معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

مقولة (جسم لا كالأجسام) بين موقف هشام بن الحكم ومواقف سائر أهل الكلام ..

مقولة «جسم لا كالأجسام»
بين موقف هشام بن الحكم ومواقف سائر أهل الكلام

مع المقولة : مصدرها ومدلولها

لقد تعددت الفرق التي عد هشام بن الحكم منها.
فبينما يصرح الأكثرون بأنه من «الشيعة الإمامية» باعتباره واحدا من كبار
المتكلمين وفق هذا المذهب ، بل من المنظرين لعقائده ، ومن رواة حديثه ، ومن حملة
فقهه ، والخصوم ينبزونه بأنه «رافضي» على هذا الأساس ، نجد من عده في «الغلاة»
و «المجبرة» (12) و «الجهمية» (13) أو «المشبهة» (14) و «الحلولية» (15) و «الدهرية» (16) و «الديصانية الثنوية» (17) إلا أن ما أكد عليه أكثر خصومه هو كونه من «المجسمة» (18).
وقد نسبوا إليه ـ في مجال التجسيم ـ أمورا واضحة البطلان ، حتى أن بعضهم
نسب إليه تجويز «المحال الذي لا يتردد في بطلانه ذو عقل» (19).
ونقلوا عن النظام قوله : إن هشاما قال في التشبيه ـ في سنة واحدة ـ خمسة أقاويل (20).
ولوضوح بطلان هذه الدعاوى ، حيث أن هشاما أرفع شأنا من أن يوصم
بمثل هذه الترهات ، وهو المتصدي لمناظرة كبار علماء القوم ، فإنا نرجئ التعقيب
عليها وعلى أمثالها إلى مجال آخر.
وعلى كل ، فإن التجسيم أصبح السمة المشهورة التي تذكر مع هشام ،
__________________
(12) تأويل مختلف الحديث : 48 ، والأنساب ـ للسمعاني ـ : ظ 590 ، ولسان الميزان 6 / 194 ، والملل والنحل 1 / لم 185
(13) هامش الفهرست ـ للنديم ـ : 224.
(14) الملل والنحل / 184 ، والأنساب ـ للسمعاني ـ. ظ 590.
(15) تاريخ الفرق الإسلامية ـ للغرابي ـ : 302.
(16) التنبيه والرد ـ للملطي ـ : 24.
(17) الإنتصار ـ للخياط ـ : 40 ـ 41.
(18) مقالات الإسلاميين ـ للأشعري ـ 1 / 257. ولسان الميزان 6 / 196. ولهج بهذه التهمة أكثر المتأخرين!
(19) لسان الميزان 6 / 194.
(20) مقالات الإسلاميين 1 / 104. وانظر : تلبيس إبليس ـ لابن الجوزي ـ : 83.

ويحاول خصومه إلصاقها به ، أو اتهامه بها ، ولقد عبروا عن هذه التهمة بعبارات تقشعر منها جلود المؤمنين الموحدين!!
وقد اتفقوا في النقل عنه أنه قال : البارئ جل ذكره «جسم لا كالأجسام» وكأنهم لخصوا التهمة في هذه الجملة ، وجعلوها دليلا على ما ادعوه عليه من التجسيم!
ولذلك ، فإنا نركز البحث عنها هنا. تحت العناوين التالية :
* * *

1 ـ مصدر المقولة :
نقلت هذه المقولة عن هشام ، في مصادر عديدة لمؤلفين قدماء :
1 ـ الرجال ، للكشي ، فقد ذكر بسنده عن عبد الملك بن هشام الحناط ، قال :
زعم هشام بن الحكم : إن الله «شئ لا كالأشياء» وإن الأشياء بائنة عنه ، وهو بائن
عن الأشياء.
وزعم : إن إثبات «الشئ» أن يقال : «جسم» فهو «جسم لا كالأجسام» «شئ لا كالأشياء» : ثابت موجود ، غير مفقود ، ولا معدوم ، خارج عن الحدين. حد الإبطال ، وحد التشبيه (21).
2 ـ الكافي ، للكليني ، فقد روى بسنده عن الحسن بن عبد الرحمن الحماني ،
قال : قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه‌السلام : إن هشام بن الحكم زعم : أن
الله «جسم ، ليس كمثله شئ» .. (22).
فإن مؤدى «ليس كمثله شئ» هو نفس مؤدى «لا كالأجسام» من دون
أدنى تفاوت ، وسيأتي توضيح هذه الجهة.
3 ـ وقال الشيخ المفيد : لم يكن في سلفنا من تدين بالتشبيه من طريق المعنى ،
وإنما خالف هشام وأصحابه جماعة أصحاب أبي عبد الله عليه‌السلام بقوله في «الجسم»
فزعم أن الله تعالى «جسم لا كالأجسام» (23).
4 ـ وقال السيد الشريف المرتضى : فأما ما رمي به هشام بن الحكم من القول
بالتجسيم ، فالظاهر من الحكاية عنه القول ب : «جسم لا كالأجسام» (24).
وبهذا يثبت صدور هذه المقولة من هشام ، لأن كبار أعلام الطائفة نقلوها عنه.
__________________
(21) اختيار معرفة الرجال. 284 الفقرة 503.
(22) الكافي ، كتاب التوحيد ، باب 11 ج 1 ص 82 ح 7 ، رواه الصدوق في التوحيد ، باب 6 ، ح 8 ، ص 100.
(23) الحكايات 131. الفصول المختارة : 285.
(24) الشافي ـ للسيد المرتضى ـ : 12.

وقد نقلها علماء سائر الطوائف ، كما يلي :
5 ـ قال أبو الحسن الأشعري ـ صاحب المذهب ـ : حكي عنه [أي : عن
هشام] أنه قال : هو «جسم لا كالأجسام» ومعنى ذلك : أنه شئ موجود (25).
وفي موضع آخر ، عند ذكر الاختلاف في التجسيم ، عد الفرقة الأولى :
«الهشامية» ونقل عن هشام أنه قال : هو «جسم لا كالأجسام».
ثم عنون للفرقة الثانية بقوله : يزعمون أن ربهم «ليس بصورة ، ولا
كالأجسام» ، وإنما يذهبون في قولهم : «إنه جسم» إلى : «أنه موجود» ولا يثبتون البارئ ذا أجزاء مؤتلفة ، وأبعاض متلاصقة (26).
فالملاحظ : أن ما نسبه إلى الفرقة الثانية لا يختلف عما تحتويه المقولة التي
نقلها عن هشام في ذكر الفرقة الأولى ، ولا عما نقله عنه في الموضع السابق ، وإنما هو
هو بعينه ، بلا أدنى تفاوت ، عدا التقديم والتأخير ، وبعض التوضيح.
6 ـ وابن أبي الحديد المعتزلي ـ بعد أن نقل أنواع التهم الموجهة إلى هشام ـ
قال : وأصحابه من الشيعة يدفعون ـ اليوم ـ هذه الحكايات عنه ، ويزعمون : أنه يزد
على قوله : إنه «جسم لا كالأجسام» وأنه إنما أراد بإطلاق هذا اللفظ عليه : إثباته (27).
وقد نسبت هذه المقولة إلى آخرين غير هشام.
7 ـ قال ابن أبي الحديد : وأما من قال : إنه «جسم لا كالأجسام» على معنى
أنه بخلاف «العرض» الذي يستحيل أن يتوهم منه فعل ، ونفوا عنه معنى الجسمية ،
وإنما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى : أنه «شئ لا كالأجسام» و «ذات لا كالذوات».
فأمرهم سهل ، لأن خلافهم في العبارة ، وهم : علي بن منصور ، والسكاك ،
ويونس بن عبد الرحمن ، والفضل بن شاذان.
__________________
(25) مقالات الإسلاميين 1 / 257.
(26) مقالات الإسلاميين 1 / 104.
(27) شرح نهج البلاغة 3 / 224 و 228.

وكل هؤلاء من قدماء رجال الشيعة (28).
ونسبت المقولة إلى أشخاص ينتمون إلى فرق أخرى :
8 ـ قال ابن أبي الحديد ـ بعد ذكر ما نقلنا عنه ـ : وقد قال بهذا القول «ابن كرام» وأصحابه (29).
ونسبت إلى داود الحواري (30).
9 ـ قال الشهرستاني ـ في «مشبهة الحشوية» نقلا عن الكعبي ، عن داود
الحواري ـ رئيس «الحوارية» أنه يقول : إن الله سبحانه «جسم» ولحم ، ودم ، وله جوارح
وأعضاء ...
وهو مع هذا «ليس جسما كالأجسام» ولا لحمها كاللحوم ... وكذلك جميع صفاته.
وهو سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ، ولا يشبهه شئ (31).
ومع قطع النظر عن التناقض بين صدر هذا النقل وذيله ، فإنه يدل على وجود
المقولة «جسم لا كالأجسام» في ما نقل عن داود.
ونقلت المقولة ، بالمعنى ، منسوبة إلى قائلين لها :
10 ـ ذكر الأشعري في اختلافهم في البارئ تعالى هل هو في مكان أو لا؟
فقال. وقال قائلون : هو «جسم خارج من جميع صفات الأجسام» ليس بطويل ، ولا
عريض ، ولا عميق ، ولا يوصف بلون ، ولا طعم ، لا مجسة ، ولا شئ من صفات
الأجسام (32).
وحكيت المقولة عن غير المعتزلة :
__________________
(28) شرح نهج البلاغة 3 / 228.
(29) شرح نهج البلاغة 3 / 228.
(30) لقد اختلفت المصادر في إيراد هذا اللقب ، وقد ورد «الحواري» في بعض المواضع ، و «الجواربي» أو «الجواري» في مواضع أخرى ، والخوارزمي في مواضع ثالثة ، فليلاحظ.
(31) الملل والنحل 1 / 105 ، وانظر ـ : تاريخ الفرق الإسلامية ـ للغرابي ـ : 300 ـ 301.
(32) مقالات الإسلاميين 1 / 260.

11 ـ قال صاحب كتاب «فضيحة المعتزلة» : أيما أشنع؟ القول بأن الله «جسم لا يشبه الأجسام» في معانيها ، ولا في أنفسها ، غير متناه القدرة ، ولا محدود العلم ، لا
يلحقه نقص ، ولا يدخله تغيير ، ولا تستحيل منه الأفعال ، لا يزال قادرا عليها؟ أم
القول ... (33).
وجاءت المقولة غير منسوبة :
12 ـ فيما ذكره الدواني على العقائد العضدية ، قال : ومنهم ـ أي : من المشبهة ـ
من تستر بالبلكفة ، فقال : هو «جسم لا كالأجسام» وله حيز لا كالأحياز ، ونسبته
إلى حيزه ليست كنسبة الأجسام إلى أحيازها ، وهكذا «ينفي جميع خواص الجسم»
عنه ، حتى لا يبقى إلا اسم «الجسم».
وهؤلاء لا يكفرون ، بخلاف المصرحين بالجسمية (34).
13 ـ فيما ذكره القاضي عبد الجبار المعتزلي من إبطال المعتزلة لقول من زعم :
إن الله تعالى «جسم لا كالأجسام» قياسا على القول بأنه تعالى «شئ لا كالأشياء» (35).
ولكن سنذكر أن مقولة «جسم لا كالأجسام» هي عند هشام بمعنى «شئ
لا كالأشياء» وتساويها في المعنى ، فالدليل عليهما ـ عند هشام ـ واحد.
وعلى هذا فيمكن أن تعتبر مصادر «شئ لا كالأشياء» مكملة لمصادر مقولة
«جسم لا كالأجسام».
ومن الغريب أن البغدادي ـ صاحب «الفرق بين الفرق» ـ لم ينقل هذه المقولة عن هشام ، مع نقله جملة من أشنع ما نسب إليه في بعض مصادرها السابقة!
وأظن أنه إنما عمد إلى ترك ذكر هذه المقولة ، لأنها تحتوي على ما ينسف كل
تلك الأكاذيب المفتعلة ، والأباطيل المنسوبة إلى هشام ، كما سيتضح في هذا البحث ،
بعون الله.
__________________
(33) الإنتصار ـ للخياط ـ : 107.
(34) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والكلاميين : 532.
(35) شرح الأصول الخمسة : 221 ، وانظر : في التوحيد ـ تكملة ديوان الأصول ـ : 596.

2 ـ مصطلح هشام في كلمة «جسم» :
«الجسم». في العرف اللغوي يدل على تجمع الشئ ، وتكتله في الوجود
الخارجي (36).
وهذا بالطبيعة يقتضي وجود الأبعاد من الطول والعرض والعمق في ما يطلق
عليه هذا اللفظ.
ويراد منه في العرف العام : مجموعة البدن ـ لإنسان أو حيوان ـ متكونة من
أعضاء وجوارح.
وبعد أن دخلت الفلسفة الأجنبية بلاد الإسلام ، وترجمت ، واستغلها أعداء
الدين لإحداث البلابل في أفكار المؤمنين ، وفصلهم عن معين الإسلام الصافي الذي
كان يتمثل آنذاك في أئمة أهل البيت عليهم‌السلام ، استحدث لكلمة «الجسم» تفسير
فلسفي هو : ما شغل حيزا ومكانا.
وقد اختلفت كلمات المتكلمين في معنى «الجسم» اختلافا كبيرا حيث يطلقونه
في كتبهم ، وتجري على ألسنتهم.
قال ابن رشيد : الكرامية زعموا : أن معنى «الجسم» هو أنه «قائم بنفسه» (37).
والأشاعرة ذهبوا إلى أن «الجسم» : ما كان مؤلفا.
ورأي المعتزلة : أن «الجسم» ما كان طويلا ، عريضا ، عميقا.
وهذا هو رأي المجسمة أيضا (38).
وقد اصطلح هشام بن الحكم وتلامذته في «الجسم» معنى خاصا.
قال السيد الخوئي ـ معقبا على مقولة «جسم ، ليس كمثله شئ» ـ : إن نفي
__________________
(36) معجم مقاييس اللغة ـ لابن فارس ـ 1 / 457.
(37) دوان الأصول : 595 ، ولوامع البينات ـ للرازي ـ : 359.
(38) ديوان الأصول : 595.

المماثلة يدل على أنه لا يريد من كلمة «الجسم» معناها المفهوم ، وإلا : لم يصح نفي المماثلة ، بل يريد معنى آخر غير ذلك (39).
فما هو ذلك المعنى المصطلح؟
وهل يصح لهشام أن يصطلح لنفسه معنى يخالف العرف؟
وما هو الدليل على صحة هذا التصرف؟
ولا بد ـ قبل الدخول في هذه المباحث ـ من التذكير بأن معرفة مصطلح كل
مذهب ، ضروري جدا لفهم مقاصده ، وإمكان معارضته ، لأن أساس ذلك المذهب إنما
يدور على محور مصطلحاته ، ولا يصح ـ في عرف العلماء ـ أن يحاسب أحد إلا على ما
أظهره من مراده على مصطلحه ، كما لا يجوز لأحد أن يحاسب الآخرين على أساس
ما اتخذه هو مصطلحا لنفسه ، بخلاف الآخرين.
وقديما قيل. «لا مشاحة في الاصطلاح».
أما صحة الاصطلاح الخاص ، فيمكن معرفتها من خلال ما يلي :
1 ـ قال القاضي عبد الجبار المعتزلي : قال شيوخنا : لو أن أهل اللغة بدا لهم
في العربية على الوجه الذي تواضعوا عليه ، وغيروه حتى يجعلوا " قديما " مكان
«محدث» و «عالما» مكان «جاهل» و «طويلا» مكان «قصير» كان لا يمنع (40).
2 ـ وقال : قال شيوخنا : لو تواضع قوم على تسمية كل موجود : «جوهرا» أو
«جسما» على تسمية «القائم بنفسه» بذلك ، لحسن منهم وصف القديم تعالى بأنه «جسم» إلا أن يحصل نهي سمعي عن ذلك (41).
أقول. أما مسألة النهي الشرعي ، فلا مدخل لها في صحة التواضع وعدمها ،
وسيأتي البحث عن توقيفية أسماء الله تعالى ، في نهاية البحث.
__________________
(39) معجم رجال الحديث 19 / 358.
(40) المغني ـ لعبد الجبار ـ 5 / 172.
(41) المغني ـ لعبد الجبار ـ 5 / 173.

وأما الفرد أو الجماعة الذين يصح منهم الاصطلاح والتواضع الخاص ، فهم في
عبارة القاضي الأولى «أهل اللغة» وليس المراد بهم علماء اللغة ، اللغويون الذين
تخصصوا بمعرفتهم بها بالدراسة والبحث كعلم من العلوم ، بل المراد بهم أهل اللسان
الذين نشأوا عليها ونطقوا بها كلغة لهم ، ومنهم انطلقت مفرداتها ، وأخذت تراكيبها ،
وتألفت قواميسها ، فقد كان لهؤلاء الحق في أن يضعوا ـ من البداية ـ لكل معنى لفظا
يدل عليه ، ينتخبونه على حسب سلائقهم وما يقارن الوضع من الأمور باعتبار أنهم
آباء اللغة وأولياؤها ، ولو كانوا يضعون الأسماء على غير ما يعرف اليوم لها من المعاني ،
لما كان ممتنعا.
أما بعد ما حصل من التواضع ، وما تم إثباته في متن اللغة ، فليس لأحد من
المتخصصين بعلم اللغة تغييره عما وضع عليه ، وتبديله عما ثبت سماعه منهم أو قياسه
عنهم.
وعبارة القاضي الثانية : تنظر إلى أهل الاختصاص بالعلوم ، ولم يذكر
الخصوصيات المشترط توفرها في القائم بوضع الاصطلاح الخاص.
والذي أراه أن ذلك مشروط بأمرين :
الأول : أن لا يكون التواضع الجديد على نقيض المعنى اللغوي ، ولا معارضا
له بالتباين.
فلو اشتركا في بعض الأفراد ، أو ارتبطا بعلقة مجازية ، صح التواضع على غير
المعنى اللغوي ، ومن هنا يعلم : أن كون القائم بالوضع الجديد عارفا بلغة التواضع ،
ليحقق هذا الشرط ، هو أمر أساسي ، كما لا يخفى.
الثاني. أن يكون التواضع الجديد مبتنيا على دليل منطقي ، قابل للتصور ،
بأن لا يكون منافيا لضرورة العقل ، أو قضية وجدانية.
قال الشيخ محمد عبده ـ في توقيفية أسماء الله ـ : الألفاظ) التي لا تفهم إلا
الكمال ، ولا تشوب ظاهرها شائبة النقص ، فيجوز إطلاقها على الله تعالى ، بلا حرج.
وأضاف : ولكل قوم أن يصطلحوا في ذلك على ما شاءوا ، كيف؟ ولنا أن

نستدل على إثبات صفات كمالية للواجب تعالى ، ثم نعبر عنها بمشتق؟ (42).
ومن هنا ، فإن لهشام بن الحكم الحق في أن يصطلح معنى خاصا لكلمة
«جسم» فيطلقها ، إذا توفر فيه الشرطان ، ولا يمنع منه إلا موضوع «توقيفية أسماء الله
تعالى». التي سنتحدث عنها في نهاية البحث ، أما هنا فيجب أن نعرف «مصطلح هشام» ثم «الدليل على اختياره لهذا المصطلح».
أما مصطلحه :
فقد ذكروا : أن «الشئ» عنده لا يكون إلا «جسما» (43) ونقلوا عنه : أنه زعم : أن إثبات «الشئ» أن يقال : «جسم» (44).
وقال فرقة من المعتزلة : لا «شئ» إلا «جسم» (45).
وقال الأشعري ـ في الاختلاف في الدقيق ، و «الجسم» ـ :
9 ـ هشام بن الحكم ، وكان يقول : أريد بقولي : «جسم» أنه «موجود» ، وأنه
«شئ» وأنه «قائم بنفسه»
(46).
هكذا جمع الأشعري بين هذه التفسيرات الثلاثة ، في مصطلح هشام في
«الجسم» ، وظاهر ذلك أنها كلها متساوية ، وتعطي مفهوما واحدا.
وقد عرفت أن «الشئ» و «الجسم» واحد عند هشام ، كما نسب الأشعري
ذلك إلى المشبهة (47).
* * *
__________________
(42) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين : 604.
(43) الفرق بين الفرق : 67.
(44) اختيار معرفة الرجال : 284 رقم 503.
(45) مقالات الإسلاميين 1 / 245.
(46) مقالات الإسلاميين 2 / 6 ، وطبعة ريتر : 304.
(47) مقالات الإسلاميين 2 / 180.

وأما تفسير «الجسم» ب «القائم بنفسه» :
فقد ذكره عبد الجبار فقال : وأما أن يكون [التجسيم] عن طريق العبارة ،
يجوز أن يقول : إن الله تعالى «جسم» ليس بطويل ، ولا عريض ، ولا عميق ، و «لا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام» من الصعود ، والهبوط ، والحركة ، والسكون ، والانتقال
من مكان إلى مكان ، ولكن أسميه «جسما» لأنه «قائم بنفسه» (48).
ونسبه الشهرستاني إلى الكرامية ، فقال : أطلق أكثرهم لفظ «الجسم» عليه
تعالى ، والمقاربون منهم قالوا : نعني بكونه «جسما» أنه «قائم بذاته» وهذا هو «الجسم» عندهم (49).
وقال الشهرستاني ـ أيضا ـ : وقد اجتهد محمد بن الهيصم في إرمام مقالة أبي
عبد الله [ابن كرام] في كل مسألة ، حتى ردها من المحال إلى نوع يفهم فيما بين
العقلاء ، مثل «التجسيم» فإنه قال : أراد ب «الجسم» : «القائم بالذات» (50).
وأما تفسير «الجسم» ب «الموجود» :
فقد نسبه الأشعري ـ في موضع ـ إلى هشام ، فقال : زعم هشام بن الحكم
أن معنى «موجود» في البارئ تعالى أنه «جسم» لأنه «موجود» : «شئ» (51).
ونسب إلى قوم : أن معنى «الجسم» هو «الشئ الموجود» وأن البارئ لما
كان «شيئا موجود» كان «جسما» (52).
وذكر الجويني ما نصه : معنى «الجسم» : «الموجود» وأن المعني بقولنا : إن الله
__________________
(48) شرح الأصول الخمسة : 218.
(49) الملل والنحل 1 / 109 ، ولوامع البينات ـ للرازي ـ : 359.
(50) الملل والنحل 1 / 112.
(51) مقالات الإسلاميين 2 / 182.
(52) الشامل في أصول الدين : 166 ـ طبعة ريتر ـ الإسكندرية ، وانظر : مذاهب الإسلاميين 1 / 72.

«جسم» : أنه «موجود» (53).
ونقل الإيجي هذا التفسير عن بعض الكرامية ، ونقل التفسير السابق عن
آخرين منهم ، فقال : ذهب بعض الجهال إلى أنه «جسم» فالكرامية قالوا : هو «جسم» أي «موجود» وقوم قالوا : هو «جسم» أي «قائم بنفسه» (54).
وهكذا نجد التفاسير الثلاثة «للجسم» قد جمعها الأشعري في عبارة واحدة ،
ونسبها إلى هشام ، وكأنها بمعنى واحد : الشئ ، والموجود ، والقائم بنفسه.
هذا ، ومن ناحية أخرى نجدهم يفسرون كل واحد من هذه الثلاثة بالمعنى
الآخر :
قال ابن حزم ـ في معنى قولنا «شئ» ـ : إنه «الموجود» ثم قال : إن قالوا : هو
«الموجود» صاروا إلى الحق (55).
وقال الأشعري ـ في معنى : أنه تعالى «شئ» ـ : قال قائلون : معنى أن الله
«شئ» : معنى أنه «موجودا» وهذا مذهب من قال : لا «شئ» إلا «موجود» (65).
وقال الرازي : من قال : المعدوم ليس بشئ ، قال : الموجود شئ ، فهما لفظان
مترادفان ، فإذا كان «موجود» كان «شيئا» (75).
وذكر ـ في معنى. أنه «موجود» أقوالا ، منها :
4 ـ «موجود» بمعنى : أنه «شئ».
5 ـ «موجود» بمعنى. أنه «قائم بنفسه» (58).
واحتمل القاضي عبد الجبار ـ في معنى «قائم بنفسه» :
1 ـ أنه «موجود».
__________________
(53) مقالات الإسلاميين 1 / 124.
(54) المواقف ـ بشرح السيد الشريف ـ : 473.
(55) الفصل 5 / 43.
(56) مقالات الإسلاميين 2 / 180.
(57) لوامع البينات ـ للرازي ـ : 357.
(58) مقالات الإسلاميين 2 / 185.

2 ـ أو «موجود باق».
3 ـ أو «لا يحتاج وجوده إلى محل ومكان» (59).
وقضية قياس المساواة أن يقال : إن المعاني الثلاثة : الشئ ، الموجود ، القائم
بنفسه ، هي بمعنى «الجسم» كما نسب إلى هشام أولا.
والحق أن مصداقها ـ على مصطلح هشام ـ واحد ، وإن اختلف مفهوم كل
عن الآخر ، وإنما الاختلاف بالاعتبارات الدخيلة :
فباعتبار صحة الخبر عنه ، وتعلق العلم به وإثباته ، يسمى «شيئا».
وباعتبار تحققه ، واتصافه بالوجود ، يسمى «موجودا».
وباعتبار استقلاله في التحقق ، يسمى «قائما بنفسه».
وقد اعترف تلامذة هشام بهذا المصطلح ، وأن إطلاق «الجسم» على البارئ
سبحانه بمعنى «الشئ».
قال ابن أبي الحديد : وأما من قال : إنه «جسم لا كالأجسام» على معنى أنه
بخلاف «العرض» الذي يستحيل أن يتوهم منه فعل ، ونفوا عنه معنى الجسمية ،
وإنما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى أنه «شئ لا كالأشياء» فأمرهم سهل ، لأن خلافهم في
العبارة ، وهم علي بن منصور والسكاك ، ويونس بن عبد الرحمن ، والفضل بن شاذان ،
وكل هؤلاء من قدماء رجال الشيعة (60).
ومن المعقول ـ في العادة ـ أن يمثل التلامذة آراء أستاذهم (61).
فهشام قد اصطلح للجسم معنى خاصا هو «الشئ».
وأما مناسبة هذا المعنى ، للمعنى المفهوم لغة :
فلأن المعنى اللغوي ـ كما مر ـ هو : تجمع الشئ وتكتله في الخارج ، وهذا
يحتوي على طرفين. الأول : أن يكون ذا أجزاء متكتلة. الثاني. أن يكون متحققا في
__________________
(59) المغني ـ لعبد الجبار ـ 4 / 180.
(60) شرح نهج البلاغة 3 / 228.
(61) هشام بن الحكم ـ لنعمة ـ : 69.

الخارج ، فما كان ذا أجزاء وتحقق في الخارج ، اشترك مع معنى الجسم اللغوي في كلا الأمرين.
وإن لم يكن مادة ، وليس له أجزاء ، وإنما له تحقق في الخارج ، فهو
«شئ» بحقيقة الشيئية ، وهي التحقق والثبوت في الخارج ، واشتراكه في هذا مع
«الجسم» يصحح إطلاق «الجسم» عليه في عبارة المقولة ، ولا يحتاج إلى مادة ، ولا تحيز
ولا غير ذلك من خواص الأجسام.
وقد اعترض الشيخ الصدوق على هذا التواضع ، فقال : إن لم يرجع منه [أي
من إطلاق «الجسم» على البارئ [إلا على التسمية فقط ، كان واضعا للاسم في غير
موضعه ، وكان كمن سمى الله عزوجل إنسانا ، ولحما ، ودما ، ثم لم يثبت معناها ، وجعل خلافه إيانا على الاسم ، دون المعنى (62).
أقول. وحاصل اعتراضه في أمرين :
1 ـ في أن هذا من باب وضع اللفظ في غير موضعه.
فإن كان مراده أنه استعمال للفظ في غير ما وضع له ، فلم يرد به المعنى
الحقيقي ، فهذا مع وضوحه ، ليس مخالفا ، إذا كان استعمالا مجازيا على أساس علقة
مجازية ، كما شرحنا ، لصحة المجاز بالوضع العام.
وليست فيه مخالفة لأصل عقلائي معلوم ، ولا معارضة فيه لفرع شرعي
مستدل عليه ، كما ذكر السيد الشريف المرتضى ، حيث قال : فأما ما رمي به هشام بن
الحكم من القول بالتجسيم ، فالظاهر من الحكاية عنه القول ب «جسم لا كالأجسام»
ولا خلاف في أن هذا القول ليس بتشبيه ، ولا ناقض لأصل ، ولا معترض على فرع (63)
وليس محرما على أحد أن يصطلح لنفسه لفظا يضعه على معنى خاص في
نظره.
__________________
(62) التوحيد ـ للصدوق ـ : 300 رقم 6.
(63) الشافي ـ للمرتضى ـ : 12.

نعم ، بما أن الموضوع يتعلق بأسماء الله تعالى فهو يرتبط بمسألة توقيفية هذه
الأسماء وذلك خارج عن المخالفة الوضعية ، وسيأتي الحديث عن تلك المسألة.
2 ـ في تمثيله بما ذكر من الألفاظ ، واستهجان إطلاقها على البارئ.
فالفرق بين تلك الألفاظ وبين لفظ «الجسم» واضح ، حيث إن تلك الألفاظ
لا تطلق بحقيقتها على الله كما هو واضح ، وليس لها معنى مجازي قابل للإطلاق عليه
تعالى ، يستحسنه الطبع ، فإطلاقها عليه تعالى مستهجن لما في معانيها الحقيقية من
الحقارة والسقوط.
مع أنه يعترض عليه بإطلاق كلمة «شئ» التي وضع هشام لفظ (الجسم)
بمعناها ، وسيأتي الكلام فيها.
والقاضي عبد الجبار ذكر من أطلق اسم «الجسم» عن طريق العبارة وقال :
أسميه «جسما» لأنه «قائم بنفسه» ، فاعترض عليه بقوله. فإن كان خلافه من هذا
الوجه ، فالكلام عليه ما ذكرناه من أن الجسم إنما يكون طويلا ، عريضا ، عميقا ،
فلا يوصف به القديم تعالى (64).
أقول : وهذا خروج عن منهج المعارضة العلمية ، لأنه خروج عن مصطلح
المعارض ، وقد ذكرنا سابقا أن المناقشة لا بد أن تبتني على المصطلح الخاص الذي
قصده المعارض ، ولا يجوز محاسبة أحد على ما لم يصطلحه ولم يتواضع عليه ، فلا
«مشاحة في الاصطلاح». إلا أن يكون اعتراضه على أصل الاصطلاح ، وقد أثبتنا
عدم مخالفته لشئ كما سيأتي ذكر الدليل عليه.
* * *
__________________
(64) شرح الأصول الخمسة. 218.

3 ـ أصل هذه المقولة.
إن هذه المقولة تبتني أساسا على القول بأن البارئ تعالى «شئ» وهشام
زعم أن إثبات «الشئ» أن يقال : «جسم».
وعلى ذلك تكون مقولة «جسم لا كالأجسام» مأخوذة من «شئ لا
كالأشياء
» وبمعناها.
وأقدم نص شيعي احتوى على المقولة نقلا عن هشام تضمن التسوية بينهما :
عن عبد الملك بن هشام الحناط : قلت لأبي الحسن الرضا عليه‌السلام : زعم
هشام بن الحكم : أن الله «شئ لا كالأشياء» وأنها بائنة عنه ، وهو بائن من الأشياء ،
وزعم أن إثبات «الشئ» أن يقال : «جسم» فهو «جسم لا كالأجسام» : «شئ لا
كالأشياء
» ثابت موجود (65).
وكذلك ابن أبي الحديد فرض إطلاق هذه المقولة : «جسم لا كالأجسام»
لمعنى أنه «شئ لا كالأشياء» (66).
ومن قال بالتساوي بين «شئ» و «جسم» وأجاز إطلاق «شئ» على البارئ
تعالى ، يقول : إنه تعالى «شئ لا كالأشياء» فلا بد أن يقول بمقولة «جسم لا
كالأجسام
» من جهة المعنى ، وإن تعبد بالتوقيف فهو ممنوع من جهته لا من جهة
المعنى ، وذلك أمر آخر.
أما إطلاق اسم «الشئ» على البارئ تعالى فقد عنون المتكلمون له ،
واختلفوا فيه على مقالتين :
فقال جهم ، وبعض الزيدية : إن البارئ تعالى لا يقال له «شئ» لأن الشئ
هو المخلوق الذي له مثل (67).
__________________
(65) اختيار معرفة الرجال : 284 رقم 503.
(66) شرح نهج البلاغة 3 / 228.
(67) مقالات الإسلاميين 1 / 238.

وأورد الرازي احتجاج جهم على مقالته بالقرآن ، والمعقول :
أما القرآن ، فآيتان :
الأولى : قوله تعالى : (الله خالق كل شئ) [سورة الرعد (13) الآية
(16)].
فلو كان تعالى يسمى بلفظ «الشئ» لزم بحكم هذا الظاهر كونه خالقا لنفسه ، وهو محال.
الثانية : قوله تعالى : (ليس كمثله شئ) [سورة الشورى (42) الآية (11)].
ومثل مثله هو «هو» فلما ذكر أن (ليس كمثله شئ) لزم أن لا يكون هو
مسمى باسم «شئ».
وقول من قال : «الكاف زائدة» باطل ، لأن هذا ذكر : هذا الكاف خطأ وفاسد ، فمعلوم أن هذا لا يليق بكلام الله تعالى.
وأما المعقول :
فهو. أن أسماء الله تعالى دالة على. صفات الكمال ونعوت الجلال ، وقال :
(ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) [سورة الأعراف (7) الآية (180)].
واسم «الشئ» لا يفيد كمالا ، ولا جلالة ولا معنى من المعاني الحسنة ، فثبت
أن كل ما كان من أسماء الله تعالى وجب أن يفيد حسنا ، ولفظ «شئ» لا يفيد حسنا ،
فوجب أن لا يكون لله تعالى (168).
ولم يحاول الرازي الإجابة على كلام جهم هذا ، فلنذكر ـ نحن ـ ما يبدو لنا فيه من المغالطة والفساد :
__________________
(68) لوامع البينات. المطبوع باسم «شرح أسماء الله الحسنى» للرازي : 7 ـ 358.

أما عن احتجاجه بالآية الأولى :
فجوابه : أن ذلك الخطاب لا يشمل المتكلم به وهو الله تعالى شأنه ، لأن مادة
«الخلق» الواردة فيه تقتضي انصراف مؤداه إلى ما سواه جل ذكره ، وهذا كما لو قال
أحد : «من لبس ردائي عاقبته» حيث أنه لا يشمل المتكلم نفسه ، لفرض أن الرداء
هو له ، والغرض من إيراد هذا القول منع الأغيار من التصرف في الرداء.
فكذلك الآية الكريمة إنما سيقت للدلالة على قدرة الله على ما سواه ،
واستيلائه على كل شئ مما عداه ، لأنه خالق كل شئ ، فهي منصرفة عنه هو جل
جلاله
ويدل على هذا المعنى ، ما روي عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر ، والإمام أبي
عبد الله جعفر الصادق عليهما‌السلام ، قالا : كل ما وقع عليه اسم «شئ» ـ ما خلا
الله عزوجل ـ فهو مخلوق ، و (الله خالق كل شئ) تبارك الذي (ليس كمثله
شئ
) (69).
والجواب عن احتجاجه بالآية الثانية :
إن زيادة الحروف ليس من باب الخطأ ، ولا فساد فيه ، بل «إنما زيدت لتوكيد
نفي المثل ، لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانيا ، قاله ابن جني» (70).
. فالزيادة أسلوب عربي ، يؤدي دورا بلاغيا رائعا هو الأليق بكلامه تعالى.
وأما الجواب عن احتجاجه الذي سماه معقولا ، فمن وجهين :
الأول : أن المراد بالتسمية ، ليس هو تعيين الاسم الخاص عليه تعالى ، بل
المراد إطلاق اللفظ عليه ، وكذا يختلف عن الأسماء الحسنى ، فلا يسري حكمها عليه ،
__________________
(69) (التوحيد ـ للصدوق ـ. 105 ـ 106 ، ب 7. ح 3 و 4 و 5.
(70) مغني اللبيب ـ لابن هشام ـ : 238.

فالله ، بما أنه موجود ثابت ، فكما يطلق على كل ثابت أنه «شئ» فهو ـ تعالى ـ كذلك. الثاني : أن الأسماء الحسنى ، تلك ، المذكورة لله تعالى ، تدل على ما فيها من المعاني
الحسنة ، باعتبار أنها أوصاف ، وأما ما يدل منها على مجرد الذات الربوبية فلا دليل على
دلالته على ذلك إلا من جهة إضافته إليه جل ذكره.
وإطلاق «شئ» على فرض وروده من قبيل الثاني.
وقد ورد إطلاق اسم «الشئ» على البارئ تعالى :
1 ـ فقد سئل الإمام الصادق عليه‌السلام عن الله ، ما هو؟
فقال : هو «شئ بخلاف الأشياء» أرجع بقولي «شئ» إلى إثبات معنى ،
وأنه «شئ» بحقيقة الشيئية ، غير أنه لا جسم ، ولا صورة (71).
2 ـ وسئل الإمام الجواد عليه‌السلام : أيجوز أن يقال : إن الله عزوجل
«شئ»؟
قال : نعم ، يخرجه عن الحدين : حد التعطيل ، وحد التشبيه (72).
وقد استدل الرازي عليه بأمور من القرآن ، واللغة ، والإجماع :
أما القرآن : فقوله تعالى : (قل أي شئ أكبر شهادة قل الله) [سورة
الأنعام (6) الآية (19)].
وقوله تعالى : (كل شئ هالك إلا وجهه) [سورة القصص (28) الآية
(88)].
قال. المراد بوجهه : ذاته ، فقد استثنى ذاته من لفظ «الشئ» والاستثناء
خلاف الجنس خلاف الأصل.
وأما اللغة : فهي أن من قال : المعدوم ليس بشئ ، قال : الموجود هو «الشئ»
فهما لفظان مترادفان ، فإذا كان «موجودا» كان «شيئا».
__________________
(71) التوحيد ـ للصدوق ـ 104. ب 7. ح 2.
(72) التوحيد ـ للصدوق ـ : 104 ب 7 ح 1 ، وص 107 ح 7.

ومن قال. المعدوم شئ ، قال : الشئ : ما يصح أن يعلم ويخبر (73) عنه ، فكان
«الموجود» أخمص من «الشئ» وإن صدق الخاص صدق العام ، فثبت أنه تعالى
مسمى بالشئ (74).
وأما الاجماع : فالأولى أن يقال : أجمع الناس ـ قبل ظهور جهم ـ على كونه
تعالى مسمى بهذا الاسم «الشئ» والإجماع حجة (75).
وقال الأشعري : قال المسلمون ـ كلهم ـ إن البارئ «شئ لا كالأشياء» (76).
وقال الناشئ : إن البارئ «شئ» موجود في الحقيقة ، وإن البارئ «غير
الأشياء
» والأشياء غيره في الحقيقة (77).
وقال عبد الله بن كلاب : إنه تعالى موجود لا بوجود ، و «شئ» لا بمعنى له
كان شيئا (78).
وزعم الكعبي في (مقالاته) : إن المعتزلة اجتمعت على أن الله عزوجل «شئ
لا كالأشياء
» (79).
وقال أبو الحسين الصالحي ـ من المعتزلة ـ في صفات الله معنى قولي : «إن الله
عالم لا كالعلماء» و «قادر لا كالقادرين» و «حي لا كالأحياء» إنه : «شئ لا كالأشياء».
وكان يقول : إن معنى «شئ لا كالأشياء» معنى «عالم لا كالعلماء» (80).
__________________
(73) كذا الصواب ، وكان في المصدر : «يعبر» ولا معنى له ، لاحظ التعريفات للجرجاني : 57 وانظر : الحكايات : 122 و 144.
(74) لوامع البينات ـ للرازي ـ : 357.
(75) لوامع البينات ـ للرازي ـ : 358.
(76) مقالات الإسلاميين 1 / 238.
(77) مقالات الإسلاميين 1 / 240.
(78) مقالات الإسلاميين 1 / 230
(79) مقالات الإسلاميين 2 / 180 ـ 181 ، والفرق بين الفرق : 115 ، ومذاهب الإسلاميين 1 / 50.
(80) مقالات الإسلاميين 1 / 228.

وقال بعضهم : لا أقول : العلم شئ ، ولا أقول : الصفات أشياء ، لأني إذا
قلت : البارئ «شئ» بصفاته ، استغنيت عن أن أقول : صفاته أشياء (81).
وقال ابن حزم الظاهري : إن قالوا لنا : إنكم تقولون : إن الله عزوجل «شئ
لا كالأشياء»؟
قلنا : ... لفظة «شئ» النص جاء بها ، والبرهان أوجبها (82).
وقال الرازي : «الموجود» و «الشئ» هما من صفات الله الذاتية ، المراد منها
الألقاب الدالة على الذات (83).
وقد استدل الجبائي على ذلك : بأن الشئ : سمة لكل معلوم ، ولكل ما أمكن
ذكره والإخبار عنه ، فلما كان الله عزوجل معلوما ، يمكن ذكره والإخبار عنه ،
وجب أنه «شئ» (84).
وهشام أخذ مقولة «شئ لا كالأشياء» من ، كلام الإمام الصادق عليه‌السلام
الذي نقلناه ، حيث أجاب من سأله عن الله تعالى : ما هو؟ فقال : هو «شئ بخلاف
الأشياء
».
فإن هشاما هو راوي ذلك الحديث عن الصادق عليه‌السلام (85).
وإذا صح إطلاق «الشئ» على الله جل ذكره ، فهو حسب اصطلاح هشام
لا يكون إلا «جسما» (86) كما مر مفصلا.
وإذا ثبت أن الله «شئ لا كالأشياء» فهو عند هشام ، ومن قال بمصطلحه :
«جسم لا كالأجسام».
__________________
(81) مقالات الإسلاميين 1 / 231.
(82) الفصل 2 / 118 ـ 119.
(83) لوامع البينات ـ للرازي ـ : 47.
(84) مقالات الإسلاميين 2 / 181.
(85) التوحيد ـ للصدوق ـ : 104 ، ب 7. ح 2.
(86) الفرق بين الفرق : 67.

ولقد جهد المعتزلة الفصل بين المقولتين ، والحكم بعدم الملازمة بينهما :
قال القاضي عبد الجبار : فإن قيل : أليس عندكم أنه تعالى : «شئ لا
كالأشياء» وقادر لا كالقادرين ، وعالم لا كالعالمين ، فهلا جاز أن يكون «جسما لا
كالأجسام»؟
قيل له : إن «الشئ» اسم يقع على ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، ويتناول
المتماثل والمختلف والمتضاد ، لهذا يقال في السواد والبياض : أنهما «شيئان» متضادان ، فإذا قلنا : إنه تعالى «شئ لا كالأشياء» فلا يتناقض كلامنا ، لأنا لم نثبت بأول كلامنا ما
نفيناه بآخره ، وكذا إذا قلنا : إنه تعالى قادر لا كالقادرين ، وعالم لا كالعالمين ، فالمراد به
أنه قادر لذاته ، وعالم لذاته ، وغيره قادر لمعنى ، وعالم لمعنى.
وليس كذلك ما ذكرتموه ، لأن الجسم هو : ما يكون طويلا عريضا عميقا ، فإذا
قلتم : إنه «جسم» فقد أثبتم له الطول والعرض والعمق ، ثم إذا قلتم : «لا كالأجسام»
فكأنكم قلتم : ليس بطويل ولا عريض ولا عميق ، فقد نفيتم آخرا ما أثبتموه أولا ،
وهذا هو حد المناقضة ، ففارق أحدهما الآخر (87).
وقد ذكر الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريده مثل هذا الكلام بعينه ، وأضاف. وإذا كان قد قام الدليل على أنه ليس «جسما» فلا يصح القول : إنه «جسم لا
كالأجسام
» لأن حكم الأجسام واحد (88).
والجواب : إن «الجسم» عند هشام وفي مصطلحه ، وعند من يطلق مقولة «جسم لا كالأجسام» على البارئ تعالى ، هو بمعنى «الشئ» وليس بمعنى «ما له الطول
والعرض والعمق» كما فرضه المعتزلة حتى يرد عليه ما ذكروه ، فكلامهم هذا كله
خروج عن مصطلح هشام.
وإذا كان «الجسم» بمعنى «الشئ» فكما يصح إطلاق مقولة : «شئ لا
__________________
(87) شرح الأصول الخمسة : 221.
(88) في التوحيد ، تكملة ديوان الأصول : 596.

كالأشياء» على البارئ باعتبار أن حقيقة الشيئية مشتركة بين البارئ وسائر
الأشياء ، وإنما يمتاز البارئ عنها بخاصية وجودية لا توجد فيها ، فهو تعالى " شئ "
بخلافها ، ولا تشبهه ولا يشبهها ، فمن جهة إثبات الشيئية له ، خرج عن حد التعطيل ،
ومن جهة نفي المثيل له تعالى خرج عن حد التشبيه ، فثبت له تعالى التنزيه الكامل ،
من دون تعارض بين صدر المقولة وذيلها.
فكذلك مقولة «جسم لا كالأجسام» ، على مصطلح هشام ، فإن الجسمية
ـ بمعنى إثبات الشيئية بحقيقتها ـ ثابتة للبارئ تعالى ، مشتركة بينه وبين غيره من
الأجسام ، فإثباتها له يخرجه عن حد التعطيل ، ونفي المماثلة بينه وبين الأجسام ، يخرجه
عن حد التشبيه ، وهو التنزيه الكامل ، من دون معارضة بين صدر المقولة وذيلها.
فظهر أن ما ذكروه غير وارد على هشام ، إذ أنهم أوردوا ذلك على مصطلحهم
في الجسم ، وهو : ما له الطول والعرض والعمق ، لا على مصطلحه في «الجسم» وهو :
«الشئ».
وهذا منهم خروج عن أبسط مناهج البحث والجدل الصحيح.
وأما قولهم : وإذا كان قد قام الدليل على أنه ـ تعالى ـ ليس جسما ، فواضح
أنه مصادرة على المطلوب ، إذ أن هذا هو محل البحث والنزاع فكيف يؤخذ شرطا
تترتب عليه النتيجة التي ذكروها.
ثم إن الأدلة التي أقامها المتكلمون على نفي الجسمية عن البارئ تعالى ،
كلها مبتنية على أن المراد بالجسم هو ذو الأبعاد ، وقد ذكروها في كتبهم.
ولهذا ، لا يرد شئ منها على المقولة ، بل نص كثير منهم على أن المقولة على
مصطلح هشام لا تدل على التجسيم المعنوي ، وليس فيه مخالفة لأصل ، ولا اعتراض
على فرع ، سوى مسألة توقيفية الأسماء التي سنفصل ذكرها في نهاية البحث.
* * *

4 ـ دليل هشام على اختيار هذا المصطلح
نقل استدلال هشام على اصطلاحه في الجسم في رواية يونس بن ظبيان ،
قال : دخلت على أبي عبد الله عليه‌السلام ، فقلت له : إن هشام بن الحكم يقول قولا
عظيما! إلا أني أختصر لك منه أحرفا : يزعم أن الله «جسم» لأن الأشياء شيئان : جسم ، وفعل الجسم ، فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل ، ويجوز أن يكون بمعنى
الفاعل (89).
ومراده : أن الموجودات على قسمين :
إما أعراض ، وقد عبر عنها هشام بكلمة «الفعل» وهو ما لا يستقل في
وجوده ، بل يحتاج إلى محل يعرض عليه أو يصدر منه.
وإما ذرات ، وقد عبر عنه بكلمة «الجسم» وهو ما يستقل في وجوده.
والبارئ جل ذكره ، لا يكون إلا من الموجودات المستقلة بالوجود ، وبما أن
الأعراض لا تسمى عند هشام «أشياء» والذوات عنده هي الأشياء ، وقد عرفنا من
مصطلحه أن الشئ عنده يسمى بالجسم.
والبارئ ليس عرضا ، بل ذات ، ويسمى «شيئا» فإذن يطلق عليه اسم
«جسم»!
هذا ما نفهمه من استدلال هشام في هذه الرواية ، وهو الذي فهمه تلامذة
هشام ، وقد نقله ابن أبي الحديد عنهم ، فقالوا : إنه «جسم لا كالأجسام» على معنى أنه
بخلاف العرض الذي يستحيل أن يتوهم منه فعل ، ونفوا عنه «معنى الجسمية» (9).
فنفي معنى الجسمية ، يدل على أن المراد بقولهم «جسم» مجرد الاسم ، وإذا
انتفى عنه معنى الجسمية ، وهي التكتل الخارجي المقتضي للأبعاد ، كان «الجسم» في
__________________
(89) التوحيد ـ للصدوق ـ : 99 ، ب 6 ، ح 7 : والحكايات ـ للمفيد ـ : 132.
(90) شرح نهج البلاغة 3 / 288.

مقابل العرض ، وبمعنى الذات المتقومة بنفسها ، وهذا في مصطلح هشام هو «الشئ» المرادف لكلمة «الجسم».
وهذه الفكرة معروفة عن هشام ، بكل مقدماتها :
فكان يقول. إن الأفعال صفات الفاعلين ، ومعاني لهم ، وليست بأشياء ولا
أجسام (91) لأن الشئ عنده لا يكون إلا جسما (92).
فهشام لا يرى العرض «شيئا» بل يرى ما يقابله «شيئا» و «الشئ» عنده
هو «الجسم» والبارئ لا يكون عرضا ، بل هو ذات ، فهو «جسم» أي «شئ» مستقل الوجود.
وكذلك كان هشام يرى أن «الحركة» ليست «جسما» لأنها «فعل» و «الفعل» عرض ليس بشئ.
ذكر ذلك في مناظرته لأبي الهذيل العلاف الذي كان يرى الحركة «جسما» (93).
وقد نقل القاضي عبد الجبار شبهة للقائلين بالتجسيم ، وهي أنهم قالوا :
المعقول : إما الجسم ، وإما العرض ، والقديم تعالى يستحيل أن يكون عرضا ، فيجب
أن يكون جسما (94).
فنجد في هذا الاستدلال نفس العناصر التي وجدناها في الاستدلال المنقول
عن هشام ، فقد جعل فيه «الجسم» مقابل «العرض» وكان في استدلال هشام مقابل «الفعل».
والفعل ، والعرض ، مشتركان في أنهما ليس لهما وجود مستقل بل الفعل نوع
من العرض ، والذي يقابلهما هو الموجود الذي له استقلال في التحقق والوجود ، وهو
__________________
(91) مقالات الإسلاميين 1 / 113 ، والفرق بين الفرق : 67.
(92) الفرق بين الفرق : 67.
(93) مروج الذهب 5 / 0 2 رقم 2917.
(94) شرح الأصول الخمسة : 225.

المسمى ب «الذات» وب «الشئ» وفي اصطلاح هشام ب «الجسم».
وحيث أن القديم تعالى ليس عرضا وليس فعلا ، بل هو موجود مستقل في
الوجود ، قائم بذاته ، وبنفسه ، ولا يحتاج في وجوده إلى محل يقوم به أو فيه ، وهو «شئ»
فهو مرادف ـ عند هشام ـ لكلمة «جسم».
وليس مفاد ذلك التجسيم المعنوي الذي يدعيه «المجسمة» بل هو إطلاق للفظ «الجسم» بمعنى «الشئ» ، ولا محذور فيه سوى موضوع توقيفية أسماء الله تعالى ، وسيجئ.
ومن هنا نعرف أن القاضي قد حرف هذا الاستدلال ، وصوره استدلالا على
التجسيم المعنوي ، باعتباره الجسم المفروض في الاستدلال مقابلا للعرض ، قسما من
الجوهر ، فلهذا فرض في جوابه عنه وجود قسم ثالث ليس بجسم ولا عرض ، وأنه هو
ذات معلوم أو يمكن اعتقاده ، وهو القديم تعالى (95).
لكن المقابلة المفروضة في الاستدلال بين العرض والجسم ، توحي أن المراد
بالجسم هو ما يستقل في الوجود وإلا لم تصح المقابلة ، كما لا يصح الحصر ، فكيف يصح
الاستدلال ، وكيف يفرض غفلة المستدل عن ذلك؟ مع فرط وضوحه؟
وليس له وجه صحة إلا ما ذكرنا ، وحاصله : أن المعقول ـ والمراد به ما يمكن
فرضه موجودا ـ إما أن يكون مستقلا بنفسه في الوجود ، أو يكون غير مستقل ، والأول
هو الذات ، ويسميه المستدل «جسما» والثاني هو العرض ، والبارئ تعالى لا يكون
عرضا ، فهو «الجسم».
والمراد بالعرض عند هشام هو «المعنى» وهو لا يراه «شيئا» كما عرفت (96).
لأن العرض هو ما يعرض غيره في الوجود ، ولا يجب لبثه كلبث الأجسام (97).
__________________
(95) شرح الأصول الخمسة : 225.
(96) اللمع ـ للأشعري ـ : 3 ـ 34.
(97) مذاهب الإسلاميين 1 / 417.

وهذه الحقيقة قد استدل عليها القاضي نفسه ، في بيان استحالة كون البارئ
تعالى «عرضا» (98).
وظهر أن مراد هشام من «فعل الجسم» في استدلاله هو العرض ، المقابل
للجوهر ، في اصطلاح الفلاسفة.
والقاضي عبد الجبار استعمل كلمة «فعل الجسم» بمعنى آخر ، واستعمله في
الاستدلال على أن الله تعالى لا يجوز أن يكون جسما ، وقد فسره أبو رشيد بأن المقصود
من «فعل الجسم» : إحداثه واختراعه (99).
وهذا تفسير للفعل بمعناه اللغوي ، وإضافته إلى مفعوله ، كما أن مراده بالجسم
هو المعنى المتداول ، وعلى هذا فلا يرتبط باستدلال هشام ولا مصطلحه في كلتا
الكلمتين : «الجسم» و «فعل الجسم».
وقد التزم بنفس استدلال هشام من علماء عصرنا الشيخ محمد عبده المصري ،
فقال : إن أريد من «الجوهر» القائم بذاته ، ومن «العرض» القائم بغيره ، لكان البارئ
«جوهرا» وصفاته «عرضا». ولا منع إلا من جهة الاطلاق الشرعي ، حينئذ (100).
فإن جعله «الجوهر» ـ المفسر بالذات ـ في مقابل «العرض» هو مثل مقابلة
«الجسم» بمعنى الشئ القائم بالذات في مقابل «العرض» في كلام هشام.
وهذا أيضا يبتني على اصطلاح خاص في معنى «الجوهر» كما أن ذاك كان
مبتنيا على اصطلاح خاص في معنى «الجسم».
وإلا فالجوهر بمعنى ما له ماهية ، لا يمكن إطلاقه علي البارئ جل ذكره.
وهشام بقوله «جسم» وإطلاقه على البارئ تعالى ، لا يثبت أية مادة له تعالى ،
ولا أنه ماهية ، بل ـ كما ذكرنا ـ أراد بهذه اللفظة التعبير عن كونه تعالى «شيئا» بحقيقة
__________________
(98) شرح الأصول الخمسة : 231.
(99) أنظر الاستدلال وتوضيحه في : ديوان الأصول : 597.
(100) الشيخ محمد عبده : 531.

الشيئية ، وهو «الموجود» و «القائم بنفسه» فلا يصح عنده التعبير عنه تعالى بالجوهر.
ويشهد لذلك أن هشاما كان ممن ينكر الجوهر الفرد.
قال الأشعري ـ وهو يتحدث عمن يزعم ـ : أن الجزء يتجزأ أبدا ، ولا جزء
إلا وله جزء ، وليس لذلك آخر إلا من جهة المساحة ، وأن لمساحة الجسم آخرا ، وليس
لأجزائه آخر من باب التجزؤ ، القائل بهذا القول هشام بن الحكم وغيره (101).
فكل جوهر ـ عند هشام ـ لا بد أن يكون متألفا من أكثر من جزء ، وكل متألف
متحيز ، وكل متحير لا بد أن يكون يمينه غير يساره ، قدامه غير خلفه ، وكل ما يتميز
أحد جانبيه عن الآخر ، فهو منقسم ، وكل منقسم فليس ب «أحد» (102).
والله جل ذكره يقول : (قل هو الله أحد) سورة التوحيد (112) الآية (1)].
وكما أن صدر المقولة «جسم لا كالأجسام» يثبت وجود البارئ تعالى ، فهو
إخراج له عن حد التعطيل ، فكذلك ذيلها ينفي عنه تبارك ذكره كل شبه للأجسام ،
ومماثلة بينه وبينها ، فهو إخراج له تعالى عن حد التشبيه ، كما تدل عليه الآية الكريمة :
(ليس كمثله شئ).
فهذه الآية نفت عن وجوده تعالى المماثلة لغيره من الأشياء. ومما يدل على
أن قوله في ذيل المقولة : «لا كالأجسام» هو بمعنى (ليس كمثله شئ) هو وجود
هذه الآية مكان ذلك الذيل في مورد نقل كلام هشام ، في حديث الحماني. إن هشام بن
الحكم زعم أن الله «جسم ليس كمثله شئ» (103).
وهذا الذيل ضروري لتكميل التنزيه ، كما عرفت ، ولذلك قال ابن حزم. لو
أتانا نص بتسميته تعالى «جسما» لوجب علينا القول بذلك ، وكنا حينئذ نقول. إنه
«لا كالأجسام» (104).
__________________
(101) مقالات الإسلاميين 1 / 124.
(102) اللوامع الإلهية ـ للفاضل المقداد ـ : 87 ، وانظر : الفصل ـ لابن حزم ـ 5 / 66.
(103) التوحيد ـ للصدوق ـ : 100 ، ب 6 ، ح 8.
(104) الفصل 2 / 118 ـ 119.

5 ـ المقولة لا تدل على التجسيم
قد ثبت أن المقولة حسب مصطلح هشام لا تدل على عقيدة التجسيم ، بل
تدل على التنزيه الكامل عن حدي التعطيل والتشبيه ، وغاية ما تدل عليه أن هشاما
كان يطلق اسم «الجسم» على البارئ تعالى ، وغرضه إثبات وجوده ، وأنه «شئ»
«قائم بنفسه» وليس «عرضا».
نعم تبقى المقولة مخالفة لمسألة توقيفية أسماء الله تعالى ، وذاك أمر آخر سيأتي
ذكره في نهاية البحث.
وقد صرح المحققون من العلماء بعدم دلالة هذه المقولة على اعتقاد التجسيم :
1 ـ منهم الشيخ المفيد رحمه‌الله ، فقد ذكر ما نصه : لم يكن في سلفنا من تدين
بالتشبيه من طريق المعنى ، وإنما خالف هشام وأصحابه جماعة أصحاب أبي عبد الله
عليه‌السلام بقوله في «الجسم» فزعم أن الله «جسم لا كالأجسام» (105).
فنفيه التشبيه من طريق المعنى ، يشمل هشاما وغيره ممن اتهموا بذلك ،
والتشبيه من طريق المعنى هو التجسيم الحقيقي ، ويقابله تنزيه البارئ تعالى عن كونه
جسما كالأجسام ، أما التجسيم الذي قال به هشام فهو «التجسيم اللفظي» ومن جهة
العبارة ، والمراد به إطلاق اسم «الجسم» فقط عليه تعالى.
وقد يستفاد ذلك من تعبير الشيخ المفيد : إن هشاما خالف «بالقول في
الجسم
» لا إنه خالف «في القول بالجسم» الذي هو مذهب المجسمة.
والحاصل أن المفيد ينسب بهذه العبارة إلى هشام قولا قاله في «الجسم»
واصطلاحا خاصا به في تفسير الجسم ، أطلقه بذلك على البارئ ، مخالفا لجميع الطائفة
في هذا ، لا أنه قال بالجسم.
وإلا لكان كلام المفيد متناقضا صدرا وذيلا.
__________________
(105) الحكايات : 131.

ويؤيد ما ذكرناه أن المفيد قال في مقام آخر : كان هشام بن الحكم شيعيا ، وإن
خالف الشيعة ـ كافة ـ في أسماء الله تعالى (106).
حيث يحصر مخالفة هشام في موضوع الأسماء ، والمعروف هو خلافه في
«الجسم» هل يسمى به البارئ أولا؟
2 ـ وقال الشريف المرتضى : فالظاهر من الحكاية عنه القول ب «جسم لا
كالأجسام» ولا خلاف في أن هذا القول ليس بتشبيه ، ولا ناقض لأصل ، ولا معترض
على فرع ، وأنه غلط في عبارة ، يرجع في إثباتها ونفيها إلى اللغة (107).
وواضح أن الشريف جعل المقولة من باب إطلاق لفظ «جسم» على البارئ
باعتبار تفسيره بغير ما هو في اللغة ، وجعل المسألة لغوية ، وهذا كاف في إخراج البحث
فيها عن علم الكلام.
مضافا إلى أن نفي كونها تشبيها ، أو ناقضة لأصل ، يدل بوضوح على عدم
كونها دالة على اعتقاد التجسيم ، وإلا كانت مناقضة لأصل التوحيد.
3 ـ وقال القاضي الأيجي ، والسيد الشريف ، في المواقف ، وشرحه : (إنه تعالى
ليس ب «جسم») وهو مذهب أهل الحق (وذهب بعض الجهال إلى أنه «جسم») ثم اختلفوا.
(فالكرامية) أي بعضهم (قالوا : هو «جسم» أي : موجود).
(وقوم) آخرون منهم (قالوا : هو «جسم» أي : قائم بنفسه. فلا نزاع معهم)
على التفسيرين (إلا في التسمية) أي إطلاق لفظ «الجسم» عليه (108).
4 ـ وقال ابن أبي الحديد : من قال. إنه «جسم لا كالأجسام» على معنى أنه
بخلاف «العرض» الذي يستحيل أن يتوهم منه فعل ونفوا عنه «معنى الجسمية»
وإنما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى أنه «شئ لا كالأشياء» و «ذات لا كالذوات» فأمرهم
__________________
(106) أوائل المقالات : 43 ، طبع النجف. وص 37. طبع تبريز.
(107) الشافي ـ للشريف المرتضى ـ : 12.
(108) شرح المواقف ـ للسيد الشريف ـ : 473. وما بين الأقواس هو عبارة المواقف.

سهل ، لأن خلافهم في العبارة.
والمتعصبون لهشام بن الحكم من الشيعة في وقتنا هذا يزعمون أنه لم يقل
بالتجسيم المعنوي ، وإنما قال : إنه «جسم لا كالأجسام» بالمعنى الذي ذكرناه (109).
وكلامه واضح في إن المقولة أطلق فيها اسم «الجسم» على البارئ على أنه
بمعنى «شئ» لا بمعنى ذي الأبعاد ، حتى يكون تجسيما معنويا.
لكن نسبة هذا التفسير للمقولة إلى خصوص الشيعة في وقته غير صحيح :
لأن هذا التفسير قد نسب إلى تلامذة هشام من قدماء الشيعة ، وقد سبق أن
قلنا : إن تلامذة الرجل لا يبعد أن يكونوا. معبرين عن رأي أستاذهم ، وخامة إذا
لاحظنا اتفاقهم على ذلك.
2 ـ أن هذا التفسير لمقولة هشام مبتن على مصطلح هشام ، وقد مضى نقله
عن جمع من العلماء الذين ذكروا آراء هشام ، فلا معنى لجعله قولا للشيعة في عصره
فقط!
5 ـ وقال الدواني ـ في شرحه على العقائد العضدية ـ : ومن المشبهة من تستر
«بالبلكفة» فقال : هو «جسم لا كالأجسام» وله حيز لا كالأحياز ونسبته إلى حيزه
ليست كنسبة الأجسام إلى حيزها ، وهكذا ينفي جميع خواص الجسم منه ، حتى لا يبقى
إلا اسم «الجسم».
وهؤلاء لا يكفرون (110).
أقول. فقد صرح في النهاية بأن المراد من «الجسم» هو مجرد الاسم ، لا
المعنى ، وصرح بعدم كفر قائلي المقولة ، ولو كانت دالة على التجسيم المعنوي ، لكانوا
كفرة بلا خلاف.
لكنه قد أدخل في كلامه ما لا يطابق هذا التصريح :
__________________
(109) شرح نهج البلاغة 3 / 228.
(110) الشيخ محمد عبده : 532.

1 ـ قوله : «وله حيز لا كالأحياز ونسبته إلى حيزه ليست كنسبة الأجسام
إلى حيزها
».
وهذه إضافة منه نسبها إلى أصحاب المقولة ، ولم نجدها مضافة إلى المقولة في
شئ من مصادرها مطلقا ، وهي غلط تنافي تفسيرهم للمقولة ، وذلك :
لأن مرادهم بالجسم ـ كما صرح به الدواني أخيرا ـ هو مجرد الاسم ، ومعناه
ـ كما مر مفصلا ـ هو : الشئ ، وقد نفوا بقولهم «لا كالأجسام» كل خواص الجسم ـ كما
اعترف به الدواني أيضا ـ فما معنى قوله «وله حيز» ومن أين نسب إليهم إثبات الحيز ،
إن كانوا قد نفوا عنه كل خواص الأجسام؟ أليس الحيز من خواصها المنفية؟
فلو كان يقول ـ نقلا عنهم ـ. إنه «جسم لا كالأجسام» ليس له حيز ولا
أبعاد وهكذا ينفي جميع خواص الأجسام حتى لا يبقى إلا مجرد اسم «الجسم» لكان
تفسيرا جيدا للمقولة حسب تفسيرهم.
والحاصل أن قوله : «وله حيز.» يناقض تصريحه بكون المقولة تجسيما لفظيا
وعدم كفر قائليها.
2 ـ قوله : «من تستر بالبلكفة».
وهذه الكلمة مصدر جعلي من قولهم : «بلا كيف» وقد استعمل السلفيون من
العامة ذلك ، حيث أثبتوا لله ـ جل وعلا ـ أعضاء ، كاليد ، والرجل ، والعين ، وسائر
الجوارح وهكذا الاستواء ، والنزول ، وما أشبه.
وخروجا عن تشبيهه تعالى بالخلق ، قالوا : إن هذه الأعضاء هي «صفات»
خبرية لله تعالى شأنه.
وإذا سئلوا عن حقيقة هذه الصفات؟ قالوا ـ مثلا ـ : لله يد بلا كيف.
وقد اشتهر عنهم قولهم : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب
والسؤال عنه بدعة (111).
__________________
(111) الملل والنحل 1 / 93.

«فالبلكفة» من مصطلحات الصفاتية ، وقد أصبحت عقيدة الأشاعرة من
بعدهم ، وصار مذهبا لأهل السنة ، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية (112).
فقد تهربوا من الإجابة بتكميمهم الأفواه ، وتستروا عن التشبيه الذي تدل
عليه أسماء الأعضاء بادعائهم «اللا كيف».
ولذلك قال الشاعر فيهم.

قد شبهوه بخلقه وتخوفوا
 

 

خوف الورى فتستروا بالبلكفة
 

لكن الدواني غالط ، واعتبر قول القائل. «لا كالأجسام» بلكفة ، مع أن
المنفي في هذه المقولة ليس هو الكيف ، وإنما المنفي صريحا هو التشبيه ، ومع ذلك
فالدواني يعتبر المقولة «تشبيها».
فما أوضح هذا التهافت؟!
وإذا كان لفظ «جسم» بمعنى «شئ» دلت المقولة على ما تدل عليه الآية
الكريمة : (ليس كمثله شئ) [سورة الشورى (42) الآية (11)] ـ كما سبق أن
شرحناه ـ فهل يعتبر الدواني هذا ـ أيضا ـ بلكفة؟!
6 ـ وصرح ابن حزم بأن المقولة لا مانع فيها إلا من جهة توقيفية الأسماء ،
فقال : ومن قال. إن الله تعالى «جسم لا كالأجسام» فليس مشبها (113) لكنه ألحد (114) في أسماء الله تعالى : إذ سماه عزوجل بما يسم به نفسه (115).
وقال : إن قالوا لنا : إنكم تقولون : إن الله عزوجل حي لا كالأحياء ، وعليم
لا كالعلماء ، وقادر لا كالقادرين ، و «شئ لا كالأشياء» فلم منعتم القول بأنه «جسم
لا كالأجسام
»؟.
__________________
ولنا بحث طوبل معهم في هذه. المصطلحات ، وموقف حاسم في عقائدهم هذه ، وفقنا الله لنشره.
(112) الملل والنعل 1 / 93 وقبلها.
(113) في المصدر : «مشتبها» وهو غلط ، كما لا يخفى.
(114) الالحاد في الشئ : إدخال ما ليس منه فيه.
(115) الفصل 2 / 120.

قيل لهم ـ وبالله التوفيق ـ : لولا النص الوارد بتسميته تعالى بأنه حي ،
وقدير ، وعليم ، ما سميناه بشئ من ذلك ، لكن الوقوف عند النص فرض ، ولم يأت
نص بتسميته تعالى «جسما» ـ ولا قام البرهان بتسميته «جسما» بل البرهان مانع من
تسميته بذلك تعالى.
ولو أتانا نص بتسميته تعالى «جسما» لوجب علينا القول بذلك ، وكنا ـ حينئذ
ـ نقول : إنه «. لا كالأجسام» (116).
وهذا صريح في أن المانع من إطلاق لفظ «جسم» هو التوقيف ، لعدم وروده
في النص ، وأنه لو أطلق لزم إضافة ذيل المقولة عليه.
وأما قوله : بل البرهان مانع من تسميته بذلك تعالى ، فليس بصحيح :
أولا : لو كان هناك مانع غير التوقيف ، لما صح إطلاقه عليه تعالى بمجرد
ورود النص به ، كما فرضه هو.
وثانيا : إن البرهان لا دخل له في أمر الألفاظ والتسميات ، لأن ذلك من
شؤون اللغة والوضع ، لا البرهان والعقل ، كما سيأتي توضيحه في مسألة توقيفية
الأسماء ، إن شاء الله.
ثم إنا لم نقف على برهان عقلي على عدم صحة إطلاق اسم «الجسم» عليه
تعالى! نعم ، قد تم البرهان على نفي التجسيم عنه تبارك وتعالى ، وأين هذا من التجسيم
اللفظي!؟
والحاصل : أن المقولة لا تدل على التجسيم ، بل تدل على التنزيه عن حد
التعطيل ، وعن حد التشبيه ، فإطلاق النفي في قوله «لا كالأجسام» صريح في نفي كل
أشكال التماثل والمشابهة بين البارئ تعالى وبين الخلق ، وهذا بنفسه قرينة على صرف
معنى «الجسم» عن المفهوم اللغوي والعرفي ، إلى مصطلح هشام ، وإرادة «الموجود» أو
«الشئ» أو «القائم بالذات» فلا تكون المقولة إلا تعبيرا عن إثبات وجود البارئ
__________________
(116) الفصل 2 / 118 ـ 119.

ونفي كل تشبيه بخلقه عنه.
وقد احتوى أقدم نص نقل فيه كلام هشام هذا ، على أنه زعم : أن إثبات
«الشئ» أن يقال : «جسم» فهو «جسم لا كالأجسام» : «شئ لا كالأشياء».
ثم أضاف. ثابت ، موجود ، غير مفقود ، ولا معدوم ، خارج عن الحدين : حد
الإبطال ، وحد التشبيه (117).
وهذا هو الغاية في البعد عن اعتقاد التجسيم ، ونهاية التمسك بالتنزيه.
وقد ورد في الحديث نفي القول بالتجسيم عن هشام ، فيما رواه علي بن
إبراهيم القمي ، قال : حدثني أبي ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن علي بن موسى
الرضا عليه‌السلام ، قال : قال : يا أحمد ، ما الخلاف بينكم ، وبين أصحاب هشام بن
الحكم في التوحيد؟
فقلت : جعلت فداك ، قلنا نحن ب «الصورة» للحديث الذي روي أن رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى ربه صورة شاب.
وقال هشام بن الحكم ب «النفي للجسم».
فقال : يا أحمد ، إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما أسري به إلى
السماء ، وبلغ عند سدرة المنتهى ، خرق له في الحجب مثل سم الإبرة ، فرأى من نور
العظمة ما شاء الله أن يرى ، وأردتم ـ أنتم ـ التشبيه!؟
دع هذا ، يا أحمد ، لا ينفتح عليك ، هذا أمر عظيم (118).
ثم نفي التجسيم ، وعدم إرادة المعنى اللغوي من كلمة «الجسم» بل اعتباره
ـ على اصطلاح هشام ـ بمعنى «الشئ» و «الموجود» مع تكميله بنفي التشبيه في قوله
«... لا كالأجسام» يقتضي نفي «الصورة» عن البارئ ، لوضوح أن «الصورة» من
لوازم الأجسام ، وقد نفاه بقوله «لا كالأجسام».
__________________
(117) اختيار معرفة الرحال. 284 رقم 503.
(118) تفسير القمي 1 / 20.

كما أن الإمام الرضا عليه‌السلام جعل كلام هشام ومن تبعه في مقابل التشبيه
في الرواية التي احتوت على مقولته ، وهي أول نص شيعي جاءت فيه ، وإليك نصها :
قال عبد الملك بن هشام الحناط : قلت للرضا عليه‌السلام.
زعم هشام بن سالم : أن الله عزوجل صورة ، وأن آدم خلق على مثال الرب.
وزعم يونس مولى آل يقطين ، وهشام بن الحكم : أن الله «شئ لا كالأشياء»
، وأن الأشياء بائنة منه ، وهو بائن عن الأشياء ، وزعما : أن إثبات «الشئ» أن يقال
«جسم» فهو «جسم لا كالأجسام» : «شئ لا كالأشياء». ثابت ، موجود ، غير مفقود ، ولا معدوم ، خارج عن الحدين. حد الإبطال ، وحد التشبيه.
فبأي القولين أقول؟!
فقال عليه‌السلام. أراد هذا الإثبات.
وهذا شبه ربه تعالى بمخلوق ، تعالى الله الذي ليس له شبيه ، ولا عدل ، ولا
مثل ولا نظير ، ولا هو في صفة المخلوقين.
لا تقل بمثل ما قال هشام بن سالم.
وقل بما قال مولى آل يقطين وصاحبه (119).
وكلام الإمام الرضا عليه‌السلام ـ مضافا إلى توضيحه مراد هشام ، وتقريره
لهذا المراد ـ يدل على بعد معتقد هشام عن كل تشبيه ، ومنافاته لما قاله هشام بن سالم.
وقد ذكر المفهرسون أن لهشام بن الحكم كتاب «الرد على هشام ـ بن سالم» (120).
كما أن مقابلة هشام ، للبزنطي القائل بالصورة ـ في رواية القمي ـ تدل بوضوح على أن هشاما كان لا يقول «بالصورة».
__________________
(119) اختيار معرفة الرجال : 285 رقم 503.
(120) لاحظ : رجال النجاشي : 433 رقم 1164 والفهرست للطوسي. 204 رقم 782 ، والفهرست ـ للندم ـ : 224.

وكذلك «الرؤية» فإنها داخلة في خواص الأجسام ، التي نفاها هشام بقوله :
«... لا كالأجسام».
وقد صرح هشام بأن «الرؤية» من لوازم «الجسمية» في مناظرته لأبي الهذيل
العلاف ، فقال له : إذا زعمت : أن الحركة ترى ، فلم لا زعمت أنها تلمس؟
قال العلاف. لأنها ليست بجسم ، فيلمس ، لأن اللمس إنما يقع على الأجسام!
قال هشام : فقل «إنها لا ترى» لأن الرؤية إنما تقع على الأجسام (121).
فإذا نفى هشام خواص الأجسام عن البارئ بقوله : «. لا كالأجسام»
فهو ينفي رؤية البارئ تعالى قطعا.
ولذا لم ينقل عنه القول بالرؤية إلا ما حكاه بعض خصومه من المعتزلة.
قال الشيخ المفيد : فأما نفي الرؤية عن الله عزوجل بالأبصار ، فعليه إجماع
الفقهاء والمتكلمين من العصابة كافة ، إلا ما حكي عن هشام في خلافه (122).
والذي حكى هذا القول الشاذ هو القاضي عبد الجبار ، فقال : وأما هشام بن
الحكم وغيره من المجسمة فإنهم يجوزون أن يرى في الحقيقة ويلمس (123).
مع أنا عرفنا مصطلح هشام في «الجسم» وأنه أطلقه على معنى «الشئ» و
«الموجود» و «القائم بنفسه» ونفى عنه خواص الأجسام بقوله «لا كالأجسام» وعلمنا أن ذلك يقتضي نفي هشام ل «الصورة» و «الرؤية».
والقاضي ـ نفسه ـ اعترف بأن معاني «الشئ» و «الموجود» و «القائم بنفسه»
لا تؤدي إلى «التجسيم» ولا تلازم القول ب «الرؤية» (124).
وقد اعترف القاضي ـ أيضا ـ بأنه : لا أحد يدعي أنه يرى الله سبحانه إلا
__________________
(121) مروج الذهب 5 / 12 رقم 2917.
(122) الفصول المختارة 2 / 121. وأوائل المقالات. 59.
(123) المغني 4 / 139.
(124) الغني 4 / 180.

من يعتقده «جسما» «مصورا بصورة مخصوصة» ويعتقد أنه يحل في الأجسام (125).
فإذا وجدنا هشاما ينفي حقيقة الجسم ، وينفي الصورة ، وينفي كل لوازم
الأجسام ، فكيف ينسب القاضي إليه القول بالرؤية التي هي من أظهر خواص
الأجسام ، وألزم لوازم القول باعتقاد التجسيم؟!
ومن الغريب أن بعض الكتاب غفل عن كل ما ذكرناه من الحقيقة ، فنقل
كلام المفيد في نفي القول بالرؤية عن الطائفة كافة إلا ما حكي عن هشام ، وقال :
فإن صحت الحكاية والنسبة (!) فهي نتيجة لقوله : إن الخالق «جسم لا كالأجسام»
لأن القول بكونه «جسما» يفضي إلى القول بجواز الرؤية.
لكن هذه الحكاية لا تثبت بطريق مقبول (126).
وقد عرفت بأن هشاما لم يرد بكلمة «الجسم» ما هو المفهوم الظاهر منه ،
حتى يكون مفضيا إلى الرؤية ، بل أراد «الشئ» و «الموجود» وهذا باعتراف
القاضي عبد الجبار ـ صاحب الحكاية والنسبة ـ لا يقتضي القول بالرؤية.
وقد صدر هذا من الكاتب نتيجة عدم وقوفه على مصطلح هشام ، وعدم تدقيقه
في أبعاد هذا المصطلح ، ولنا لقاء معه في القسم الآتي من هذا البحث.
ثم إن جميع ما أورده المحققون من الفلاسفة والمتكلمين من البراهين والأدلة
على نفي التجسيم عن الله؟ تبارك وتعالى مبتن على نفي التأليف والتركيب والتحيز
والحاجة والجزء ، وما أشبه ذلك ، عن وجود البارئ عزوجل لأن جميع ما ذكر هو من
سمات الممكنات ، والله تعالى واجب الوجود.
ومن الواضح أن شيئا من ذلك لا يرتبط بمسألة اللفظ وإطلاق كلمة
«جسم» بمعنى «الشئ» عليه تعالى.
وأما مسألة توقيفية أسمائه تعالى ، فهذا أمر آخر ، سيأتي التفصيل فيه ، بعون
الله.
__________________
(125) المغني 4 / 99.
(126) هشام بن الحكم أستاد القرن الثاني ـ لعبد الله نعمة ـ : 148.

6 ـ مواقف الكلاميين من المقولة :
لقد عرفنا خلال عرضنا لمصطلح هشام مواقف العلماء الناقلين لذلك من
المقولة ، ورأينا هنا أن نستعرض تلك المواقف في نظرة سريعة :
أما الأشاعرة :
فقد صرح رئيس مذهبهم أبو الحسن الأشعري بأن هشاما قال : هو «جسم
لا كالأجسام
» ومعنى ذلك : أنه «شئ موجود» (127).
وهذا واضح في تفسيره المصطلح بما لا يدل على التجسيم المعنوي ، فإن من
يعبر عن الله تعالى بأنه «شئ موجود» لم يذكر بكلامه هذا إلا إثبات وجود الله تعالى ،
دون أن يعبر عن كون الله تعالى له صفة الجسمية أو غيرها ، فكذلك المقولة التي تدل
على معنى «شئ موجود» كما فسرها الأشعري.
مضافا إلى أن ذيل المقولة يدل على نفي تشبيهه بالأجسام كلها ، فهو أصرح ،
في عدم التجسيم المعنوي.
وقد. صرح الأشعري في مورد آخر بأن الذي يقول في البارئ «جسم»
بمعنى أنه «موجود» : لا يثبت البارئ ذا أجزاء مؤتلفة ، ولا أبعاض متلاصقة (128).
فهذا ـ على مصطلح هشام ـ صريح في نفي المعنى اللغوي للجسم الدال على الأبعاد والأجزاء وتألفها في الوجود.
وأصرح من ذلك قوله : وقال قائلون : هو «جسم خارج من جميع صفات
الأجسام
» ليس بطويل ، ولا عريض ، ولا عميق ، ولا يوصف بلون ، ولا طعم ، ولا
مجسة ، ولا شئ من صفات الأجسام ، وأنه ليس في الأجسام ، ولا على العرش (129) ...
__________________
(127) مقالات الإسلاميين 1 / 257.
(128) مقالات الإسلاميين 1 / 104.
(129) مقالات الإسلاميين 1 / 260.

وهذا النص ، وإن لم يفسر فيه الجسم بما اصطلح عليه هشام ، إلا أن قوله :
«خارج من جميع صفات الأجسام» إلى آخر العبارة ، لازم لذلك ، بل هذا هو توضيح
لذيل المقولة : «... لا كالأجسام» كما هو واضح مما تقدم ذكره مكررا.
ومع هذا ، فالأشعري ينسب إلى هشام القول بأن ربه في مكان دون مكان ،
تعالى الله عن ذلك ، وكذلك ينسب إليه أقاويل تنافي هذه المقولة منافاة ظاهرة ، ويضيف
على مقولته أقبح ما يقال في هذا المجال ، مما لا يخفى على عاقل ، فكيف يخفى ذلك. على الأشعري المتغافل!؟
هذا ، وقد اعترف كبار الأشاعرة ، المتقدمون والمتأخرون ، بعدم دلالة المقولة
على التجسيم ، كما نقلناه عن الأيجي ، والجويني ، والدواني ، والرازي ، وعبده.
وأما الظاهرية :
فقد عرفنا من أشهر شخصية علمية فيهم ، وهو ابن حزم الظاهري تصريحه
بأن : من قال : «جسم لا كالأجسام» فليس مشبها ، لكنه ألحد في أسماء الله تعالى ، إذ
سماه عزوجل بما لم يسم به نفسه (130).
مع أنه يوافق على مقولة «شئ لا كالأشياء» (131).
وقد عرفنا أن مقولة «جسم لا كالأجسام» هي مرادفة لمقولة «شئ لا
كالأشياء
» وبمعناها على مصطلح هشام في «الجسم».
وأما المعتزلة :
فقد أبدوا معارضة شديدة للمقولة ، باعتبارهم أكثر الناس عداء لهشام ولما
ينسب إليه من آراء.
وذلك لأنه الرجل القوي الذي كان يقف في وجههم وهم في أوج قدرتهم
__________________
(130) الفصل 2 / 120.
(131) الفصل 2 / 8 ـ 119.

وعزتهم ، «فكان الشخصية القوية الذي ناظرهم وناظروه» (132) وهو الوحيد الذي
اضطر الخصوم للاعتراف له بأنه «صاحب غور في الأصول» (133) وبلغ من القوة بحيث
قالوا في حقه : «لا مجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة ، فإن الرجل وراء ما يلزم
به على الخصم» (134).
وقد ذكر الشهرستاني أن هذه المقولة إنما أوردها هشام في إلزام أبي الهذيل
العلاف بالذات ، وهو من كبار المعتزلة المعاصرين لهشام ، وله معه مناظرات عديدة.
والمعتزلة مع إجماعهم على مقولة «شئ لا كالأشياء» (135) ومع أن بعضهم
وافق على كبرى «لا شئ إلا وهو جسم» (136) ، إلا أنهم أغفلوا مصطلح هشام ،
وعارضوا المقولة ، وغالطوا في حملها على غير مصطلح هشام ، وقد أوضحنا سابقا مواقع
المغالطة في كلماتهم (137).
لكن الجبائي ـ وهو من كبارهم ـ كان يزعم : أن العقل إذا دل على أن البارئ «عالم» فواجب أن نسميه «عالما» وإن لم يسم نفسه بذلك ، إذا دل العقل على المعنى ، وكذلك سائر الأسماء (138).
فهو على هذا ملزم بالموافقة على المقولة ، على مصطلح هشام ، ولكن لم أجد
تصريحا له بذلك.
لكن واحدا من المعتزلة صرح بالحق في شأن المقولة ، وهو ابن أبي الحديد ،
الذي صرح بأن المقولة «جسم لا كالأجسام» إذا كانت على معنى : أن الله تعالى
__________________
(132) ضحى الإسلام ـ لأحمد أمين ـ 3 / 268.
(133) الملل والنحل 1 / 185.
(134) الملل والنحل 1 / 185.
(135) مقالات الإسلاميين 2 / 180 ، وانظر موضع التعليقة رقم 79.
(136) مقالات الإسلاميين 1 / 245.
(137) راجع (ص 39) من هذا البحث.
(138) مقالات الإسلاميين 2 / 185 ، وانظر : مذاهب الإسلاميين 1 / 500.

بخلاف العرض الذي يستحيل منه الفعل ، فهو نفي لمعنى الجسمية ، وإنما أطلقوا
هذه اللفظة لمعنى أنه «شئ لا كالأشياء» وأمرهم سهل ، لأنه خلاف في العبارة (139).
هذه مواقف عمدة المذاهب الإسلامية التي لها رأي في المباحث الكلامية ، من
الذين يخالفون هشاما في المعتقد ، وخاصة في المذهب ، وكما رأينا فإنهم متفقون على عدم
منافاة مقولة هشام للحق ، ولا اعتراض لهم على المقولة من حيث المعنى.
لكنهم بالرغم من ذلك نسبوا إلى هشام أنواعا من التهم البشعة ، والخرافات
المنافية لأبسط القواعد العقلية ، سعيا في تشويه سمعته بين المسلمين الموحدين ،
وتضييعا لأثره في الفكر والعقيدة ، وإخفاء لعظمته في تاريخ العلم والثقافة الإسلامية
في عصورها المبكرة.
ومن هنا نعرف السبب في إغفال البغدادي صاحب (الفرق بين الفرق) لهذه
المقولة عند ذكره لآراء هشام الكلامية ، فلم يذكرها مطلقا ، مع شهرتها عن هشام ، بينما
أبدى حقدا وبغضا في جمع كل خرافة وباطل وكذب ، ونسبة ذلك إلى هذا المفكر
الموحد!
* * *
__________________
(139) شرح نهج البلاغة 3 / 228.

7 ـ موقف الشيعة من المقولة :
أما الشيعة ، أتباع مذهب هشام ، فقد عرفنا اتفاقهم قدماء ومتأخرين على
أن المقولة لا تدل على التجسيم المعنوي ، وإنما أريد من كلمة «الجسم» معنى آخر ،
غير مدلوله اللغوي المتفاهم ، وقد أوضحنا أن المعنى الآخر قد اصطلح عليه هشام
وأصحابه وتلاميذه ، وأرادوا من كلمة «الجسم» معنى «الشئ» و «الموجود».
وقد صرح الشيخ المفيد ، والسيد المرتضى ، بأن هشاما لم يخالف في مقولته
«جسم لا كالأجسام» التوحيد ، ولا يرد عليه إلا إطلاقه لفظ «الجسم» على البارئ
تعالى وإن كان بمعنى «الشئ» (140).
وقد ذكر ابن أبي الحديد : أن هذا المعنى هو الذي التزمه من قدماء الشيعة :
علي بن منصور والسكاك ، ويونس بن عبد الرحمن ، والفضل بن شاذان (141).
وكذلك صرح كثير من علماء الطائفة ، وآخرهم سيدنا الأستاذ ، الذي قال في
كتاب رجاله بعدم إرادة هشام من كلمة «الجسم» معناها المفهوم ، بل أراد معنى
آخر (142).
ولكن الذي يحز في النفس أن يتعرض للموضوع من لم يأخذ له أهبته
اللازمة ، ممن ينتمون إلى طائفة هشام ، فغرتهم كثرة الأقاويل التي اختلقها كتاب
الفرق والمقالات ، ومؤرخو المذاهب والقضايا الاعتقادية ، وملأوا بها الصحائف ، فلم
تفسح لهؤلاء مجالا للتأمل في الموضوع بدقة وعمق ، من خلال مصادرنا المأمونة لتمييز
الصحيح من الفاسد ، أولا ، والتوصل إلى الحق الذي أراده هشام ، ثانيا ، فوقع هؤلاء في
الفخاخ التي نصبها أولئك الحاقدون ، وما سطروه في صحائفهم السوداء ضد هشام.
وأكثر ما نجد تناقل كتاب العصر لما لفقه الخصوم عن معتقدات هشام ، مما
__________________
(140) الحكايات : 131 ، وأوائل المقالات : 43 ، والشافي ـ للمرتضى ـ : 12.
(141) شرح نهج البلاغة 3 / 228.
(142) معجم رجال الحديث 19 / 358.

ينافي أبسط قواعد الإيمان والإسلام.
وناقل الكفر وإن لم يكن كافرا ـ كما يقال ـ إلا أن تمريرها بالنقل ، من دون تعرض لها بالنقد أو تزييف نقاط الضعف ، أو تبيين أوجه المغالطة فيها ، جريمة لا تغتفر ، فضلا عن أن يبدي المؤلف رأيا يعارض الحق ، وينسبه إلى هشام! أو يتناقل تلكم الأكاذيب من دون نسبتها إلى مختلقيها ، وكأن الناقل يفرضها من مسلمات التاريخ أو العلم!
فبما يعتذر من يعد في المذاهب مذهبا باسم «الهشامية» ينسب إليه الغلو
والتشبيه؟!
مع العلم بأن مؤلفي الفرق ومؤرخي المذاهب من الشيعة لم يذكروا فرقة بهذا
الاسم أصلا ، فضلا عن ينسبوا إليها تلكم التهم؟!
ولو نقل ذلك عن مصادر المخالفين لهشام في المذهب ، لكفانا مؤونة هذه الكلمة المؤلمة!
أما هشام ، فلن تؤثر في عظمته هذه التصرفات ، ولم تخفت نور الحق الذي
التزم به كثرة التشويش عليه ، سواء من فعل الخصوم الحاقدين ، أو من نقل أبناء
طائفته الغافلين أو المتساهلين.
ولقد رأيت من واجبي الديني والعلمي أن أستعرض ما جاء في كتاب «هشام
ابن الحكم أستاذ القرن الثاني في الكلام والمناظرة
» مما وجدته مخالفا لما ثبت عن
هشام ، من آراء ، وما توصلت إليه من حقائق.
ومع أن مؤلف هذا الكتاب كان متنبها إلى خطورة الموضوع ، وصعوبة البحث
فيه ، إذ يقول. مع اعترافي بأن ذلك محاولة نموذجية قد لا تبلغ من العمق والشمول
ما لا يطلبه حديث رجل كهشام ، ولا يتسع كثيرا للإيضاح ، ذلك لأنه لم يحظ
بعناية المترجمين (143).
__________________
(143) هشام بن الحكم : 8 ـ 9.

ومع ما يعهد من مؤلفه من معرفة وحسن نية وجهد علمي. لكنه ـ مع هذا
كله ـ وقع للأسف في شباك الأخطبوط المعادي لهشام!
ونحن نذكر هنا ما يرتبط بمبحث التجسيم فقط!
في انتخاب المصادر :
فهو ينقل عن مصادر متأخرة جدا ما نقلوه عن مصادر قديمة ، من دون أن
يتابع القضايا ، ويراجعها في مصادرها الأصلية.
فمثلا : يعتبر المؤلف هشاما تلميذا لأبي شاكر الديصاني ، وقد ذكر مستندا
لهذا الاعتبار وهو أربعة نصوص ، أحدها منقول عن البرقي ، والثاني في رواية عن
الإمام الرضا عليه‌السلام ، ثم الثالث عن ابن الخياط المعتزلي ، والرابع عن ابن تيمية
الحراني ، ثم قال : وبعد هذا ، فإن جميع النصوص المذكورة متفقة على أن هشاما كان
على صلة تامة بهذا الديصاني ، وعلاقة وثيقة به (144).
أقول : وليس شئ من هذه النصوص الأربعة حجة على ما يريد المؤلف
إثباته ، فالنصان : الثالث والرابع ، هما كلمتان لرجلين من ألد خصوم الشيعة ، وممن
شنعوا على هشام بالخصوص ، وممن لم يتقوا الله في نسبة ما هوت نفوسهم إلى هشام
وأتباع أهل البيت عليهم‌السلام ، ويشهد بذلك كتاباهما «الإنتصار» للخياط ،
و «المنهاج» لابن تيمية! ثم متى صارت أقوال الخصوم حجة في حق خصومهم؟! وكيف
صار اتفاق هذين الرجلين دليلا على اتهام هشام؟! (145).
وأما النص الأول : فقد نقله المؤلف عن المامقاني في تنقيح المقال 3 / 295.
وقد نقله المامقاني عن ابن داود الرجالي الحلي ، ولما راجعت «الرجال» لابن
داود وجدته ناقلا له عن البرقي ، فراجعت رجال البرقي ، فوجدت فيه : وفي كتاب سعد :
__________________
(144) هشام بن الحكم 48 ـ 49
(145) أنظر ما ذكره القاسمي في كتاب «تاريخ الجهمية والمعتزلة» ص 30 وما بعدها. حول التساهل في نقل الآراء والمذاهب ، وما يجب أن يعتمد في ذلك.

له كتاب ، وكان من غلمان أبي شاكر الزنديق ، جسمي ، رؤي.
وقد علق محقق الكتاب على هذه العبارة بأن في نسخه تصحيفا (146).
ولم يميز في كتاب البرقي أن قوله : «وكان من غلمان ... إلى آخره» منقول عن
سعد ، أو هو من كلام البرقي نفسه؟ فإن كان منقولا عن سعد ، فمن هو «سعد» هذا؟
فإن كان هو سعد بن عبد الله الأشعري القمي! الذي له كتاب «رجال
الشيعة» (147) فهو في كتابه الآخر المسمى ب «المقالات والفرق» لم يذكر عن هشام
شيئا ، إلا أنه عده في من ذكرهم من «وجوه أصحاب جعفر بن محمد ، وأهل العلم منهم
والفقه والنظر ، وهم الدين قالوا بإمامة موسى بن جعفر عند وفاة أبيه» (148).
ثم إن ابن داود الذي نقل عن البرقي تلك العبارة ، ناقش مضمونها في
القسمين من رجاله :
فقال في القسم الثاني. هشام بن الحكم : لا مراء في جلالته ، لكن البرقي نقل
فيه غمزا ، لمجرد كونه من تلاميذ أبي شاكر الزنديق ، ولا اعتبار بذلك (149).
وقال في القسم الأول ـ بعد نقل عبارة البرقي المذكورة ـ. مع أني لا أستثبت
ما قاله البرقي قدحا فيه ، لأن حال عقيدته معلوم ، وثناء الأصحاب عليه متواتر ، وكونه
تلميذ الزنديق لا يستلزم اتباعه في ذلك ، فإن الحكمة تؤخذ حيث وجدت (150).
ثم إن المامقاني ـ بعد أن نقل ذلك ـ ذكر في دفع ذلك أمرين.
1 ـ أن رجال البرقي ، الموجود عنده ، خال عن ذكر تلمذة هشام لأبي شاكر ،
أولا.
2 ـ أنه قد ورد في أخبار كثيرة مناظرته لأبي شاكر ، واحتجاجه عليه في
__________________
(146) رجال البرقي : 35.
(147) لاحظ : رجال النجاشي ، والفهرست ـ للطوسي ـ.
(148) المقالات والفرق ـ لسعد ـ : 88 رقم 168.
(149). رجال ابن داود ـ القسم الثاني ـ : 60.
(150) رجال ابن داود ـ القسم الأولى ـ : 200 رقم 1674.

التوحيد ، على وجه يعلم عدم كونه تلميذا له ، ثانيا (151).
والحق أن المامقاني قد تبرأ من مضمون تلك العبارة.
والمؤلف ، كيف يصرف النظر عن كل هذه المناقشات ، وينقل تلك العبارة ،
ويعتبرها نصا دالا على ما يريد إثباته من تلمذ هشام للديصاني؟!
وأما النص الثاني ، فهي رواية عن الإمام الرضا عليه‌السلام ، نقلها عن
المامقاني أيضا (152).
لكن المامقاني نقل الرواية تلك عن الكشي ، وهي موجودة في رجاله (153).
وقد ذكر المامقاني : أن الرواية قاصرة سندا.
بالنظر إلى أن في السند : «عن بعض أصحابنا» وهم لا يعتبرون بمثله.
هذا ، مع أن النص الموجود في رجال الكشي هو :. من غلمان هشام ، وهشام
من غلمان أبي شاكر وليس في الرواية : «. هشام بن الحكم» وهكذا نقله المامقاني.
ولكن المؤلف أضاف كلمة «بن الحكم» على متن الرواية ، من دون إشارة إلى
عدم وجودها في المصدر ، ولا في مصدر المصدر!
هذه قيمة النصوص التي اعتمد عليها المؤلف في دعواه الخاطئة ، أي كون
هشام تلميذا للديصاني ، ومع هذا يسلم للدعوى ، ويبني على هذه النصوص بناء
مهزوزا ، هنا وفي ما يلي من صفحات كتابه ، ويستنتج آراء خاطئة ينسبها إلى هشام ،
ويقول بملء فيه : إن هذه الآراء وصلت إلى هشام ، من أثر الفكر الرواقي ، من طريق
أبي شاكر الديصاني!
ويقول : بل من الجائز أن تكون نزعته «الحسية» «الماذية» هي أصداء للنزعة
الرواقية ، انعكست في تفكيره بواسطة الديصانية (154).
__________________
(151) تنقيح المقال 3 / 295.
(152) يلاحظ أنه أرجع إلى تنقيح المقال 3 / 295 بينما الرواية مذكورة في ص 299 من المصدر.
(153) اختيار معرفة الرحال. 278 رقم 497.
(154) هشام بن الحكم .. : 50 ـ 51.

وهذا كله مبني على وهم خاطئ ، مصدره تلك النصوص التي عرفنا عدم
حجيتها ، وعدم قابليتها لإثبات تلك الدعوى!
وبنفس الأسلوب يدعي أن هشاما اعتنق مذهب جهم بن صفوان ، ويستند
إلى نصوص من مناقشات ، ولكن المؤلف لم يلاحظ فيها شيئا ، ويقول :
فهشام ، إذن ، من دعاة الجهمية ، ناظر على طريقتها ، متحمسا لها (155).
ويستند أخيرا إلى الشبه الموجود بين بعض آراء هشام وبين آراء الجهمية ،
التي ذكرها مؤلفو كتب الفرق ، ويقول : من البعيد أن يكون ذلك عفوا واتفاقا (156).
ولا بد أن نسأله هنا. بماذا يفسر الاختلاف بين هشام وبين جهم في آرائه
الأخرى؟! هل يعتبرها عفوا أو اتفاقا؟!
مع أن الموارد التي ادعى موافقة هشام لجهم فيها ، والتي تمثل بها كشاهد على
دعواه ، ليس الأمر فيها كما زعم ، بل هناك مخالفة بين رأييهما لم يدقق فيه المؤلف ، فقد
ادعى ـ نقلا عن مقالات الإسلاميين ، للأشعري ، ص 108 ـ أن هشاما نسب إليه
القول : «بأن الله لا يجوز أن يعلم الشئ قبل خلقه ، وأن الأشياء لا تعلم قبل كونها ...» ثم يقول : وهذا الرأي نفسه للجهم (157).
أقول : هب أن هشاما يوافق الجهم إلى هذا الحد ، لكن هل تنتهي المسألة إلى
هنا؟ كلا ، بل ، إن هشاما يخالف جهما في نهاية المسألة نفسها : فجهم يدعي فيها :
«أن علم الله محدث ، هو أحدثه ، فعلم به ، وأنه غير الله» (158).
لكن هشاما يقول : إن الله يعلم الأشياء بعلم ، وأن العلم صفة له ، ليست هي
هو ، ولا غيره ، ولا بعضه ، ولا يجوز (159) أن يقال في العلم : «إنه محدث أو قديم» لأنه
__________________
(155) هشام بن الحكم ... : 51.
(156) هشام بن الحكم ... : 51.
(157) هشام بن الحكم ... : 1 ـ 52.
(158) مقالات الإسلاميين 2 / 164.
(159) وذكره في المصدر ـ أيصا ـ في 1 / 108 بلفظ «فيجوز أن يقال : العلم محدث أو قديم ، لأنه صفة ، والصفة لا

صفة ، والصفة عند هشام لا توصف (160).
ومن الواضح أن من خالف أحدا في جزء دعواه ، سواء في جزء الصغرى ، أو
جزء الكبرى ، فهو مخالف له في النتيجة! فكيف تخفى هذه البديهية على المؤلف.
والغريب أنه جعل نفس هذا الأمر الذي اختلف فيه هشام والجهم مثالا آخر
لما يدعيه من توافقهما في الرأي! وبعد أن نقل كلام هشام في العلم ، وتصريحه بأنه «لا
يقال فيه محدث ولا قديم» يقول : ونجد في هذا شبها بقول الجهم حين يستدل على
ذلك فيقول : «إذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو : إما أن يحدث في ذاته تعالى ، و...» (161).
فانظر ـ بالله عليك ـ كيف يكون الشبه بين من ينفي الحدوث والقدم ، وبين
من يفرض الحدوث ويتكلم على أساسه؟!
والأغرب أن المؤلف لما ينقل قول هشام. ليس يخلو القديم من أن يكون لم
يزل عالما لنفسه ، كما قالت المعتزلة ، أو عالما بعلم قديم ، كما قالت الزيدية ، أو عالما
على الوجه الذي أذهب إليه (162).
يقول : ويقصد بالوجه الذي يذهب إليه. أن العلم حادث (163). ويقول ـ بكل
جرأة ـ : فرأي هشام هنا مشتق من رأي جهم بكامله!
أقول : لكن عرفت أن القول بحدوث علم الله هو رأي جهم فقط ، وأما رأي
__________________
توصف ...».
وقد طبعها المحقق الألماني (ه ، ريتر) : «فيجوز» بالنصب ، كي يكون منموبا بأن مقدرة جوابا للنفي في «ليست ...» ومعناه : فلا يجوز ، كما جاء في الموضع التالي من المصر.
لكن المحقق المصري (عبد الحميد) طبعها : «فيجور» فناقض معنى الجملة السابقة ، ومعارضا للموضع الآخر الذي صرح فيه بقوله «لا مجوز» كما أثبتنا في المتن ، فلاحظ.
(160) مقالات الإسلاميين 2 / 163 ، والملل والنحل 1 / 185.
(161) هشام بن الحكم ... : 52.
(162) هشام بن الحكم ... : 128 نقلا عن الإنتصار ـ للخياط ـ : 108.
(163) هشام بن الحكم ... : 128.

هشام فهو أن العلم صفة ، وهي لا توصف بحدوث ولا قدم! فهو ينكر حدوث العلم! فكيف يجرؤ المؤلف على هذا التصريح الخطير!
لا أجد جوابا لهذا ، إلا أن أقول للمؤلف : «ما هكذا تورد يا سعد الإبل».
ولو شاء المؤلف أن يرى بأم عينه اختلافات هشام والجهم ، فليقرأ في
«مقالات الإسلاميين» للأشعري :
1 ـ أن الجهم يزعم أن الحركة جسم ، ومحال أن تكون غير جسم (164).
2 ـ أن هشاما يقول. الحركات وأمثالها ليست أشياء ولا أجساما (156).
وهذا ما عثرنا عليه في طريق بحثنا ، ولم نتصد له ، ولعل البحث المقصود يدلنا
على الكثير جدا. وكيف كان ، فهذا يكفي في تفنيد مزاعم المؤلف ، ودعواه مكررا أن
هشاما كان ديصانيا أو جهميا حتى بنى على ذلك كثيرا من اتهاماته الصعبة ضد هشام.
كما يقول عند تعرضه لموضوع «التجسيم» في رأي هشام : فالنزعة الحسية
بادية على شئ من آرائه ، فهو يجسم الأعراض ، والجو ، حتى الخالق تعالى ويضيف :
وقد رجحنا وصول هذه الفلسفة إلى هشام من طريق الديصانية. وبخاصة أن هشاما
صحب أبا شاكر الديصاني ، ولازمه حتى عد من غلمانه ، كما سبق (166).
ويقول بعنوان «ذاته» ـ بعد نقل الأقوال المتعارضة في نسبة التجسيم إلى
هشام ـ ما نصه. وإننا إذ نقف بين هذه النصوص المتضاربة ، لا يمكننا أن ننزه هشاما
عن القول بالتجسيم (167).
ثم يستدل على ذلك بقوله :
1 ـ إن حكاية التجسيم عنه مستفيضة.
2 ـ إن الصدوق روى في كتابه «التوحيد» ما يشعر بذلك.
__________________
(164) مقالات الإسلاميين 2 / 32.
(165) مقالات الإسلاميين 1 / 113.
(166) هشام بن الحكم ... : 99.
(167) هشام بن الحكم ... : 121.

3 ـ إن المفيد نسب إليه مقولة «جسم لا كالأجسام».
ثم يؤكد على أن هشاما كان جهميا ديصانيا ، ويصل إلى هذه النتيجة :
وعلى ذلك ، يمكننا أن نقول : إن هشاما كان يذهب إلى أن الله تعالى ، «جسم
لا كالأجسام» وذلك قبل أن يدين بمذهب الصادق. ولكنه بعد ذلك رجع.
واعتبر رأيه هذا جمعا بين الناسبين التجسيم إليه ، وبين النافين لتلك النسبة
عنه ، ويقول : فكلا الفريقين ، المتشيع عليه ، والمتشيع له ، قد يكون على صواب (168).
وواضح أن شيئا من أدلته تلك لا تثبت مدعاه ، ولا يصح ترتيب هذه النتيجة
الخاطئة عليه :
فالحكايات المستفيضة : تنحل إلى أكثرية اختلقتها أهواء خصوم هشام ،
واصطنعتها أغراضهم ، وصاغتها أحقادهم ، فلا قيمة إثباتية لها على التحقيق ، ولا تقاوم
الجدل والبحث العلمي.
وتنقسم إلى مجموعة أخرى معرضة للاحتمالات والترديدات ، والتفسيرات
المبعدة لها عن إثبات ما يريده المؤلف.
فهل يسمى مثل هذا استفاضة؟! وهل تكون مثل هذه الاستفاضة حجة على
شئ؟!
نعم ، هي بمجموعها تدل على ثبوت قضية في حق هشام ، بنحو المعلوم
الإجمالي ، لكن جزئيات هذه القضية ومفرداتها غير واضحة من خلال تلك الحكايات
المستفيضة ، والقدر الثابت الصحة منها هو أن هشاما أطلق تلك المقولة : «جسم لا
كالأجسام» على البارئ جل وعلا ، وقد عرفت أنها ـ في مصطلح هشام ـ لا تدل إلا
على التنزيه المحض والتوحيد الكامل.
وأما الروايات التي نقلها الصدوق ، فلا دلالة في شئ منها على التزام هشام
بالتجسيم المادي لله تعالى شأنه ، وإنما احتوى قسم منها على أن له قولا في «الجسم» ،
__________________
(168) هشام بن الحكم 123.

وهذا لا يدل على أكثر من إطلاق اسم «الجسم». وقسم آخر بين فيه مصطلح هشام ، أو تكرار لمقولته ، ولم نجد فيها ما يتضمن نسبة التجسيم المادي إلى هشام (169).
وأما كلام المفيد ، فليس هو إلا نقلا للمقولة عن هشام ، وهو مدار بحثنا هذا ،
وقد عرفت أنها لا تدل إلا على التوحيد والتنزيه ، فكيف يستدل به المؤلف على
مدعا؟!
ويتعرض المؤلف لمسألة التجسيم المنسوب إلى هشام تحت عنوان «الأعراض»
ويقول : لكن هشاما خالف ما هو المعروف في الأعراض ، فقد نسب إليه
الشهرستاني والأشعري والبغدادي وابن حزم الأندلسي ، القول بأن الألوان والطعوم
والرائحة أجسام (170)
وأشار في الهامش إلى مصادر عديدة ، منها : الفصل ـ لابن حزم ـ (5 / 42) ، وقد كان هذا الكتاب أمامي عند مطالعتي لهذا الكلام ، وفتحته (في نفس الجزء ،
والصفحة) فعجبت لما لم أجد في هذا المكان إلا قول ابن حزم ـ السطر 9 ـ.
قال أبو محمد : وقد اختلف الناس في المعدوم ، أهو شئ أم لا؟
فقال أهل السنة ، وطوائف من المرجئة ، والأشعرية ، وغيرهم : ليس شيئا ، وبه
يقول «هشام بن عمرو الفوطي» أحد شيوخ المعتزلة.
وقال سائر المعتزلة : المعدوم شئ ، فقال : عبد الرحيم بن محمد بن عثمان
الخياط : إن المعدوم جسم في حال عدمه إلا أنه ليس متحركا ولا ساكنا ولا مخلوقا ولا
محدثا في حال عدمه (171).
ثم نظرت في الصفحة حتى آخرها فلم أجد ذكرا لهشام بن الحكم ، ولا في
صفحات سابقة ولا لاحقة عليها!
ولو سامحنا المؤلف ، في ذكره اسم هشام بن الحكم بدل هشام بن عمرو ، فهل
__________________
(169) هشام بن الحكم ... 124 ، وسنذكر في نهاية هذا البحث أكثر تلك الروايات ونوضح محاملها.
(170) هشام بن الحكم ... : 162.
(171) الفصل 5 / 42 / س 9 فما بعدها.

له عذر في أنه ذكر الحديث عن مطلب الأعراض : اللون ، والطعم ، الرائحة ، نقلا عن
هذا المصدر ، في تلك الصفحة ، ولم نجد لها ذكرا فيها؟!
فهل اعتمد طبعة أخرى من الكتاب؟! وهو لم يذكر فهرسا لطبعات مصادره؟!
ثم ماذا عن المصادر الأخرى؟ وعن المطالب الأخرى؟ وعن أرقام
الصفحات والمجلدات؟ فهل مثل هذا الكتاب يعتمد عليه كمصدر أمين؟!
ولولا أن بعض المغرضين قد استند إلى ما في هذا الكتاب من آراء حول
هشام ، وجعله دليلا على نسبة التجسيم الماذي إليه إ!
ولولا التخوف من أن يصبح ما جاء في الكتاب ـ من آراء خاطئة ـ شاهدا
لمن تسول له نفسه اتهام هشام بما لا يليق من أباطيل إ!
لولا كل ذلك ، لما تعرضنا لما فيه ، لبعد المدة التي مضت على طبعه ، ولعل
كلمتنا هذه توقف المؤلف على ما في كتابه ، فيحاول أن ينقحه ، ليؤدي هدفه ـ الذي لا
بد أن يكون خيرا ـ بأفضل ما كان عليه ، ويقطع الطريق على من يسئ الاستفادة
منه من المغرضين.
ولقد ألجأنا إلى هذا التعرض استشهاد بعض المؤلفين المغرضين بما جاء فيه
على اتهامه لهشام بالتجسيم المادي متبجحا بأنه لم يبق في ساحة هذا الاتهام وحيدا بعد
أن كان مؤلف كتاب «هشام بن الحكم.» يذهب إلى مثل ما ذهب إليه ، ويقول بنفس
مقالته.
بالرغم من أن هذا المغرض لم يمت إلى العلم بصلة ، سوى إنه تعلم على
أيدي الأجانب المعادين للإسلام والهادفين إلى إحداث البلابل بين صفوف المسلمين ،
ولم يعتمد في كتاباته إلا على مصادر ضعيفة ، ومقدمات سخيفة ، فبنى عليها نتائج
موهومة ، تصور أنها حقائق ثابتة ، مدعيا لنفسه عناوين كالدكترة والأستاذية وما أشبه ،
مما يحسبه الجاهل شيئا!
فهذا مؤلف كتاب «الصلة بين التشيع والتصوف» مع قربه من مصادر تراث

الشيعة ومعرفته بعلمائهم ، تراه يخبط في كتابه هذا خبط عشواء لا يهدي سبيلا!
وفي خصوص هشام بن الحكم يحاول أن يتفلسف لإثبات أقبح ما أتهم به
على طول الخط من أعداء التشيع وخصومه ، ألا وهو «التجسيم المادي».
ولئن عجز أولئك الحاقدون من إثبات هذه التهمة بصراحة واضطروا ـ من
حيث أرادوا أو لا ـ إلى الاعتراف ببراءة هشام منها ، إلا أن هذا المغرور حاول أن
يصور القضية بشكل معقول! هين طبيعي!.
وقد حاول الأستاد المحقق المحامي المرحوم توفيق الفكيكي أن ينبهه إلى
الصواب من خلال تصويب بعض أخطائه التي لا يهمنا منها سوى موضوع التجسيم ،
إلا أنه أبى إلا ركوب عناده وغيه ، فلم يرعو ، بل زاد على أخطائه في كتاب «الصلة ...» خطأ أفحش ، في رده على الأستاذ الفكيكي فيما نشره في مجلة «الإيمان» الصادرة في
النجف.
ولعلاقة ذلك بموضوع البحث رأينا التصدي له ، فنقول :
أما ما ذكره في رده على الأستاذ الفكيكي ، فهذا نصه :

 

إن هذا المتكلم [يعني هشام بن الحكم] فلسف التجسيم قبل ظهور نفي الصفات عند أبي الهذيل العلاف المعتزلي (المتوفى 235) [كذا] بحيث حصل منه نظرية هي إلى التجريد أقرب ، وذلك دون نقض المعنى المادي ، الذي يفهم من آيات التشبيه.
وجاء ذلك من استغلال فكرة النور التي كانت من تراث
الشيعة.
فجعل هشام النور المدى الأقصى الذي يمكن تشبيه الأجسام به ، واعتبره «جسما لطيفا».
ثم جعل ما ليس بمادة ـ كالعلوم ، والحركات ـ أجساما.
وبذلك (172) المعنى المجرد بالكائن المجرد في لطافة الجسم.

__________________
(172) كذا وردت هذه الكلمة في المصدر ، ولعلها تصحيف من «ويدل» فلاحظ.

 

 

وانحل الإشكال ، وصارت الجسمية لله اعتبارا عقليا ، وأمرا ذهنيا ، خالصا ، ليس إلى تلمسه سبيل ، كما أن العلم والحركات أجسام لا تلمس.
وذلك لأن الله تعالى ـ بقول هشام ـ : «جسم لا كالأجسام» و «صورة (173) لا كالصور» تماما كما هو «عالم بعلم ، وعلمه ذاته» التي يستشهد بها المعتزلة ، دليلا على التجريد والتنزيه.
فأي ضير بعد في أن يكون هشام مجسما عقليا؟ يقدم الدليل على أن المادة المعنية إلهية لا تدرك بالحواس؟
وأين الإشكال ، إذن؟
ثم قال : يبقى شئ مهم جدا ، هو أنني لم أنفرد بهذا الرأي في هشام. وإن عرضت له على عجل في رسالتي التي فرغت منها سنة (1958) فقد توصل إليه الشيخ عبد الله نعمة بعد دراسة واستقصاء في كتاب برأسه يدور حول «هشام بن الحكم ...» طبع لبنان (1959).
ثم أخذ بنقل كلام الشيخ نعمة بطوله (174).

أقول : إن هذا الكاتب قد ادعى على هشام دعاوى طويلة عريضة ، ولم يقدم
على واحد منها دليلا أو شاهدا ، وهي :
1 ـ أن هشاما أثبت نظريته على أساس عدم نقض المعنى المادي الذي يفهم
من آيات التشبيه.
2 ـ استغلال هشام لفكرة النور وجعله النور المدى الأقصى الذي يمكن
تشبيه الأجسام به.
3 ـ اعتبار هشام للنور جسما لطيفا.
4 جعل هشام ما ليس مادة ـ كالحركة والعلم ـ جسما لطيفا.
__________________
(173) المطبوع في المصدر : «وصوت».
(174) مجلة «الإيمان» النجفية ، السنة الأولى. سنة 1383 ه ، العدد 7 ـ 8 ، ص 604.

5 ـ بذل هشام المعنى المجرد بالكائن المجرد ، في لطافة الجسم.
6 ـ صارت الجسمية اعتبارا عقليا خالصا ، ليس إلى تلمسه سبيل ، كما أن
العلم والحركات أجسام لا تلمس.
7 ـ لأن الله تعالى ـ بقول هشام ـ : «جسم لا كالأجسام» و «صورة لا
كالصور» تماما كما هو عالم بعلم وعلمه ذاته ، التي يستعملها المعتزلة دليلا على التجريد
والتنزيه.
8 ـ وإقامة الدليل على أن المادة المعينة إلهية لا تدرك بالحواس.
وإليك ـ تفصيل مناقشتنا لهذه الدعاوى :
1 ـ إن هشاما بنى نظريته على أساس عدم نقض المعنى المادي المفهوم من
آيات التشبيه.
فيه بحثان :
الأول : إن الربط بين مقالة هشام وبين رأيه في آيات التشبيه ، وأن تلك
الآيات والمعنى المادي المفهوم منها كانت مؤثرة في نظريته في التجسيم!.
وهذا ما لم أجده في أي مصدر من المصادر التي تعرضت لمقولة هشام ، أن ذكر
فيه ارتباط نظرية هشام برأيه في آيات التشبيه ، فلم تذكر تلك الآيات في سياق مقولته ،
حتى يمكن فرض الربط بينهما. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى : فإن مقولة هشام المحتوية على ذيل : «. لا كالأجسام»
تنفي كل تشبيه ـ على الاطلاق ـ بين الخالق والمخلوق ـ كما سبق أن أوضحناه مفصلا
ـ وهذا وحده يدعو إلى الاعتقاد بأن هشاما لا بد أن يكون من أهل تأويل تلك
الآيات ، وعدم فهم المعنى المادي منها.
وقد يشير إلى هذا أيضا عدم نقلهم خلافا عن هشام ، للطائفة الشيعية التي
تلتزم بالتأويل كما هو واضح في مقامه.
الثاني : إن نظرية هشام في «الجسم» مبنية على المعنى المادي ، وعدم نقضه!
إن مصطلح هشام في «الجسم» وهو «الشئ» بحقيقة الشيئية التي هي «إثبات

الذات» و «الموجود» و «المستقل بالنفس» كما أثبتناه مفصلا ، يعني : أن هشاما ينزه البارئ جل ذكره عن كل ماهية مادية موجودة في أي جسم طبيعي آخر.
فكيف يجوز أن ننسب إليه إدخال «المعنى المادي» في نظريته حتى على
فرض «اللطافة»!؟
وفي هذه النقطة بالذات ، يختلف ما قصده الكاتب عما ثبت عن هشام في
تفسير مقولة «جسم كالأجسام» حيث لم نجد في. كلمات الكاتب ـ كلها ـ ذكرا ولا
إشارة إلى مصطلح هشام في «الجسم» ذلك الذي تناقلته كافة المصادر ، وقررته وأكدت
نسبته إلى هشام!
ومن هذه النقطة يبدأ انحراف الكاتب عن التوجيه الصحيح لمقولة هشام ،
كما سنثبته في النقاط التالية.
2 ـ استغلال هشام لفكرة النور وجعله النور المدى الأقصى الذي يمكن
تشبيه الأجسام به.
إن الكاتب لم يفسر في كتاب «الصلة ...» (فكرة النور) ولكنه في كتاب
«الفكر الشيعي» ذكرها بقوله : إن حركة الغلو شرعت للتصوف (فكرة النور الإلهي)
الذي ينتقل عن طريق الأنبياء والأئمة من الله إلى قادتهم (175).
وأعاد نفس الجملة في حديثه عن الشلمغاني (176).
وذكر أن العلاج وصف النور الإلهي بالشعشعاني (177).
ولم يذكر مصدرا يذكر فيه النور مرتبطا بنظرية هشام في التجسيم!
لكني وجدت ذكر النور في عرض حديثهم عن هشام في المصادر التالية :
قال الحميري : قال هشام بن الحكم من القطعية ـ ومن قال بقوله ـ : هو شئ
__________________
(175) الفكر الشيعي. 26.
(176) الفكر الشيعي : 202 نقلا معجم الأدباء 1 / 235.
(177) الفكر الشيعي : 312 ، نقلا عن الفهرست ـ للنديم ـ : 190.

جسيم ، لا طويل ولا عريض ، نور من الأنوار. (178).
وقال ابن أبي الحديد : وأصحابه من الشيعة يدفعون ـ اليوم ـ هذه الحكايات
عنه ، ويزعمون أنه لم يزد على قوله : «جسم لا كالأجسام» وأنه إنما أراد بإطلاقه هذه
اللفظة عليه «إثباته» وصدقوا عنه أنه كان يطلق عليه كونه «نورا» لقول الله سبحانه : «الله نور السماوات والأرض ، مثل نوره ...» سورة النور (24) الآية (35)] (179).
وهذا بمجرده ، لا يقتضي أن تكون هناك ـ عند هشام خاصة ـ فكرة النور ،
ولا أن تكون هذه الفكرة من تراث الشيعة ، دون باقي المسلمين!!
فالفكرة ـ إن صح التعبير ـ موجودة في الآية القرآنية ، و «النور» أطلق على
البارئ تعالى بنص القرآن ، وأهل السنة وأصحاب الحديث يلتزمون بإطلاق «النور»
عليه تعالى استنادا إلى نفس الآية (180) وكذلك بعض كبار المعتزلة (181).
فمن أين أصبحت هذه الفكرة شيعية خاصة؟!
ثم من أين جاء الكاتب بدعوى أن هشاما استغل هذه الفكرة في سبيل
نظريته في التجسيم؟!
وإذا جاء شئ في حق الحلاج والشلمغاني وأمثالهما ، فهل يحق لأحد أن ينسبه
إلى كل الشيعة؟!
أهكذا يكون البحث العلمي الموثق ، المستند؟!
نعم ، إن ابن أبي الحديد نسب إلى هشام بن سالم ـ وليس ابن الحكم ـ القول
بأن الله «نور» على صورة الإنسان ، مع أنه أنكر أن يكون «جسما» (182).
__________________
(178) الحور العين : 148.
(179) شرح نهج البلاغة 3 / 224.
(180) مقالات الإسلاميين 1 / 260.
(181) مقالات الإسلاميين 2 / 192.
(182) شرح نهج البلاغة 3 / 224.

ونسب الشهرستاني ذلك إلى محمد بن النعمان مؤمن الطاق (183).
فنسبة ما ذكره الكاتب إلى هشام بن الحكم دعوى عريضة ، لم تذكر في أي
مصدر.
مع أن هذه النسبة تعني أن هشاما كان بصدد تشبيه الذات الإلهية بالجسم
النوري ، بينما مقولة هشام «جسم لا كالأجسام» ـ كما عرفنا ـ بصدد تنزيه البارئ
ـ سبحانه ـ من كل شبه بالأجسام ، سواء الأجسام اللطيفة أو غيرها؟ ونفى عنه كل
خواص الأجسام من المواد أو الأعراض ، فنسبة الكاتب اللطافة ، أو المعنى المادي ،
إلى هشام ينافي ذلك ويناقضه ، ويعارض ما ثبت نسبته إلى هشام.
3 ـ 5 ـ اعتبار هشام للنور «جسما لطيفا».
وجعل هشام ما ليس مادة ـ كالعلوم والحركات ـ أجساما.
وبدل المعنى المجرد بالكائن المجرد في لطافة الجسم.
إن نسبة هذه الأفعال : (الاعتبار) و (الجعل) و (التبديل) إلى هشام ،
انفرد بها هذا الكاتب حيث لم جد لها أثرا في المصادر المتوفرة للبحث عن هشام ، بل
ما وقفنا عليه من المصادر يدل على ضد النسبة الثانية :
فقد صرحت كتب المقالات بأن هشاما نفى أن تكون الحركات أجساما :
قال الأشعري : حكي عنه أنه قال : هي [أي أفعال الفاعلين] معان وليست
بأشياء ولا أجسام ، وكذلك قوله في صفات الأجسام ، كالحركات ، والسكنات ،
والإرادات ، والكراهات ، والكلام ، والطاعة ، والمعصية ، والكفر ، والإيمان (184).
بل الذي قال بأن الحركة جسم ، هم معارضو هشام وخصومه ، كجهم (185)
وأقرب إلى ذلك النظام الذي قال : إن الصوت جسم (186) وفرقة من المعتزلة التي
__________________
(183) الملل والنحل 1 / 187.
(184) مقالات الإسلاميين 1 / 113 ، والفرق بين الفرق : 67.
(185) مقالات الإسلاميين 2 / 32.
(186) مقالات الإسلاميين 2 / 101.

زعمت : أن كلام الجسم ، وأنه مخلوق (187) ومن قال منهم برؤية الأعراض (188).
وأما ما نسبه إلى هشام من تبديل المعنى المجرد بالكائن المجرد : فلم يذكر
الكاتب أنه من أين أخذه؟ هل وجده في مصدر؟ أو أنه أخذه من آراء أخرى لهشام
فاستنبط هذا منها؟
كما أنه لم يذكر وجه هذا التبديل! فإن المعنى المجرد هو موجود ذهني لا
يمكن تحققه في الخارج ، والكائن المجرد هو موجود خارجي وإن كان جسما لطيفا ، فما
معنى تبديل هذا بذاك؟! وما هو دليله؟!
وهكذا يسطر الكاتب مقدمات من نسج خياله ، وينسبها إلى هشام ، ليبني
عليه رأيه المنهار وينسبه ـ بكل صلافة ـ إلى هشام.
6 ـ صارت الجسمية اعتبارا عقليا خالصا ، ليس إلى تلمسه سبيل ، كما أن
العلم والحركات أجسام لا تلمس.
إن الإشكال على التجسيم هو أن مقتضاه العرفي أن تكون للجسم أبعاد
ثلاثة على الأقل : الطول والعرض والعمق ، أو التأليف والتركيب والتجزؤ ، وهذا هو
الجسم باصطلاح المجسمة والمعتزلة ، على ما عرفت.
ولو اعتبرت الجسمية أمرا عقليا ، كان هذا اصطلاحا آخر في الجسم فلا بد
له من دليل اعتبار.
والكاتب كما أنه لم يذكر دليلا على هذا الاعتبار والاصطلاح فهو لم يذكر
قبل ذلك واحدا من المصادر كان قد ذكر ذلك منسوبا إلى هشام.
وإذا جعل الكاتب هذه النتيجة حتمية على أساس المقدمات السابقة
وخامة أن هشاما يرى أن الحركات أجسام ، فقد عرفت عدم صحة نسبة شئ من
تلك المقدمات إلى هشام ، خاصة هذه المقدمة ، فإنه خالفها بالقطع!
__________________
(187) مقالات الإسلاميين 1 / 245.
(188) مقالات الإسلاميين 2 / 46.

مضافا إلى أن أساس هذا التفسير لنظرية هشام هو أنه يرى من ذات
البارئ «مادة معينة» وهو ما لم يقله هشام ، بل ينافي مقولته منافاة قاطعة ، كما سيأتي.
وهذا بخلاف ما التزمناه من اصطلاح هشام في «الجسم» بمعنى «الشئ»
فمضافا إلى شهرته عنه ، وإقامته الدليل عليه ، كما سبق أن فصلناه ، فهو بمعنى «شئ
لا كالأشياء» المقولة التي التزمها كل المسلمين ـ عدا الشاذين ـ وهو يعبر عن مجرد
وجود الذات الإلهية ، منزها عن كل خواص الأجسام ، فهو خارج عن حد التعطيل
وحد التشبيه ، كما قلنا.
7 ـ التعليل بأن الله تعالى «جسم لا كالأجسام» و «صورة لا كالصور» تماما
كما هو «عالم بعلم ، وعلمه ذاته» التي يستشهد بها المعتزلة دليلا على التجريد
والتنزيه ...
أقول : هذا التعليل منقول عن هشام في إلزام أبي هذيل العلاف ، كما نقله
الشهرستاني ، قال : هشام بن الحكم ، صاحب غور (189) في الأصول ، لا مجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة ، فإن الرجل وراء ما يلزم به على الخصم ، ودون ما يظهره من
التشبيه ، وذلك أنه ألزم العلاف ، فقال له. إنك تقول : البارئ تعالى «عالم بعلم ، وعلمه
ذاته» فيشارك المحدثات في «أنه عالم بعلم» ويباينها في «أن علمه ذاته» فيكون «عالما
لا كالعالمين» فلم لا تقول :. «إنه جسم لا كالأجسام» و «صورة لا كالصور» وله «قدر لا كالأقدار» إلى غير ذلك (190).
بيان الالزام في هذا الكلام : أن أبا الهذيل التزم من بين المعتزلة ، بأن الله يعلم
الأشياء بعلم هو ذاته (191).
ولكن. هشاما يقول : إن الله يعلم الأشياء بعلم ، وعلمه صفة له ، ليست هي هو ،
__________________
(189) كذا بالغين المعجمة في طبعة المصدر. الموجودة بهامش الفصل ، لكن المطبوع في المصدر الذي راجعناه («عور» بالعين المهملة ، هل هو خطأ مطبعي؟!
(190) الملل والنحل 1 / 185.
(191) مقالات الإسلاميين 1 / 225 و 243.

ولا غيره ، ولا بعضه (192).
فاختلفا في أن علم الله عين ذاته ، كما يقول العلاف ، أو صفة للذات ، كما
يقول هشام.
فإذا كان علم الله عين ذاته ، اختلف عن علم المخلوقين لأن علمهم صفة
لهم ، فإطلاق «عالم» على البارئ يختلف عن إطلاق «عالم» على المخلوقين ، لاختلاف «العلم» بالحقيقة في الموردين ، والحاصل أن كلمة «العلم» عند إطلاقها على البارئ تعالى ليست بمعنى العلم المفهوم عند المخلوقين ، بل معناه أمر آخر خاض بالله تعالى ، ومع هذا يصح إطلاق «عالم» على البارئ تعالى ، إلا أنه لا بد أن يقال : «لا كالعالمين» حتى ينفي عنه أي شبه بالمخلوقين في علمه وعالميته.
فإن كان هذا التغيير في معنى «العلم» والاصطلاح على إرادة الذات منه ،
كافيا لصحة إطلاق اسم «عالم» عليه ، فليكن إطلاق «جسم» عليه تعالى كذلك ،
بصرفه عن معناه اللغوي العرفي ، وإرادة أصل «الشئ» و «الموجود» منه صحيحا ،
فيقال : إنه «جسم لا كالأجسام».
وإن لم يكن هذا التواضع كافيا ، فلا بد أن لا يصبح «عالم لا كالعالمين»!!
فالعلاف إما أن يلتزم بكون علم الله ليس عين ذاته بل هو صفة مثل علم
سائر العالمين ، فهو تنازل عن رأيه في العلم!
أو يلتزم بإطلاق «جسم لا كالأجسام» على البارئ تعالى من دون حرج
وهذا اعتراف بصحة مقولة هشام في الجسم!
وقد عرف من شرحنا هذا أن هشاما لا يمكن أن يقيس مقولته «جسم لا
كالأجسام» على قول العلاف «عالم بعلم ، وعلمه ذاته»! وذلك :
1 ـ أن هذا مخالف لرأي هشام في العلم!
2 ـ أن هذا ليس فيه أي إلزام على العلاف ، فكيف يذكره الشهرستاني
__________________
(192) مقالات الإسلاميين 2 / 163.

بعنوان أنه إلزام!
كما عرف من خلال حديثنا أن قول. «عالم بعلم ، وهو ذاته» ليس من كلام
المعتزلة كلهم بل هو من كلام العلاف فقط! وقد خالفه فيه هشام وجماعة من المعتزلة
أيضا.
8 ـ فأي ضير ـ بعد ـ في أن يكون هشام مجسما عقليا ، يقدم الدليل على أن «المادة المعينة» إلهية ، لا تدرك بالحواس؟
وأين الإشكال إذن.
أقول : إن كان المراد من التجسيم العقلي ، هو التجسيم المادي ، لكون الذات
الإلهية. عنده مادة معينة لا تدرك بالحواس ، كما هو صريح كلامه هنا ، وهو الأمر المبني
على المقدمات التي ذكرها الكاتب ورتبها للتوصل بها إلى هذه النتيجة!
فهذا ما لم يقله هشام ، بل هذا معارض لما في مقولته من التجريد والتنزيه
عن كل خواص الأجسام ، ومنها «المادة».
مع أن تلك المقدمات غير تامة ، كما سبق أن قلنا.
وأما الضير في هذه التهمة ، فلا يتجه منه إلى هشام أي سوء ، لأن نسبة باطل
هذه التهمة إلى حق هشام بن الحكم كنسبة الحجر إلى البحر في قول الشاعر :

لا يضر البحر أمسى زاخرا
 

 

أن رمى فيه غلام بحجر
 

وإنما الضرر كله عائد إلى الكاتب وكتاباته الضحلة ، فتسلب عنهما الثقة ،
وكفى ما أوردنا دليلا على خلط الكاتب ، فلم يفهم مراد هشام ، ولا وقف على مصطلحه!
وأما : أين الإشكال؟
فيقال له : إنه كامن في عدم قدرتك على الخوض في هكذا موضوع ،
حساس ، لم تخبره أبدا ، ولم تعرف كيف تستخدم مصادره ، ولا لك قدرة على فهم
عباراتهم ، وكلماتهم ، ثم تعتمد أساسا على مصادر الأعداء وتحاول أن تنسب ما فيها إلى
هشام من دون مناقشة أو تفنيد.
ولو نظر هذا الرجل في مصادرنا الموثوقة ، لوجد أن قضية «التجسيم» قد انتفت

فلم يبق أي أثر للمادة في كلمة «الجسم» لما وضعت على غير معناها المفهوم ، وأريد منها
معنى «الشئ» فليس هناك إلا ذكر للرب بلفظ «الجسم» وهذا هو المفهوم من مقولة
«جسم لا كالأجسام» حسب تفسيرنا لها ، على مصطلح هشام.
وأما مناقشة الكاتب في كتابه «الصلة بين التشيع والتصوف.» فهذا نص
عبارته :

 

أما التجسيم الذي قال به هشام فلا داعي للإفاضة فيه ، ونكتفي
من ذلك بأنه قد بني على فكرة منطقية تقول : «إن بين معبوده ـ أي
هشام ـ وبين الأجسام تشابها ما بوجه من الوجوه ، ولولا ذلك
لما دلت عليه» [الملل والنحل 1 / 208] وينتهي إلى أنه «لا يشبه
شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شئ» [الملل والنحل 1 / 208] يضاف إلى هذا أن أبا الحسن الأشعري ، لما ذكر تجسيم هشام
ابن الحكم لله وأن له طولا وعرضا ، أردف ذلك بقوله : «على
المجاز دون التحقيق» [مقالات الإسلاميين : 102]. وأدخل من
هذا في بعد هشام بن الحكم عن التجسيم المادي لله ما ذكره
علي بن إبراهيم القمي من اختلاف هشام وأحمد بن محمد بن أبي
نصر ، في كيفية رؤيته (كذا) النبي لله في المعراج ، فقال الآخر :
نحن نقول بالصورة للحديث الذي روى أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب ، وقال هشام بالنفي للجسم ... «
[تفسير علي بن إبراهيم : 19]. وقد حاول الشيعة ، قدماء ومحدثين ،
أن ينفوا عن هشام بن الحكم القول بالجسمية بكل ما أوتوا من
قوة ، غير أن الحجة أعيتهم ، ومن هنا اعترف الشيخ المفيد بقوله
بالجسمية» وقرن الشيعة ذلك بحكايتهم رجوع هشام عنها ، وكان
ذلك غاية ما بذلوه من جهد! [نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ،
للدكتور علي سامي النثار ، ط 2 ، مصر 1964 ، ص 241].
وذكر الشيخ عبد لله نعمة في هشام أنه «في آرائه الموجودة بين

 

 

 

أيدينا اتجاه مادي ، ونزعة حسية قلما تخفى .... ثم هو يغرق في نزعته
الحسية حتى حكي عنه القول بأن الجوهر جسم رقيق ...» [هشام
ابن الحكم ، بيروت 1959 ، ص 98 ـ 99].
وكذلك فعل الدكتور محمد جواد مشكور في تحقيقه لكتاب
«المقالات والفرق» لسعد بن عبد الله الأشعري [طهران 1963 ، ص
321].
وقد أخذ الأستاذ توفيق الفكيكي في شأن هشام بن الحكم برأي
الشيخ المفيد وأصر على نفي التجسيم عنه دون دليل واضح [أنظر
نقده للطبعة الأولى من هذا الكتاب في مجلة «الإيمان» النجفية ،
السنة الأولى ، العددين الخامس والسادس ، 1964 ، ص 398 ، 405]. ومن الغريب أن تهمة التجسيم لم تنف عن هشام على أيدي
الشيعة وإنما فعل ذلك أهل السنة ، فأبو الحسن الأشعري وابن حزم
الظاهري قدما المادة الكلامية لهذه البراءة ، والدكتور علي سامي
النشار وضعها على أساس منطقي فلسفي مؤداه «أن الفعل لا يصح
إلا من جسم ، والله فاعل ، فوجب أنه جسم» وأن «معنى الجسم أنه
موجود» وكان هشام يقول : أريد بقولي : «جسم» أنه موجود ، وأنه
شئ ، وأنه قائم بنفسه [نشأة الفكر الفلسفي ، ص : 241 ، 244 ،
256]. ويختم الدكتور النشار ذلك بحكمه من «أن الجسم عند هشام
بمعنى الموجود ، فكل موجود جسم ...» «والله موجود ، فهو جسم ،
لكنه لا كالأجسام» ([ص 246] (193).

1 ـ قوله : فكرة منطقية تقول إن بين معبوده [أي هشام] وبين الأجسام تشابها
ما بوجه من الوجوه ، ولولا ذلك لما دلت عليه.
أقول : إن هذا الكلام نسبه الأشعري (194) والشهرستاني (195) إلى هشام
__________________
(193) الصلة بين التشيع والتصوف : 143.
(194) مقالات الإسلاميين 1 / 103.
(195) الملل والنحل 1 / 184.

ابن الحكم ، نقلا عن ابن الراوندي.
وأضاف الشهرستاني في موضع آخر إليه قوله : الأعراض لا تصلح أن تكون
دلالة [كذا ، والصواب دالة] على الله تعالى ، لأن منها ما يثبت استدلالا ، وما يستدل به
على البارئ تعالى يجب أن يكون ضروري الوجود لا استدلالا (196).
لكن هذه المقالة ـ بعين اللفظ ـ منقولة عن هشام بن عمرو الفوطي ، فقد
ذكر الشهرستاني في فرقة «الهشامية» من المعتزلة ، ما نصه :
ومن بدعه في الدلالة على البارئ تعالى قوله في الأعراض لله لا تدل على
كونه خالقا ولا تصلح دلالات ، بل الأجسام تدل على كونه خالقا (197).
وليس هذا أول خلط لهم بين الهشامين. ابن الحكم ، وابن عمرو الفوطي.
مع أن نسبة هذه المقالة إلى هشام بن الحكم لا يناسب مقولته المعروفة المذيلة
بقوله «... لا كالأجسام» حيث ينفي فيها كل شبه بين الخالق والمخلوق.
والعجيب أن الكاتب يقول. «وينتهي إلى أنه لا يشبه شيئا من المخلوقات ،
ولا يشبهه شئ».
فكيف ينتهي القول بالشبه بينهما إلى القول بعدم الشبه ، أليس هذا «خلفا»
كما يقول المناطقة؟!
مع أن هذا ليس هو النهاية في رأي هشام ، بل هو يرى ذلك من البداية ،
أليس هو الذي ينفي كل شبه بين الخالق والمخلوق في مقولته : «جسم لا كالأجسام»!
التي هي أشهر ما نقل عنه في هذا المجال؟!
2 ـ قوله : وأدخل من هذا في بعد هشام بن الحكم عن التجسيم المادي لله ، ما
ذكره علي بن إبراهيم القمي
أقول : فلماذا لم يعتمد الكاتب وأمثاله على هذه الرواية لتكون أساسا واضحا
لرأي هشام في التجسيم ، فينفوا عنه التجسيم المعنوي مطلقا ، وهو مدلول مقولته
__________________
(196) الملل والنحل 1 / 185.
(197) الملل والنحل 1 / 72.

«جسم لا كالأجسام» كما أوضحناه؟!
والكاتب لم يهمل هذه الرواية فقط بل خالفها ونسب إلى هشام القول بأن
«المادة المعينة إلهية» لا تدرك بالحواس ، كما نقلنا كلامه عن مجلة «الإيمان» النجفية.
3 ـ قوله : وقد حاول الشيعة ـ قدماء ومحدثين ـ أن ينفوا عن هشام بن الحكم
القول بالجسمية ، بكل ما أوتوا من قوة ، غير أن الحجة أعيتهم!
أقول : إن الكاتب لم يحاول ـ أولا ـ إثبات القول بالجسمية على هشام من
طريق الشيعة ، حتى تصح له مطالبتهم بحجة على النفي. فإنا لم نجد عند الشيعة
نسبة التجسيم المطلق إلى هشام وأنه قال بالجسمية المعنوية ، حتى يحتاجوا في نفيها
عنه إلى حجة ، بل غاية ما في الأمر أن الخصوم ـ وخاصة المعتزلة ـ اتهموا هشاما
بأشكال من التجسيم ، وقد يتناقضون في ما نسبوه إليه ، وإن كان أقوى وأصرح ما
نسبوه هو القول «بجسم لا كالأجسام».
وقد أجمع كافة أهل الفرق على عدم دلالة ذلك على التجسيم المعنوي ، بل
غاية ما يفيده هو التجسيم اللفظي والاسمي ، كما فصلناه.
فمن أين جاء جزم الكاتب وأمثاله بثبوت القول بالتجسيم لهشام ، حتى
يحتاج لنفيه إلى حجة؟!
4 ـ قوله : ومن هنا اعترف الشيخ المفيد بقوله بالجسمية.
أقول : هذا من موارد تحريف الكاتب وأستاذه للحقيقة ، حيث نقلوا عن
الشيخ المفيد هذا الاعتراف ، بينما كلامه لا يدل على ذلك ، فهو في هذا الصدد يقول :
وإنما خالف هشام بن الحكم كافة أصحاب أبي عبد الله عليه‌السلام بقوله في
الجسم (198).
ومعناه : أن لهشام قولا في «الجسم» مخالفا به الآخرين ، وهذا القول في الجسم ،
هو ما اصطلحه فيه من إرادة «الشئ» منه.
__________________
(198) الحكايات : 131

فأين هذا من القول بالجسمية؟!
وإذا كان النشار ـ المصري ، أستاذ الكاتب ـ إلى هذا الحد من الجهل باللغة
العربية ، فليس له الحق بالتدخل في معالجة كلمات العلماء ، فهو لا يميز الفرق بين
«القول في الجسم» و «القول بالجسم»!
5 ـ قوله : وقرن الشيعة ذلك بحكايتهم رجوع هشام عنها ، وكان ذلك غاية ما
بذلوه من جهد.
أقول : إن حكاية الشيعة للرجوع ليس لما توهمه الكاتب من ثبوت اعتقاد
هشام بالتجسيم ، وإنما ذلك من جهة مخالفة هشام للحق في ما التزمه بالنسبة إلى إطلاق
اسم الجسم على البارئ ، مع أنه لم يرد ذلك في الشرع ، فأسماء الله تعالى توقيفية. كما
سيأتي بيان ذلك في الفقرة التالية.
6 ـ قوله : وذكر الشيخ عبد الله نعمة.
أقول : قد ذكرنا ملاحظاتنا على أقوال الشيخ ، في كتابه فراجع.
7 ـ قوله : وكذلك فعل الدكتور
أقول : لم يكن هذا الدكتور بصدد التحقيق والتدقيق فيما يثبته ، بل هو يحاول
جمع ما في المصادر وسردها تباعا من دون نقد لها ، فليس ذكرها دليلا على قبول أو
رد.
8 ـ قوله : وقد أخذ الأستاذ توفيق الفكيكي
أقول : يكفي في فضل الأستاذ الفكيكي رحمه‌الله أنه قد نبهك على بعض
أوهامك ، وخاصة في نسبتك إلى الشيخ المفيد الاعتراف بأن هشاما قال بالجسمية ،
ولكنك أبيت التنبه إلى أن المفيد لم يعترف بمثل ذلك ، وأنه إنما نسب إلى هشام
خلافا في التجسيم اللفظي فقط.
ولولا ركوبك رأسك ، وتأثرك الواضح في ما كتبت برأي معلميك من
المستشرقين والمتغربين ، لكان كلام الفكيكي خير هاد لك إلى أن تفك جفنيك عن
الإطباق ، وأن تفتحهما لترى الحقيقة المتوفرة على مقربة منك عند علماء الشيعة في

الكاظمية ، والنجف ، دون أن تمد يد الاستجداء إلى الغربيين الحاقدين على الإسلام
وأذنابهم من البعيدين عن التشيع ، أو أن تتأمل في ما كتبته المصادر باللغة العربية ، لتعرف
حقيقة رأي هشام من خلالها دون أن تعتمد على واسطة رجل آخر ، وإن كان النشار!
ولقد تقاعست عن الرجوع إلى المصادر إلى حد أنك تقول : من الغريب أن
تهمة التجسيم لم تنف عن هشام على أيدي الشيعة ، وإنما فعل دلك أهل السنة ، فأبو
الحسن الأشعري ، وابن حزم الظاهري ، قدما المادة الكلامية لهذه البراءة!
إن تهمة التجسيم ، وبالصورة التي نسبتها أنت وسلفك العامة إلى هشام ، لم ترد
في شئ من المصادر الموثوقة عند. الشيعة ، حتى يكونوا بحاجة إلى نفيها ، فأنت تغالط
بهذه العبارة ، وتريد أن تظهر أن الشيعة قد وافقوا على أصل التهمة ولكنهم لا ينفوها!
بل تكذب على الشيخ المفيد أنه اعترف بها! وكأنك قد فرغت من هذا الإثبات وأنت
منتظر للنفي منهم.
كلا ، فإن من أثبت التهمة ضد هشام ليس إلا خصومه وأعداء دينه ، ممن
لم يتقوا الله في شئ ، وليسوا أمناء على شئ ، بل كلماتهم متضاربة ومتناقضة إلى حد
السقوط ، ولم يثبت شئ من تلك الاتهامات ضد هشام بطريق واحد من علماء الشيعة ،
سوى أنه أطلق مقولة «جسم لا كالأجسام» التي لم تدل على ما نسب إليه ، بل دلت
على التنزيه والتوحيد.
وقد اعترف جميع أهل المقالات بأن المقولة لا تدل على التجسيم المعنوي
المؤدي إلى الكفر ، وفي مقدمتهم كبار الشيعة القدماء ، وأعاظم الشيعة المتأخرين.
فظهر أن المادة الكلامية لبراءة هشام موجودة في مقولته ، وفي اصطلاحه في
«الجسم» أنه بمعنى «الشئ» وليس أول من قدمها هم العامة ، بل إنهم هم أول من
قدم التهمة ضد هشام وأعلنوها عليه حربا شعواء ، مبناها الاتهام الباطل ، والتحريف
للحقائق.
وإذا وجب أن يحاسب أحد في هذا المجال ، فهم هؤلاء الذين ملأوا صحفهم
السوداء باتهام هشام ، وذكروا في حقه خرافات لا يفوه بها ملي فضلا عن مسلم موحد

مثل هشام ، مع وقوفهم على مصطلح هشام في «الجسم» الذي يصلح أساسا لبراءته عن وصمة «التجسيم».
ولو كانوا يعتقدون ـ حقا ـ ببراءة هشام ، لما تناقلوا كل تلك الاتهامات الشنيعة ، أو لتراجعوا عنها بكلمة.
والعجيب أن الكاتب لا يحاسبهم على تصرفاتهم المشبوهة هذه ، ويريد أن
يحاسب الشيعة ـ ظلما ـ على ما لم يقصروا فيه!
9 ـ قوله : والدكتور سامي النشار وضعها على أساس منطقي فلسفي مؤداه
«إن الفعل لا يصح إلا من جسم ، والله فاعل فوجب أنه جسم» وأن معنى «الجسم»
أنه «موجود». إلى آخره.
أقول : ليس الدكتور النشار هو الذي وضع هذا الأساس لنظرية هشام ، بل
هشام نفسه وضع هذا الأساس واستدل به على اصطلاحه في «الجسم» بمعنى «الشئ»
و «الموجود» ، كما ذكرناه سابقا مفصلا ، وقد تناقلته المصادر القديمة.
وهذا دليل آخر على تقصير الكاتب في تتبعه ، وخاصة للمصادر القريبة منه ،
واعتماده الأساسي على فكر الغربيين وأعداء التشيع ، وإلا فهذا كتاب الكشي من
المصادر الأصيلة ، وكذلك كتاب «التوحيد» للشيخ الصدوق ، وهو في متناول يده ،
ويحتوي على أهم ما يرتبط بالموضوع ، فلماذا يتركه ويلجأ إلى كلمات النشار وأمثاله.
ولئن أخفى النشار مصدره الذي استقى منه هذه ، الفكرة الفلسفية ، فإن
وجود ذلك لا بد أن يكون مدعاة للكاتب إلى أن ينصرف عن إصراره على أن يجعل
من هشام رجلا يقول بالتجسيم للبارئ ، بمعنى اعتبار المادة المعينة إلهية ، لا تدرك
بالحواس ، كما انتهى إليه في مجلة «الإيمان» النجفية.
* * *

8 ـ موقف الأئمة من مقولة هشام :
إن لأئمة أهل البيت عليهم‌السلام مواقف حاسمة في الدفاع عن الحق ،
وبيان الحقيقة ، وفي خصوص مجال التوحيد والتنزيه ، وقد أفصحوا عن ذلك بأقوال
صريحة ، قاطعة ، محكمة ، جمعتها صحف أصحابهم ، ومؤلفات أوليائهم ، وحفظتها صدور
قوم مؤمنين ، وهم يتلونها على المنابر ، وفي المجالس ، على ألسنة المبلغين رسالات الله ،
فتطمئن بها قلوب رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
فهذا رسول الله سيد الأنبياء والمرسلين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول ـ وهو
يخاطب الدين قالوا : إن الله يحل في هياكل رجال كانوا على هذه الصور ـ : أخطأتم
الطريق وضللتم ، أما أنتم فقد وصفتم ربكم بصفة المخلوقات! أو يحل ربكم في
شئ ، حتى يحيط به ذلك الشئ؟! فأي فرق بينه ـ إذن ـ وبين سائر ما يحل فيه
من لونه ، وطعمه ، ورائحته ، ولينه ، وخشونته ، وثقله ، وخفته؟؟ ولم صار هذا
المحلول فيه محدثا ، وذلك قديما ، دون أن يكون ذلك محدثا وهذا قديما؟!
(199).
وهذا أمير المؤمنين سيد الموحدين الإمام علي عليه‌السلام قد سبق كل
الموحدين في التوحيد الكامل ، والتنزيه الشامل ، في خطبه وبياناته ، والمعتزلة ـ المدعون
للسبق في ذلك ـ اعترفوا بأن خطب الإمام عليه‌السلام في بيان التشبيه وإثبات العدل
أكثر من أن تحصى.
قال يحيى بن حمزة العلوي ـ من أئمة الزيدية ـ : وأعظم كلامه ما حواه كتاب «نهج البلاغة» وقد تواتر نقله عنه ، واتفق الكل على صحته ، وقد أورد فيه من الترغيب والترهيب ، والتخويف والتقريب ، والمواعظ والزجر ، وخلاص التوحيد ، وصريح التنزيه ، ولطائف الحكم ، ومغاصات الأفهام ، ما يبهر القرائح ، وتحار في إتقانه العقول ، ويذهل الفهم (200).
__________________
(199) الإحتجاج ـ للطبرسي ـ : 27.
(200) مشكاة الأنوار ـ للعلوي ـ : 5 ـ 176.

فمن خطبة له : أول الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال
تصديقه توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات
عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة ،
فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثناه ، ومن ثناه فقد جزأه ، ومن
جزأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ومن أشار إليه فقد حده ، ومن حده فقد عده ، ومن قال : فيم؟ فقد ضمنه ، ومن قال : علام؟ فقد أخلى منه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شئ لا بمزايلة
(201).
وفي خطبة أخرى : الحمد لله الذي لا يموت ، ولا تنقضي عجائبه ، ... ولم تقع
عليه الأوهام فتقدره شبحا ماثلا ، ولم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقالها حائلا
... (202).
وفي ثالثة : الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد ، ولا تحويه المشاهد ، ولا تراه
النواظر ولا تحيط به السواتر الدال على قدمه بحدوث خلقه ، وبحدوث خلقه
على وجوده ، وباشتباههم على ألا شبه له
(203).
وقال الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه‌السلام : من كان ليس
كمثله شئ ، وهو السميع البصير ، كان نعته لا يشبه نعت شئ فهو ذاك
(204).
وقال عليه‌السلام : إلهي يدك قدرتك ، والتقدير على غير ما به وصفوك ،
وإني برئ يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك ، ليس كمثلك شئ إلهي ، ولن
يدركوك ، وظاهر ما بهم من نعمك دليلهم عليك لو عرفوك ، وفي خلقك يا إلهي
مندوحة أن يتناولوك ، بل سووك بخلقك ، ومن ثم لم يعرفوك ، واتخذوا بعض آياتك

__________________
(201) نهج البلاغة : 239 ـ 40 ، الخطبة 1 ، والاحتجاج ـ للطبرسي ـ : 199. وانظر : مشكاة الأنوار : 177.
(202) التوحيد ـ للصدوق ـ : 31.
(203) نهج البلاغة. 269 الخطبة 185 ، مشكاة الأنوار : 176.
(204) بلاغة الإمام علي بن الحسين عليهما‌السلام : 16.

ربا فبذلك وصفوك ، تعاليت عما به المشبهون نعتوك (205).
وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام ـ في جواب من قال : ما
هو؟ ـ : هو شئ بخلاف الأشياء ، أرجع بقولي «شئ» إلى إثبات معنى ، وأنه
«شئ» بحقيقة الشيئية ، غير أنه : لا جسم ، ولا صورة ، ولا يحس ولا يجس ، ولا
يدرك بالحواس الخمس ، لا تدركه الأوهام ، ولا تنقصه الدهور ، ولا يغيره الزمان. هو سميع بصير ، سميع بغير جارحة ، وبصير بغير آله
.
وقد روى هذا الحديث : هشام بن الحكم (206).
وفيما قرره الإمام علي بن محمد الهادي عليه‌السلام من الدين ، الذي عرضه
عليه عبد العظيم الحسني. إن الله تبارك وتعالى واحد ، ليس كمثله شئ ، خارج عن
الحدين : حد الإبطال وحد التشبيه ، وإنه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر بل هو مجسم الأجسام ، ومصور الصور وخالق الأعراض والجواهر ورب كل شئ
(207).
وقال الإمام علي بن موسى الرضا عليه‌السلام : ... لا تضبطه العقول ، ولا
تبلغه الأوهام ، ولا تدركه الأبصار ، ولا يحيط به مقدار عجزت دونه العبارة ،
وكلت دونه الأبصار ، وضل فيه تصاريف الصفات ، احتجب بغير حجاب محجوب ،
واستتر بغير ستر مستور ، عرف بغير رؤية ، ووصف بغير صورة ، ونعت بغير
جسم لا إله إلا الله ، الكبير المتعال
(208).
وقال الإمام الصادق عليه‌السلام :. تعالى الله عما يصفه الواصفون
المشبهون الله تبارك وتعالى بخلقه ، المفترون على الله ،. فانف عن الله البطلان
والتشبيه ، فلا نفي ، ولا تشبيه ، هو الله ، الثابت الموجود ، تعالى الله عما يصفه

__________________
(205) بلاغة الإمام علي بن الحسين عليهما‌السلام : 17
(206) التوحيد ـ للصدوق ـ : 244 ـ 245.
(207) التوحيد ـ للصدوق ـ : 81.
(208) التوحيد ـ للصدوق ـ : 98.

الواصفون ... (209).
والشيعة استهدوا بهدي أئمتهم عليهم‌السلام في ذلك ، فهم يعتقدون
بالتوحيد الكامل ، والتنزيه الخالص ، للخالق تعالى ، عن كل تجسيم أو شبه بخلقه.
كما أنهم يقولون بتوقيفية أسمائه تعالى ، فلا يطلقون اسما عليه تعالى إلا ما
ورد به الشرع المقدس.
قال الصدوق رحمه‌الله : أسماء الله تبارك وتعالى لا تؤخذ إلا عنه أو عن رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو عن الأئمة الهداة عليهم‌السلام (210).
وقال الشيخ المفيد : لا يجوز تسمية البارئ تعالى إلا بما سمى نفسه في كتابه ،
أو على لسان نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو سماه به حججه من خلفاء نبيه عليهم
السلام ، وكذلك أقول في الصفات ، وعليه تطابقت الأخبار من آل محمد صلى الله عليه
وآله وسلم ، وهو مذهب جماعة من الإمامية وكثير من الزيدية (211).
وقد خالف الجبائي ـ من المعتزلة ـ في ذلك ، فكان يزعم أن العقل إذا دل على
أن البارئ عالم ، فواجب أن نسميه عالما ، وإن لم يسم نفسه بذلك ، إذا دل على المعنى ،
وكذلك في سائر الأسماء.
وخالفه البغداديون ـ من المعتزلة ـ فزعموا أنه لا يجوز أن نسمي الله عز وجل باسم قد دل العقل على صحة معناه إلا أن يسمي نفسه بذلك (212).
وقد كانت هذه المسألة بالخصوص سببا لانفصال أبي الحسن الأشعري عن
المعتزلة ، حيث ناظر أستاذه الجبائي فيها ، فقال الأشعري : إن طريقي في مأخذ أسماء
الله الإذن الشرعي ، دون القياس اللغوي (213).
__________________
(209) التوحيد ـ للصدوق ـ : 102 ح 15.
(210) التوحيد ـ للصدوق ـ : 300 رقم 6.
(211) أوائل المقالات : 58.
(212) مقالات الإسلاميين 2 / 185.
(213) مذاهب الإسلاميين 1 / 501.

وبهذا انضم الأشاعرة إلى المسلمين في توقيفية الأسماء.
وقد ذكر الغزالي في هذا الباب تفصيلا ، وهو يتحدث عن اسم «الجسم»
وهذا نصه.
ندعي : أن صانع العالم ليس بجسم ، لأن كل جسم فهو متألف من جوهرين
متحيزين ... ونحن لا نعني بالجسم إلا هذا.
فإن سماه «جسما» ولم يرد هذا المعنى ، كانت المضايقة معه بحق اللغة ، أو بحق
الشرع ، لا بحق العقل. فإن العقل لا يحكم في إطلاق الألفاظ ونظم الحروف
والأصوات التي هي اصطلاحات (214).
وقال في موضع آخر : العقل عندنا لا يوجب الامتناع من إطلاق الألفاظ ،
وإنما يمنع عنه : إما لحق اللغة ، وإما لحق الشرع :
أما حق اللغة : فذلك إذا ادعى أنه موافق لوضع اللسان ، فيبحث عنه ، فإن
ادعى واضعه له أنه اسمه على الحقيقة ، أي واضع اللغة وضعه له فهو كاذب على
اللسان ، وإن زعم أنه استعاره ، نظرا إلى المعنى الذي به شارك المستعار منه ، فإن صلح
للاستعارة لم ينكر عليه بحق اللغة ، وإن لم يصلح قيل له. أخطأت على اللغة ، ولا
يستعظم ذلك إلا بقدر استعظام صنيع من يبعد في الاستعارة ، والنظر في ذلك لا يليق
بمباحث المعقول.
وأما حق الشرع ، وجواز ذلك وتحريمه ، فهو بحث فقهي يجب طلبه على
الفقهاء ، إذ لا فرق بين البحث عن جواز إطلاق الألفاظ من غير إرادة معنى فاسد ،
وبين البحث عن جواز الأفعال.
وفيه رأيان :
أحدهما : أن يقال : لا يطلق اسم في حق الله تعالى إلا بالإذن ، وهذا لم يرد فيه
إذن.
__________________
(214) الاقتصاد ـ للغزالي ـ : 21.

وثانيهما : أن يقال : لا يحرم إلا بالنهي ، وهذا لم يرد فيه نهي.
فينظر : فإن كان يوهم خطأ ، فيجب الاحتراز منه ، لأن إيهام الخطأ في صفات
الله تعالى حرام.
وإن لم يوهم خطأ لم يحكم بتحريمه.
فكلا الطريقين محتمل.
ثم الايهام يختلف باللغات وعادات الاستعمال ، فرب لفظ يوهم عند قوم ،
ولا يوهم عند غيرهم (215).
وأجمع ما رأيت بهذا الصدد ما ذكره الشيخ الشهيد ، ونقله الكفعمي ، وهذا
نصه. هنا فائدة يحسن بهذا المقام أن نسفر قناعها ، ونحدر لفاعها ، وهي :
أن الأسماء التي ورد بها السمع ، ولا شئ منها يوهم نقصا يجوز إطلاقها على
الله تعالى إجماعا
وما عدا ذلك ، فأقسامه ثلاثة :
الأول : ما لم يرد به السمع ويوهم نقصا فيمتنع إطلاقه على الله تعالى إجماعا ،
كالعارف ، والعاقل ، والفطن ، والذكي لأن المعرفة قد تشعر بسبق فكرة ، والعقل
هو المنع عما لا يليق ، والفطنة والذكاء يشعران بسرعة الادراك لما غاب عن المدرك.
وكذا المتواضع : لأنه يوهم الذلة ، والعلامة : لأنه يوهم التأنيث ، والداري :
لأنه يوهم تقدم الشك.
وما جاء في الدعاء من قول الكاظم عليه‌السلام ـ في دعاء يوم السبت ـ «يا
من لا يعلم ولا يدري كيف هو؟ إلا هو
» يوهم (216) جواز هذا ، فيكون مرادفا للعلم.
__________________
(215) الاقتصاد ـ للغزالي ـ : 20 ـ 21.
(216) كلمة «يوهم» ساقطة من نسخة المصباح ، وواردة في قواعد الشهيد.

الثاني : ما ورد به السمع ، ولكن إطلاقه في غير مورده يوهم النقص ، فلا
يجوز ، كأن يقول. يا ماكر ويا مستهزئ ، أو يحلف به.
قال الشهيد رحمه‌الله في قواعده : ومنع بعضهم أن يقول : «اللهم امكر بفلان»
وقد ورد في دعوات المصباح : «اللهم استهزئ به ولا تستهزئ بي».
الثالث : ما خلا عن الايهام ، إلا أنه لم يرد به السمع " كالنجي ، والأريحي.
قال الشهيد رحمه‌الله. والأولى التوقف عما لم يثبت التسمية به ، وإن جاز أن
يطلق معناه عليه (217).
إذا عرفت ذلك ، فنقول :
قال الشيخ نصير الدين أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ـ قدس الله
سره ـ في فصوله.
كل اسم يليق بجلاله ، ويناسب كماله مما لم يرد به إذن يجوز إطلاقه عليه
تعالى ، إلا أنه ليس من الأدب ، لجواز أن لا يناسبه تعالى من وجه آخر (218).
قلت : فعنده يجوز أن يطلق عليه الجوهر لأن الجوهر قائم بذاته ، غير مفتقر
إلى الغير ، والله تعالى كذلك.
وقال الشيخ علي بن يوسف بن عبد الجليل في كتابه «منتهى السؤول» : لا
يجوز أن يطلق على الواجب تعالى صفة لم يرد في الشرع المطهر إطلاقها عليه ، وإن
صح اتصافه بها معنى ، كالجوهر مثلا ، بمعنى القائم بذاته ، لجواز أن يكون في ذلك
مفسدة خفية لا نعلمها ، فإنه لا يكفي في إطلاق الصفة على الموصوف ثبوت معناها
له ، فإن لفظتي. «عز» و «جزل» لا يجوز إطلاقهما على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وإن كان عزيزا جليلا في قومه ، لأنهما يختصان بالله ـ تعالى ، ولولا عناية الله ورأفته بعباده ، في
__________________
(217) القواعد والفوائد 2 / 176 ـ 178.
(218) الفصول النصيرية : 17 ـ 18.

إلهام أنبيائه أسماءه ، لما جسر أحد من الخلق ولا يهم ، في إطلاق شئ من هذه الأسماء والصفات عليه سبحانه.
قلت : هذا القول أولى من قول صاحب «الفصول» المتقدم آنفا ، لأنه إذا جاز
عدم المناسبة ـ ولا ضرورة داعية إلى التسمية ـ وجب الامتناع ما لم يرد به نص شرعي
من الأسماء ، وهذا معنى قول العلماء : «إن أسماء الله تعالى توقيفية» أي موقوفة على
النص والإذن الشرعي (219).
وأما موقف هشام من مسألة الأسماء :
وبعد أن عرفنا أن هشاما لم يخالف الحق في مسألة التوحيد والتنزيه ، ولكنه
كان له رأي خاص في كلمة «الجسم» حيث كان يطلقها على البارئ تعالى على معنى «شئ موجود» في مقولته : «جسم لا كالأجسام» فهي عنده بمعنى «شئ لا كالأشياء» ، فخلافه منحصر في إطلاق اسم «الجسم» على البارئ من دون إرادة معناه المعروف.
وعرفنا ـ أيضا ـ أن أعلام الشيعة وكافة الفرق الإسلامية اعترفوا بعدم دلالة
هذه المقولة على التجسيم المعنوي لله تعالى.
لكن ، بما أن الحق في الأسماء أنها توقيفية ، فلا مجوز إطلاق أي اسم على
البارئ تعالى إلا بتوقيف ، وورود إذن من الشرع بذلك ، وقد اتفقت كلمة المسلمين ،
إلا من شذ ، على ذلك كما ذكرنا.
وقد تفرد هشام من بين الطائفة بمخالفته في كلمة «الجسم» حيث اصطلح لها
معنى «الشئ» فأطلقها على البارئ تعالى في مقولته.
فأصبح لذلك موردا للنقد الشديد من قبل الأئمة عليهم‌السلام والعلماء ،
__________________
(219) المصباح ـ للكفعمي ـ : 8 ـ 339.

وتركز نقدهم له على هذه النقطة بالذات ، يعني مخالفته للطائفة في إطلاق الاسم على البارئ تعالى ، كما قال المفيد : كان هشام بن الحكم شيعيا وإن خالف الشيعة كافة في
أسماء الله تعالى (220).
ففي حديث محمد بن الفرج الرخجي ، قال. كتبت إلى أبي الحسن عليه
السلام ، أسأله عما قال هشام بن الحكم في «الجسم»؟ وهشام بن سالم في «الصورة»؟.
فكتب عليه‌السلام : دع عنك حيرة الحيران ، واستعذ بالله من الشيطان ،
ليس القول ما قال الهشامان
(221).
فالملاحظ أن المنسوب إلى هشام في كلام الراوي هو «القول في الجسم» لا
«القول بالجسم» ـ ومعناه : أن له مقالة في لفظ «الجسم» وأنه يعني به غير ما هو
المفهوم المتعارف منه.
وإلا ، فالذي يقول بالتجسيم الاعتقادي ، فهو يقول. إنه جسم كالأجسام ،
بينما هشام يقول : إنه لا كالأجسام.
والحاصل. أن الفرق واضح بين القول في الجسم ، وبين القول بالجسم ، كما
أشرنا سابقا.
ويمكن استفادة التركيز على هذه الجهة ـ أي كون خلاف هشام في مسألة
اللفظ ـ من قول الإمام عليه‌السلام : «ليس القول ما قال الهشامان» حيث جعل
التركيز في النفي على القول ، فلاحظ.
ويدل على أن الروايات المتهمة على هشام ، إنما تنظر إلى قضية مخالفة
هشام في الأسماء واللفظ ، أنها احتوت على المقولة ، ثم عقب فيها الإمام عليه‌السلام
بما ذكره عن التجسيم ، كما في حديث الحماني قال : قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر
عليه‌السلام : إن هشام بن الحكم زعم : أن الله «جسم ، ليس كمثله شئ» عالم ،
__________________
(220) أوائل المقالات : 43.
(221) التوحد ـ للصدق ـ : 97 ح 2.

سميع ، بصير ، قادر ، متكلم ، ناطق ، والكلام والقدرة والعلم تجري مجرى واحدا ، ليس شئ منها مخلوقا.
فقال : قاتله الله ، أما علم أن الجسم محدود ، والكلام غير المتكلم ، معاذ الله
وأبرأ إلى الله من هذا القول ، لا جسم ، ولا صورة ، ولا تحديد ، وكل شئ سواه مخلوق ،
وإنما تكون الأشياء بإرادته ومشيئته من غير كلام ، ولا تردد في نفس ، ولا نطق
بلسان (222).
فإن المقولة على مصطلح هشام لا تدل على التجسيم المعنوي ، كما أثبتنا
مفصلا ، فلا يكون ـ كلام الإمام عليه‌السلام متوجها إلى هذه الجهة ، بل إلى جهة
المخالفة في كلامه ، وهي مشكلة إطلاقه اسم الجسم على البارئ تعالى.
وكذلك رواية يونس بن ظبيان ، قال : دخلت على أبي عبد الله عليه‌السلام
فقلت له. إن هشام بن الحكم يقول قولا عظيما ، إلا أني أختصر لك منه أحرفا ، يزعم :
أن الله جسم ، لأن الأشياء شيئان : جسم وفعل الجسم ، فلا مجوز أن يكون الصانع
بمعنى الفعل ، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل.
فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : ويله ، أما علم أن الجسم محدود متناه ،
والصورة محدودة متناهية ، فإذ احتمل الحد احتمل الزيادة والنقصان ، وإذ احتمل
الزيادة والنقصان كان مخلوقا.

قال. قلت : فما أقول؟
قال : لا جسم ، ولا صورة ، وهو مجسم الأجسام ، ومصور الصور ، لم يتجزأ ،
ولم يتناه ، ولم يتزايد ، ولم يتناقص
(223).
لو كان كما يقول ، لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق ، ولا بين المنشئ
والمنشأ ، لكن هو المنشئ ، فرق بين من جسمه وصوره وأنشأه ، إذ كان لا يشبهه

__________________
(222) التوحيد ـ للصدوق ـ : 100 ح 8.
(223) إلى هنا أورد المفيد في الحكايات : 132.

شئ ، ولا يشبه شيئا (224).
فكلام الإمام عليه‌السلام «ويله. إلى آخره» مذكور بعد دليل مصطلح
هشام الذي هو الأساس لمقولته ، وقد عرفنا أن المقولة لا تدل إلا على التجسيم
اللفظي والاسمي ، فمقصود الإمام عليه‌السلام الاستنكار على هشام أن يستعمل
كلمة الجسم ـ ولو على مصطلحه ـ اسما للبارئ تعالى ، مع أن المفهوم العرفي العام
للكلمة هو المحدود المتناهي!
ورواية الصقر بن أبي دلف ، قال : سألت أبا الحسن [الهادي] علي بن محمد
ابن علي بن موسى الرضا عليهم‌السلام عن التوحيد ، وقلت له : إني أقول بقول هشام
ابن الحكم؟
فغضب عليه‌السلام ثم قال : ما لكم ولقول هشام! إنه ليس منا من زعم
أن الله عزوجل «جسم» ونحن منه براء في الدنيا والآخرة
.
يا بن أبي دلف : إن الجسم محدث ، والله محدثه ومجسمه (225).
حيث جعل المدار فيها على «قول هشام» وقد عرفنا أن قوله هو التجسيم
الاسمي دون المعنوي.
ولعل ما ورد في الروايات من نسبة القول بالجسم [بنحو مطلق] إلى هشام ،
من أثر عدم درك بعض الرواة لمقولة هشام بشكلها الدقيق وتصورهم أنه يقول
بالتجسيم المنصرف إلى الحقيقي ، وعرضهم ذلك على الأئمة عليهم‌السلام ، فكان ذلك
يستدعي هجوم الأئمة على ذلك ، وعلى المنقول عنه الذي هو هشام (226).
وكذلك يمكن حمل الروايات المتضمنة لاختلاف الأصحاب في الجسم
والصورة ، على تنازعهم في إطلاق لفظي «الجسم» أو «الصورة» عليه تعالى لا القول
__________________
(224) التوحيد ـ للصدوق ـ : 99 ح 7.
(225) التوحيد ـ للصدوق ـ : 104 ح 8.
(226) التوحيد ـ للصدوق ـ. 98 ح 4 و 99 ح 6.

بأنه جسم أو صورة (227).
لوضوح كون هذا القول كفرا مخرجا عن الملة ، فكيف يمكن أن يقع في
الطائفة نزاع كبير في ذلك ، وهو لم ينقل عن أحد من رجال الشيعة ، كما نقل عن
بعضهم القول بإطلاق اسم «الجسم».
ثم إن رواية نقلها الكشي ، تحدث فيها عن مخاصمة جمع من كبار الأصحاب
فيما اختلفوا فيه من التوحيد وصفة الله عزوجل ، فكتب أحدهم إلى أبي الحسن موسى
الكاظم عليه‌السلام يحكي له مخاطبتهم وكلامهم ويسأله أن يعلمه. ما القول الذي
ينبغي أن ندين الله به من صفة الجبار؟
فأجابه في عرض كتابه : إن الله أجل وأعلى وأعظم من أن يبلغ كنه صفته ،
فصفوه بما وصف به نفسه ، وكفوا عما سوى ذلك (228).
فالظاهر من السؤال والجواب ، هو أن البحث والمناظرة والخلاف الواقع بين
الأصحاب إنما كان في إطلاق الصفات على الله تعالى.
وهذا القدر من تصرف هشام ، في لفظ «جسم» ولو بالتواضع والاصطلاح لم
يكن مستساغا من شخصية علمية عظيمة مثل هشام ، لأن شخصا مقتدرا قد تسنم
القمة الشماء في علم الكلام ، والمناظرة ، وهو منسوب إلى مذهب الشيعة ، مذهب أهل
البيت عليهم‌السلام لا بد أن لا يغفل عن أن الأعداء مترصدون له ولأمثاله من
أنصار الحق ، لاقتناص أية كلمة ، ليقيموا الدنيا ولا يقعدوها ، ويجعلوا من الحبة قبة
ـ كما يقول المثل ـ ويغروا بنا كلابهم ، ويثيروا علينا غوغاءهم ، ويتهموا كل الطائفة ،
من أولها إلى آخرها ، حتى الأئمة الأطهار سلام الله عليهم دعائم العدل والتوحيد.
فكان لا بد لهشام أن يتأبى من استعمال هذه الكلمة لأنها مدعاة لاتهامه
بالتجسيم ، ومغرية للجهلة بالهجوم عليه ، وعلى الطائفة التي ينتمي إليها.
__________________
(227) التوحيد ـ للصدوق ـ : 100 ح 9 و 101 ح 12 و 13 و 14.
(228) اختيار معرفة الرجال : 279 ـ 280 ح 500.

فمع أنا عرفنا أن المقولة «جسم لا كالأجسام» ليست إلا دليلا على التنزيه ،
نافية لحد التعطيل وحد التشبيه ، وبالرغم من اعتراف كافة الفرق الإسلامية بأنها لا
تدل على التجسيم الحقيقي ، وإن دلت على التجسيم اللفظي الاسمي ، فمع كل هذا
نجد أن أصحاب الفرق قد حاكوا تلك الحكايات البشعة ضد هشام ونسبوها إليه زورا
وبهتانا ، واختلقوا مذهبا وهميا نسبوه إليه باسم «الهشامية» ، إلى آخر الترهات التي
يندى لها الجبين.
فلأجل مثل هذه الغفلة من هشام ، هذه الغفلة التي سببت للأئمة عليهم
السلام هذه المشاكل ، وللطائفة هذه العراقيل والاتهامات ، مما كانت في غنى عنه ، لجأ
الأئمة عليهم‌السلام إلى توجيه العتاب الشديد إلى هشام ومحاسبته على ذلك حسابا
عسيرا ، دفعا للاتهامات الواردة على الشيعة.
كما أن ما ذكره الأئمة عليهم‌السلام فيه توجيه للأمة إلى الحق في عقيدة
التوحيد ، ونفي التجسيم عن ساحة عقيدتهم ، وفي كثير منها توجيه بشكل أو آخر إلى
أن فعل هشام إنما كان مصطلحا خاصا به ، وأن إطلاقه كلمة «الجسم» كان على خلاف رغبة الشارع وإذنه ، دون أن يكون له قول بالتجسيم الحقيقي.
ومهما يكن سبب تصرف هشام هذا ، وسبب صدور هذه المقولة منه ، فإن
تسبيبها لمشاكل على الطائفة مما لا يرتاب فيه ، وهي زلة منه بلا ريب.
إلا أن من الأعلام من يعتقد أنه قد رجع حتى عن التجسيم بالاسم.
قال الشيخ المفيد : وقد روي أنه رجع عن القول بعد ذلك (229).
وقال الكراجكي : وأما موالاتنا هشاما فهي لما شاع منه واستفاض من تركه
القول بالجسم الذي كان ينصره ، ورجوعه عنه ، وإقراره بخطئه فيه ، وتوبته منه (230).
وقد يؤيد هذا بما روي عن هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد الله عليه‌السلام
عن أسماء الله عزوجل واشتقاقها؟
__________________
(229) الحكايات : 131.
(230) كنز الفوائد ـ للكراجكي ـ : 197.

فقال له : «الله» مشتق من «إله» و «إله» يقتضي مألوها ، والاسم غير
المسمى ، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كغر ولم يعبد شيئا ، ومن عبد الاسم
والمعنى فقد أشرك وعبد الاثنين ، ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك «التوحيد»
.
أفهمت يا هشام.
قال : قلت : زدني.
قال : لله عزوجل تسعة وتسعون اسما ، فلو كان الاسم هو المسمى لكان
كل اسم منها هو إلها ، ولكن الله
عزوجل معنى يدل عليه بهذه الأسماء وكلها غيره.
يا هشام ، الخبز اسم للمأكول ، والماء اسم للمشروب ، والثوب اسم
للملبوس ، والنار اسم للمحرق.

أفهمت يا هشام فهما تدفع به عنا وتنافر أعداءنا والملحدين في الله والمشركين مع الله عزوجل غيره.
قلت : نعم.
فقال : نفعك الله به ، وثبتك ، يا هشام.
قال هشام : فوالله ما قهرني أحد في التوحيد حينئذ حتى قمت مقامي
هذا (231).
ولا يظن بهشام : أن يكون بعد هذا الحديث الشريف ممن يصر على القول
في التجسيم بمصطلحه الخاص ، أي التجسيم اللفظي الاسمي.
وكذلك دعاء الإمام عليه‌السلام له بالثبات ، فإن ذلك لا يمكن أن يكون لمن يخالف النصوص ويلتزم بالتجسيم اللفظي المخالف لمسألة توقيفية الأسماء ، كما شرحناه.
مضافا إلى أن ما ورد في مدح هشام على لسان الأئمة والعلماء حتى المعاصرين
__________________
(231) التوحيد ـ للصدوق ـ 220 ح 13.

يدل على عظمة هشام ، وقوته في العلم والعمل ، بما لا يصح معه فرض مخالفته في أمر الأسماء إلى حد العتاب!
فهذا المدح يكشف عن رجوعه إلى الحق حتى في أمر الأسماء ، ذلك الموضوع
الذي أذى إلى حزازة استنكرت على هذا المفكر العملاق ، فبرأ بالتوبة المنقولة ساحته
عن كل تهمة وشبهة.
وقد أفصحت نصوص مادحة له عن أكثر من ذلك.
فقد قال المفيد : هشام بن الحكم كان من أكبر أصحاب أبي عبد الله جعفر
ابن محمد عليه‌السلام ، وكان فقيها ، وروى حديثا كثيرا ، وصحب أبا عبد الله عليه
السلام وبعده أبا الحسن موسى عليه‌السلام ، وبلغ من مرتبته وعلوه عند أبي عبد الله
جعفر بن محمد عليه‌السلام ، أنه دخل عليه بمنى ، وهو غلام ، أول ما اختط عارضاه ،
وفي مجلسه شيوخ الشيعة. فرفعه على جماعتهم ، وليس فيهم إلا من هو أكبر سنا
منه ، فلما رأى أبو عبد الله عليه‌السلام أن ذلك الفعل قد كبر على أصحابه قال : هذا
ناصرنا بقلبه ، ولسانه ، ويده (232).
وروى المفيد عن الصادق عليه‌السلام أنه قال لهشام : مثلك من يكلم
الناس (233).
وقال المرتضى : ومما يدل على براءة هشام من هذه التهم : ... ما روي عن
الإمام الصادق في قوله عليه‌السلام : هشام بن الحكم رائد حقنا ، وسابق قولنا ، المؤيد
لصدقنا ، والدافع لباطل أعدائنا ، من تبعه وتبع أثره تبعنا ، ومن خالفه ، وألحد فيه
فقد عادانا وألحد فينا
(234).
وقال ابن النديم : هشام بن الحكم ... من جلة أصحاب أبي عبد الله جعفر
ابن محمد عليه‌السلام ، وهو من متكلمي الشيعة الإمامية ، وبطائنهم ، وممن دعا له
__________________
(232) الفصول المختارة : 28.
(233) تصحيح الاعتقاد : 218 ، والشافي ـ للمرتضى ـ : 12.
(234) الشافي ـ للمرتضى ـ : 12 ، ومعالم العلماء : 128 رقم 862.

الصادق عليه‌السلام ، فقال : أقول لك ما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لحسان ، لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك» (235).
وفي هذا الحديث إيماء إلى زلة هشام في مسألة اللفظ ، التي تبرأ منها برجوعه
ويدل على ذلك بوضوح ما قاله زميله المتكلم العظيم علي بن إسماعيل الميثمي ـ لما
بلغه مطاردة الخليفة هارون العباسي لهشام ـ. إنا لله وإنا إليه راجعون ، على ما
يمضي من العلم إن قتل ، فلقد كان عضدنا وشيخنا ، والمنظور إليه بيننا (236).
ولئن استغل الأعداء بعمد ، وبعض المغفلين من دون قصد ، ظاهر المقولة في
التهجم على هشام ، فالأمل أن نكون قد وفقنا في هذا البحث لأن نبدي جانبا من
عظمة الرجل ، وبراءته من كل ما اتهموه به ، بشرحنا للمقولة ، على مصطلحه.
وإلى هنا نطوي نهاية البحث ، ونسأل الله التوفيق للدفاع عن الحق وأهله.
وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
* * *
__________________
(235) الفهرست ـ للنديم ـ : التكملة ـ 224. وانظر الشافي ـ للمرتضى ـ 12.
(236) اختيار معرفة الرجال. 263 رقم 477.

المصادر والمراجع
1 ـ الإحتجاج على أهل اللجاج.
تأليف : أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب ، الطبرسي (ق 6).
تحقيق السيد محمد باقر الموسوي الخرسان ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت 1403 ه.
2 ـ الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة.
تأليف. عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكاتب الدينوري (ت 276).
تعليق وتصحيح. الشيخ محمد زاهد الكوثري ، مكتبة القدسي ـ مصر 1349 ه.
3 ـ اختيار معرفة الرجال ، (المعروف برجال الكشي).
اختصار الشيخ الطوسي أبي جعفر ، محمد بن الحسن الطوسي (ت. 460).
تحقيق الشيخ حسن المصطفوي ـ مشهد 1968.
4 ـ الإقتصاد في الاعتقاد :
تأليف : الغزالي محمد الطوسي ، الطبعة الأولى ، مكتبة الحسين / القاهرة.
5 ـ الإنتصار في الرد على «فضيحة المعتزلة» لابن الراوندي.
تأليف : أبي الحسين ، عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الحناط المعتزلي.
تحقيق د. نيبرج السويدي. دار قابس. دمشق 1986.
6 ـ الأنساب
تأليف : السمعاني ، عبد الكريم بن محمد التميمي (ت 562).
نشر : مرجليوث ، ليدن 1912 أعادته مكتبة المثنى ـ بغداد.
7 ـ أوائل المقالات في المذاهب المختارات.
تأليف : الشيخ المفيد أبي عبد الله ، محمد بن محمد بن النعمان البغدادي (ت 413).
تقديم : الشيخ فضل الله الزنجاني ، المطبعة الحيدرية ـ النجف 1393.
8 ـ الإيمان.
مجلة شهرية أصدرها الشيخ موسى اليعقوبي ، في النجف ، السنة الأولى 1383 ه.
9 ـ بلاغة الإمام علي بن الحسين عليه‌السلام.
تأليف : الشيخ جعفر عباس الحائري.

الطبعة الثانية ـ مطبعة كربلاء ـ كربلاء 1383 ه.
10 ـ تاريخ الجهمية والمعتزلة
تأليف : الشيخ جمال الدين القاسمي
الطبقة الثانية ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1405 ه.
11 ـ تاريخ الفرق الإسلامية.
تأليف : علي مصطفى الغرابي.
مطبعة محمد علي صبيح ـ القاهرة ، الطبعة الثانية 1378 ه.
12 ـ تأويل مختلف الحديث.
تأليف : عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكاتب الدينوري (ت 276).
تحقيق : محمد زهيري النجار ـ دار الجيل ـ بيروت 1393 ه.
13 ـ تراثنا.
مجلة فصلية تصدر عن مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم.
14 ـ التعريفات.
تأليف. السيد الشريف الجرجاني علي بن محمد ، الطبعة الأولى ، المطبعة الخيرية ـ
القاهرة 1306.
15 ـ تفسير القمي.
تأليف : الشيخ علي بن إبراهيم أبي الحسن القمي.
16 ـ تكملة ديوان الأصول. لابن رشيد.
تأليف : الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة.
مطبعة دار الكتب ـ القاهرة 1969.
17 ـ تلبيس إبليس أو نقد العلم والعلماء.
تأليف : عبد الرحمن أبي الفرج ابن الجوزي (ت 597).
تصحيح. محمد منير الدمشقي.
إدارة الطباعة المنيرية ـ مصر.
18 ـ التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع.
تأليف. محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي (ت 377).

تقديم وتعليق : الشيخ محمد زاهد الكوثري.
مكتبة المعارف ـ بيروت 1388 ه.
19 ـ تنقيح المقال في أحوال الرجال.
تأليف : الشيخ عبد الله المامقاني (ت 1351).
المطبعة المرتضوية ـ النجف 1352.
20 ـ التوحيد.
تأليف : الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين القمي (ت 385).
تعليق : السيد هاشم الحسيني الطهراني. مكتبة الصدوق ـ طهران 1398.
21 ـ الحكايات.
إملاء الشيخ المفيد على السيد الشريف المرتضى.
تحقيق : السيد محمد رضا الحسيني ، نشر في مجلة (تراثنا) الفصلية ـ الصادرة عن مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم العدد (17) سنة 1409 ه.
22 ـ الحور العين.
تأليف : الأمير أبي سعيد بن نشوان الحميري (ت 573).
تحقيق : كمال مصطفى ـ أعيد طبعه في طهران 1973.
23 ـ ديوان الأصول.
تأليف : أبي رشيد ، سعيد بن محمد النيسابوري.
تحقيق : د. محمد عبد الهادي أبو ريدة. مطبعة دار الكتب ـ القاهرة 1969.
24 ـ رجال البرقي.
المنسوب إلى أحمد بن أبي عبد الله البرقي! منشورات جامعة طهران 1962 ـ طهران.
25 ـ الرجال.
تأليف : الحسن بن علي بن داود ، تقي الدين الحلي (ت بعد 707).
تحقيق : السيد محمد صادق بحر العلوم رحمه‌الله.
المطبعة الحيدرية ـ النجف 1392.
26 ـ رجال النجاشي.

تأليف : أحمد بن علي بن أحمد بن العباس الأسدي الكوفي (ت 450).
تحقيق. السيد موسى الزنجاني.
مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم 1407.
27 ـ سير أعلام النبلاء.
للذهبي.
دار الرسالة.
28 ـ الشافي.
لليد الشريف المرتضى ، علم الهدى ، علي بن الحسين الموسوي (ت 436).
طبعة الحجر ـ إيران.
29 ـ الشامل في أصول الدين.
للجويني.
ط. ريتر ـ الإسكندرية ـ مصر.
30 ـ شرح أسماء الله الحسنى = لوامع البينات. للرازي.
31 ـ شرح الأصول الخمسة.
تأليف : القاضي عبد الجبار بن أحمد.
تحقيق. د. عبد الكريم عثمان. مكتبة وهبة ـ القاهرة 1384 ه.
32 ـ شرح المواقف.
للسيد الشريف ، طبعة تركيا.
33 ـ شرح نهج البلاغة.
لابن أبي الحديد المعتزلي.
تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم.
34 ـ الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والكلاميين.
(حاشية الشيخ محمد عبده على شرح الدواني للعقائد العضدية)
تحقيق : د. سليمان دنيا. دار إحياء الكتب العربية ـ 1377 ه.
35 ـ الصواعق المحرقة.
تأليف : أحمد بن حجر الهيتمي المكي (ت 974).

المطبعة الميمنية ـ مصر 1312 ه.
36 ـ الصلة بين التشيع والتصوف.
تأليف : د. كامل مصطفى الشيبي.
الطبعة الثانية ـ دار المعارف ـ مصر 1969.
37 ـ ضحى الإسلام.
تأليف : أحمد أمين.
الطبعة السابعة مكتبة النهضة المصرية ـ 1964.
38 ـ فتح الباري شرح صحيح البخاري.
تأليف : ابن حجر العسقلاني.
39 ـ الفرق بين الفرق.
تأليف : عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي التميمي (ت 439).
تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ـ مكتبة محمد علي صبيح ـ القاهرة.
40 ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل.
تأليف : علي بن حزم الأندلسي الظاهري (ت 456).
طبع مصر ، وأعادته مكتبة المثنى ـ بغداد.
41 ـ الفصول المختارة من العيون والمحاسن.
اختيار السيد الشريف المرتضى.
المطبعة الحيدرية ـ النجف ، وأعادته مكتبة الداوري ـ قم.
42 ـ الفصول النصيرية (فصول العقائد)
تأليف : الخواجة نصير الدين الطوسي
طبع بالمطبعة الرحمانية بمصر 1341 ه.
43 الفكر الشيعي والنزعات الصوفية.
تأليف : د. كامل مصطفى الشيبي.
الطبعة الأولى ـ مكتبة النهضة ـ بغداد 1386 ه.
44 ـ الفهرست
تأليف : الشيخ الطوسي محمد بن الحسن أبي جعفر (ت 460).

صححه وعلق عليه : السيد محمد صادق بحر العلوم رحمه‌الله.
المطبعة الحيدرية ـ النجف : 138 ه
45 ـ الفهرست.
تأليف : أبي الفرج محمد بن إسحاق النديم الوراق.
تحقيق. رضا تجدد ـ طهران 1391.
46 ـ في التوحيد = ديوان الأصول لأبي رشيد.
47 ـ القواعد والفوائد
تأليف : الإمام الشيخ محمد بن مكي الشهيد الأول (المقتول عام 786).
تحقيق : الشهيد السيد عبد الهادي الحكيم رحمه‌الله ،
منشورات مكتبة المفيد ـ قم.
48 ـ الكافي.
تأليف. الشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب الرازي ، الشهير بالكليني (ت 329).
دار الكتب ـ طهران.
49 ـ كلمة حول الرؤية.
للسيد الإمام شرف الدين العاملي (ت 1377).
مطابع النعمان / النجف 1387 ه.
50 ـ كنز الفوائد.
تأليف : الكراجكي.
51 ـ لسان الميزان.
تأليف : ابن حجر العسقلاني.
طبع حيدر آباد ـ الهند ، أفست مؤسسة الأعلمي.
52 ـ اللمع.
تأليف : الأشعري.
53 ـ اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية.
تأليف : جمال الدين المقداد بن عبد الله الأسدي السيوري الحلي (ت 826).
تحقيق : الشهيد السيد محمد علي القاضي الطباطبائي ـ تبريز 1396 ه.

54 ـ لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى الصفات (طبع باسم : شرح أسماء الله الحسنى).
تأليف : الرازي محمد بن محمد الخطيب الرازي فخر الدين ().
راجعه : طه عبد الرؤوف سعد ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت 1404.
55 ـ مذاهب الإسلاميين.
تأليف : د. عبد الرحمن بدوي.
الجزء الأول ، دار العلم للملايين ـ بيروت 1971 م.
56 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر.
تأليف : أبي الحسن ، علي بن الحسين المسعودي (ت).
طبع بيروت في 7 أجزاء.
57 ـ مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار
تأليف : الإمام يحيى بن حمزة العلوي (ت 745).
تحقيق : محمد السيد الجليند ـ دار الفكر الحديث القاهرة 1973 م.
58 ـ المصباح (جنة الأمان الواقية)
تأليف : تقي الدين إبراهيم بن علي العاملي الكفعمي.
الطبعة الثالثة ـ مؤسسة الأعلمي ـ بيروت 1403 ه.
59 ـ معالم العلماء.
تأليف : ابن شهرآشوب محمد بن علي المازندراني (ت 588).
تحقيق : السيد محمد صادق بحر العلوم ـ المطبعة الحيدرية ـ النجف 1380 ه.
60 ـ معجم رجال الحديث.
تأليف. الإمام الخوئي السيد أبو القاسم الموسوي دام ظله.
الطبعة الأولى ـ النجف.
61 ـ معجم مقاييس اللغة.
لابن فارس.
62 ـ المغني في أبواب العدل والتوحيد.
تأليف : القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي الأسد آبادي (ت 415).
تحقيق : محمود محمد الخضيري ـ المؤسسة المصرية ـ 1958 م.

63 ـ مغني اللبيب عن كتب الأعاريب.
لابن هشام الأنصاري ، مراجعة الأفغاني.
64 ـ مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين.
تأليف : الأشعري ، أبي الحسن علي بن إسماعيل (ت 324).
تصحيح. هلموت ريتر ـ الطبعة الثالثة ، دار النشر فرانز ـ بفيسبادن 1400 ه.
وتحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد ـ مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة 1369 ه.
65 ـ الملل والنحل.
تأليف : الشهرستاني محمد عبد الكريم.
تحقيق : عبد العزيز محمد الوكيل.
مؤسسة الحلبي وشركاه ـ القاهرة 1387 ه.
66 ـ المواقف.
للأيجي ، مع شرحه للسيد الشريف.
67 ـ نهج البلاغة ، من كلام الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام.
جمع : السيد الشريف الرضي محمد بن الحسين الموسوي (406).
تحقيق. د. صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ـ بيروت 1387 ه.
68 ـ هشام بن الحكم أستاذ القرن الثاني في الكلام والمناظرة.
تأليف. الشيخ عبد الله نعمة ـ بيروت 1959 م.

المصدر: محمد رضا الحسيني - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
1417
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :