معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

حوزة مشهد العلمية ..
الكاتب : فيصل نور ..

حوزة مشهد العلمية 

     حوزة مشهد العلميّة تضرب بجذورها في عمق التّاريخ الإسلاميّ، وقد سجّلت بعض المصادر التّاريخيّة انتعاش الحركة العلميّة في مرقد الإمام الرضا رحمه الله في القرون الّتي سبقت العهد الصفوي، حيث شهدت تلك الحاضرة العلمية الكثير من العلماء الكبار من قبيل : ابن بابويه، الطوسي، أبو علي الفضل بن حسن الطَبْرسي، أبو البركات محمد بن إسماعيل المشهدي، ابن أبي جمهور والخواجه نصير الدين الطوسي، الذين حلّوا تلك الدّيار ونشطوا في تشكيل محافل علميّة كبيرة بين ربوعها.
     ومع إطلالة العصر الصفوي شهدت مدينة مشهد هجرة مميزة لعلماء جبل عامل الى تلك الديار كالحسين بن عبد الصمد الحارثي والد الشيخ البهائي، والحرّ العاملي، ولطف الله الميسي، منتهزين الفرصة التي وفرتها الدولة الصفوية لنشر العلم والمعرفة وتشييد المراكز العلمية والمدارس الدينية في خراسان، الأمر الذي حوّل تلك الحاضرة إلى مركز علمي يشار إليه بالبنان.
     وتواصلت الحركة العمرانية والنشاط العلمي فيها إبّان العصر القاجاري. وقد شهدت مدرسة مشهد العلمية ازدهاراً علمياً بعد ثورة المشروطة (الدستورية) وانتفاضة مسجد كوهر شاد، وخاصّة بعد هجرة آقا زاده الخراساني ولد الآخوند الخراساني، والحاج آقا حسين القمّي (ت : 1947 م، اللذين تلقيا دروسهما الحوزوية في النجف، مضافاً إلى مرتضي الآشتياني، والتحاقهم بربوع الديار الخراسانية وانعكاس ذلك على نشاط حركة الدراسات العليا (البحث الخارج) فقهاً وأصولاً.
     وقد وقفت مدرسة مشهد العلمية بزعامة علمائها الكبار كالحاج آقا حسين القمّي والآقا زاده الخراساني بالضد من تحركات نظام الأسرة البهلوية في عصرها الأوّل على المستويات السياسية والإجتماعية التي كانت منافية لأحكام الشريعة والمتضادة مع الشأن الديني. ويعود الفضل في إحياء المدرسة الخراسانية وإعادة الحياة اليها بعد سقوط حكومة رضا شاه إلى ثلاثة من الأعلام هم : الميرزا أحمد الكفائي، ومرتضي الآشتياني والميرزا مهدي الأصفهاني. وتعتبر هجرة محمد هادي الميلاني انعاطفة كبيرة في ازدهارها العلمي والديني، حيث قام رحمه الله بخطوات كبيرة لتنظيم وترشيد الحركة الدراسية والعلمية في تلك الحاضرة.
     وقد سجّلت الحوزة المشهدية الكثير من المواقف السياسية والاجتماعية وصرّحت بموقفها اتجاه الكثير من الأحداث المهمة كتأميم النفط، وثورة (الخامس عشر من خرداد) 1963 م، والاعتراض على قانون المجالس وانتخابات المحافظات، والإصلاح الزراعي، مضافاً إلى موقفها الرافض لإبعاد الخميني ومساندتها لحركة الثورة الإسلامية الذي لعبت فيه دوراً بارزاً ساعد في التعجيل بانتصارها.
 
قبل العصر الصفوي :
القرن الرابع :

     ترجع المصادر التاريخية الحركة العلمية كتداول الحديث في مرقد الإمام الرضا وتدريس بعض المتون الدينية وغير ذلك من الأبحاث العلمية إلى القرون التي سبقت العهد الصفوي، بل شهدت خراسان حضور كبار العلماء الذين اختاروا السكني فيها، فقد أملي الفقيه والمحدّث الإمامي ابن بابويه (المتوفي 381) مجالسه الخمسة من كتاب الأمالي في تلك الحاضرة الإسلامية، بل في خصوص مرقد الإمام الرضا.
 
القرن الخامس :
     أمضي محمد بن الحسن الطوسي المعروف بشيخ الطائفة (ت : 460 هـ)، فترة شبابه في مدينة طوس مجاوراً لمرقد الإمام، ومن المحتمل جدّاً أن يكون قد تلقى إبّان تلك الفترة علومه الأولية فقهاً وحديثاً في تلك الحاضرة قبل أن يشد رحاله متوجّهاً صوب مدينة بغداد سنة 408 هـ، التي ما إن وصلها حتى شرع بتدوين كتابه المفصّل في الفقه والحديث "تهذيب الأحكام" الذي دوّنه شرحاً لكتاب المقنعة للمفيد.
     وممن سكن تلك المدينة الفقيه والمتكلم الشيعي من فقهاء القرنين الخامس والسادس محمد بن جرير بن رستم المعروف بابن رستم (ت : 525 هـ)، ومنهم محمد بن حسين الشوهاني من علماء تلك البرهة ومن تلامذة أبي علي الطوسي.
     ومن تلامذة الشوهاني الذين جاورا مشهد الإمام الرضا نصير الدين أبي طالب عبد الله بن حمزة بن عبد الله الطوسي شارح المشهدي، وصاحب المصنفات الفقهية والكلامية والفلسفية. وتلميذه الآخر ابن حمزة الطوسي المشهدي الذي سمع- كما ذكر ذلك نفسه - الحديث في منزل الشوهاني في مدينة مشهد. ومن الوجوه العلمائية الكبيرة التي سكنت تلك الحاضرة برهة من الزمن ودفن فيها الفقيه والمفسّر المعروف صاحب مجمع البيان أبوعلي فضل بن حسن الطَبْرِسي.
 
القرن السادس :
     من أبرز رجال تلك الفترة الذين إختاروا السكني في مشهد أبي البركات محمد بن إسماعيل المشهدي (ت : 571 هـ)/  وكان قد التقاه في حرم الإمام الرضا ابن عساكر (ت : 571 هـ)، في رحلته الطويلة التي جاب خلالها دول شرق العالم الإسلامي عامّة وخراسان خاصّة، وسمع منه الحديث.
     وممن روي عنه أيضا السمعاني صديق ابن عساكر ومرافقه في بعض أسفاره، ومما سمعه منه صحيفة الإمام علي بن موسي الرضا ونعته بمقدّم السادة العلوية ومعمريهم.
     وقد سجلت المصادر التاريخية الحوار الذي جري بين أبي البركات المشهدي وأبي بكر بن إسحاق الكرامي حول إمامة أبي بكر، وكان قد تلمّذ في قزوين علي يد الحسين بن مظفر الحمداني. والحسين الحمداني هذا يُعد من مبرّزي تلامذة الطوسي وقد درس مصنفات الطوسي كافة في النجف طيلة ثلاثين عاماً.
     ومن هنا يظهر أن فضل انتقال تراث الطوسي الأصولي والفقهي والكلامي والحديثي في القرن السادس إلى سائر الامصار بما فيها حاضرة خراسان إلى تلامذة الطوسي الذين حملوا تلك الثروة العلمية التي تللك البقاع.
 
القرن السابع :
     لم تسعفنا المصادر التاريخية بالكثير من المعلومات حول النشاط العلمي في القرن السابع بسبب تقارن ذلك مع الغزو المغولي لشرق العالم الإسلامي عامّة وخراسان الكبري خاصّة، وهجرة الكثير من الأعلام والفقهاء عن تلك الديار إلى مناطق أخرى؛ إلا أنّ ذلك لا يعني خلو الساحة الخراسانية من النشاط العلمي، يشهد بذلك النمو العلمي والفكري للخواجة نصير الدين الطوسي في تلك الديار وفي أحضان كبار علمائها من ذوي التوجّه الإمامي.
 
القرن الثامن :
     أقدم وثيقة تاريخية تشير إلى وجود مؤسسة مدرسية في مدينة مشهد تعود إلى أوائل القرن الثامن وبالتحديد إلى ما سجله ابن بطوطة في رحلته إلى تلك الحاضرة سنة 734 هـ حيث ذكر في معرض حديثه عن مشهد الرضا : والمشهد المكرّم عليه قبّة عظيمة في داخل زاوية، تجاورها مدرسة ومسجد، وجميعها مليح البناء مصنوع الحيطان بالقاشاني.
     ويرجع تاريخ تقرير ابن بطوطة إلى العصر الإيلخاني وقبل ظهور السربدارية في خراسان، ويظهر أن التحرّك التبليغي والسياسي لبعض الحكّام السربدارية من ذوي الميول الشيعية في أواخر العصر الإيلخاني المغولي قد جعل من مدينة مشهد الرضا ولفترة زمنة معينة مركزاً لحركتهم مما مهد الأرضية لنشوء المدارس العلمية الشيعية في تلك الديار.
 
القرن التاسع :
     في القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجري وإبّان حكومة خلفاء تيمور عاد الهدوء النسبي إلى مدينة خراسان، حيث شهدت مدينة مشهد تشييد مجموعة من المدارس العلمية بدعم من السلاطين والأمراء والشخصيات التيمورية، عاشت المدينة على أثرها نشاطاً علمياً مزدهراً، فقد شهدت المدينة مضافاً إلى التوسّع في عمارة الحرم والدور العائدة له وتوسّع أطراف المدينة، نشوء مجموعة من المدارس منها بريزاد والدودر والشاهرخية المعروفة باسم (بالاسر).
     إلا أنّ المصادر المتوفرة تحت أيدينا لم تذكر لنا شيئاً عن العلماء الشيعة الذين تصدّوا للنشاط العلمي في تلك المدارس في تلك البرهة الزمنية خاصّة؛ ومع ذلك يلمس المطالع في بعض الوثائق التاريخية بعضَ النتف والإشارات عن الحركة العلمية والمحافل الثقافية التي تدار في بيوتات جماعة من وجوه الشيعية وعلمائها كالذي حصل في أواخر القرن التاسع وبدايات هذه الحقبة في بيوت السّادة الرضوية الذين تصدّوا لنقابة السادة في المدينة. ومن أبرز وجوه تلك البيوتات العلمية التي لعبت دوراً مهمّاً في النشاط العلمي والعطاء الفكري :

  1. محمد بن بادشاه الرضوي، المتكلم والعارف والفقيه المشهور، وقد أثنى عليه ابن أبي جمهور الأحسائي الذي ورث فقه المدرسة النجفية والمدرسة العرفانية لحيدر الآملي ناعتاً إياه بالعلم والتقوى والورع.

  2. ولده محسن بن محمد الرضوي المشهدي، سمع من ابن أبي جمهور كتابه "غوالي اللإلي العزيزية في الاَحاديث الدينية"، فكتب له إجازة في سنة (897 هـ) أثنى فيها عليه كثيراً، وقال في حقّه: العالم بمعالم فقه آل طه وياسين، والقائم بمراضي ربّ العالمين، مكمّل علوم المتقدمين والمتأخرين، وإنسان عين الفضلاء والحكماء المحققين.

 
حضور ابن أبي جمهور في مدينة مشهد :
     كان ابن أبي جمهور يديم السفر إلى مشهد بين الفينة والأخري وكان يلقي رحاله في المدينة فترات طويلة يعقد خلالها محاضراته العلمية، وقام في إحدى رحلاته إلى المدينة بتدريس وإملاء كتابه الكلامي "كشف البراهين" الذي شرح فيه كتابه الآخر المسمّي بـ "زاد المسافرين" وذلك في منزل محسن بن محمد الرضوي وفرغ من إملائه عام 878 هـ. وكانت له في الفترة المذكورة مناظرة استمرت لثلاث مجالس عقدها مع العالم السنّي "الفاضل الهروي" في بيت محسن الرضوي تارة وفي إحدى المدارس تارة أخرى، تتمحور حول حقانية المذهب الإمامي.
 
     وقد أشار ابن أبي جمهور في بداية المناظرة المذكورة إلى حضور محسن بن محمد الرضوي وكثير من الناس في مجالسه الفقهية والكلامية. ويظهر أن ابن أبي جهمور بقي في مدينة مشهد الفترة الأخيرة من عمره مواصلا نشاطه العلمي والتدريسي في تلك الحاضرة الدينية؛ ومن الراجح أنّه كان لابن أبي جمهور وغيره من العلماء الدور الكبير في تنشيط الحركة العلمية كتابة وتحقيقاً ودرساً ومناظرة.
 
القرن العاشر :
     من الشواهد التاريخية التي تشير إلى نشاط الحركة العلمية في المدرسة المشهدية في القرن العاشر الوثيقة التاريخية (المنشور السلطاني) التي أصدرها السلطان حسين بايقرا (ت : 911 هـ)، والخاصة بأفضل الدين محمد الموسوي الذي وصف في الوثيقة المذكورة بأنّه " أفضل أكابر المحدثين والمستجمع لجميع الكمالات الصورية والمعنوية". ومن الراجح أن الرجل كان من علماء الشيعة في تلك الديار وكان قد عيّن متصدّيا للتعليم والقاء المحاضرات في علم الحديث والأحكام الشرعية والفتيا في حرم الإمام الرضا. وقد أكدّت الوثيقة عدم نفوذ أحكام سائر العلماء والقضاة ما لم تذيّل بختم وتأييد الموسوي هذا.
 
العصر الصفوي :
     شهد العصر الصفوي ترسيخ وثبات التشيع الإمامي الذي كانت بذرته قد نمت قبل ظهور الدولة الصفوية وتطورت حركته المعرفية تدريجياً في مناطق مختلفة من تلك الديار الإيرانية. وقد حظيت مدينة مشهد إبّان العصر الصفوي بمكانة مرموقة على المستويين السياسي والعلمي، وكان للاعتراف الرسمي بالتشيع مذهباً رسمياً في إيران من جهة، والمواجهة العلمية والمعرفية مع الخصمين اللدودين للدول الصفوية المتمثلين بالحكومة الأزبكية في الشرق والعثمانية في الغرب من جهة أخرى، الدور الكبير في اهتمام الحكّام الصفويين بمسألة التعليم والمعرفة والإرشاد والتبليغ الديني في خراسان عامّة ومدينة مشهد خاصّة.
 
هجرة علماء جبل عامل :
     من العوامل الرئيسية التي ساعدت في تطوّر الحركة المعرفية التي انبثقت قبل العهد الصفوي بقرون عديدة، وساعدت في ضخ الدماء الجديدة في تلك الحاضرة العلمية هو هجرة طائفة من علماء جبل عامل والتي أعقبتها هجرات أخرى لعلماء الشيعة العامليين إلى تلك الديار.
 
العلماء الذين هاجروا إلى مشهد :
     من أبرز الوجوه التي شدّت الرحال متوجّهة صوب خراسان حسين بن عبد الصمد الحارثي، والد الشيخ البهائي، وقد تصدّى لمشيخة الإسلام في المدينة مضافاً إلى تدوينه لبعض مؤلفاته العلمية هناك، وأبرز وأهم منه الحرّ العاملي الذي هاجر إلى مشهد بعد أن أتمّ تكامله العلمي ورقيّه المعرفي ونال حظاً وافراً ومنزلة رفعية من العلم والمعرفة، وما أن وطأت قدماه تلك الأرض حتى شرع ولسنين متمادية بتدريس الفقه والحديث متزامناً مع التصنيف والكتابة؛ وبعد وفاته تصدّى أخوه لمشيخة الإسلام في مشهد وبقي فيها منشغلاً بالتدريس والتأليف. وقد ترجم الحرّ العاملي للكثير من العلماء الشيعة العامليين الذين هاجروا من جبل عامل إلى مشهد في كتابه الموسوم بـ "أمل الآمل".
     ومن العلماء المعروفين الذين عاشوا في أجواء المدرسة المشهدية دراسة وتدريساً الميرداماد، الذي تلقى علومه العقلية والنقلية والرياضيات في هذه الحاضرة حتى بلغ مرتبة الأستاذية فيها قبل الإنتقال إلى مدينة قزوين.
     القاضي نور الله التستري، الذي هو الآخر تلقّى علومه الأولية في مشهد ما بين 979 و 992 هـ، متلمّذاً على عبد الواحد بن علي التستري. وقد أثنى القاضي نور الله التستري على أستاذه مشيراً إلى المحاور والموضوعات الكلامية التي كانت تتداول بين الأستاذ وبين تلامذته وبعض العلماء في ذلك العصر. ومن تلامذة المولى عبد الواحد محسن بن شريف الحسيني صاحب المصنفات الكثيرة في العلوم العقلية والنقلية والمقتول في الفتنة الأوزبكية في مشهد.
     لطف الله الميسي، هاجر وهو في ريعان الشباب من جبل عامل في لبنان إلى مشهد متلمّذاً على أساتذة كبار كعبد الله بن محمود التستري المقتول سنة 997 هـ عند اجتياح الأزابكة لمدينة مشهد، وبعد شهادة أستاذه توجّه صوب مدينة أصفهان ليواصل المسيرة العلمية هناك.
     ومنهم المتكّلم الكبير في عصر الشاه طهماسب الصفوي حسين الأردكاني اليزدي، الذي يعد من مبرّزي تلامذة البهائي في مشهد، وقد تصدّى للتدريس هناك وله تعليقة على كتاب خلاصة الحساب لشيخه البهائي وكتاب تجريد الاعتقاد الطوسي.
     ومن مشاهر نهايات العصر الصفوي الآقا إبراهيم المشهدي (ت : 1148 هـ)، الذي عرف بتضلعه بالعلوم الفلسفية والكلامية مضافاً إلى الفقه، وقد ترك كثيراً من المصنفات في هذا المجال.
 
تأسيس المدارس العلمية :
     قام الصفويون ولغرض تعضيد حركة المذهب الشيعي وتربية جيل من العلماء والمبلغين الشيعة مضافاً إلى ترميم المدارس القديمة ببناء وتشييد مدارس جديدة في مدينة مشهد. فقد ارتفع الخط البياني لبناء المدارس وتواصلت حركة التشييد بوتيرة متصاعدة وبشكل مستمر في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، وذلك في زمن حكومة السلطان عباس الثاني وتواصلت الحركة- بنحو ما- إلى أخريات العهد الصفوي.
     فقد شيّدت مدرسة خيرات خان سنة 1057 هـ. [32] فيما شهد العام 1059 هـ تشييد مدرسة الميرزا جعفر [33] تلتها مدرسة الفاضل خان أو الفاضلية سنة 1075 هـ. فيما أسست مدرسة عباس قلي خان في السنة التي توفي فيها السلطان عباس سنة 1077 هـ. [35]
     وبعد تصدّى السلطان شاه سليمان تواصلت حركة البناء المدرسي ففي سنة 1083 هـ تمّ تشييد مدرسة المولي محمد باقر المعروفة بسميعية، بجهود المولي محمد سميع وتشجيع من المولي محمد باقر الخراساني السبزواري صاحب كتاب كفاية الأحكام.
     فيما شهد العام 1086 هـ تشييد مدرسة نواب أو الصالحية.
     فكانت حصيلة النتاج المدرسي منذ بدايات العصر الصفوي وحتى سنة 1100 هـ أن المدينة شهدت تأسيس عشر مدارس رئيسية في تلك الحاضرة. وكان لهذه المدارس والموقفات الواسعة التي تركها رجال الدولة الصفوية الأثر الكبير في ازدهار الحركة العلمية في المدرسة المشهدية وتحويلها إلى إحدى مراكز العلم والمعرفة في إيران آنذاك.
 
النظام التعليمي :
     لم تسعفنا المصادر التي وصلت إلينا عن تفاصيل الحركة العلمية وطريقة التدريس والتعليم هناك، إلا أن مراجعة متون بعض الإجازات القيّمة التي دبجها يراع كبار العلماء يتحفنا بمعلومات رائعة في هذا المجال. فقد جاء في إجازة الحرّ العاملي (ت : 1104 هـ )، لعلاء الملك ابن الميرزا أبو طالب العلوي الموسوي نزيل مدينة مشهد في منتصف ربيع الثاني سنة 1086 هـ، الاشارة إلى أهم الكتب الحديثية الشيعية كالكتب الأربعة، الأمر الذي يكشف عن اعتمادها متوناً دراسية وبحثية في تلك البرهة الزمنية.
     وقد أجاز الحرّ العاملي في تلك الإجازة لعلاء الملك رواية كتبه منها: تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ورسالته في الرجعة الموسومة بالإيقاظ من الهجعة، مما يدل على أنّ بعض مصنفات الحرّ قد شقت طريقها بين المتون المعتمدة في البحث والدراسة العلمية عقيب صدورها مباشرة. وجاء في الإجازة الثانية التي كتبها الحرّ العاملي للمولي محمد صادق المشهدي في التاسع عشر من شعبان سنة 1092 هـ. أنّه كتبها له بعد اختبار للشخص المُجاز ومعرفة مستواه العلمي ومدى تبحره في فهم النكات الدقيقة في الحديث، مما يعكس بدوره المستوي العلمي في تلك الحاضرة العلمية وان الطالب يتعرّض لاختبارات في شتّي الفروع العلمية بما يشبه الاختبارات التي تجريها المدارس الحديثة لمعرفة ميزان ذكاء الطالب ومدى استعداده وفهمه للمادة.
 
النظام المالي :
     لم نعثر على وثائق تاريخية موسعة حول طبيعة التأمين المالي لرواتب الطلاب والمدرسين في الحوزة المشهدية في العصر الصفوي سوى نتف متفرقة هنا وهناك، فقد ورد في وثيقة تاريخية يرجع تاريخها إلى شهر ربيع الأوّل من سنة 1024 هـ أن الميرزا جعفر الرضوي تصدّى للتدريس سنة 1007 هـ وذلك بعد خضوع مدينة مشهد لحكم الشاه عباس الصفوي، منتسبا بصورة رسمية إلى صفوف مدرّسي العتبة الرضوية، بمرتب قدره 10 تومانات من فئة التومان التبريزي الرائج في مشهد آنذاك لكل عام تدريسي.
     ويظهر من هذه الوثيقة التاريخية أن المرتبات الشهرية أو السنوية للاستاذ مرهونة بعدد الطلاب والمستوى العلمي للأستاذ.
     وجاء في مرسوم صدر من الشاه سليمان عام 1078 هـ مَنحُ الميرزا محمد إبراهيم مدرّس العتبة الرضوية مبلغاً قدره 90 تومان تبريزياً مقابل خدماته التدريسية. وهناك وثيقة أخرى صادرة في شهر جمادي الأولي سنة 1084 ق تشير إلى منح أحد المدرسين سلّة غذائة من الحبوب تعادل 28 قنطارا و25 منّا مقابل خدماته التدريسية.
 
الازدهار العلمي :
     من الشواهد والمؤشرات التي تشير إلى مدّى التطوّر العلمي والرقي المعرفي في هذا الصرح العلمي كثرة المؤلفات واتساع ظاهرة التصنيف والتدوين للكتب والمتون الدراسية وغير الدراسية وفي شتّى العلوم والفنون. ويكفي مؤيداً لذلك إلقاء نظرة عابرة على موسوعة الذريعة إلى تصانيف الشيعية لآقا بزرك الطهراني. والمؤشر الآخر الكتب والمصنفات التي كتبت أو ترجمت من قبل بعض أعلام المدرسة المشهدية باسم السلاطين الصفويين.
 
مع بدايات الحكومة الأفشارية وحتي الثورة الدستورية :
     واصلت مدرسة مشهد العلمية نشاطها العلمي وازدهارها المعرفي الذي وصلت إليه إبّان العصر الصفوي، في العصر الأفشاري 1148 - 1210 هـ، رغم عدم الاستقرار السياسي، وقد برز علماء كبار في تلك الفترة، وواصلت المدارس السابقة حركتها العلمية، بل شهد العصر تشييد مدرسة جديدة هي مدرسة الخواجة رضوان.
     ومن أبرز الوجوه التي ظهرت في تلك الفترة المولي محمد رفيع الجيلاني المعروف برفيعا و(ت : 1155 هـ)، والمولي شفيع الجيلاني (ت : 1144 هـ). وكان المولي محمد رفيع الجيلاني من المبرّزين في الفقه والأصول والتفسير والكلام والحكمة وصاحب يد طولى في تلك الفنون وكان في عداد المراجع الكبار في مدينة مشهد. وقد تصدّى لتدريس الكثير من الكتب والمتون العلمية كشرح المقاصد، شرح تهذيب التفتازاني، وتفسير البيضاوي وإلهيات الشفاء؛ مضافاً لتصنيفه عدد من المؤلفات منها رسالة في باب وجوب صلاة الجمعة تعييناً. وكان ذا ميول أصوليه وندّاً للمدرسة الأخبارية.
     ومن الوجوه التي برزت أيضاً ولده الآقا محمد شريف المشهدي فكان هو الآخر من وجوه العلماء ورئيساً لعلماء مشهد. والمير محمد تقي بن معزّ الدين محمد الرضوي المعروف بشاهي و(ت : 1150 هـ)، الذي كان يعد من أبرز عرفاء ومتألهي العصر الأفشاري. ومن الأعلام الذين أنجبتهم تلك الحقبة المير محمد تقي المشهدي المشهور بـ "باجناري" وقد دار الجدل العلمي بينه وبين المولي محمد رفيع الجيلاني حول وجوب صلاة الجمعة تعييناً أو تخييراً، ودارت بينهما مراسلات في خصوص هذا الموضوع. ومنهم محمد السبزواري (ت : 1198 هـ) وقد تسنم زمام المرجعية في العصر القاجاري، وكان الميرزا نصر الله ابن نادر شاهـد أصدر مرسوماً بتعيينه إماماً للجمعة في مدينة مشهد.
 
البيوتات العلمية :
     شهدت تلك الحقبة مضافاً للعصر الزندي والقاجاري ظهور عدد من البيوتات العلمية الكبيرة في حاضرة مشهد، تمكنت من تسنم المرجعية الدينية والعلمية لأكثر من جيل وكان الغالب فيهم أنهم من السادة الرضوية، منهم :

  • آل الشهيدي، وإنما لقبوا بذلك لاستشهاد كبيرهم الميرزا محمد مهدي الخراساني (ت : 1218 هـ)، الذي أشار تلميذه الكبير محمد حسن الزنوزي صاحب رياض الجنة إلى مقامه العلمي ومنزلته العلمية والأخلاقية الرفعية، وتضلعه في العلوم الرائجة في عصره وخاصة العقلية والرياضيات منها. وكان قد أخذ العلوم الشرعية عن محمد باقر البهبهاني الحائري، وكان فقيها إمامياً، متكلماً، فيلسوفاً، جليل الشأن. وقد تلمّذ عليه الزنوزي في الكثير من الكتب كالاشارات لابن سينا، وعيون الحساب لمحمد باقر اليزدي المتوفي قبل سنة 1056 هـ. له في الفقه كتاب شرح كفاية المقتصد للمولي محمد باقر السبزواري. وقد أعقب ثلاثة من العلماء، هم ولده الميرزا هداية الله (ت : 1248 هـ)، وكان قد تلمّذ على يد والده وماثله في في التبحّر في الكثير من العلوم الرائجة في عصره، ومتصدياً للمرجعية العلمية في خراسان. وأما ولده الأصغر الميرزا داود (ت : 1240 هـ)، فقد كان هو الآخر من كبار العلماء والمتضلعين في شتى العلوم وخاصة الرياضيات منها. وكان رأس العلماء في عصره، وكان العلماء وطلبة الرياضيات تشدّ الرحال صوب مشهد للانتهال من نمير علمه. وكان قد تلمّذ في الفقه طيلة أربعة أشهر على يد محمد تقي الأصفهاني صاحب كتاب هداية المسترشدين حينما حلّ بتلك الديار. ومن وجوه تلك الأسرة ولدا الميرزا هداية الله، وهما الميرزا هاشم (ت : 1269 هـ) الذي تلمّذ على يد والده وبعد التمكن من العلوم والمعارف الحوزوية تصدّى لترويج أحكام الشريعة وللتدريس والافادة هناك؛ والثاني الميرزا عسكر (ت : 1280 هـ) الذي تصدّى لإمامة الجمعة بعد رحيل والده في مدينة مشهد.

  • آل قصير؛ الأسرة العلمية الأخري التي ظهرت في مدرسة مشهد العلمية آل قصير، نسبة إلى عميد الأسرة محمد بن الميرزا معصوم الرضوي المعروف بقصير الرضوي و(ت : 1255 هـ، وكان من تلامذة كل من بحر العلوم والوحيد البهبهاني؛ وكان قد تصدّى للتدريس والتأليف في مدينة مشهد مضافاً إلى توليه شؤون الإفتاء والقضاء في خراسان الكبرى. ومن أبرز مصنفاته الفقهية كتاب المصابيح وهو دورة فقهية كاملة. ومن أعلام تلك الأسرة أخوه الحاج ميرزا حسن (ت : 1287 هـ)، وكان قد تلمّذ على يد أخيه في مشهد وعلي يد محمد تقي الأصفهاني في أصفهان، وعاد إلى موطنه مشهد، فقام بمسؤولياته الدينية، ثمّ انتهت إليه مرجعية الأمور والتدريس بعد وفاة أخيه المذكور. ومن رجال الأسرة الميرزا مهدي الرضوي ابن محمد قصير و(ت : 1267 هـ)، وكان قد تلمّذ على يد كل من والده وصاحب جواهر الكلام في النجف وحصل منه على إجازة الإجتهاد، وقد تصدّى للتدريس في مدرسة مشهد العلمية.

  • آل الرضوي؛ وهي من الأسر العلمية الكبيرة التي برزت في وسط المدرسة المشهدية في تلك الفترة؛ منهم محمد باقر الرضوي (ت : 1342 هـ) صاحب كتاب الشجرة الطيبة في أنساب السادات الرضوية، وكان من مبرّزي أساتذة مدرسة مشهد العلمية في نهايات العصر القاجاري، وقد تصدّى لتدريس كل من كتاب شرح اللمعة وكتاب القوانين وكتاب الفصول، وله مصنفات في هذا المجال. وقد تعرّض في كتابه هذا لترجمة علماء الأسرة كالميرزا حبيب الله الرضوي (كان حيّاً سنة 1196 هـ) وكان عالم عصره وملاذ الجميع. ومنهم الميرزا محمد الرضوي (ت : 1266 هـ) الذي تلمّذ في النجف على يد صاحب الرياض ونال منه إجازة الإجتهاد. وحصل في مشهد على إجازة من محمد قصير. وقد انتهت إليه المرجعية والرئاسة العامّة حينها. ومن وجوه الأسرة الرضوية تلميذ الأنصاري، الميرزا محمد على الرضوي (ت : 1311 هـ)، وكان شيخه الأنصاري قد منحه إجازة في الاجتهاد، فتصدّى للتدريس سنين طويلة في مشهد مضافاً إلى ما خطّه يراعه من الكتب الفقهية الكثيرة.

     وقد شهدت مدينة مشهد إبّان العصر القاجاري مضافاً إلى ما ذكر من الأسر العلمية الكبيرة، الكثير من الأعلام المبرّزين، وردت ترجمتهم في الكثير من الكتب كتاريخ علماء خراسان لعبد الرحمن المدرّس، وفردوس التواريخ لنوروز على البسطامي، الذي يعد من مبرّزي علماء أواخر العصر القاجاري في مشهد.
     وقد غلب الطابع الأصولي على مدرسة مشهد العلمية بسبب نجاح المدرسة الاصولية في كل من العراق وأصفهان من جهة وانتقال الكثير من تلامذة المدرستين حاملين معهم التراث الاصولي إلى تلك الحاضرة العلمية المرموقة. مضافاً إلى تميّزها بالعلوم الرياضية وظهور كبار علماء الرياضيات في أوساطها.
 
المدارس العلمية :
     شهد العصر القاجاري تشييد مدرستين جديدتين إلى جانب المدارس القديمة، الأولى مدرسة سليمان خان والثانية "مدرسة نو= المدرسة الجديدة" للحاج صالح البخارائي، والتي دخلت ضمن حدود الحرم بعد التوسع العمراني قبيل انتصار الثورة الخمينية.
     والجدير بالذكر أن المدارس النشطة في زمن فتح على شاه من بين مجموعة المدارس البالغة ست عشرة مدرسة، هي: مدرسة نواب، والمولي محمد باقر (الباقرية)، وفاضل خان، والميرزا جعفر، وسعد الدين (بايين با) ومدرسة بالاسر. ويظهر أنّها رتّبت للمدرّسين والطلاب مرتبات ثابتة في تلك الفترة.
 
النظام التعليمي :
     المعلومات المتوفرة تحت أيدينا حول طريقة الادارة والتنظيم في مدارس مشهد العلمية على مر التاريخ، معلومات نادرة جدّاً. ومع قلتها تنفرد مدرسة الفاضلية أو فاضل خان بالنصيب الأوفر منها، خاصّة في نهايات حكومة ناصر الدين شاه (ت : 1313 هـ). ويظهر من مجموع التقارير الخاصّة بها وفي بدايات القرن الرابع عشر الهجري أن المدرسة توفرت على نظام إداري يتمثل بوجود مدير وثلاثة مدرسين مع كاتب ومشرف لمتابعة الحضور والغياب، ومسؤول خاص بالأمور المالية، مضافاً إلى موظف يختص بتنظيف المدرسة.
     وكان مدير المدرسة يستلم يوميا تقريراً مفصلاً مرفقاً بقائمة الحضور والغياب وأهم الاحداث والوقائع التي حدثت أثناء اليوم. فيما رتبت المدرسة نظاماً خاصّاً للعطل الرسمية يشمل الأعياد الدينية والوطنية ووفيات الأئمة، مضافاً إلى يومي الخميس والجمعة من كل اسبوع ويوم عرفة وعيد الاضحي (الثامن والتاسع والعاشر من شهر ذي الحجّة) والعشرة الأولى من شهر محرم. وجاء في وثيقة تاريخية أخرى أنّ عدد طلاب المدرسة قبل تخريبها بلغ سنة 1929 م 260 طالباً.
 
النظام المالي :
     اعتمدت المدرسة المذكورة نظام منح الطلاب مرتبهم الشهري على شكل سلّة غذائية يستلمها الطلاب من مخازن المدرسة وبصورة المثالثة (ثلثان من القمح وثلث من الشعير) يمنح للطالب طيلة العام الدراسي على دفعات متتالية. فيما يمنح المدرسون مرتباتهم على شكل مزيج من العملة النقدية والسلّة الغذائية وبنسب متفاوتة.
 
الإهتمامات والأهداف الدراسية :
     كانت الغالبية العظمى من الطلاب في مدارس مشهد العلمية في تلك الفترة من ابناء مدن وقرى خراسان، وكان لكلّ واحد منهم غاياته وأهدافة التي يرومها من وراء الالتحاق بالسلك الحوزوي فهناك من يروم تعلّم فن الخطابة وارتقاء المنابر في أيام شهر محرم والمناسبات الدينية، فيما يروم البعض منهم التعرّف على الأحكام الشرعية والتصدّي لإمامة الجماعة، وهناك من يهتم بشأن الوعظ والارشاد والمسائل القانونية والحقوقية. فيما يواصل الطلاب الموهوبون المسيرة العلمية متوجهين صوب حاضرة النجف، وهناك من يختص بعلوم اللغة والأدب ومنهم من يتوجّه نحو الدراسات العقلية والفلسفية.
     والجدير بالذكر أن الدروس العقلية لم تكن محبذة في مدرسة مشهد العلمية في النصف الثاني من العصر القاجاري وقبيل مجيئ الحاج المولي هادي السبزواري، وكان الاهتمام منصباً على دراسة العلوم الدينية واللغوية، وبحضور المولي السبزواري انتعشت حركة الدراسات العقلية في تلك الحاضرة.
 
من الثورة الدستورية وحتي سبتمبر 1941 م :
     شهدت مدرسة مشهد العلمية ازدهاراً علمياً بعد ثورة المشروطة (الدستورية) وحادثة مسجد كوهرشاد ما بين سنة 1285 ه ش إلى 1935 م، وخاصة بعد هجرة محمد النجفي (ت : 1937 م) والمعروف بآقا زاده الخراساني ابن الآخوند الخراساني، والحاج آقا حسين القمّي (ت : 1947 م)، اللذين تلقيا دروسهما الحوزوية في النجف، مضافاً إلى مرتضي الآشتياني، والتحاقهم بربوع الديار الخراسانية وانعكاس ذلك على نشاط حركة الدراسات العليا (البحث الخارج) فقهاً وأصولاً.
 
علماء الطراز الأوّل :
     شهدت مدينة مشهد الكثير من العلماء ومبرّزي المدرسين الذين يشار لهم بالبنان، منهم :

  1. الميرزا على اليزدي الحائري المعروف بخاني، كان مجتهداً مقدّماً بين أقرانه وكان يلقي دروسه في مرحلة الدراسات العليا (البحث الخارج).

  2. حسن على الطهراني، وكان مرضياً لدي الخاص والعام.

  3. الميرزا حبيب الله الخراساني، كان من كبار العلماء، حظي بمكانة إجتماعية ودينية مرموقة وكان نافذ الكلمة وفي المقام الأول وجاهة وتأثيراً.

  4. المولى محمد على المعرف بحاجي فاضل.

  5. محمد تقي البجنوردي.

  6. علي السيستاني (ت : 1961 م) ومن تلامذة إسماعيل الصدر والميرزا محمد حسن الشيرازي، تصدّى لتدريس الفقه والأصول في حوزة مشهد العلمية.

 
حضور آقا زاده الخراساني :
     كان ذلك بطلب من علماء مشهد وسكانها الذين كتبوا لوالده الآخوند الخراساني طالبين منه ارساله إلى خراسان، وكان لانتسابة إلى الآخوند المؤيد للحركة المشروطة الأثر الكبير في تعزيز موقف مؤيدي الحركة المشروطة في خراسان. وكان قدومه إلى مشهد في سنة 1946 م بعد انتصار المشروطة، وقد اقترن وصوله إلى خراسان مع الفجوة الكبيرة في الوسط السياسي والديني بين مؤيدي المشروطة ومعارضيها، وكان من بين الفقهاء المعارضين لها بقوّة كل من على السيستاني ومحمد حسين النجفي، فيما وقف مؤيداً لها ومنافحاً عنها ومسانداً للقائلين بها ذبيح الله القوجاني أحد تلامذة الميرزا الشيرازي والآخوند الخراساني والمروجين لفكر شيخه الآخوند.
     وقد بذل العلماء المؤيدون للحركة المشروطة مضافاً إلى نشاطهم وحضورهم في الاتحادات، جهوداً كبيرة في إنتخابات المجلس التي إنتهت بانتخاب الميرزا علي آقا التبريزي- الذي يعد من مبرّزي علماء مشهد- عضواً في مجلس الشورى الوطني. فيما إختار البعض من الأعلام الحياد في هذه القضية كالميرزا حبيب الله الخراساني.
 
حضور الحاج آقا حسين القمّي :
     كان لوجود الآقا زاده الخراساني الأثر الكبير في تنشيط الحركة العلمية وازدهارها في مشهد وكانت حلقات درسه راجحة على حلقات غيره من الأعلام. بل كانت حلقة درسه من أغني الحلقات الدراسية وأفضلها في وسط المدرسة المشهدية حيث اعتمد كتاب "كفاية الأصول" لوالده الآخوند محوراً لبحثه الأصولي، مواصلاً التدريس في مسجد كوهرشاد لفترة زمنية طويلة، وقد إنتقل في أخريات حياته للتدريس في داره على أثر الضغوط التي مارستها ضدّه حكومة رضا شاه. وقيل أن حضار حلقة درسه بلغوا 300 طالب. وقد تسنم إبّان تواجده في مشهد رئاسة الحوزة العلمية فيها. ومما يكشف عن القيمة العلمية لحلقات دروسه أن بعض الطلاب فضل الهجرة من النجف والالتحاق به في خراسان للانتهال من نمير علمه والتلمّذ على يديه.
 
حضور الحاج آقا حسين القمّي :
     ساهم المرجع الديني الحاج حسين القمّي مساهمة فعالة في تعزيز الحركة العلمية في مدرسة مشهد وعلي مستوي الدراسات العليا (البحث الخارج) في الفقه والأصول. وكان قد تلمّذ في طهران على يد كلّ من الأعلام الميرزا أبو الحسن جلوه، والآقا على مدرس النوري، والميرزا حسن الكرمنشاهي، والميرزا محمود القمّي، ومحمد حسن الآشتياني وفضل الله نوري، في كلّ من الفلسفة والعرفان والرياضيات والفقه والأصول، ثم واصل دراسته العلمية في حاضرتي النجف وسامراء على مستوي الدراسات العليا عند كلّ من الآخوند الخراساني، والميرزا محمد تقي الشيرازي ومحمد كاظم الطباطبائي اليزدي وغيرهم.
 
الخدمات التي أسداها الحاج حسين القمّي :
     استجاب الآقا حسين القمّي لطلب العلماء وسائر طبقات المجتمع المشهدي من الميرزا محمد تقي الشيرازي بايفاده إلى مشهد، ملبياً أمر أستاذه الميرزا الشيرازي فتوجّه إلى مشهد سنة 1331، ملقياً برحله بين ظهرانيهم لمدّة عقدين من الزمن مشتغلاً خلالها بتدريس الفقه والأصول، ومتسنماً لزمام المرجعية فيها. وكان في مقدمة علماء عصره من الخراسانيين وتمكن من تربية جيل كبير من الطلاب تجاوز المائة طالب تسنم الكثير منهم منصب التدريس والإفادة في مدرسة مشهد العلمية وغيرها من المدن والمراكز الدينية، بل نال البعض منهم مقام المرجعية.
 
مدّة حضور الآقا حسين القمّي في مشهد :
     الملاحظ في حياة الآقا حسين القمّي في مشهد أنها تنشطر إلى شطرين، تفرّغ في الشطر الأوّل منها للعلم والتحقيق والتدريس بعيداً عن الخوض في العمل السياسي؛ أما الشطر الثاني فقد جمع فيه بين الجانب العلمي والسياسي معاً. مما صيّر المدرسة المشهدية مدرسة مقتدرة ومؤمنة ذاتياً بل جعل منها منافساً لمدرسة النجف في جمع المراحل الدراسية بدءاً بالمقدمات وانتهاء بالدراسات العليا والبحث الخارج. وحينما قررت الدولة توحيد الزي في البلاد سنة 1329 م أخضعت رجال الدين للاختبار للمحافظة على ارتداء الزي الديني ولم تستثن من ذلك الا عددا قليلا من رجال الدين في مشهد.
 
خصوصيات المدرسة المشهدية :
     من أبرز ملامح المدرسة المشهدية في تلك البرهة الإهتمام الكبير بكلّ من الأدب العربي والعلوم العقلية عامّة والفسلفية منها خاصّة.
 
الاهتمام الكبير بالأدب العربي :
     شهدت مدرسة مشهد العلمية ظهور كبار أساتذة الأدب العربي كعبد الجليل النيشابوري المعروف بأديب الأوّل والمتضلع في الأدبين الفارسي والعربي، والحكيم آقا بزرك شهيدي وولده الميرزا مهدي والحاج فاضل الخراساني وأسد الله اليزدي الشهير بدروسه العرفانية والعقلية.
     وقد امتازت حلقة درس أديب النيشابوري باعتماده طريقة الخطابة في التدريس وعدم السماح بالمداخلة معتمداً على ذكائه ومعرفته بجميع الاشكالات والتساؤلات التي يمكن أن تثار في أذهان الحاضرين، وإثارتها والاجابة عنها بطريقة علمية وفنية رائعة. وكان يحضر حلقة درسه أكثر من 300 طالب.
     ومما امتازت به مدرسة مشهد في موضوع الأدب العربي أن الطالب بعد أن يطوي مجموعة من الكتب كجامع المقدمات وشرح قطر الندي لابن هشام وشرح الجامي على كفاية ابن الحاجب وألفية ابن مالك وشرح السيوطي للألفية وشرح النظام النيشابوي لكتاب ابن الحاجب ومغني اللبيب لابن هشام والمطوّل للتفتازاني، يشرع في المراحل العليا بدراسة المعلقات السبع ومقامات بديع الزمان الهمداني ومقامات الحريري.
     وبعد الفراغ من ذلك يشرع الطالب بمطالعة دواوين الشعر العربي كديوان البُحْتُري والمتنّبي والفرزدق وحماسة أبي تمّام والمدونات النثرية كالبيان والتبيين وغيرها من كتب الجاحظ ورسائل الخوارزمي وأطواق الذهب للزمخشري والمستطرف للابشيهي ويتيمة الدهر للثعالبي والأغاني وغير ذلك من عيون الأدب العربي. مضافاً إلى الإهتمام بمطالعة الأدب الفارسي المقفي والمنثور وكتب اللغة وغيرها.
 
تدريس الفلسفة والعرفان :
     شهدت المدرسة المشهدية على مرّ العصور دراسة الفلسفة والعرفان وبمستويات متفاوتة، إلا أنّها شهدت في تلك البرهة ازدهاراً كبيراً لم تكن قد شهدته من قبل، خاصّة مع حضور تلامذة الحاج المولي هادي السبزواري كالمولى غلام حسين شيخ الإسلام (ت : 1940 م).
     من الأعلام الذين لعبوا دوراً مهما في نشر العلوم والمعارف الكلامية والفلسفية في مشهد الحكيم الآقا بزرك الشهيدي (ت : 1976 م) والمتلمّذ في طهران على يد كلّ من الميرزا أبو الحسن جلوة والميرزا إبراهيم الجيلاني الأشكوري في العلوم العقلية والفلسفية، والمتلقي للفقه والأصول في ربوع المدرسة النجفية على يد الآخوند الخراساني.
     فقد إختار الحكيم الشهيدي السكن في مشهد في آخريات حياته التي استمرت قرابة 23 عاماً ما بين 1954 م والسنة التي توفي فيها 1976 م، مشتغلاً بتدريس جميع المتون الكلامية والفلسفية كشرح تجريد الاعتقاد للقوشجي وشرح الإشارات للخواجة نصير الطوسي، وشوارق الإلهام والشواهد الربوبية والمبدأ والمعاد وشرح الهداية الأثيرية للملا صدرا الشيرازي، مضافاً إلى شرح المنظومة.
     وكان حصيلة حركته العلمية هذه تربية جيل كبير ممن لهم باع طويل بالشأن الفلسفي والعقلي كالحسين بن راشد ومحمود الشهابي ومهدي إلهي قمشه أي وحسن بجنودري. وكانت تغلب عليه النزعة المشائية رغم تدريسه لجميع مؤلفات الملاصدرا الشيرازي وكتب الحكمة المتعالية.
     ومن مشاهير الفلاسفة المعاصرين المولي محمد على فاضل الشهير بحاجي فاضل الخراساني (ت : 1963 م)، وكان قد أخذ الفلسفة عن الحاج المولي هادي السبزواري والمولي غلام حسين شيخ الإسلام والآقا الميرزا محمد السروقدي، وتلمّذ في النجف وسامراء على حبيب الله الرشتي والميرزا الشيرازي الكبير في الفقه والأصول؛ وتلمّذ على يديه في مشهد واخذ عنه العلوم الفلسفية كلّ من حسن البجنوردي وصدر الدين بادكوبه أي وأسد اليزدي. وكان من الاساتذة الذين يشار إليهم بالبنان في المعقول والمنقول.
 
موقف حكومة رضا شاه من المدرسة المشهدية :
     قررت حكومة رضا شاه في أخريات حياتها تنفيذ خطة تجريد رجال الدين- رغم وجودهم الكثيف في مدرسة مشهد- من الزي الحوزوي مستثنية من ذلك بعض الشخصيات الكبيرة فقط. وقد دلت الشواهد والوثائق التاريخية القليلة على أن مدرسة مشهد كانت تعيش إبّان رئاسة الآقا زاده الخراساني والحاج آقا حسين القمّي وضعاً إقتصادياً لا تحمد عليه حتى أن أشهر أستاذة الأدب العربي أديب النيشابوري كان يتقاضي مرتبا شهرياً من عائدات الموقوفات الشرعية لا يتجاوز 150 ريال وقيل أن مرتبه السنوي يتراوح بين ثلاثين وخمسين تومان، مضافاً إلى 36 توماناً إيرانياً يتقاضاها من العتبة الرضوية.
 
مواقف العلماء حيال القضايا السياسية :
     لم تتخلف الحوزة العلمية في مشهد عن قافلة النشاط السياسي إبّان رئاسة الحاج آقا حسين القمّي والآقا زاده الخراساني، وفي عصر الحكم البهلوي الأوّل، حيث سجّلت حضوراً في الكثير من القضايا السياسية والاجتماعية مبدية اعتراضها على مواقف البهلويين المنافية لقيم وأحكام الشريعة والمتعارضة من طبيعة المجتمع الإسلامي. منها :
     بعثت الحوزة سنة 1927 م إلى الحكومة برقية مذيلة بتوقيع جلّ العلماء تضمنت إعتراضهم على المرسوم الذي أصدرته السلطة بمنع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الموقف الثاني تمثل في اعتراضهم على محاولة رضا خان تأسيس النظام الجمهوري.
     ومن أبرز مواقف علماء المدرسة المشهدية التصدّي لقضية خلع الحجاب التي تعرض بسببها الكثير من العلماء للاعتقال والإبعاد، يقع في مقدمتهم الحاج آقا محمد آقا زاده الذي اعتقل وسيق إلى سجون طهران حتى وفاته سنة 1937 م. والحاج آقا حسين القمّي الذي سافر إلى طهران لتسجيل إعتراضه على القانون المذكور محاولاً اللقاء مع رضا شاه لثنيه عن رأيه، الأمر الذي أدّى إلى فرض الاقامة الجبرية عليه في محل اقامته في حرم عبد العظيم الحسني في مدينة الري، ثم إبعاده إلى كربلاء بعد واقعة مسجد كوهرشاد. مما أدّى إلى إنهيار الحركة الدراسية وتعطيل النشاط العلمي تقريباً في حوزة مشهد.
 
من سبتمبر 1941 م وحتي الثورة الخمينية :
     دخلت حوزة مشهد العلمية بعد عام 1941 م مرحلة جديدة من حياتها، وكان الفضل في انتعاش الحركة العلمية فيها وإعادة الحياة إليها بعد سقوط حكومة رضا شاه يرجع لثلاث شخصيات كبيرة هي: الميرزا أحمد الكفائي، ومرتضى الآشتياني، والميرزا مهدي الأصفهاني.
 
حضور الميرزا أحمد الكفائي :
     يعد الميرزا أحمد الكفائي ابن الآخوند محمد كاظم الخراساني والمتلمّذ على يد والده وغيره من أعلام النجف، من أبرز العلماء الذين هاجروا إلى مشهد إبّان زعامة أخية الأكبر الميرزا محمد آقا زاده، متصدّيا للتدريس والإفادة فيها. وكانت هجرته في وقت كانت المدرسة المشهدية تعيش حالة من الانكماش بسبب حادثة مسجد كوهر شاد ومنع إرتداء الزي الديني وانحسار عدد طلبة العلوم الدينية الذي أوشكت معه على أن توصد أبوابها، مضافاً إلى الماكنة الإعلامية المعارضة والحركة المضادة للدين التي قامت بها تيارات واسعة النطاق في المجتمع في بدايات العهد البهلوي الثاني، الأمر الذي إنعكس سلباً على الفضاء السياسي والديني لمدينة مشهد وغيرها من المدن الإيرانية. ورغم ذلك كلّه تمكن الميرزا- اعتماداً على خلفيته الدينية ومكانتها الإجتماعية وانتسابه إلى بيت علمي رفيع، مضافاً إلى تمكنه من نيل ثقة السلطة- من استرجاع المدارس والموقوفات من يد السلطة واستثمارها عن طريق التأجير وتعيين مدراء للمدارس وتأمين الميزانية الضرورية للمدارس عن طريق عوائد الموقوفات تلك، الأمر الذي وفّر الأرضية المناسبة لعودة الكثير من الطلاب والمدرسين والتحاقهم بصفوف الدراسة فيها، ولم يكتف بذلك بل حاول جذب بعض الوجوة العلمية إليها كالآقا بزرك أشرفي شاهرودي الذي يُعد من مبرّزي تلامذة الميرزا محمد حسين النائيني.
 
حضور الميرزا مهدي الأصفهاني :
     الميرزا مهدي الأصفهاني (ت : 1946 م): فقيه إمامي، مدرّس. أكمل دراسته في النجف، حيث حضر على محمد حسين النائيني، وكان من مبرّزي تلامذته والعارفين بالمباني الفقهية والأصولية للمدرستين السامرائية والنجفية. عاد إلى إيران، فاستقرّ بمدينة مشهد حدود سنة 1921 م، وتصدّى بها لتدريس الفقه والأصول والكلام، وأصبح المدرّس الأوّل فيها.
 
الخطوات التي قام بها الميرزا الأصفهاني :
قام الميرزا مهدي الأصفهاني بمجموعة من الخطوات الإحيائية للمدرسة المشهدية، منها :
     قام باسترجاع غرف مدرسة نواب التي كانت الحكومة قد صادرتها سابقاً والانتقال بحلقات دروسه العليا (البحث الخارج) فقهاً وأصولاً، إلى تلك المدرسة بعد أن كان يلقيها في داره آخريات حكومة رضا شاه.
     يُعد الميرزا الأصفهاني أوّل عالم نقل المباني الأصولية لأستاذه النائيني إلى باحات الدرس الحوزوي في مدينة مشهد.
     مما ميّز الميرزا الأصفهاني عن غيره طرحه لمفاهيم ومعارف الشيعة الإمامية بطريقة خاصة باتت تعرف "بالمدرسة الخراسانية" أو المدرسة التفكيكية، القائمة على ضرورة فصل المناهج فصلاً تاماً تقريباً، والمراد من فصل المناهج، فصل المنهج الديني عن المنهج الفلسفي وعن المنهج العرفاني الكشفي الصوفي القائم على الشهود القلبي. وقد تمكن الميرزا الأصفهاني من تربية جيل من الأعلام يؤمن بمنهجه الفكري ويدافع عنه كمجتبي القزويني المتوفي 1967 م، الذي تمكّن من تعزيز المدرسة التفكيكية وتحكيم وتفصيل مرتكزاتها، وقد واصل التفكيكيّون المسيرة حتى وصلت في عصرنا الحاضر مرتبة باتت تعرف بها المدرسة الخراسانية.
 
حضور مرتضي الآشتياني :
     مرتضى الآشتياني فقيه إمامي تلمّذ على يد والده محمد حسن الآشتياني في طهران والآخوند الخراساني في النجف، وبعد نيل مدارج عالية في العلم والتمكّن من تحصيل ملكة استنباط الحكم الشرعي عاد إلى مشهد إبّان حكومة رضا شاه منشغلا هناك بالتدريس والإفادة فترة طويلة، ثم أبعد إلى طهران على أثر حادثة مسجد كوهر شاد، ثم عاد في هذه الحقبة إلى مشهد ليواصل إلقاء محاضراته على مستوي الدراسات العليا.
     وكان إلى جانب هذين العلمين الكثير من العلماء كهاشم القزويني ومجتبي القزويني اللذين كانا يلقيان دروسها في البحث الخارج على نطاق محدود. وقد واصلت حركة الدراسات الأدبية والمقدمات الحوزوية نشاطها العلمي على يد أساتذة مبرّزين كالميرزا أحمد المدرّس اليزدي، وكاظم الدامغاني والميرزا محمد تقي أديب النيسابوري.
 
حضور سائر العلماء :
     شهدت مدرسة مشهد العلمية الكثير من الأعلام ممن تركوا بصماتهم الواضحة في تاريخها العلمي، منهم :

  1. يونس الأردبيلي (ت : 1958 م)، وكان قد تصدّى للتدريس والنشاط العلمي في مشهد قبل حادثة كوهرشاد، وأبعد على أثرها ثم عاد إليها بعد سقوط الحكم البهلوي الأوّل مواصلا عطاءه العلمي.

  2. غلام حسين مجتهد التبريزي (ت : 1980 م)، شرع بعطائه العلمي تدريساً وبحثاً وكتابة في عصر الحكم البهلوي الأوّل، مضافاً لتصديه لصلاة الجماعة والقيام ببعض النشاطات السياسية والاجتماعية المعروفة.

 
عودة الحاج آقا حسين القمّي :
     من العوامل التي ساعدت على إعادة الروح إلى جسد المدرسة المشهدية بعد عام 1941 م وعملت على ازدهارها العلمي والمعرفي وتعزيز المكانة العلمية للحوزات الخراسانية عامّة والمشهدية خاصّة، وعلى جميع المستويات السياسية والإجتماعية، العودة الميمونة والقوّية للحاج آقا حسين القمّي من العراق إلى إيران سنة 1943 م، والذي حظي باستقبال رائع وتوافد جماهير مهيب في جميع المدن والقصبات التي مرّ بها خلال رحلته صوب مدينة مشهد، وكان القمّي يروم في سفره هذا تحقيق مجموعة من الأهداف من أهمها رفع الحظر على الحجاب.
     ومن هنا أرسل بتاريخ 6/  8/  1948 م كتاباً إلى رئيس الوزراء حينها طالبه فيه بأن تصدر الحكومة بياناً رسمياً ترفع به الحظر عن الحجاب، وفك الحجز والترقين على الموقوفات التي صادرتها السلطة وخاصة الموقوفات العائدة للمدارس الدينية، ويطالبه أيضاً بحل المدارس المختلطة التي تمّ إنشاؤها في عهد البهلوي الأوّل. ومما طالبه به تضمين المناهج الدراسية الجديدة مادة القرآن الكريم والمعارف الدينية، وتحسين الحالة المعيشية للناس. ولم يكتف الحاج القمّي بالكتاب المذكور بل واصل المطالبة بقوّة إلى أن أذعنت السلطة في نهاية المطاف لتلك الطلبات، وبعد فترة قصيرة عاد القمّي من مشهد إلى مدينة كربلاء.
 
الحضور المؤقت للبروجردي :
     العامل الآخر الذي ساعد في ازدهار الحركة العلمية في العقد الرابع من القرن الميلادي العشرين، الزيارة المؤقتة التي قام الحاج حسين البروجردي إلى مشهد بعد تصديه لشؤون الحوزة القمّية سنة 1944 م، حيث شدّ الرحال سنة 1945 م متوجّها صوب مدينة خراسان وملقياً فيها رحله لثلاثة شهور متوالية (رجب، وشعبان، ورمضان)، فكان لحضوره هذا والاجتماعات التي عقدها مع العلماء والطلاب والهيئات الدينية ومتابعة شؤون المدارس العلمية فيها، الدور الكبير في إنعاش الحركة العلمية وضخ دماء طريّة في جسد المدرسة المشهدية.
 
وضع المدرسة المشهدية :
     مدرسة دودر العلمية أثمرت الجهود التي بذلها الميرزا أحمد الكفائي والتي عاضده فيها الكثير من الشخصيات العلمية والاساتذة المرموقين، عن إزدياد عدد الطلاب حتى بلغ العدد الإجمالي لهم سنة 1948 م قرابة 700 طالب. ثم أخذ العدد- مع تحسن الوضع العام للمدرسة- بالازدياد. ومن مؤشرات تحسّن الحالة الاقتصادية أنّه بلغت ميزانية مدرسة نواب سنة 1951 م 550000 ريال، فيما بلغ نصيب مدرسة الميرزا جعفر 60000 ريال، ومدرسة خيرات خان 96000 ريال، ومدرسة عباس قلي خان 117000 ريال، ومدرسة الباقرية 204000 ريال، ومدرسة بالاسر 000،13 ريال، ومدرسة دودر 000،48 ريال، ومدرسة بريزاد 000،17 ريال، ومدرسة بهزاديه: 000، 5 ريال، ومدرسة سليمان خان 000، 195 ريال، ومدرسة أبدال خان 000، 142 ريال، و مدرسه رضوان 500، 18 ريال.
 
حضور محمد هادي الميلاني :
     شهدت حوزة مشهد العلمية بعد مرحلة التجديد وإعادة الحياة إليها وترسيخ جذور حركتها العلمية بُعيد سنة 1941 م، قفزة علمية كبيرة في العقد السادس من القرن العشرين، ويعود الفضل في ذلك إلى هجرة آية الله محمد هادي الميلاني (ت : 1975 م) واستقراره في ربوع تلك المدينة وتحمله لأعبائها لأكثر من عقدين من الزمن، وكان الكثير من علمائها قد تقدموا بطلب مذيّل بختم هؤلاء الأعلام طالبين منه الانتقال من النجف إلى مشهد للحد من هجرة المدرسين والطلاب الموهوبين منها إلى كلّ من الحوزتين النجفية والقمّية وكان ذلك سنة 1953 م، وكان حينها يسكن في مدينة كربلاء. فاستجاب لهم وشدّ رحاله متوجّها صوب مشهد سنة 1954 م وبقي هناك قرابة 22 عاماً تصدّى خلالها لرئاسة الحوزة العلمية والمرجعية بعد رحيل البروجردي، مسدياً بذلك خدمات جليلة حيث اعتمد طريقة جديدة لتأسيس المدارس وإختيار إسلوب تنظيمي وإداري معاصر لإدارتها مع وضع برنامج تعليمي يعزز الرقي العلمي فيها.
     وكانت حلقات دروسه العليا (البحث الخارج) تتمحور حول آراء ونظريات مشايخه محمد حسين الأصفهاني والميرزا النائيني. وقد اتسمت حلقة درسه بالسعة والشمولية حتى أنّه كان يحضرها قرابة 400 طالب علم ممن راهقوا مرحلة الإجتهاد.
 
الخطوات التي قام بها الميلاني :
     أقدم الميلاني على مجموعة من الخطوات لإصلاح وتنظيم الشأن الحوزوي في حاضرة مشهد العلمية، مضافاً إلى تشييد أربع مدارس علمية مهمة لتحقيق هذا الغرض، وقد تمثلت حركة الميلاني الاصلاحية في الخطوات التالية :
     خصّ المدرسة الأولى بتدريس مقدمات العلوم والمرحلة المتوسطة كالخط والإنشاء والإملاء ومقدار من الرياضيات والصرف والنحو والمنطق، وتستغرق الدراسة فيها ست سنوات دراسية؛ وبعد التخرّج منها ينتقل الطالب إلى مدرسة المتون العالية التي يتلقي فيها بعض المتون الرفيعة في الفقه والأصول والكلام مضافاً إلى التفسير والحديث ونهج البلاغة والصحيفة السجادية وتاريخ الأديان طيلة خمس سنوات دراسية.
     وتوزّع الدراسة في هذه الدورة إلى أربع عشرة مرحلة، متخذين من بعض الكتب المؤلفة حديثاً متناً دراسياً لدراسة اللغة العربية والفقه وأصول الفقه، من قبيل النحو الميسر وأصول الفقه للمظفر، وقد حملت أوّل مدرسة أسست لهذا الغرض سنة 1966 م اسم مدرسة آية الله الميلاني.
     وبعد الفراغ من المراحل الدراسية السابقة يخيّر الطالب بين التخصص في علمي الفقه والأصول ومواصلة الطريق في هذا المجال وبين التخصص في علوم ومعارف إسلامية أخرى، مضافاً إلى تعلّم إحدى اللغات الأجنبية والضرورية في التبليغ والإرشاد. وقد خصصت لهذا المرحلة مدرستان.
     توفّر المنهج الدراسي لتلك المدارس على مواد علمية لم يك من المتعارف تداولها في الوسط الحوزوي عامّة والمشهدية خاصّة. مضافاً إلى ذلك حازت المدارس التي شيدها الميلاني على قصب السبق باعتماد طريقة الاختبار والامتحان للطالب وبطريقة رسمية لمعرفة مدى تمكنه من المادة التي درسها.
     اهتم الميلاني بشأن التبليغ والارشاد، حيث أشرف مباشرة على تربية جيل كبير من المبلغين، وكان يبعث بهم إلى المدن والقري الإيرانية في المناسبات الدينية وبطريقة هادئة بعيداً عن الصخب الإعلامي لترسيخ أسس الدين وقواعده في الوسط الإجتماعي مضافاً إلى تفنيد الشبهات وردّ الإشكالات المثارة حول الدين وقيمه,
     ومن التدابير التي قام بها الميلاني دعم المؤسسات والمنظمات غير الحوزوية التي تهتم بترويج ونشر المعارف الدينية من قبيل رابطة نشر الحقائق الإسلامية التي أسسها محمد تقي شريعتي بمعاضدة عدد من رجال الدين في مدينة مشهد، وكانت الرابطة قد نشطت في ترويج الفكر الإسلامي والرد على الشبهات المثارة من قبل خصوم الدين وتعزيز البعد الثقافي الديني في أوساط الشباب عامّة والجامعي خاصّة ما بين سنة 1941 و 1970 م.
 
النظام المالي :
     تسجل الوثاق التاريخية تحسناً ملموساً في الجانب الإقتصادي للحوزة العلمية في مشهد وذلك في الستينات من القرن العشرين. إلا أن الحالة الإقتصادية انتكست إلى حد ما مع بداية سبعينيات القرن العشرين. وكان عدد الطلاب في السبعينيات يقرب من 2500 طالب.
 
بعد رحيل الميلاني :
     بعد رحيل الميلاني آلت المرجعية والزعامة العلمية - مع وجود علماء كبار في وسط المدرسة المشهدية كمحمد كاظم الدامغاني (ت : 1981 م)- إلى كلّ من تلميذه المبرّز إبراهيم علم الهدى السبزواري (ت : 1999 م). والميرزا علي فلسفي (ت : 2005 م) من مبرّزي تلامذة الخوئي، وكان قد قدم إلى مشهد بطلب من الميلاني نفسه لتعزيز النشاط العلمي في تلك الحاضرة العلمية.
 
المدرسة المشهدية والتحوّلات الإجتماعية :
     ساهمت المدرسة المشهدية بنحو ما في الكثير من الحوادث الإجتماعية والسياسية في العقود الثلاثة التي سبقت إنتصار الثورة الخمينية، منها:
     رغم بعض النشاطات الدينية وغير الدينية في مشهد إبّان حركة تأميم النفط، الا أن الحوزة التي كانت تعيش الانتعاش مرّة أخرى بعد فترة من الجمود والتقهقر في العصر البهلوي الأوّل، لم تظهر بالمستوي المطلوب في هذه القضية، باستثناء المواقف التي صدرت من بعض الشخصيات العلمية كيونس الأردبيلي والميرزا حسين السبزواري والحاج آقا حسين القمّي الذين أصدروا برقيات في خصوص هذه القضية. ومن أبرز الشخصيات الفاعلة في حركة تأميم النفط الخطيب المفوّه والمدرس البارع محمود الحلبي الخطيب.
     عندما بدت إرهاصات ثورة الخامس عشر من خرداد سنة 1342 ش والموافق لـ 5/  6/  1963م، كانت المدرسة المشهدية تشهد وجود أربعة إتجاهات فاعلة هي: أتباع زعيم الحوزة المشهدية محمد هادي الميلاني؛ وأتباع الآقا حسن القمّي ابن الثائر المعروف الحاج آقا حسين القمّي المرجع الشيعي المعروف بمعارضته لسياسة السلطة البهلوية؛ وأتباع مجتبي القزويني من مبرّزي تلامذة الميرزا مهدي الأصفهاني والأستاذ المبرّز في الفقه وسائر المعارف الدينية وصاحب الإتجاه المعارض للفلسفة، ومن المؤيدين لنهضة الإمام الخميني؛ والاتجاه الرابع هم أتباع الميرزا أحمد الكفائي والميرزا حسين الفقيه السبزواري اللذين اختارا طريقة التماشي مع النظام البهلوي بغية تقديم الخدمة للناس، وإن كانت الجماهير تنظر إليها نظرة أخرى وتراهما يميلون للنظام البهلوي.
     كان السهم الأوفر في النشاط السياسي في تلك القضايا من نصيب الميلاني والقمّي، حيث أعلنا عن معارضتهما لللائحة الجديدة للاتحادات والولايات، مضافاً إلى مخالفتهما لقانون الإصلاح الزراعي واللوائح الست المعروفة بالثورة البيضاء. وقد قارن اعتقال الحاج حسن القمّي مع اعتقال كلّ من الخميني في قم ومحلاتي في مدينة شيراز بعد أحداث الخامس عشر من خرداد، والقي به خلف قضبان السجون في طهران. وعلى إثرها تحرّك الميلاني بقوّة للتنسيق مع بعض مراجع التقليد والعلماء في شتى المدن الإيرانية مبدين اعتراضهم على اعتقال هؤلاء المراجع الثلاثة ومتوجهين صوب طهران للاطمئنان على سلامتهم، وبعد التأكد من سلامتهم وعدم وجود ما يمسّ حياتهم بالخطر قفلوا راجعين إلى مدنهم.
     وبعد الاعتقال الثاني للخميني في 13 آبان سنة 1343 ه ش الموافق للرابع من الشهر 11 سنة 1964م وإبعاده إلى تركيا، اتخذت حوزة مشهد العلمية موقفاً صارماً وشديداً من تلك الخطوة وذلك بقيادة الميلاني والآقا القمّي اللذين أبرقا إلى علماء قم يعلنان تضامنهما مع أهداف الخميني وحركته.
     كان لعلماء ومدرسي وطلاب الحوزة العلمية في مشهد دور فاعل إبّان إنطلاقة الثورة الخمينية سنة 1978 م، فكانت بيوت الأعلام عبد الله الشيرازي والحاج آقا حسن القمّي الذي كان قد رجع من توّاً من مدينة كرج إلى مشهد في 8/  9/ 1978 م بعد إبعاد دام 12 سنة قد تحولت إلى مراكز لصنع القرار وملاذ للجماهير الثائرة، ومتابعة وتنفيذ توصيات وإرشادات قادة الثورة وعلي رأسهم الخميني مضافاً إلى إدارة وتنظيم شؤون الاحتجاجات والتظاهرات عن طريق طلاب العلوم الدينية الثوريين كالميرزا جواد الطهراني، وأبو الحسن الشيرازي، وكاظم مرعشي وعلي الخامنئي وعباس واعظ طبسي وعبد الكريم هاشمي نجاد.
     يعود تاريخ إنطلاقة الحركة السياسية في مشهد إلى 22/  7/  1978 م المقارن لتشييع الواعظ الطهراني الشهير أحمد الكافي وما جرى عقيب ذلك من الهجوم على مدرسة نواب. وما تلاه من المجالس التي عقدت بمناسبة مرور أربعين يوماً على حادثة مدرسة نواب والكلمة التي ألقاها عبد الكريم هاشمي نجاد وبمشاركة كبار العلماء كعبد الله الشيرازي والتي تحوّلت إلى تظاهرة حاشدة. وكانت مدرسة نواب قد تحوّلت في تلك السنة إلى مركز ثابت في تنظيم الاحتجاجات وترتيب المظاهرات ضدّ النظام في مدينة مشهد، وقد واصل رجال الدين وروحانيو المدينة الكبار قيادة زمام الثورة في المدينة حتى انتصارها.
عهد الجمهورية الإسلامية :
     حصل في العقود الثلاثة الأخيرة تزامنا مع الأحداث السياسية والاجتماعية الكبيرة، تحوّل أساسي في وسط الحوزة المشهدية، وكان لانتصار الثورة الخمينية الأثر الكبير في إنعاش الحركة العلمية فيها وضخ الدماء في عروقها لمواصلة مسيرتها والاقتراب بها من أهدافها المرسومة.
 
إنشاء مركز إدارة الحوزة في خراسان :
     بعد انتصار الثورة الخمينية أصدر الخميني أمراً بتعيين عباس واعظ طبسي- الذي عرف بنشاطه السياسي والثوري ومعارضته لنظام الشاه من قبل- رئيساً للحوزة العلمية في خراسان عامّة ومشهد خاصّة. فقام بتشكيل لجنة تُعني بالتحقيق ورصد حالة الحوزة العلمية وذلك عام 1983 م، ثم تحوّلت في السنين الأخيرة إلى مركز إدارة الحوزة العلمية في خراسان، وبصلاحيات كبيرة وأقسام متعددة لتنظيم الأمور الدراسية والمعاشية لطلاب الحوزة ومدرسيها.
 
إنشاء المدارس وإعادة تأهيل القديمة منها :
     شهد عصر الثورة الخمينية إنشاء الكثير من المدارس العلمية وباتجاهات مختلفة مضافاً إلى المدارس السابقة التي أعيد تأهيلها وترميمها، كمدرسة الميرزا جعفر (وكانت قد أغلقت قبل الثورة لغرض إعادة إعمارها)، ومدرسة خيرات خان التي ضُمّت إلى مجمع الكلية الرضوية للعلوم الإسلامية. ومنها مدرستا بريزاد و دودر، ورغم إعادة التأهيل الجيدة إلا أنّها متوقفتان من ناحية الدرس الحوزوي وانعقاد حلقات البحث فيهما بسبب دخولهما ضمن دائرة الحرم الرضوي وقد اقتصر نشاطهما على البعد التبليغي والإرشاد للزائرين فقط. والجدير بالذكر أن بعض المدارس القديمة قد ضُمّت إلى الحرم الرضوي بعد التوسع العمراني الذي تم في السنين الأخيرة كمدرسة بالاسر التي شيّد مكانها رواق دار الولاية. كما شمل مشروع الاعمار مدرسة نواب وشيّد مكانها مدرسة جديدة باتت تعرف بمدرسة نواب العليا.
     ومن أهم المدارس العليا في مدينة مشهد والتي تعقد فيها حلقات الدراسات العليا هي مدرسة آية الله الخوئي، التي تشتمل على مجمع تعليمي كبير، وقد تمّ افتتاح بنايتها على أعتاب انتصار الثورة الخمينية عوضاً عن المدارس التي تمّ تخريبها، وبعد انتصار الثورة تمّ إتمام البناء الأصلي لها طيلة عملية عمرانية طالت العقود الثلاثة الأخيرة.
 
إحصاءات المدارس والطلاب :
     تشير آخر الاحصائيات المتوفرة في مركز إدارة الحوزة العلمية سنة 2008 - 2009 م إلى أن عدد المدارس العلمية في مشهد بلغ 31 مدرسة مختصة بتدريس المرحلة الأولى، وثلاث مدارس للمرحلتين الثانية والثالثة. وفي إحصاء عام 2007 - 2008 م توجد خمس مدارس كأقسام داخلية. مضافاً إلى وجود 12 مدرسة نسوية. أما المحافظات الثلاث خراسان رضوي وخراسان الشمالي وخراسان الجنوبي فقد توفرت على ست وأربعين مدرسة علمية. فيما أشارت الإحصائيات الموجودة في التقريري السنوي لعام 2007 م إلى بلوغ عدد طلاب المرحلة الأولى في مشهد 2410 طلاب، وفي المرحلتين الثانية والثالثة 3901 طالب، فيما بلغ عدد المشاركين في اختبارات البحث الخارج لقسم الفقه 730 طالباً، و 283 طالباً لقسم الأصول. أمّا الإحصاءات الخاصّة بالمدرسين فتشير إلى وجود 236 أستاذا ً مسجلين رسمياً للمرحلة الأولي خاصّة، مضافاً إلى 121 أستاذاً غير مسجلين، أمّا أساتذة المرحلتين الثانية والثالثة فقد بلغ عددهم 113 أستاذاً، وبلغ عدد مدرسي العلوم العامّة 86 أستاذاً والدراسات العليا (البحث الخارج) فقهاً وأصولاً 20 أستاذاً.
 
النظام التعليمي :
     تشير آخر المعلومات المندرجة في نشرية الأخبار التابعة لمركز إدارة الحوزة العلمية في خراسان إلى أنّ مدرسة مشهد العلمية تشهد بالاضافة إلى الكثير من حلقات دروس المقدمات وعشرات الدروس في الرسائل والمكاسب والكفاية إلى وجود 18 حلقة دراسية عليا (البحث الخارج) في الفقه خاصّة، و 15 حلقة دراسية عليا مختصّة بأصول الفقه، يتصدّى لها أستاذة كبار من المجتهدين وأصحاب الرأي، تحتضن مدرستا آية الله الخوئي ونواب النصيب الأكبر منها.
     وقد اعتمد طلاب الحوزات العلمية في السنين الأخيرة طريقة الدراسة الجامعية لنيل الشهادات الأكاديمة على جميع المستويات. وقد أكدت الاحصاءات الرسمية لمركز إدارة الحوزة العلمية إلى صدور 242 وثيقة دراسية في العام 2007 م فقط. وتتوزع فروع الإدارة و التخطيط لجميع مدارس خراسان والتابعة لمركز إدارة الحوزة على الأقسام التالية :

  1. اللجان المختصة بتهذيب الأخلاق وصقلها، البحث والتحقيق، التعليم، قسم العلاقات الإجتماعية، قسم الرفاه المعيشي.

  2. القسم التنفيذي

  3. قسم القبول

  4. قسم التعليم والبحث العلمي

  5. القسم الثقافي والسياسي

  6. قسم الشؤون النسوية (الطالبات)

  7. قسم شؤون أهل السنّة.

 
المدرسة التكفيكية :
     واصلت المدرسة التفكيكية (المدرسة الخراسانية) تحركاتها بعد إنتصار الثورة الخمينية على يد شخصيات علمية كبيرة كحسن على مرواريد (ت : 2004م)، والميرزا جواد آقا الطهراني (ت : 1989م) وجعفر سيدان الذي يعد من أشدّ المدافعين عن المدرسة التفكيكية التي تمكنت إلى حد ما من فرض وجودها مقابل الاتجاه الفلسفي ومبدية نظاماً معرفياً يقوم على القرآن والحديث.
 
النشاط الفلسفي والعلوم الأخري :
     ورغم قوّة الاتجاه التفكيكي إلا أنّ البحث الفلسفي وتدريس المتون الفلسفية الإسلامية أخذ بالرواج والازدهار في المدرسة المشهدية. فقد تمكن مكتب التبليغ الإسلامي في خراسان وخلال العقدين الاخيرين من القيام بإنجاز كبير في ترويج الفلسفة والكلام ولم يقتصر نشاطه على التعريف بالفسلفة الإسلامية بل تعداه إلى الخوض في الفلسفة الغربية معتمداً منهجية وأسلوباً جديداً في الطرح من خلال إقامة الدورات العلمية وعقد حلقات درسية لبعض المتون الفلسفية كنهاية الحكمة وكتاب الأسفار الأربعة إلى جانب التفسير والعقائد المقارنة لدروس الحوزة العلمية الأخرى كالفقه والأصول.

عدد مرات القراءة:
416
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :