تذكرة الفقهاء للعلّامة الحسن بن المطهّر الحلّي ( 648 ـ 726 هـ )
كان الفقه الإسلامي منذ البدء مظهراً من مظاهر عناية الله بشريعته الغرّاء ، ومصدراً مهماً من مصادر التقنين والتشريع في مختلف العصور والأزمنة . اعترضته خلال هذه المدة مئات السبل الوعرة وعشرات الطرق الملتوية فجاوزها بسهولة ليشهد تطوّراً ملحوظاً . فكثرت المدوّنات الفقهية الجامعة والمصنفات النافعة التي تحوي آراء العلماء وأقوال العظماء ، ولتؤكّد بأنّ المكتبة الإسلامية غنية بتراثها العلمي الهائل . واتّجهت الأنظار ـ فيما اتّجهت ـ لدارسة اختلاف الفقهاء وجمعه وتدوينه ، فألّف أبو جعفر الطحاوي موسوعة بلغت مائة وثلاثين جزءاً ونيفاً ، اختصرها فيما بعد الجصّاص . وأمّا النيسابوري الشافعي فقد ألّف كتاب الانتصاف في اختلاف العلماء ، وأبو جرير الطبري في اختلاف الفقهاء . وهناك آخرون دوّنوا في اختلاف المذاهب الأربعة كالإفصاح لابن هبيرة ، والينابيع للأسفراييني ، والميزان للشعراني ، وغيرهم كثيرون . õ õ õ وكان الفقه الشيعي يخطو بالركب سريعاً وعاجلاً في المقدمة ليصل إلى القمّة ، فمرّ بأدوار متعدّدة ومراحل متفاوتة كانت السبب في تفوّقه ، للعمق الفقهي والإستدلال المنطقي الذي يملكه .
فألّف الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي كتاب « الخلاف » الذي يعدّ من الكتب الخلافية المهمّة عند عامّة المسلمين ، ناهيك عن « الناصريات » و « الانتصار » لعلم الهدى السيد المرتضى ، ورسالة الشيخ المفيد ، وغيرها . وما « تذكرة الفقهاء » للعلّامة الحلّي ـ الذي نحن في صدد تعريفه ـ إلّا اُنموذجاً حيّاً من الكتب المدوّنة المهمّة في هذا الباب ، وإنّه يمثل فكر مدرسة لها مميّزاتها الخاصة وطابعها الثقافي المرتبط بها . فمدرسة الحلّة التي قد أغدقت هذا السفر العظيم كانت قد أروت الجامعات العلمية بالعشرات من أمثالها كقواعد الاحكام للمؤلف نفسه ، الذي صار فيما بعد القانون الذي يبتنی عليه النظام الأساسي في إيران . فتذكرة الفقهاء كتاب فقهي إستدلالي خلافي ، ناقش فيه مؤلّفه آراء علماء العامّة وفنّدها باستدلال جيد واُسلوب متين ، ومن ثم ذكر الرأي الفصل ، وسوف يطبع في أكثر من عشرة مجلّدات إن شاء الله تعالى . وإنّه لشيخ فقهاء المذهب ، نادرة الزمان ، ويتيمة الأوان ، العالم العلّامة ، والحبر الذي أمره في العلم والفضل ، وجلالة القدر ، وغزارة العلم ، وفصاحة البيان ، وطلاقة اللسان وكثرة التحقيق ، أشهر من أن يذكر ، آية الله على الإطلاق في العالمين ، الشيخ الحسن بن المطهّر الحلّي ، والذي بلغ رتبة عالية من الإجتهاد وهو لم يبلغ الحلم . õ õ õ منهجية التحقيق : عنت المؤسسة منذ البداية في ضمن خطّتها المبرمجة بتشكيل لجان مختصّة في كل حقل من حقول التحقيق يوافق الكتاب المحقق ، فالكتاب الروائي يحتاج إلى لجان غير ما تحتاجها الكتب الفقهية ، وأمّا الكتب الاُصولية فتختلف طريقة عملها عن الكتب الرجالية ، وهكذا . ولذلك فإنّ اللجان التي عملت في تذكرة الفقهاء أربعة لجان هي كالآتي : 1 ـ لجنة استخراج أقوال الفقهاء من مظانّها المعتبرة التي نقل عنها صاحب التذكرة ، ككتب القديمين والشيخ والمفيد والصدوق ، وغيرهم . واهتمّت كذلك باستخراج الأحاديث والروايات المذكورة من الكتب الأربعة ومقابلتها ، وذكر موارد الإختلاف الحاصل بينهما . 2 ـ لجنة متابعة أقوال علماء العامّة واستخراج أقوالهم من المظانّ الأساسية عندهم . فأقوال الشافعية من كتاب الاُمّ للشافعي ، والمجموع للنووي ، ومغني المحتاج و . . . وأقوال الحنفية من المبسوط لشمس الأئمة السرخسي ، والهداية للمرغيناني ، وبدائع الصنائع للكاساني ، وشرح فتح القدير لابن همام ، وغيره . وأقوال الحنابلة من كتاب المغني لابن قدامة ، والإنصاف والاقناع ، وغيره . وأقوال المالكية من المدونة الكبرى ، ومقدمات ابن رشد ، وبداية المجتهد ، والاستذكار للقرطبي ، وغيره . وأقوال الظاهرية من المحلّى لابن حزم . وأقوال الزيدية من نيل الأوطار للشوكاني ، والبحر الزخار . وأمّا أقوال بقيّة الفقهاء ، فمن المصادر المتوفّرة الموجودة لدينا . 3 ـ لجنة المقابلة والتصحيح ، مهمّتها مقابلة النسخة الحجرية مع النسخ الخطّية المعتبرة التي بأيدينا ، من ضبط النصّ وتقويمه وتوزيعه . 4 ـ لجنة التنسيق بين اللجان الثلاث الاُول ، وهي لجنة الإشراف وعملها ذكر ما هو الصالح في الهامش وترك ما يستدعي تركه من تعاليق . نسأل الله الإتمام والله من وراء القصد . وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video