آخر تحديث للموقع :

الجمعة 12 رجب 1444هـ الموافق:3 فبراير 2023م 10:02:34 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الإستدلال بآية المباهلة ..

الإستدلال بآية المباهلة

في آية المباهلة قالوا: اتفق المفسرون كافة أن الأبناء إشارة إلى الحسن والحسين، والنساء إشارة إلى فاطمة، والأنفس إشارة إلى علي - - ولا يمكن أن يقال: أن نفسهما واحدة، فلم يبق المراد من ذلك إلا المساوى، ولا شك في أن رسول الله  أفضل الناس فمساوية كذلك أيضاً (17) .

 1- لو سلمنا بكل ما سبق فإن الآية الكريمة لا تنص على إماما أحد، لأن ولاية أمير المسلمين تحتاج إلى قدرات خاصة تتوفر في صاحبها، حتى يستطيع أن يقود الأمة بسلام، ويرعى مصالحها على الوجه الأكمل، والآية الكريمة لا تشير إلى شيء من هذا ولا تتعرض للخلافة على الإطلاق، وإنما تذكر الأبناء والنساء والأنفس في مكان التضحية لإثبات صحة الدعوى، وهؤلاء المذكورون من أقرب الناس إلى الرسول  بهذا يتحقق للمعاندين صحة دعواه لتقديمه لبماهلة أقرب الناس إليه. وفرق شاسع بين مجال التضحية ومجال إمامة، ففي التضحية يمكن أن يقدم النساء والصغار ولكنهم لا يقدمون للخلافة .

 2- القول بأن الإمام علياً يساوي الرسول  غلو لا يقبله الإمام نفسه- كرم الله وجهه ، ويجب ألا يذهب إليه أي مسلم، فمكانه الرسول المصطفى غير مكانة من اهتدى بهديه واقتبس من نوره .

3- لو قلنا: أن الآية الكرمية تدل على أفضلية الإمام علي - فإن إمام المفضول مع وجود الأفضل جائزة حتى عند بعض فرق الشيعة أنفسهم كالزيدية، وهذا لا يمنعه الشرع ولا العقل، لأن المفضول بصفة عامة قد يكون أفضل بصفة خاصة فيما يتعلق بأمور الخلافة ومصلحة المسلمين، وكان الرسول الكريم يولي الأنفع على من هو افضل منه (18) .

4- عقب ابن تيمية على قولهم بان الله تعالى جعل علياً نفس الرسول  بقوله: هذا خطأ، وإنما هذا مثل قوله: (( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنين والمؤمنات بأنفسهم خيرا )) " النور: 12". وقوله تعالى: (( فاقتتلوا أنفسكم )) " البقرة: 54 " (( ولا تخرجون أنفسكم من دياركم )) " البقرة: 84 " فالمراد بالأنفس الأخوان نسبا أو دينا (19) .

 5- قال الزمخشري: " فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه ؟ وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنسا ؟ قلا: ذلك أكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك ، ولمن يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال أن تمت المباهلة . وخص الأنباء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب وربما فداهم يسوقون مع أنفسهم، وحارب حتى يقتل . ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ويسمون الذادة عنهم بأرواحهم حماة الحقائق. وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم . وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام (20) .

 وبعد فمهما اختلفت الأقوال فالآية الكريمة تدل على مكانة أولئك الذين قدموا للمباهلة، ولكن هذا لا صلة له بالخلافة كما بينا.


احتجاجهم بآية المباهلة

 قال عبدالله بن الحسين السويدي في مناظرته مع أحد علماء الشيعة :

 ثم قال – أي الشيعي - : عندي دليل آخر لا يقبل التأويل، وهو قوله تعالى: { قل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين } .

 قلت له:- ما وجه الدليل من هذه الآية؟

 فقال:- إنه لما أتى نصارى نجران للمباهلة، احتضن النبي صلى الله عليه وسلم الحسين، وأخذ بيد الحسن، وفاطمة من ورائهم وعلي خلفها، ولم يقدّم إلى الدعاء إلا الأفضل.

 قلت: هذا من باب المناقب، لا من باب الفضائل. وكل صحابي اختص بمنقبة لا توجد في غيره، كما لا يخفى على من تتبع كتب السير. وأيضاً إن القرآن نزل على أسلوب كلام العرب، وطرز محاوراتهم. ولو فرض أن كبيرين من عشيرتين وقع بينهما حرب وجدال، يقول أحدهما للآخر. ابرز أنت وخاصة عشيرتك، وأبرز أنا وخاصة عشيرتي، فنتقابل ولا يكوّن معنا من الأجانب أحد، فهذا لا يدل على أنه لم يوجد مع الكبيرين أشجع من خاصتهما. وأيضاً الدعاء بحضور الأقارب يقتضي الخشوع المقتضي لسرعة الإجابة.

 فقال: ولا ينشأ الخشوع إذ ذاك إلا من كثرة المحبة.

 فقلت: هذه محبة مرجعها إلى الجبلَّة والطبيعة، كمحبة الإنسان نفسه وولده أكثر ممن هو أفضل منه ومن ولده بطبقات فلا يقتضي وزراً ولا أجراً إنما المحبة المحدودة التي تقتضي أحد الأمرين المتقدمين إنما هي المحبة الاختيارية.

 فقال: وفيها وجه آخر يقتضي الأفضلية، وهو حيث جعل نفسه صلى الله عليه وسلم نفس علي، إذ في قوله: "أبناءنا" يراد الحسن والحسين، وفي "نساءنا" يراد فاطمة، وفي "أنفسنا" لم يبق إلا علي والنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

 فقلت: الله أعلم أنك لم تعرف الأصول، بل ولا العربية. كيف وقد عبر بأنفسنا، و"الأنفس" جمع قلة مضافاً إلى "نا" الدالة على الجمع ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي تقسيم الآحاد، كما في قولنا: "ركب القوم دوابهم" أي ركب كل واحد دابته. وهذه مسألة مصرحة في الأصول، غاية الأمر أنه أطلق الجمع على ما فوق الواحد وهو مسموع كقوله تعالى: { أولئك مبرءون مما يقولون } أي عائشة وصفوان - رضي الله تعالى عنهما -، وقوله تعالى: { فقد صغت قلوبكما } ولم يكن لهما إلا قلبان. على أن أهل الميزان يطلقون الجمع في التعاريف على ما فوق الواحد، وكذلك أطلق الأبناء على الحسن والحسين، والنساء على فاطمة فقط مجازاً. نعم لو كان بدل أنفسنا "نفسي" لربما كان له وجه ما بحسب الظاهر.

وأيضاً لو كانت الآية دالة على خلافة عليّ لدلت على خلافة الحسن والحسين وفاطمة مع أنه بطريق الاشتراك، ولا قائل بذلك لأن الحسن والحسين إذ ذاك صغيران وفاطمة مفطومة كسائر النساء عن الولايات، فلم تكن الآية دالة على الخلافة.

 فانقطع..

___________________________

 ( المرجع : الخطوط العريضة ، محب الدين الخطيب ، ص 78-81).

عدد مرات القراءة:
5906
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :