معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

تفسير العسكري ..
الكاتب : فيصل نور ..

تفسير العسكري

     تفسير منسوب للحسن العسكري بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الإمام الحادي عشر عند الشيعة الإمامية الإثني عشرية.
     وفي صحة نسبة التفسير إليه رحمه الله خلاف كبير بين الشيعة، لا يسعنا حصره. وهذا بعضه:
     فقد ذهب جماعة من كبار علماء الإمامية إلى صحة نسبة هذا التفسير إلى الإمام العسكري، منهم: الصدوق، والطبرسي (صاحب الاحتجاج)، والمحقق الكركي، والشهيد الثاني، ومحمد تقي المجلسي، ومحمد باقر المجلسي (صاحب بحار الأنوار)، والحر العاملي، وابن شهر آشوب، والقطب الرواندي، والفيض الكاشاني، وهاشم البحراني، والحويزي ، ونعمة الله الجزائري، والوحيد البهبهاني، وعبد الله شبر، ومرتضى الأنصاري.
     وذهب آخرون إلى الطعن في هذا التفسير، وعلى رأسهم، بل أول من طعن فيه هو إبن الغضائري ثم تبعه على ذلك جماعة كالعلامة الحلي والتفريشي والداماد والإسترأبادي والأردييلي والبلاغي والتستري والشعراني والخوئي، وغيرهم..
     يقول ابن الغضائري : محمد بن القاسم المفسر الاسترآبادي : روى عنه أبو جعفر بن بابويه ، ضعيف كذاب ، روى عنه تفسيرا يرويه عن رجلين مجهولين ، أحدهما يعرف بيوسف بن محمد بن زياد ، والآخر علي بن محمد بن يسار ، عن أبيهما ، عن أبي الحسن الثالث عليه السلام ، والتفسير موضوع عن سهل الديباجي ، عن أبيه بأحاديث من هذه المناكير[1].
     ويقول المحقق الداماد : حقيقة الحال أن هذا التفسير موضوع ، ويسند إلى أبي محمد سهل بن أحمد الديباجي ، ويحتوي على أحاديث منكرة ، وأخبار كاذبة . وإسناده إلى الامام المعصوم اختلاق ، وافتراء[2].
     وقال محمد جواد البلاغي: وأما التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام فقد أوضحنا في رسالة منفردة في شأنه أنه مكذوب موضوع ، ومما يدل على ذلك نفس ما في التفسير من التناقض والتهافت في كلام الراويين وما يزعمان أنه رواية ، وما فيه من مخالفة الكتاب المجيد ، ومعلوم التاريخ كما أشار إليه العلامة في الخلاصة وغيره[3].
     وقال التستري : ... الفصل الثاني في أخبار التفسير الذي نسبوه إلى العسكري عليه السلام بهتانا ، يشهد لافترائها عليه عليه السلام وبطلان نسبتها إليه ، أولا : شهادة خريت الصناعة ونقاد الآثار أحمد بن الحسين الغضائري أستاذ النجاشي أحد أئمة الرجال ، فقال : إن محمد بن أبي القاسم الذي يروي عنه ابن بابويه ضعيف كذاب . روي عنه تفسيرا يرويه عن رجلين مجهولين : أحدهما يعرف بيوسف بن محمد بن زياد ، والاخر بعلي بن محمد بن يسار ، عن أبويهما ، عن أبي الحسن الثالث عليه السلام ، والتفسير موضوع عن سهل الديباجي عن أبيه بأحاديث من هذه المناكير وثانيا بسبر أخباره ، فنراها واضحة البطلان مختلقة بالعيان . وثم ذكر نحوا من أربعين موردا من الموارد التي زعم ، أنها تشهد بكذب هذا التفسير وكونه موضوعا . ثم قال : ما نقلت من هذه الكتاب نموذج منه ، ولو أردت الاستقصاء لاحتجت إلى نقل جل الكتاب لولا كله ، فان الصحيح فيه في غاية الندرة . ثم قال : وأيضا لو لم يكن هذا الكتاب جعلا لنقل هذه المعجزات العجيبة التي نقلها عن النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام وباقي الأئمة عليهم السلام ، ولرواها علماء الإمامية . وأيضا لو كان الكتاب من العسكري عليه السلام لنقل شيئا منه علي بن إبراهيم القمي ، ومحمد بن مسعود العياشي اللذان كانا في عصره عليه السلام ومحمد بن العباس بن مروان الذي كان مقاربا لعصره عليه السلام في تفاسيرهم ، والكل موجود ليس في شئ منها أثر منه[4].
     وقال الميرزا أبو الحسن الشعراني: ولم ينقل الطبرسي عن التفسير المنسوب إلى العسكري عليه السلام. وقال العلامة في محمد بن القاسم الأسترآبادي : إنه موضوع ، وضعه سهل بن أحمد الديباجي ، وأحاديثه مناكير . أقول : ومن أغلاطه أن الحجاج حبس المختار بن أبي عبيدة وهم بقتله ولم يمكنه الله منه حتى نجاه وانتقم من قتلة الحسين عليه السلام ، مع أن إمارة الحجاج كان من سنة 75 وقتل المختار قبل ذلك بسنين وكان ظهوره على قتلة الحسين سنة 64 ، وإنما قتل الم ختار مصعب بن زبير وقتل مصعبا عبد الملك ، وفي ذلك قال له رجل : هذا رأس مصعب لدى ، ورأيت رأس المختار هنا لدى مصعب ، ورأس ابن زياد لدى المختار ، ورأس الحسين عليه السلام لدى ابن زياد ، فقال عبد الملك : لا أراك الله الخامس ، في قصة خ ب بسببها عبد الملك قصر الامارة بالكوفة . ولم يكن واضع هذا التفسير عارفا بالتاريخ . والعجب أن ما نقلنا عن التفسير عن التفسير موجود في البحار ولم يتعرض المجلسي  لرده . ومن أغلاطه أيضا أنه توهم أن سعد بن أبي وقاص كان في فتح نهاوند . وذكر في تفسير " إن كنتم في ريب مما نزلنا . . . " ما يستحيى من نقله ويشمئز الطبع من قرائته ، نعوذ بالله من الضلال ، ونسأله الهداية والصواب[5].
     وقال محمد هاشم الخوانساري : إن احتمال الواضع فيه ( أي فقه الرضا ) بعيد لما يلوح عليه من حقيقة الصدق والحق . ولان ما استعمل عليه من الأصول والفروع والأخلاق أكثرها مطابق لمذهب الامامية ، وما صح عن الأئمة ، ولا يخفى أنه لا داعي للوضع في مثل ذلك ، فان غرض الواضعين تزييف الحق ، وترويج الباطل ، والغالب وقوعه عن الغلاة والمفوضة والكتاب خال عما يوهم ذلك بخلاف غيره مما نسب إلى الأئمة عليهم الصلاة والسلام كمصباح الشريعة المنسوب إلى مولانا الصادق عليه السلام ، وتفسير الامام المنسوب إلى سيدنا أبي محمد العسكري ، فان من أمعن النظر في تضاعيفهما اطلع على أمور عظيمة مخالفة لأصول الدين أو المذهب ، مغيرة لطريقة الأئمة عليهم السلام وسياق كلماتهم[6].
     ويقول الخوئي في ترجمة علي بن محمد بن سيار : التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام ، إنما هو برواية هذا الرجل وزميله يوسف بن محمد بن زياد ، وكلاهما مجهول الحال ، ولا يعتد برواية أنفسهما عن الإمام عليه السلام ، اهتمامه عليه السلام بشأنهما ، وطلبه من أبويهما إبقاءهما عنده ، لافادتهما العلم الذي يشرفهما الله به . هذا مع أن الناظر في هذا التفسير لا يشك في أنه موضوع ، وجل مقام عالم محقق أن يكتب مثل هذا التفسير ، فكيف بالامام عليه السلام[7].
     وقال في موضع آخر : التفسير المنسوب إلى العسكري عليه السّلام لم يثبت بطريق قابل للاعتماد عليه فإن في طريقه جملة من المجاهيل كمحمّد بن القاسم الأسترآبادي ، ويوسف بن محمد بن زياد ، وعلي بن محمد بن سيار[8].
     أما الفريق الآخر وهم القائلون بكونه كسائر كتب الشيعة، من حيث أن فيها الصحيح والضعيف، أو هو كتاب معتبر كله أو جله ، والنافون لكونه موضوعا، فهم جماعة حملت نقولهم من التفسير على انها إقرار على إعتباره.
    منهم ابن بابويه القمي الملقب يالصدوق، حيث نقل في الكثير من كتبه بعض روايات هذا التفسير إما بعين سند التفسير وإما مع اختلاف يسير .
     ومنهم الطبرسي صاحب "الاحتجاج" حيث قال في مقدمة كتابه : ولا نأتي في أكثر ما نورده من الاخبار باسناده إما لوجود الاجماع عليه ، أو موافقته لما دلت العقول عليه ، أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف ، إلا ما أوردته عن أبي محمد الحسن العسكري عليهما السلام فإنه ليس في الاشتهار على حد ما سواه ، وإن كان مشتملا على مثل الذي قدمناه ، فلا جل ذلك ذكرت إسناده في أول جزء من ذلك دون غيره لان جميع ما رويت عنه عليه السلام ، إنما رويته باسناد واحد من جملة الاخبار التي ذكرها عليه السلام في تفسيره[9].
     ومنهم المجلسي : كتاب تفسير الامام من الكتب المعروفة ، واعتمد الصدوق عليه وأخذ منه وإن طعن فيه بعض المحدث ين ، ولكن الصدوق أعرف وأقرب عهدا ممن طعن فيه ، وقد روى عنه أكثر العلماء من غير غمز فيه[10].
ومنهم المجلسي الأول قال : المفسر الأسترآبادي واعتمد عليه الصدوق وكان شيخه . فما ذكره ابن الغضائري باطل ، وتوهم أن مثل هذا التفسير لا يليق أن ينسب إلى المعصوم عليه السلام ( مردود ) ، ومن كان مرتبطا بكلام الأئمة عليهم السلام يعلم أنه كلامهم عليهم السلام واعتمد عليه شيخنا الشهيد الثاني ، ونقل أخبارا كثيرة عنه في كتبه ، واعتمد التلميذ الذي كان مثل الصدوق يكفي ، عفى الله عنا وعنهم[11].
     ومنهم البروجردي : التفسير المنسوب إلى الإمام الهمام الحسن ابن علي العسكري عليه وعلى آبائه وعلى ولده الخلف الحجة أفضل الصلاة والسلام ، والإسناد إليه مذكور في أوله وشهرته بين الإمامية وتلقّيهم له بالقبول وإيرادهم أخباره في كثير من الكتب والأصول يكفينا مؤنة التأمل في أحوال رجاله فضلا عن الإصغاء إلى قدح من يقدح فيه من المحدّثين سيما مع كون الأصل في ذلك هو ابن الغضايري الذي لا يكاد يسلم من طعنة جليل[12].
     وهكذا حال البقية، بين ناقل منه، أو مؤيد له لنقل الصدوق والطبرسي وغيرهما عنه.
وبعيداً عن كل هذا، إليك بعضاً من نصوص هذا تفسير:
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله تعالى - يا أبا جهل - إنما دفع عنك العذاب لعلمه بأنه سيخرج من صلبك ذرية طيبة : عكرمة ابنك ، وسيلي من أمور المسلمين ما إن أطاع الله ورسوله فيه كان عند الله جليلا ، وإلا فالعذاب نازل عليك[13].
     وهذا الحديث لا أظنه يسر الشيعة.
     قال أمير المؤمنين عليه السلام : وسيصيب أكثر الذين ظلموا رجزا في الدنيا بسيوف بعض من يسلط الله تعالى عليهم للانتقام بما كانوا يفسقون كما أصاب بني إسرائيل الرجز . قيل : ومن هو ؟ قال : غلام من ثقيف ، يقال له " المختار بن أبي عبيد" . وقال علي بن الحسين عليهما السلام : فكان ذلك بعد قوله هذا بزمان . وان هذا الخبر اتصل بالحجاج بن يوسف عليه لعائن الله من قول علي بن الحسين عليهما السلام فقال : أما رسول الله فما قال هذا ، وأما علي بن أبي طالب فأنا أشك هل حكاه عن رسول الله ، وأما علي بن الحسين فصبي مغرور ، يقول الأباطيل ويغربها متبعوه ، اطلبوا إلي المختار . فطلب ، وأخذ فقال : قدموه إلى النطع واضربوا عنقه فأتي بالنطع فبسط وأنزل عليه المختار ، ثم جعل الغلمان يجيئون ويذهبون لا يأتون بالسيف . قال الحجاج : مالكم ؟ قالوا : لسنا نجد مفتاح الخزانة ، وقد ضاع منا ، والسيف في الخزانة . فقال المختار : لن تقتلني ، ولن يكذب رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولئن قتلتني ليحييني الله حتى أقتل منكم ثلاثمائة وثلاثة وثمانين ألفا... والقصة طويلة[14].
     والمعلوم أن المختار قتل على يد مصعب بن الزبير سنة 67 ه، بينما تولية الحجاج على العراق كانت سنة 75 ه أيام حكم عبد الملك بن مروان.
     وتحت [ قصة ليلة المبيت ] جاء في التفسير : هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وآله لكل أصحابه ، وبها أوصى حين صار إلى الغار . فان الله تعالى قد أوحى إليه : يا محمد إن العلي الاعلى يقرأ عليك السلام ، ويقول لك : إن أبا جهل والملا من قريش قد دبروا يريدون قتلك ، وآمرك أن تبيت عليا في موضعك ، وقال لك : إن منزلته منزلة إسماعيل الذبيح من إبراهيم الخليل يجعل نفسه لنفسك فداءا ، وروحه لروحك وقاءا ، وآمرك أن تستصحب أبا بكر ، فإنه إن آنسك وساعدك ووازرك وثبت على ما يعاهدك ويعاقدك ، كان في الجنة من رفقائك ، وفي غرفاتها من خلصائك .... ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي بكر : أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر تطلب كما اطلب ، وتعرف بأنك أنت الذي تحملني على ما أدعيه ، فتحمل عني أنواع العذاب ؟ قال أبو بكر : يا رسول الله أما أنا لو عشت عمر الدنيا أعذب في جميعها أشد عذاب لا ينزل علي موت مريح ، ولا فرج متيح وكان في ذلك محبتك لكان ذلك أحب إلي من أن أتنعم فيها وأنا مالك لجميع ممالك ملوكها في مخالفتك ، وهل أنا ومالي وولدي إلا فداؤك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا جرم إن اطلع الله على قلبك ووجد ما فيه موافقا لما جرى على لسانك ، جعلك مني بمنزلة السمع والبصر والرأس من الجسد ، وبمنزلة الروح من البدن ، كعلي الذي هو مني كذلك ، وعلي فوق ذلك لزيادة فضائله وشريف خصاله[15].
     وهذه رواية أخرى لا يسر الشيعة تبوتها.
     وتحت عنوان [توسل آدم عليه السلام بمحمد صلى الله عليه وآله وقبول توبته بهم عليهم السلام :] قال : قال عليه السلام : فلما زلت من آدم الخطيئة ، واعتذر إلى ربه عز وجل ، قال : يا رب تب علي ، واقبل معذرتي ، وأعدني إلى مرتبتي ، وارفع لديك درجتي فلقد تبين نقص الخطيئة وذلها في أعضائي وسائر بدني . قال الله تعالى : يا آدم أما تذكر أمري إياك بأن تدعوني بمحمد وآله الطيبين عند شدائدك ودواهيك ، وفي النوازل التي تبهظك ؟ قال آدم : يا رب بلى . قال الله عز وجل ( له : فتوسل بمحمد ) وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم خصوصا ، فادعني أجبك إلى ملتمسك ، وأزدك فوق مرادك . فقال آدم : يا رب ، يا إلهي وقد بلغ عندك من محلهم أنك بالتوسل إليك بهم تقبل توبتي وتغفر خطيئتي ، وأنا الذي أسجدت له ملائكتك ، وأبحته جنتك وزوجته حواء أمتك ، وأخدمته كرام ملائكتك ! قال الله تعالى : يا آدم إنما أمرت الملائكة بتعظيمك و بالسجود لك إذ كنت وعاءا لهذه الأنوار ، ولو كنت سألتني بهم قبل خطيئتك أن أعصمك منها ، وأن أفطنك لدواعي عدوك إبليس حتى تحترز منه لكنت قد جعلت ذلك . ولكن المعلوم في سابق علمي يجري موافقا لعلمي ، فالآن فبهم فادعني لأجبك . فعند ذلك قال آدم : " اللهم [ بجاه محمد وآله الطيبين ] بجاه محمد وعلي وفاطمة ، والحسن والحسين والطيبين من آلهم لما تفضلت علي بقبول توبتي وغفران زلتي وإعادتي من كراماتك إلى مرتبتي " . فقال الله عز وجل : قد قبلت توبتك ، وأقبلت برضواني عليك ، وصرفت آلائي ونعمائي إليك وأعدتك إلى مرتبتك من كراماتي ، ووفرت نصيبك من رحماتي[16].
     وتحت عنوان [ ذكر توبة آدم وتوسله بمحمد وآله صلوات الله عليهم أجمعين : ] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لما زلت الخطيئة من آدم عليه السلام واخرج من الجنة وعوتب ووبخ قال : يا رب إن تبت وأصلحت أتردني إلى الجنة ؟ قال : بلى . قال آدم : فكيف أصنع يا رب حتى أكون تائبا وتقبل توبتي ؟ فقال الله عز وجل : تسبحني بما أنا أهله ، وتعترف بخطيئتك كما أنت أهله ، وتتوسل إلى بالفاضلين الذين علمتك أسماءهم ، وفضلتك بهم على ملائكتي ، وهم محمد وآله الطيبون وأصحابه الخيرون . فوفقه الله تعالى فقال : يا رب لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين بحق محمد وآله الطيبين وخيار أصحابه المنتجبين [ سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي ، فتب علي إنك أنت التواب الرحيم ، بحق محمد وآله الطيبين وخيار أصحابه المنتجبين ] . فقال الله تعالى : لقد قبلت ثوبتك ، وآية ذلك أني انقي بشرتك ، فقد تغيرت - وكان ذلك لثلاث عشر من شهر رمضان - فصم هذه الثلاثة الأيام التي تستقبلك فهي أيام البيض ينقي الله في كل يوم بعض بشرتك . فصامها فنقى في كل يوم منها ثلث بشرته . فعند ذلك قال آدم . يا رب ما أعظم شأن محمد وآله وخيار أصحابه ؟ فأوحى الله تعالى إليه : يا آدم إنك لو عرفت كنه جلال محمد وآله عندي وخيار أصحابه ، لأحببته حبا يكون أفضل أعمالك . قال آدم : يا رب عرفني لأعرف . قال الله تعالى : يا آدم إن محمدا لو وزن به جميع الخلق من النبيين والمرسلين والملائكة المقربين وسائر عبادي الصالحين من أول الدهر إلى آخره ومن الثرى إلى العرش لرجح بهم ، وإن رجلا من خيار آل محمد لو وزن به جميع آل النبيين لرجح بهم ، وإن رجلا من خيار أصحاب محمد لو وزن به جميع أصحاب المرسلين لرجح بهم . يا آدم لو أحب رجل من الكفار أو جميعهم رجلا من آل محمد وأصحابه الخيرين لكافأه الله عن ذلك بأن يختم له بالتوبة والايمان ، ثم يدخله الله الجنة . إن الله ليفيض على كل واحد من محبي محمد وآله محمد وأصحابه من الرحمة ما لو قسمت على عدد كعدد كل ما خلق الله من أول الدهر إلى آخره وكانوا كفارا لكفاهم ، ولأداهم إلى عاقبة محمودة : الايمان بالله حتى يستحقوا به الجنة . وإن رجلا ممن يبغض آل محمد وأصحابه الخيرين أو واحدا منهم لعذبه الله عذابا لو قسم على مثل عدد ما خلق الله تعالى لأهلكهم أجمعين[17].
     وتحت عنوان [ في من شك أن الحق لعلى عليه السلام : ] قال : حضر رجل عند علي بن الحسين عليهما السلام فقال له : ما تقول في رجل يؤمن بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله : وما أنزل على من قبله ، ويؤمن بالآخرة ، ويصلي ويزكي ، ويصل الرحم ، ويعمل الصالحات ولكنه مع ذلك يقول : لا أدري الحق لعلي أو لفلان ؟ فقال له علي بن الحسين عليهما السلام : ما تقول أنت في رجل يفعل هذه الخيرات كلها إلا أنه يقول : لا أدري النبي محمد أو مسيلمة ؟ هل ينتفع بشئ من هذه الأفعال ؟ فقال : لا . قال : فكذلك صاحبك هذا ، فكيف يكون مؤمنا بهذه الكتب من لا يدري أمحمد النبي أم مسيلمة الكذاب ؟ وكذلك كيف يكون مؤمنا بهذه الكتب وبالآخرة أو منتفعا بشئ من أعماله من لا يدري أعلي محق ؟ أم فلان ؟[18].
     وقال تحت عنوان [ معجزاته صلى الله عليه وآله : ] قال محمد بن علي الباقر عليهما السلام : إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة ، وظهرت آثار صدقه ، وآيات حقه ، وبينات نبوته ، كادته اليهود أشد كيد ، وقصدوه أقبح قصد يقصدون أنواره ليطمسوها ، وحججه ليبطلوها . فكان ممن قصده للرد عليه وتكذيبه : مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وجدي بن أخطب ، وأبو ياسر بن أخطب وأبو لبابة بن عبد المنذر وشعبة . فقال مالك لرسول الله صلى الله عليه وآله : يا محمد تزعم أنك رسول الله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كذلك قال الله خالق الخلق أجمعين . قال : يا محمد لن نؤمن لك أنك رسول الله حتى يؤمن لك هذا البساط الذي تحتنا ، ولن نشهد أنك عن الله جئتنا حتى يشهد لك هذا البساط . وقال أبو لبابة بن عبد المنذر : لن نؤمن لك يا محمد أنك رسول الله ، ولا نشهد لك به حتى يؤمن ويشهد لك هذا السوط الذي في يدي . وقال كعب بن الأشرف : لن نؤمن لك أنك رسول الله ، ولن نصدقك به حتى يؤمن لك هذا الحمار الذي أركبه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنه ليس للعباد الاقتراح على الله تعالى ، بل عليهم التسليم لله والانقياد لامره والاكتفاء بما جعله كافيا . أما كفاكم أن أنطق التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، وصحف إبراهيم بنبوتي ودل على صدقي ، وبين لكم فيها ذكر أخي ووصيي ، وخليفتي ، وخير من أتركه على الخلائق من بعدي علي بن أبي طالب وأنزل علي هذا القرآن الباهر للخلق أجمعين ، المعجز لهم عن أن يأتوا بمثله وأن يتكلفوا شبهه . وأما هذا الذي اقترحتموه ، فلست أقترحه على ربي عز وجل ، بل أقول إنما أعطانيربي تعالى من دلالة هو حسبي وحسبكم ، فان فعل عز وجل ما اقترحتموه فذاك زائد في تطوله علينا وعليكم ، وإن منعنا ذلك فلعلمه بأن الذي فعله كاف فيما أراده منا . قال فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من كلامه هذا أنطق الله البساط فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا صمدا حيا قيوما أبدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، ولم يشرك في حكمه أحدا وأشهد أنك - يا محمد - عبده ورسوله ، أرسلك بالهدى ودين الحق ليظهرك على الدين كله ولو كره المشركون. وأشهد أن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أخوك ووصيك ، وخليفتك في أمتك ، وخير من تتركه على الخلائق بعدك ، وأن من والاه فقد والاك ، ومن عاداه فقد عاداك ، ومن أطاعه فقد أطاعك ، ومن عصاه فقد عصاك . وأن من أطاعك فقد أطاع الله ، واستحق السعادة برضوانه . وأن من عصاك فقد عصى الله ، واستحق أليم العذاب بنيرانه . قال : فعجب القوم ، وقال بعضهم لبعض : ما هذا إلا سحر مبين . فاضطرب البساط وارتفع ، ونكس مالك بن الصيف وأصحابه عنه حتى وقعوا على رؤوسهم ووجوههم . ثم أنطق الله تعالى البساط ثانيا فقال : أنا بساط أنطقني الله وأكرمني بالنطق بتوحيده وتمجيده ، والشهادة لمحمد صلى الله عليه وآله نبيه بأنه سيد أنبيائه ، ورسوله إلى خلقه ، والقائم بين عباد الله بحقه ، و بامامة أخيه ، ووصيه ووزيره ، وشقيقه وخليله ، وقاضي ديونه ومنجز عداته ، وناصر أوليائه وقامع أعدائه ، والانقياد لمن نصبه إماما ووليا ، والبراءة ممن اتخذه منابذا وعدوا . فما ينبغي لكافر أن يطأني ، ولا أن يجلس علي إنما يجلس علي المؤمنون . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار : قوموا فاجلسوا عليه فإنكم بجميع ما شهد به هذا البساط مؤمنون . فجلسوا عليه . ثم أنطق الله عز وجل سوط أبي لبابة بن عبد المنذر فقال: أشهد أن لا إله إلا الله خالق الخلق ، وباسط الرزق ، ومدبر الأمور ، والقادر على كل شئ . وأشهد أنك يا محمد عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وحبيبه ووليه ونجيه جعلك السفير بينه وبين عباده ، لينجي بك السعداء ، ويهلك بك الأشقياء . وأشهد أن علي بن أبي طالب المذكور في الملا الاعلى بأنه سيد الخلق بعدك وأنه المقاتل على تنزيل كتابك ليسوق مخالفيه إلى قبوله طائعين وكارهين .ثم المقاتل بعد على تأويله المحرفين الذين غلبت أهواءهم عقولهم ، فحرفوا تأويل كتاب الله تعالى وغيروه ، والسابق إلى رضوان الله أولياء الله بفضل عطيته والقاذف في نيران الله أعداء الله بسيف نقمته ، والمؤثرين لمعصيته ومخالفته . قال : ثم انجذب السوط من يد أبي لبابة ، وجذب أبا لبابة فخر لوجهه ، ثم قام بعد فجذبه السوط فخر لوجهه ، ثم لم يزل كذلك مرارا حتى قال أبو لبابة : ويلي مالي ؟ قال : فأنطق الله عز وجل السوط فقال : يا أبا لبابة إني سوط قد أنطقني الله بتوحيده وأكرمني بتمجيده ، وشرفني بتصديق نبوة محمد سيد عبيده ، وجعلني ممن يوالي خير خلق الله بعده ، وأفضل أولياء الله من الخلق حاشاه والمخصوص بابنته سيدة النسوان ، والمشرف ببيتوتته على فراشه أفضل الجهاد ، والمذل لأعدائه بسيف الانتقام ، والباين في أمته بعلوم الحلال والحرام ، والشرائع والأحكام ، ما ينبغي لكافر مجاهر بالخلاف على محمد أن يبتذلني ويستعملني ، ولا أزال أجذبك حتى أثخنك ، ثم أقتلك ، وأزول عن يدك ، أو تظهر الايمان بمحمد صلى الله عليه وآله . فقال أبو لبابة : فأشهد بجميع ما شهدت به أيها السوط وأعتقده ، وأؤمن به . فنطق السوط : ها أنا ذا قد تقررت في يدك ، لاظهارك الايمان ، والله أولى بسريرتك وهو الحاكم لك ، أو عليك في يوم الوقت المعلوم . قال عليه السلام : ولم يحسن إسلامه وكانت منه هنات وهنات . فلما قام القوم من عند رسول الله صلى الله عليه وآله جعلت اليهود يسر بعضها إلى بعض بأن محمدا لمؤتى له ومبخوت في أمره ، وليس بنبي صادق . وجاء كعب بن الأشرف يركب حماره فشب به الحمار ، وصرعه على رأسه فأوجعه ، ثم عاد يركبه ، فعاد عليه الحمار بمثل صنيعه ، ثم عاد يركبه ، فعاد عليه الحمار بمثل صنيعه ، فلما كان في السابعة أو الثامنة أنطق الله تعالى الحمار ، فقال : يا عبد الله بئس العبد أنت ، شاهدت آيات الله وكفرت بها وأنا حمار قد أكرمني الله عز وجل بتوحيده فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، خالق الأنام ذو الجلال والاكرام وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، سيد أهل دار السلام مبعوث لاسعاد من سبق في علم الله سعادته ، وإشقاء من سبق الكتاب عليه بالشقاء له . وأشهد أن بعلي بن أبي طالب وليه ووصي رسوله يسعد الله من يسعده إذا وفقه لقبول موعظته ، والتأدب بآدابه والائتمار لأوامره ، والانزجار بز واجره وأن الله تعالى بسيوف سطوته وصولات نقمته يكب ويخزي أعداء محمد حتى يسوقهم بسيفه الباتر ودليله الواضح القاهر إلى الايمان به ، أو يقذفه الله في الهاوية إذا أبى إلا تماديا في غيه وامتدادا في طغيانه وعمهه ، ما ينبغي لكافر أن يركبني بل لا يركبني إلا مؤمن بالله ، مصدق بمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله ، في جميع أقواله مصوب له في جميع أفعاله فاعل أشرف الطاعات في نصبه أخاه عليا وصيا ووليا ، ولعلمه وارثا ، وبدينه قيما ، وعلى أمته مهيمنا ، ولديونه قاضيا ، ولعداته منجزا ، ولأوليائه مواليا ، ولأعدائه معاديا . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا كعب بن الأشرف حمارك خير منك ، وقد أبى أن تركبه فلن تركبه أبدا فبعه من بعض اخواننا المؤمنين . فقال كعب : لا حاجة لي فيه بعد أن ضرب بسحرك . فناداه حماره : يا عدو الله كف عن تهجم محمد رسول الله صلى الله عليه وآله والله لولا كراهة مخالفة رسول الله لقتلتك ، ووطيتك بحوافري ، ولقطعت رأسك بأسناني . فخزي وسكت ، واشتد جزعه مما سمع من الحمار[19].
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أيكم قضى البارحة ألف درهم وسبعمائة درهم ؟ فقال علي بن أبي طالب عليه السلام : أنا يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا علي فحدث إخوانك المؤمنين كيف كانت قصته أصدقك لتصديق الله إياك ، فهذا الروح الأمين أخبرني عن الله عز وجل أنه قد هذبك من القبيح كله ، ونزهك عن المساوئ بأجمعها ، وخصك من الفضائل بأشرفها وأفضلها لا يتهمك إلا من كفر به ، وأخطأ حظ نفسه . فقال علي عليه السلام : مررت البارحة بفلان بن فلان المؤمن ، فوجدت فلانا - وأنا أتهمه بالنفاق - قد لازمه وضيق عليه فناداني المؤمن : يا أخا رسول الله وكشاف الكرب عن وجه رسول الله ، وقامع أعداء الله عن حبيبه ، أغثني واكشف كربتي ، ونجني من غمي ، سل غريمي هذا لعله يجيبك ، ويؤجلني ، فاني معسر . فقلت له : الله ، إنك لمعسر ؟ ! فقال : يا أخا رسول الله لئن كنت أستحل أن أكذب فلا تأمني على يميني أيضا ، أنا معسر ، وفي قولي هذا صادق ، وأوقر الله واجله من أن أحلف به صادقا أو كاذبا . فأقبلت على الرجل فقلت : إني لأجل نفسي عن أن يكون لهذا علي يد أو منة واجلك أيضا عن أن يكون له عليك يد أو منة ، وأسأل مالك الملك الذي لا يؤنف من سؤاله ولا يستحى من التعرض لثوابه . ثم قلت : اللهم بحق محمد وآله الطيبين لما قضيت عن عبدك هذا الدين . فرأيت أبواب السماء تنادي أملاكها : يا أبا الحسن مر هذا العبد يضرب بيده إلى ما شاء مما بين يديه من حجر ومدر وحصيات وتراب ليستحيل في يده ذهبا ، ثم يقضي دينه منه ، ويجعل ما يبقى نفقته وبضاعته التي يسد بها فاقته ، ويمون بها عياله . فقلت : يا عبد الله قد أذن الله بقضاء دينك ، و بيسارك بعد فقرك ، اضرب بيدك إلى ما تشاء مما أمامك فتناوله ، فان الله يحوله في يدك ذهبا إبريزا . فتناول أحجارا ثم مدرا فانقلبت له ذهبا أحمر . ثم قلت له : افصل له منها قدر دينه فأعطه . ففعل . قلت : والباقي رزق ساقه الله تعالى إليك . وكان الذي قضاه من دينه ألفا وسبعمائة درهم . وكان الذي بقي أكثر من مائة ألف درهم ، فهو من أيسر أهل المدينة[20].
     وقال الامام عليه السلام : قال الامام موسى بن جعفر عليهما السلام : إن رسول الله صلى الله عليه وآله ، لما اعتذر هؤلاء المنافقين إليه بما اعتذروا ، تكرم عليهم بأن قبل ظواهرهم ووكل بواطنهم إلى ربهم ، لكن جبرئيل عليه السلام أتاه فقال : يا محمد إن العلي الاعلى يقرأ عليك السلام ويقول : اخرج بهؤلاء المردة الذين اتصل بك عنهم في علي عليه السلام : على نكثهم لبيعته ، وتوطينهم نفوسهم على مخالفتهم عليا ليظهر من عجائب ما أكرمه الله به ، من طواعية الأرض والجبال والسماء له وسائر ما خلق الله - لما أوقفه موقفك وأقامه مقامك - . ليعلموا أن ولي الله عليا ، غني عنهم ، وأنه لا يكف عنهم انتقامه منهم إلا بأمر الله الذي له فيه وفيهم التدبير الذي هو بالغه ، والحكمة التي هو عامل بها وممض لما يوجبها . فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله الجماعة - من الذين اتصل به عنهم ما اتصل في أمر علي عليه السلام والمواطأة على مخالفته - بالخروج . فقال لعلي عليه السلام - لما استقر عند سفح بعض جبال المدينة - : يا علي إن الله عز وجل أمر هؤلاء بنصرتك ومساعدتك ، والمواظبة على خدمتك ، والجد في طاعتك ، فان أطاعوك فهو خير لهم ، يصيرون في جنان الله ملوكا خالدين ناعمين ، وإن خالفوك فهو شر لهم ، يصيرون في جهنم خالدين معذبين . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لتلك الجماعة : اعلموا أنكم إن أطعتم عليا عليه السلام سعدتم وإن خالفتموه شقيتم ، وأغناه الله عنكم بمن سيريكموه ، وبما سيريكموه . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا علي سل ربك بجاه محمد وآله الطيبين ، الذين أنت بعد محمد سيدهم ، أن يقلب لك هذه الجبال ما شئت . فسأل ربه تعالى ذلك ، فانقلبت فضة . ثم نادته الجبال : " يا علي يا وصي رسول رب العالمين إن الله قد أعدنا لك إن أردت إنفاقنا في أمرك ، فمتى دعوتنا أجبناك لتمضي فينا حكمك ، وتنفذ فينا قضاءك " ثم انقلبت ذهبا أحمر كلها ، وقالت مقالة الفضة ، ثم انقلبت مسكا وعنبرا وعبيرا وجواهر ويواقيت ، وكل شئ منها ينقلب إليه يناديه : يا أبا الحسن يا أخا رسول الله صلى الله عليه وآله نحن المسخرات لك ، ادعنا متى شئت لتنفقنا فيما شئت نجبك ، ونتحول لك إلى ما شئت . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أرأيتم قد أغنى الله عز وجل عليا - بما ترون - عن أموالكم ؟ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا علي سل الله عز وجل بمحمد وآله الطيبين الذين أنت سيدهم بعد محمد رسول الله أن يقلب لك أشجارها رجالا شاكي الأسلحة ، وصخورها اسودا ونمورا وأفاعي . فدعا الله علي بذلك ، فامتلأت تلك الجبال والهضاب وقرار الأرض من الرجال الشاكي الأسلحة الذين لا يفي بواحد منهم عشرة آلاف من الناس المعهودين ، ومن الأسود والنمور والأفاعي حتى طبقت تلك الجبال والأرضون والهضاب بذلك و كل ينادي : يا علي يا وصي رسول الله ، ها نحن قد سخرنا الله لك ، وأمرنا بإجابتك – كلما دعوتنا - إلى اصطلام كل من سلطتنا عليه ، فمتى شئت فادعنا نجبك ، وبما شئت فأمرنا به نطعك . يا علي يا وصى رسول الله إن لك عند الله من الشأن العظيم ما لو سألت الله أن يصير لك أطراف الأرض وجوانبها هيئة واحدة كصرة كيس لفعل ، أو يحط لك السماء إلى الأرض لفعل ، أو يرفع لك الأرض إلى السماء لفعل ، أو يقلب لك ما في بحارها الأجاج ماء عذبا أو زئبقا بانا ، أو ما شئت من أنواع الأشربة والادهان لفعل ولو شئت أن يجمد البحار ويجعل سائر الأرض هي البحار لفعل ، فلا يحزنك تمرد هؤلاء المتمردين ، وخلاف هؤلاء المخالفين ، فكأنهم بالدنيا إذا انقضت . عنهم كأن لم يكونوا فيها ( وكأنهم بالآخرة إذا وردت عليهم كأن ) لم يزالوا فيها . يا علي ان الذي أمهلهم مع كفرهم وفسقهم في تمردهم عن طاعتك هو الذي أمهل فرعون ذا الأوتاد ، ونمرود بن كنعان ، ومن ادعى الإلهية من ذوي الطغيان وأطغى الطغاة إبليس رأس الضلالات . و ما خلقت أنت ولا هم لدار الفناء ، بل خلقتم لدار البقاء ، ولكنكم تنقلون من دار إلى دار ، ولا حاجة لربك إلى من يسوسهم ويرعاهم ، ولكنه أراد تشريفك عليهم ، وإبانتك بالفضل فيهم ولو شاء لهداهم . قال عليه السلام : فمرضت قلوب القوم لما شاهدوه من ذلك ، مضافا إلى ما كان في قلوبهم من مرض حسدهم له و لعلي بن أبي طالب عليه السلام ، فقال الله عند ذلك : ( في قلوبهم مرض ) أي في قلوب هؤلاء المتمردين الشاكين الناكثين لما اخذت عليهم من بيعة علي بن أبي طالب عليه السلام ( فزادهم الله مرضا ) بحيث تاهت له قلوبهم جزاء بما أريتهم من هذه الآيات و المعجزات ( ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) محمدا ويكذبون في قولهم : إنا على البيعة والعهد مقيمون . قوله عز وجل : " وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون " . قال الإمام عليه السلام : قال العالم موسى بن جعفر عليها السلام : و إذا قيل لهؤلاء الناكثين للبيعة في يوم الغدير ( لا تفسدوا في الأرض ) باظهار نكث البيعة لعباد الله المستضعفين فتشوشون عليهم دينهم ، وتحيرونهم في مذاهبهم. ( قالوا إنما نحن مصلحون ) لأننا لا نعتقد دين محمد ولا غير دين محمد ونحن في الدين متحيرون ، فنحن نرضى في الظاهر بمحمد باظهار قبول دينه وشريعته ، ونقضي في الباطن إلى شهواتنا ، فنتمتع ونترفه  ونعتق أنفسنا من رق محمد ، ونفكها من طاعة ابن عمه علي ، لكي إن اديل في الدنيا كنا قد توجهنا عنده ، وإن اضمحل أمره كنا قد سلمنا من سبي أعدائه . قال الله عز وجل ( ألا إنهم هم المفسدون ) بما يقولون من أمور أنفسهم لان الله تعالى يعرف نبيه صلى الله عليه وآله نفاقهم ، فهو يلعنهم ويأمر المؤمنين بلعنهم ، ولا يثق بهم أيضا أعداء المؤمنين ، لأنهم يظنون أنهم ينافقونهم أيضا ، كما ينافقون أصحاب محمد صلى الله عليه وآله . فلا يرفع لهم عندهم منزلة ، ولا يحلون عندهم محل أهل الثقة . قوله عز وجل : " وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا انهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون " . قال الامام عليه السلام : قال الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام : وإذا قيل لهؤلاء الناكثين للبيعة - قال لهم خيار المؤمنين كسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار : - آمنوا برسول الله وبعلي الذي أوقفه موقفه ، وأقامه مقامه ، وأناط مصالح الدين والدنيا كلها به . فآمنوا بهذا النبي ، وسلموا لهذا الامام ( في ظاهر الامر وباطنه ) كما آمن الناس المؤمنون كسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار. قالوا : في الجواب لمن يقصون إليه ، لا لهؤلاء المؤمنين فإنهم لا يجترؤون على مكاشفتهم بهذا الجواب ، ولكنهم يذكرون لمن يقصون إليهم من أهليهم الذين يثقون بهم من المنافقين ، ومن المستضعفين ومن المؤمنين الذين هم بالستر عليهم واثقون فيقولون لهم : ( أنؤمن كما آمن السفهاء ) يعنون سلمان وأصحابه لما أعطوا عليا خالص ودهم ، ومحض طاعتهم ، وكشفوا رؤوسهم بموالاة أوليائه ، ومعاداة أعدائه حتى إذا اضمحل أمر محمد صلى الله عليه وآله طحطحهم أعداؤه ، وأهلكهم سائر الملوك والمخالفين لمحمد صلى الله عليه وآله أي فهم بهذا التعرض لأعداء محمد جاهلون سفهاء ، قال الله عز وجل : ( ألا إنهم هم السفهاء ) الاخفاء العقول والآراء ، الذين لم ينظروا في أمر محمد صلى الله عليه وآله حق النظر فيعرفوا نبوته ، ويعرفوا به صحة ما ناطه بعلي عليه السلام من أمر الدين والدنيا ، حتى بقوا لتركهم تأمل حجج الله جاهلين ، وصاروا خائفين وجلين من محمد صلى الله عليه وآله وذويه ومن مخالفيهم ، لا يأمنون أيهم يغلب فيهلكون معه ، فهم السفهاء حيث لا يسلم لهم بنفاقهم هذا لا محبة محمد والمؤمنين ، ولا محبة اليهود وسائر الكافرين . لأنهم به وبهم يظهرون لمحمد صلى الله عليه وآله من موالاته وموالاة أخيه علي عليه السلام ومعاداة أعدائهم اليهود والنصارى والنواصب . كما يظهرون لهم من معاداة محمد وعلي صلوات الله عليهما وموالاة أعدائهم ، فهم يقدرون فيهم أن نفاقهم معهم كنفاقهم مع محمد وعلي صلوات الله عليهما . ( ولكن لا يعلمون ) أن الامر كذلك ، وأن الله يطلع نبيه صلى الله عليه وآله على أسرارهم فيخسهم ويلعنهم ويسقطهم . وله عز وجل : " وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا انا معكم إنما نحن مستهزؤن * الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون " قال الامام عليه السلام : قال موسى بن جعفر عليهما السلام : " وإذا لقوا " هؤلاء الناكثون للبيعة ، المواطؤن على مخالفة علي عليه السلام ودفع الامر عنه . ( الذين آمنوا قالوا آمنا ) كايمانكم ، إذا لقوا سلمان والمقداد وأبا ذر وعمار قالوا لهم : آمنا بمحمد صلى الله عليه وآله ، وسلمنا له بيعة علي عليه السلام وفضله ، وانقدنا لامره كما آمنتم . وإن أولهم ، وثانيهم وثالثهم إلى تاسعهم ربما كانوا يلتقون في بعض طرقهم مع سلمان وأصحابه ، فإذا لقوهم اشمأزوا منهم ، وقالوا : هؤلاء أصحاب الساحر والأهوج - يعنون محمدا وعليا صلوات الله عليهما - . ثم يقول بعضهم لبعض : احترزوا منهم لا يقفون من فلتات كلامكم على كفر محمد فيما قاله في علي ، فينموا عليكم فيكون فيه هلاككم ، فيقول أولهم : انظروا إلي كيف أسخر منهم ، وأكف عاديتهم عنكم ...ألخ[21].
     ولا يسعنا نقل التفسير كله، وفيما أوردنا كفاية لتقف عليه.


[1] رجال ابن الغضائري، لأحمد بن الحسين الغضائري، 98

[2] شارع النجاة، للداماد، 121

[3] آلاء الرحمن، للبلاغي، 1/ 49

[4] الاخبار الدخيلة، للتستري، 1/ 152

[5] مجمع البيان، للطبرسي، 10 / 580

[6] رسالة في تحقيق فقه الرضا، للخوانساري، 7

[7] معجم رجال الحديث، للخوئي، 13/ 157

[8] كتاب الاجتهاد والتقليد، للخوئي، 221

[9] الإحتجاج، لأبي منصور أحمد الطبرسي، 1/ 4

[10] بحار الأنوار، للمجلسي، 1/ 28

[11] روضة المتقين، لمحمد تقى المجلسي، 14/ 250

[12] تفسير الصراط المستقيم، لحسين البروجردي، 1/ 214

[13] تفسير الإمام العسكري، 513

[14] المصدر السابق، 547

[15] المصدر السابق، 465

[16] المصدر السابق، 225

[17] المصدر السابق، 391

[18] المصدر السابق، 89

[19] المصدر السابق، 92

[20] المصدر السابق، 100

[21] المصدر السابق، 114


عدد مرات القراءة:
745
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :