معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

حوزة بغداد العلمية ..
الكاتب : فيصل نور ..

حوزة بغداد العلمية

      حوزة بغداد العلمية الشيعية اقترن تأسيسها مع تأسيس العباسيين للمدينة ومع إمامة الإمام موسى الكاظم رحمه الله حسب إعتقادهم، وقد تألق نجمها وذاع صيتها خلال المائة عام من عمر الدولة العباسية التي تولى فيها البويهيون الشيعة سدة الوزارة والحكم في بغداد، حيث أنجبت بغداد في تلك الفترة كبار العلماء والفقهاء عند الشيعة كابن الجُنيد والمفيد والمرتضى والطوسي.
     خاض علماء وفقهاء المدرسة البغدادية في شتّى العلوم والمعارف الرائجة في ذلك العصر كالفقه، وأصول الفقه، وعلم الحديث، والكلام والحكمة (الفلسفة)، وتفسير القرآن، والتاريخ والتراجم والرجال فضلا عن علم الفلك والرياضيات.
ووقد ازدهرت المدرسة في عصر البويهين ومرجعية الطوسي إلا أن دخول طغرل بك السلجوقي إلى بغداد بطلب من الخليفة العباسي سنة 447 هـ ساعد على أفول نجم تلك المدرسة.
 
المدرسة البغدادية في عصر الأئمة :
     لم يتأخر ظهور المدرسة البغدادية ونضجها كثيراً عن تاريخ تأسيس ونشأة مدينة بغداد. حيث تقارنت بداية تاريخ بغداد وتشييدها مع بدء إمامة الإمام موسى الكاظم سنة 148 هـ عند الشيعة، وهذا ما تؤكده الآثار العمرانية والتاريخ العلمي والمعنوي لمدرسة بغداد. فقد استدعي الإمام موسى الكاظم إبّان خلافة هارون الرشيد من المدينة إلى بغداد وأودع السجن هناك كما قيل حتى توفي فيها ودفن في مقابر قريش (التي تعرف اليوم بالكاظمية)، وهي الفترة التي اختارت فيها بعض البيوتات الشيعة السكن في بغداد.
     وقد تعززت تلك الآصرة إثر إنتقال الإمام الجواد إلى بغداد سنة 215 هـ وحتى وفاته سنة 220 هـ، وانتقال علي بن محمد الهادي إلى سامراء التي تقع على مسافة 124 كيلو مترا شمال بغداد، ثم إقامة الإمام الحسن العسكري فيها مع نشاط السفراء الأربعة للإمام المهدي عند الشيعة.
     والجدير بالذكر أن هذا لا يعني أننا وضعنا اليد على التاريخ الدقيق للمدرسة البغدادية والمعارف الشيعية. وإن أمكن القول من خلال رصد تاريخ علماء الشيعة أن جذور النشاط العلمي الشيعي البغدادي يعود إلى أواخر القرن الثاني.
 
آل يقطين :
     تُعد أسرة آل يقطين من أعرق العوائل الشيعية التي سكنت بغداد وقامت بنشاطها العلمي الواسع منذ أواخر القرن الثاني القمري وما تلاها من العقود. ومن أبرز رجال آل يقطين :

  1. علي بن يقطين البغدادي (ت : 182 هـ)، من أصحاب جعفر الصادق موسى الكاظم رحمهما الله، وقد روى كثيراً عن الكاظم، وصنف الكثير من الكتب، منها كتاب ما سئل عن الصادق عليه السلام من الملاحم وكتاب مناظرة الشاك بحضرته عليه السلام. ومن أعلام أسرة آل يقطين محمد بن عيسى بن عُبَيد، من أصحاب الإمام محمد التقي، يعدّ من وجوه المحدثين كثير الرواية، حسن التصانيف، روى عن أبي جعفر الثاني مكاتبة ومشافهة. له مؤلفات كثيرة منها: كتاب الإمامة، كتاب المعرفة، كتاب الوصايا، كتاب الفَيءِ والخمس وكتاب الرّجال. ومن المقربين لأسرة آل يقطين يونس بن عبد الرحمان (قبل 125 - 208 هـ). كان مولى لعلي بن يقطين، روى عن الإمامين موسى الكاظم وعلي بن موسى الرضا أحاديث كثيرة. له أكثر من ثلاثين كتاباً منها : جامع الآثار، كتاب الشرايع، كتاب العلل الكبير، كتاب الصيام واختلاف الحديث. ومن أهم الحوادث التي جرت إبّان حياة يونس موقفه من الواقفية بعد شهادة الإمام موسى الكاظم ودفاعه عن إمامة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام.

  2. محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى أبو أحمد الأزدي (ت : 217 هـ). بغدادي الأصل والمقام، لقي أبا الحسن موسى وسمع منه أحاديث، وروى عن الرضا. وكان قد حبس في أيام الرشيد ليدلّ - حسب بعض الروايات - على مواضع الشيعة وأصحاب موسى بن جعفر، وروي أنه ضرب أسواطا (1000 ألف سوط) بلغت منه، فكاد أن يقرّ لعظم الألم، فصبر ففرج الله عنه، وقيل إن أخته دفنت كتبه في حال استتاره وكونه في الحبس أربع سنين فهلكت الكتب، وقيل بل تركتها في غرفة فسال عليها المطر فهلكت، فحدث من حفظه. ومما كان سلف له في أيدي الناس، فلهذا يسكن الشيعة إلى مراسيله. وقد صنّف كتبا كثيرة بلغت أكثر من 94 كتاباً منها : اختلاف الحديث، والإحتجاج في الإمامة.

  3. هَمّام بن سُهيل وولده محمد بن همام الأسكافي إيراني الأصل بغدادي الموطن، له منزلة عظيمة عند الشيعة، كثير الحديث، له مكاتبة مع الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري. وكان ولده محمد الإسكافي (ت : 336 هـ) من كبار محدثي الشيعة، له كتاب الأنوار في تاريخ الأئمة

 
في زمن آل بويه :
     تمكن البويهيون من الوصول إلى سدّة الحكم في العصر العباسي لأكثر من قرن من الزمان وكانت لهم كلمة الفصل في بغداد وغيرها مع ضعف الخلفاء العباسيين، ومن هنا وجد (فقهاء الشيعة) مجالا للظهور ونشر (الفقه الشيعي)، وممارسة البحث الفقهي والكلامي بصورة علنية.
     وقد برز في تلك الفترة على الساحة العلمية شخصيات شيعية كبيرة يشار إليها بالبنان كابن الجنيد الإسكافي، والمفيد، والمرتضى والطوسي، الأمر الذي أدّى إلى ازدهار الحركة العلمية الشيعية في بغداد وتربية جيل من العلماء الذين تركوا بصماتهم الواضحة في المدرسة البغدادية الشيعية وما تلاها من المدارس التي نشأت في الوسط الشيعي، وكان للفضاء العلمي المنفتح الذي وفرّه البويهيون الدور البارز في ظهور هذه القفزة والانتعاش العلمي.
 
خصوصيات تأسيس المدرسة البغدادية :
     تختلف المدرسة البغدادية عن المدرسة القمية من حيث المحيط الذي نشأت فيه المدرستان، ففي الوقت الذي نجد فيه المدرسة القمية قد نشأت في محيط شيعي صرف ودائرة شيعية مغلقة، نجد المدرسة البغدادية نشأت في محيط منفتح تتنافس فيه كافة المدارس والاتجاهات الأخرى خاصة في القرن الرابع الهجري حيث كانت بغداد تعج بالكثير من أتباع المذاهب السنيّة، الذين مالوا قبل الشيعة نحو الإجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية، فيما كان الغالب على الشيعة في تلك الفترة أنها تعيش مرحلة الفقه المنصوص.
     كانت حركة الجدل الكلامي بين أتباع المدارس البغدادية- الخلاف السنّي السنّي أو الخلاف السنّي الشيعي- في تلك الفترة قد بلغ الذروة. ومن هنا أدرك أعلام الشيعة أن الاكتفاء بالمنهج الحديثي المعتمد في مدرستي قم والري لا يمكن أن يصمد أمام المناهج الفقهية والكلامية المعتمدة لدى المدارس الأخرى التي سيطر عليها الفكر الفلسفي والمنطق الأرسطي، فلابد من التفكير بطريقة أخرى لمواجهة التحدي الذي يواجه المدرسة الشيعية عامة والبغدادية خاصة.
 
العلوم الرائجة في المدرسة البغدادية :
     تكشف العلوم الرائجة في المدرسة البغدادية عن المنهج المعتمد فيها، المتمثل في :
الفقه وأصول الفقه : تُعد مادتا الفقه وأصول الفقه من المواد الأساسية في الدرس الحوزوي عامّة وفي المدرسة البغدادية خاصّة؛ فهي وفضلاً عن توفرها على عدد كبير من مبرّزي رجال الفقه والفقاهة كابن الجُنَيد الإسكافي (القرن الرابع) والمفيد المشهور بابن المعلم (ت : 413 هـ، والشريف المرتضى علم الهدى (ت : 436 هـ، وسّلار الديلمي (ت : 448 هـ، والطوسي (ت : 460 هـ، وابن البَرّاج (ت : 481 هـ، قد شهدت منهجاً فقهياً حديثاً ونظاماً إجتهادياً جديداً.
     إن مدرسة بغداد كانت فتحاً جديداً في عالم البحث الفقهي الشيعي بصورة عامّة، فقد كان البحث الفقهي في مدارس (المدينة والكوفة وقم) لا يخرج عن حدود استعراض السنّة، ونقل الحديث، ولم يبلغ رغم تطور المدرسة في عهودها الثلاثة مرحلة الرأي والاجتهاد. ولم نلمس في هذه العهود الثلاثة ملامح عن الصياغة الفقهية والصناعة فيما بين أيدينا من آثار عصور الفقه الثلاثة الأولى بشكل ملموس واضح الملامح. ولأوّل مرّة يلمس الباحث آثار الصناعة والصياغة الفنية، والإجتهاد والرأي والتفريغ في كتابات هذا العصر، ولا سيما كتب المرتضى الأصولية وكتب الطوسي الفقهية والأصولية.

     ويتوفر المنهج الفقهي البغدادي على الخصائص التالية :

  1. أولى هذه الملامح: الخروج عن دائرة الفقه المنصوص؛ إن الفقه خرج في هذا الدور عن الاقتصار على إستعراض نصوص الكتاب، وما صحّ من السنّة إلى معالجة النصوص، واستخدام الأصول والقواعد، فقد كانت مهمة البحث الفقهي في الأدوار السابقة عرض النصوص، وفهمها وتذوقها.

  2. عدم تمامية منهج المحدثين في المعالجة الفقهية، ورفض القياس كمستند للفتوى والحكم. فقد تمكن المفيد من خلال تصنيفه لكتابه المُقنِعَة من تعزيز تلك السمة في المنهج البغدادي وسحب البساط من تحت أقدام المحدثين والقضاء على هيمنتهم على الساحة الفقهية الاستدلالية، وإبطال طريقتهم في التعاطي الظاهري مع الحديث من خلال إعمال القواعد العقلية والتمسّك بسيرة أهل البيت؛ كما تمكن من خلال تأليفه لكتاب التذكرة بأصول الفقه وجمع المسائل الأصولية من وضع الأسس واللبنات الأولى لعلم أصول الفقه الشيعي.

  3. ومن ملامح هذا العصر تفريع المسائل الفقهية واستحداث فروع جديدة لم تتعرض لها نصوص الروايات، وكان البحث الفقهي فيما سبق هذا الدور لا يتجاوز حدود بيان الحكم الشرعي باستعراض الروايات الواردة في الباب. ولم نعهد من أحد من الفقهاء المتقدمين على هذا العصر محاولة معالجة فروع جديدة لم تتعرض لها الروايات.

  4. الارتقاء بمكانة العقل؛ قد وهب المرتضى هذه الخصوصية إلى المدرسة البغدادية؛ إذ كان لمؤلفاته الفقهية والأصولية كالذريعة إلى أصول الشريعة في أصول الفقه، وكتاب الإنتصار والناصريات في الفقه، الدور البارز في هذا المجال، فكان يقوم بعد استعراضه للنظريات والأفكار المطروحة في المسألة التي يريد معالجتها، مقترنة مع بيان تلك النظريات وتوجيه سهام النقد إليها وطرح ما يراه مناسباً إنطلاقا من مبانيه الأصولية التي كان للعقل مكانة مميزة فيها.

  5. التحول في المنهج الاجتهادي؛ ويعود الفضل في هذه الخصوصية إلى الطوسي، ففي هذه المرحلة انقلبت عملية (الاستنباط) إلى صناعة علمية لها أصولها وقواعدها بعيداً عن القياس والإستحسان، وقد انفصل البحث (الأصولي) عن البحث الفقهي وأفرد بدراسات ومطالعات خاصّة، وقام البحث الفقهي على نتائج هذه الدراسات والمطالعات، ولأوّل مرّة في (تاريخ الفقه الجعفري) يلمح الباحث ملامح الصناعة في كتابات الطوسي الفقهية ككتاب المبسوط ومن قبل كتاب النهاية الذي يعدّ ترويضا للذهن الشيعي لتلقي ذلك التحول بطريقة هادئة بعيداً عن الانفعال وردود الفعل السلبية، ومن الطبيعي أن الصناعة الفقهية في هذه الفترة كانت تطوي مراحلها البدائية، ولكنه مع ذلك كانت بداية لعهد جديد، وخاتمة لعهد مضى.

  6. ظهور الفقه المقارن؛ ومن مميزات المدرسة البغدادية، هو ظهور الفقه المقارن أو الخلافي. فحينما تمركزت المدرسة الشيعية في الفقه في بغداد وفرضت وجودها على الأجواء العلمية في حاضرة العالم الإسلامي أثار ذلك أصحاب المذاهب الفقهية الأخرى، وأعلنوا المعارضة بوجه المدرسة بصورة صريحة، وأثاروا المسائل الخلافية بصورة حادّة، وأدى ذلك إلى اصطدام فقهاء الشيعة بفقهاء المذاهب الأخرى في الندوات والمجالس العامّة في المسائل الفقهية الخلافية، ومهما يكن من أمر، ومهما كانت الدوافع السياسية التي كانت تثير هذه المسائل، فقد أدى ذلك إلى خصوبة البحث الفقهي، فالخلاف والانشقاق دائما يؤدي إلى الخصومة، لا العقم، ويدل على خصوبة الذهنية لا عقمها.

 
     وكان من آثار ظهور الخلاف بين الفقه الإمامي والمذاهب الفقهية الأخرى، واتساع رقعة الخلاف بينها : أن تفرّغ فقهاء الشيعة لبحث المسائل الخلافية بصورة موضوعية، وبشكل مسهب. وظهر هذا النوع من البحث الفقهي لأوّل مرّة في هذا العصر على يد المفيد والمرتضى والطوسي، وتوسع الطوسي بشكل خاص لدراسة هذا الجانب من البحث الفقهي في كتابه الكبير (الخلاف) بشكل موسّع تناول فيه المسائل الفقهية بين الشيعة والسنة في مختلف أبواب الفقه، وتعرّض في كل مسألة لما يسند الجانبين من الأدلة، وناقش آراء المذاهب الأخرى في كثير من المسائل.
 
علم الحديث :
     كانت المدرسة البغدادية في مراحلها الأولى شأنها شأن المدارس الشيعية الأخرى التي سبقتها كمدرستي قم والري حديثية الإتجاه. فقد انجبت بغداد طائفة من الرجال والمحدثين الشيعة الكبار، منهم :

  1. ابن أبي عمير.

  2. يونس بن عبد الرحمن.

  3. حَفص بن البُختري من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم.

  4. يعقوب بن يزيد الانباري من أصحاب الإمام الجواد.

  5. نضر بن سُوَيد الكوفي.

  6. محمد بن محمد البَجَلي.

  7. محمد بن يعقوب الكليني من كبار مشايخ الري وصاحب كتاب الكافي الذي رواه في بغداد. فاستنسخه كل من هارون بن موسي التَلِّعُكبَري وأبي غالب الزُراري وأبي عبد اللّه الكاتب النعماني، وأبي عبد اللّه محمد بن أحمد بن عبد اللّه الصفواني. وبعد استنساخه شق كتاب الكافي طريقه إلى حلقات الدراسة في المدرسة البغدادية مباشرة ليكون محور الدراسة هناك.

  8. الطوسي صاحب الدور البارز في هذا المجال حيث انفرد بتأليف كتابين من بين الكتب الحديثية الأربعة المعروفة عند الشيعة هما كتاب الاستبصار وكتاب التهذيب.

  9. جعفر بن محمد بن قولوية القمي (ت : 368 هـ) أستاذ المفيد ومؤلف كتاب كامل الزيارات.

 
نقد الحديث :
     لعبت المدرسة البغدادية دوراً متميزاً في نقد الحديث وتمحيص الروايات. فقد كانت لكل من المفيد والطوسي مساهمات واضحة وكبيرة في نقد الحديث وتمييز السقيم من الروايات عن الصحيحة. فقد رسم المفيد منهجاً خاصاً للتعاطي مع الحديث في مباحثه الفقهية والكلامية يقوم على مدى إنسجام الحديث مع المطعيات العقلية رافضاً الروايات المعارضة لصريح العقل، مع دراسة الأحاديث لتحصيل الإطمئنان بصدورها عن الأئمة.
     وكان لبعض أعلام المدرسة البغدادية نشاط في المجال حيث صنفوا كتباً في بيان الاحاديث الموضوعة، منها ما قام به ثبيت بن محمد أبو محمد العسكري المتكلم الحاذق من أصحابنا العسكريين وكان أيضا له اطلاع بالحديث والرواية والفقه. صنف الكثير من الكتب منها: كتاب توليدات بني أمية في الحديث وذكر الأحاديث الموضوعة. وقد ذكر كلّ من النجاشي والطوسي في كتابي الفهرست والرجال- فضلا عن ترجمة كبار الشخصيات الشيعية- مجموعة من الرواة الموسومين بالغلو أحيانا والسذاجة والسطحية وعدم الضبط وغيرها من الأوصاف المؤثرة سلباً على دقة الحديث وإتقانه.
 
الكلام والحكمة :
     كان للواقع الفكري والثقافي المنفتح الذي عاشته بغداد في القرن الثالث وما تلاه من العقود من جهة والجدل الفكري والحوارات الفلسفية والكلامية الساخنة بين أتباع المذاهب والاتجاهات الفكرية وعلى رأسها الجدل المعتزلي الأشعري من جهة أخرى، الدور الكبير في طرح موضوعات ومسائل كلامية وفلسفية كثيرة أمام متناول الفلاسفة والمتكلمين.
     وكان للمدرسة البغدادية مساهمة كبيرة في ترسيخ البحث الكلامي والفلسفي وتحكيم الأبحاث العقلية انطلاقا من المنهج الذي سنّه الأئمة المعصومون في ترسيخ الجانب العقلي وتلبية للحاجات الملحة ومقتضيات الزمان والمكان. ومن هنا أنجبت المدرسة البغدادية أساتذة كبار ومتكلمين فحولا عند الشيعة يشار إليهم بالبنان في مجال الحقلين الكلامي والفلسفي. منهم :

  1. هشام بن الحكم : مولى كندة. وكان ينزل بني شيبان بالكوفة انتقل إلى بغداد سنة تسع وتسعين ومائة، تشرّب من معين مدرستي الإمامين الصادق والكاظم في القرن الثاني الهجري، وكان أحد متكلمي الشيعة وبطائنهم الذي فتق الكلام في الإمامة وهذب المذهب وسهّل طريق الحجاج فيه. وكان يجمع بين العلم والتجارة. صنف 27 كتاباً ورسالة في مجال العلوم الدينية والرد على المخالفين كالرد على الزنادقة وكتاب الشيخ والغلام في التوحيد، ولعله كتبه بطريقة الحوار والسؤال والجواب بين الشيخ والتلميذ، وكتاب إختلاف الناس في الإمامة وكتاب الرد على أرسطاطاليس في التوحيد وكتاب المجالس في التوحيد. وهناك مؤلفات تعرضت لنقد ودراسة الآراء والنظريات التي طرحها هشام بن الحكم مما يكشف عن مكانته في الأوساط العلمية، من قبل كتاب الإستطاعة على مذهب هشام تأليف الحسن بن موسى النوبختي. وكان لبعض تلامذة هشام دور في نشر مدرسة هشام الكلامية كأبي الحسن علي بن منصور الذي جمع آراء أستاذه في كتابه "التدبير في التوحيد والإمامة".

  2. أبو سهل النوبختي : تعتبر أسرة بني نوبخت من أبرز الأسر العلمية الشيعية التي أنجبت الكثير من المتكلمين الكبار، من أبرزهم :

  • أبو سهل إسماعيل بن علي (237 - 311 هـ) الذي يعد من وجوه الشيعة، وقد وصفه النجاشي بقوله: كان شيخ المتكلمين من أصحابنا وغيرهم له جلالة في الدنيا والدين يجري مجرى الوزراء في جلالة الكتاب. صنف كتبا كثيرة. من أصحاب الإمام العسكري. وذكر له الطوسي 17 كتاباً، ونقل عن ابن النديم مجموعة أخرى من الكتب له، منها كتاب الاستيفاء في الإمامة، الردّ على اليهود، الرد على الغلاة وكتاب الصفات. وقد بذل جهداً حثيثاً في بيان رأي الشيعة أثناء مناظرات التي أجراها مع المخالفين. وكانت له حلقة درس في بغداد وكان مجلس بحثه حافلاً بالحوار والنقاش والجدل العلمي والبحث الكلامي. وتبرز أهمية بحوثه الكلامية من جهتين : قيامة فضلا عن الدفاع عن عقائد الشيعة المدونة والمكتوبة، ببيان طريقة المعتزلة في تقرير وشرح المسائل الكلامية الإمامية، محاولاً التقريب بين المدرستين أحيانا كثيرة. يعتبر أبوسهل النوبختي من أوائل المتكلمين الذين أثبتوا بزعمهم وجوب الإمامة وصفات الإمام بالادلة العقلية وعدم الاكتفاء بمنهج من سبقه من المتكلمين القائم على الاستناد إلى الادلة النقلية فقط.

  • إبراهيم النوبختي : إبو إسحاق إبراهيم النوبختي من وجوه الشيعة ورواد الكلام الشيعي في النصف الأوّل من القرن الرابع الهجري. ترجم له العلامة الحالي قائلا: الشيخ الأقدم والإمام الأعظم. صنف من الكتب كتاب الابتهاج في إثبات اللذة العقلية لله تعإلى، وكتاب الياقوت. وقد شرح العلامة الحلي الكتابين. وذاع صيت كتاب الياقوت بين متكلّمي الإماميّة، وأصبح من أشهر الكتب الكلاميّة للإماميّة.

  1. المفيد : محمد بن محمد بن النعمان الحارثي المعروف بالشيخ المفيد وبابن المعلم، صنف الكثير من الكتب الكلامية التي تعرّض فيها لمعالجة الكثير من الموضوعات العقائدية والكلامية. له مناظرات عميقه مع المعتزلة خاصّة في موضوع الإمامة، وله آراء مشتركة مع الزيدية. وقد بذل قصارى جهده في تبليغ آراءه ونشر ما توصل إليه من نظريات وأفكار في مجال عقائد المدرسة الإمامية؛ وقد تحرك في اتجاهين متوازيين: تثبيت معتقدات الإمامية بالدليل والبرهان وتفنيد الكثير مما ذهبت إليه المعتزلة، وتعزيز المنهج العقلي. ويحتوي كتاب "تصحيح الإعتقاد" على التوضيحات والشروح والنقود والاعتراضات التي سجّلها ضد كتاب عقائد الإمامية لشيخه الصدوق مما يكشف عن سعة نشاطه العلمي وتبحره في المسائل الكلامية. وقد تمكّن المفيد من تربية علمين كبيرين من أعلام المدرسة البغدادية هما الشريف المرتضى وأبو جعفر الطوسي، اللذين يمثلان أبرز أساتذة المدرسة البغدادية، فقد تمحور كتاب الشريف المرتضى " تنزيه الأنبياء" حول الجدل المعتزلي الإمامي في خصوص عصمة الأنبياء، مؤكداً رأي الشيعة القائل بعصمة الأنبياء مطلقاً، في مقابل المدرسة المعتزلة التي ذهبت إلى تنزيه ساحة الأنبياء عن اقتراف الكبائر والذنوب التي تستوجب وهن النبي والاستخفاف به فقط. وقد تعرّض الشريف المرتضى في الأثناء إلى ردّ شبهات الزنادقة المثارة حول الأنبياء والرسل. أمّا الطوسي فهو الآخر له دوره الكبير في الساحة العقائدية حيث صنف عدداً من الكتب الكلامية أهمها شرحه لقسم من كتاب جمل العلم والعمل للشريف المرتضى تحت عنوان "تمهيد الأصول" وكتابه المفصح في الإمامة ومقدمة في المدخل إلى علم الكلام.

 
أبرز المسائل الكلامية :

  •      من أبرز المسائل الكلامية التي راج الحديث عنها في المدرسة البغدادية بل في شتى المحافل العلمية مسألة الإمامة بصورة عامّة، وقضية غيبة الإمام المهدي عند الشيعة بصورة خاصّة. وقد واجهت المدرسة البغدادية مجموعة من الاتجاهات والمدارس المخالفة والمعارضة لما تتبناه من آراء ونظريات، تمثلت في كل من الاتجاهات التالية :

  •      السلطة العباسية؛ لما كانت مسألة الإمامة تتصدر قائمة القضايا المطروحة في تلك الفترة انجر ذلك الى حنق السلطة العباسية؛ وذلك لأن الخلفاء العباسيين كانوا ينظرون إلى الأئمة كمنافسين سياسيين لهم.

  • المعتزلة؛ إن فرقة المعتزلة وإن ذهب بعضهم إلى تفضيل علي رضي الله عنه من الزاوية العلمية على سائر الخلفاء، إلا أنّها تخالف الإمامية في القول بوحيانية الإمامة وكونه منصوصا عليها من قبل الله تعالى.

  • البابية، الفريق الثالث الذي يقف من الشيعة موقف المخاصم يتمثل في البابية الذين يدعون أنهم الأبواب للإمام المهدي عند الشيعة في عصر الغيبة، مستغلين المشاكل الناشئة من عصر الغيبة والمعضلات والعراقيل التي واجهت الشيعة، حيث أشاعت البابية بأنهم نواب الإمام الشرعيين وأبوابه دون سائر الناس، مع إثارة الكثير من الأفكار المضللة في الوسط الشيعي.

 
تفسير القرآن :
     أنجبت المدرسة البغدادية الشيعية الكثير من الباحثين والمحققين في الشأن القرآني، منهم :

  1. أبو محمد حسن بن موسى النوبختي (ت : 310 هـ) ق صاحب كتابي التنزيه ومتشابه القرآن.

  2. أبو عبد الله أحمد بن محمد الجوهري صاحب كتاب ما نزل في القرآن في صاحب الزمان.

  3. محمد بن عباس المعروف بابن جُحام (كان حيّاً سنة 328 هـ) من علماء بغداد صنف مجموعة من الكتب الفقهية وله كتاب ضخم يشتمل على 1000 ورقة تحت عنوان "ما نزل من القرآن في أهل البيت"، لم يكتب مثله بشهادة علماء عصره.

  4. المفيد (ت : 413 هـ)، صنّف في علوم القرآن والتفسير، من قبيل الكلام في وجوه إعجاز القرآن، البيان في تأليف القرآن، والبيان عن غلط قُطْرُب في القرآن.

  5. الرضي (ت : 406 هـ)، تلميذ المفيد وأخو الشريف المرتضى، له عدة مصنفات قرآنية من قبيل حقائل التأويل في متشابه التنزيل، ومعاني القرآن.

  6. المرتضى، ويعد من كبار أعلام المدرسة البغدادية، فقد عرض في أهم مصنفاته القرآنية الموسوم بالمُوضِح عن جهة إعجاز القرآن، نظريةَ الصرفة في باب إعجاز القرآن، التي واجهت ردود فعل علمية نقداً وتحليلاً. ومن مصنفاته كتاب الأمالي أو غرر الفوائد ودُرر القلائد في تفسير عدد من الآيات المشكلة وهو حاصل ثمانين حلقة دراسية عقدها في بيته في بغداد وتم الفراغ منها سنة 413 هـ.

  7. الطوسي (ت : 460 هـ)، وقد صنف أوسع وأشمل دوره تفسيرية في عصره أطلق عليها اسم "تفسير التبيان" تعرض فيها لشتى المباحث اللغوية والبلاغية والصرفية والنحوية فضلا عن المباحث الكلامية والفقهية والتاريخية. وقد غلب على التفسير الطابع الكلامي بسبب طبيعة الأجواء العلمية الرائجة في بغداد في ذلك الوقت.

 
علم التاريخ :
     كان لرواج التدوين التاريخ العام وإزدهار المباحث الكلامية التي تقع الإمامة ضمن المباحث الأساسية فيها، الدور الكبير في رصد الواقع التاريخي ومتابعة حياة الأئمة وتاريخهم؛ مع نقد وتحليل الأحاديث وجرح وتعديل الرواة الناقلين لها الذي يستلزم معرفة هؤلاء الرجال وأصول وقواعد البحث النقدي، ومن هنا ظهرت بصورة واضحة الدراسات والمصنفات الرجالية والتاريخية في المدرسة البغدادية. وممن له مساهمات في هذا المجال :

  1. محمد بن عمر الجعابي (284 - 355 هـ)، الحافظ، القاضي، كان من حفاظ الحديث وأجلاء أهل العلم. له كتاب الشيعة من أصحاب الحديث وطبقاتهم، كتاب الموالي الأشراف وطبقاتهم، كتاب أخبار آل أبي طالب، كتاب أخبار بغداد وطبقات أصحاب الحديث بها، كتاب أخبار علي بن الحسين عليه السلام.

  2. الرضي، له كتاب خصائص الأئمة كتبه في تاريخ الشيعة.

  3. أبو المفضل محمد بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن البهلول بن شيبان أبو المفضل (ت : 387 هـ). له كتب كثيرة، في موضوعات شتّى منها كتب عالجت مسائل تاريخية من قبيل كتاب مزار أمير المؤمنين عليه السلام، كتاب مزار الحسين عليه السلام، كتاب من روى حديث غدير خم وكتاب أخبار أبي حنيفة. قال النجاشي: رأيت هذا الشيخ وسمعت منه كثيراً، ثم توقفت عن الرواية عنه إلا بواسطة بيني وبينه.

  4. أحمد بن محمد الجوهري (ت : 401 هـ) حيث صنّف الكثير من الكتب في مجال التاريخ كأخبار جابر الجعفي وكتاب في ذكر الشِجاج، وكتاب أخبار السيد (يعني السيد الحميري الشاعر المعروف) وكتاب أخبار وكلاء الأئمة الأربعة.

  5. المفيد، له مساهمات في مجال تاريخ الأئمة من قبيل: الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، وكتاب الجَمَل رصد فيه معركة الجمل مع تحليل وقائعها واحداثها التي دارت في البصرة.

 
التراجم والرجال :
    لعلماء المدرسة البغدادية الشعية سهماً من الدراسات الرجالية والتراجم، ومن أبرز هؤلاء :

  1. أحمد بن محمد بن عمران المعروف بابن الجُندي (ت : 390 أو 392 هأ)، سكن بغداد ومن مشايخ النجاشي له كتاب الرجال.

  2. أحمد بن حسين بن عبد الله الغضائري المعروف بابن الغضائري، زميل النجاشي في الدرس، ومن علماء الرجال في المدرسة البغدادية، اعتمد النجاشي على توثيقاته للرجال وجرحهم.

  3. الطوسي وهو مع النجاشي من أبرز رجاليي المدرسة البغدادية بل كافة المدارس الشيعية، علماً أن الطوسي تفرّد بتدوين ثلاثة كتب من الكتب الرجالية الشيعية الأربعة وهي: الفهرست أو فهرست كتب الشيعة وأصولهم وأسماء المصنفين وأصحاب الأئمة واختيار معرفة الرجال

  4. صنّف النجاشي (372 - 450 هـ) الذي يعد من أبرز رجاليي المدرسة الشيعية، رابعَ كتب الشيعة الرجالية الموسوم بـ"كتاب الرجال" أو "الرجال". والكتاب رغم اختصاصه بذكر مصنفات الشيعة كما صرح في مقدمة كتابه، ورغم أنّه لم يكن غرضه تقويم رواة الحديث والرجال الذين يذكرهم في كتابه، إلا أنّه مع ذلك قيّم جمعا مما ذكرهم.

 
العلوم الأدبية :
     لم تشذ المدرسة البغدادية الشيعية عن سائر المدارس الدينية في تدريس العلوم الأدبية في المراحل الأولى من سلسلة المراحل الدراسية المعتمدة والمعروفة بالمقدمات والسطوح. وقد شهدت بغداد نبوغ مشايخ واساتذة كبار على الصعيد الأدبي واللغوي منهم :

  1. أبو يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بان السكيت (186 - 244 هـ) من أصحاب الإمامين الجواد والهادي المعروف بتضلعه باللغة والصرف والنحو والبديع، وله فيها مصنفات منها : اصلاح المنطق، كتاب الألفاظ، كتاب الأضداد، كتاب المذكر والمؤنث.

  2. المتكلّم وشاعر أهل البيت المعروف، علي بن عبد الله بن وصيف المعروف بالناشئ الصغير المتوفى حدود 365 هـ.

  3. الأديب الشيعي المعروف أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني المتوفى 384 أو 378 هـ.

  4. أبو الحسن مهيار بن مروزيه الديلمي الشاعر المشهور (ت : 428 هـ الذي تلمّذ على يد الشريف الرضي وهو شيخه، وعليه تخرج في نظم الشعر، وقد وازن كثيراً من قصائده.

  5. الشريف الرضى الذي يعد من أبرز أعلام الأدب والشعر في المدرسة البغدادية بل وصف بأنه أشعر قريش. وله ديوان شعر مطبوع.

 
العلوم التطبيقية :
     شهدت المدرسة البغدادية فضلا عن العلوم المذكورة مجموعة من العلوم التطبيقية كالرياضيات والهندسة والنجوم والطب وغير ذلك من العلوم. منهم :

  1. ابن السكيت رغم كونه وجهاً في علم العربية واللغة، له كتب في العلوم الطبيعية، منها كتاب الطير، وكتاب النبات، وكتاب الوحش، و كتاب الأرضين والجبال والأودية.

  2. المنجم البغدادي صاحب زيج ابن أعلم الشريف أبو القاسم علي بن أبي الحسن العلوي الحسيني المعروف بابن الأعلم، وهو أوّل من عمل الزيج، والمقدم في صناعته في بغداد.

  3. أبو عبدالله أحمد بن محمد الجوهري من مشايخ النجاشي فهو فضلا عن مؤلفات الدينية الكثيره صنف كتاب اللؤلؤ وصنعته وأنواعه.

 
المساجد والاماكن المقدسة عند الشيعة :
     لا ريب أن المساجد والاماكن المقدسة والبقاع المباركة تعدّ المراكر الأصلية للعلم والعلماء في المدرسة البغدادية. حتى قال النجاشي: رأيت أبا الحسين محمد بن علي الشجاعي الكاتب يقرأ عليه كتاب الغيبة تصنيف محمد بن إبراهيم النعماني بمشهد العتيقة الذي يعدّ من المراكز العلمية الشيعية في الجنوب الشرقي من مدينة المنصور.
     وقال أيضاً: كنت أتردد إلى المسجد المعروف بمسجد اللؤلؤي، وهو مسجد نفطويه النحوي، أقرأ القرآن على صاحب المسجد، وجماعة من أصحابنا يقرءون كتاب الكافي على أبي الحسين أحمد بن أحمد الكوفي الكاتب.
     وقال الشيخ الطوسي في الأمالي: كان أبو الحسن أحمد بن محمد بن هارون بن الصلت الأهوازي يحدث في مسجده بشارع دار الرقيق ببغداد، سنة تسع وأربعمائة.
 
بيوت العلماء :
     كانت بيوت العلماء تمثل هي الاخرى المراكز العلمية بعد المساجد والأمكان المقدسة، فهذا النجاشي قد شاهد أبا محمد هارون بن موسى التلّعكبري يلقي الدورس في داره ببغداد.
     وذكر ابن الجوزي في كتابه المنتظم شيخهم المفيد قائلا : أبو الله المعروف بابن المعلم شيخ الإمامية وعالمها صنف على مذهبهم ومن أصحابه المرتضى وكان لابن المعلم مجلس نظر بداره بدرب رياح يحضره كافة العلماء وكانت له منزلة عند أمراء الأطراف.
     وروى الطوسي عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مهدي سنة عشر وأربع مائة في منزله ببغداد في درب الزعفراني، رحبة بن مهدي.
     وروى أيضاً في مجلس آخر عن علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدل، في منزله ببغداد في رجب سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
     وكان لحسين بن محمد بن حسن الحُلواني (ن : 429 هـ) مجلس إملاء في داره ببغداد في بركة زلزل.
     وكذلك دار المحدث الإمامي حسن بن محمد المعروف بابن الحمامي (ت : 439 هـ) فقد ذكره الخطيب البغدادي (ت : 463 ق قائلا: كان له مجلس في داره بالكرخ.
     وقد واصل ابن رستم عقد مجالس الدرس في داره رغم تأسيس المدارس الكبرى. وقد أشار ياقوت الحموي إلى حادثة وقعت آنذاك تكشف عن عدم التقيد بالتدريس في المدارس الكبرى، قائلا: كان علي بن محمد بن علي الفصيحي أبو الحسن (ت : 516 هـ، يدرس النحو بالنظامية بعد أبي زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي، ثم اتهم بالتشيع فقيل له في ذلك، فقال: لا أجحد، أنا متشيع من الفرق إلى القدم فأخرج من النظامية، فكان المتعلمون يقصدون داره التي انتقل إليها للقراءة عليه.
 
النظام المالي :
     لم نعثر على ما يسلط الأضواء بصورة جلية على النظام المالي المعتمد في المدرسة البغدادية وكيفية تأمين مخارج الاساتذة والطلاب.
 
العمل والاحتراف الشخصي :
     يظهر من تراجم الكثير من الأعلام والمفردات التي لقبوا بها كالبزاز والورّاق والسبّاك، أنهم كانوا يحترفون بعض الصناعات ويمارسون التجارة لتأمين ما يحتاجون إليه من المال. وكان الوراقة مهنة تدر أربحاناً لا بأس بها نظراً لحاجة المشايخ والتلاميذ إلى الورق لاستنساخ الكتب وتدوين مجالس الإملاء، فكان العالم الإمامي العباس بن موسى أبو الفضل البغدادي من رجال القرن الثالث، ومن أصحاب يونس بن عبد الرحمن يمتهن الوراقة ولذلك لقب بالورّاق.
     وكان محمد بن علي بن يعقوب المعروف بأبي الفرج القناني الكاتب والمعاصر للنجاشي ورّاقا أيضا.
     وكان المتكلم وصاحب المصنفات الكلامية الكثيرة محمد بن خليل (الخليل) البغدادي أبو جعفر السكاك صاحب هشام بن الحكم وتلميذه يحترف صناعة السكك.
     عبد الله بن وصيف (ت : 365 هـ)، وصفه ياقوت الحموي بقوله: كان يعمل الصفر ويخرمه، وله فيه صنعة بديعة. ومن عمله قنديل بالمشهد بمقابر قريشٍ مربع غاية في حسنه.
     ومن الواضح أن إحتراف هؤلاء الأعلام والأساتذة لتلك الحرف الدقيقة يوفر لهم مستلزمات الحياة التي يحتاجون إليها ويؤمن لهم عيشة كريمة.
 
الموقوفات وهبات المحسنين :
     لا ريب أن المراكز العلمية تحتاج إلى ميزانية ضخمة تؤمن عن طريق الموقفات وهبات الخيرين. فكان للمرتضى مركز علمي يعرف بدار العلم، وكان يجري الرزق على جميع تلامذته حتى انّه قرّر للطوسي كلّ شهر أيّام قراءته عليه اثني عشر ديناراً وعلى عبد العزيز ابن البرّاج كلّ شهر ثمانية دنانير، ليتفرّغوا بكلّ جهدهم إلى الدراسة من غير تفكّر في أزمات المعيش. وكان ّ الشريف المرتضى قد وقف قرية على كاغذ "قرطاس" الفقهاء، حتى لا يواجه الفقهاء أيّة أزمة في لوازم الكتابة والتحرير.
 
الدعم الحكومي :
     يضاف إلى ذلك هناك مساعدات مالية تصل المدارس الدينية من الحكام المعروفين بميلهم نحو العلم والمعرفة؛ ولابد هنا من الإشارة - على سبيل المثال- إلى ما ذكره ابن الاثير عن عضد الدولة البويهي حيث قال : شرع عضد الدولة في عمارة بغداد، وعمّر مساجدها وأسواقها، وأدرّ الأموال على الأئمّة، والمؤذّنين، والعلماء، والقراء والغرباء، والضعفاء، الذين يأوون إلى المساجد، وأجرى الجرايات على الفقهاء، والمحدّثين، والمتكلّمين، والمفسّرين، والنحاة، والشعراء، والنسّابين، والأطبّاء، والحسّاب والمهندسين، واهتم بمشهدي عليّ والحسين في النجف وكربلاء.
     ومع هذا من البعيد جدا أن يكون قد حرم المدرسة البغدادية من عطائه وهي الاولى بالعطاء منه، بل من المحتمل قويا أنها عاشت أفضل أيام حياتها في عصره وتحت رعايته.
 
الانحطاط وافول نجم المدرسة :
     انتعشت المدرسة البغدادية وبلغت الذروة من الازدهار في العصر البويهي ومرجعية شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي، الا أن دخول السلاجة إلى بغداد بقيادة طغرل بك السلجوقي بطلب من الخليفة العباسي عام 447 هـ انعكس سلباً على المدرسة وبدأت تعيش حالة الانحطاط والتقهقر وبدأ نجمها يأفل رويدا رويدا من الأفق العلمي.
     وقد تعرضت المدارس والمساجد المكتبات الشيعية لحملة شعواء من قبل السلاجة ضاع على أثرها الكثير من التراث الشيعي المدوّن. فقد أحرقت في تلك الفتنة مكتبة سابو بن اردشير؛ وقد أرخ ابن الأثير لهذه القضية بقوله : سابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة، وكان كاتبا سديدا، وعمل دار الكتب ببغداد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وجعل فيها أكثر من عشرة آلاف مجلّد، وبقيت إلى أن احترقت عند مجي ء طغرلبك إلى بغداد سنة خمسين وأربعمائة.
 
هجرة الطوسي إلى النجف :
     في تلك الفترة تعرضت مكتبة شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي للنهب والغارة وشب فيها حريق، ونهبت داره وأخذ ما فيها وذلك قبل دخول طغرل بك وجيشه إلى بغداد. وكان الطوسي ذهب قبل ذلك لزيارة مرقد الإمام علي رضي الله عنه في النجف ولما علم بما حدث في بغداد اضطر للبقاء في النجف.
     وكان لهجرة الطوسي وخروجه من بغداد الأثر الواضح في نهاية تاريخ المدرسة البغدادية وبدايات تكوين المدرسة النجفية.

عدد مرات القراءة:
440
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :