الرحمن) من ثقات أصحابهم عليهم‌السلام بعنوان كلّي مثل قول الإمام الحجّة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لإسحاق بن يعقوب ، على ما في كتاب
__________________
(1) الوسائل 9 / 125 ح 3.

الغيبة للشيخ ، وكمال الدين للصدوق ، والاحتجاج للطبرسي : «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّةُ الله عليهم» (1). وعنوان (الحوادث الواقعة) يشمل الرواية والفتوى. فـ (الحوادث الواقّعة) غير المتوقّعة تناسب الاجتهاد بما فيه من استدلال وحجّية ؛ فقد لا ترد في تلك الحوادث آية محكمة أو رواية مسندة ، والرجوع المذكور في الحديث الشريف مقيّد برواة الأحاديث لا بالروايات ذاتها ، وهو يعكس معنى الاستدلال الفقهي بالرجوع إلى القواعد المشتركة في الاستنباط.
وقريب من ذلك ما ورد في أمره عليه‌السلام بالإفتاء لـ (أبان بن تغلب) قائلاً : «اجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس فإنّي أحبّ أن أرى في شيعتي مثلك» (2). وربّما كان أمل الإمام عليه‌السلام وحبّه بأن يرى في شيعته أمثال (أبان بن تغلب) نموذجاً من نماذج فقهاء الشيعة المتمرّسين على الاستدلال بالكتاب والسنّة من طريق مشروع في مقابل مدرسة القياس وإجماع الصحابة والمصالح المرسلة التي كانت ناشطة في بثّ أفكارها المستندة على الاجتهاد بالرأي.
وفي رواية أخرى أنّ الإمام الصادق عليه‌السلام قال لـ (معاذ بن مسلم النحوي) : «بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلتُ : نعم ، وأردتُ أن أسألك عن ذلك ... إلى أن يقول عليه‌السلام : اصنع ذلك فإنّي كذا أصنع» (3).
وفي تلك الشواهد التاريخية دلالات قوية تعبّر عن بدايات تمرس
__________________
(1) كمال الدين : 484.
(2) الكافي ابواب الرجوع إلى الكتاب والسنّة 1 / 59.
(3) الوسائل 18 / 108 ح 36.

الأصحاب على إدراك القواعد الأُصولية في عملية الاستنباط.
بذور الاستدلال الفقهي :
ونرجع الآن إلى الجواب عن السؤال الذي أثرناه في بداية نقاشنا لموضوع فقه النصّ وفقه الاستدلال ، المتعلّق بمصداقية الاستدلال زمن النصّ ؛ فلا شكّ أنّ بذور الاستدلال الفقهي كانت موجودة عند الأصحاب زمن الأئمّة عليهم‌السلام ، وقد عرضنا من الروايات ما يدلّ على ذلك التفكير الاستدلالي عند الأصحاب ، وما يدلّ أيضاً على تصريح أئمّة الهدى عليهم‌السلام بأهمّيته خصوصاً بعد انتهاء عصر النصّ ؛ فالنقل المجرّد للروايات لا يضمن ، خصوصاً بعد تبدّل الزمان والمكان ، الوصول إلى الحكم الواقعي أو الظنّي المقيّد برضا الشارع ، بل لابدّ من طرق وأمارات وأُصول تساعدنا ، ونحن نبتعد كلّ يوم عن عصر النصوص ، على فهم وظيفتنا الشرعية وتطبيق ما أُلزمنا بتطبيقه من قبله عزّ وجلّ ، وبطبيعة الحال ؛ فإنّ بوادر نشوء الفقه الاستدلالي الذي لمسنا وجوده في عصر النصّ كان قابلاً ـ بطبيعته ـ للتطوّر بقدر قابلية الإنسان على إدراك الملازمة بين الأحكام الشرعية والأدلّة العقلية التي يمتلكها ، وكانت البوادر الأولى لتطبيق النظرية الأُصولية على المفردات الفقهية في الاستنباط قد ظهرت على يد شيخ الطائفة ، أبي جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي رضي‌الله‌عنه.


الشيخ الطوسي : عصر تطبيق النظرية الأُصولية :
ارتبط عصر التأسيس العلمي لأُصول الفقه بانتقال الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) إلى النجف سنة 448 هـ واستقراره فيها وفتح باب التدريس لمصنّفاته الشهيرة : المبسوط وعُدّة الأُصول وتهذيب الأحكام والاستبصار والتبيان والفهرست في أسماء المصنّفين من الشيعة.
النجف وتأسيس الحوزة :
فالنجف ، كمدينة مقدّسة ، بدأ تاريخها منذ اكتشاف قبر الإمام علي عليه‌السلام سنة 170 هـ بعد أن كان مجهولاً للناس عدا القلّة المنتخَبة من الأصحاب ، أمّا تاريخها العلمي ، فإنّه بدأ ـ حسب المشهور ـ بهجرة الشيخ الطوسي إليها سنة 448 هـ وتأسيس المؤسّسة العلمية الشريفة التي عُرفت في ما بعد بـ (الحوزة العلمية) ...

ولكنّ ابن طاووس ذكر في كتابه فرحة الغري أنّ : «عضد الدولة البويهي (فناخسرو) زار النجف الأشرف سنة 371 هـ ، وقام أثناء زيارته هذه بتوزيع المال على الفقهاء» (1). وهذا النصّ ـ فيما لو ثبت سنده ـ يدلّ على ظهور الحركة العلمية الشيعية قبل أقلّ من قرن من الزمان من المشهور عن زمن تأسيس الحوزة العلمية ، ويؤيّده أنّ اختيار الشيخ الطوسي للتوجّه نحو النجف لتنشيط الحوزة العلمية لم يكن قراراً منفرداً ، بل كانت له حيثيّاته الموضوعية والتاريخية التي شجّعته على التوجّه إلى تلك المدينة المشرّفة مباشرة دون غيرها من مدن الطائفة ، ولو أُضيف إلى ذلك الإلهام الذي يستمدّه الفقيه بمجاورته مرقد باب مدينة علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام لازدادت قناعتنا بأنّ تلك المدينة العريقة كانت أهلاً لاحتضان علوم الشريعة بأرقى مستوياتها ، وما ميّز النجف في عصر الشيخ الطوسي عن غيره من العصور أنّ علمي الفقه والأُصول انتقلا إلى طراز متطوّر في عمرهما المديد.
موارد بناء علم الأُصول :
ولا شكّ أنّنا لا نستطيع استيعاب فكرة النظريات الأُصولية التي طرحها الشيخ الطوسي في حوزة النجف العلمية في منتصف القرن الخامس الهجري ما لم ندرس بإسهاب أربعة موارد أصولية مهمّة للغاية في بناء علم الأُصول وتطوّره لاحقاً على أيدي فقهائنا الأعلام ، وهي :
أ ـ تطبيق النظريات الأُصولية في الفقه.
__________________
(1) فرحة الغري : الباب الرابع عشر : فيما ورد عن جماعة أعيان من العلماء والفضلاء.

ب ـ التمييز بين الأدلّة الإجمالية والأدلّة التفصيلية.
ج ـ حجّية خبر الواحد.
د ـ حجّية الإجماع.
أ ـ تطبيق النظريات الأُصولية في الفقه :
لقد كان الشيخ الطوسي يطمح إلى تطوير شامل في علمي الفقه والأُصول خصوصاً بعد أن أحسّ بالحاجة إلى منهجة الفقه الإمامي منهجة علمية استدلالية بعيدة عن العرض المجرّد للنصوص ، وقد كان كتاب عدّة الأُصول مرآة لذلك التطوير النوعي ، وكان كتاب المبسوط في الفقه تعبيـراً واضحاً عن التطوّر الملحوظ الذي وصلت إليه البحوث الفقهية ، وكتاب تهذيب الأحكام كان محاولة استدلالية رائعة لتطبيق النظريّات الأُصولية التي آمن بها على المفردات الفقهية الخاصّة ، وقد عبـّرت مقدّمة كتاب التهذيب عن ذلك ؛ فقال في خطبة الكتاب : «... وأن أترجم كلّ باب على حسب ما ترجمه [يعني أستاذه الشيخ المفيد في كتاب المقنعة] ، وأذكر مسألة مسألة ، فأسـتدلّ عليها :
* إمّا من ظاهر القرآن ، أو من صريحه ، أو فحواه ، أو دليله ، أو معناه.
* وإمّا السنّة المقطوع بها من الأخبار المتواترة أو الأخبار التي تقترن إليها القرائن التي تدلّ على صحّتها.
* وإمّا من إجماع المسلمين إن كان فيها ، أو إجماع الفرقة المحقّة.
* ثمّ أذكر بعد ذلك من أحاديث أصحابنا المشهورة في ذلك.
* وأنظر في ما ورد ـ بعد ذلك ـ ممّا ينافيها ويضادّها ، وأبيّن الوجه فيها : إمّا بتأويل أجمع بينها وبينها ، أو أذكر وجه الفساد فيها ، إمّا من ضعف

إسنادها ، أو عمل العصابة بخلاف متضمّنها.
* فإذا اتّفق الخبران على وجه لا ترجيح لأحدها على الآخر ، بينتُ أنّ العمل يجب أن يكون بما يوافق دلالة الأصل وترك العمل بما يخالفه.
* وكذلك إن كان الحكم مما لا نصّ فيه على التعيين حملته على ما يقتضي الأصل.
* ومهما تمكّنتُ من تأويل بعض الأحاديث من غير أن أطعن في إسنادها ، فإنّي لا أتعدّاه. وأجتهد أن أروي في معنى ما أتأوّل الحديث عليه حديثاً آخر يتضمّن ذلك المعنى ، إمّا من صريحه ، أو فحواه ، حتّى أكون على الفتيا والتأويل بالأثر ، وإنّ هذا ممّا لا يجب علينا ، لكنّه ممّا يؤنس بالتمسّك بالأحاديث.
وأجري على عادتي هذه إلى آخر الكتاب ، وأوضّح إيضاحاً لا يلتبس الوجه على أحد ممّن نظر فيه» (1).
أمّا في كتاب المبسوط في فقه الإمامية فقد كسر الشيخ الطوسي حاجز الاستعراض الروائي ودخل بقدرة فائقة إلى رحاب الاستدلال الشرعي والعقلي للمسائل الفقهية ، وكان ذلك يتمّ عبر تسليط الضوء على الجوانب الاستدلالية للمفردات الفقهية في التحليل والتعليل والتأصيل والتفريع والنقد والتجريح ، وكان تطبيق القواعد الأُصولية إلى جانب استنطاق النصوص من أهمّ ميّزات الاستدلال في كتاب المبسوط في فقه الإمامية ؛ فقد ذكر في شرح منهجية بحثه الاستدلالي نحواً من القواعد منها :
* ... وإذا كانت المسألة أو الفرع ظاهراً أقنع فيه بمجرّد الفتيا.
__________________
(1) تهذيب الأحكام : المقدّمة.

* وإذا كانت المسألة أو الفرع غريباً أو مشكلاً أومئ إلى تعليلها ووجه دليلها ليكون الناظر فيها غير مقلّد ولا متحيّر.
* وإذا كانت المسألة أو الفرع ممّا فيه أقوال العلماء ذكرتها وبيّنت عللها والصحيح منها والأقوى ، وأنبّه على جهة دليلها ، لا على وجه القياس ، وإذا شبّهتُ شيئاً بشيء فعلى جهة المثال ، لا على وجه حمل إحداهما على الأخرى أو على وجه الحكاية عن المخالفين دون الاعتبار الصحيح (1).
ب ـ التمييز بين الأدلّة الإجمالية والأدلّة التفصيلية :
وقد حاول الشيخ الطوسي التمييز بين الأدلّة الإجمالية والأدلّة التفصيلية ، وكان يقصد بالأدلّة الإجمالية القواعد المشتركة في علم الأُصول ، ويقصد بالأدلّة التفصيلية الأدلّة الفقهية الخاصّة بمواردها الموضوعية ؛ فيقول في الفصل الأوّل من عدّة الأُصول في معرض حديثه عن ماهية أصول الفقه وانقسامها وكيفية ترتيب أبوابها : (أصول الفقه هي أدلّة الفقه ، فإذا تكلّمنا في هذه الأدلّة فقد نتكلّم في ما تقتضيه من إيجاب وندب وإباحة وغير ذلك من الأقسام على طريق الجملة. وليس يلزم عليها أن تكون الأدلّة الموصلة إلى فروع الفقه الكلام على ما في أصول الفقه ؛ لأنّ هذه الأدلّة أدلّة على تعيين المسائل ، والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيل) (2).
ولا شكّ أنّ التمييز بين الأدلّة الإجمالية والأدلّة التفصيلية لم يكن نتيجة مجرّدة من نتائج عدم الاقتصار على استعراض نصوص الكتاب
__________________
(1) المبسوط في فقه الإمامية 1 / 3.
(2) عُدّة الأُصول 1 / 3.

المجيد وما يصحّ من السنّة المطهّرة فحسب ، بل إنّ ذلك التمييز نشأ لمعالجة الإشكاليّات المنبثقة عن استخدام القواعد الفقهية أو الأُصولية في عملية الاستنباط الشرعي أكثر من مرّة.
وقد لمحنا أوّل مرّة في كتب الشيخ الطوسي الفقهية طبيعة الصناعة الأُصولية التي لها أصولها وقواعدها المتميّزة ، ومع أنّ كتاب عُدّة الأُصول لم يتجاوز على الأغلب مباحث الألفاظ من الأوامر والنواهي ، ودلالات هيئات الألفاظ وموادّها ، إلاّ أنّ القيام بدراسة المسائل الأُصولية وتنقيح مواردها بشكل منفصل عن الفقه بصورة موضوعية يشعرنا بإدراك الشيخ الطوسي لأهميّة التمييز بين الأدلّة الإجمالية والأدلّة التفصيلية. وهو ما توضّحت أهميّته الموضوعية لاحقاً في تشخيص بعض الموارد على صعيد مبادئ علم الاستنباط.
ج ـ حجّية خبر الواحد :
وكان التشابك بين علم الأُصول وعلم الكلام (أي علم أصول الدين) قد أدّى إلى إنكار حجّية خبر الواحد في تلك الفترة التأسيسية لعلم الأُصول ، فقد آمن بعض الفقهاء ، ومنهم السيّد المرتضى ، بأنّ خبر الواحد ـ وهو الرواية الظنّية التي لا نعلم صدقها بشكل قطعي ـ لا يمكن الاستدلال به على النطاق الفقهي ، لأنّ الدليل الأُصولي ينبغي أن يكون قطعياً ؛ فقالوا بعدم جواز التعبّد بخبر الواحد شرعاً وجعلوه بمنـزلة القياس في كون ترك العمل به معروفاً عند الشيعة ، وإن كان العقل يحكم بجواز التعبّد به ؛ ولذلك فإنّهم وجدوا أنفسهم في غنىً عن مناقشة مسائل التعارض والتراجيح والتخيير وطبيعة المراسيل.
فقد قال السيّد المرتضى في الذريعة : «اعلم إنّا إذا كنّا قد دلّلنا على

أنّ خبر الواحد غير مقبول في الأحكام الشرعية فلا وجه لكلامنا في فروع هذا الأصل الذي دلّلنا على بطلانه ؛ لأنّ الفرع تابع لأصله ، فلا حاجة بنا إلى الكلام على أنّ المراسيل مقبولة أو مردودة ، ولا على وجه ترجيح بعض الأخبار على بعض ، وفي ما يردّ له الخبر أو لا يردّ في تعارض الأخبار ، فذلك كلّه شغل قد سقط عنّا بإبطالنا ما هو أصل لهذه الفروع ، وإنّما يتكلّف الكلام على هذه الفروع من ذهب إلى صحّة أصلها ، وهو العمل بخبر الواحد ...) (1).
وذكر الشيخ ابن إدريس في مقدمة كتاب السرائر نقلاً عن السيّد المرتضى في الموصليّات قوله : «لابدّ في الأحكام الشرعية من طريق يوصل إلى العلم ... ولذلك أبطلنا في الشريعة العمل بأخبار الآحاد ، لأنّها لا توجب علماً ولا عملاً ، وأوجبنا أن يكون العمل تابعاً للعلم ، لأنّ خبر الواحد إذا كان عدلاً فغاية ما يقتضيه الظنّ بصدقه ومن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذباً» (2).
ولكنّ الشيخ الطوسي خالف أُستاذه السيّد المرتضى وأعلن إيمانه بحجّية خبر الواحد ؛ فقد رأى بخبر الواحد دليلاً قاطعاً يجوز التعبد به ، وإلى ذلك أشار شيخ الطائفة في عُدّة الأُصول : «من عمل بخبر الواحد فإنّما يعمل به إذا دلّ دليل على وجوب العمل به إمّا من الكتاب أو السنّة أو الإجماع ، فلا يكون قد عمل بغير علم» (3). وقال في مكان آخر : «فأمّا ما اخترته من المذهب فهو إنّ خبر الواحد إذا كان وارداً من طريق أصحابنا
__________________
(1) الذريعة 2 / 554 ـ 555.
(2) السرائر : المقدّمة ، طبعة حجرية.
(3) عدة الأُصول 1 / 44.

القائلين بالإمامة وكان ذلك مرويّاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عن واحد من الأئمّة عليهم‌السلام ، وكان ممّن لا يطعن في روايته ويكون سديداً في نقله ولم يكن هناك قرينة تدلّ على صحّة ما تضمّنه الخبـر ـ لأنّه إن كان هناك قرينة تدلّ على صحّة ذلك كان الاعتبار بالقرينة وكان ذلك موجباً للعلم ، ونحن نذكر القرائن فيما بعد ـ جاز العمل به» (1).
وقد كانت نظرية (حجّية خبر الواحد) للشيخ الطوسي موفّقة إلى أبعد الحدود ؛ فقد بقي الفقهاء يناقشونها منذ عصر الشيخ الطوسي حتّى عصر الشيخ الأنصاري ، وقد انقسم أصحاب الرأي فيها ـ منذ عهد الشيخ الطوسي حتى عهد المحقّق الحلّي وما بعده ـ إلى معسكرين.
الأوّل : المعسكر المنكِر لحجّية العمل بخبر الواحد.
الثاني : المعسكر المؤيّد لحجّية العمل بخبر الواحد.
ولا شكّ أنّ المعسكر الثاني كان قد انتصر في معركته الفكرية منذ عهد المحقّق الحلّي ، وفي هذا الحيّز من الفكر الأُصولي ؛ فإنّ من المهمّ ملاحظة الأدلّة التي قُدّمت لاحقاً من قبل الفقهاء على مدى القرون العشرة اللاحقة على انتهاء عصر الشيخ الطوسي ؛ فإنّنا بذلك اللحاظ سوف ندرك قوّة تفكير الشيخ رضوان الله عليه.
أدلّة المنكرين للعمل بخبر الواحد :
وقد استدلّ هذا المذهب القائل بعدم حجّية خبر الواحد على نظريته بثلاثة وجوه :
__________________
(1) عدة الأُصول 1 / 51.

الأوّل : دعوى الإجماع على عدم حجّية خبر الواحد ، وقد أُشكل على هذا الدليل بأنّ الإجماع المنقول هو من أفراد خبر الواحـد ، ولا شكّ أنّ عدم حجّية خبر الواحد تُثبِت بالضرورة عدم حجّية الإجماع المنقول ، ولذلك فإنّنا لا نستطيع نفي حجّية خبر الواحد عن طريق الإجماع المنقول ...
يضاف إلى ذلك أنّ المشهور بين الفقهاء هو حجّية خبر الواحد ، عدا خمسة فقهاء هم : السيّد المرتضى والقاضي وابن زهرة والطبرسي وابن إدريس الذين آمنوا جميعاً بعدم حجّيته ، ولكن هؤلاء الفقهاء بمجموع آرائهم وفتاويهم لا يمكن أن يشكّلوا إجماعاً منقولاً.
الثاني : الروايات الناهية عن العمل بالخبر المخالف للكتاب والسنّة وكذلك الروايات الناهية عن العمل بالخبر الذي لا يكون عليه شاهد أو شاهدان من كتاب الله أو سنّة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد رُدّ على هذا الإشكال بالقول : بأنّ المراد من المخالفة في هذه الأخبار هي تلك المخالفة التي تقع بحيث لا يكون بين الخبر وكتاب الله جمع عرفي ، كما في حالتي كون الخبر مخالفاً للقرآن بنحو التباين أو العموم من وجه ، وفي هاتين الحالتين لا يكون الخبر حجّة بكل تأكيد ، وهو بحث خارج عن نقاشنا هنا ، أمّا الأخبار المخالفة للقرآن بنحو التخصيص أو التقييد فلا تندرج تحت هذا اللون من الروايات ، لأنّنا نعلم بصدور المخصّص لعمومات القرآن المجيد والمقيد لإطلاقاته عن أئمّتنا عليهم‌السلام.
وفي حالة الأخبار الدالة على المنع عن العمل بخبر الواحد عندما لا يكون عليه شاهد أو شاهدان من كتاب أو سنّة ، فقد ورد : أن هناك أخباراً متعارضة يُعلم بصدورها ولا شاهد لها من الكتاب والسنّة ؛ فلابدّ من حمل

هذه الأخبار على صورة التعارض ، كما نوقش في محلّه في علم الأُصول.
الثالث : الآيات الناهية عن العمل بغير العلم ، كقوله تعالى : (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (1) ، وقوله تعالى : (اَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ...) (2) وقد رُدّ على هذا الدليل بالقول بأنّ تلك الآيات الشريفة لا دلالة لها على عدم حجّية خبر الواحد أصلاً ، بل إنّ مفادها هو حكم إرشادي وهو إرشاد المكلّف إلى حكم العقل بوجوب تحصيل العلم كمؤمِّن له من العقاب ، وعدم جواز الاكتفاء بالظنّ به بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل.
أدلّة المجوّزين للعمل بخبر الواحد :
وقد استدلّ هذا المذهب الذي يرى جواز حجّية خبر الواحد على نظريّته بالأدلّة الأربعة ، وهي :
الأوّل : الكتاب المجيد ومنها : آية النبأ وهي قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (3). وقد استدلّ على هذه الآية بتقريبات ثلاثة وهي :
التقريب الأوّل : إنّ خبر الفاسق له جهتان ، الأولى : ذاتية ، وهو كونه خبر واحد ، والثانية : عرضية ، وهي كونه خبر فاسق ، حيث إنّ الفسق ليس ذاتيّاً للإنسان الفاسق ، ومقتضى التحقيق هو الجهة الثانية ، أي الجهة
__________________
(1) سورة الإسراء 17 : 36.
(2) سورة يونس 10 : 36.
(3) سورة الحجرات 49 : 6.

العرضية ..
كما قال الشيخ الأنصاري في رسائله (1) :
«فوجوب التبيّن في خبر الفاسق إنّما كان من أجل فسقه ، إذ لو كانت العلّة في وجوب التبيّن هي الجهة الذاتية ، لكان العدول عن الذاتي إلى العرضي قبيحاً». أي وبمعنى آخر لكان العدول عن خبر الواحد إلى خبر الفاسق خارجاً عن طريق المحاورة العرفية.
التقريب الثاني : وهو الاستدلال بمفهوم الشرط ، فقد عُلّق وجوب التبيّن في خبر الواحد على كون الآتي به فاسقاً ؛ فينتفي المشروط ـ وهو وجوب التبيّن ـ عند انتفاء الشرط ، كما هو متّفق عليه في القضايا الشرطية ، أمّا إذا كان حامل الخبر غير فاسق ، بل ولنفترض أنّه كان عادلاً ، فلا يجب التبيّن حينئذ.
التقريب الثالث : وهو الاستدلال بمفهوم الوصف ؛ فقد أوجب المولى عزّ وجلّ التبيّن عن خبر الفاسق ، ولكنّ التبيّن ـ ذاته ـ ليس من الواجبات النفسية أو الذاتية ، بل إنّ وجوب التبيّن في خبر الفاسق هو من أجل ترتيب الأثر عليه ، فيكون ـ عندئذ ـ مقتضى التعليق على الوصف أنّ العمل بخبر غير الفاسق لا يوجب التبيّن ، وإلاّ لكان التعليق بخبر الفاسق لغواً.
وقد استدلّ بآيات أخر مفصّلة يمكن مراجعتها من مظانّها.
الثاني : الروايات التي استدل بها على حجّية خبر الواحد :
ومنها : الأخبار العلاجية الواردة في الخبرين المتعارضين من الأخذ
__________________
(1) فرائد الأُصول 1 / 116.

بالأعدل والأصدق والمشهور ، والتخيير عند التساوي ، مثل مقبولة عمر بن حنظلة ، حيث يقول : «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث» (1) ، ورواية غوالي اللئالي المروية عن العلاّمة والمرفوعة إلى زرارة : «قال : يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان ، فبأيّهما نأخذ؟ قال : خُذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذّ النادر ، قلت : فإنّهما معاً مشهوران ، قال : خُذ بأعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك» (2) ، ودلالة هذه الروايات ونحوها على اعتبار الخبر غير المقطوع الصدور واضحة ولا تحتاج إلى مزيد من البيان.
ومنها : الأخبار الآمرة بالرجوع إلى رواة معيّنين بأسمائهم ، مثل إرجاعه عليه‌السلام إلى زرارة بقوله عليه‌السلام إلى أحد السائلين : «إذا أردت حديثاً فعليك بهذا الجالس مشيراً إلى زرارة» (3).
ومنها : الأخبار الآمرة بالرجوع إلى الثقات كقوله عليه‌السلام لعلي بن المسيّب بعد السؤال عمّن يأخذ عنه معالم الدين : «عليك بزكريّا بن آدم المأمون على الدين والدنيا» (4) ، وظاهر هذه الرواية أنّ قبول قول الثقة كان من الأمور المفروغ منها عند الراوي ؛ فسأل عن وثاقة من يأخذ عنه معالم الدين حتّى يُرتّب عليها أخذ القضايا الشرعية منه.
وبكلمة ، فإنّ المتيقّن من حجّية العمل بخبر الثقة هو خبر الثقة الذي يضعف فيه احتمال الكذب على وجه لا يعتني به العقلاء بل يقبّحون
__________________
(1) الكافي 1 / 68.
(2) غوالي اللئالي 4 / 133.
(3) بحار الانوار 2 / 246 ، رجال الكشي : 136.
(4) بحار الأنوار 2 / 251 ، رجال الكشي : 595.

التوقّف فيه لأجل ذلك الاحتمال ، كما آمن بذلك فقهاؤنا العظام رضوان الله عليهم جميعاً.
الثالث : الإجماع ، وقد استدلّ لحجّية خبر الواحد بالإجماع ، وهو تتبّع أقوال العلماء خلال العصور المتعاقبة ، فيحصل من ذلك القطع بالاتفاق الكاشف عن رضا الإمام عليه‌السلام بالحكم أو وجود نصّ معتبر في المسألة ، ولم يحضَ رأي السيّد المرتضى وأتباعه المخالِف للمشهور بعناية ما ، كما أشار الشيخ الطوسي إلى ذلك في (عدّة الأُصول) ، وقد أجمع علماء الشيعة بعد الشيخ الطوسي على حجّية خبر الواحد ، ما عدا ابن زهرة وابن إدريس كما ألمحنا إلى ذلك سابقاً.
الرابع : العقل ، وقد استدلّ به في إثبات حجّية خبر الواحد ؛ فممّا يطمئننا بعد أكثر من ألف عام على انقضاء عصر النصّ أنّ أكثر الأخبار بل جُلّها ، إلاّ ما شذّ وندر ، قد صدرت يقيناً عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ووصلتنا كما هي دون زيادة أو نقصان ، ويؤيّد ذلك اعتناء رواة الشيعة الأجلاّء من أصحاب الأئمّة وفقهائهم بنقل الأحاديث ؛ فقد روي عن حمدويه ، عن أيوب بن نوح : «إنّه دفع إليه دفتراً فيه أحاديث محمّـد بن سنان ، فقال : إن شئتم أن تكتبوا ذلك فافعلوا ، فإنّي كتبتُ عن محمّـد بن سنان ، ولكن لا أروي لكم عنه شيئاً ، فأنّه قال قبل موته : كلّ ما حدّثتكم به فليس بسماع ولا برواية ، وإنّما وجدته» (1) ..
فهذا الاحتياط في الرواية عمّن لم يسمع من الثقات دليل قوي على شدّة عناية الأصحاب بالروايات المنقولة إلينا وصحّتها. ولكن ، ومع كلّ
__________________
(1) رجال الكشي : 507.

ذلك ، لابدّ من البحث عن الرواة الثقات بحثاً علميّاً دقيقاً ، وهذا ما سنتناوله في كتاب آخر عند مناقشتنا النظرية الرجالية ؛ فنحن نعلمُ إجمالاً بقطعية صدور الكثير مما بأيدينا من الأخبار عن أئمّة الهدى عليهم‌السلام ، ولعلّ الداعي إلى شدّة الاهتمام بالروايات يكمن في أنّ في نقلها بصدق : أساس الدين وقوام الشريعة ؛ فليس غريباً أن نلمس آثار قول الإمام عليه‌السلام في شأن جماعة من الرواة الثقات : «لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوّة واندرست» (1).
د ـ حجّية الإجماع :
ولا شكّ أنّ توسّع البحوث الفقهية وتغيّر الحياة الاجتماعية وبعدها عن عصر النصوص الشرعية ، دفع الفقهاء إلى التفتيش عن أدلّة جديدة للاستنباط خصوصاً في حالات عدم وجود نصّ معيّن أو في حالات عدم اقتناعهم بسلامة ذلك النصّ من حيث السند أو الدلالة.
وقد أثمر ذلك التفتيش العلمي الدقيق فكرة مفادها : إنّ إجماع فقهاء الطائفة في عصر واحد على حكم شرعي يعدّ دليلاً على وجود نصّ من الشارع يجوّز الاعتماد عليه ، إذ يستحيل عقلاً أن يجمع فقهاء الأمّة على حكم ما من دون أن يحصل منهم من ينشقّ عليهم ويصيب الواقع.
الإجماع أداة كشف :
فالإجماع ـ في واقعه ـ ليس دليلاً بذاته ، بل أداة من أدوات الكشف المشروطة عن السنّة ، أي أنّ الإجماع لا يكون دليلاً ما لم يؤيّده دليل قاطع
__________________
(1) الوسائل 18 / 103.

من الكتاب والسنّة ، وبموجب هذا الفهم ، فإنّ مصادر التشريع تبقى محصورة في الكتاب والسنّة ، وهذا التقريب قد يفسّر لنا تحفّظ السيّد المرتضى على إدراج مسألة الإجماع في الأدلّة الأربعة ، فقال في جوابات المسائل الموصليّات الثالثة جواباً عن سؤال كان قد ورده عن (حكم المسألة الشرعية التي لا دليل عليها من الكتاب والسنّة) : «هذا الذي فرضتموه قد أمنّا وقوعه ، لأنّا قد علمنا أنّ الله تعالى لا يخلي المكلّف من حجّة وطريق إلى العلم بما كلّف ، وهذه الحادثة التي ذكرتموها ، وإن كان لله تعالى فيها حكم شرعي ، واختلفت الإمامية في وقتنا هذا فيها ، فلم يمكن الاعتماد على إجماعهم الذي نتيقّن بأنّ الحجّة فيه لأجل وجود الإمام في جملتهم ؛ فلابدّ من أن يكون على هذه المسألة دليل قاطع من كتاب أو سنّة مقطوع بها ، حتّى لا يفوّت المكلّف طريق العلم الذي يصل به إلى تكليفه ...) (1).
ولكن برزت حجّية الإجماع بقوّة على الصعيد العلمي على يد الشيخ الطوسي بشكل خاصّ ، فهو بعد أن عقد باباً خاصّاً عن (الكلام في الإجماع) فإنّه فصّل فيه القول ، فذكر أوجهاً لدليلية الإجماع فقال : «والذي نذهب إليه أنّ الأمّة لا يجوز أن تجتمع على خطأ وأنّ ما يجمع عليه لا يكون إلاّ صواباً وحجّة ، لأنّ عندنا أنّه لا يخلو عصر من الأعصار من إمام معصوم حافظ للشرع يكون قوله حجّة يجب الرجوع إليه كما يجب الرجوع إلى قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد دلّلنا على ذلك في كتابنا (تلخيص الشافي) واستوفينا كلّ ما يُسأل عن ذلك من الأسئلة ...» (2) ..
__________________
(1) رسائل الشريف المرتضى 1 / 210.
(2) عدّة الأُصول 2 / 232.

وفي موضع آخر يتعرّض بشكل أدقّ لنظريّته في حجّية الإجماع ، فيقول : «فالذي نقوله : إنّهم إذا أجمعوا [أي الفقهاء] على العمل بمخبـر خبر وكان الخبر من أخبار الآحاد ـ لأنّه إذا كان من باب المتواتر فهو يوجب العلم فلا يحتاج إلى الإجماع ـ فيكون قرينة في صحّته فإنّه يحتاج أن ينظر في ذلك : فإن أجمعوا على أنّهم قالوا ما قالوه لأجل ذلك الخبر قطعنا بذلك على أنّ الخبر صحيح صدق ، وإن لم يظهر لنا من أين قالوه ولم ينصّوا لنا على ذلك فإنّا نعلم بإجماعهم أن ما تضمّنه الخبر صحيح ، ولا يعلم بذلك صحّة الخبر لأنّه لا يمتنع أن يكونوا [قد] قالوا بما وافق مخبر الخبر بدليل آخر أو خبر آخر أقوى منه في باب العلم أو سمعوه من الإمام المعصوم عليه‌السلام فأجمعوا عليه ولم ينقلوا ما لأجله أجمعوا اتكالا على الإجماع».
ويتبيّن من هذا النـصّ أنّ الاستدلال بحجّية الإجماع ـ باعتباره كاشفاً مستقلاًّ عن الخبر ـ طريقة من الطرق العقلية أو الشرعية في إصابة الواقع ، عند الشيخ الطوسي ، وهذا الاستدلال ألغى تحفّظ السيّد المرتضى بشأن اشتراط وجود دليل قاطع بأيدينا من كتاب أو سنّة ؛ فلربّما توفّر ذلك الدليل القاطع من كتاب أو سنّة عند المجمعين السابقين لا عندنا ، وهذا الدليل قدّم سنداً قوياً لعملية الاستنباط ، فبفضله أصبحت العملية الاجتهادية الشرعية تقوم على أربعة عناصر بدل ثلاثة كما كان معروفاً في السابق ، وهي : الكتاب والسنّة والعقل والإجماع ، وعندها أصبح التعبّد بخبر الواحد والإجماع من أدوات الاجتهاد ، بحيث يمكن الاستدلال بهما على النطاق الفقهي في عملية الاستنباط.

الفصل الثالث
العقبات التاريخية التي حاولت تقويض
المباني الأُصولية
مقدّمة :
لا شكّ أنّ أهمّ العقبات التي وقفت بوجه علم الأُصول ، كانت قد تمثّلت في الاتجاهات الفلسفية والدينية التي وقفت ضدّ العقل والإدراك العقلي كحجّة معتبرة متطابقة مع الحجج الشرعية ، وبطبيعة الحال فإنّ علم الأُصول لم يتناول يوماً ما الإدراكات العقلية مجرّدة فحسب ، بل تناول أيضاً البيانات الشرعية في الكتاب المجيد والسنّة المطهّرة من قول المعصوم أو فعله أو تقريره.
إلاّ أنّ تلك العقبات على ضخامتها وتحدّيها الصارخ لدور العقل والدليل العقلي في احتلال موقعه الطبيعي في ساحة الكشف عن الأحكام الشرعية ، لم تستطع تحطيم الأساس الفكري الذي بُني عليه علم الأُصول ؛ فقد وقف علم الأُصول ـ على لسان الفقهاء المؤمنين بدوره الحساس في عملية استنباط الأحكام الشرعية ـ فوق كلّ تلك التحدّيات الفكرية التي لبست إطاراً شرعيّاً وتاريخيّاً مقنّعاً بظاهر الدليل ، بل إنّ تلك العقبات التي صُمّمت بالأصل لتحطيم علم الأُصول وضعت في أحشائه ـ من دون قصد ـ بذور النمو والتطوّر نحو مراحل عليا في الإدراك والفهم الإنساني للوظيفة الشرعية ، في ما يخصّ التكليف الإلهي ، وسوف نناقش بعض تلك العقبات ، ومنها : الفلسفة الأخبارية والمذهب الحسّي والنـزعة الصوفية.

أ ـ المدرسة الأخبارية :
قامت المدرسة الأخبارية التي قادها محمّـد أمين الاسترآبادي (ت 1033 هـ) بمحاولة إلغاء دور المباني الأُصولية في عملية الاستنباط ، فقد هاجمت تلك المدرسة ـ على لسان زعيمها الاسترآبادي ـ فقهاء الطائفة ومؤسّسي علم الأُصول كابن أبي عقيل وابن الجنيد والشيخ الطوسي بحجّة أنّهم اقتبسوا مباني علم أصول الفقه من أهل السنّة ، وبذلك فإنّهم ساهموا ، حسب زعمها ، في فقدان أهمّية النصوص الشرعية للمذهب الإمامي ، وسخّرت تلك المدرسة من فقهاء الإمامية من (القديمين) (1) وحتّى (الشهيدين) (2) ، وتساءلت : لو كان الفقه يتطلّب حقّاً استعمال القواعد الأُصولية لكان ذلك يعني أنّ بعض أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام لم يكونوا فقهاء ، لأنّهم لم يمارسوا استعمال تلك القواعد ، فكيف تظهر القواعد المشتركة بعد الغيبة ولم يلتفت إليها الأصحاب؟
مباني المدرسة الأخبارية :
وقد اعتمدت المدرسة الأخبارية على ثلاثة مباني لتبرير حججها وهي :
1 ـ عدم حجّية ظواهر الكتاب والسنّة ؛ فقد اعتقدت تلك المدرسة
__________________
(1) القديمين : يقصد بهما ابن أبي عقيل العماني المعاصر للشيخ الكليني في طليعة القـرن الرابع الهجـري ولم نعثر على تاريخ وفاته ، وابن الجـنيد الاسكافي(ت 381 هـ).
(2) الشهيدين : يقصد بهما الشهيد الأوّل (ت 786 هـ) ، والشهيد الثاني(ت 965 هـ).

بحرمة استنباط الأحكام النظرية الشرعية من ظواهر الكتاب المجيد والسنّة الشريفة ، بخلاف الأصوليين الذين قالوا بحجّية ظواهر الكتاب والسنّة ، ويمكن استفادة ذلك من أقوال زعيمها ..
فقد ذكر الأسترآبادي في كتابه (الفوائد المدنية) : «إنّ القرآن في الأكثر ورد على وجه التعمية بالنسبة إلى أذهان الرعية وكذلك كثير من السنن النبوية ، وأنّه لا سبيل لنا في ما لا يعلمه من الأحكام النظرية الشرعية ـ أصلية كانت أو فرعية ـ إلاّ السماع من الصادقين ، وأنّه لا يجوز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر كتاب الله ولا من ظواهر السنّة النبوية ما لم يعلم أحوالها من جهة أهل الذكر عليهم السلام بل يجب التوقّف والاحتياط فيها» (1).
2 ـ دعوى قطعية أحاديث الكتب الأربعة. وقد بُني على هذا الأصل انتفاء البحث عن حال الراوي من حيث الوثاقة أو عدمها ، ولكن هذا الادّعاء لم يستند على حجّة أو بيّنة ؛ لأنّ مؤلّفي الكتب الحديثية الأربعة أنفسهم لم يدّعوا ذلك ، بل أنّ أقصى ما يمكن نسبته إليهم هو أنّهم ادّعوا صحّة الأخبار المودعة فيها بقرائن تفيد الاطمئنان بصدورها عن الأئمّة عليهم‌السلام ، ولكن خبر العدل لا ينهض إلى مستوى الحجّية إلاّ أن يكون ناتجاً عن قضية حسّية لا حدسية ، وقد كان نقل الأخبار بأسانيدها يدفعنا للأيمان دائماً بأنّ المشايخ الثلاثة (الكليني والصدوق والطوسي) كانوا يشعرون بالإحساس بضرورة البحث عن أحوال الرواة من حيث الوثاقة أو عدمها خصوصاً في الأجيال التي ستلحقهم ، ولذلك فإنّهم قد تحمّلوا عبء
__________________
(1) الفوائد المدنية : 47.

كتابة الأسانيد بطولها الرتيب المملّ من أجل إنجاز ذلك الهدف.
3 ـ إنكار الدليل العقلي على نطاق الاستنباط ، فقد مالت هذه المدرسة بشكل خطير نحو المذهب الحسّي في نظرية المعرفة ، وهاجمت حجّية العقل في نطاق الاستنباط باعتباره مجرّد اعتماد غير علمي على (الدليل الظنّي في أحكامه تعالى) (1) ، وكان ذلك الاستنتاج منتزعاً من فهم معيّن للعلوم النظرية ..
فقد قال الاسترآبادي بأنّ «العلوم النظرية قسمان : قسم ينتهي إلى مادّة هي قريبة من الإحساس ومن هذا القسم علم الهندسة والحساب وأكثر أبواب المنطق ، وهذا القسم لا يقع فيه الاختلاف بين العلماء ... وقسم ينتهي إلى مادّة بعيدة عن الإحساس ، ومن هذا القسم : الحكمة الإلهية والطبيعية وعلم الكلام وعلم أصول الفقه والمسائل النظرية الفقهية وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق ... ومن ثمّ وقع الاختلاف بين الفلاسفة في (الحكمة الإلهية والطبيعية) وبين علماء الإسلام في (أصول الفقه والمسائل الفقهية) وعلم الكلام وغير ذلك من غير فيصل ، والسبب في ذلك هو أنّ القواعد المنطقية إنّما هي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادّة ... وليست في المنطق قاعدة بها نعلم أنّ كلّ مادّة مخصوصة داخلة في أيّ قسم من أقسام موادّ الأقيسة ، بل من المعلوم عند أولي الألباب امتناع وضع قاعدة تتكفّل بذلك) (2).
وهذه المقدّمة ، وإن كانت صحيحة بطبيعتها الفلسفية ، لأنّها ترى انحصار الدليل الحسّي في غير الضروريات في السماع عن الشريعة ، إلاّ أنّ
__________________
(1) الفوائد المدنية : 129.
(2) الفوائد المدنية : 129 ـ 130 بتصرّف.

تطبيـقها علـى القضـايـا الشرعيـة لا يمكن أن يكـون مثـمـراً ، لأن الشريعـة ـ ببساطة ـ لا يمكن قياسها بالحسيّات ، وهذا الخطأ الذي وقع فيه الأمين الاسترآبادي كلّفه الكثير فيما يخصّ الانحراف عن المنهج العلمي المتّفق عليه بين فقهاء الطائفة ، فقد اتفق فقهاء المذهب حتّى تلك الفترة ـ وعلى نطاق أوّلي مبسّط ـ على أنَّ الملازمة بين حكم العقل بحسن شيء وحكم الشرع بوجوبه تتطابق مع توجّهات أئمّة أهل بيت النبوّة عليهم‌السلام ، خصوصاً وأنّ الروايات الدّالة على ممارسة الاستدلال الفقهي ـ بشكله الأوّلي ـ بين الأصحاب في عصر النصّ تؤيّد ذلك ، إلاّ أنّ الإخباريّين لم يلتفتوا إلى ذلك وأصرّوا على موقفهم الرافض لاستخدام الدليل العقلي في عملية الاستنباط.
مناقشة مباني المدرسة الأخبارية :
ويمكننا مناقشة آراء المدرسة الأخبارية عبر ترتيب النقاط التالية :
1 ـ إنّ امتناع دخول بعض القواعد المنطقية في جميع موارد الأقيسة لا يعني ـ بالضـرورة ـ إلغاء جميع الأدلّة العقلية ، بل لا ضيـر أصلاً في إهمال تلك القواعد المنطقية السلبية الاستثنائية ، فهي لا تتعدّى كونها إدراكات عقلية ناقصة لا تصلح كوسائل إثبات في الاستنباطات الشرعية ، ولكنّنا لا نستطيع مثلاً إنكار قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) العقلية التي تؤدّي إلى نتيجة شرعية وهي عدم لزوم الاحتياط ، ولا نستطيع إنكار إيماننا بقاعدة (الاشتغال) العقلية التي تستلزم البراءة اليقينية التي تؤدّي إلى نتيجة أو وظيفة شرعية وهي الاحتياط في مجال العلم الإجمالي ، ولا نستطيع إنكار الملازمات العقلية كالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته أو حرمة ضدّه ، بدعوى عدم وجود قاعدة منطقية كلّية تنطبق على جميع الأقيسة!

2 ـ إنّ الإيمان بالاتجاه الحسّي ، على افتراض صحّة مقدّماته عند الأمين الاسترآبادي ، لا يؤدّي إلى إنكار حجّية القطع فيما إذا كان واقعاً بمقدّمات عقلية ، وهذا ما تنبّه إليه المحقق الخراساني في كفاية الأُصول فقال : (إنّما تتّجه كلماتهم (أي الإخباريّين) إلى منع الملازمة بين حكم العقل بوجوب شيء وحكم الشرع بوجوبه) (1) فقط ، وليس إنكار حجّية القطع بالمقدّمات العقلية ، وهذه ثغرة مهمّة في الفكر الإخباري استفاد منها الوحيد البهبهاني في نقده لهم ، كما يستفاد ذلك من فوائده الحائرية.
3 ـ إنّ الادّعاء (بلزوم توسط الأوصياء سلام الله عليهم في التبليغ ، فكلّ حكم لم يكن فيه وساطتهم فهو لا يكون واصلاً إلى مرتبة الفعلية والباعثية وإن كان ذلك الحكم واصلاً إلى المكلّف بطريق آخر) (2) تكون نتيجته أنّه لا يمكن الاعتماد على العقل في الحكم والاجتهاد ، وقد وقف الإخباريّون عن العمل بايآت الأحكام لطروّ مخصّصات من السنّة ومقيّدات على عمومه ومطلقاته ، وهو ما عطّل عملية الاجتهاد بشكل تام ، وبذلك فإنّهم خسروا معالجة الشريعة للواقع الاجتماعي المتبدّل بتبدّل الزمان والمكان ، وقد أحسّ بعظم الخسارة الفادحة المحقّق البحراني صاحب الحدائق الناضرة عندما وجد أنّ فلسفته الأخبارية لا تنهض إلى مستوى كشف الوظيفة الشرعية للمكلّف في عصر غياب النص.
4 ـ إنّ أصل الاستناد على الحجّة في استنباط الحكم الشرعي قوّض أهمّ مباني العقيدة الأخبارية ، فإنّ العقل يحكم بحسن عقاب العبد على تقدير مخالفته للحجّة ، كما يحكم بقبح عقابه على تقدير موافقته للحجّة ،
__________________
(1) كفاية الأُصول 2 / 32 ـ 33.
(2) أجود التقريرات 2 / 40.

بغضّ النظر عن أصابته الواقع أم عدم اصابته ؛ فالحجّة ذاتية كانت كالعلم مثلاً ، أو مجعولة تحتاج في حجّيتها إلى سند قطعي شرعي أو عقلي كالطرق والأمارات ؛ هذه الحجّة هي التي تحدّد معالم المدرسة الأُصولية في مقابل المدرسة الأخبارية ، و (العقل السليم أيضاً حجّة من الحجج ، فالحكم المنكشف به حكم بلّغه الرسول الباطني الذي هو شرع من داخل ، كما أنّ الشرع عقل من خارج) (1).
وقد استفاضت آيات الذكر الحكيم بالاستدلال على حجّية العقل ، فقال عزّ من قائل : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِّقَوْم يَعْقِلُونَ) (2) ، و (... لاَيَات لِّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) (3) ، و (... لآيَات لاُِّوْلِي الألْبَابِ) (4) ، وذمّت الذين لا يعملون بمقتضى حجّية العقل : (... أَفَلاَ يَعْقِلُونَ) (5) ، وحدّدت أيضاً طبيعة الدليل العقلي وطبيعة الظنون والآراء التي تتخلّف عن العقل : (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (6) ، (إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (7) ، (آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) (8).
ولم يكن نشاط الحركة الأخبارية ـ على تخلخل مبانيها العلمية ـ سلبيّاً بصورته الكلّية ، بل أدّى بشكل غير مباشر إلى الاهتمام بالأخبار
__________________
(1) فرائد الأُصول المحشى بحاشية رحمة الله : 11.
(2) سورة الرعد 13 : 4.
(3) سورة الرعد 13 : 3.
(4) سورة آل عمران 3 : 190.
(5) سورة يس 36 : 68.
(6) سورة الإسراء 17 : 36.
(7) سورة يونس 10 : 36.
(8) سورة يونس 10 : 59.

والروايات ، فتضافر بعض الفقهاء على جمع المتون الحديثية في موسوعات أغنت المكتبة الفقهية الاستدلالية في ما بعد ، ومن تلك الموسوعات نذكر ثلاثاً في غاية الأهمية للفقه الشيعي :
1 ـ كتاب الوافي للمولى محسن الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) في ثلاثة مجلّدات من الطبعة الحجرية الكبيرة (الرحلية).
2 ـ كتاب وسائل الشيعة للشيخ محمّـد بن الحسن الحرّ العاملي (ت 1104 هـ) في ثلاثين مجلّداً في الطبعة الحديثة.
3 ـ كتاب بحار الأنوار للمولى محمّـد باقر المجلسي (ت 1110 هـ) في (110) مجلّدات في الطبعة الحديثة.
ب ـ المذهب الحسّي :
و (المذهب الحسّي) عنوان أعطي لمجموعة من المعتقدات المتعلّقة بطبيعة العالم بحيث أنّ (المادّة) تأتي في الدرجة الأولى في التحليل ، و (العقل) في الدرجة الثانية ، وقد ذهب المادّيّون المتطرّفون إلى أنّ العالم الحقيقي لا يحتوي إلاّ على أشياء مادّية ذات علاقات وأوضاع متباينة ؛ ولذلك فإنّ القضايا المادّية ، حسب زعمهم ، مكوّنة من صفات طبيعية ملموسة في الخارج وليست لها صفات أخرى نجهلها أو ربّما ليست لدينا القدرة على رؤيتها ، فالصفات الطبيعية لها ثبوت في زمان ومكان معيّنين كالشكل والحجم والمسافة الزمنية والكتلة والسرعة والطاقة والدوران والحرارة والصلابة والخشونة ونحوها.
ولكن المذهب الحسّي أنكر الصفات غير الحسّية كالرغبة والضمير والهدفية والقابلية على الرؤية العقلية ، وأنكر أيضاً العقائد الدينية المتعلّقة

بالخالق عزّ وجلّ والروح والملائكة والجنّ والنفس اللوامة عند الإنسان ، وبكلمة ؛ فقد قدّم هذا المذهب للبشرية نظريته الأساسية القائلة : إِنَّ كلّ شيء في الكون يمكن تفسيره بموجب قواعد القانون الحاكم على الظروف الطبيعية المادّية في العالم الخارجي.
وقد نما المذهب الحسّي في القرن السابع عشر الميلادي في أوروبا بعد فترة سبات استمرّت أكثر من ثمانية عشر قرناً ؛ فقد كان آخر من كتب في النظرية المادّية الفيلسوف الروماني (لوكيرتس) في القرن الأوّل قبل الميلاد ، وأهمّ من كتب في النظرية المادّية في القرن السابع عشر هو : (بيـريه كاسندي) (ت 1655 م) ، و (توماس هوبس) (ت 1679 م) اللذان بلورا الحركة الطبيعية (الشكّية) وهو المذهب الذي آمن بأنّ المعرفة الحقيقية غير مؤكّدة بل أنّها تدفع الإنسان نحو النـزوع للشكّ ، بما فيه الشكّ في مبادئ الدين كالخلود في الآخرة والوحي والعقل.
ومع أنّ هناك التقاء فكريّاً ملحوظاً بين الحركة الأخبارية والمذهب الحسّي الأوروبي حيث هاجمت كلاهما العقل وألغتا قيمة استدلالاته وحججه المنطقية ، إلاّ إنّنا لا نستطيع الجزم بأنّ هناك رابطة اقتباس من نوع ما بين الفكرتين ، خصوصاً وإنّ وسائل الترجمة ونقل المعلومات بين أوروبا والعالم الإسلامي كانت في غاية الضعف في القرنين السادس والسابع عشر الميلاديين.
ومهما يكن من أمر فإنّ الحركة الأخبارية كانت تخشى ، بجهل مفرط ، أن يتحوّل الاستغراق في اعتماد العنصر العقلي في الاجتهاد إلى ابتعاد عن موارد النصوص الشرعية تدريجياً ، وهو خلل أثبتت السنون المتعاقبة عدم استناده على أىّ مبرّر شرعي أو عقلائي.

ج ـ النـزعة الصوفية :
وهي النـزعة التي تنشأ عادةً من اليأس من تغيير الواقع أو إصلاحه على أقلّ تقدير ؛ فقد شهد القرن الحادي عشر الهجري (القرن السادس عشر الميلادي) ظهور نزعة صوفية قوية ساعدتها السلطة الصفوية في إيران ـ وهي نفس السلطة التي قامت على أساس الدعوة إلى التصوّف ـ وبقيت تؤيّدها وتمدّها سرّاً ، وقد استغلّت مباحث الفيلسوف العظيم صدر الدّين الشيرازي (ت 1050 هـ) في الفلسفة الإشراقية الإسلامية من خلال تطعيمها ببعض عناصر الغلوّ ، لتكون باباً لذلك التصوّف المزعوم ، ولا شكّ أنّ التصوّف يدعو بشكل مباشر أو غير مباشر إلى إهمال العقل وتنشيط الروح ، والالتجاء إلى التعبّد بمعناه المجرّد عن واقعية الحياة الاجتماعية للإنسان ، وقد أدّى ذلك التوجّه إلى الاقتصار على الإيمان بالأخبار الواردة في الكتب الموثوق بها والجمود على نصوصها بشكل مطلق.
والتصوّف بمعناه الفلسفي يعني البحث عن الوسائل التي تجعل الإنسان في وحدة أو اندماج مع الواحد عزّ وجلّ ، وهو اقتباس ملحوظ من الأفكار البوذية التي انتشرت في تركمنستان في ذلك العصر ، فقد آمنت تلك الفلسفة بحقيقة مفادّها أنّ الدخول في جوهر الذات الإنسانية هو في واقع الأمر هروب من مشاقّ الحياة الخارجية التي تعكّر صفو ذلك الاندماج.
فإذا كان المولى عزّ وجلّ هو جوهر الجمال المطلق فلا بدّ ـ من أجل الاقتراب من ذلك الجمال المطلق ـ من التحلّي بصفات جمالية وراء العالم الظاهري وهي صفات الفقر وإذلال النفس والتهذيب والتقشّف والثبات ،

وهذه الصفات لا يكتسبها الإنسان إلاّ عبر فحص الذات ومحاسبة النفس والانسحاب من الحياة الاجتماعية تدريجياً والصمت والتفكير في الله دوماً وترك كلّ ما يعكّر ذلك التفكير من رغبات جسدية أو نقاشات عقلية.
ولا شكّ أنّ زعماء الصوفية الأوائل كـ (أبو يزيد) الملقّب بـ (بايازيد البستامي) ، و (الحسين بن منصور الحلاّج) في القرن الخامس الهجري اللذين ادّعيا ارتباطهما كأجزاء في الحقيقة النهائية ، مهّدا الطريق نحو فلسفة الجمال الروحي والاندماج بخالق الوجود. فكان (أبو حامد الغزالي) ، و (فريد الدين العطّار) ، و (ابن العربي) ، و (جلال الدين الرومي) من أهمّ الوجوه الصوفية التي نادت برجوع الطيور إلى قائدها ، وهو تلميح إلى اندماج المتصوّفة (الطيور) بخالق الوجود (القائد).
لقد أهملت الفلسفة الصوفية إطار العقل وجعلت الشعر المعبّر عن حبّ المخلوق للخالق المحور الأساسي في أفكارها ، وليس غريباً أن نجد معاني الحبّ الصوفي في أشعار الشاعر الإيراني (حافظ) ، وإلى حدّ أقلّ في أشعار (عمر الخيام) في مدلولات العنب وما ينتجه من خمر ولذّة تشابه لذّة المتصوّفة عند اندماجهم بواجب الوجود.
وتلك العقبات الفكرية أو العقائدية لم تستطع ثني علم الأُصول عن الوصول إلى أهدافه في الإدراك العقلي ، ولم تستطع الوقوف بوجه جعل العقل حجّة معتبرة متطابقة مع الحجج الشرعية ، بل إنّ تلك العقبات في الواقع حفّزت علماء الشيعة الإمامية على البحث والتفتيش عن الأدلّة العقلية بعمق لم يسبق له مثيل في التاريخ الإسلامي.

الفصل الرابع
عصر البناء العلمي
طبيعة الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي
مقدمة
وقد حصل تطوّر على درجة كبيرة من الأهمّية في بحث (الدليل) خلال القرون الثلاثة التي ابتدأت بالقرن الحادي عشر وانتهت في القرن الثالث عشر الهجريين ، وكان ذلك التطوّر ثمرة من ثمرات جهود فقهاء على مستوى عال من الفطنة والاستيعاب لدور (أصول الفقه) في عملية استنباط الحكم الشرعي أمثال :
الفاضل التوني (ت 1071 هـ) وكتابه الوافية في أصول الفقه.
والوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ) في كتاب الفوائد الحائرية.
والسيّد محسن الأعرجي (ت 1227 هـ) وكتابه المحصول في علم الأُصول.
والمحقّق القمّي (ت 1231 هـ) وكتابه القوانين المحكمة.
والشيخ محمّـد تقي بن محمّـد رحيم الأصفهاني (ت 1248 هـ) وكتابه هداية المسترشدين في التعليق على كتاب معالم الدين.
وقد كان الشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ) من أعظم فقهاء تلك الفترة وخصوصاً خلال ازدهار الحوزة النجفية في القرن الثالث عشر الهجري ، إلاّ أنّنا أفردنا لمناقشة أفكاره قسماً خاصاً في هذا الفصل أسميناه بعصر الحجج والأدلّة الشرعية والعقلية ، وقد كان موضوع إثبات الملازمة

بين الحكمين العقلي والشرعي من أهمّ محاور ذلك التطوّر الأُصولي الذي نحن بصدده.
العقل العملي والعقل النظري :
فقد كان من ثمرات الصراع المرير بين الحركة الأخبارية والمدرسة الأُصولية هو التعمّق في بحوث (الدليل العقلي) وتوسيع دائرته ، وبمعنى آخر ، إنّ السؤال الذي كان يُطرح بإلحاح في تلك الفترة هو : كيف يمكننا تفسير طبيعة الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي؟
في معرض الإجابة عن هذا السؤال كان الرأي السائد يميل إلى أنّ العقل النظري لا يدرك الحكم الشرعي مباشرة عن أىّ طريق غير الطريق السمعي ، وهو البيان الصادر من الله سبحانه وتعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخلفائه من بعده عليهم‌السلام ، فالعقل النظري لا يستطيع إدراك ذلك الحكم الشرعي ، ولكن من شأن العقل العملي إدراك حُسن الأفعال وقُبحها كحُسن العدل وقُبح الظلم ، وحُسن التكسّب المشروع وقُبح السرقة ، وهذا الإدراك من شؤون العقل العملي.
وفي هذا الصدد كان الفاضل التوني رائداً في نقاش الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي ، فقد قسّم الأدلّة العقلية إلى سبعة أقسام هي : المستقلاّت العقلية واستصحاب حال العقل واصالة النفي (البراءة العقلية) والأخذ بالأقلّ عند فقدان الدليل على الأكثر والتمسك بعدم الدليل واستصحاب حال الشرع والتلازم بين الحكمين.
ومن اللافت للنظر أنّه أدرج مباحث (مقدّمة الواجب والضدّ والمنطوق غير الصريح والمفاهيم والقياس) في باب الأدلّة العقلية ، بينما

أدرجها أقرانه من الفقهاء المعاصرين في المباحث اللفظية ، قال بخصوص ما يستقلّ بحكمه العقل كوجوب قضاء الدين ، وردّ الوديعة ، وحرمة الظلم ، واستحباب الإحسان :
(وحجّية هذه الطريقة : مبنية على الحُسن والقُبح العقليّين ، والحقّ ثبوتهما ، لقضاء الضرورة بهما في الجملة ، ولكن في إثبات الحكم الشرعي ـ كالوجوب والحرمة الشرعيّين ـ بهما ، نظر وتأمّل.
والواجب العقلي : ما يستحقّ فاعله المدح ، وتاركه الذمّ.
والشرعي : ما يستحقّ فاعله الثواب ، وتاركه العقاب.
وعكسه : الحرام فيهما.
ووجه النظر أمور :
الأوّل : إنّ قوله تعالى : (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (1) ظاهرٌ في أنّ العقاب لا يكون إلاّ بعد بعثة الرسول ؛ فلا وجوب ولا تحريم إلاّ وهو مستفاد من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ فإن قلتَ : يجوز أن يستحقّ العقاب ، ولكن لا يعاقبه الله تعالى إلاّ بعد بيان الرسول أيضاً ليتعاضد العقل والنقل ، لطفاً منه تعالى.
قلتُ : ظاهرٌ أنّ الواجب شرعاً مثلاً ما يجوّز المكلِّف العقاب على تركه ، فلا يُتصوَّر وجوب شرعي مثلاً عند الجزم ـ بسبب إخبار الله تعالى ـ بعدم العقاب ، بل لا يكون حينئذ إلاّ الوجوب العقلي.
الثاني : ما ورد من الأخبار : كما رواه الكليني عن : (عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّـد بن خالد ، عن علىّ بن الحكم ، عن أبان
__________________
(1) سورة الإسراء 17 : 15.

الأحمر ، عن حمزة بن الطيّار ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : قال لي : اكتب ، فأملى علىَّ : إنّ من قولنا أن الله يحتج على العباد بما آتاهم وعرّفهم ، ثمَّ أرسل إليهم رسولاً ، وأنزل عليهم الكتاب ، فأمر فيه ونهـى ، أمـر فيـه بالصـلاة والصيام ...) (1) الحديث والتطبيق كما مر (2).
وهنا يعلن الفاضل التوني أنّ الملازمة بين الحكمين الشرعي والعقلي ثابتة ؛ فالعقلاء إذا تطابقت آراؤهم بما هم عقلاء على حُسن شيء ، فلا بدّ للشارع أن يحكم بحكمهم ، لأنّه سيّد العقلاء ، بمعنى أنّ الالتزام بالتحسين والتقبيح العقليّين هو نفس الالتزام بتحسين الشارع وتقبيحه ، وفقاً لحكم العقلاء لأنّه سيّدهم ، وهذا الفهم ينسجم مع تركيبتنا العقلية ونظرتها إلى الأشياء.
وإلى ذلك أشار الوحيد البهبهاني في فوائده الحائرية : (...إنّ العقل لا منافرة له (3) بالنسبة إلى مثل ترك الصلاة والحجّ مما هو قُبحه شرعىّ من بديهيّات الدين ، ولا تدرك عقولنا جهة قُبحه ، على أنّ البديهة حاكمة بالفرق بين ما ذُكر من الفحشاء والقبائح وبين أضدادها من المحاسن ، وكذا بين الصدق النافع والكذب الضارّ ، فكيف تكون المنافرة من جهة الشرع؟ وكذا لا منافرة له بالنسبة إلى ما خالف العرف إذا كان ملائماً للعقل ، وكذا ما خالف العادة إذا كان ملائماً للعقل والغرض ، ولا شبهة في هذا أيضاً) (4) ..
وفي موضع آخر : (...إنّ العقل يحسِّن ويقبِّح ، ولا شكّ في أنّه
__________________
(1) الكافي 1 / 164 ح 4.
(2) الوافية : 171 ـ 172.
(3) المنافرة تعني المحاكمة كما في الصحاح للجوهري 2 / 834.
(4) الفوائد الحائرية الجديدة : 366.

يقبِّح عصيان المولى ، كما أنّه يقبِّح عصيان كلّ عبد لما أمر به مولاه ونهاه عنه ؛ فأمر المولى ونهيه ليس حُسناً وقُبحاً ، بل علّة لتحقّق الحُسن في الإطاعة ، والقُبح في المعصية) (1).
ولا شكّ أنّ إثبات وجود حكم عقلي خاص بالعقل العملي في الحُسن والقُبح لطائفة من الأفعال سيوصّلنا إلى نتيجة مهمّة وهي : ثبوت العقل النظري في إدراك الملازمة بين حكم العقل العملي وحكم الشرع ، وهذه النتيجة تطابق نتيجة أخرى مستوحاة من حكم العقل النظري بالملازمة بين وجوب الشي ووجوب مقدّمته ، ومستوحاة أيضاً من حكم العقل النظري بتقديم الأهمّ من المتزاحمين على المهمّ ، ومستوحاة أيضاً من حكم العقل النظري في الأجزاء ونحوها من الموارد التي يكون فيها للعقل النظري حكم قطعي واضح المعالم.
موقف الفقهاء اتجاه العقل :
إنّ الشعور بالتخوّف من الاستغراق في اعتماد العنصر العقلي في الاجتهاد والابتعاد عن النصّ الشرعي بالتدريج ، والتخوّف أيضاً من الابتعاد عن خطّ الاحتياط في الدين كان قد أدّى إلى مواقف سلبية تجاه العقل والملازمات العقلية والتشكيك في حجّية الأحكام العقلية ، ولكن ظهور عصر البناء العلمي بقيادة فقهاء أجلاّء مثل : الفاضل التوني ، والوحيد البهبهاني ، والمحقّق القمّي ، والمقدّس الكاظمي ، والشيخ محمّـد تقي الأصفهاني قلب الموقف العلمي لصالح نظرية (الملازمة بين الحكمين
__________________
(1) الفوائد الحائرية الجديدة.

العقلي والشرعي) ، ومن تلك الزاوية نرى دور هذا العصر العلمي في التمهيد لعصر آخر أكثر أهمّية وهو عصر نضوج الحجج والأدلّة الشرعية والعقلية الذي قاده الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري.
ويمكننا القول بأنّ أهمّ الثمار العملية التي لمسناها من خلال مناقشة (الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي) هو البحث في قاعدة (نفي الضرر) من قبل المحقّق القمّي (ت 1231 هـ) في قوانينه ، فهذه القاعدة العظيمة ربّما تعكس واحدة من أهمّ ملازمات الحكمين العقلي والشرعي ، فإنّها وضعت منارات لمناقشة قضايا الحقوق والواجبات في المجتمع الإسلامي زمن الغيبة.
وبطبيعة الحال فإنّ تطبيق (الدليل العقلي) أو حكم العقل على موارد الشكّ في التكليف كانت من أعظم استنباطات الوحيد البهبهاني ، فقد استنبط من ذلك الحكم العقلي قاعدة (قُبح العقاب بلا بيان) ، واستدلّ بتلك القاعدة في كلّ مورد من موارد الشكّ في التكليف ، أما في مورد الشكّ في المكلّف به فقد استنبط لها من حكم العقل قاعدة (الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني) ، وقد كان هذا الاستنباط أساساً للتمييز بين موارد البراءة العقلية والاحتياط العقلي ..
وقد كان من رأي الوحيد البهبهاني أنّ وظيفة المكلّف عند الشك في التكليف هو الأخذ بالبراءة ولكن على أساس الشرع والعقل ، لا على أساس الشرع فقط ، فـ (البراءة العقلية) المقابلة لـ (البراءة الشرعية) متلازمتان في نفس الموارد ، وبمعنى آخر أنّ البراءة التي تجري بحكم العقل عند الشكّ في التكليف هي نفس البراءة التي تجري بموجب الأدلّة الشرعية التي تحكم بالبراءة عند الشكّ في التكليف.

إنّ اتساع دائرة الدليل ، في هذه المرحلة من عمر (علم الأُصول) ، لم يزعزع القيمة القطعية للدليل ، بل أنّ الذي حصل هو العكس تماماً ، فقد ازدادت البحوث المتعلّقة بحجّية القطع ، فما لم يكن الدليل حجّة قطعاً لا يمكن الاستناد عليه أو التمسّك به بأىّ حال من الأحوال ، وهذا الانفتاح العلمي عبّد الطريق لفقيه كبير من فقهاء الإمامية المتأخّرين ، ألا وهو الشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ) للتمييز بين الحجّتين : الحجّية الذاتية ، والحجّية بالعرض ، والحجّية بالعرض هو عنوان جديد لمباحث الظنّ التي لا يمكن اعتبار حجّيتها إلاّ بدليل قطعي من الشارع ، فالطرق والأمارات كالإجماع وخبر الثقة أصبحت بموجب الفهم الجديد حججاً مجعولة من قبل الشارع ثبّتت حجّيتها بالعرض ، في مقابل الأدلّة القطعية التي ثبّتت حجّيتها ـ ذاتياً ـ بالقطع.
عصر الحجج والأدلّة الشرعية والعقلية :
كان مبدأ (الاستناد إلى الدليل) في استنباط الحكم الشرعي في جميع عصور تطوّر (علم الأُصول) المحور الذي كانت تدار من حوله رحى البحث والنقاش ، وكان الرأي السائد ولا يزال أنّ الدليل ما لم يبلغ حدّ القطع والعلم لا يمكن اعتباره حجّة شرعية أو عقلية ولا يجوز الاستدلال به في عملية الاستنباط ، فإذا شُك في حجّية شيء ، فإنّ ذلك مساوقٌ لعدم حجّيته ، وعندها لا يمكن الالتزام به بأىّ شكل من الأشكال.
وكان هذا المقدار من العلم قد تناوله فقهاؤنا بعمق ووضوح ، ولكن كان قد حصل انقلاب جذري في المدرسة الأُصولية الإمامية في الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجري في ما يخصّ الرؤية الموضوعية

للحجج الشرعية أو العقلية.
فقد كان التقسيم السائد للأدلّة ، التي كان يُستند عليها في استنباط الحكم الشرعي ، هو تصنيفها إلى : أدلّة عقلية ؛ وأدلّة غير عقلية. فالأدلّة العقلية تشمل البراءة والاستصحاب ، والأدلّة غير العقلية تشمل الكتاب والسنّة والإجماع.
الاستدلال على البراءة :
فاستدلّ على البراءة بتحليلين عقليّين :
الأوّل : (البراءة الأصلية) ، بتقريب أنّ الذمّة لمّا كانت غير مشغولة بذلك الحكم في الزمن السابق أو الحالة الأولى ، فهي لا تشتغل به في الزمن اللاحق أو الحالة الثانية ، فالتكليف بالشيء مع عدم الإعلام به تكليف بما لا يطاق.
الثاني : إنّ عدم الدليل على الحكم الشرعي هو بمثابة دليل على عدم وجود أو تحقّق الإلزام الشرعي للمكلّف.
الاستدلال على الاستصحاب :
واستُدلّ على الاستصحاب بتحليلين عقليّين :
الأوّل : استصحاب حال العقل ، وهو استصحاب عدم اشتغال الذمّة الثابت بالقطع قبل التكليف ، أو بمعنى آخر هو استصحاب عدم التشريع الثابت بالقطع.
الثاني : استصحاب حال الشرع ، وهو الحكم الشرعي الثابت من

ناحية الشرع في وقت سابق في ظروف حصول الشكّ في بقاء ذلك الحكم ، فالاستصحاب في الدليل ـ إذن ـ لا يخلو من أحد هذين الاستصحابين.
بوادر اتساع مباحث الدليل :
وكان يرافق هذا التقسيم للأدلّة ضبابية من نوع آخر تمثّلت في عدم التفريق بين الأمارات والأُصول ، وعدم التفريق بين الحكم الشرعي (وهو مفاد الأمارات) وبين الوظيفة الشرعية والعقلية (وهي مفاد الأُصول العملية) ، وعدم التفريق بين الحجج الذاتية (التي ثبتت حجّيتها بالقطع) والحجج المجعولة (التي ثبتت حجّيتها بالعرض كالإجماع وخبر الثقة).
وكان الجوّ العلمي في الحوزة الإمامية مهيّئاً لظهور شخصية علمية قادرة على النهوض بمستوى هذا العلم الجليل إلى أعلى مصاف التفكير العقلي الذي يكون فيه الإنسان قادراً على استيعابه وإدراكه ، فكان القرن الثالث عشر الهجري عصر بوادر بناء الحجج العقلية والشرعية وتلازمها ، وكان عصر ولادة مدرسة الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري الفقهية والأُصولية.
فقد أضاف هذا الشيخ الجليل لعلم الأُصول ما لم يضفه أي عالم شيعىّ آخر بذلك الحجم وذلك العمق والمنهجية والاستدلال ، فعلى يديه الشريفتين انتظم المنهج العلمىّ للأُصول واتّسعت دائرة الحجّة والدليل.
وحتّى ندرك عمق ما وصل إليه علم الأُصول في المذهب الإمامي على يد الشيخ قدس‌سره لابدّ من استعراض أهمّ المباني الجديدة التي صاغها في البحث عن الدليل ، ولا شكّ أنّ شدّة اهتمام الشيخ الأنصاري بمباحث

الحجج والأدلّة الشرعية والعقلية منعته من مناقشة مباحث الألفاظ ، وأوكل لتلامذته الرجوع إلى كتاب هداية المسترشدين في شرح معالم الدين للشيخ محمّـد تقي الأصفهاني (ت 1248 هـ) ، لأنّه كان يؤمن بأنّ الشيخ الأصفهاني قد ناقش مباحث الألفاظ بقدر عال من العمق والدقّة العلمية ، وليس هناك من داع لإعادة صياغتها من جديد.
المباني الجديدة في الدليل الشرعي :
وسوف نتحدّث باختصار عن حجّية القطع ، والظنّ ، والشكّ ، والتفكيك بين الأمارات والأُصول ، ومفاد الدليل ، وتعارض الأدلّة ، فإنّ هذه المواضيع الأُصولية كانت قد أحدثت نقلة نوعية في عملية الاستنباط للأحكام الشرعيّة.
1 ـ حجّية القطع :
إنّ القطع ، لمّا كان بطبيعته التعبير عن انكشاف الواقع انكشافاً تامّاً ، فإنّ حجّيته ذاتية ، بحيث لا يمكن جعل الحجّية له ولا نفي الحجّية عنه ، فكما أنّنا لا نستطيع أن نفكّك بين النار والحرارة المنبعثة منها والنور والضياء الساطع منه ، كذلك لا نستطيع أن نفكّك بين القطع وحجّيته الذاتية ، فالقطع (بنفسه طريقٌ إلى الواقع ، وليس طريقيته قابلةٌ لجعل الشارع إثباتاً أو نفياً) (1).
ولكن الحجّية ليست على نمط واحد ، فإنّ هناك (حجّية مجعولة)
__________________
(1) الرسائل 1 / 4 طبعة قم : جامعة المدرسين.

من قبل الشارع بالإضافة إلى ما ذكرناه من الحجّية الذاتية ، كما لو أنّ المولى عزّ وجلّ أمرنا بإتّباع الظنّ في مورد البيّنة واليمين ؛ فهو قد جعل الحجّية لليمين وللبيّنة ، مع أنّ اليمين أو البيّنة بحدّ ذاتهما لا توجبان القطع ولا تمنعان من احتمال الخلاف ، ولكنّ الشارع ألغى احتمال الخلاف وتمّم الكشف الناقص على الطريقة التعبّدية ، فأنشأ الحجّية المجعولة ، كما في موارد الطرق والأمارات. ولا شكّ أنّ كلّ حجّية مجعولة لابدّ أن تنتهي بالضرورة إلى الحجّية الذاتية بموجب القاعدة العقلية : (كلّ ما بالعرض لابدّ أن ينتهي إلى ما بالذات).
لوازم حجّية القطع :
إنّ ثبوت حجّية القطع عند المكلّف تترتّب عليه آثار إلزامية ولزومية تسمّى بـ (اللوازم العقلية للحجّية) ، ذاتية كانت تلك الحجّية كالقطع ، أو مجعولة كالطرق والأمارات ، وهذه الآثار يمكن حصرها عقلياً بثلاث مفردات :
أ ـ التنجّز عند مصادفة الحجّة للواقع ، وهذا من اللوازم العقلية للحجّية. فيستحق المكلّف على مخالفة ما قامت عليه الحجّة الذمّ والعقوبة ؛ لأنّها مخالفة لحكم شرعي مقطوع جاء ، فليس هناك من شكّ في استحقاق العقوبة على تلك المخالفة القطعية.
ب ـ التعذير عند مخالفة الحجّة للواقع ، فالعقل ـ هنا ـ يحكم بقبول عذر المكلّف لمخالفته حكماً إلزامياً واقعياً للشارع ، وعندها يحكم العقل بعدم استحقاقه للعقوبة ؛ فإذا اعتمد المكلّف دليلاً شرعيّاً قطع بحجّيته ، لكنّه كان مخالفاً للحكم الشرعي الواقعي ، فالمكلّف لا يستحقّ العقوبة على

تلك المخالفة.
ج ـ لزوم العمل بموجب الحكم الثابت بالقطع بملاك وجوب دفع الضرر الذي ينتج عادةً من تنجّز التكليف على المكلّف ، والعقل يحكم بوجوب دفع الأضرار التي تتركها العقوبة على الإنسان.
القطع الطريقي والقطع الموضوعي :
القطع الطريقي اصطلاح جديد أريد به القطع الذي يكون طريقاً للمكلّف إلى الحكم الشرعي أو إلى موضوع الحكم الشرعي ، فقد يكون طريقاً إلى الحكم التكليفي كوجوب الصوم ، أو طريقاً إلى الحكم الوضعي كالملكية ، أو طريقاً إلى كشف أحد هذين الحكمين (أي إمّا الحكم التكليفي أو الحكم الوضعي) ، كما لو قطع بخمرية السائل الذي أمامه ، فإنّ الخمر موضوع لحكم تكليفي وهو وجوب اجتنابه وحرمة شربه ، وموضوع لحكم وضعي وهو نجاسته ، يقول الشيخ الأنصاري في الرسائل : (... إنّ إطلاق الحجّة على القطع ليس كإطلاق الحجّة على الأمارات المعتبرة شرعاً ، لأنّ الحجّة عبارة عن الوسط الذي يُحتجّ به على ثبوت الأكبر للأصغر ... وهذا بخلاف القطع ، لأنّه إذا قطع بوجوب شي ، فيقال : هذا واجبٌ ، وكلّ واجب يحرم ضدّه أو يجب مقدّمته ، وكذلك العلم بالموضوعات ؛ فإذا قطع بخمرية شيء ، فيقال : هذا خمر ، وكلّ خمر يجب الاجتناب عنه ، ولا يقال : إنّ هذا معلوم الخمرية ، وكلّ معلوم الخمرية حكمه كذا ، لأنّ أحكام الخمر إنما تثبتُ للخمر ، لا لما عُلِمَ أنّه خمر) (1).
__________________
(1) الرسائل 1 / 4.

بمعنى أنّ القطع الطريقي لا يكون حجّة بالمعنى المتعارف عليه في المنطق ، وهو الوسط الذي يكون سبباً لثبوت الأكبر للأصغر ، ولا يكون وسطاً لإثبات الحكم الشرعي ، فلا نقول : هذا معلوم الخمرية ، وكلّ ما عُلم أنّه خمر وجب اجتنابه ، بل إنّما نقول : هذا خمر ، وكلّ خمر يجب الاجتناب عنه. فيحمل الحكم بوجوب الاجتناب على الخمر الواقعي دون ما يكون معلوم الخمرية ، وبمعنى آخر أنّ القطع حجّة سواء صادف الواقع أم لم يصادفه.
أمّا في مقام الطرق والأمارات ، فإنّها تكون حجّة بالمعنى المتعارف عليه في المنطق ، حيث تقع وسطاً لإثبات الحكم الشرعي ، فنقول : هذا السائل الذي أمامنا قد قامت البيّنة على نجاسته (صغرى) ، وكلّ ما قامت البيّنة على نجاسته من سوائل يجب الاجتناب عنه (كبرى) ، فـ (النتيـجة) هي أنّ هذا السائل ممّا يجب الاجتناب عنه.
وأمّا القطع الموضوعي ، فهو ما يقع موضوعاً لحكم شرعي آخر غير متعلّقه ، لأنّ القطع أخذ موضوعاً كاملاً بما هو في نفسه ، لا بما هو كاشف عن الواقع كي يسأل المكلّف عنه ، ويُمثَّل للقطع الموضوعي ، بترتّب وجوب الطاعة عقلاً على واجب معلوم ، كمن إذا عصى وشرب سائلاً قاطعاً بأنّه خمر فقد استحقّ اللوم والعقاب حتى لو تبيّن بعد ذلك أنّ ما شربه كان خلاًّ لا خمراً.
العلم التفصيلي والعلم الإجمالي :
قد حصل في تلك الفترة تطوّر في طبيعة فهم العلم الطريقي وحجّيته

الذاتية ، فقُسّم العلم الطريقي إلى قسمين :
علم تفصيلي ، كما إذا علم المكلّف (في الأحكام) بوجوب صلاة الجمعة يوم الجمعة ، أو إذا علم المكلّف (في الموضوعات) نجاسة سائل في إناء ماء.
وعلم إجمالي ، كما إذا علم المكلّف (في الأحكام) بوجوب إحدى الصلاتين ـ أي الظهر أو الجمعة يوم الجمعة ـ أو إذا علم المكلّف (في الموضوعات) بنجاسة أحد الإناءين.
وكان السؤال المطروح هو : هل تجري أحكام العلم التفصيلي في موارد العلم الإجمالي من حيث حرمة المخالفة القطعية بشرب الإناءين معاً أو بترك الصلاتين معاً في مثالنا ، ووجوب الموافقة القطعية باجتناب الإناءين معاً أو بأداء الصلاتين معاً أم لا؟
لا شكّ أنّ تنجّز التكليف يثبت على عهدة المكلّف بالعلم الإجمالي ، فالعلم الإجمالي كالعلم التفصيلي من حيث وضوح الأمر وانكشاف الواقع ، ولكنّ متعلّق العلم مردّد بين فردين أو أكثر ، ونحن نعلم يقيناً أنّ الترديد في المتعلّق لا يزعزع قطع العالِم وعلمه بالمعلوم الذي حصل الإجمال في متعلّقه.
إنّ الملاك في الحكم بتنجيز العلم الإجمالي في موردي حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية هنا ، هو جريان الأُصول المؤمّنة العقلية والشرعية أو عدم جريانها ، فكلّما كانت الأُصول المؤمّنة والنافية للتكليف كـ (قبح العقاب بلا بيان) و (أصل البراءة الشرعية) تجري في أطراف العلم الإجمالي بحيث لا يكون ذلك العلم الإجمالي منجّزاً في

مورده ، جاز الترخيص فيه ، وكلّما امتنع جريان الأُصول المؤمّنة العقلية والشرعية في مورد كان العلم الإجمالي منجّزاً في ذلك المورد ، لم يجز الترخيص فيه.
وقد لخّص السيد الخوئي قدس‌سره فكرة الشيخ الأنصاري قدس‌سره بشكل دقيق قائلاً : (إنّ العلم الإجمالي إذا تعلّق بحكم إلزامي فلا تجري الأُصول النافية للتكليف في شيء من أطرافه ، أمّا عدم جريانها في تمام الأطراف فللمانع الثبوتي ، وهو قبح الترخيص في مخالفة التكليف الواصل ، وأمّا عدم جريانها في بعضها فلقبح الترجيح بلا مرجّح ... وأمّا إذا تعلّق العلم الإجمالي بحكم غير إلزامي ، فلا مانع من جريان الأُصول المثبتة في جميع أطرافه بحسب مقـام الثبوت ، كما أنّه لا مانـع من شمول أدلّتها لها فـي مقام الإثبات) (1).
2 ـ حجّية الظنّ :
الظنّ (الذي جوّز استخدامه الشرع) هو الاحتمال الراجح على نقيضه من دون أن يلغيه. بمعنى أنّ الظنّ ما هو إلاّ إيماء من نوع ما نحو الواقع ؛ ومثاله حجّية خبر الواحد ، والسؤال المهم الذي واجهه الفقهاء ، وحاول الشيخ الأنصاري الإجابة عنه هو : هل أنّ إلزام الشارع باتّباع ما يوجب الظنّ في أحكامه كخبر الواحد يولّد مفسدة وإدغالاً في الدين أم لا؟
ومن أجل تقديم نظرية علمية شرعية حول الظنّ ، فقد ناقش الشيخ الأنصاري المواقف السلبية والإيجابية لحجّية الظنّ عند الفقهاء ،
__________________
(1) مصباح الأُصول 2 / 355 ـ 356.

وعرض مبدأه في حجّية الظنّ ، ودرس الظنون التي ثبتت حجّيتها بالدليل القطعي.
نظرية نفي حجّية الظنّ :
فعلى صعيد السلب والإيجاب أو قل الرفض والقبول لحجّية الظنّ ، فقد استند الفقهاء القائلون بنفي حجّية الظنّ على محذورين : الأوّل : المحذور الملاكي ، والثاني : المحذور الخطابي.
فإذا تعبّد المكلف بالعمل بدليل ظنّي فإنّه قد يفوّت عليه مصلحة ما كانت ستترتب لو طبّق الحكم الواقعي بدل الحكم الظنّي ؛ فالدليل قد يُخطئ الواقع ، فيفوّت على المكلف المصلحة المترتبة على الحكم الواقعي الذي أخطأه الدليل ، وهذا هو المحذور الملاكي.
أمّا المحذور الخطابي ، فإنّه يحصل كنتيجة لتعبّد المكلّف بالعمل بدليل ظنّي أخطأ الحكم الواقعي ، فيلزم اجتماع الضدّين أو النقيضين ، بمعنى أنّ الحكم المعمول به بدليل ظنّي قد يكون له حكمان متضادّان أو متناقضان في وقت واحد من الوجوب وعدمه أو الحرمة وعدمها ، فيكون الأوّل حكماً واقعياً ثابتاً ، والثاني حكماً ظاهرياً تعبّدياً بموجب اعتبار الدليل الظنّي من قبل الشارع.
ومن أجل دفع المحذور الملاكي فقد عرض الشيخ الأنصاري نظريته في (المصلحة السلوكية) ، فافترض أنّ الأمارة تكون سبباً في إحداث مصلحة في سلوك الأمارة بقدر ما فات المكلّف من المصلحة في عدم تأديتها ، فإذا صلّى المكلّف بموجب الأمارة صلاة الجمعة يوم الجمعة ثمّ

اكتشف بعد ذلك خطأ الأمارة بعد انقضاء الوقت لا يعوّضه سلوك الأمارة عن شيء من المصلحة بل عليه أن يأتي بصلاة الظهر قضاءً ، فهنا كان سلوك الأمارة (في الحالة الأولى) سبباً في تفويت مصلحة الوقت عليه فقط ولكنّ سلوك الأمارة (في الحالة الثانية) عوّضه عن مصلحة ذلك الوقت دون أصل العمل ، ولذلك كان عليه القضاء.
ومن أجل دفع المحذور الخطابي عرض الشيخ الأنصاري نظريته القائلة بـ (اختلاف الرتبة بين الحكمين) الظاهري والواقعي ، فإنّ رتبة الحكم الظاهري (وهو الأمارة أو الدليل الظنّي المعتبر) متأخّرة عن رتبة الحكم الواقعي بمرتبتين ، لأنّ موضوع الحكم الظاهري هو الشكّ في الحكم الواقعي وهو متأخّر عنه برتبة لتأخّر العارض عن معروضه بمرتبة ، وكذلك فإنّ موضوع الحكم الظاهري متأخّر عن موضوع الحكم الواقعي بمرتبتين أيضاً ، ولا شك أنّ اختلاف المرتبة يرفع غائلة التضادّ والتناقض في الخطاب الشرعي.
نظرية ثبوت حجّية مطلق الظنّ :
استند الفقهاء القائلون بحجّية مطلق الظنّ بـ (دليل الانسداد) ، وهو الاستناد على حجّية انسداد باب العلم في الأحكام الشرعية ، وعرضوا أربع مقدّمات في انسداد باب العلم بالأحكام الشرعية ، وهي :
1 ـ إنّ باب العلم بمعظم المسائل الفقهيـة مسدود. بمعنى أنّ ما بأيدينا من الأدلّة القطعية والظنّية المعتبرة لا يكفي للوصول إلى كلّ المسائل الفقهية.
2 ـ لا يجوز لنا إهمال الأحكام الشرعية التي لا نصل إليها بالعلم أو بالظنّ المعتبر ، بل لا بدّ من الخروج من عهدتها بأىّ طريق ممكن.

3 ـ إنّ الاحتياط المتكرّر في كلّ الأحكام عسر وحرج بل يخلّ بالحياة الشخصية والاجتماعية للأفراد ، ولا شكّ أنّ المولى سبحانه وتعالى لا يكلّف نفساً إلاّ وسعها ، وإنّ إعمال أصل البراءة في كلّ حكم مجهول مَحق للدين وتلاعب بأحكام الله عزّ وجلّ.
4 ـ مع إمكان الأخذ بالظنّ ـ عند تعذّر العلم والأصل والاحتياط ـ لا يجوز الأخذ بالشكّ والوهم ، لأنّ ذلك من ترجيح المرجوح على الراجح وهو باطل شرعاً ، فلا بدّ من الأخذ بالظنّ دون الشكّ والوهم.
ولمّا كان الأصل والأهمّ في هذه المقدّمات الأربع المقدّمة الأولى القائلة بانسداد باب العلم ـ وهي التي اُخذ منها اسم دليل الانسداد ـ فإنّ الشيخ الأنصاري وبقية الفقهاء اقتصروا على مناقشتها ، فقال الشيخ الأنصاري : إنّ انغلاق باب الظنون الخاصّة المعتبرة أيضاً ، كالقول بحجّية خبر الواحد والتعبّد به من الناحية الشرعية يحلّ مشكلة (الانسداد) ، بل يوفّر لنا الوسائل العلمية الموجبة للقطع وخبر الواحد والظنون المعتبرة الأخرى كظواهر حجّية الكتاب والسنّة للوصول إلى معظم الأحكام الشرعية ، وعندها ينحلّ العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بأكثر الأحكام ، وتجري الأُصول والقواعد في بقية الأحكام بلا محذور.
حجّية الظنّ عند الشيخ الأنصاري :
وعلى صعيد حجّية الظنّ التي آمن بها الشيخ الأنصاري وجعلها أصلاً في الاستنباط ، فقد عرض في البداية أصلين في علم الأُصول هما :
أ ـ إمكانية اعتبار الظنّ والتعبّد به من ناحية الشارع.
ب ـ ما لم يحصل لنا العلم اليقيني بأنّ الشارع قد اعتمد سبيلاً من السبل الظنّية واعتبره وأمرنا بالتعبّد به ، فلا يجوز لنا التمسّك به وإسناد مفاده

إلى المولى عزّ وجلّ.
وقد اُستدلّ على هذين الأصلين بالأدلّة الأربعة وهي : القرآن المجيد ، كما في قوله تعالى : (إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) (1) ، وقوله أيضاً : (قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) (2) ، ومن السنّة الشريفة ما رواه الحرّ العاملي في الوسائل في قوله عليه‌السلام : «رجل قضى بالحقِّ وهو لا يعلم» (3) ، ومن الإجماع ما ادّعاه الوحيد البهبهاني من أنّ حرمة العمل بما لا يعلم من البديهيّات عند العوامّ فضلاً عن الخواصّ ، ومن الدليل العقلي اتفاق العقلاء على تقبيح الافتراء على المولى عزّ وجلّ.
وخلاصة نظريّته أنّ الظنّ ليس حجّة بذاته ولا يمكن الاعتماد عليه ، بل يكون حجّة شرعاً عندما يقوم دليل علمي من ناحية الشارع على حجّيته ؛ فيكون الظنّ ـ عندها ـ حجّة من ناحية الدليل الذي أقرّه الشرع فحسب وليس بذاته.
وبموجب هذا الفهم فقد صُنّفت الظنون الخاصة التي ثبتت حجّيتها بالدليل القطعي إلى طائفتين :
الأولى : الطرق والأمارات ، وهي الأدلّة والحجج الشرعية على الحكم الشرعي ، كالأخبار غير المتواترة والإجماع والشهرة.
والثانية : المنهج العلمي المستخدم في اكتشاف الحكم الشرعي كحجّية الظهور مثلاً ، التي هي طريقة من طرق العرف العقلائي في الأخذ بظواهر الأمور في العلاقات والمعاملات ؛ فالدليل أحياناً قد يفتقد إلى
__________________
(1) سورة الأنعام 6 : 116 ، وسورة يونس 10 : 66.
(2) سورة يونس 10 : 59.
(3) وسائل الشيعة 18 / 11 ح 6.

التنصيص والتصريح ، وإذا إفترضنا ـ جدلاً ـ أنّنا توقّفنا عن الأخذ بظهور الأدلّة اللفظية بسبب ذلك ، فنكون قد ألغينا طائفة واسعة من الروايات الظاهرة في معانيها غير الصريحة ، ونكون قد ارتكبنا أفدح الأخطاء على نطاق الاستدلال الشرعي.
3 ـ الشكّ :
ويُقصد بالشكّ مطلق الجهل بالحكم ، سواء كان طرفا الترديد متساويين أو مختلفين ؛ فعندما يخفى الحكم الشرعي أو موضوعه على المكلّف ـ عن طريق الجهل به أو عن طريق افتقاد الأمارة المعتبرة شرعاً ـ يكون الشكّ عندئذ مجرى لأحد الأُصول العقلية : كالبراءة والاحتياط ، أو الشرعية : كالاستصحاب والبراءة الشرعية.
أمّا إذا كان الشكّ في الموضوع الخارجي (أي في الشبهة الموضوعية الخارجية) وليس في الحكم الشرعي ، فإنّ القواعد الأُصولية الفرعية هي التي يتمّ تطبيقها ـ عندئذ ـ كقاعدة الفراغ والتجاوز ، وقاعدة أصالة صحّة فعل المسلم ونحوها.
وأمّا إذا كان الشكّ في الشبهات الموضوعية والحكمية ، فإنّ الأُصول الأربعة وهي : البراءة والتخيير والاحتياط والاستصحاب تكون ـ عندها ـ وظيفة الجاهل بالواقع من حيث جهله به ويأسه من الكشف عنه بالعلم أو الظنّ المعتبر.
ولا شكّ أنّ الشيخ الأنصاري كان قد فكّك بين الأمارات الظنّية والأُصول الأربعة ، فالأمارات كخبر الواحد مثلاً تستطيع بطبيعتها الكشف عن درجة من درجات الحكم الواقعي ، وقد تمّمها الشارع بالاعتبار الشرعي ،

ولكن الأُصول الشرعية والعقلية التي تجري في مورد الشكّ تفتقد بطبيعتها تلك الدرجة من الكشف عن الحكم الواقعي ، ودورها مجرّد تقرير الوظيفة العملية للمكلّف وقت الشكّ ..
وفي ضوء ذلك التفكيك دخلت الأدلّة الاجتهادية كخبر الواحد والإجماع والسيرة والشهرة في مبحث الظنّ ، لأنّها من الظنون الخاصّة التي رفعها الشارع إلى مستوى القطع ، بينما دخلت الأدلّة الفقاهتية ، وهي الأُصول العملية الأربعة ، في مبحث الشكّ ؛ فقال في الرسائل : «فاعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي فإمّا أن يحصل له الشكّ فيه أو القطع أو الظنّ ، فإن حصل له الشكّ فالمرجع فيه هي القواعد الشرعية الثابتة للشّاكّ في مقام العمل ، وتسمّى بالأُصول العملية ، وهي منحصرة في الأربعة ...» (1).
وهذا التفكيك بين الأمارات الظنّية والأُصول العملية ، والتفريق بين الأدلّة الفقاهتية والاجتهادية جعل دائرة الأدلّة الشرعية والعقلية متناسقة وغير متقاطعة في أىّ مرحلة من المراحل بل مترتّبة طوليّاً ، لكنّها تتقدّم أو تتأخّر عن بعضها من خلال ما اُصطلح عليه بـ (الحكومة) أو (الورود) اللذين سنتعرّض لهما لاحقاً.
4 ـ مفاد الدليل ومدلوله :
وقد آمن الشيخ الأنصاري بأنّ مفاد الدليل دائماً هو الجعل وليس المجعول (2) ؛ فـ (الجعل) يتمّ إنشاؤه من قبل المشرّع تحقّق موضوعه في
__________________
(1) الرسائل 1 / 2.
(2) الرسائل 1 / 395 ـ 403.

الخارج أم لم يتحقّق ، و (المجعول) يتوقّف ثبوته على حصول موضوعه في الخارج ، فالدليل في قوله تعالى : (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) (1) ، لا يتعهّد بغير بيان أصل جعل وجوب ضريبة الخمس على الغنيمة ، ولكن دخول هذا الوجوب في عهدة المكلّف لا يحصل الاّ بعد وصوله إلى مرحلة الفعلية ، بتحقّق موضوعه خارجاً بجميع قيوده وليس له أىّ علاقة بالدليل.
فمفاد الدليل قد يكون جعل الحكم الشرعي ، وقد يكون جعل الوظيفة الشرعية ، وقد يكون جعل الوظيفة العقلية في ظروف الجهل بالحكم الشرعي ..
وبمعنى آخر أن الأدلّة الفقاهتية ، بموجب هذا الفهم يمكن أن تقسّم إلى ثلاث مجاميع :
الأولى : الأُصول المؤمّنة كالبراءة العقلية والشرعية ، وهذه الأُصول لا تنفي الحكم الشرعي ، بل تجعل المكلّف يقطع ببراءة ذمّته من التكليف المشكوك في ظروف الجهل به.
الثانية : الأُصول المنجّزة والمثبتة للتكليف كأصل الاشتغال والاستصحاب. فهذان الأصلان لا يثبتان وجود الحكم الشرعي الذي كان يجهله المكلّف ، بل يثبتان الوظيفة الشرعية للمكلّف بالاحتياط في مورد الاشتغال ، وباستصحاب الحالة السابقة في مورد الاستصحاب.
الثالثة : التخيير العقلي ، وهي ما تفيد التخيير في مورد تردّد التكليف بين المحذورين وترفع مهمّة التعيين عن عهدة المكلَّف ؛ فالتخيير لا يعكس
__________________
(1) سورة الأنفال 8 : 41.

طبيعة الحكم الشرعي الواقعي ، ولكنّه وظيفة المكلّف في ظروف تردّده بين المحذورين (الوجوب أو الحرمة) ، وهو يعلم قطعاً بثبوت أحدهما على النحو الإجمالي.
5 ـ تعارض الأدلّة وتزاحمها :
والتعارض ، في اصطلاح الشيخ الأعظم رضي‌الله‌عنه هو تنافي الدليلين الظنيّين أو تضادّهما بحيث أنّ الدليل الأوّل ينافي الدليل الثاني ويكذّبه كما لو دلّ دليل على وجوب زكاة مال التجارة ودلّ دليل آخر على عدم وجوبها ، أو دلّ دليل على وجوب أمر ما ودلّ آخر على حرمته.
أمّا التزاحم ، فهو يعبّر عن تدافع بين حكمين شرعيّين في مقام الامتثال والتنفيذ ، ويمثّلون له بإقامة الصلاة في آخر الوقت وتطهير المسجد من النجاسة في نفس ذلك الوقت المضيّق ؛ فهنا لا يتمكّن المكلّف في ظرف زمني واحد من الامتثال لكلا الحكمين ، فلا بدّ له من اختيار أحدهما بالتعيين أو التخيير.
ومعرفة الفرق بين التعارض والتزاحم له قدر من الأهمّية في عمليّات الاستنباط ، ففي باب التزاحم لا نجد تكاذباً بين الدليلين في مقام الجعل والتشريع ، بينما نجد في باب التعارض استحالة صدور الدليلين من الشارع بالقطع ، وإلاّ لم يقع التعارض ، فلابدّ هنا ـ في باب التعارض ـ من ترجيح أحدهما على الآخر بالوسائل المرجّحة كقوّة السند من وثاقة الراوي والشهرة ، أو ترجيح ما ليس له بديل على الدليل الذي له بديل ، أو ترجيح الأهمّ على المهمّ.

العلاقة بين الأدلّة الاجتهادية والفقاهتية :
وقد عرض الشيخ الأنصاري لوناً جديداً من العلاقة بين الأدلّة الاجتهادية والفقاهتية ، في حالات التعارض بين الأدلّة ، وأسند هذا اللون من العلاقة إلى أربع حالات هي : التخصّص ، والتخصيص ، والورود ، والحكومة ، ولا شكّ أنّ تطبيق هذه الحالات الأربع على الأدلّة سوف يرفع التعارض بينها.
التخصّص :
فعلى صعيد (التخصّص) ، وهو خروج موضوع أحد الدليلين عن موضوع الدليل الآخر ، فإنّ موضوعي الدليلين مختلفان تماماً ، كما إذا قال الشارع : أكرم العلماء (وهو الدليل الأوّل) ، وقال : لا تكرم الجهّال (وهو الدليل الثاني) ، فيكون موضوع الدليل الثاني وهو (الجاهل) خارجاً عن موضوع الدليل الأوّل وهو (العالم) ، فينتفي التعارض بين الدليلين.
التخصيص :
وعلى صعيد (التخصيص) ، وهو إيراد قرينة متّصلة أو منفصلة لتوضيح مراد المتكلّم من الاستعمال ، فإنّ المخصِّص يكشف عن أنّ المتكلّم لم يكن يقصد المعنى الظاهر من العامّ في استعمال الخاصّ ؛ فلو قال الشارع : أكرم الفقراء ، ثمّ قال أيضاً : لا تكرم الفقراء الفسّاق ، فإنّ النهي الثاني يلحظ قرينةً على أنّ المتكلّم لم يكن قاصداً عموم الفقراء في استعماله الأوّل ، بل كان يقصد عدول الفقراء ، وتقييد المطلق وتخصيص

العامّ في هذا الاستعمال لا يعتبر تعارضاً في الأدلّة.
الورود :
وعلى صعيد (الورود) ، وهو تقدّم الأمارات والطرق (الأدلّة الاجتهادية) على الأُصول العقلية من البراءة والاحتياط والتخيير العقلي (الأدلّة الفقاهتية) ، فقد حُدّد بصيغة مفادها أنّ الدليل الوارد ينفي موضوع الدليل (المورود) نفياً تكوينياً ، على المستوى التعبّدي ، بمعنى أنّه لو وردنا خبر الثقة الواحد على حكم شرعي فإنّ ذلك الخبر سوف يرفع موضوع البراءة العقلية التي عبّرنا عنه سابقاً بعدم البيان في قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) ..
ومن جهة أخرى ، يتقدّم خبر الثقة على أصالة الاحتياط العقلية ، لأنّ موضوع أصالة الاحتياط هو احتمال ترتّب العقوبة على ترك الوجوب ؛ بينما أمّن خبر الثقة من وقوع العقوبة ..
ومن جهة ثالثة يتقدّم خبر الثقة على أصالة التخيير العقلية ؛ لأنّ موضوع التخيير إنّما ثبت لعدم وجود مرجّح لأحد الطرفين على الآخر ، بينما كان خبر الثقة صالحاً للرجحان على الطرف الآخر ، وهذه الأدلّة مترتّبة طوليّاً ولا تتقاطع في أيّة نقطة ، وهذا هو معنى عدم التعارض بين الأدلّة.
الحكومة :
وعلى صعيد (الحكومة) ، وهو تقدّم الأمارات والطرق (الأدلّة الاجتهادية) على الأُصول العقلية من البراءة والاحتياط والتخيير العقلي (الأدلّة الفقاهتية) تقدّماً تشريعياً ، فإنّ العلاقة الدلالية تتبلور عندما يكون

فيها أحد الدليلين ناظراً إلى مفاد الدليل الآخر ، فخبر الثقة يرفع جهل المكلّف بالحكم الواقعي تعبّداً وإن لم يرفعه تكويناً ، ولكن الشارع أتمّ الكشف الذاتي الناقص الموجود في هذه الأمارة ، فهنا يثبت الدليل الاجتهادي ويتقدّم على الدليل الفقاهتي ، ولا تعارض بين الدليلين (أي الاجتهادي والفقاهتي) المترتّبتين طوليّاً.
ولا شكّ أنّ نظريّة الشيخ الأنصاري قدس‌سره ونظريّات الفقهاء الذين سبقوه تدفعنا نحو التفتيش عن منهجية (علم الأُصول) ، فكيف استطاع (علم أصول الفقه) الوصول إلى تلك الدقّة العقلية من دون الانجرار كلّياً إلى خنادق علم الفلسفة أو علوم اللغة أو علم الكلام؟ وكيف استطاعت اتجاهات المنهج العلمي الأُصولي في التاريخ ، الخروج بصيغة متوافقة للمباحث الأُصولية؟ وكيف استطاع علم الأُصول التمييز بين (الأصل العملي) وبين بقية القوانين الحاكمة على التفكير الإنساني؟ سنحاول الإجابة عن كلّ ذلك في بحوث الفصل الخامس حول تشخيص المنهج العلمي للأُصول.

الفصل الخامس
تشخيص المنهج العلمي للأُصول
مقدمة:
إنّ أهمّ ما ميّز النشاط العلمي الديني في الحوزة العلمية الإمامية هو اهتمامها المتميّز بتنمية الفكر الأُصولي إلى مرحلة متطوّرة باعتبار أنّ مدار الاجتهاد هو قابلية الفقيه على التمكّن من إرجاع الفروع إلى الأُصول ، وهي ما تدور عليه مباني علم الأُصول.
ولا شكّ أنّ علم أصول الفقه لم يكن ليتطوّر بهذا الشكل الرائع عند فقهاء الشيعة خلال القرون الماضية ما لم يتسلّح أولئك العلماء بمنهج علمي واضح المعالم حدّد لهم أهدافهم في الاستنباط الشرعي للأحكام ؛ فالمنهج العلمي يشير إلى نوعية الخطوات التي تُتّخذ ـ عبـر نظام ذي ضوابط ـ للوصول إلى هدف استنباط الأحكام الشرعية ـ تكليفية كانت أو وضعية ـ من أدلّتها المقرّرة.
ولا شكّ أنّ طبيعة الخطوات المُتّخذة والتفاصيل المتعلّقة بها تعتمد على تلك الغاية وعلى الطرق المُستخدمة في الوصول إليها ، فالتحليل النقدي الذي صاحب عملية تطوّر علم الأُصول أدّى مع مرور الزمن إلى تغيير في التركيبة العامّة للنظرية الأُصولية ، حيث نرى الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) يسرد في كتابه الأُصولي (عُدّة الأُصول) تصوّراً ابتدائياً عن علم أصول الفقه ، فيقول في مقدّمة كتابه : «سألتم أيّدكم الله إملاء مختصر في أصول الفقه يحيط بجميع أبوابه على سبيل الإيجاز والاختصار على ما

تقتضيه مذاهبنا وتوجبه أصولنا ، فإنّ من صنّف في هذا الباب سلك كلّ قوم منهم المسلك الذي اقتضاه أصولهم ولم يعهد من أصحابنا لأحد في هذا المعنى إلاّ ما ذكره شيخنا أبو عبد الله رحمه‌الله في المختصر الذي له في أصول الفقه ولم يستقصه وشذّ منه أشياء يحتاج إلى استدراكها وتحريرات غير ما حرّرها ، وإنّ سيّدنا الأجلّ المرتضى ـ أدام علوّه ـ وإن أكثر في أماليه وما يقرأ عليه شرح ذلك ، فلم يصنّف في هذا المعنى شيئاً يُرجع إليه ويجعل ظهراً يستند إليه ، وقلتم : إنّ هذا فنّ من العلم لا بدّ من شدّة الاهتمام به ، لأنّ الشريعة كلّها مبنيّة عليه ولا يتمّ العلم بشي منها دون إحكام أصولها ، ومن لم يُحكم أصولها فإنّما يكون حاكياً ومعتاداً ولا يكون عالمـاً» (1) ..
وبعد تسعة قرون مـن وفـاة الشيخ الطوسي رضي‌الله‌عنه تبلورت التركيبة العامّة للنظرية الأُصولية بأوضح صورها ، فيأتي الشيخ محمّـد كاظم الخراساني (ت 1329 هـ) ليحدّد معالم النظرية الأُصولية وأهدافها ، فأصبحت أصول الفقه (صناعة يُعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام ، أو التي ينتهي إليها [الفقيه] في مقام العمل) (2) ، وهذا الهدف الواضح للنظرية الأُصولية الحديثة جاء ثمرة من ثمرات الجهد المتّصل على مدى تلك القرون الماضية في البحث عن منهج علمي متكامل لنظرية القواعد المشتركة في استنباط الحكم الشرعي.
الطريقة التحليلية في علم الأُصول :
فذلك المنهج العلمي يتبع الطريقة التحليلية لا الوصفية ، فهو لا
__________________
(1) عُدّة الأُصول 1 / 2.
(2) كفاية الأُصول 1 / 23.

يقتبس من الفلسفة اللغوية أو علم المنطق أو علم الكلام بقدر ما يهذّب تلك العلوم ويحلّلها ويخضّعها لحاجاته في التحليل الذهني وربط المعاني بعضها ببعض ، ونستشفّ ذلك بوضوح من كتب الطائفة التي تطوّرت مع تطوّر الفكر الأُصولي ، أمثال : كتاب كنـز الفوائد لأبي الفتح محمّـد بن علي الكراجكي (ت 449 هـ) ، وعُدّة الأُصول للشيخ أبي جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ) ، والقواعد والفوائد في الفقه والأُصول والعربية للشهيد الأوّل محمّـد بن مكّي (ت 786 هـ) ، وقوانين الأُصول للميرزا أبي القاسم القمّي (ت 1231 هـ) ، ومفاتيح الأُصول للسيّد محمّـد الطباطبائي (ت 1242 هـ) ، وهداية المسترشدين في شرح معالم الدين للشيخ محمّـد تقي الاصفهاني (ت 1248 هـ) ، وقوامع الفضول عن وجوه حقائق أصول علم الأُصول للشيخ محمود بن جعفر بن الباقر المسمّى بالعراقي (ت 1308 هـ) ، وفرائد الأُصول للشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1280 هـ) ، ومطارح الأنظار ـ من تقريرات الشيخ الأنصاري ـ للشيخ أبي القاسم كلانتري (ت 1292 هـ) ، وبحر الفوائد في شرح الفرائد للشيخ ميرزا محمّـد الاشتياني (ت 1299 هـ) ، وكفاية الأُصول للشيخ محمّـد كاظم الخراساني (ت 1329 هـ) ، والفصول في الأُصول للشيخ محمّـد حسين الاصفهاني (ت 1361 هـ) ، وبدائع الأفكار للشيخ ميرزا حبيب الله الرشتي (ت 1362 هـ) ، ونهاية الأفكار للشيخ محمّـد تقي البروجردي ، ومقالات الأُصول للشيخ ضياء الدين العراقي (ت 1361 هـ) ، ومباني الاستنباط للكواكبي تقريراً لأُستاذه السيّد أبي القاسم الخوئي (ت 1413 هـ) وغيرها من كتب الطائفة في علم الأُصول.
فقد أصبحت ـ بفضل ذلك المنهج العلمي ـ تلك الأفكار المبعثرة

المنتشرة هنا وهناك أصولاً بحسب المباني العقلية والشرعية ، ففي حالة الشكّ مثلاً ثبّت الأصوليّون ما سُمّي بالأُصول الأربعة ، وهي : الاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير ، وتلك الأُصول الأربعة عامّة تجري في الشبهات الحكمية والموضوعية ، ولذلك اهتمّ بها علم الأُصول أشدّ الاهتمام ؛ فالمدرسة الأُصولية الإمامية بكافّة فقهائها وعلى فترة زمنية مديدة ، أشبعت تلك الأُصول الأربعة بحثاً ونقداً ، بحيث وصلت تلك المباحث الأُصولية اليوم إلى درجة من الدقّة والعمق ، فمثلاً عندما يُراد التفريق بين الأصل والدليل ، فإنّ النظرية الأُصولية الحديثة تقول : (إنّ الأصل خارج عن الدليل موضوعاً وتخصّصاً لا حكماً وتخصيصاً) ، بمعنى أنّه لا يوجد هناك أىّ تعارض ولا تخصيص بين الأصل والدليل ، فالدليل متقدّمٌ ذاتاً على الأصل ، والأصل متأخّر رتبة عن الدليل ، ولذلك فإنّهما لا يجتمعان في موضوع واحد ، والنتيجة أنّ الأصل العملي لا تقرّ بأخذه (النظرية الأُصولية) إلاّ بعد اليأس من وجود الدليل ، كما فصّلنا ذلك في الفصل الرابع.
اتجاهات المنهج العلمي في الأُصول :
ومن خلال دراسة متأنّية لتاريخ علم الأُصول نستطيع أن نشخّص ثلاثة اتّجاهات مهمّة في المنهج العلمي للمدارس الأُصولية.
الأوّل : هو الاتّجاه الذي حاول تنظيم علم الأُصول اعتباره علماً مستقلاًّ عن المدارس السنّية ، فهاجم القياس والاستحسان والمصالح المرسلة ونحوها وأخرجها من علم الأُصول ، وكان من روّاده الشيخ المفيد

والسيّد المرتضى والشيخ الطوسي وابن إدريس ؛ فيشير شيخ الطائفة في عُدّة الأُصول إلى ذلك ويقول : «أمّا القياس والاجتهاد فعندنا أنّهما ليسا بدليلين ، بل محظور في الشريعة استعمالهما» (1) ، بينما يصرّح ابن إدريس بالقول «إنّنا أبطلنا أن يكون القياس في الشريعة ـ الذي هو ما ذهب مخالفونا إليه ـ طريقاً إلى الأحكام الشرعية» (2). وفي موضع آخر : إنّ «القياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا» (3) ، ويُقصد بالاجتهاد في هذين النصّين اجتهاد الرأي.
الثاني : وهو الاتجاه الذي اتّخذ موقف الدفاع أمام المدرسة بزعامة الاسترآبادي (ت 1023 هـ) التي زعمت أن الاستنباط يقتصر على البيان الشرعي فقط دون الحاجة إلى الرجوع للدليل العقلي ، إلاّ أنّ المدرسة الإخبارية واجهت حملة عنيفة من قبل المدرسة الأُصولية ، كما بحثنا ذلك سابقاً ..
ويُمثّل ما كتبه السيّد محسن المعروف بـ (المقدّس الكاظمي) (ت 1227 هـ) في كتابه وسائل الشيعة إلى مسائل الشريعة نموذجاً من نماذج هذا الاتجاه الأُصولي ، فيقول متحدّثاً عن الحاجة لعلم الأُصول : «... ثمّ لمّا كانت الخطابات الشرعية مشتملة على ما وقع فيه النـزاع ممّا يبتنى عليه معظم الفقه كالأوامر والنواهي والمشتقّات والحروف ، والتقييدات وما صار حقيقة في معان لم تكن معروفة من قبل وما يحتمل أمرين أو أكثر من
__________________
(1) عدة الأُصول 2 / 253.
(2) السرائر : 3 ، في مسألة بيان الأدلة الشرعية.
(3) السرائر : 3 ، في مسألة بيان الأدلة الشرعية.

الأمور الخمسة المشهورة التي يدخل الخلل باعتوارها ، احتجنا إلى مباحث الأمر والنهي والمشتق والحروف والمفاهيم والحقيقة الشرعية ومسائل الدوران وحيث وقع فيها أيضاً ما يوجب اختلال الفهم من التخصيص والتقييد والتجوّز والإجمال والتشابه والنسخ والوهم وجب بذل الجهد في معالجة ذلك ...» (1) ..
ونراه في نفس المصدر يتحدّث عن الاختلاف بين القرب والبعد الزماني عن النص فيقول : «... فسدت اللغات وتغيّرت الاصطلاحات وذهبت قرائن الأحوال وكثرت الأكاذيب وعظمت التقية واشتدّ التعارض بين الأدلّة حتّى لا تكاد تعثر على حكم يسلم منه ، مع ما اشتملت عليه من دواعي الاختلال ، وليس هناك أحد يُرجع إليه بسؤال ، وكفاك مائزاً بين الفريقين قرائن الأحوال وما يشاهد في المشافهة من الانبساط والانقباض ... وهذا بخلاف من لم يصب إلاّ أخباراً مختلفة وأحاديث متعارضة يحتاج فيها إلى العرض على الكتاب والسنّة المعلومة ... فإنّه لابدّ له من الإعداد والاستعداد والتدرّب في ذلك كي لا يزلّ» (2).
الثالث : وهو الاتجاه الذي ثبّت المدرسة الأُصولية بشكلها الحالي في مراحل متباينة ، ومن روّاد هذا الاتجاه الملاّ عبد الله التوني (ت 1071 هـ) في كتابه الوافية في الأُصول ، والسيد حسين الخونساري (ت 1098 هـ) في كتابه مشارق الشموس في شرح الدروس ، والعالم الجليل محمّـد باقر
__________________
(1) وسائل الشيعة إلى مسائل الشريعة : 3.
(2) وسائل الشيعة إلى مسائل الشريعة : 4.

البهبهاني (ت 1206 هـ) في كتابه الفوائد الحائرية ، والميرزا أبو القاسم القمّي (ت 1227 هـ) في كتابه قوانين الأُصول ، والشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ) في كتابه فرائد الأُصول ، والشيخ محمّـد كاظم الخراساني (ت 1329 هـ) في كتابه كفاية الأُصول.
وقد أدّت دراسة تلك الاتجاهات مجتمعةً إلى الخروج بصيغة متوافقة للمباحث الأُصولية ؛ فقد عبّرت عن النشاط العلمي غير المنقطع الذي بذله علماؤنا الأعلام على مرّ السنين الطويلة من أجل تنظيم هذا اللون من العلوم الاكتسابية وتسخيرها لخدمة الدين واستنباط الأحكام الشرعية.
الاصطلاحات الجديدة :
ولم يتوقّف المنهج العلمي لأُصول الفقه ـ في ما يتعلّق باستثمار علمي المنطق والفلسفة ـ عند تنظيم البحث العلمي في الاستنباط فحسب ، بل تعدّى إلى استحداث مصطلحات ولغة أصولية جديدة أضافت للّغة العلمية أبعاداً متميّزة ، فإصطلاحات مثل : القطع الطريقي والموضوعي ، والحكم الظاهري والواقعي ، والدليل والأصل والأمارة ، والشبهة التحريمية والشبهة الوجوبية ، والاحتياط والوجوب التخييري ، والحكم التكليفي والحكم الوضعي وغيرها أدّت إلى اجتياز مرحلة الوصف والتشبيه إلى مرحلة الدقّة والعمق والتحليل ، ولم يتخلّ علم الأُصول ـ في جميع مراحله ـ عن الإيمان بـ (نظرية المعرفة) وطريقتها المنطقية في ربط الحقائق بالأحكام ؛ فقد اُعتبر العقل والتحليل الذهني الإسلامي حجّة رئيسية في الإثبات إلى جانب البيان الشرعي ؛ وجُعل الأصل العملي الملجأ الوحيد للفقيه في استنباط الحكم الشرعي بعد غياب الدليل ، إلاّ أنّ أهمّ ما ميّز هذا

المنهج العلمي عن غيره من المناهج هو تطوّر الفرضيّات الأُصولية إلى نظريّات شرعية عقلائية تتطابق مع (نظرية المعرفة) بمعناها الشامل ، وتنسجم مع النظرة الشرعية في الالتزام والتكليف للفرد والجماعة.
تطوّر الفرضية الأُصولية :
ولنضرب مثالاً على تطوّر الفرضية الأُصولية إلى نظرية ، ففي مبحث (الصحيح والأعمّ) في العبادات فرضيّتان :
الفرضية الأولى : إنّ أسماء العبادات وُضعت للصحيح واُستدلّ على ذلك بالتبادر ، وصحّة السلب ، وما ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» (1) ، و «الصلاة معراج المؤمن وعمود الدين» (2).
الفرضية الثانية : إنّ أسماء العبادات وضعت للأعمّ (وهو الصحيح والفاسد) ، واُستدلّ على ذلك بالتبادر ، وعدم صحّة السلب ، وصحّة التقسيم إلى الصحيحة والفاسدة ، وقوله عليه‌السلام : «دعي الصلاة أيّام إقرائك» (3) فأطلق الإمام المعصوم عليه‌السلام على الفاسدة اسم الصلاة ، وقوله عليه‌السلام في صحيحة زرارة : «بُني الإسلامُ على خمس : الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية ولم ينادِ أحدٌ بشيء كما نودي بالولاية فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه ، فلو أن أحداً صام نهاره وقام ليله ومات بغير ولاية ، لا يقبل له صوم ولا صلاة» (4) فإنّه عليه‌السلام أطلق أسماء العبادات على الفاسدة بناءً على فساد العبادة
__________________
(1) مستدرك الوسائل 4 / 158 ح 5.
(2) اعتقادات المجلسي : 29 وثواب الأعمال : 44 ح 60.
(3) غوالي اللئالي 2 / 207 ح 124.
(4) الكافي 2 / 18 ح 5.

بلا ولاية.
وأمام هاتين الفرضيّتين يأخذ الفقيه ـ بقوّة الاستدلال الشرعي ـ بأحدهما ، ويبني عليها نظريته ، فلنفترض أنّنا أخذنا بالافتراض الأوّل وهو أنّ أسماء العبادات وُضعت للصحيح ، بتقريب أنّ ماهيّات العبادات لم تكن معلومة للافراد قبل التشريع ، بل اخترعها الشارع ووضع حقيقتها ؛ ولذلك لا بدّ أن يكون استعماله لها في الصحيح دون الفاسد ، لأنّ الاستعمال كان ابتداءً بعنوان التكليف الشرعي.
ومن أجل أن نبني نظريّتنا الأُصولية في (الصحيح) لا بدّ لنا من دحض استدلال القائلين بالأعمّ ؛ فنحن لا نسلّم بأدلّة التبادر وعدم صحّة السلب عقلاً. ومن حقّنا أن نرفض تلك المسلّمات المزعومة ، وأمّا التقسيم إلى الصحيحة والفاسدة فهو إنّما يتمّ بالعناية والمشابهة مجازاً ، وأمّا قوله عليه‌السلام : «دعي الصلاة أيّام إقرائك» فإنّ المعصوم عليه‌السلام استعملها في الصحيحة ، إلاّ أنّها صارت فاسدة بعد ورود هذا النهي ، ولا يمكن أن يُريد الإمام عليه‌السلام منها الصلاة الفاسدة ابتداءً ، وأما رواية (بُني الإسلام على خمس ...) فظاهرها عدم قبول عبادات أولئك الأفراد إذا كانت جامعة لجميع الشرائط ومانعة لشرط الولاية ، ولا ينافي ذلك صحّتها ، فالقبول غير الصحّة ، وحتّى لو زُعم أن الرواية قصدت الصحّة لا القبول ، فإنّنا نقول : إنّ الإمام عليه‌السلام إنّما استعملها إمّا بحسب اعتقادهم صحّتها ، وإمّا مجازاً.
وهكذا أصبحت نظرية (الصحيح) عند الفقيه الذي آمـن بها عن طريق الاستدلال ، قانوناً مسلّماً ـ بعد أن كانت فرضاً ـ يستخدمه في أبحاثه الآتية في الرجوع إلى البراءة أو الاحتياط فيما إذا شكّ في جزئية شيء أو شرطيّته بناءً على الصحيح.

نتائج المنهج العلمي :
وقد أدّى هذا الأسلوب العلمي في النقاش والاستنتاج والاستنباط إلى استخلاص أربع نتائج مهمّة على الصعيد الاجتهادي :
الأولى : تكثيف نشاط الفقهاء في البحث عن الحقائق الشرعية مهما كانت صغيرة ومبهمة ، فأخذ النقاش يطال حتّى المسلّمات العقلية في بعض الأحيان ، وهذا المنحى العلمي حدّده النقاش والإفحام المتزايد بين أصحاب الافتراضات ومناوئيهم ، ولا شكّ أنّ هذا الجوّ العلمي خلق مناخاً عظيماً للإبداع والابتكار الفكري ضمن الحدود الشرعية.
الثانية : التعريف الدقيق المعمّق لكلّ المصطلحات الحُكمية ، بملاحظة خصائصها الشرعية واللغوية والفلسفية ، ولا شكّ أنّ أهمّ أركان العلوم الإنسانية أو التجريبية هو حجم المصطلحات التي تستخدمها تلك العلوم ودقّتها ، فالطبّ له مصطلحاته الخاصّة ، والفلسفة لها مصطلحاتها الخاصّة ، والكيمياء لها مصطلحاتها الخاصّة ، وكذلك علم الأُصول ، فعن طريق إثراء هذا العلم بالمصطلحات الدقيقة أصبحت عملية نموّه النوعي عملية سريعة تزدادُ عمقاً وشمولاً يوماً بعد يوم.
الثالثة : إن عملية الاستقراء المنطقي للمفردات الفقهية تحت رعاية مبادئ ومسلّمات علم الأُصول قد تؤدّي بالمجتهدين لاحقاً إلى استنباط (النظرية الاجتماعية الفقهية) ، وهي النظرية التي لا بدّ أن تُصاغ من أجل بناء النظام الاجتماعي في ضوء الإسلام وتهيئة المجتمع القادر على نصرة الإمام المهدي عليه‌السلام عند ظهوره المرتقب.

الرابعة : قدرة العالِم الأُصولي الفقيه على منازلة جميع النظريّات والافتراضات الأخرى الخارجة عن دائرة الإسلام والإيمان ، فعن طريق علم الأُصول تسلّح الفقيه بالأُصول والقواعد العقلية والشرعية التي يستطيع بها أن يعرض رأيه بقوّة ويستدلّ له ويدافع عنه بالطرق الشرعية والعقلية والمنطقية.
التحليل الفلسفي للأصل العملي :
والحديث عن المنهج العلمي لابدّ أن يقودنا نحو تحليل (الأصل العملي) تحليلاً فلسفياً ، وهنا يبرز سؤالان مهمّان هما :
الأوّل : ما هي الصيغة العقلية للأصل العملي؟
الثاني : ما هو الفرق بين الأصل العملي وبين بقية القوانين المنطقية الحاكمة على التفكير الإنساني؟
مقدّمة حول القانون :
وقبل الجواب على ذلك نحتاج إلى تقديم مقدّمة ممهِّدة ، وهي : إنّ العلوم بكافّة ألوانها وأطيافها تحتوي بيانات متباينة في التعقيد تسمّى بالقوانين ، ولكن علماء الطبيعة أو الفلسفة في نزاع دائم مع بعضهم البعض حول شرعية تلك القوانين العلمية أو الفلسفية ودستوريّتها ، ومحور النـزاع يدور حول التساؤل التالي : هل هناك براهين كافية لتبرير إنزال البيانات العلمية أو الفلسفية منـزلة القوانين؟ ليس هناك من جواب شاف لهذا السؤال ، إلاّ أنّ المتيقّن أنّ اختلاف الآراء والمباني بين علماء الطبيعة

والفلسفة هو الذي يؤدّي إلى ذلك النـزاع الناشئ حول شرعية تلك القوانين ودستوريّتها.
ولا يقف النـزاع عند هذا الحدّ ، بل يتطوّر ذلك النـزاع إلى جدل حول طبيعة المصطلح نفسه ، فبعض العلماء لا يوافقون على إطلاق لفظ (القانون) على ذلك البيان العلمي ، بل يفضّلون استبداله بألفاظ أخرى مثل (مبدأ) ، أو (نظرية) ، أو (أصل) ونحوها من الألفاظ العلمية.
والأمر المتفق عليه بالإجماع بين علماء الطبيعة والفلسفة هو أنّ لفظة (القانون) أو ما رادفها من ألفاظ يجب أن تشير ـ بصورة من الصور ـ إلى الحقيقة العلمية ؛ فالرجم بالغيب مثلاً لا يمكن أن يكون قانوناً علمياً ولا نظريةً ولا مبدأً لأنّه لا يشير ـ من قريب أو من بعيد ـ إلى الحقائق الواقعية العلمية.
الأصل العملي والمنطق :
نرجع الآن بعد تلك المقدّمة المختصرة إلى صلب الجواب عن السؤالين اللذين طرحناهما آنفاً ، ونقول : إنّ الصيغة المنطقية للأصل العملي يمكن تحديدها ضمن إطار فكرتين هما : الضرورة الشرعية ، والانتظام الفلسفي.
فالضرورة الشرعية تجعلنا نفهم الأصل العملي من زاوية قوّته المنطقية أو العقلية وارتباطه مباشرة بالتشريع ، فالاستصحاب مثلاً أصلٌ من الأُصول العملية يتعامل مع اليقين والشكّ ومتعلّقيهما ، وملاك قاعدة الاستصحاب هو اتحاد متعلّق اليقين والشكّ ذاتاً ، لكن مع اختلاف زمان

المتعلّق سواء اختلف زمان حدوث نفس اليقين والشكّ أم اتفق ، وقد اُستدلّ على حجّية الاستصحاب باستقرار سيرة العقلاء على الأخذ بالحالة السابقة ما لم يثبت خلافها ..
واُستدلّ أيضاً بالأخبار الواردة في المقام وهي العمدة ومنها : صحيحة زرارة عن الإمام الصادق عليه‌السلام : «... فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً» (1) ..
والتفسير العقلي لأصل الاستصحاب يمكن أن يوضّح بالطريقة التالية : إنّنا لو أنكرنا حجّية الاستصحاب لكان ذلك ترجيحاً لأحد طرفي القضية الممكنة (النجاسة أو الطهارة مثلاً) من غير مرجّح ، وهذا يناقض الفكرة الشرعية أيضاً ، ومن هنا باتت الضرورة الشرعية تدفعنا للإيمان بأصل الاستصحاب عند فقدان الدليل ؛ ولا شكّ إنّ اعتبار الاستصحاب اعتبار تعبّدي محض لا يترتّب عليه أي أثر في الواقع العملي.
أمّا ما يخصّ الانتظام الفلسفي ، فإنّ الأُصول العملية محدّدة تحديداً نظامياً ترتُّبيّاً بحيث لا يتقدّم أصل على أصل إلاّ لسبب شرعي أو عقلي ، فعلى سبيل المثال تُقدّم أصالة (صحّة فعل المسلم) على أصالة (الاستصحاب) في مباني علم الأُصول ، فلو تيقّنا بنجاسة شيء ثمّ شكّكنا في تطهيره استصحبنا نجاسته ، ولكن لو تصدّى فرد مسلم لتطهيـره فلا خيـار لنا إلاّ أن نحمـل ذلك على الصحـّة فتثبت ـ عندئذ ـ طهارته ، وقد اُستدلّ على ذلك ببعض الأخبار ، منها ما ورد عن أمير المؤمنين عليه‌السلام : «ضع أمر أخيك على أحسنه حتّى يأتيك ما يقلبك عنه ولا تظنّن بكلمة خرجت
__________________
(1) تهذيب الأحكام 1 / 421 ح 8.

من أخيك سوء وأنت تجد لها في الخير سبيلاً» ، والمروي عن الإمام الصادق عليه‌السلام : «إنّ المؤمن لا يتّهم أخاه» ، و «كذّب سمعك وبصرك عن أخيك فإن شهد عندك خمسون قسّامة أنّه قال ، وقال : لم اقل ، فصدّقه وكذّبهم» ، ونحوها من الأخبار.
إلاّ أنّ هذه الأخبار أخصّ من الدعوى ، فهي لا تدلّ إلاّ على التزام حمل الإنسان أخيه المؤمن على الخير لا على الشر ، وهي من المؤيّدات فقط ، لكنّها لا تدلّ على لزوم حمل كلّ ما يصدر منه على الصحّة ، ولعلّ أصالة صحّة فعل المسلم تستند على السيرة العقلائية المستمرّة من زمن الشارع حتّى اليوم أكثر من استنادها على تلك الأخبار.
ومهما اختلف الدليل ، فإنّ تقديم أصل على أصل يعكس ـ بصدق ـ الانتظام الفلسفي للأُصول العملية في علم الأُصول ، وقد ذكرنا سابقاً تقدّم الأمارات والطرق (الأدلّة الاجتهادية) على الأُصول العقلية من البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب (الأدلّة الفقاهتية).
ومن تلك الأمثلة نفهم أنّه عن طريقي (الضرورة الشرعية) ، و (الانتظام الفلسفي) تتبلور لنا صورة الصيغة العقليّة للأصل العملي وموضعها في التفكير الشرعي.
البُعد العقلي في النظرية الأُصولية :
وبطبيعة الحال ، فإنّ تكامل المنهج العلمي للمدرسة الأُصولية يستمدّ قوّته ومتانته من بُعدين عقليّين مهميّن هما : البُعد التحليلي ، والبُعد الإلزامي. وهذان البُعدان هما اللذان يميّزان أصول الفقه عن أصول بقية العلوم.

فعلى صعيد البُعد التحليلي ، فإنّ قانون الفكر في علم الأُصول إنّما يؤسّس في ضوء مبادئ ذلك العلم بلحاظ الأخذ بالنقاط الثلاث الآتية :
الأولى : الأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الحجج العقلية والشرعية في الأُصول الأربعة (البراءة ، والاحتياط ، والتخيير ، والاستصحاب) ، والأمارات ، وطبيعة القطع والظن والشك ، والأوامر والنواهي كما هي ، أي بطبيعتها الأُصولية الإلزامية لا بجوهرها اللغوي أو المنطقي.
الثانية : إنّ المواضيع الأُصولية لا تتناقض بكينونتها مع بقية العلوم ، فعلم الأُصول لا يعارض المباحث الكلامية أو الأُصول اللغوية ؛ وبنفس المنطوق لا تتعارض المبادئ والنظريات المنطقية والفلسفية مع المباحث الأُصولية.
الثالثة : إنّ النظريات الأُصولية تلحظ قوانين الشرع والعقل وقواعد التفكير الذهني السليم.
فالقطع ـ على سبيل المثال ـ صورة من صور البُعد التحليلي ، فالقاطع ـ الذي انكشف له الواقع ووصل إلى ساحته ـ إذا وافق قطعه وعمل على طبق تكليفه المقطوع فقد أدّى الواجب ، أمّا إذا خالف قطعه ، فإن كان ما قطع به موافقاً للواقع فهو بلا شكّ يستحقّ الذمّ والعقاب ، وإن كان مخالفاً للواقع فقيل : إنّه يستحقّ وقيل : إنّه لا يستحقّ ، ودلالة استحقاقه العقاب تتمّ بتقريب أنّ تَلَبُّس القاطع بالفعل يفرض على المكلّف حكماً عقلياً أمضاه الشارع وهو وجوب طاعة المولى عزّ وجلّ ، فإنّ ما حكم به العقل فقد حكم به الشرع أي أمضاه وأجازه ، وهذا البُعد التحليلي للقطع يعكس متانة المنهج العلمي الذي شرحناه للمدرسة الأُصولية.
وعلى صعيد البُعد الإلزامي ، فإنّ الدليل الشرعي والأمارة والأصل ـ في

الواقع ـ تقوم مقام القانون الأخلاقي والنظرية الإلزامية ، فهي ، مع كونها لا تُكره الفرد على التنفيذ ، إلاّ أنّها تلزمه إلزاماً شرعياً وأخلاقياً بالامتثال ، فالأمر ـ على سبيل المثال ـ صورة من صور البُعد الإلزامي ، وإذا قال الآمر : افعل مثلاً ، فقد أراد إيقاع الفعل وصدوره ، فالوجوب هنا يتبادر بدون قرينة لأنّه أشدّ الأقسام طلباً وحثّاً ، على عكس الاستحباب أو الندب فهو أقلّ المراتب وأخفّها في الحثِّ ، ولذلك فقد يحتاج إلى قرينة حتى ينطبق لفظ الأمر المستحبّ على معناه ، فيكون الإلزام الأخلاقي هنا دائراً بين قطبي الوجوب والاستحباب ، ولا شكّ أنّ هناك دلالة عقلية مفادها أنّ لصيغة الأمر مهمّة فورية عرفية ، بتقريب أنّ المولى إذا قال للعبد : افعل الفعل الفلاني ، فلم يفعل زماناً كان للمولى أن يقول له : لِمَ لمْ تفعل ما أمرتك به؟ وهذا هو مقصودنا بالبُعد الإلزامي الفوري ، فهو إلزام وأمر بصيغة من صيغ الطلب التي يحبّ الخالق عزّ وجلّ من عبده المخلوق تنفيذها في صيغة زمنية محدّدة.
الانجازات المنتظَرة في علم الأُصول :
وبعد ان شخّصنا المنهج العلمي لعلم الأُصول ، نستطيع القول الآن : إنّ الانجازات التي حقّقها فقهاؤنا الأعلام (قدّس الله أسرارهم) على صعيد البناء التحتي والمنهجي لعلم الأُصول تنتظر انجازات أخر على صعيد تطبيق نظريّات (القطع) و (الأمارات) و (الأُصول العملية) على الجزئيات الفقهية ؛ فإنّ حجّية الدليل الشرعي والعقلي ينبغي ان تدفعنا للقول ، تلميحاً أو تصريحاً ، بضرورة بناء النظرية الاجتماعية الفقهية التي نأمل ان تقدّم حلولاً لمشاكل العالَم المعاصر بما فيه من تعقيدات نفسية وفكرية وفنّية ، ونلمس من توجّهات فقهائنا المعاصرين الأعلام بوادر اختمار فكرة صياغة النظرية

الاجتماعية الفقهية التي نأمل من خلالها أن يقود (الإسلام) البشرية المعاصرة إلى شاطئ الأمان والسلام والعدالة الاجتماعية (1).
وما نريد تأكيده وإعادته مرّة أخرى هو أنّ التطوّر الذي حصل في البُنية الشرعية والفلسفية لعلم الأُصول خلال الأعوام الألف الماضية من عمر التشيّع لأهل البيت عليهم‌السلام ، فتح آفاقاً واسعة لاستثمار ذلك المخزون العلمي الخام ، فكان العمل من أجل بلورة النظرية الفقهية أهمّ ثمار المرحلة التي أفرزها التكامل الموضوعي لأُصول الفقه ، وبعد أكثر من قرن على وفاة الشيخ الأنصاري رضي‌الله‌عنه ، فإنّ المنهج العلمي الشامخ الذي وضعه كان لا يزال قمّة في الفهم العقلي والشرعي لوظيفة القواعد المشتركة في عملية الاستنباط.
وهذا الفهم المتطوّر دفع نخبة من فقهاء الحوزة العلمية الإمامية المتأخّرين إلى تحسّس ضرورة تطبيق تلك القواعد الأُصولية على المشاكل الاجتماعية التي يعيشها المسلم المعاصر ، وبتعبير آخر ، استثمار عملية الاجتهاد الشرعي من أجل بناء الحياة الاجتماعية للمسلمين ..
ذلك أنّ الاستمرار في بناء وترميم الهيكل الأُصولي المتكامل مدّة غير محدودة من الزمن ، ودون الالتفات إلى طبيعة التغير الاجتماعي الذي تعيشه المجتمعات المعاصرة قد يضرُّ بعملية الوظيفة الشرعية للمكلّف التي اهتمّ بها علم الأُصول من البداية ..
ولذلك ، فإنّ المرحلة الزمنية التي نعيشها تقتضي بذل جهود استثنائية من أجل الاهتمام بالفقه الاجتماعي في ممارسة عملية الاجتهاد ، واستثمار
__________________
(1) ناقشنا ارتباط علم الأُصول بالنظرية الاجتماعية الفقهية في كتاب مباني النظرية الاجتماعية في الإسلام : 179 ـ 189.

القواعد المشتركة في استنباط الأحكام الشرعية التي تهمّ المكلّف ، بصفته الفردية والجماعية ، في مواطن الابتلاءات المتغيرة مع تغيـّر الزمن.
والحمد لله رب العالمين.

المصادر
1 ـ القرآن الكريم.
2 ـ أجود التقريرات ـ السيّد أبو القاسم الخوئي (ت 1412 هـ). طبعة صيدا ـ لبنان.
3 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ـ محمّـد باقر المجلسي (ت 1110 هـ). بيروت : مؤسّسة الوفاء ، 1983 م.
4 ـ تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد ـ الشيخ أبو جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). طهران : دار الكتب الإسلامية ، 1390 هـ. الطبعة الثالثة.
5 ـ ثواب الأعمال ـ الشيخ محمّـد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (المعروف بالشيخ الصدوق) (ت 381 هـ). أردبيل : مكتبة الصدوق ، بدون تاريخ.
6 ـ الخلاصة ـ الحسن بن يوسف المعروف بالعلاّمة الحلّي (ت 72 هـ). النجف الأشرف 1381 هـ. الطبعة الثانية.
7 ـ دروس في علم الأُصول ـ السيّد الشهيد محمّـد باقر الصدر (ت 1400 هـ). بيروت : دار التعارف ، 1400 هـ ...
8 ـ الذريعة إلى أصول الشريعة ـ السيّد المرتضى (ت 436 هـ). طبعة حجرية.
9 ـ رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال). أبو جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). تحقيق : حسن المصطفوي. إيران : جامعة مشهد 1348 هـ. ش.
10 ـ رسائل الشريف المرتضى ـ السيد المرتضى (ت 436 هـ). قم : الرضي ، 1404 هـ.
11 ـ السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي ـ ابن إدريس الحلّي (ت 598 هـ). قم المشرّفة : جماعة المدرّسين ، 1410 هـ.
12 ـ الصحاح. تاج اللغة وصحاح العربية ـ إسماعيل بن حمّاد الجوهري (ت 400 هـ). بيروت : دار العلم للملايين ، 1979 م.
13 ـ عدّة الأُصول ـ الشيخ أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ). طبعة حجرية. بومبي : مطبعة دت برساد ، 1312 ـ 1318 هـ.
14 ـ غُنية النـزوع إلى علمي الأُصول والفروع ، ويطلق عليه أيضاً : (الغُنية أصولها وفروعها) ـ ابن زهرة حمزة بن علي الحسيني الحلبي (ت 585 هـ). مطبوع بالطبعة الحجرية ضمن كتاب (الجوامع الفقهية) ، قم المشرفة : آية الله المرعشي 1404 هـ.
15 ـ الغوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية ـ ابن أبي جمهور محمّـد بن علي الإحسائي (ت 901 هـ). قم المشرّفة : سيد الشهداء ، 1983 م.
16 ـ فرائد الأُصول (الرسائل) ـ الشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ). طبعة حجرية. قم المشرفة : مطبعة وجداني ، بدون تاريخ.
17 ـ فرائد الأُصول المحشّى بحاشية رحمة الله ـ الشيخ الأنصاري (ت 1281 هـ). طبعة حجرية.
18 ـ فرحة الغري ـ أبو القاسم علي بن موسى الحلّي المعروف بابن طاووس (ت 664 هـ). طبعة حجرية.
19 ـ الفصول الغروية في الأُصول الفقهية ـ محمّـد حسين الاصفهاني الغروي (ت 1250 هـ). طهران : طبعة حجرية 1286 هـ.
20 ـ فوائد الأُصول ـ الشيخ محمّـد علي الكاظمي (ت 1365 هـ) تقريراً للمحقّق محمّـد حسين النائيني (ت 1355 هـ). قم المشرفة : جماعة المدرّسين ، 1404 هـ.
21 ـ الفوائد الحائرية ـ محمّـد أكمل المشتهر بالوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ). قم المشرّفة : مجمع الفكر الإسلامي ، 1995 م.
22 ـ الفوائد الحائرية مع تعاليق الفريد الكلبايكاني ـ الوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ). قم المشرّفة : مكتبة الصدر ، بدون تاريخ.
23 ـ الفوائد الحائرية الجديدة ـ الوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ). قم المشرّفة : مجمع الفكر الإسلامي ، 1415 هـ.
24 ـ الفوائد المدنية ـ محمّـد أمين الاسترآبادي (ت 1033 هـ). طبعة حجرية ، بدون تاريخ.
25 ـ القواعد والفوائد في الفقة والأُصول والعربية ـ الشهيد الأوّل محمّـد ابن مكي (ت 786 هـ). طبعة حجرية.
26 ـ الكافي في الفروع والأُصول ـ الشيخ أبو جعفر محمّـد بن يعقوب الكليني (ت 329 هـ). طهران : مكتبة الصدوق ، 1380 هـ.
27 ـ كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ـ مصطفى بن عبد الله الشهير بحاجي خليفة ، طهران : المكتبة الإسلامية ، 1947 ، الطبعة الثالثة عن طبعة برلين المانيا.
28 ـ كفاية الأُصول ـ المحقّق محمّـد كاظم الخراساني (ت 1329 هـ). قم المشرّفة : جامعة المدرّسين ، 1415 هـ.
29 ـ كمال الدين وتمام النعمة ـ الشيخ محمّـد بن علي الصدوق (ت 381 هـ). تحقيق : علي أكبر غفّاري. قم المشرّفة : النشر الإسلامي ، 1405 هـ.
30 ـ كنـز الفوائد ـ الكراجكي (ت 449 هـ). (رسالة في أصول الفقه عن كتاب الشيخ المفيد). قم المشرّفة : مكتبة آية الله المرعشي النجفي ، بدون تاريخ. طبعة حجرية.
31 ـ ماضي النجف وحاضرها ـ جعفر الشيخ باقر آل محبوبة ، بيروت : دار الأضواء ، 1986 م. الطبعة الثانية.
32 ـ المبسوط في فقه الإمامية ـ الشيخ أبو جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ). طهران : المرتضوية ، بدون تاريخ.
33 ـ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل ـ الميزا حسين النوري (ت 1320 هـ). تحقيق ونشر : مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام 1408 هـ. قم المشرّفة.
34 ـ مصباح الأُصول ـ السيّد أبو القاسم الخوئي (ت 1413 هـ). النجف الأشرف : مطبعة النجف ، 1386 هـ.
35 ـ مصباح الفقيه ـ رضا الهمداني (ت 1322 هـ). طبعة حجرية ، قم : بدون مكان ولا تاريخ الطبع.
36 ـ معارج الأُصول ـ المحقّق الحلّي (ت 676 هـ). قم : آل البيت عليهم‌السلام ، بدون تاريخ.
37 ـ معالم الدين وملاذ المجتهدين ـ الشيخ الحسن بن زين الدين (ابن الشهيد الثاني) (ت 1011 هـ). طبعة حجرية.
38 ـ مفاتيح الأُصول ـ السيد محمّـد المجاهد الطباطبائي (ت 1242 هـ). طبعة حجرية.
39 ـ مقالات الأُصول ـ آقا ضياء العراقي (ت 1361 هـ). النجف الأشرف : العلمية ، 1358 هـ.
40 ـ نزهة الغري ـ الشيخ محمّـد الغروي الحائري. مخطوطة خاصّة.
41 ـ نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية ـ جمال الدين المقداد بن عبد الله السيوري الحلّي (ت 826 هـ). قم المشرّفة : آية الله المرعشي ، 1403 هـ.
42 ـ نهاية الدراية في شرح الكفاية ـ المحقّق محمّـد حسين الأصفهاني (ت 1361 هـ). قم : الطباطبائي ، بدون تاريخ.
43 ـ الوافية في الأُصول ـ الفاضل عبد الله التوني (ت 1071 هـ). قم المشرّفة : مجمع الفكر الإسلامي ، 1412 هـ.
44 ـ وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ـ الشيخ محمّـد بن الحسن الحرّ العاملي (ت 1104 هـ). بيروت : دار إحياء التراث العربي ، بدون تاريخ.
45 ـ وسائل الشيعة إلى مسائل الشريعة ـ المقدّس الكاظمي (ت 1227 هـ). طبعة قم 1406 هـ.

المصدر: زهير الأعرجي - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
1243
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :